النص المفهرس

صفحات 301-320

قلت : قال الإمام : ما ذكره الحاكم فهو من باب ترجيح رواية على
رواية ، لا من باب التضعيف .
ومنها : ما أخرجه الطحاوي (١) عن أبي بكر النهشلي ، نا عاصم بن
كليب ، عن أبيه : أن عليا - رضي الله عنه - كان يرفع يديه في أول
تكبيرة من الصلاة ، ثم لا يعود يرفع)) . انتهى . وهو أثر صحيح .
ومنها : ما أخرجه البيهقي عن سوار بن مصعب ، عن عطية العوفي :
((أن أبا سعيد الخدري وابن عمر كانا يرفعان أيديهما أول ما يكبران ، ثم لا
يعودان))، ثم قال البيهقي : قال الحاكم : وعطية سيء الحال ، وسوار
أسوأ حالاً منه . وأسند البيهقي عن البخاري أنه قال : سوار بن مصعب
منكر الحديث . وعن ابن معين : أنه غير محتج به .
قلت : قال يحيى بن سعيد : عطية صالح ، كذا في الكمال .
ومنها: ما أخرجه الطحاوي في ((شرح الآثار)) (٢) عن إبراهيم
النخعي قال : ((كان عبد الله بن مسعود لا يرفع يديه في شيء من الصلوات
إلا في الافتتاح)) . قال الطحاوي : فإن قالوا : إن إبراهيم عن عبد الله
غير متصل ، قيل لهم : كان إبراهيم لا يرسل عن عبد الله إلا ما صح
عنده ، وتواترت به الرواية عنه ، كما أخبرنا ، وأسند عن الأعمش أنه قال
لإبراهيم : إذا حدثتني عن إبراهيم فأسند . قال : إذا قلت لك : قال
عبد الله ، فاعلم أني لم أقله حتى حدثنيه جماعة عنه ، وإذا قلت لك :
حدثني فلان ، عن عبد الله ، فهو الذي حدثني وحده عنه .
ومنها : ما رواه ابن أبي شيبة : ثنا وكيع ، عن سفيان ، عن عاصم بن
كليب ، عن عبد الله بن الأسود ، عن علقمة ، عن عبد الله قال : ألا
أريكم صلاة النبي - عليه السلام - فلم يرفع يديه إلا مرة .
ومنها : ما رواه أيضاً : حدَّثنا وكيع ، عن أبي بكر بن عبد الله بن
(١) (١/ ١٣٢) .
(٢) (٣١٣/١) .
- ٣٠١ -

قطاف النهشلي ، عن عاصم بن كليب ، عن أبيه : أن عليا كان يرفع يديه
إذا افتتح الصلاة ثم لا يعود .
ومنها : ما رواه أيضاً : نا ابن مبارك ، عن أشعث ، عن الشعبي : أنه
كان يرفع يديه في أول التكبيرة ، ثم لا يرفعهما .
ومنها : ما رواه أيضاً : نا وكيع وأبو أسامة ، عن شعبة ، عن
أبي إسحاق قال : كان أصحاب عبد الله ، وأصحاب عليّ لا يرفعون
أيديهم إلا في افتتاح (١) الصلاة . قال وكيع : ثم لا يعودون .
ومنها : ما رواه أيضاً : نا أبو بكر بن عياش ، عن حصين ومغيرة ،
عن إبراهيم قال : لا ترفع يديك في شيء من الصلاة إلا في الافتتاحية
الأولى .
ومنها : ما رواه أيضاً : نا أبو بكر ، عن الحجاج ، عن طلحة ، عن
خيثمة وإبراهيم قال : كانا لا يرفعان أيديهما إلا في بدوء الصلاة .
ومنها : ما رواه أيضاً : نا يحيى بن سعيد ، عن إسماعيل قال : كان
قيس يرفع يديه أول ما يدخل في الصلاة ، ثم لا يرفعهما .
[٢٤١/١ -ب] ومنها : ما رواه أيضاً: نا معاوية بن هشام / عن سفيان ، عن مسلم
الجهني قال : كان ابن أبي ليلى يرفع يديه أول شيء إذا كُبَّر .
ومنها : ما رواه : نا وكيع ، عن شريك ، عن جابر ، عن الأسود
وعلقمة : أنهما كانا يرفعان أيديهما إذا افتتحا ، ثم لا يعودان .
ومنها : ما رواه : نا ابن آدم ، عن حسن بن عياش ، عن عبد الملك
ابن أبجر ، عن الزبير بن عدي ، عن إبراهيم ، عن الأسود قال : صليت
مع عمر فلم يرفع يديه في شيء من صلاته إلا حين افتتح الصلاة . قال
عبد الملك : ورأيت الشعبي ، وإبراهيم ، وأبا إسحاق لا يرفعون أيديهم
إلا حين يفتتحون الصلاة .
(١) في الأصل: ((الافتتاح))، وما أثبتناه من مصنف ابن أبي شيبة (٢٣٦/١).
- ٣٠٢ -

وقال الطحاوي : ومذهبنا أيضاً قوي من جهة النظر ، فإنهم أجمعوا أن
التكبيرة الأولى معها رفع ، وأن التكبيرة بين السجدتين لا رفع بينهما ،
واختلفوا في تكبيرة الركوع ، وتكبيرة الرفع منه ، فخالفهما قوم بالتكبيرة
الأولى ، وألحقهما قوم بتكبيرة السجدتين ، ثم إنا رأينا تكبيرة الافتتاح من
صلب الصلاة لا تصح بدونها الصلاة ، والتكبيرة بين السجدتين ليست
بذلك ، ورأينا تكبيرة الركوع والنهوض ليستا من صلب الصلاة فألحقناهما
بتكبيرة السجدتين )) (١) .
وقال أشرف الدين بن نجيب الكاساني في (( البدائع)) : وروي عن ابن
عباس أنه قال : إن العشرة الذين شهد لهم رسول الله بالجنة ما كانوا
يرفعون أيديهم إلا لافتتاح الصلاة .
قلت : فعلى هذا مذهب أبي حنيفة مذهب جماعة من الصحابة
والتابعين ومَن بعدهم ؛ أما من الصحابة : فأبو بكر الصِّدِّيق ، وعمر ،
وعثمان ، وعليّ ، وطلحة بن عبيد الله ، والزبير بن العوام ، وسعد بن
أبي وقاص ، وسعيد بن زيد ، وعبد الرحمن بن عوف ، وأبو عبيدة عامر
ابن عبد الله بن الجراح ، فهؤلاء العشرة ، وعبد الله بن مسعود ، وجابر
ابن سمرة ، والبراء بن عازب ، وعبد الله بن عباس ، وعبد الله بن عمر،
وأبو سعيد الخدري ، ومن التابعين ومَن بعدهم : مذهب إبراهيم النخعي،
وابن أبي ليلى ، وعلقمة ، والأسود ، والشعبي ، وأبي إسحاق ،
وخيثمة، وقيس ، والثوري ، ومالك ، وابن القاسم ، والمغيرة ، ووكيع،
وعاصم بن كليب ، وجماعة آخرين .
والجواب عن أحاديث الرفع أنها منسوخة بدليل ما روي عن ابن مسعود
أنه قال: ((رفع رسول الله فرفعنا، وترك فتركنا)) على أن ترك الرفع عند
تعارض الأخبار أولى ؛ لأنه لو ثبت الرفع لأنزلوا درجته على السّنّة ؛
(١) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية عدا بعض آثار أوردها الشارح من مصنف
ابن أبي شيبة .
- ٣٠٣ -

