النص المفهرس

صفحات 281-300

القبلة على فراش أهله اعتراض الجنازة . وفي لفظ : يصلي وسط السرير
وأنا مضطجعة بينه وبين القبلة ، تكون لي الحاجة فأكره أن أقوم فأستقبله ،
فأنسل انسلالاً من قبل رجليْه . وفي لفظ : وأنا حذاءه وأنا حائض ، وربما
قالت : أصابني ثوبه إذا سجد . وفي لفظ : عليّ مرْط وعليه بعضُهُ .
٦٩٤ - ص - نا عاصم بن النضر : ثنا المعتمر : نا عبيد الله ، عن
أبي النضر ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن عائشة أنها قالت : كنت
أكون نائمةً ورجْلاي بَيْن يدي رسول الله وهو يُصلي من الليل ، فإذا أرادَ أن
يَسْجِد ضربَ رجْلي فقبضتها (١) ، فسَجد (٢).
ش - عاصم بن النضر : ابن المنتشر الأحول التيمي البصري . روى
عن : معتمر بن سليمان ، وخالد بن الحارث . روى عنه : موسى بن
إسحاق الأنصاري ، ومُسلم ، وأبو داود ، وروى النسائي ، عن رجل ،
عنه (٣) .
وعُبيد الله : ابن عمر العمري ، وأبو النَّضْر : سالم بن أبي أميّة .
قوله: (( وهو يُصلي)) جملة حاليّة. والحديث يدلّ على أُمور؛ منها :
جواز الصلاة إلى المرأة ، ومنها : جواز الصلاة إلى نائم ، ومنها : أن
المرأة لا تقطع الصلاة ، ومنها : أن مسّ المرأة لا ينقض الوضوء ، ومنها :
أن الصلاة في الظلام غير مكروهة ، ومنها : استحباب صلاة الليل ،
ومنها : أن العمل اليسير لا يقطع الصلاة . والحديث : أخرجه البخاري ،
ومسلم ، والنسائي بنحوه أتم منه .
٦٩٥ - ص - نا عثمان بن أبي شيبة: نا محمد بن بشرح ، ونا القعنبي :
(١) في سنن أبي داود: ((فقبضتهما)).
(٢) البخاري : كتاب الصلاة ، باب : هل يغمز الرجل امرأته عند السجود لكي
يسجد (٥١٩) ، مسلم : كتاب الصلاة ، باب : الاعتراض بين يدي المصلي
(٢٧٢/٥١٢)، النسائي : كتاب الطهارة ، باب : ترك الوضوء من مس
الرجل امرأته من غير شهوة (١٠١/١).
(٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٣٠٢٩/١٣).
- ٢٨١ -

نا عبد العزيز - يعني : ابن محمد ، وهذا لفظه - ، عن محمد بن عمرو ،
عن أبي سلمة ، عن عائشة أنها قالت : كنتُ [ أنام ] وأنا مُعترضة في قِبْلة
رسول الله وَ﴾، فيُصلي رَسولُ الله وأنا أمامه إذا أرادَ يُوترُ . زاد عثمان:
غمزني ، ثم اتفقا فقال: ((تَتَحَّيْ)) (١).
ش - عبد العزيز : الدراوردي ، ومحمد بن عمرو : ابن علقمة بن
وقاص .
قوله: (( وأنا أمامه)) أي : قدامه .
قوله: ((زاد عثمان)) أي : ابن أبي شيبة ، وهذه الجملة معترضة بين
قوله: ((يوتر))، وبين قوله: ((غمزني)).
قوله: (( ثم اتفقا)) أي : عثمان والقعنبي .
قوله: ((فقال: تَنَحَّيْ)) أي: قال النبي - عليه السلام -: (( تنحي ))
أي: تحولي ؛ وهو أمر من تَنَحى يتنحى ؛ فللمذكر : تَنَحَّ وللمؤنث :
تنحَّيْ - بفتح الحاء وإسكان الياء .
١٠٨ - بَابُ: مَنْ قال: الحمارُ لا يقطعُ الصَّلاةَ
أى : هذا باب في بيان مَنْ قال : الحمار لا يقطع الصلاة إذا مرّ بين
يدي المصلي .
٦٩٦ - ص - نا عثمان بن أبي شيبة : نا سفيان بن عيينة ، عن الزهري ،
عن عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس قال : جئتُ علی حمارح ، ونا
القعنبي ، عن مالك ، عن ابن شهاب ، عن عُبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن
ابن عباس أنه قال : أقبلتُ راكباً على أتان وأنا يومئذ قد ناهزتُ
الاحتلامَ ورسول الله يُصلي بالناسِ بِمِنِىِّ، فمررتُ بين يدي بعض
(١) تفرد به أبو داود .
- ٢٨٢ -

الصف فنزلت ، فأرسلت الأتان ترتع ودخلت الصف (١) فلم ينكر ذلك
أحد (٢).
ش - الأتان - بالفتح - الحمارة، والجمع: أَأْتُنُ وأُتُنٌ وأَتْنٌ ، ويُقال:
بالكسر لغة - أيضاً - ، ذكره ابن عُدَيس في ((المثنى))، وفي ((المحكم):
الأتان : الحمارة ، والمأتونا اسم للجمْع ، واستأتن الحمارُ صار أتانا ،
وفي (( الصحاح)) : ولا تقل أتانة ، وقال ابن قرقول : جاء في بعض
الحديث : أتانة ، وضبط الأصيلي حمار أتان على النعت أو البدل مُنْوّنين
وجاء على حمار وجاء على أتان ؛ فالأولى الجمع بينهما . وقال سراج بن
عبد الملك : أتان وصف للحمار ، ومعناه : صلب قويّ مأخوذ من الأتان
وهي الحجارة الصلبة ، قال: وقد يكون بدل غلط، قال: وقد يكون / [٢٣٧/١ -ب]
البعض من الكلّ ؛ لأن الحمار يشمل الذكر والأنثى كالبعير . وقال ابن
سراج : وقد يكون على حمار أتان على الإضافة أي : على حمار أنثى ،
وكذا وجدته مضبوطاً في بعض الأصول .
قوله: ((وقد ناهزت الاحتلام)) ذكر في ((الموعب)) إذا دنى الصّبي
للفطام قيل : ناهز ، وقد نهز ، والجارية : ناهزة ؛ ومعنى كلامه : قارنتُ
البلوغ. وقد اختلف في سنه يوم وفاة سيدنا رسول الله وَله ؛ فقيل :
خمس عشرة ، وصوّبه أحمد بن حنبل . وقيل : ثلاث عشرة ، وقيل :
عشر سنين ؛ وفيه بُعْد ، وقيل غير ذلك .
قوله: ((بمنى )) قد مر الكلام فيه ؛ سمّي به لِما يُمْنى فيها من الدماء
أي: يراق ، وقيل : لأن آدم تمنى بها الجنة ، وقيل : لأن الأقدار وقعت
(١) في سنن أبي داود: ((في الصف)).
(٢) البخاري : كتاب العلم ، باب: متى يصح سماع الصغير ؟ (٧٦) ، مسلم :
كتاب الصلاة ، باب: سترة المصلى (٥٠٤/٢٥٦)، الترمذي: كتاب الصلاة،
باب : ما جاء لا يقطع الصلاة شيء (٣٣٧) ، النسائي : كتاب القِبْلة ، باب:
ذكر ما يقطع الصلاة وما لا يقطع إذا لم يكن بين يدي المصلي سترة (٢/ ٦٤)،
ابن ماجه : كتاب إقامة الصلاة ، باب : ما يقطع الصلاة (٩٤٧).
- ٢٨٣ -

