النص المفهرس

صفحات 261-280

أحدكم إلى سترة فليدن منها ؛ فإن الشيطان يمرّ بينه وبينها ، ولا يدع أحداً
يمرّ بين يديه )). انتهى.
قلت : وإسناد أبي داود صحيح - أيضاً - وكذا قال الشيخ محيي الدين
في (( الخلاصة)).
٦٨٠ - ص - نا أحمد بن أبي سُريج الرازي: أنا أبو أحمد الزّبيري : أنا
مَسَرَّةُ بن مَعْبد اللخمي - لقيتُه بالكوفة - / قال: حدثني أبو عبيد حاجب [٢٣٣/١ -ب]
سليمان قال : رأيتُ عطاء بن يزيد اللَّيْنِي قائماً يُصلّي فذهبتُ أَمُرُّ بين يديْه
فَردّني ثم قال: حدثني أبو سعيد الخدريّ أن رسول الله قال: (( من استطاع
منكم أن لا يحول بينه وبين قِبْلته أحدٌ فليَفْعَل)) (١) .
ش - أحمد بن أبي سُريج : هو أحمد بن الصباح النهشلي، وأبو أحمد
الزبيري [ ] (٢) .
ومَسرة بن معبد اللخمي : من بني أبي الحرام الفلسطيني ، كان يسكُن
كورة بيْت جِبرين ، وهي على فراسخ من بيت المقدس . سمع : أبا عبيد
حاجب سليمان بن عبد الملك ، والزهري ، ونافعاً ، وغيرهم . روى
عنه: أبو أحمد الزبيري ، وضمرة بن ربيعة الرملي ، والوليد بن النضر
الرملي ، وغيرهم . قال أبو حاتم : شيخ ما به بأس . روى له :
أبو داود (٣).
وأبو عبيد : اسمه : حُيي ، ويقال : حُوَي حاجب سليمان ومولاه .
روى له : البخاري ، وأبو داود (٤) .
قوله: (( أن لا يحول)) أي : أن لا يفصل بينه وبين قبلته أحد فليفعل
ذلك. وفي ((المصنف)): حدَّثنا أبو معاوية ، عن عاصم ، عن ابن
سيرين قال : كان أبو سعيد قائماً يُصلي ، فجاء عبد الرحمن بن الحارث
(١) تفرد به أبو داود .
(٢) بياض قدر كلمة .
(٣) انظر ترجمته في تهذيب الكمال (٥٩٠٠/٢٧).
(٤) المصدر السابق (٣٤/ ٧٤٩٢) .
-٢٦١ -

ابن هشام یمرّ بین یدیه فمنعه وأبی إلا أن يجيء ، فدفعه أبو سعید فطرحه،
فقيل له : تصنع هذا بعبد الرحمن ؟! فقال : والله لو أبى إلا أن آخذ
بشعره لأخذتُ .
٦٨١ - ص - نا موسى بن إسماعيل: نا سليمان - يعني : ابن المغيرة - ،
عن حميد - يعني : ابن هلال - قال : قال أبو صالح : أُحدثك عما رأيتُ من
أبي سعيد وسمعتُه منه ، دخل أبو سعيد على مروان فقال : سمعتُ رسولَ
الله - عليه السلام - يَقُول: ((إذا صلى أحدُكم إلى شيءٍ يَسْتُرِهِ من الناسِ
فأراد أحدٌ أن يجتاز بين يدَيْه فليَدْفعه (١) في نَحره، فإن أَبَى فليُقاتله ؛ فإنماَ
هو شيطان)) (٢) .
ش - حُميد : ابن هلال بن هُبيرة البصري ، أبو نصر العَدوي - عدي
تميم - ، روى عن : عتبة بن غزوان ، وعبد الله بن مغفل . وسمع :
أنس بن مالك ، وأبا قتادة العدوي ، وعبد الله بن الصلت ، وأبا صالح
السمان ، وغيرهم . روى عنه : قتادة ، وأيوب السختياني ، وشعبة ،
وسليمان بن المغيرة ، وغيرهم . قال ابن معين : ثقة . روى له
الجماعة(٣).
وأبو سعيد الخدري ، ومروان بن الحكم بن أبي العاص ، وقد ذكرناه .
والحديث : أخرجه البخاريّ ، ومسلم بمعناه أتم منه ؛ فقال البخاري :
نا أبو معمر : نا عبد الوارث : نا يونس ، عن حميد بن هلال ، عن
أبي صالح ، أن أبا سعيد قال : قال النبي - عليه السلام - [ ح ] ، ونا
آدم : نا سليمان بن المغيرة : نا حُميد بن هلال: نا أبو صالح قال :
رأيت أبا سعيد الخدري في يوم جمعة يصلي إلى شيء يَسْتره من الناسِ ،
فأراد شابٌ من بني أبي مُعَيط أن يجتاز بين يديه ، فدفع أبو سعيد في
(١) في سنن أبي داود: ((فليدفع)) .
(٢) البخاري: كتاب الصلاة، باب: إثم المار بين يدي المصلي (٥٠١)، مسلم :
كتاب الصلاة ، باب : منع المار بين يدي المصلي (٥٠٥/٢٥٩) .
(٣) انظر ترجمته في : تهذيب الكمال (١٥٤٢/٧).
- ٢٦٢ -

