النص المفهرس

صفحات 221-240

قوله : (( فما كان من نقص )) يعني : فالذي كان من الصف من نقصٍ
فليكن ذلك النقص في الصف الأخير ؛ والقصدُ من ذلك : أن لا يخلى
موضع من الصف الأول مهما أمكن ، وكذلك من الثاني والثالث وهلم
جرا إلى أن ينتهي وتتكمل الصفوف ، فإذا كان ثمة نقص يجعل ذلك في
الصف الأخير . والحديث : أخرجه النسائي .
٦٥٣ - ص - نا ابن بشار : نا أبو عاصم : نا جعفر بن یحیی بن ثوبان قال:
أخبرني عمي : عمارة بن ثوبان ، عن عطاء ، عن ابن عباس قال : قال رسولُ
الله: (( خياركم ألينكم مناكبَ في الصلاة)) (١)، (٢) .
ش - ابن بشار : محمد ، بندار ، وأبو عاصم : النبيل .
وجعفر بن يحيى بن ثوبان الحجازي ؛ روى عن : عمه : عمارة بن
ثوبان . روى عنه : أبو عاصم ، وعبيد بن عقيل . قال عليّ بن المديني :
هو شیخ مجهول لم يرو عنه غیر أبي عاصم . روی له : أبو داود ، وابن
ماجه (٣).
وعمارة بن ثوبان : روى عن : عطاء ، وعامر بن واثلة ، وموسى بن
باذان . روى عنه : ابن أخيه : جعفر المذكور . روى له : أبو داود ،
وابن ماجه (٤) . وعطاء : ابن أبي رباح .
قوله: ((ألينكم مناكب)) لين المناكب: هو لزوم السكينة / في الصلاة، [٢٢٦/١-١]
والطمأنينة فيها : لا يلتفت ، وقد تكون أن لا يمتنع على مَنْ يريد الدخول
بين الصفوف لسدّ الخلل ، أو لضيق المكان ؛ بل يُمكِّنُّه من ذلك ولا يدفعه
بمنكبه لتتراصّ الصفوف ، وتتكاثف الجموع .
(١) تفرد به أبو داود .
(٢) في سنن أبي داود زيادة: ((قال أبو داود: جعفر بن يحيى من أهل مكة)).
(٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٥/ ٩٦٠).
(٤) المصدر السابق (٢١/ ٤١٧٧).
- ٢٢١ -

وقوله: (( خياركم)) مبتدأ بمعنى: خيركم و((ألينكم )) خبره أفعل
التفضيل من اللِّين، و((مناكب)) نصب على التمييز، وإنما لم يدخله
التنوين لكونه لا ينصرف ؛ لكونه على منتهى صيغة الجموع كمساجد ؛
والمراد منها : المنكبان ؛ لأن الرجل ليس له ثلاث مناكب ، وقد يذكر
الجمع ويراد به التثنية كقوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ (١) أي :
قلباكما .
٩٠ - بَابُ: الصُّفُوف بَيْنِ السَّوَارِي
أي : هذا باب في بيان حكم الصفوف بين السّواري ، وفي بعض
النسخ: ((باب الصلاة والصف بين السواري))، وفي بعضها: ((الصلاة
والصف بين السواري))، وفي بعضها: (( باب ما جاء في الصفوف بين
السواري))، وهي جمع سَاريةٍ وهي الأسطوانة .
٦٥٤ - ص - نا محمد بن بشار : نا عبد الرحمن : نا سفيان ، عن یحیی
ابن هانئ، عن عبد الحميد بن محمود قال : صليت مع أنس بن مالك يوم
الجمعة فدُفعْنا إلى السَّواري فتقدّمنا وتأخرنا ، فقال أنسٌ : كنّا نتّقي هذا على
عَهد رسولَ الله ◌ِ﴾ (٢).
ش - عبد الرحمن : ابن مَهْدي العنبري البصري ، وسفيان : الثوري .
ويحيى بن هانئ : ابن عروة بن قعاص (٣) ، ويقال : فضفاض
المرادي، أبو داود الكوفي كان من أشراف العرب . روى عن : عبد الله
ابن مسعود ، وفروة بن مُسَيك . وسمع : أباه ، وأنس بن مالك ،
(١) سورة التحريم: (٤) .
(٢) الترمذي : كتاب الصلاة ، باب : ما جاء في كراهية الصف بين السواري
(٢٢٩)، النسائي: كتاب الإمامة ، باب: الصف بين السواري (٩٤/٢).
(٣) في الأصل: (( عقاص )) خطأ.
- ٢٢٢ -