على الضحايا بها فذبحت ، من قولهم : منى الله عليك خيراً أي : قدره.
وقيل : لأن جبريل - عليه السلام - لما أتى آدم بمنى قال له : تمنّ .
قوله : ((ترتع )) أي: تأكل وتَنْبسط وتتسع في رَعْيها مُرْسلةً. والحديث:
أخرجه الأئمة الستة ؛ ولفظ النسائي، وابن ماجه: ((بعرفة )). وأخرج
مسلم اللفظين ؛ والمشهور أن هذه القضية كانت في حجة الوداع . وقد
ذكر مسلم حديث معمر ، عن الزهري وفيه : وقال في حجة الوداع أو يوم
الفتح ، فلعلّها كانت مرّتين . وعند البزار بسند صحيح ، عن ابن عباس:
أتيتُ أنا والفضل على أتان ، فمررنا بين يدي رسول الله - عليه السلام -
بعرفة وهو يصلي المكتوبة ، ليس شيء يَسْتره يحول بيننا وبينه . وعند
أبي بكر بن خزيمة (١) : جئت أنا وغلام من بني عبد المطلب على حمار ،
وفيه : وجاءت جاريتان من بني عبد المطلب اقتتلتا فأخذهما فنزع إحديهما
من الأخرى فما بالا ذلك .
وعند النسائي : فأخذتا بركبَتَي النبي - عليه السلام - ففرع بينهما ولم
ينصرف (٢) .
وعند الطبراني : كان الفضل أكبر مني ، فكان يُرْدِفُني فأكون بين يدَيْه ،
فارتدفت أنا وأخي حمارة. وفي لفظ: ربما رأيتُهُ وَّ يُصلي والحمرُ
تعترك بين يديه .
وهذا الحديث دلّ على أن الحمار لا يقطع الصلاة . وزعم ابن القصار
أن من قال : إن الحمار يقطع الصلاة قال : إن مرور حمار عبد الله كان
خلف الإمام بين يدي بعض الصف .
قلت : هذا كلام جيّد ، لولا رواية البزار من أن ذلك كان بين يدي
النبي - عليه السلام - ، ولا يُعارِضه حديث المُقْعدِ بتبوك الذي مضى
ذكره؛ لأنه ضعيفٌ أو منسوخ - كما ذكرناه .
(١) في الأصل: ((أبو بكر بن أبي خزيمة )) خطأ .
(٢) يأتي بعد الحديث الآتي .
- ٢٨٤ -

ص - هذا لفظ القعنبي ؛ وهو أتم. قال مالك : وأنا أرى ذلك واسعاً إذا
قامت الصلاة .
ش - أي : هذا الذي رويناه لفظ عبد الله بن مسلمة القعنبي ؛ وهو أتم
من رواية عثمان بن أبي شيبة .
قوله: (( وأنا أرى ذلك واسعاً)) أي: مرور الحمار بين يدي المصلّي،
والمقصود أشار به إلى أن الحمار لا يقطع الصلاة ، خلافاً لمن رأى ذلك .
٦٩٧ - ص - نا مسدّد : نا أبو عوانة ، عن منصور ، عن الحكم ، عن
يحيى بن الجزار ، عن أبي الصهباء قالَ : تَذاكرنا ما يقطع الصلاةَ عند ابن
عباس فقال : جئتُ أنا وغلام من بني عبد المطلبِ على حمار ورَسُولُ الله
يُصلي ، فنزلَ ونزلتُ فتركنا (١) الحمارَ أمامَ الصَّف فما بالاه ، وجاءت
جاريتان من بني عبد المطلب فدخلتا بين الصف فما بالا ذلك (٢).
ش - أبو عوانة : الوضاح ، ومنصور : ابن المعتمر ، والحكم : ابن
عتيبة ، ويحيى بن الجزار : مرّ عن قريب .
وأبو الصهباء : اسمه : صهيب مولى عبد الله بن عباس ، وقيل : إنه
بصري. وقال في (( الكمال)) : أبو الصهباء الكوفي . روى عن : سعيد
ابن جبير . روى عنه : حماد وسعيد ابنا زيْد ، وعمارة بن زاذان ،
والحسن بن أبي جعفر . روى له : أبو داود ، والترمذي ، والنسائي .
وفي (( مختصر السنن)) : وسئل عنه أبو زرعة فقال: مديني ثقة (٣)
قوله: (( أمام الصف )) أي : قدامه .
قوله : ((فما بالاه)) أي: فما اكترث له وهو من بَالى يبالي مُبالاةٌ .
واستفيد من الحديث : أن الحمار والمرأة لا يقطعان الصلاة . والحديث
أخرجه ابن خزيمة (٤) - كما ذكرناه آنفاً .
(١) في سنن أبي داود: ((وتركنا)).
(٢) النسائي : كتاب القِبلة ، باب : ذكر ما يقطع وما لا يقطع إذا لم يكن بين يدي
المصلي سترة (٢/ ٦٥).
(٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٧٤٤٦/٣٣) .
(٤) في الأصل: ((ابن أبي خزيمة)) خطأ.
- ٢٨٥ -