صدره ، فنظر الشاب فلم يجد مساغاً إلا بين يديْه فعاد ليجتاز فدفعه
أبو سعيد أشد من الأولى ، فنال من أبي سعيد ثم دخل على مروان فشكی
إليه ما لقي من أبي سعيد ، ودخل أبو سعيد خلفه على مروان فقال :
مالك ولابن أخيك يا أبا سعيد ؟ فقال: سمعتُ رسولَ الله يقول: (( إذا
صلى أحدكم إلى شيء يَسْتره من الناس ، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه
فليدفعه ، فإن أبى فليقاتله فإنما هو شيطان )).
وعند مسلم: ((فليدفع في نحره ، وَلْيدرأه ما اسْتطاع)». وعند ابن
ماجه: (( إذا صلی أحدكم فليصل إلى سترة ولیدن منها ، ولا يدع أحداً يمر
بين يديه، فإن جاء أحد يمرّ فليُقاتله فإنه شيطان)). وفي «صحيح ابن
حبان)): ((فليدن منها)) - يعني. السترة - (( فإن الشيطان يَمرّ بينه
وبينها)).
ص - قال أبو داود: قال سُفيان الثوريّ: يَمرُّ الرجلُ يتبَخْثِرُ بَيْنَ يديَّ وأَنا
أُصلي فأَمْنعُهُ، ويَمرّ الضَّعيفُ فلا أَمْنعه .
ش - هذا ليس بمَوْ جُود في النسخ الصَّحيحة .
قوله: ((يَتَبخْتُرُ)) حَال من الرجل ؛ التبختر في المشي : هو مِشية المتكبر
الْمُعْجب بنفسه . وفهم من كلام سفيان أن منعه لم يكن لأجل كونه مارا
بين يديه مطلقاً . وقد ورد ترك التعرض إلى المارّ على ما روى أبو بكر بن
أبي شيبة : نا أبو خالد الأحمر، وابن فضيل، عن داود بن أبي هند /، [٢٣٤/١-١]
عن الشعبي قال : إن مرّ بين يديك فلا تردّه . وقد قلنا : إن الأمر بالدفع
ندبٌ ، فإذا ترك الندب لا يُلام عليه ، والله أَعْلم .
١٠٤ - بَابُ: مَا يُنهى عنه منَ الْمُرُورِ بَيْن يَدَي الْمُصلي
أي : هذا باب في بيان ما نُهِي عنه من الجواز بين يدَي المُصلي ، وفي
بعض النسخ: (( باب النهي عن المرور بين يدي المصلي ».
٦٨٢ - ص - نا القعنبي، عن مالك، عن أبي النضر مولى عُمر بن
- ٢٦٣ -

عُبيد الله ، عن بُسْر بن سعيد ، أن زيد بن خالد الجُهني أرسله إلى أبي جُهَيْم
يَسْأله ماذا سمع من النبي ◌َّ في المارّ بين يدي المُصلي، فقال أبو جُهيم: قال
رسولُ الله: (( لو يَعلمُ المارّ بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يَقفَ أربعين
خيرٌ له من أن يمرّ بین یدیه)) (١) .
قال أبو النضر : لا أُدْري قال: أربعين يوماً أو شهراً أو سنةً .
ش- مالك: ابن أنس، وأبو النضر: اسمه سالم بن أُميّة المدني القرشي.
ويُسْر بن سعيد : بالسين المهملة ، المدني ، مولى ابن الحضرمي .
سمع: عثمان بن عفان ، وسعد بن أبي وقاص ، وزيد بن ثابت ،
وأبا هريرة ، وغيرهم . روى عنه : أبو النَّضْر سالم ، وبكير بن عبد الله
الأشج ، ويعقوب بن عبد الله الأشج ، وغيرهم . قال ابن معين : ثقة .
وقال ابن سَعْد : وكان من العُباد المنقطعين ، وأهل الزهد في الدنيا ،
وكان ثقة كثير الحديث ورعاً . مات بالمدينة سنة مائة. روى له الجماعة(٢).
وزَيْد بن خالد الجهني : الصحابي قد ذكر مرةً .
وأبو جُهَيْم : هو ابن الحارث بن الصمّة بن عمرو بن عتيك بن عمرو
ابن مبذول - وهو عامر - بن مالك بن النجار الأنصاري ؛ قيل : اسمه :
عبد الله ، اتفقا له على حديثين . روى عنه : بُسْر بن سعيد ، وعُمير
مولى ابن عباس . روى له الجماعة (٣) .
(١) البخاري: كتاب الصلاة، باب: إثم المار بين يدي المصلي (٥١٠) ، مسلم :
كتاب الصلاة ، باب : منع المار بين يدي المصلي (٢٦١/ ٥٠٧) ، الترمذي :
كتاب الصلاة ، باب : ما جاء في كراهية المرور بين يدي المصلي (٣٣٦)،
النسائي : كتاب القِبلة ، باب : التشديد في المرور بين يدي المصلي وبين سترته
(٦٥/٢)، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة ، باب: المرور بين يدي المصلي
(٩٤٥) .
(٢) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٦٦٨/٤).
(٣) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (٣٦/٤)، وأسد الغابة (٥٩/٦)
والإصابة (٣٦/٤) .
- ٢٦٤ -

قوله: ((ماذا عليه)) محله نصبٌ على أنه مفعول لقوله: ((لو يعلم ))
أي: ماذا عليه من الإثم والخطيئة .
قوله: ((لكان)) جوابُ (( لو )).
قوله: ((أن يقف )) أن مصدرية؛ والتقدير : لكان وقوفه؛ وهو في محل
الرفع على أنه اسم كان وخبره: قوله: ((خيراً)) في رواية نصب ((خيراً))
وأما في رواية رفع ((خيرٌ)) فيكون ارتفاعه على أنه اسم (( كان )) ، ويكون
(((أن يقف)) في محل النصب خبره ؛ والتقدير: لكان خيرٌ وقوفَه .
قوله: (( من أن يمرّ)) أن مصدرية - أيضاً - مجرور بمنْ؛ والتقدير : منْ
مروره . ومعنى الحديث : النهي الأكيد والوعيد الشديد .
قوله: (( لا أدري قال: أربعين يوماً)) أي : لا أدري قال أبو الجهيم عن
الرسول : أربعين يوماً أو أربعين شهراً أو أربعين سنة ؛ وذلك لأنه لا بدّ
من مميّز للعدد المذكور ولايح (١) ذلك عن هذه الأشياء .
والحديث : أخرجه الستة في كتبهم ؛ وعند ابن ماجه : نا هشام بن
عمار : نا ابن عيينة ، عن أبي النضر ، عن بُسْر قال : أرسلوني إلى زيد
ابن خالد أسأله عن المرور بين يدي المصلي ، فأخبرني عن النبي - عليه
السلام - قال: ((لأن يقوم أربعين خير له من أن يمرّ بين يديه)). قال
سفيان : فلا أدري : أربعين سنةً أو شهراً أو صباحاً أو ساعةً ؟
((وفي (٢) ((مسند البزار)): أخبرنا أحمد بن عَبْدة : حدثنا سفيان ،
عن سالم أبي النضر ، عن بُسْر بن سعيد قال : أرسلني أبو جَهيم إلى زيد
ابن خالد أَسأله عن المارّ بين يدي المُصلي ماذا عليه ؟ فقال: سمعت
رسول الله يَقولُ: ((لو يعلم المارّ بين يدي المصلي ماذا عليه من الإثم
لكان أن يقفَ أربعين خريفاً خير له من أن يقوم بين يديه)) . انتهى .
(١) كذا، ولعلها بمعنى: ((لا يخرج)).
(٢) انظر: نصب الراية (٧٩/٢).
- ٢٦٥ -