وعبد الحميد ، وغيرهم . روى عنه : الثوري ، وشعبة ، وشريك ،
وغيرهم . وقال ابن معين وأبو حاتم : هو ثقة . وقال الدارقطني : يحتج
به . روى له : أبو داود ، والترمذي ، والنسائي (١) .
وعبد الحميد بن محمود : المِعْولي البصري . روى عن : ابن عباس ،
وأنس بن مالك . روى عنه : يحيى بن هانئ ، وعمرو بن هَرِمٍ ، وابنه :
حمزة بن عبد الحميد . قال أبو حاتم : هو شيخ . وقال الدارقطني :
كوفي ثقة يحتج به . روى له : أبو داود ، والترمذي ، والنسائي (٢).
قوله: ((فدفعنا إلى السواري)) هذا إما لانقطاع الصف ، وإما لأنه
موضع جمع النعال ؛ والأول أشبه ؛ لأن الثاني محدث ولا خلاف في
جوازه عند الضُّيق، وأما مع السّعة فمكروه . والحديث : أخرجه الترمذي،
والنسائي . وقال الترمذي : حديث حسن . وقد كره قوم من أهل العلم
أن يصف بين السواري ، وبه يقول أحمد ، وإسحاق . وقد رَخّص قومٌ
من أهل العلم في ذلك . وقال أبو بكر : نا هشيم : أنا خالد ، عمّن
حدثه ، عن أنس قال : نُهِينا أن نصلي بين الأسَاطين .
نا وكيع : نا سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن معدي کرب ، عن ابن
سَعْد قال : لا تَصُفُوا بين الأساطين ، ولا تأتموا بقوم يمترون ويلغون .
نا فضيل بن عياض ، عن حصين بن هلال ، عن حذيفة أنه كره الصلاة
بين الأساطين .
نا شريك ، عن إبراهيم بن مهاجر ، عن إبراهيم أنه كره الصلاة بين
الأساطين .
ثم بيّن أبو بكر مَنْ رخص فيه فقال : نا ابن علية ، عن يونس ، عن
الحسن أنه كان لا يرى بأساً بالصفّ بين السواري .
(١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٦٩٣٦/٣٢).
(٢) المصدر السابق (٣٧٢٨/١٦).
- ٢٢٣ -

نا يحيى بن سعيد ، عن وقاء قال : كان سعيد بن جبير يؤمنا بين
ساريتين .
نا محمد بن فضيل ، عن يزيد بن أبي زياد قال : رأيت إبراهيم التيمي
يؤم قومه بين أسطوانتين .
نا وكيع : نا سفيان وإسرائيل ، عن إبراهيم بن عبد الأعلى قال : كان
سُويد بن غفلة يؤمنا بين أسطوانتين .
٩١ - بَابُ: مَنْ يَسْتُحبُّ أن يَلِي الإِمامَ في الصَّفِّ وكراهية النَّأْخُّر
أي : هذا باب في بيان من يستحبّ أن يقرب من الإمام في الصف
وكراهة التأخر عنه، وفي بعض النسخ: (( باب ما جاء فيما يستحب))،
وفي بعضها : ((باب مَنْ يلي الإمام)) إلى آخره .
٦٥٥ - ص - نا ابن كثير: نا سفيان ، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير،
عن أبي معمر، عن أبي مَسْعُودٍ قال: قال رسول الله وَله: «ليلني منكُم أولُو
[٢٢٦/١-ب] الأَحْلام والنَّهى، ثم الذين / يَلُونهم، ثم الذين يلُونهم)) (١) .
ش - ابن كثير : هو محمد بن كثير البصري ، وسفيان : الثوري ،
وسليمان : الأعمش .
وعمارة بن عمير : التيمي تيم الله بن ثعلبة الكوفي ، رأى عبد الله بن
عُمر . وسمع : علقمة بن قيس ، والأسود بن يزيد ، وأبا معمر ،
وغيرهم . روى عنه : الأعمش ، ومنصور بن المعتمر ، والحكم بن عُتَيْبة
وغيرهم . قال أحمد وابن معين وأبو حاتم : ثقة . روى له الجماعة (٢).
(١) مسلم : كتاب الصلاة ، باب : تسوية الصفوف وإقامتها وفضل الأول منها
والازدحام على الصف الأول والمسابقة عليها وتقديم أولي الفضل وتقريبهم من
الإمام (١٢٢/ ٤٣٢)، النسائي: كتاب الإمامة ، باب : من يلي الإمام ثم
الذي يليه (٢/ ٨٧)، ابن ماجه : كتاب إقامة الصلاة ، باب : من يستحب أن
يلي الإمام (٩٧٦) .
(٢) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٤١٩٣/٢١) .
- ٢٢٤ -