ولأن ترك الرفع مع ثبوته لا يوجب الفساد - أعني : فساد الصلاة -
والتحصيل مع عدم الثبوت يوجب فساد الصلاة لأنه اشتغال بعمل اليدين
جميعاً ، وهو تفسير العمل الكثير .
السابع : هل يرفع بين السجدتين ؟ فقال ابن المنذر ، وأبو علي الطبري
من الشافعية : يرفع ، وهو قول جماعة من أهل الحديث ، وعند
الجمهور: لا يرفع لقوله: ((ولا يرفع بين السجدتين )).
٧٠٣ - ص - نا محمد بن المصفى الحمصي ، نا بقية ، نا الزبيدي ، عن
الزهري ، عن سالم ، عن عبد الله بن عمر قال : كان رسولُ الله - عليه
السلام- إذا قامَ إلى الصلاةِ رَفَعَ بَدَیَهِ حتی یكُونا (١) حَذْوَ مَنگِیهِ، ثم كبّر
وهما كذلك ، فيركَعُ ، ثم إذا أرادَ أَن يَرَفِعَ صُلْبَهَ رِفَعَهُما حتى يَكونا (١)
حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، ثم قال: (( سَمِعَ اللهُ لمن حَمِدَه )) ، ولا يَرفعُ يديه في السجود،
ويرفَعُهُمَاَ في كلِّ تكبيرَةٍ يكبِّرُهَا قبلَ الركوعِ حتى تنقضي صلاُه (٢).
ش - محمد بن المصفى بن بهلول الحمصي أبو عبد الله القرشي الشامي
روى عن : عليّ بن عباس ، ومحمد بن حرب ، وبقية بن الوليد بن
مسلم ، وغيرهم . روى عنه : أبو حاتم الرازي ، وابنه عبد الرحمن ،
وأبو داود ، والنسائي وقال : صدوق ، وابن ماجه ، وغيرهم . مات سنة
أربعين ومائتين بمكة (٣).
والزبيدي : هو محمد بن الوليد .
قوله: ((حذو )) بفتح الحاء ، وسكون الذال ، بمعنى حذاء .
قوله : « وهما كذلك ) يعني : يداه كذلك حذو منكبيه .
قوله: ((صُلُبه)) بضم الصاد ، أي : ظهره ، وجمعه أصلاب .
قوله: (( ولا يرفع يديه في السجود)) وبهذا أخذ الجمهور ، وقد ذهبت
(١) في سنن أبي داود: ((تكون)).
(٢) انظر التخريج المتقدم.
(٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٥٦١٣/٢٦).
- ٣٠٤ -

طائفة إلى الرفع في السجود أيضاً ؛ لما روى أبو بكر بن أبي شيبة ، نا
عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي ، عن حميد ، عن أنس : أن النبي
-عليه السلام - كان يرفع يديه في الركوع والسجود .
واعترض الطحاوي في ((شرح الآثار)) حديث ابن عمر فقال : وقد
روي / عن ابن عمر خلاف هذا ، ثم أسند عن أبي بكر بن عياش ، عن [٢٤٢/١-٢]
حصين ، عن مجاهد قال : صليت خلف ابن عمر ، فلم يكن يرفع يديه
إلا في التكبيرة الأولى من الصلاة . قال : فلا يكون هذا من ابن عمر إلا
وقد ثبت عنده نسخ ما رأى النبي - عليه السلام - يفعله . قال : فإن قيل
فقد روى طاوس ، عن ابن عمر خلاف ما رواه مجاهد . قلنا : كان هذا
قبل ظهور الناسخ . وقال الحاكم : كان أبو بكر بن عياش من الحفاظ
المتقنين ، ثم اختلط حتى ساء حفظه ، فروى ما خولف فيه ، فكيف تجوز
دعوى نسخ حديث ابن عمر بمثل هذا الحديث الضعيف ؟ أو نقول : إنه
تركه مرة للجواز ، إذ لا نقول بوجوبه ، ففعله يدل على أنه سُنَّة ، وتركه
يدل على أنه غير واجب .
قلت : لا نسلم أن ذلك الحديث ضعيف ؛ لأن إسناده صحيح ، فيجوز
به النسخ . ولقائل أن يقول لهم - ولا سيما للشافعية - : أنتم تثبتون
سنية الرفع في الحالتين بحديث ابن عمر ، وتنكرون النسخ ؛ فلم لا
تعملون بالزيادة التي فيه ، وهي الرفع عند القيام من الركعتين ؟ وهي زيادة
مقبولة ، فإذا ألزمتمونا بالقول بزيادة الرفع عند الركوع والرفع منه ؛
ألزمناكم بالقول بزيادة الرفع عند القيام من الركعتين .
٧٠٤ - ص - نا عبيد الله بن عمر بن ميسرة ، نا عبد الوارث بن سعید ، نا
محمد بن جُحادة قال : حدثني عبد الجبار بن وائل بن حجر قال : كنتُ
غُلاماً لا أَعْقِلُ صَلاةَ أبي ، فحدَّثْني وائلُ بنُ علقمةَ، عن أبي : وائل بن حُجر
قال : صليتُ مع رسول الله - عليه السلام - فكانَ إذا كَبَّرَ رَفَعَ يَدِيهِ . قال :
ثم الْتَحَفَ، ثم أَخَذَ شَمَالَهَ بيمينه ، وأَدخلَ يديه في ثوبه . قال : فإذا أرادَ أن
يركعَ أخرجَ يديهِ ثم رَفَعَهُمَا، وَإِذا أَرَادَ أن يرفَعَ رأسه من الركوعِ رَفِعَ یدیه
٢٠ , شرح سنن أبي داوود ٣
- ٣٠٥ -