قلت: وفيه شيئان ؛ أحدهما: قوله: ((أربعين خريفاً))، الثاني : أن
مَتْنه عكس متن ((الصحيحين))؛ فالمسئول في لفظ ((الصحيحين)) هو
أبو الجهيم ، وهو الراوي عن النبي - عليه السلام - ، وعند البزار :
المسئول: زيد بن خالد . ونسب ابن القطان ، وابن عبد البرّ الوهم فيه إلى
ابن عيينة ؛ وقال ابن القطان في كتابه بعد أن ذكره من جهة البزار : وقد
خطأ الناسُ ابن عُبينة في ذلك لمخالفته رواية مالك ؛ وليس خطؤه بمتعيّن ؛
لاحتمال أن يكون أبو جهيم بعث بُسْر بن سعيد إلى زيد بن خالد ، وزيد
ابن خالد بعثه إلى أبي جُهيم بعد أن أخبره بما عنده ليَسْتثبته فيما عنده ،
[٢٣٤/١ -ب) فأخبر كل واحد منهما بمحفوظه، وشك أحدهما وجزم الآخر بأربعين /
خريفاً ، واجتمع ذلك كله عند أبي النضر وحدّث به . وقال ابن عبد البر
في ((التمهيد)) : روى ابن عيينة هذا الحديث مقلوباً ؛ فجعل في موضع
زيد بن خالد أبا جهيم ، وفي موضع أبي جهيم زيد بن خالد ؛ والقول
عندنا قول مالك ومن تابعه ، وقد تابعه الثوري وغيره . وروى ابن حبان
في ((صحيحه)) من حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((لو يعلمُ أحدكم ما له
في أن يمرّ بين يدي أخيه معترضاً في الصلاة كان لأَنْ يُقيم مائة عامٍ خير له
من الخطوة التي خطّى)) (١).
وقال الطحاوي : وهذا عندنا متأخر عن حديث أبي جهيم . وروى
الطبراني في ((الأوسط)) عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً: ((إن الذي يمرّ
بين يدي المصلي عمداً يتمنى يوم القيامة أنه شجرة يابسة )).
وفي ((المصنف)) عن عبد الحميد عامل عمر بن عبد العزيز قال رَلو:
(لو يعلم المارّ بين يدي المُصلي ما عليه لأحبّ أن ينكسر فخذه ولا يمر بين
يديه )) . وقال عمر : لكان يقوم حولاً خير له من مروره . وقال كعب
الأحبار : لكان أن يخسف به خير له من أن يمرّ بين يديه .
(١) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية .
- ٢٦٦ -

١٠٥ - بَابُ: مَا يَقْطِعُ الصّلاةَ
أي : هذا باب في بيان ما يقطع الصلاة .
٦٨٣ - ص - نا حفص بن عمر: نا شعبة. ح ونا عبد السلام بن مُطھّر ،
وابن کثیر المعنی ، أن سلیمان بن المغيرة أخبرهم عن حُمید بن هلال ، عن
عبد الله بن الصامت ، عن أبي ذر . قال حفص : قال : قال رسول الله - عليه
السلام - (١)، وقالا: عن سليمان قال: قال أبو ذر: «يقطعُ صلاةَ
الرجل إذا لم يكن بين يديه قيدُ آخرة الرَّحْل : الحمارُ، والكلبُ الأَسْودُ ،
والمرأةُ )) فقلت : ما بالُ الأَسْوَدَ من الأحمر من الأصفر من الأبيض ؟ فقال :
يا ابن أخي، سألتُ رسولَ الله عما (٢) سألتني فقال: «الكلبُ الأسودُ
شيطانٌ) (٣).
ش - عبد السلام بن مطهر : ابن حسام أبو ظفر الأزدي البصري .
روى عن : شعبة ، وسليمان بن المغيرة ، وجعفر بن سليمان ، وغيرهم .
روى عنه : البخاريّ ، وأبو داود ، وأحمد بن أبي خيثمة ، وأبو زُرعة ،
وأبو حاتم وقال: صدوق . مات في رجب سنة أربع وعشرين ومائتين (٤).
وابن كثير : هو محمد بن كثير البصري ، وعبد الله بن الصامت : هو
ابن أخي أبي ذر الغفاري ، وحَفْص : هو ابن عمر البصري المذكور .
(١) في سنن أبي داود: ((يقطع صلاة الرجل، وقالا ... )).
(٢) في سنن أبي داود: (( كما)).
(٣) مسلم : كتاب الصلاة، باب: قدر ما يستر المصلي (٢٦٥/ ٥١٠)، الترمذي:
كتاب الصلاة ، باب : ما جاء أنه لا يقطع إلا الكلب والحمار والمرأة (٣٣٨)،
النسائي : كتاب القِبْلة ، باب : ذكر ما يقطع الصلاة وما لا يقطع إذا لم يكن
بين المصلي سترة (٦٣/٢)، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة ، باب : ما يقطع
الصلاة (٩٥٢)، كتاب الصيد ، باب : صيد كلب المجوس والكلب الأسود
البهيم (٣٢١٠) .
(٤) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٣٤٢٦/١٨).
- ٢٦٧ -