/ ٦٩٨ - ص - نا عثمان بن أبي شيبة ، وداود بن مخراق الفريابي : نا
[٢٣٨/١-١]
جرير، عن منصور بهذا الحديث بإسناده قال : فجاءت جاريتان من بني
[عبد] المطلب اقتتلتا فأخذهما. قال عثمان: فَفَرَعَ بينهما ، وقال داود: فنزع
إحديهما من الأخرى فما بالا ذلك (١).
ش - داود بن مخراق الفريابي : سمع : سفيان بن عيينة ، وعيسى بن
يونس ، ووكيع بن الجراح ، ومحمد بن موسى الفِطْري . روى عنه :
أبو داود ، وجعفر بن محمد الفريابي ، ومحمد بن أشرس . مات سنة
تسع وثلاثين ومائتين (٢) .
وجرير : ابن عبد الحميد ، ومَنْصور : ابن المعتمر .
قوله: (( بهذا الحديث )) أي : الحديث المذكور .
قوله: ((قال عثمان)) يعني: ابن أبي شيبة ((ففرع بينهما)) أي: حجَزَ
وفرق . قال الجوهري : فرَعتُ بينهما : حجزتُ وكففتُ . انتهى ، وهو
بالفاء والراء والعين المهملتين ، من باب فتح يفتح ، ويقال : فرّع بالتشديد
يُفرع تفريعاً أي : فرّق تفريقاً .
قوله: ((وقال داود)) أي: داود بن مخراق ((فنزع إحديهما)) أي :
إحدى الجاريتين من الأخرى . والحديث : أخرجه النسائي ، وابن
خزيمة(٣).
١٠٩ - بَابُ: من قال: الكلبُ لا يَقْطِعُ الصّلاةَ
أي : هذا باب في بيان من قال : إن مرور الكلب بين يدي المصلي لا
يقطع صلاته . وفي بعض النسخ: (( باب فيمن رأى الكلب لا يقطع
الصلاة )) .
(١) انظر تخريج الحديث المتقدم .
(٢) انظر ترجمته فى: تهذيب الكمال (١٧٨٥/٨).
(٣) في الأصل: (( ابن أبي خزيمة )) خطأ .
- ٢٨٦ -

٦٩٩ - ص - نا عبد الملك بن شعيب بن الليث قال : حدثني أبي ، عن
جدي ، عن يحيى بن أيّوب ، عن محمد بن عمر بن عليّ ، عن عباس بن
عبيد الله بن عباس ، عن الفَضْل بن عباس قال: أتانا رسول الله آل﴾ ونحن في
بادية (١) ومعه عباسٌ فصلّى في صحراء ليْس بين يديه سُترة وحمارةٌ لنا
وكلّةٌ تعْبثان بين يديّه فما بالَى ذلك (٢).
ش - يحيى بن أيوب : الغافقي المصريّ .
ومحمد بن عمر بن عليّ : ابن أبي طالب - كرَّم الله وجهه (٣) - ،
كنيته : أبو عبد الله ، وأمّه : أسماء بنت عقيل بن أبي طالب، يروى عن:
عليّ بن أبي طالب ، وأكثر روايته عن أبيه ، وعليّ بن الحُسين . روى
عنه: يحيى بن سعيد الأنصاري ، والثوري ، ويحيى بن أيوب ،
وغيرهم (٤).
وعباس بن عبيد الله بن العباس : ابن عبد المطلب القرشي الهاشمي .
روى عن : الفضل بن عباس . روى عنه : محمد بن عمر بن عليّ .
روى له : أبو داود ، والنسائي (٥) .
والفضل بن عباس : ابن عبد المطلب الهاشمي القرشي ابن عم رسول
الله ، أبو عبد الله أو أبو محمد أو أبو العباس ، رُوِيَ له عن رسول الله
أربعة وعشرون حديثاً ، اتفقا على حديثين . روى عنه : أخوه : عبد الله
ابن عباس ، وأبو هريرة ، وعباس بن عبيد الله بن عباس ، وخلق
سواهم. مات بالشام في طاعون عَمْواس سنة ثمان عشرة وهو الأظهر ،
وقيل : قتل يوم أجنادين سنة ثلاث عشرة ، وقيل : قتل يوم اليرموك سنة
(١) في سنن أبي داود: ((بادية لنا)).
(٢) النسائي : كتاب القِبْلة ، باب : ذكر ما يقطع الصلاة وما لا يقطع إذا لم يكن
بين يدي المصلي سترة (٦٥/٢).
(٣) تقدم التعليق على خطإ هذه الكلمة في (١/ ١٨٢).
(٤) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٥٤٩٦/٢٦).
(٥) المصدر السابق (١٤/ ٣١٣٠).
- ٢٨٧ -

أربع عشرة أو خمس عشرة ، وقيل : قتل يوم مَرْج الصَّفْر سنة ثلاث
عشرة . روى له الجماعة (١) .
قوله: ((وحمارةٌ لنا )) مبتدأ خصّت بالصفة، و((كلبةٌ )) عطف عليها ،
وخبره : ((تعْبئان)) أي : تلعبان ، والعبَث : الإفْساد ، وفي نسخة :
(تَعِيثان)) من عَاث الذئب في الغنم يعيث عَيْئاً إذا أفسد ، ويجوز أن يكون
من عِثي يعثى عثياً إذا أفسَدَ من باب علم يعلم ، ويقال : عثا يَعْثو من باب
نصر ينصر ، ويكون التثنية : تعثيان - بتقديم الثاء المثلثة - .
ويفهمُ من الحديث مسألتان ؛ الأولى : إذا صلى في الصحراء بلا سُتْرة
لا بأس عليه . قال الأبهريّ : لا خلاف أن السترة مشروعة إذا كان في
موضع لا يأمن من المرور بين يديه ، واختلفوا في موضع يأمن ؛ فعن
مالك قولان ، وهي عند الشافعي مشروعة مطلقاً لعموم الأحاديث ، فإن
كان في الفضاء هل يصلي إلى غير سترة ؟ فأجازه ابن القاسم لهذا الحديث
ولحديث عبد الله . وقال مطرف وابن الماجشون : لا بد من السترة . وذكر
عن عروة ، وعطاء ، وسالم ، والقاسم ، والشعبيّ ، والحسن أنهم كانوا
يصلون في الفضاء إلى غير سترةٍ .
[٢٣٨/١ -ب] الثانية: أن الحمار والكلب لا يقطعان / الصلاة ، وقال بعضهم : لم
یذکر فیه نعت الكلب ، وقد يجوز أن يكون الكلب ليس بأسود ، وقد
ذكرنا عن أحمد أنه قال : لا يقطع الصلاة إلا الكلب الأسود .
وفي كتاب أبي نعيم الدكيني بسند صحيح متصل قال : نا يونس ، عن
مجاهد، عن عائشة قالت: (( لا يقطع صلاة المسلم إلا الهرّ الأسود ،
والكلب البهيم)). قال: وحدَّثنا ابن عيينة ، عن ليث ، عن طاوس ،
عن ابن عباس قال : ادرءوا ما استطعتم عن صلاتكم ، وأشد ما يتقى
عليها الكلاب . وحدَّثنا ابن عيينة ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قال:
(١) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (٢٠٨/٣)، وأسد الغابة
(٣٦٦/٤)، والإصابة (٢٠٨/٣).
- ٢٨٨ -