ثم سَجَدَ ، ووضعَ وجهَهُ بين كَفَّهِ ، وإذا رفعَ رأسَه من السجودِ أيضاً رفعَ
یدیه حتى فرغ من صلاته. قال محمد: فذكرتُ ذلك للحسن بن أبي الحسن،
فقال: هي صلاةُ رسولَ اللهِ وَلِ﴿ فعلَهُ مَن فعلَهُ، وتركَهُ مَن تركَه (١) .
ش - محمد بن جحادة الكوفي الأودي ، ويقال : الأيامي . روى
عن: أنس بن مالك . وسمع : الحسن البصري ، وطلحة بن مصرف ،
وغيرهم . روى عنه : الثوري ، وشعبة ، وابن عيينة ، وعبد الوارث بن
سعيد ، وغيرهم . وعن أحمد : هو من الثقات . وقال أبو حاتم :
صدوق ثقة . روى له الجماعة (٢) .
وعبد الجبار بن وائل بن حجر الحضرمي کوفي . روى عن أبيه وأمه ولم
يصح له عنهما شيء ، وروى عن أخيه علقمة . روى عنه : ابنه سعيد ،
وأبو إسحاق السبيعي ، ومحمد بن جحادة ، وغيرهم . قال يحيى بن
معين : هو ثبت ، ولم يسمع من أبيه شيئاً ، وفي رواية : ثقة . وقيل :
إنه ولد بعد موت أبيه بستة أشهر . روى له الجماعة إلا البخاري (٣) .
ووائل بن علقمة روى عن وائل بن حجر . روى عنه : عبد الجبار بن
وائل . روى له : أبو داود (٤) .
ووائل بن حجر بن سعيد بن مسروق بن وائل بن النعمان أبو هند أو
أبو هنيدة . روى عنه: ابناه : علقمة وعبد الجبار، وعبد الرحمن اليحصبي،
وغيرهم . رُوي له عن رسول الله أحد وسبعون حديثاً ، روى له مسلم
ستة أحاديث . روى له الجماعة إلا البخاري (٥) .
(١) مسلم : كتاب الصلاة ، باب : وضع يده اليمنى على اليسرى بعد تكبيرة
الإحرام تحت صدره فوق سرته ووضعهما في السجود على الأرض حذو منكبيه
(٤٠١/٥٤) .
(٢) انظر ترجمته في : تهذيب الكمال (٥١١٤/٢٤).
(٣) المصدر السابق (١٦/ ٣٦٩٧).
(٤) المصدر السابق (٣٠/ ص٤٢٢).
(٥) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (٦٤٢/٣)، وأسد الغابة
(٤٣٥/٥)، والإصابة (٦٢٨/٣).
- ٣٠٦ -

قوله: ((عن أبي: وائل بن حُجْر)) فقوله: ((وائل)) عطف بيان لقوله :
((أبي))، وليس هذا بكنية ، فافهم .
قوله: (( ثم التحف )) من قولهم : التحف بالثوب ، تغطى به .
قوله: (( قال محمد )) أي : محمد بن جحادة .
قوله: (( للحسن )) وهو الحسن البصري . والحديث أخرجه مسلم من
حديث عبد الجبار بن وائل ، عن علقمة بن وائل ، ومولى لهم ، عن أبيه
وائل بن حجر بنحوه ، وليس فيه ذكر الرفع مع الرفع من السجود . وقال
الطحاوي في ( شرح الآثار )) : وحدیث وائل هذا مُعارض بحديث ابن
مسعود : أنه - عليه السلام - كان يرفع يديه في تكبيرة الافتتاح ، ثم لا
يعود . وابن مسعود أقدم صحبة وأفهم بأفعال النبي - عليه السلام - من
وائل . ثم أسند عن أنس قال : كان رسول الله يحب أن يليه المهاجرون
والأنصار ليحفظوا عنه . وابن مسعود كان من أولئك الذين يقربون من
النبي - عليه السلام - فهو أولى مما جاء به من هو أبعد منه .
ص - قال أبو داود: روى الحديث (١) همام ، عن ابن جُحادة لم يذكر
الرفع مع الرفع من السجود .
[٢٤٢/١ -ب]
/ ش - أي : همام بن يحيى بن دينار العوذي .
قوله: ((لم يذكر الرفع )) أي: رفع اليدين مع رفع الرأس من السجود،
وهو رواية مسلم كما نبهنا عليه .
٧٠٥ - ص - نا عثمان بن أبي شيبة ، نا عبد الرحيم بن سليمان ، عن
الحسن بن عبيد الله النخعي ، عن عبد الجبار بن وائل ، عن أبيه : أنه أَبصرَ
النبي - عليه السلام - حین قام إلى الصلاة رفع یدیهِ ، حتی کانتا بحیال
مَنْكبيهِ، وحاذَى إِبْهامَّهِ (٢) أُذُنَّهِ، ثم كَبََّ(٣) .
(١) في سنن أبي داود: ((روى هذا الحديث)).
(٢) في سنن أبي داود: ((بإبهاميه)).
(٣) تفرد به أبو داود .
- ٣٠٧ -