وأبو مَعْمر : عبد الله بن سَخْبرة الأزدي من أزد شنوءة ، ويُقال :
الأَسْدي - بسكون السين - الكوفي . روى عن : أبي بكر الصديق
مُرسلاً . وروى عن : عمر بن الخطاب ، وعليّ بن أبي طالب . وسمع:
عبد الله بن مسعود ، وخباب بن الأرَتّ ، وأبا مسعود البدري ، والمقداد
ابن الأسود . روى عنه : مجاهد ، ويزيد بن شريك ، وإبراهيم النخعي،
وعمارة بن عُمير . قال ابن معين : هو ثقة . روى له الجماعة (١).
وأبو مَسْعُود : عقبة بن عمرو البدري .
قوله : « ليلني منكم )) بكسر اللامين وتخفيف النون ، من غیر یاء قبل
النون ، من ولي يلي أصله : يَوْلِي ، حذفت الواو لوقوعهما بين الياء
والكسرة فصار ((يلي)) وأمر الغائب منه ((لِيَلِ)) لأن الياء تسقط للجزم ،
وأمر الحاضر ((ل)) مثل ((قِ)) على وزن ((عٍ)). وقال الشيخ محيي
الدين: ويجوز إثبات الياء مع تشديد النون على التأكيد .
قلت : القاعدة : أن النون المؤكدة إذا دخلت الناقص تعود الياء والواو
المحذوفتان فيصيرُ ((ليلينيّ منكم أولو الأحلام)) أي: العُقلاء ، وقيل :
البالغون ؛ والأحلام جمع حُلم - بضم الحاء وسكون اللام - وهو ما يراه
النائم ، تقول : حلَم - بالفتح - واحتلم ، وتقول : حلَمتُ بكذا وحلمتُه
- أيضاً - ولكن غلب استعماله فيما يراه النائم من دلالة البلوغ ؛ فكان
المراد هاهنا: ليلني البالغون. وذكر في ((الفائق)): أمَر معاذاً أن يأخذ
من كل حالم ديناراً ؛ قيل : المراد: مَنْ بلغ وقت الحُلْم حَلَم أو لم يَحلُمْ.
قوله: ((والنهى)) -بضم النون- جمع نُهْية - بضم النون وسكون الهاء-
وهي العقل ، ويقال : بفتح النون - أيضاً - ؛ لأنه ينهى صاحبه عن
الرذائل ، وكذلك العقل لعَقْله ؛ وهو مأخوذ من عقال البعير ، وكذلك
الحكمة من حكمة البعير ؛ وهي حديدة لجامها التي تمنعها من العدول عن
الاستقامة. وقيل: ((أولو النهى)) لأنه ينتهي إلى رأيهم واختياراتهم
(١) المصدر السابق (٣٢٩١/١٥).
٠١٥ شرح سنن أبي داوود ٣
- ٢٢٥ -