الكلب الأسود البهيم شيطان ، وهو يقطع الصلاة . وعن ابن طاوس قال:
كان أبي يشدّد في الكلاب . وحدَّثنا ابن عيينة ، عن أيوب ، عن بكر
المزني أن ابن عمر أعاد ركعة من جرو مرّ بين يديْه . وقد ذكرنا أن عند
الجمهور : لا يقطع الصلاة شيء ؛ رُوِيَ ذلك عن عثمان ، وعليّ ،
وحذيفة ، وعروة ، والشعبي ، وغيرهم . والحديث : أخرجه النسائي
بنحوه ، وذكر بعضهم أن في إسناده مقالاً .
١١٠ - بَابُ: مَنْ قال: لا يقطعُ الصّلاةَ شيءٌ
أي : هذا باب في بيان من قال : لا يقطع الصلاة شيء من الحيوان إذا
مر بين يدي المصلي، وفي بعض النسخ: (( باب ما جاء فيمن قال : لا
يقطع الصلاة شيء ».
٧٠٠ - ص - نا محمد بن العلاء : أنا أبو أسامة، عن مجالد ، عن
أبي الودّاك، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله وكلفر: ((لا يقطع الصلاة
شيءٌ، وادرءوا ما استطعتم؛ فإنما هو شيطان)) (١).
ش - أبو أسامة : القرشي الكوفي اسمه : حماد بن أسامة بن زيد ،
روى له الجماعة ، وقد مرّ مرة . ومجالد : ابن سعيد الكوفي ، قد ذكرناه
وفيه مقال .
وأبو الودّاك - بتشديد الدال - جَبْر بن نوْف البِكاليَّ . روى عن :
أبي سعيد الخدري ، وشريح القاضي . روى عنه : أبو إسحاق السبيعي ،
ومجالد بن سعيد ، ويونس بن أبي إسحاق ، وغيرهم . قال ابن معين :
ثقة . روى له : مسلم ، وأبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه (٢) .
وجبر: بفتح الجيم وسكون الباء الموحدة ، ونوف : بفتح النون وسكون
الواو ، وفي آخره فاء .
(١) تفرد به أبو داود .
(٢) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٨٩٥/٤).
١٩ • شرح سنن أبي داوود ٣
- ٢٨٩ -

قوله : (( شيء)) يعني : من بني آدم وغيرهم من الحيوان.
قوله: ((وادرأوا)) أي : ادفعوا ما قدرتم .
قوله: ((فإنما هو شيطان)) أي : فإن الذي يمر بين يدي المصلي شيطان ؛
وقد ذكرنا أن هذا تشبيه بليغ . والحديث : أخرجه الدار قطني ثم البيهقي .
وقال محيي الدين: وحديث (( لا يقطع الصلاة شيء )) حديث ضعيف .
(((١) وأخرج الدار قطني - أيضاً - ، عن إبراهيم بن يزيد : ثنا سالم
ابن عبد الله ، عن أبيه أن رسول الله وأبا بكر وعمر قالوا : لا يقطع صلاة
المسلم شيء، وادرءوا ما استطعتم. انتهى. ووقفه مالك في ((الموطأ)):
حدَّثْنا الزهري ، عن سالم ، عن أبيه قال : لا يقطع الصلاة شيء ،
ووقفه البخاري في (( صحيحه )) على الزهري ؛ فأخرجه عن محمد بن
عبد الله ابن أخي الزهري أنه سأل عمّه ابن شهاب الزهري عن الصلاة
أيقطعها شيء ؟ فقال : لا يقطعها شيء .
وروى الدارقطني - أيضاً - عن عفير بن معدان ، عن سليم بن عامر ،
عن أبي أمامة ، عن النبي - عليه السلام - قال: ((لا يقطع الصلاة شيء)).
وروى - أيضاً - عن صخر بن عبد الله بن حرملة أنه سمع عمر بن
عبد العزيز يقول عن أنس بن مالك أن رسول الله وَ لقوله صلى بالناس، فمرّ
بين أيديهم حمار ، فقال عياش بن أبي ربيعة : سبحان الله ، سبحان الله،
فلما سلم رسول الله قال: (( من الُسبّح آنفاً ؟)) قال : أنا يا رسول الله،
إني سمعت أن الحمار يقطع الصلاة ، فقال النبي - عليه السلام -: (( لا
يقطع الصلاة شيء)). وروى ابن الجوزي في ((العلل المتناهية)) هذه
الأحاديث الثلاثة من طريق الدارقطني وقال : لا يصح منها شيء ، قال
في ((التحقيق)) : أما حديث ابن عمر ؛ ففيه إبراهيم بن يزيد الخوزي ،
قال أحمد ، والنسائي : هو متروك . وقال ابن معين : ليس بشيء ، وأما
حديث أبي أمامة ؛ ففيه عُفير بن معدان . قال أحمد : ضعيف منكر
(١) انظر: نصب الراية (٧٦/٢ - ٧٨) .
- ٢٩٠ -