قوله: ((وقالا)) يعني : عبد السلام بن مطهر، ومحمد بن كثير (( عن
سليمان )) وهو : ابن المغيرة .
قوله : ((قيدُ آخرة الرحل)) أي : قدر مؤخر الرحل ، واعلم أن قيد وقادَ
وقاسَ وقيس وقدى وقَاب كلها بمعنى القدر ؛ وقد قيل في قوله تعالى :
﴿قَابَ قَوْسَيْنِ﴾ (١) إن القوس: الذراع بلغة أَزْد شنُوءَةً، وقيل: القابُ:
ظفر القوس ؛ وهو ما وراء معْقد الوتر . وارتفاع ((قِيدُ )) على أنه اسم
((لم يكن)).
قوله: ((الحمارُ)) مرفوع على أنه فاعل قوله: ((يقطعُ)) وصلاة الرجل:
مفعوله .
واختلف العلماء في هذا الحديث ؛ فقال بظاهره غير واحد من الصحابة
والتابعين ؛ وهو قول ابن عمر ، والحسن البصري . وقالت طائفة : يقطع
الصلاة : الكلبُ الأسودُ ، والمرأة الحائض ؛ رُوِيَ ذلك عن ابن عباس ،
وعطاء بن أبي رباح . وقالت طائفة : لا يقطع الصلاة إلا الكلب الأسود؛
رُوِيَ ذلك عن عائشة ، وهو قول أحمد بن حنبل ، وإسحاق بن راهويه .
وقال أحمد : في قلبي من المرأة والحمار شيء . وقالت طائفة : لا يقطع
الصلاة شيء ؛ رُوِيَ هذا القول عن عليّ ، وعثمان ، وكذلك قال ابن
المسيّب ، وعبيدة ، والشعبي ، وعروة بن الزبير ، وإليه ذهب مالك بن
أنس ، وسفيان الثوري ، والشافعي ، وهو قول أصحابنا وقول أبي ثور .
وقال بعض أصحابنا : الصلاة لا يقطعها ما يمرّ بين يدي المُصلي بوجه من
الوجوه ولو كان خنزيراً ، وإنما يقطعها ما يُفسدها من الحدث وغيره مما
جاءت به الشريعة .
والجواب عن الحديث : أن المراد بالقطع : المبالغة في الخوف على
فسادها بالشَّغْلِ بهم ؛ كما يُقالُ : قطعت عنق أخيك أي : فعلت به فعلاً
يخاف عليه هلاكه منه كمن قطع عنقه . وذهب بعضهم إلى أن حديث
(١) سورة النجم : (٩).
- ٢٦٨ -

أبي ذر وما في معناه منسوخ ، وقيل: فيه نظر ؛ لأن الجمع ممكن / ولا [٢٣٥/١-١]
يتحقق التاريخ . والحديث : أخرجه مسلم ، والترمذي ، والنسائي ،
وابن ماجه بنحوه مختصراً ومطولاً .
٦٨٤ - ص - نا مسدّد : نا يحيى، عن شعبة : نا قتادة قال : سمعت جابر
ابن زيد يُحدّث عن ابن عباس - رفعَه شعبة - قال: (( يقطع الصلاة : المرأة
الحائضُ، والكلبُ)) (١) .
ش - أي : رفعه شعبة بن الحجاج إلى النبي - عليه السلام - .
وأخرجه النسائي، وابن ماجه ؛ وفي حديث ابن ماجه: (( والكلب
الأسود )) . وقال الطحاوي : أجمعوا أن مرور بني آدم بعضهم ببعض لا
يقطع الصلاة ؛ رُوِيَ ذلك عن النبي - عليه السلام - من غير وجه من
حديث عائشة وأم سلمة ومَيْمونة أنه كان يُصلي وكل واحدة منهن معترضة
بينه وبين القِبلة ؛ وكلها ثابتة . وقد رُوِيَ عن الرسول - عليه السلام - رد
المصلي مَنْ مُرّ بين يديه ؛ فدلّ ذلك على ثبوت النسخ عنه - عليه السلام -
أو أنه على وجه الكراهة .
ص - أوقفه (٢) سعیدٌ، وهشام ، وهمام ، عن قتادة ، عن جابر بن زيد
علی ابن عباس .
ش - أي : أوقف الحديث المذكور : سعيد بن أبي عروبة ، وهشام
الدستوائي ، وهمام بن يحيى ، عن قتادة بن دعامة ، عن جابر بن زيد .
قوله: ((على ابن عباس)) متعلّق بقوله: ((أوقفه)).
وأما جابر بن زيد : فهو أبو الشعثاء اليَحْمدي الجَوفي - بالجيم - من
ناحية عمان ، وقيل : موضع بالبصرة يقال له : درب الجَوْف البصري .
(١) النسائي : كتاب القِبْلة ، باب : ذكر ما يقطع الصلاة وما لا يقطع إذا لم يكن
بين يدي المصلي سترة (٦٣/٢)، ابن ماجه : كتاب إقامة الصلاة ، باب : ما
يقطع الصلاة (٩٤٩).
(٢) في سنن أبي داود: ((قال أبو داود: وقفه)).
- ٢٦٩ -

سمع : عبد الله بن عباس ، وعبد الله بن عمر ، والحكم بن عمرو
الغفاري . روى عنه : عمرو بن دينار ، وقتادة ، وغيرهم . قال ابن
معين: ثقة . مات سنة ثلاث ومائة . روى له الجماعة (١) .
٦٨٥ - ص - نا محمد بن إسماعيل البصري : نا معاذ: نا هشام ، عن
يحيى ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال: أَحْسبُه عن رسول الله قال: ((إذا
صلّى أحدُكم إلى غير السُّتْرة فإنه يقطع صلاتَه : الكلبُ، والحمارُ ،
والخنزيرُ، واليهوديَّ، والَجُوسيُّ، والمرأةُ ، ويُجزئ عنه إذا مَرُّوا بَيْن يدَيْهِ
على قذفة بحجرٍ)) (٢).
ش - محمد بن إسماعيل : ابن أبي سَمِينة أبو جعفر البصري ، روى
البخاري حديثاً ، عن محمد بن أبي غالب ، عنه ، وروى عنه: أبو داود،
وأبو يعلى الموصلي . قال البخاري : كان قد قدم بغداد ثم خرج إلى
الثغر، فمات به سنة ثلاثين ومائتين (٣) .
ومعاذ : ابن فَضالة البَصْري الزهراني ، ويُقال : القرشي مولاهم ،
ويقال : الطُّفاوي . سمع : الدستوائي ، والثوري ، وابن لهيعة ،
وغيرهم . روى عنه : ابن وهب ، والبخاريّ ، وأبو حاتم وقال : ثقة
صدوق (٤) .
وهشام : الدستوائي ، ويحيى : ابن أبي كثير .
قوله: (( ويُجزئ عنه)) أي: عن الذي صلى إلى غير السترة ((إذا مرّوا))
أي : هؤلاء المذكورون .
قوله: ((على قذفة )) أي: رَمِية بحجرٍ .
وقال أبو داود : في نفسي من هذا الحديث شيءٌ كنتُ أذاكر به إبراهيم
وغيره فلم أَرَ أحداً جاء به عن هشام ولا يَعْرفه ، ولم أر أحداً يحدّث به (٥)
(١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٨٦٦/٤).
(٢) تفرد به أبو داود .
(٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٥٠٦٥/٢٤) .
(٤) المصدر السابق (٦٠٣٤/٢٨) .
(٥) في سنن أبي داود: (( جاء به)).
- ٢٧٠ -