ش - عبد الرحيم بن سليمان أبو عليّ الأشل الكناني ، ويقال : الطائي
الرازي ، سكن الكوفة . روى عن : عبيد الله بن عمر العمري ، ويحيى
ابن سعيد الأنصاري ، والأعمش ، وغيرهم . روى عنه : أبو بكر بن
أبي شيبة ، وأبو الهمام الوليد بن شجاع ، وأبو سعيد الأشل ، وغيرهم.
وقال ابن معين : ثقة . روى له الجماعة (١) .
والحسن بن عبيد الله بن عروة النخعي أبو عروة الكوفي . روى عن :
الشعبي ، وإبراهيم النخعي ، وإبراهيم بن سويد ، وغيرهم . روى عنه :
الثوري ، وشعبة ، وحفص بن غياث ، وغيرهم . قال ابن معين
وأبو حاتم : ثقة . روى له الجماعة إلا البخاري (٢) .
قوله : « بحیال منكبيه )) أي: بإزاء منكبيه .
قوله: ((وحاذى)) أي: ساوى من المحاذاة . وقد قلنا : إن عبد الجبار
لم يصح له شيء من أبيه ، وكذا قال في (( مختصر السنن )) وقال : وأهل
بيته مجهولون .
٧٠٦ - ص - نا مسدد ، نا یزید بن زريع ، نا المسعودي ، نا عبد الجبار بن
وائل قال : حدَّثْني أهلُ بيتي ، عن أبي ، أنه حدثهم ، أنه رأى رسولَ اللهِ يَرفعُ
يديهِ معَ التكبيرَةِ (٣).
ش - يعني : مقارناً بالتكبيرة ، وبه قال أحمد ، ومالك في المشهور ،
وهو رواية عن أصحابنا ، وقد مر الكلام فيه مستوفى .
٧٠٧ - ص - نا مسدد ، نا بشر بن المفضلٍ ، عن عاصم بن كليب ، عن
أبيه ، عن وائل بن حجر قال: قلتُ: لأَنظُرَنَّ إلى صلاة رسول الله - عليه
السلام - كيفَ بصلِّي ؟ قال : فقامَ رسولُ الله فاستقْبَلَ القِبْلَةَ ، فَكَبِّرَ فَرفعَ
يديهِ حتى حَاذَتَا أُذُنِيهِ، ثم أَخذَ شمَالُهُ بيمينه، فَلَما أَرادَ أن يَرَكَعَ رفَعَهُمَا مثلَ
ذلك، ثم وَضعَ يديهَ على رُكُبتَهَ ، فلماَ رَفَّعَ رأسَه من الركوعِ رفَعَهُمَا مثلَ
(١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٣٤٠٧/١٨).
(٢) المصدر السابق (١٢٤٢/٦).
(٣) تفرد به أبو داود .
- ٣٠٨ -

ذلك ، فلما سَجِدَ وضعَ رأسَه بذلكَ المنزل من يديه ، ثم جلسَ فافترشَ
رِجلَهُ الْيُسْرَى ، ووضعَ يدَه الْيُسْرَى على فَخذه الُسْرَى ، وحَدَّ مرْفَقه الأيمن
عَلَى فَخْذِهِ الْيُمْنَى، وقبضَ ثنتينٍ ، وحَلَّقَ حَلقةٌ - ورأيتُه يقولُ هكذا، وحَلَّقَ
بشرٌ الإبهامَ والوُسْطَى - وأشار بالسَّبَّابة (١).
ش - عاصم بن كليب بن شهاب الجرمي الكوفي . سمع : أباه ،
وعبد الرحمن بن الأسود ، وأبا الجويرية ، وأبا بردة بن أبي موسى . روى
عنه : الثوري ، وشعبة ، وابن عيينة ، وبشر بن المفضل ، وغيرهم . قال
ابن معين : ثقة . روى له الجماعة إلا البخاري (٢) .
وأبوه كليب بن شهاب الكوفي الجَرمي . سمع : أباه ، وعمر بن
الخطاب ، وعليَّ بن أبي طالب ، ووائل بن حجر . روى عنه : ابنه
عاصم ، وإبراهيم بن مهاجر . قال ابن سعد : كان ثقة . روى له :
أبو داود ، والترمذي ، والنسائي، وابن ماجه (٣).
قوله : « بذلك المنزل من يديه )» يريد به أنه وضع رأسه بين يديه ، بحيث
أنهما حاذتا أذنيه .
قوله: ((وحَدَّ مرفقه)) أي : جعل مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى حدا
عليها ؛ لأن فيه يكون توجيه أصابع يديه إلى القِبْلة .
قوله: (( وقبض ثنتين )) وهو أن يعقد الخنصر والبنصر.
قوله: ((وحلق حلقة)) وهو أن يحلق الوسطى مع الإبهام، و((حَلَّقَ))
بالتشديد، و((حَلْقةً)) بفتح الحاء وسكون اللام مثل حلقة الدرع، وحَلْقة
الباب ، وحَلْقة القرط ، وأما حَلْقة القوم فيجوز فيها الفتح والسكون .
(١) يأتي برقم (٩٣٣).
(٢) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٣٠٢٤/١٣).
(٣) المصدر السابق (٤٩٩١/٢٤).
- ٣٠٩ -

وقال أبو عمرو الشيباني : ليس في الكلام (( حلقة)) بالتحريك إلا في
قولهم : هؤلاء قوم حَلَقَةٌ ، للذين يحلقون الشعر ، جمع حَالقٍ ؛ وأما
انتصاب ((حلقة)) هاهنا فعلى المفعولية .
قوله: (( ورأيته يقول هكذا )) من كلام بشر .
وقوله: (( وأشار بالسبابة)) من كلام وائل، فيكون قوله: ((ورأيته )» إلى
قوله: ((وأشار)) معترضا بينهما ، فافهم .
ويستفاد من هذا الحديث فوائد ؛ الأولى : استقبال القبلة .
الثانية : تكبيرة الافتتاح .
الثالثة : رفع اليدين في أول الصلاة .
الرابعة : محاذاة اليدين بالأذنين عند الرفع ، وهو قول أصحابنا .
الخامسة : أخذ الشمال باليمين / ، ولم يبين فيه كيفية الأخذ ، ولا
محل الوضع .
[٢٤٣/١-١]
السادسة : رفع اليدين عند الركوع ، وبه أخذ الشافعي ، والجواب عنه
ما ذكرناه .
السابعة : وضع اليدين على الركبتين في الركوع ، ولم يبين كيفية
الوضع .
الثامنة : رفع اليدين عند رفع رأسه من الركوع .
التاسعة : وضع الرأس في السجدة بين اليدين محاذياً أذنيه بهما ، وبه
قال أصحابنا ، وقال صاحب (( الهداية )) : ووضع وجهه بين كفيه ويديه
حذاء أذنيه ، لما روي أنه - عليه السلام - فعل كذلك . وقال صاحب
((المحيط)): ويضع يده في السجود حذاء أذنيه .
العاشرة : افتراش رجله اليسرى ، وبه أخذ أصحابنا أنه يفترش رجله
اليسرى ويجلس عليها ، ولم يبين فيه حكم اليمنى .
- ٣١٠ -