الحديث . وقال يحيى : ليس بثقة . وقال أبو حاتم الرازي : ليس بثقة ،
وأما حديث أنس ؛ ففيه صخر بن عبد الله /. قال ابن عدي: يُحدّث [٢٣٩/١-٢]
عن الثقات بالأباطيل عامّة ما يَرْويه منكر ، أو من موضوعاته . وقال ابن
حبان: لا تحل الرواية عنه. وقال صاحب ((التنقيح)): إنه وهم في
صخر هذا ؛ فإن صخر بن عبد الله بن حرملة الراوي ، عن عمر بن
عبد العزيز لم يتكلم فيه ابن عديّ ولا ابن حبان ؛ بل ذكره ابن حبّان في
(الثقات)). وقال النسائي : هو صالح ؛ وإنما ضعّف ابن عدي صخر بن
عبد الله الكوفي المعروف بالحاجبي وهو متأخر عن ابن حرملة . روى عن:
مالك ، والليث ، وغيرهما .
وروى الطبراني في ((معجمه الوسط)) (١) عن عيسى بن ميمون ، عن
جرير بن حازم ، عن محمد بن المنكدر ، عن جابر بن عبد الله الأنصاري
قال : كان رسول الله - عليه السلام - قائماً يُصلي ، فذهبت شاة تمر بين
يديه فساعاها حتى ألزقها بالحائط، ثم قال: (( لا يقطع الصلاة شيء ،
وادرءوا ما استطعتم)) ، وقال : تفرّد به : عيسى بن ميمون . وقال ابن
حبان في كتابه في ((الضَّعفاء)): عيسى بن ميمون أبو سلمة الخواص
الواسطي يروي العجائب ، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد (٢).
٧٠١ - ص - نا مسدّد : نا عبد الواحد بن زياد: نا مجالد: نا أبو الودّاك
قال : مرّ شاب من قریش بين يدي أبي سعيد الخدري وهو يُصلّي فدفعه، ثم
عاد فدفعه ثلاث مرات ، فلما انصرف قال : إن الصلاة لا يقطعها شيء ؛
ولكن قال رسولُ الله: ((وادرءوا ما استطعتم فإنه شيطان)) (٣).
ش - عبد الواحد بن زياد : أبو عبيدة البصري ، ومجالد : ابن سعيد.
قوله: (( وهو يصلي)) جملة حالية . وفيه : أن المارّ إذا تقوى على المرور
فللمصلي أن يدفعه إلى ثلاث مرات ، ولا تفسد صلاته ؛ لأن هذا
(١) (٧/ ٧٧٧٤) .
(٢) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية .
(٣) تفرد به أبو داود .
- ٢٩١ -

يمكن بيد واحدة ، والعمل الكثير الذي يفسد الصلاة هو ما لا يوجد إلا
بالیدین .
ص - وقال أبو داود: إذا تنازع الخبران عن النبي - عليه السلام - نُظر(١)
ما عمل به أصحابه من بعده .
ش - من عادته أن يذكر الحديث في بابه ، ويذكر الذي يُعارضُه في باب
آخر على إثره ، ولما ذكر الأبواب التي فيها انقطاع الصلاة بالشيء ثم
أعقبها بهذا الباب ، فكأنه أشار به إلى أن العمل اليوم على أنّ الصّلاة لا
يقطعها شيءٌ، وهو مذهب الجمهور - كما بيناه مُفْصلاً مُستوفّى ، والله
أعلم .
أَبْوابُ : استفْتَاحِ الصّلاةِ
أي : هذه أبواب استفتاح الصلاة ، وهذه إشارة إلى بيان الأحاديث
المتعلّقة بأفعال الصلاة وفي بعض النسخ: ((تفريع استفتاح الصلاة)) (٢).
والاستفتاح : طلب الفتح ، والمراد منه : الافتتاح وهو الشروع فيها . وقد
سمعت بعضهم يُفْحم أئمة المساجد بقوله: ما مفتاح الصلاة؟ وما افتتاحها؟
وما استفتاحها ؟ فالذي عنده قصورٌ يَبْهَتُ في الفرق بينها ؛ فمراده من
المفتاح : الطهور ، ومن الافتتاح : تكبيرة الإحرام ، ومن الاستفتاح :
قراءة (( سبحانك اللَّهُمَّ وبحمدك)) إلى آخره .
١١١ - بَابٌ: فِي رَفَع اليدين (٣)
أى : هذا باب في بيان رفع اليدين في أول الصلاة ، وفي بعض
النسخ: ((باب رفع اليدين)) بدون ((في )).
(١) في سنن أبي داود: ((نظر إلى ما)).
(٢) كما في سنن أبي داود .
(٣) كما في سنن أبي داود: ((باب رفع اليدين في الصلاة)).
- ٢٩٢ -

٧٠٢ - ص - نا أحمد بن حنبل: نا سفيان ، عن الزهري ، عن سالم، عن
أبيه قال : رأيت رسول الله پے إذا استفتح الصلاة رفع يديه حتى يحاذي
منكبَيْه ، وإذا أراد أن يركع وبعدما يرفع رأسه من الركوع . وقال سفيان مرةً:
وإذا رفع رأسه ، وأكثر ما کان يقول : وبعدما يرفع رأسه من الركوع ، ولا
یرفعُ بین السجدتين (١) .
ش - الحديث : أخرجه الأئمة الستةُ . الكلام فيه من وجوه ، الأول :
في نفس رفع اليدين . قال ابن المنذر : لم يختلفوا أن رسول الله - عليه
السلام - كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة. وفي (( شرح المهذب)) :
أجمعت الأمة على استحباب رفع اليدين في تكبيرة الافتتاح . وقال ابن
المنذر : ونقل العبدري عن الزيدية أنه لا يرفع يديه عند الإحرام ، ولا يعتد
بهم. وفي (( فتاوى القفال)) أن أبا الحسن أحمد بن سيار المروزي قال :
إذا لم يرفع لم تصح صلاته ؛ لأنها واجبة ، فوجب الرفع لها بخلاف
باقي التكبيرات لا يجب الرفع لها ؛ لأنها غير واجبة . وقال النووي :
وهذا مردود بإجماع من قبله . وقال ابن حزم : رفع اليدين في أول الصلاة
فرض لا تجزئ الصلاة إلا به ، وقد رُوِيَ ذلك عن / الأوزاعي .
[٢٣٩/١ -ب]
الثاني : في كيفية الرفع ؛ فقال الطحاوي : يرفع ناشراً أصابعه مستقبلاً
بباطن كفيه القِبلة، كأنه لمح ما في ((الأوسط)) (٢) للطبراني من حديثه
عن محمد بن حرب : نا عمير (٣) بن عمران ، عن ابن جريج ، عن
(١) البخاري : كتاب الأذان ، باب : رفع اليدين في التكبيرة الأولى مع الافتتاح
سواء (٧٣٥) ، مسلم : كتاب الصلاة ، باب : استحباب رفع اليدين حذو
المنكبين مع تكبيرة الإحرام والركوع وفي الرفع من الركوع وأنه لا يفعله إذا رفع
من السجود (٢١/ ٣٩٠)، الترمذي : كتاب الصلاة ، باب : ما جاء في رفع
اليدين عند الركوع (٢٥٥) ، النسائي : كتاب الافتتاح ، باب : رفع اليدين
للركوع حذاء المنكبين (١٨٢/٢)، ابن ماجه : كتاب إقامة الصلاة ، باب :
رفع اليدين إذا ركع ، وإذا رفع رأسه من الركوع (٨٥٨).
(٢) (٧٨٠١/٨) .
(٣) في الأصل: (( محمد)) خطأ.
- ٢٩٣ -