عن هشام، وأَحْسِبُ الوهم من ابن أبي سمينة (١) ، والمنكر فيه : ذكر
المجوسي، وفيه: (( على قذفة بحجر))، وذكر الخنزير ، وفيه نكارة . قال :
ولم أَسْمع هذا الحديث إلا من ابن أبي سمينة (٢)، وأَحْسيُه وهم لأنه كان
بُحدثنا من حفظه .
وقال ابن القطان : ليس في سنده متكلّم فيه ؛ غير أن علته باديةٌ ، وهي
الشك في رفعه ، فلا يجوز أن يُقال: إنه مرفوع؛ وفي (( العِلل)) لابن
أبي حاتم : سئل أبو زرعة عن حديث رواه عُبَيْس بن ميمون ، عن ابن
أبي كثير ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة يَرْفعه: ((يقطع الصلاة:
الكلبُ ، والحمارُ ، والمرأةُ ، واليهوديُّ ، والنصرانيَّ ، والمجوسيّ ،
والخنزيرُ))، فقال: هذا حديث منكرٌ. وهو عند مسلم: ((يقطع
الصلاة: المرأة ، والكلب ، والحمار )) . وكذا رواه ابن مغفل عند ابن
ماجه بسند صحيح .
٦٨٦ - ص - نا محمد بن سليمان الأنباري : نا وكيع ، عن سعيد بن
عبد العزيز ، عن مولّی لیزید بن نمران ، عن يزيد بن نمران قال : رأيت رجلاً
بتبُوكَ مُقْعداً فقالَ : مررتُ بين يدي النبي - عليه السلام - وأنا على حمار
وهو يُصلِّي فقال: ((اللهم اقطع أثرَه)) فما مَشِيتُ عليها بَعدُ (٣).
ش - يزيد بن نمران : ابن يزيد بن عبد الله المذحجي الذماري ، ويقال:
يزيد بن غزوان . روى عن : عمر بن الخطاب ، وأبي الدرداء ، وعن :
مُفْعَد المذكور . روى عنه: مولى له اسمه : سعيد، وإسماعيل بن عبيد الله
ابن أبي المهاجر . روی له : أبو داود (٤) .
/ قوله: ((بتبوك)) أي: في تبوك؛ وهي بفتح التاء المثناة من فوق، وضم [٢٣٥/١ -ب]
(١) جاء في سنن أبي داود بعد هذا: (( يعني: محمد بن إسماعيل البصري مولى
بني هاشم )) .
(٢) في سنن أبي داود: ((محمد بن إسماعيل بن سمينة)).
(٣) تفرد به أبو داود .
(٤) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٣٢/ ٧٠٦٠).
- ٢٧١ -

الباء الموحّدة ، بُليدة بين الحجْر والشام ، وبها عين ونخيل ، وقيل : كان
أصحاب الأيكة بها ، وهي لا تنصرف للعلمية والتأنيث .
قوله: (( مُقْعداً)) - بضم الميم وسكون القاف - وهو الذي لا يقدر على
القيام لزَمَانة به ، كأنه قد أُلْزم القُعودَ ، وقيل : هو منَ القُعَاد ؛ وهو داء
يأخذ الإبل في أوراكها ، فيُميلها إلى الأرض . وقال الشيخ زكي الدين
في (( مختصره)) : ومولى يزيد مجهول .
قلت : قد ذكره عبد الغني في (( الكمال )) وقال : اسمه سعيد - كما
ذكرناه - ؛ ولكنه كأنّه أشار به إلى ضَعْف الحديث . وقال ابن القطان :
هذا الحديث في غاية الضَّعْف ونكارة المتن ، وزعم الحازمي أنه على تقدير
الصحة يكون منسوخاً بحديث ابن عباس ؛ لأن حجة الوداع بعد تبوك
فافهم .
٦٨٧ - ص - نا كثير بن عُبيد: نا أبو حَيْوة ، عن سعيد بإسناده ومعناه ،
زاد: فقال: ((قطع صلاتَنَا قطعَ اللهُ أثرَه)) (١) .
ش - كثير بن عُبَيْد : ابن نمير الحمصي ، إمام جامع حمص . سمع :
أيّوب بن سُويد الرمْلي ، وابن عُبينة ، ووكيعاً ، وأبا حَيْوة ، وغيرهم .
روى عنه : أبو زرعة ، وأبو حاتم ، وأبو داود، والنسائي ، وابن ماجه ،
وغيرهم . وقال أبو حاتم : ثقة . توفي سنة سبع وأربعين ومائتين (٢) .
وأبو حيوة : شريح بن يزيد الحضرمي الحمصي المقرئ . روى عن :
شعيب بن أبي حمزة ، وصفوان بن عَمرو ، وأرطاة بن المنذر ، وغيرهم.
روى عنه : ابنه : حَيْوة ، ويحيى بن عثمان ، والوليد بن عتبة ،
وغيرهم. روى له : أبو داود ، والنسائي (٣).
وسعيد : ابن عبد العزيز المذكور .
قوله: ((قطع صلاتنا)) أي: فعل فعلاً يخاف منه القطع ؛ لا أنه قطع
(١) تفرد به أبو داود .
(٢) انظر ترجمته فى: تهذيب الكمال (٤٩٤٩/٢٤) .
(٣) المصدر السابق (١٢ / ص ٤٥٥).
- ٢٧٢ -