الحادية عشر : وضع اليدين على الفخذين في التشهد .
الثانية عشر : أن يعقد الخنصر والبنصر ، ويحلق الوسطى مع الإبهام .
وهكذا رُوي عن الفقيه أبي جعفر من أصحابنا ، وقال صاحب (( الهداية)):
ويبسط أصابعه . وقال في (( المحيط )): وعن محمد أنه يضع يديه على
فخذيه ؛ لأن فيه توجه الأصابع إلى القِبلة أكثر ، وعن بعضهم أنه يفرق
أصابعه .
الثالثة عشر : يشير بالسبابة ، وبه قال أبو يوسف من أصحابنا ، وذكره
في ((الإملاء))، وقال: ويروى الإشارة عن النبي - عليه السلام - وبينه
مثل ما رُوي عن الفقيه أبي جعفر ، وعن بعض أصحابنا : ويكره الإشارة.
وهو غير صحيح؛ لأن أبا يوسف نص عليها في (( الإملاء )) ، وکذلك نص
عليها محمد في كتابه ، وقال في (( المحيط)): والإشارة قول أبي حنيفة .
٧٠٨ - ص - نا الحسن بن عليّ ، نا أبو الوليد ، نا زائدة، عن عاصم بن
كليب ، بإسناده ومعناه قال فيه: ثم وضَعَ يدَه اليُمْنى على ظهرِ كَفِّ الُسْرَى،
والرصْغِ (١) والساعد . قال فيه : ثم جئتُ بعدَ ذلك في زمان فيه بَرْدٌ شَديدٌ،
فرأيتُ الناسَ عليهم جُلَّ الثياب ، تَحَرَّكُ أيديهم تحتَ الثياب (٢) .
ش - الحسن بن علي الخلال، وأبو الوليد الطيالسي، وزائدة بن قدامة.
قوله : (( بإسناده ومعناه)) أي: بإسناد الحديث المذكور ومعناه.
قوله: ((قال فيه)) أي: قال وائل في الحديث في هذه الرواية: (( ثم
وضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى ، والرصغ بضم الراء وسكون
الصاد المهملة وبغين معجمة ، وهو مفصل ما بين الكف والساعد ، ويقال:
((رسغ)) أيضاً بالسين المهملة، ويقال لمجمع الساق مع القدم: ((رسغ))
أيضاً ، ويقال : رُسْغ ورسُع، مثل: عُسْر وعُسُرُ .
(١) في سنن أبي داود: ((والرسغ)) وهي لغة .
(٢) انظر تخريج الحديث المتقدم .
- ٣١١ -

قوله: (( جل الثياب )) جل الشيء معظمة ، والمعنى أنهم لبسوا معظم
الثياب لأجل البرد . والحديث أخرجه النسائي ، وابن ماجه .
ويستفاد من الحديث في هذا الطريق فائدتان غير ما ذكرناه :
الأولى : بين فيه كيفية وضع اليمين على الشمال ، وقال صاحب
((المحيط)): ويقبض بكفه اليمنى على رسغه اليسرى كما (١) فرغ من
التكبير . وقال أبو يوسف : يقبض بيده اليمنى رسغ اليسرى ، ويكون
الرسغ وسط الكف . وقال ابن قدامة : يضعهما على كوعه . وقال
القفال: يقبض بكفه اليمنى كوع اليسرى وبعض رسغها وساعدها ، وهو
مخير بين بسط أصابع اليمنى في عرض المفصل ، وبين نشرها في صوب
الساعد ، وإذا فرغ من التكبير يضعهما .
الثانية : ترك الوضع عند البرد الشديد ، وعند مالك الوضع غير
مستحب وإنما هو مباح ، فعنده البرد وغيره سواء ، كما سنبينه إن شاء الله
تعالى .
٧٠٩ - ص - نا عثمان بن أبي شيبة ، نا شرِيك ، عن عاصم بن كليب ،
عن أبيه ، عن وائل بن حجر قال : رأيتُ النبيَّ - عليه السلام - حين افْتَتَح
الصلاةَ رَفِعَ يَدِهِ حِيَالَ أُذُنِهِ . قال: ثم أتيتُهُم فرأيتُهم يرفَعُون أيديهم إلى
صُدُورِهم في افتَاحِ الصلاةِ، وعليهم بَرَانِسُ، وأكسيةٌ (٢).
ش - شريك بن عبد الله النخعي .
قوله: ((برانس)) جمع بُرنس - بضم الباء الموحدة ، وبعد الراء الساكنة
[٢٤٣/١-بانون مضمومة، وسين مهملة - وهو كل ثوب له رأس / ملتزق به ،
دُرَّاعةٌ (٣) كانت أو جبة أو غير ذلك ، كان يلبسه العُباد وأهل الخير ، وهو
(١) كذا .
(٢) النسائي : كتاب التطبيق ، باب : موضع اليدين عند الجلوس للتشهد الأول
(٢٣٥/٢) .
(٣)) ثوب من صوف .
- ٣١٢ -

عربي ، اشتق من البِرْس - بكسر الباء وسكون الراء - وهو القطن ،
والنون زائدة ، وقيل: إنه غير عربي. وقال الجوهري: ((البرنس» :
قلنسوة طويلة وكان النُّسّاك في صدر الإسلام يلبسونها .
قوله : (( وأكْسيةٌ)) جمع كساء . والحديث أخرجه النسائي .
وبهذا الحديث قال أصحابنا : إن أحاديث المناكب محمولة على العُذْرِ ،
وقد مر الكلام فيه مستوفى .
١١٢ - بَابُ : افتتاح الصلاة
أي : هذا باب في بيان افتتاح الصلاة ، وليس في بعض النسخ ((باب)).
٧١٠ - ص - نا محمد بن سليمان الأنباري ، نا وكيع ، عن شريك ، عنٍ
عاصم بن كليب ، عن علقمة بن وائل ، عن وائل بن حُجر قال : أتيتُ النبيَّ
- عليه السلام - في الشتاء ، فرأيتُ أصحابَه يرفَعُونَ أيديَهُم في ثيابِهِم في
الصلاة (١).
ش - دل الحديث على أن رفع اليدين من غير أن يخرجهما من كمّيّه غير
مكروه إذا كان للبرد ، وأما لغير البرد فجعله بعض أصحابنا من ترك
السُّنَّة، وجعله البعض من ترك الأدب .
٧١١ - ص - نا أحمد بن حنبل ، نا أبو عاصم الضحاك بن مخلدح ، ونا
مسدد ، نا يحيى - وهذا حديث أحمد - أنا عبد الحميد - يعني : ابن جعفر -
قال : أخبرني محمد بن عمرو بن عطاء قال : سمعت أبا حميد الساعدي في
عشرة من أصحاب النبيِّ - عليه السلام - منهم أبو قتادةَ . قال أبو حميد: أنا
أعلَمُكُم بصَلاة رسول الله - عليه السلام - قالوا : فَلمَ ؟! فوالله ما كنتَ
بأكثَرنَا له تَبعَةً ، ولا أَقدِّمِنَاَلَه صُحبةً. قال : بلى . قالوا : فاعْرضْ . قال : كان
رسولُ الله إذا قامَ إلى الصَّلاةِ يرفعُ بديْهِ حتى يُحَاذِي بهما مَنْكِيهِ، ثم كَبَّرَ (٢)
(١) تفرد به أبو داود .
(٢) في سنن أبي داود: ((يكبر)).
- ٣١٣ -