نافع، عن ابن عمر مرفوعاً: ((إذا استفتح أحدكم فليرفع يديه ، وليستقبل
بباطنهما القِبْلة ؛ فإن الله عَزَّ وجَلَّ أمامه )).
وفي (( المحيط)) : ولا يفرج بين الأصابع تفريجاً ؛ كأنه يشيرُ إلى ما
رواه الترمذي من حديث سعيد بن سمعان : دخل علينا أبو هريرة مسجد
بني زريق فقال : ثلاث كان يعمل بهنّ تركهنّ الناسُ : كان عليه السلام إذا
قام إلى الصلاة قال هكذا ؛ وأشار أبو عامر العقدي بيده ولم يفرج بين
أصابعه ولم يضمها ، وضعفه .
وقال الماوردي : يجعل بطن كل كف إلى الأخرى . وعن سحنون :
ظهورهما إلى السماء وبطونهما إلى الأرض . وعن القابسي : يُقيمهما
محنيين شيئاً يسيراً . ونقل المحاملي عن أصحابهم : يستحب تفريق
الأصابع . وقال الغزالي : لا يتكلف ضما ولا تفريقاً ؛ بل يتركهما على
هيئتهما. وقال الرافعي: يفرق تفريقاً وسطاً. وفي ((المغني)) لابن
قدامة: يستحب أن يمدّ أصابعه ويضم بعضها إلى بعض .
الثالث: إلَى أَيْن يَرْفع؟ ففي ((المحيط )) : حذاء أذنيه حتى يحاذي
بإبهاميه شحمتيهما ، وبرءوس أصابعه فروع أذنيه؛ وذلك لحديث عبد الجبار
ابن وائل ، ونذكره عن قريب في موضعه ، ولحديث مسلم ، عن مالك
ابن الحويرث : (( كان النبي - عليه السلام - إذا كبر رفع يديه حتى يحاذي
بهما أذنيه)). وفي لفظ: (( حتى يجاوز بهما فروع أذنيه )) . وعن أنس
مثله من عند الدارقطني ؛ وسنده صحيح ، وعن البراء من عند الطحاوي:
رفع يدَيْه حتى يكون إبهامه قريباً من شحمتي أذنيه . وقال الشافعي وأحمد
ومالك وإسحاق : حذْو منكبَيْه ؛ مستدلين بحديث سالم ، عن أبيه .
وقال القرطبي : هذا أصح قولي مالك ، ورواية عنه : إلى صدره .
وذهب ابن حبيب إلى رفعهما إلى حذو أذنيه ، ورواية : فوق رأسه .
وقال ابن عبد البر : رُوِيَ عن النبي - عليه السلام - الرفع مدا فوق
الأذنين مع الرأس . ورُوِيَ أنه كان يرفعهما حذاء أذنيه ، ورُوِيَ : حذو
منكبيه ، وروي : إلى صدره ، وكلها آثار محفوظة مشهورة دالة على
- ٢٩٤ -

التَّوْسعة . والجواب عن حديث رفع اليدين إلى المنكبين : أنه محمول على
حالة العذر. وقال الطحاوي في ((شرح الآثار)): إنما كان رفعهم الأيدي
إلى المناكب لعلة البُرْد ؛ بدليل أن وائل ابن حُجر لما روى الرفع إلى
الأذنين قال في حديثه : ثم أتيته من العام المقبل وعليهم الأكسية والبرانس،
فكانوا يرفعون أيديهم إلى المناكب ، قال : وتحمل أحاديث المناكب على
حالة العذر ، وتتفق الآثار بذلك .
الرابع : في حكمة الرفع ؛ قال ابن بطّال : ورفعهما تعبّدٌ ، وقيل :
إشارة إلى التوحيد ، وقيل : حكمته : أن يراه الأصم فيَعلم دخوله في
الصلاة ، والتكبير لإسماع الأعمى فيعلم بدخوله في الصلاة ، وقيل :
انقيادٌ ، وقيل : إشارةٌ إلى طرح أمور الدنيا والإقبال بالكلية إلى الصلاة ،
وقيل : استكانة واستسلام ؛ وكان الأسير إذا غلب مدّ يدَيْه علامة
لاستسلامه ، وقيل : هو إشارة إلى استعظام ما دخل فيه .
الخامس : الرفع مقارن بالتكبير أم لا؟ فقال في (( المبسوط)) : يرفع ثم
يكبّر ، وقال : وعليه أكثر مشايخنا ، وقال خواهر زاده : يرفع مقارناً
للتكبير ، وبه قال أحمد، وهو المشهور من مذهب مالك. وفي (( شرح
المهذب )) : الصحيح : أن يكون ابتداء الرفع مع ابتداء التكبير وانتهاؤه مع
انتهائه ؛ وهو المنصوص ، وقيل : يرفع بلا تكبير ثم يبتدئ التكبير مع
إرسال اليدين ، وقيل : يرفع بلا تكبير ثم يُرسلهما بعد فراغ التكبير ؛
وهو مصحح عند البغوي ، وقيل : يبتدئ بهما معاً ، ويبتدئ التكبير مع
انتهاء الإرسال ، وقيل : يبتدئ الرفع مع ابتداء التكبير ولا استحباب في
الانتهاء؛ وهذا مصحح عند الرافعي. وفي ((شرح المجمع)): قال
أبو يوسف / : يُقارن رفع اليدين مع التكبير ، وبه قال الطحاوي وبعض [١/ ٢٤٠-١]
الشافعية ، وقال أبو حنيفة ومحمد : يقدّم الرفع على التكبير ؛ وهو الذي
ذكره صاحب ((المبسوط))؛ لأن الرفع إشارة إلى نفي الكبرياء عن غير
الله، والتكبيرَ إثباتها له ، والنفي مقدم على الإثبات .
السادس : في رفعهما إذا أراد الركوع وبعدما يرفع رأسه منه ؛ فقال
- ٢٩٥ -