حقيقة، و(( قطع)) الثاني إنشاء في صورة الإخبار بمعنى: اللهم اقطع أثره،
ويستفاد منه : أن المصلي إذا دعى على من يمرّ بين يديْه فلا بأس عليه .
ص - قال أبو داود: رواه أبو مُسْهر، عن سَعيد قال (١): ((قطع صلاتَنَا)).
ش - أبو مسهر : عبد الأعلى بن مسْهر . وأشار بهذا أن في رواية
أبي مُسهر، عن سعيد بن عبد العزيز: (( قطع صلاتنا )) كرواية أبي حيوة
عنه .
٦٨٨ - ص - نا أحمد بن سعيد الهمداني ح، ونا سليمان بن دَاوُد : أنا
ابن وهب قال : أخبرني معاوية ، عن سعيد بن غزوان ، عن أبيه أنه نزل
بتبوك وهو حاجٌّ ، فإذا برجل (٢) مُقْعد فسأله عن أَمْره فقال : سأُحدثك
بحديث (٣) فلا تُحدِّثْ به ما سمعْت أَنيَ حِيٌّ: إنّ رسول الله وَليهِ نزلَ بتبوك
إلى نخلة فقال: ((هذه قبلتُنا))، ثم صلّى إليها قالَ: فأقبلتُ وأنا غلامٌ أسْعَى
حتى مَرَرّتُ بَيْنه وبَيْنها فَقال: ((قطعَ صلاتنا قطع الله أثره)) فما قمتَ عليها
إلى يومي هذا (٤) .
ش - مُعاوية : ابن صالح الحمصي قاضي الأندلس . وسَعيد بن
غزوان. روى عن : أبيه ، وصالح بن يحيى بن المقدام . روى عنه :
معاوية بن صالح ، والحارث بن عبيدة الكلاعي . روى له : أبو داود(٥).
وفي (( الكمال )) (٦) : غزوان روى عن رجل مقعد بتبوك ، روى عنه :
ابنه : سعيد بن غزوان ، روى له : أبو داود (٧) .
قوله: (( وهو حاج)) أي: قاصد الحجّ.
(١) في سنن أبي داود: ((قُال فيه)).
(٢) في سنن أبي داود: ((فإذا هو برجل)).
(٣) في سنن أبي داود: ((فقال له: سأحدثك حديثاً)).
(٤) تفرد به أبو داود .
(٥) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٦٠٥٨/٢٨).
(٦) كذا انتقل إلى ترجمة أبيه مباشرة .
(٧) المصدر السابق (٤٦٨٧/٢٣).
١٨ • شرح سنن أبي داوود ٣
- ٢٧٣ -

قوله: (( أَني حيّ)) بفتح الهَمْزة في محل المفعوليّة؛ والتقدير : ما
سمعت حياتي في الدنيا .
قوله: (( إن رسول الله )) بكسر الهمزة ؛ لأنه ابتداء كلام .
قوله: ((عليها)) أي: على رجْلي ؛ وليس بإضمار قبل الذكر لوجود
القرينة .
١٠٦ - بَابْ: سُتْرَة الإِمَامِ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلَفَه
أي : هذا باب في بيان أن سترة الإمام سترة لمن خلفه .
٦٨٩ - ص - نامسدّد : نا عيسى بن يونس: نا هشام بن الغاز، عن عمرو
ابن شعيب ، عن أبيه ، عن جده قال : هبطنا مع النبي - عليه السلام - من
ثَنِيّة أَذَاخْرَ ، فحضرت الصلاةُ فصَلَى إلى جَدْر فاتخذه قبلةً ونحن خَلْفه
فجاءت بَّهْمةٌ تمرّ بين يدَيْهِ ، فما زال يُدارتُها حتى لصق بَطنُهَ بالجدر ، ومرّت
من ورائه، أو كما قال مُسدّد (١) .
ش - عيسى بن يونس : ابن أبي إسحاق السبيعي .
وهشام بن الغاز : ابن ربيعة الجرشي ، أبو عبد الله الشامي الدمشقي ،
نزل بغداد . سمع : نافعاً ، وعطاء ، وعمرو بن شعيب ، وغيرهم .
روى عنه : ابن المبارك ، وعيسى بن يونس ، والوليد بن مسلم، وغيرهم.
قال أحمد : صالح الحديث . وقال ابن معين : ليس به بأسٌ . مات سنة
ثلاث وخمسين ومائة . روى له : البخاريَّ ، وأبو داود ، والترمذي ،
وابن ماجه (٢) .
قوله: (( من ثنّة)) الثنية : اسم لكل فج في جبلٍ يخرجك إلى فضاء ؛
وقيل : لا تسمّى ثنيةً حتى تكون مَسْلوكةً ، وقال ابن الأثير : الثنية في
(١) تفرد به أبو داود. (٢) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٦٥٨٨/٣٠).
- ٢٧٤ -

الجبل كالعقبة فيه ، وقيل : هو الطريق العالي فيه ، وقيل : أعلى المسيل
في رأسه .
قوله: (( أذاخر)) - بفتح الهمزة ، وبعدها ذال معجمة مفتوحة ، وخاء
معجمة مكسورة وراء - : موضع بين مكة والمدينة ؛ وكأنها مسماة بجمع
الإِذخِرِ .
قوله: ((فصلى إلى جَدْر)) - بفتح الجيم ، وسكون الدال المهملة -
/ الجَدْر، والجدار : الحائطُ .
[٢٣٦/١-١]
قوله : ((بَهْمةٌ)) البَهْمة : اسم للذكر والأنثى من أولاد بقر الوحش
والغنم والمعْز ؛ وقيل : البهمة : السَّخْلة . وقيل : البهمة اسم للأنثى ؛
لقوله - عليه السلام - الراعي: ما ولّدتَ ؟ قال: [ بهمة. قال: ]
((اذبح مكانها شاةً)) (١)، فلولا أن البهمة اسم لجنس خاصٌّ لما كان في
سؤاله ◌َ و الراعيَ وإجابته عنه بهمة كثير فائدة ، إذْ يُعْرف أن ما تلد الشاة:
إما يكون ذكراً أو أنثى، فلما أجاب بيهمة فقال: ((اذبح مكانها شاة » دَلّ
على أنه اسم للأنثى دون الذكر ، أي : دَعْ هذه الأنثى في الغنم واذبح
مكانها شاةً .
وفيه فوائد ؛ الأولى : أن سترة الإمام هي سترة للقوم ، حيث صلى
رسول الله - عليه السلام - إلى جَدْرِ والناس خلفه ؛ وفيه التبويبُ .
الثانية : أن مرور الحيوان بين يدي المُصلي لا يقطع الصلاة ، لأن البهمة
وإن كانت مرّت من خلف النبي - عليه السلام - ، ولكنها من بين يدي
القوم وسترته سترتهم .
والثالثة : المدارَةُ بالمارّ مهما أمكن حتى لا يمرّ من بين يدَيْه .
٦٩٠ - ص - نا سليمان بن حرب ، وحفص بن عمر قالا: نا شعبة ، عن
(١) تقدم برقم (١٣١) باب في الاستتار .
- ٢٧٥ -