حتى يَقَرَّ كلُّ عَظمٍ في مَوضِعِهِ معتدلاً ، ثم يقرأُ ، ثم يُكبرُ ويرفعُ (١) يديه
حتى يُحَاذِي بهما مَنْكِيهِ ، ثم يَركعُ ويَضِعُ راحتَّهِ على رُكِبْتَهِ ، ثم يَعتدِلُ فلا
يَصُبُّ رأسَه ولا يُقْنِعُ، ثم يرفعُ رأسَه، فيقول: (( سَمِعَ اللهُ لمن حَمِدَه)) ، ثم
يَرفعُ يديه حتى تُحاذِي (٢) مَنكبيهِ معتدلاً، ثم يقولُ: ((الله أكبر )»، ثم بَهْوِي
إلى الأرضِ فَيُجَافِي يديه عن جنبِّهِ، ثم يَرفعُ رأسَهَ، ويَثْنِي رِجِلَهُ الْيُسْرَى
فِيَقْعُدُ عليها، ويَفْتَحُ أَصَابِعَ رِجِلَيْهِ إذا سَجَدَ ، ثم يَسْجُدُ (٣)، ثم يقولُ: (الله
أكبر )) ويرفعُ (٤)، ويَِّي رِجْلَهَ الْيُسْرَى فيقعدُ عليها حتى يَرْجِعَ كلُّ عظمٍ إلى
مَوضعِه، ثم يَصنعُ في الأُخْرَى مثلَ ذلك ، ثم إِذا قامَ من الركعتينِ كَبَِّ ورَفعَ
يديه حتى يُحَاذِي بهما مَنكبيه، كما كُبَّرِ عندَ افتاحِ الصلاةِ ، ثم يَصنعُ ذلكَ
في بقيةِ صَلاته، حتى إذا كانت السجدةُ التي فيها التسليمُ أَخَّرَ رجلَهُ الْيُسْرَى
وقَعَدَ مُتَوَرِّكاً على شِقِّهِ الأيسرِ. قالوا: صَدَقْتَ ، هكذا كان يُصلِّي (٥)
ش - الضحاك : ابن مخلد أبو عاصم النبيل ، ويحيى القطان .
وعبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن الحكم بن رافع بن سنان
الأنصاري أبو الفضل . سمع : أباه ، ومحمد بن عمرو بن عطاء ،
وسعيداً (٦) المقبري ، وغيرهم . روى عنه : يحيى القطان ، وعيسى بن
يونس ، وأبو نعيم ، وجماعة آخرون . قال أحمد : ليس به بأس . وقال
يحيى بن سعيد : كان سفيان يضعفه من أجل القدر . وقال ابن معين وابن
سعد : ثقة . مات سنة ثلاث وخمسين ومائة بالمدينة . روى له الجماعة
إلا البخاري (٧) .
(١) في سنن أبي داود: ((فيرفع)). (٢) في سنن أبي داود: ((يحاذي بهما)).
(٣) في سنن أبي داود: ((ويسجد)). (٤) في سنن أبي داود: ((ويرفع رأسه)).
(٦) في الأصل: ((سعيد)).
(٥) يأتي برقم (٩٣٤) .
(٧) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٣٧٠٩/١٦).
- ٣١٤ -

ومحمد بن عمرو بن عطاء بن عباس (١) بن علقمة بن عبد الله القرشي
المدني أبو عبد الله . سمع : أبا قتادة السلمي ، وأبا حميد الساعدي ،
وابن عباس . روى عنه : وهب بن كيسان (٢) ، وموسى بن عقبة ،
وعبد الحميد بن جعفر ، وغيرهم .
وقال ابن سعد : وكان ثقة ، له أحاديث . توفي في خلافة الوليد بن
يزيد بن عبد الملك . روى له الجماعة (٣).
وأبو حميد عبد الرحمن ، وقيل : المنذر بن عمرو الساعدي .
قوله: (( في عشرة من أصحاب النبي - عليه السلام - )) محلها النصب
على الحال ، وكلمة (( في )) للمصاحبة نحو : ﴿ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمُهِ فِي
زينته﴾ (٤)، والتقدير: سمعت أبا حميد حال كونه مصاحباً لعشرة من
أصحاب النبي - عليه السلام - والمعنى : كان جالساً بين عشرة أنفس من
الصحابة ، منهم أبو قتادة الحارث بن ربعي .
قوله: ((تبعةً)) نصب على التمييز، وكذلك قوله: ((صحبةً)) / [٢٤٤/١-١]
والتبعة- بفتح التاء المثناة من فوق ، وكسر الباء - اسم للاتباع ، وكذلك
التبعة - بضم التاء وسكون الباء - والتباعة بالفتح .
قوله: (( حتى يقر)) من القرار ، من باب ضرب يضرب، والمعنى :
حتى يستقر كل عظم في موضعه ويثبت .
قوله: ((معتدلاً)) حال من الضمير الذي في (( يرفع يديه )) .
قوله: (( ثم يكبر فيرفع يديه )) يعني : بعد الفراغ من القراءة يكبر فيرفع
يديه ، أشار بالفاء إلى أنه يرفع يديه عقيب التكبير .
(١) كذا في الأصل، وفي تهذيب الكمال: ((عياش))، وعلق محققه قائلاً :
(جوَّد ابن المهندس تقييده، ووقع في كثير من المصادر ((عباس))، وهو كما
قيدناه في باقي النسخ ، وهو الصواب إن شاء الله )) .
(٢) في الأصل: ((غسان )) خطأ.
(٤) سورة القصص : (٧٩) .
(٣) المصدر السابق (٥٥١٢/٢٦) .
- ٣١٥ -