الشافعي وأحمد وإسحاق : يستحب رفعهما - أيضاً - عند الركوع وعند
الرفع منه ؛ وهو رواية عن مالك ؛ واستدلوا بالحديث المذكور وبأمثاله ،
قال الخطابي : وهو قول أبي بكر الصِّدِّيق ، وعليّ بن أبي طالب ، وابن
عُمر ، وأبي سعيد الخدريّ ، وابن عباس ، وأنس ، وابن الزّبَيْر ، وإليه
ذهب الحسن البصري ، وابن سيرين ، وعطاء ، وطاوس ، ومجاهد ،
والقاسم بن محمد ، وسالم ، وقتادة ، ومكحول ، وبه قال الأوزاعي ،
ومالك في آخر أمره ، وقال البخاريّ : رُوي عن تسعة عشر نفراً من
الصحابة أنهم كانوا يرفعون أيديهم عند الركوع ؛ منهم : أبو قتادة ،
وأبو أُسيد ، ومحمد بن مسلمة ، وسهل بن سَعْد ، وعبد الله بن عمر ،
وابن عباس ، وأنس ، وأبو هريرة ، وعبد الله بن عمرو ، وعبد الله بن
الزَّبير، ووائل بن حُجر ، ومالك بن الحويرث ، وأبو موسى الأشعري ،
وأبو حُميد الساعدي ، قال : وكان الحُميدي ، وعليّ بن عبد الله ،
ويحيى بن معين ، وأحمد ، وإسحاق يثبتون عامّة هذه الأحاديث عن
رسول الله - عليه السلام - ويرونها حقا ، وهؤلاء أهل العلم من أهل
زمانهم ، ولم يثبت عند أحد منهم في ترك رفع الأيدي عن النبي - عليه
السلام - ولا عن أحد من أصحابه أنه لم يرفع يديه . وزاد البيهقي :
أبا بكر الصِّدِّيق ، وعمر ، وعليا ، وجابراً ، وعقبة بن عامر ، وزيد بن
ثابت ، وعبد الله بن جابر البياضي ، وأبا سعيد ، وأبا عبيدة ، وابن
مسعود ، وأبيّ بن كعب ، وسَعْد بن أبي وقاص ، وسعيد بن زيد ،
وعبد الرحمن بن عوف ، والحسين بن عليّ ، وسلمان الفارسي، وبُريدة،
وعماراً ، وأبا أمامة ، وعُمير بن قتادة الليثي ، وأبا مَسْعود ، وعائشة ،
وأعرابيا له صحبة . زاد ابن حزم : أم الدرداء ، والنعمان بن عياش ،
قال: ورويناه - أيضاً - عن عبد الرحمن بن سابط ، والحسن ، وسالم ،
والقاسم ، وعطاء ، ومجاهد ، وابن سيرين ، ونافع ، وقتادة ، والحسن
ابن مسلم ، وابن أبي نجيح ، وعمرو بن دينار ، ومكحول ، والمعتمر ،
ويحيى القطان ، وابن مهدي ، وابن علية ، وابن المبارك ، وابن وهب ،
- ٢٩٦ -

ومحمد بن نصر المروزي ، وابن جرير الطبري ، وابن المنذر ، والربيع ،
ومحمد بن عبد الحكم ، وابن نُمير ، وابن المديني ، وابن معين ، وابن
هارون في آخرين ، وهو رواية أشهب ، وابن وهب ، وأبي المصعب
وغيرهم عن مالك، أنهُ كان يفعله ويُفُتي به . وفي (( تاريخ ابن عساكر ))
بسندٍ لا يحضرني الآن ، عن أبي سلمة الأعرج القاصّ قال: أدركت ألفاً
من الصحابة كلهم يرفع يديه عند كل خفض ورفعٍ . وقال أبو حنيفة
وأبو يوسف ومحمد وزفر ومالك في رواية ابن القاسم وهي المعمول بها
في المذهب : لا يرفع يدَيْه إلا في تكبيرة الإحرام خاصةً ، وهو قول
الثوري ، وابن أبي ليلى ، والنخعي ، والشعبيّ ، وغيرهم ؛ واستدلوا
على ذلك بأحاديث وآثار ، منها : ما رواه مسلم من حديث تميم بن
طرفة، عن جابر بن سمرة قال: خرج علينا رسول الله وَ له فقال: (( ما
لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس ؟ اسكنوا في الصلاة )).
واعترض عليه البخاريّ في كتابه الذي وضعه في رفع اليدين بأن هذا كان
في التشهد لا في القيام ؛ يُفسّره رواية عبد الله ابن القبطية قال : سمعت
جابر بن سمرة يقول : كنا إذا صلينا خلف النبي - عليه السلام - قلنا :
السلام عليكم ، السلام عليكم - وأشار بيده إلى الجانبين - فقال: (( ما
بال هؤلاء يومئون بأيديهم كأنها أذناب خيل شُمُسٍ ؟ إنما يكفي أحدكم أن
يضع يده على فخذه ، ثم يسلم على أخيه من عن يمينه ومن عن شماله )).
وهذا قول معروف لا اختلاف فيه ولو كان كما ذهبوا إليه / لكان الرفع في [١/ ٢٤٠ -ب]
تكبيرات العيد - أيضاً - منهياً عنه ؛ لأنه لم يَسْتئنِ رفعاً دون رفع ؛ بل
أَطْلق .
والجواب عن هذا : أن هذان حديثان لا يُفسرُ أحدهما بالآخر كما جاء
في الحديث الأول: (( دخل علينا رسول الله وإذا الناسُ رافعي أيديهم في
الصلاة فقال: (( ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس ؟
اسكنوا في الصلاة)) ، والذي يرفع يديه في أثناء الصلاة وهو حالة
الركوع والسجود ونحو ذلك ، هذا هو الظاهر ، والراوي روى هذا في
- ٢٩٧ -

وقت كما شاهده ، وروى الآخر في وقت آخر كما شاهده وليس في ذلك
يُعد .
ومنها : ما أخرجه أبو داود (١) ، والترمذي ، عن وكيع ، عن سفيان
الثوري ، عن عاصم بن كليب ، عن عبد الرحمن بن الأسود ، عن
علقمة قال : قال عبد الله بن مسعود : أَلا أصلي بكم صلاة رسول الله ؟
فصلّى ولم يرفع يدَيْه إلا في أول مرّة . وفي لفظ : فكان يرفع يده في أول
مرة ثم لا يَعودُ . وقال الترمذي : حديث حسن . وأخرجه النسائي ، عن
ابن المبارك ، عن سفيان . وقد اعترض عليه وسنبينه مع جوابه في موضعه
إن شاء الله تعالى .
ومنها : ما رواه أبو (٢) داود من حديث البراء بن عازب قال : كان
النبي - عليه السلام - إذا افتتح الصلاة رفع يديه إلى قريب من أذنيه ثم لا
يعود ، وسيجيء بيانه مع اعتراضه إن شاء الله تعالى (٣).
ومنها: ما أخرجه البيهقي في ((الخلافيات )) عن عبد الله بن عون
الخَرَّاز : ثنا مالك ، عن الزهري ، عن سالم ، عن ابن عمر أن النبي
-عليه السلام - كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة ثم لا يَعُود . والخراز :
بالخاء المعجمة ، بعدها راء ثم زاي . وقال البيهقي : قال الحاكم : هذا
باطل موضوع ، ولا يجوز أن يذكر إلا على سبيل القدح ؛ فقد روينا
بالأسانيد الصحيحة ، عن مالك بخلاف هذا ، ولم يذكر الدار قطني هذا
في غرائب حديث مالك .
ومنها : ما رواه البيهقي - أيضاً - في ((الخلافيات)): أخبرنا أبو عبد الله
الحافظ ، عن أبي العباس محمد بن يعقوب ، عن محمد بن إسحاق ،
عن الحسن بن الربيع ، عن حفص بن غياث ، عن محمد بن يحيى ، عن
عباد بن الزبير أن رسول الله كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه في أول
(١) يأتي برقم (٧٢٩).
(٣) يأتي برقم (٧٣٢) .
(٢) في الأصل: ((ابن)).
- ٢٩٨ -