لعقلهم ، ويُقالُ : رَجل نَهِ ونَهِيٌّ من قوم نَهِين . وقال أبو علي الفارسي :
يجوز أن يكون «النُّهَى)) مصدراً كالهُدى، وأن يكون جمعاً كالظُّلَم ،
قال : والنهى معناه في اللغة : الثبات والحّبْس ، ومنه النِّهْيُ والنَّهيُ -بكسر
النون وفتحها - والتَّنْهِيَةُ للمكان الذي ينتهي إليه الماء فيُسْتنقع . قال
الواحدي : فيرجع القولان في اشتقاق النَّهْية إلى قول واحد وهو الحَبْس؛
فالنَّهْية هي التي تَنْهى وتَحْبس عن القبائح .
قلت : التنهية - بفتح التاء المثناة من فوق ، وسكون النون ، وكسر
الهاء، وفتح الياء آخر الحروف - وقال في ((الصحاح)): تنهية الوادي
بحيث ينتهي إليه الماء من حروفه ؛ والجمع : التناهِي .
فإن قيل : ما وجه هذا العطف ؟ قلت : إن فسّر أولو الأحلام بالعُقلاء
يكون عطف قوله: ((والنهى)) على ((الأحلام)) للتأكيد ؛ لأن المعنى
واحد وإن اختلف اللفظ ، وإن فسر أولو الأحلام بالبالغين يكون المعنى :
لِيَقْرُبْ مني البالغون العقلاء .
فإن قيل : ما وجه تخصيصهم بذلك ؟ قلت : لاستخلافه إن احتاج ،
ولتبليغ ما سمعوه منه ، وضبط ما يحدث عنه ، والتنبيه على سَهْو إن وقع،
ولأنهم أحق بالتقدّم ، وليقتدي بهم من بعدهم . وكذا ينبغي لسائر الأمة
الاقتداء بسيرته - عليه السلام - في كل حال من جموع الصلاة ،
ومجالس العلم والذكر ، ومجالس الرأي ومعارك القتال .
قوله: (( ثم الذين يلونهم)) معناه : الذين يقربون منهم في هذا الوصف.
واستدلّ بهذا الحديث أصحابنا في ترتيب الصفوف ؛ فقال صاحب
((الهداية)): ويصف الرجال ثم الصبيان ثم النساء ؛ لقوله - عليه السلام -:
[٢٢٧/١-١] ((ليلني منكم أولو الأحلام والنُّهى)). / واستدلّ - أيضاً - بهذا الحديث
أن محاذاة المرأة الرجلَ وهما مشتركان في صلاةٍ تُفسِدُ صلاة الرجل .
٠
فإن قيل : كيف تثبت الفرضية بهذا وهو خبر الآحاد ؟ قلنا : إنه من
المشاهير ؛ فتثبت به فرضيّة تمييز مقام المرأة من مقام الرجل ، ويجوز به
- ٢٢٦ -

الزيادة على الكتاب. وقال صاحب ((الأسرار )): إن لم تثبت فروض
الصلاة بخبر الواحد ففروض الجماعة تثبت ؛ لأن أصل الجماعة ثبت
بالسَُّّة فافهم .
والحديث : أخرجه مسلم ، والنسائي ، وابن ماجه . وروى الحاكم في
((المستدرك)) في كتاب ((الفضائل)) من حديث عبد الرحمن بن عوسجة ،
عن البراء بن عازب قال : كان رسول الله - عليه السلام - يأتينا إذا
أقيمت الصلاة، فَيَمْسحُ عواتقنا ويَقولُ: ((أقيموا صفوفكم ، ولا تختلفوا
فتختلف قلوبكم ، وليلني منكم أولو الأحلام والنَّهى )) انتهى . وسكتَ
عنه .
٦٥٦ - ص - نا مسدّد : نا يزيد بن زريع : نا خالد ، عن أبي معشر ، عن
إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله ، عن النبي - عليه السلام - مثله ، وزاد :
(( ولا تختلفوا فَتَخْتلفَ قلوبكم، وإياكم وهَيْشاتِ الأَسْواق)) (١).
ش - خالد : الحذّاء ، وأبو معشر : زيادُ بن كليب ، وإبراهيم :
النخعي، وعلقمة : ابن قيس النخعي ، وعبد الله : ابن مسعود .
قوله: ((مثله)) أي : مثل الحديث المذكور .
قوله: (( فتختلف)) بالنصب جواب النهي ؛ وقد مر نظيرُه .
قوله: ((وإياكم وهيشات الأسواق)) أي: اتقوا أنفسكم أن تتعرّض
لهَيْشات الأسواق ، وهذا من المنصوبات باللازم إضمارُه كما في قولك :
إياك والأَسَدَ . والهيشات - بفتح الهاء ، وسكون الياء آخر الحروف
وبالشين المعجمة - وروي (( هَوْشات)) وأصله من الهَوْش وهو الاختلاط ،
والهَوْشة : الفتنة ، وبينهم تهاوش أي : اختلاط واختلاف ؛ والمعنى :
(١) مسلم : كتاب الصلاة ، باب : تسوية الصفوف وفضل الأول فالأول منها ...
إلخ (٤٣٢/١٢٣)، الترمذي : كتاب الصلاة ، باب : ما جاء ليلني منكم
أولو الأحلام والنهى (٢٢٨) ، النسائي في الكبرى : كتاب الشروط .
- ٢٢٧ -