عمرو بن مرة، عن يحيى بن الجزار، عن ابن عباس أن النبي - عليه السلام-
كان يُصلي فذهب جَدْيٌّ يمرُّ بين يدَيْه فجعلَ يتّقيه (١).
ش - عمرو بن مُرة : ابن عبد الله المرادي الكوفي .
ويحيى بن الجزار - بالجيم والزاي المعجمة وآخره راء - العرني (٢)
الكوفي ، يلقب ((زَبّان)) - بالزاي والباء الموحدة - . سمع : عليا ،
وابنه : الحُسين بن عليّ ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى ، وغيرهم . روى
عنه : الحكم بن عتيبة ، وعمرو بن مرة ، والحسن العرني (٢) . قال
أبو حاتم وأبو زرعة : هو ثقة . روى له : الجماعة إلا البخاري (٣).
قوله : ((فذهب جَدَيٌ)) الجدي - بفتح الجيم وسكون الدال المهملة - :
الصغير من ولد المعز ؛ وجمعه في الكثرة : جدّاء ، وثلاثة أَجْد ، ولا
تقل في الكثرة : الجَدايا ولا الجِدْ - بكسر الجيم .
قوله : ( فجعل يتقيه )) أي : جعل رسول الله يحترز من مروره من بَیْن
يديْه ، ويدارئه حتى لا يمرّ من بين يديْه .
١٠٧ - بَابُ: مَنْ قال : المرأةُ لا تَقْطِعُ الصَّلاةَ
أي : هذا باب في بيان من قال : إن المرأة إذا مرت من بين يدي المصلي
لا تقطع صلاته. وفي بعض النسخ: ((باب ما جاء في أن المرأة لا تقطع
الصلاة)) .
٦٩١ - ص - نا مسلم بن إبراهيم: نا شعبة ، عن سَعْد بن إبراهيم ، عن
عروة ، عن عائشة قالت : كنتُ بين النبي - عليه السلام - وبَيْن القبلة . قال
شعبة : وأحسبها قالت : وأنا حائض (٤) .
(١) تفرد به أبو داود .
(٢) في الأصل: (( الغرني)) خطأ.
(٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٦٨٠٠/٣١).
(٤) تفرد به أبو داود .
- ٢٧٦ -

ش - سَعْد بن إبراهيم : ابن عبد الرحمن بن عَوْف قاضي المدينة .
قوله: ((وأحسبها قالت)) أي: وأحسب عائشة قالت : والحال أنا
حائض في ذلك الوقت . والحديث دَلّ على أن مرور المرأة من بين يدي
المصلي لا يقطع صلاته ؛ لأن المعترضة الحائض بَيْنه وبين القِبلة إذا لم تقطع
فالمارة بطريق الأولى ؛ وهو وأمثاله حجة على من يرى أن المرأة تقطع
الصلاة .
ص - قال أبو داود : رواه الزهري ، وعطاء ، وأبو بكر بن حفص ، وهشام
ابن عروة ، وعراك بن مالك ، وأبو الأَسْود ، وتميم بن سلمة - كلهم-، عن
عروة، عن عائشة (١) ، وأبو الضحى ، عن مسروق ، عن عائشة ، والقاسم
ابن محمد ، وأبو سلمة ، عن عائشة؛ ولم يذكر واحد منهم (٢): ((وأنا
حائض )) .
ش - أي : روى هذا الحديث : الزهريّ ، وعطاء بن أبي رباح ،
وأبو بكر : عبد الله بن حفص بن عمر بن سَعْد بن أبي وقّاص ، وعراك
ابن مالك : المدني ، وأبو الأسود : محمد بن عبد الرحمن بن الأسود
الأسدي المدني .
وتميم بن سلمة : السُّلَمي الكوفي ، وهو رأى عبد الله بن الزبير ،
وسمع أخاه : عروة بن الزبير ، وشريحا (٣) القاضي، وعبد الرحمن بن
هلال . روى عنه : طلحة بن مصرف ، والأعمش ، ومنصور بن المعتمر.
قال ابن معين : ثقة . مات سنة مائة . روى له الجماعة ؛ البخاريّ
استشهاداً (٤) .
قوله : (( كلهم )) أي : كل هؤلاء المذكورون رووا الحديث المذكور عن
عروة بن الزبير بن العوام ، عن عائشة أم المؤمنين .
(١) جاء في سنن أبي داود بعد هذا: ((وإبراهيم عن الأسود، عن عائشة)).
(٢) في سنن أبي داود: ((ولم يذكروا)).
(٣) في الأصل: ((شريح)).
(٤) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٨٠٣/٤).
- ٢٧٧ -