الصلاة، ثم لم يرفعهما في شيء حتى يفرغ . انتهى . قال الشيخ في
((الإمام)»: وعبّاد هذا تابعي ؛ فهو مُرْسل . ومنها : ما رواه الطبراني في
((معجمه)) : نا محمد بن عثمان بن أبي شيبة : نا محمد بن عمران :
حدّثني أبي ، عن ابن أبي ليلى ، عن الحكم ، عن مقسم ، عن ابن
عباس، عن النبي - عليه السلام - قال: (( لا ترفع الأَيْدي إلا في سَبْع
مواطن : حين يفتتح الصلاة ، وحين يدخل المسجد الحرام فينظر إلى
البيت، وحين يقوم على الصفا ، وحين يقوم على المروة ، وحين يقف مع
الناس عشية عرفة ، وبجمع ، والمقامين حين يرمي الجمرة )) . ورواه
البخاري - مُعلّقاً - في كتابه المفرد في (( رفع اليدين ))، ثم قال : قال
شعبة : لم يَسْمع الحكم من مقسم إلا أربعة أحاديث ؛ ليس هذا منها ،
فهو مرسلٌ وغير محفوظ ؛ لأن أصحاب نافع خالفوا ، وأيضاً - فهم قد
خالفوا هذا الحديث ، ولم يعتمدوا عليه في تكبيرات العيدين وتكبير
القنوت . والجواب : أن قول شعبة مجرّد دعوى ، ولئن سلمنا فمرسلُ
الثقات مقبول يحتج به ، وكونهم لم يَعْتمدوا عليه في تكبيرات العيدين
وتكبير القنوت لا يُوجب المخالفة ، لأن الحديث لا يدل على الحصر
[ ... ] (١) .
ورواه البزار في (( مسنده )) - أيضاً - وقال : حدثنا أبو كريب محمد بن
العلاء : نا عبد الرحمن بن محمد المحاربي : ثنا ابن أبي ليلى ، عن
الحكم ، عن مقسم ، عن ابن عباس ، وعن نافع ، عن ابن عمر ، عن
النبي - عليه السلام - قال: (( ترفع الأيدي في سبع مواطن : افتتاح
الصلاة ، واستقبال البيت ، والصفا ، والمروة ، والموقفين، وعند الحجر ))
ثم قال : وهذا حديث قد رواه غير واحد موقوفاً ، وابن أبي ليلى لم يكن
بالحافظ، وإنما قال: ((ترفع الأيدي)) / ولم يقل: ((لا ترفع الأيدي إلا [٢٤١/١-٢)
في هذه المواضع)). انتهى .
(١) بياض فى الأصل قدر سطر وثلث السطر .
- ٢٩٩ -

قلت : رواه موقوفاً ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) فقال : حدّثنا ابن
فضيل ، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: ((تُرْفَعُ
الأيدي في سبع مواطن ؛ إذا قام إلى الصلاة ، وإذا رأى البيت ، وعلى
الصفا والمروة ، وفي جمع ، وفي عرفات ، وعند الجمار )) . قال الشيخ
في ((الإمام)): ورواه الحاكم ثم البيهقي بإسناده عن المحاربي، عن ابن
أبي ليلى ، عن الحكم ، عن مقسم ، عن ابن عباس ؛ وعن نافع ، عن
ابن عمر قالا : قال رسول الله - عليه السلام -: (( ترفع الأيدي في سبع
مواطن : عند افتتاح الصلاة ، واستقبال البيت ، والصفا والمروة ،
والموقفين ، والجمرتين )).
ومن الآثار: ما رواه الطحاوي ثم البيهقي من حديث الحسن بن عياش،
عن عبد الملك بن أبجر ، عن الزبير بن عدي ، عن إبراهيم ، عن الأسود
قال : رأيت عمر بن الخطاب يرفع يديه في أول تكبيرة ، ثم لا يعود .
قال : ورأيت إبراهيم ، والشعبي يفعلان ذلك . قال الطحاوي : فهذا
عمر - رضي الله عنه - لم يكن يرفع يديه أيضاً إلا في التكبيرة الأولى ،
والحديث صحيح ، فإن مداره على الحسن بن عياش ، وهو ثقة حجة ،
ذكر ذلك يحيى بن معين عنه . واعترضه الحاكم بأن هذه رواية شاذة لا
تقوم بها الحجة ، ولا تعَارضُ بها الأخبارُ الصحيحة عن طاوس ، عن
كيسان ، عن ابن عمر (١) : أن عمر كان يرفع يديه في الركوع ، وعند
الرفع منه .
(١) قال محقق نصب الراية (٤٠٥/١/ هامش ٢): ((هذه المعارضة ذكرها الحافظ
أيضاً في الدراية (ص ٨٥)، وذكر ابن عمر فقط، ولم يذكر عمر . وقال
الشيخ المحقق ظهير أحسن النيموي الهندي في كتابه ( آثار السنن)) (١٠٦/١):
راجعت ( كذا ) إلى نسخة صحيحة مكتوبة من (( نصب الراية)) في الخزانة
المعروفة بـ ((أيشياتك سوسائتي - كلكتة)) فوجدته فيها هكذا : عن ابن عمر
أنه كان يرفع يديه في الركوع، وعند الرفع منه. ا هـ. وفي (( فتح القدير))
(٣١٩/١): وعارضه الحاكم برواية طاوس بن كيسان ، عن ابن عمر - رضي
الله عنه - : كان يرفع يديه في الركوع، وعند الرفع منه)). اهـ .
- ٣٠٠ -