قوله : ((فلا يَصُبَّ رأسه)) يعني: فلا يميلها إلى أسفل ، وفي بعض
الرواية: ((فلا ينصب)) من الانصباب ، ورواه ابن المبارك عن فليح بن
سليمان (١) ، عن عيسى، عن عباس، عن أبي حميد فقال فيه: (( فلا
يُصَبِي)) يقال: صَبّ الرجل رأسه تصبيةً إذا خفضه جدا .
قوله: (( ولا يُقنع )) من الإقناع ، يعني: لا يرفع رأسه حتى تكون أعلى
من ظهره . قال الله تعالى: ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ (٢) أي: رافعي
رءوسهم . وقال ابن عرفة : يقال : أقنع رأسه ، إذا نصبه لا يلتفت يميناً
ولا شمالاً ، وجعل طرفه موازياً لما بين يديه .
قوله : « ثم یھوي )) أي : ينزل .
قوله: (( فيجافي )) أي : يباعد .
قوله: ((ويثني رجله اليسرى)) من ثنيت الشيء ثنيا ، إذا عطفته .
قوله: ((ويفتخُ أصابع رجليه)) بالخاء المعجمة ، أي : ينصبها ويغمز
موضع المفاصل منها ، ويثنيها إلى باطن الرجل ، فيوجهها نحو القبلة .
وقال الأصمعي : أصل الفتح اللين ، ومنه قيل للعُقَابِ (٣) فتخاً ، لأنها
إذا انحطت كسَرَتْ جناحَها . قال أبو العباس : فتخ أصابعه، أي : ثناها.
قوله: (( متوركاً)) حال من الضمير الذي في قعد ، والتورك أن يجلس
على أليتيه وينصب رجله اليمنى ، ويخرج اليسرى من تحتها .
واستفيد من هذا الحديث أحكام كثيرة ؛ الأول : رفع اليدين إلى
المنكبين، وقد قلنا : إنه كان للعذر .
الثاني: أن التكبير بعد رفع اليدين؛ لأنه قال: (( ثم كبر ))، وكلمة
(ثم )) تقتضي التراخي ، وقد ذكرنا الخلاف فيه .
(١) في الأصل: ((سليم)) خطأ.
(٢) سورة إبراهيم: (٤٣).
(٣) طائر من كواسير الطير، قوي المخالب، مسروَلٌ ، له منقار قصير أعقف ،
حاد البصر .
- ٣١٦ -

الثالث : رفع اليدين أيضاً للركوع ، وقد قلنا : إنه منسوخ .
الرابع : سُنَّة الهيئة في الركوع أن لا يرفع رأسه إلى فوق ولا ينكسه ،
ومن هذا قال صاحب (( الهداية)): ويبسط ظهره ؛ لأن النبي - عليه
السلام - كان إذا ركع بسط ظهره ، ولا يرفع رأسه ولا ينكسه ؛ لأن النبي
- عليه السلام - كان إذا ركع لا يصوب رأسه ولا يقنعه .
الخامس: سُنَّة الإمام أن يقول: ((سمع الله لمن حمده))، ويكتفي
به، وهو قول أبي حنيفة .
السادس : رفع اليدين للهَوِيِّ ، وهو أيضاً منسوخ .
السابع : السُّنَّة أن يجافي بطنه عن فَخِذيه ، ويديه عن جنبيه .
الثامن : هيئة الجلوس في القعدة الأولى من ذوات الأربع ، أن يجلس
على رجله اليسرى ، ولم يبين فيه كيف يفعل باليمنى ، فعند أبي حنيفة
ينصبها نصباً ، وهذه هيئة الجلوس في القعدتين عند أصحابنا ، وهو قول
الثوري لما في ((صحيح مسلم)) (١) عن عائشة: (( كان رسول الله یفرش
رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى )) ، وفي رواية أبي داود (٢) أيضاً كما
يجيء الآن : (( فإذا قعد في الركعتين قعد على بطن قدمه اليسرى ، ونصب
اليمنى)) . وقال مالك: يجلس فيهما متوركاً . وقال الشافعي : إن كانت
الصلاة ركعتين يجلس متوركاً ، وإن كانت أربعاً افترش في الأولى ،
وتورك في الثانية . وقال أحمد : إن كانت ركعتين افترش ، وإن كانت
أربعاً فكقول الشافعي .
التاسع : التكبير ورفع اليدين إلى المنكبين عند النهوض من التشهد ،
وهو منسوخ عندنا أيضاً . وقال أبو حامد : انعقد الإجماع على أنه لا رفع
في هذا الموضع ، فاستدللنا بالإجماع على نسخ الحديث . وقال في ((شرح
المهذب)» : هذا كلام مردود غير مقبول ، ولم ينعقد الإجماع على ذلك ؛
(١) كتاب الصلاة، باب: ما يجمع صفة الصلاة ... (٤٩٨/ ٢٤٠).
(٢) يأتي في الحديث الآتي .
- ٣١٧ -

بل قد ثبت الرفع في القيام من الركعتين عن خلائق من السلف والخلف
منهم : عليّ ، وابن عمر ، وأبو حميد مع أصحابه العشرة ، وهو قول
البخاري . وقال الخطابي : وبه قال جماعة من أصحاب الحديث . ولم
[٢٤٤/١-ب] يذكره الشافعي ، والقول به لازم على أصله / في قبول الزيادات . وقال
البيهقي : مذهب الشافعي متابعة السُّنَّة إذا ثبتت . وقال صاحب
((التهذيب)): لم يذكر الشافعي رفع اليدين إذا قام من الركعتين ، ومذهبه
اتباع السُّنّة ، وقد ثبت ذلك . وقال الشيخ محيي الدين : يتعين القول
باستحباب رفع اليدين إذا قام من الركعتين ، وأنه مذهب الشافعي لثبوت
هذه الأحاديث .
قلت : قد صرح صاحب ((التهذيب)) أن الشافعي لم يذكر هذا ،
وادعى أبو حامد الإجماع على تركه ونسخ الحديث ، وهؤلاء كيف
يجعلون هذا مذهباً للشافعي بصورة الإلزام ؟ فربما ثبت عند الشافعي
انتساخ الحديث ، فلذلك لم يذكر رفع اليدين ؛ لأن الغفلة منه في مثل هذا
بعيدة، وقولهم مذهب الشافعي اتباع السّنّة ليس على الإطلاق ، فإنه لا
يتبع السنن المنسوخة ، فافهم .
العاشر : توجيه أصابع رجليه إلى القِبلة في السجود .
الحادي عشر : التورك في القعدة الأخيرة ، وقد ذكرنا الخلاف فيه ،
وعندنا هذا محمول على العذر ، إما لكبر أو لعلة أخرى ، فافهم .
والحديث : أخرجه البخاري ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه
مختصراً ومطولاً .
(((١) واعترضه الطحاوي في ((شرح الآثار)) (٢) فقال: هذا الحديث
لم يسمعه محمد بن عمرو بن عطاء من أبي حميد ، ولا من أحد ذكر مع
أبي حميد ، وبينهما رجل مجهول ، ومحمد بن عمرو ذكر في الحديث أنه
حضر أبا قتادة وسنه لا يحتمل ذلك ؛ فإن أبا قتادة قتل قبل ذلك بدهر
(١) انظر: نصب الراية (١/ ٤١٠ - ٤١٢).
(٢) (١٥٣/١، ١٥٤).
- ٣١٨ -