[٢٣٦/١-ب] قوله: ((وأبو الضحى)) أي: رواه أبو الضحى / مُسلم بن صُبيح -بضم
الصاد وفتح الباء الموحدة - العطار الكوفي الهَمْداني مولى آل سعيد بن
العاص . سمع : ابن عباس ، وابن عمر ، والنعمان بن بشير ، ومَسْروق
ابن الأجدع ، وغيرهم . روى عنه : الأعمش ، ومنصور بن المعتمر ،
ومغيرة بن مقسم ، وغيرهم . قال ابن معين : ثقة . مات في خلافة عمر
ابن عبد العزيز . روى له الجماعة (١) .
والقاسم بن محمد : ابن أبي بكر الصديق ، وأبو سلمة : عبد الله بن
عبد الرحمن .
قوله: (( ولم يذكر واحد منهم )) أي : من هؤلاء المذكورين في روايتهم
عن عائشة: ((وأنا حائضٌ )).
٦٩٢ - ص - نا أحمد بن يونس : نا زهير، نا هشام بن عروة، عن عروة،
عن عائشة أن رسول الله كان يُصلي صلاةً (٢) من الليل وهي معترضة بَيْنه
وبين القبلة راقدة على الفراش الذي يرقد عليه حتى إذا أراد أن يُوتر أيقظها
فأوترتَّ (٣).
ش - زهير : ابن معاوية .
قوله: ((وهي معترضة)) جملة اسميّة وقعت حالاً.
وقوله : ( راقدة )) خبر بعد خبرٍ .
قوله: ((على الفراش الذي يرقد عليه)) أي : الفراش الذي ينام عليه
رسول الله - عليه السلام - . والحديث : أخرجه البخاري ، ومسلم ،
وابن ماجه من حديث الزهري ، عن عروة . ويستفاد من الحديث فوائد ؛
(١) المصدر السابق (٥٩٣١/٢٧).
(٢) في سنن أبي داود: ((صلاته )).
(٣) البخاري: كتاب الصلاة، باب: من قال: لا يقطع الصلاة شيء (٥١٥) ،
مسلم : كتاب الصلاة ، باب : الاعتراض بين يدي المصلي (٥١٢/٢٦٧)،
ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة والسُّنَّة فيها ، باب : من صلى وبينه وبين القبلة
شيء (٩٥٦) .
- ٢٧٨ -

الأولى : استدلت به عائشة والعلماء بعدها على أن المرأة لا تقطع صلاة
الرجل .
الثانية : فيه جواز صلاة الرجل إليها ، وكرهه البعض لغير النبي - عليه
السلام - لخوف الفتنة بها ، وتذكرها واشتغال القلب بها بالنظر إليها ،
والنبي - عليه السلام - منزّه عن هذا كله ، مع أنه كان في الليل والبيوت
يومئذ ليس فيها مصابيح .
الثالثة : استحباب تأخير الوتر إلى آخر الليل لمن يثق بالانتباه .
الرابعة : استحباب إيقاظ النائم للصلاة في وقتها .
٦٩٣ - ص - نا مسدّد: نا يحيى ، عن عبيد الله قال: سمعت القاسم
يُحدّث عن عائشة قالت : بئسَ ما عدَلتمونا بالحمار والكلب ، لقد رأيتَ
رسولَ الله يُصلي وأنا معترضةٌ بين يديه ، فإذا أراد أن يَسْجد غمز رجلي
فضممتُها إليَّ ثم سجَد (١)، (٢).
ش - يحيى : القطان ، وَعُبَيْد الله : ابن عمر بن حفص ، والقاسم :
ابن محمد بن أبي بكر الصِّدِّيق - رضي الله عنه - .
قوله: ((بئس ما عدَلتمونا)) اعلم أن ((بئس)) من أفعال الذم كما أن
(نعم)) من أفعال المدح ، وشرطهما : أن يكون الفاعل المظهر فيهما معرّفاً
باللام ، أو مضافاً إلى المعرف بها ، أو مُضمراً مميزاً بنكرة منصوبة ؛ وقد
ذكرناه مستوفى في (( نعم)).
وأما بيان هذا الكلام فقوله مَا يجوز أن يكون بمعنى ( الذي ) ويكون
فاعلاً لبئس والجملة - أعني (( عدلتمونا)) - صلة له ، ويكون المخصوص
بالذم محذوفاً ؛ والتقدير : بئس الذي عدلتمونا بالحمار ذلك الفعلُ ،
ويجوز أن يكون فاعل بئس مُضمراً مميزاً ، وتكون الجملة بعده صفة له ،
(١) في سنن أبي داود: ((يسجد)).
(٢) البخاري : كتاب الصلاة ، باب : هل يغمز الرجل امرأته عند السجود لكي
يسجد (٥١٩) ، النسائي : كتاب الطهارة ، باب : ترك الوضوء من مس
الرجل امرأته من غير شهوة (١٠٢/١).
- ٢٧٩ -

والمخصوص - أيضاً - محذوفاً ؛ والتقدير : بئس شيئاً ما عدلتمونا بالحمار
شيءٌ ، وفي الوجهين المخصوص بالذم مبتدأ ، وخبره يكون الجملة التي
قبله ، ومعنى (( عدلتمونا بالحمار )): جعلتمونا مثله ، ونظيره من قولك :
عدلتُه بهذا إذا سوّت بينهما وكذلك عادلتُ .
قوله: ((غمز رجلي)) قال الجوهري : غمزت الشيء بيدي ، وقال :
قومٍ كسرتُ كعوبها أو تَسْتقيما
وكنتُ إذا غمزتُ قناةَ
وغمزته بعَيْني؛ قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾ (١) والمراد
هاهنا : الغمز باليد . وفيه حجة لأصحابنا ؛ لأن الأصل في الرجل أن
يكون بغير حائل عرفاً ، وكذلك اليد ، كذا قاله ابن بطال وقال : وقول
الشافعيّ: ((كان غمزه إياها على ثوب)) فيه بعدٌ . انتهى . وأيضاً - من
الجائز أن يمسّ منها عضواً بغير حائل ؛ لأن المكان إذا كان بغير مصباح لا
يتأتي فيه الاحتراز كما إذا كان فيه مصباح ، والنبي - عليه السلام - في
هذا المقام في مقام التشريع لا الخصوصية ؛ إذ من المعلوم أن الله تعالى
عصمه في جميع أفعاله وأقواله .
والحديث : أخرجه البخاري ، والنسائي ، وفي رواية البخاري - أيضاً-
عن عائشة أنها قالت : (( كنت أنامُ بين يدي رسول الله ورجلاي في قبلته،
فإذا سجد غمزني فقبضت برجلي ، وإذا قام بَسطتهما . قالت : والبيوت
يومئذ ليس فيها مصابيح )) .
[٢٣٧/١-١] / ومن حديث الزهري، عن عروة، عنها: كان يُصلِّي وهي بَيْنْهُ وبين
القِبلة على فراش أهله اعتراض الجنازة .
ومن حديث عراك ، عن عروة ، أن النبي - عليه السلام - كان يُصلي
وعائشة معترضة بينه وبين القِبلة على الفراش الذي ينامان عليه .
وعند مسلم : كان يصلي صلاته من الليل كلها وأنا معترضة بينه وبين
(١) سورة المطففين: (٣٠) .
- ٢٨٠ -