طويل ؛ لأنه قتل مع عليّ - رضي الله عنه - ، وصلى عليه عليّ ، وقد
رواه عطاف بن خالد ، عن محمد بن عمرو ، فجعل بينهما رجلاً ، ثم
أخرجه عن يحيى بن سعيد بن أبي مريم ، ثنا عطاف بن خالد ، حدَّثني
محمد بن عمرو بن عطاء ، حدَّثني رجل : أنه وجد عشرة من أصحاب
رسول الله وَي# جلسوا ... فذكر نحو حديث أبي عاصم سواء . قال :
فإن ذكروا ضعف عطاف قيل لهم : وأنتم تضعفون عبد الحميد بن جعفر
أکثر من تضعیفکم لعطاف ، مع أنکم لا تطرحون حديث عطاف كله ؛
إنما تصححون قديمه وتتركون حديثه ، هكذا ذكره ابن معين في كتابه .
وابن أبي مريم سماعه من عطاف قديم جدا ، وليس أحد يجعل هذا
الحديث سماعاً لمحمد بن عمرو من أبي حميد إلا عبد الحميد ، وهو
عندكم أضعف ، ثم أخرج عن عيسى بن عبد الله (١) بن مالك ، عن
محمد بن عمرو بن عطاء ، حدَّثني مالك ، عن عباس بن سهل
الساعدي، وكان في مجلس فيه أبوه سهل بن سعد الساعدي، وأبو حميد،
وأبو هريرة ، وأبو أسيد ، فتذاكروا الصلاة ، فقال أبو حميد : أنا
أعلمكم بصلاة رسول الله ... الحديث. وليس فيه: (( فقالوا :
صدقت)) قال: وقوله فيه: (( فقالوا جميعاً صدقت)) ليس أحد يقولها إلا
أبو عاصم . انتهى .
وأجاب البيهقي في كتاب ((المعرفة )) فقال : أما تضعيفه لعبد الحميد بن
جعفر فمردود ؛ لأن يحيى بن معين وثّقه في جميع الروايات عنه ، وكذلك
أحمد بن حنبل، واحتج به مسلم في «صحيحه »، وأما ما ذكر من
انقطاعه فليس كذلك ؛ فقد حكم البخاري في (( تاريخه)) بأنه سمع
أبا حميد ، وأبا قتادة ، وابن عباس . وقوله : إن أبا قتادة قتل مع عليّ
رواية شاذة رواها الشعبي ، والصحيح الذي أجمع عليه أهل التاريخ أنه
بقي إلى سنة أربع وخمسين ، ونقله عن الترمذي والواقدي والليث ، وابن
منده ، ثم قال : وإنما اعتمد الشافعي في حديث أبي حميد برواية إسحاق
ابن عبد الله، عن عباس بن سهل، عن أبي حميد ومن سماه من الصحابة،
(١) في الأصل: ((عبد الرحمن )) خطأ.
- ٣١٩ -

وأكده برواية فليح بن سليمان ، عن عباس بن سهل ، عنهم ، فالإعراض
عن هذا والاشتغال بغيره ليس من شأن من يريد متابعة السُّنَّة)» (١).
والجواب عما قاله البيهقي: أما قوله: (( أما تضعيفه لعبد الحميد بن
جعفر فمردود )» مردود ؛ لأن مثل يحيى بن سعيد طعن في حديثه ، وهو
[٢٤٥/١-١] إمام الناس / في هذا الباب، وذكره ابن الجوزي في كتاب ((الضعفاء
والمتروكين)) فقال : كان يحيى بن سعيد القطان يضعفه ، وكان الثوري
يحمل عليه ويضعفه. وفي (( الكمال)) : وقال يحيى بن سعيد : كان
سفيان يضعفه من أجل القدر . على أن الطحاوي نسب تضعيفه إليهم .
وأما قوله: (( وأما ما ذكر من انقطاعه فليس كذلك ؛ فقد حكم البخاري
في (( تاريخه)) بأنه سمع أبا حميد (٢)، وأبا قتادة، وابن عباس))،
فمجرد تشنيع وتعصب ؛ لأن الطحاوي ما قال هذا من عنده ، بل
إنما حكم بأن محمد بن عمرو بن عطاء لم يسمع من أبي حميد ، ولم ير
أبا قتادة ، لعدم احتمال سِنِّه ذلك ؛ لأنه قتل مع عليّ ، وصلى عليه عليّ،
وهو قول مثل الشعبي الإمام في هذا الفن ، وكذا قال الهيثم بن عدي ،
وقال ابن عبد البر: هو الصحيح. وفي (( الكمال )) : وقيل : توفي سنة
ثمان وثلاثين ، فكيف يقول البيهقي : هذه رواية شاذة ؟ فيجعل رواية
البخاري في (( تاريخه)) صحيحة ، ويجعل كلام مثل هؤلاء الأجلة شاذا ؟
على أن ابن الحزم قال : ولعله وهم فيه ، يعني : عبد الحميد ، وأيضاً قد
اضطرب سند هذا الحديث ومتنه ، فرواه العطاف بن خالد فأدخل بين
(١) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية . وقد قال الحافظ الزيلعي في نصب الراية
(٤٢٤/١): ((قلت : قد تقدم في حديث رفع اليدين تضعيف الطحاوي
لحديث أبي حميد ، وكلام البيهقي معه ، وانتصار الشيخ تقي الدين للطحاوي
مستوفى، ولله الحمد)). اهـ . قلت : ولم أر هذا الانتصار في النسخة
المطبوعة ، فلعل ما سيذكره الشارح في جوابه على البيهقي ، هو انتصار تقي
الدين ، وكأنه كان موجوداً في نسخته من نصب الراية ، والله أعلم .
(٢) في الأصل: (( أبا قتادة)) خطأ.
- ٣٢٠ -