اتقوا أنفسكم من المنازعات والخصومات وارتفاع الأصوات واللغط والفتن
التي فيها .
والحديث : أخرجه مسلم ، والترمذي ، والنسائي . وقال الترمذي :
حسن غريب . وقال الدارقطني : تفرد به : خالد بن مهران الحذاء ، عن
أبي معشر زياد بن كليب .
٦٥٧ - ص - نا عثمان بن أبي شيبة : نا معاوية بن هشام : نا سفيان ، عن
أسامة بن زيد ، عن عثمان بن عروة ، عن عروة ، عن عائشة قالت : قال
رسول الله قال: ((إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف)» (١) .
ش - عثمان بن عروة : ابن الزبير بن العوام الأسدي القرشي . روى
عن : أبيه . روى عنه : أخوه : هشام ، وابن إسحاق ، وسفيان بن
عيينة، وأسامة بن زيد ، وغيرهم . قال ابن معين : هو ثقة . مات قبل
الأربعين ومائة . روى له : الجماعة إلا الترمذي (٢).
قوله: (( على ميامن الصفوف)) الميامن : جَمْع مَيمنة ؛ لأن اليمين لها
فضل على اليسار في كل شيء . والحديث : أخرجه ابن ماجه - أيضاً -
رحمه الله .
٩٢ - بَابُ: مَقَامِ الصِّان مِن الصَّفِّ
أي : هذا باب في بيان مقام الصبيان من الصف ، وفي بعض النسخ :
(( باب ما جاء في مقام الصبيان من الصف )).
٦٥٨ - ص - نا عيسى بن شاذان: نا عياش الرقّام : نا عبد الأعلى : نا قرة
ابن خالد : نا بُديل : نا شهر بن حوشب ، عن عبد الرحمن بن غنم قال : قال
أبو مالك الأشعري: ألا أُحدّثكم بصلاة رسول الله وَ لّ قال: أقامَ الصلاةَ
(١) ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: فضل ميمنة الصف (١٠٠٥).
(٢) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٣٨٤٥/١٩).
- ٢٢٨ -

فصَفَّ (١) الرجالَ، وصَفّ خلفهم الغلمانَ، ثم صلّى بهم، فذكر صلاتَه،
ثم قال: ((هكذا صلاة)). قال عبد الأعلى: لا أَحْسبُه إلا قال: ((أمتي(٢)))(٣).
ش - عيسى بن شاذان : البصري نزيل مصر ، حدّث بها سنة ثلاثين
ومائتين ، ومات بعد ذلك . روى عن : عياش الرقام . روى عنه :
أبو داود (٤) .
وعياش بن الوليد أبو الوليد الرقام البصري القطان. سمع: عبد الأعلى
ابن عبد الأعلى ، وأبا معاوية الضرير ، ووكيعاً ، وغيرهم . روى عنه :
محمد بن يحيى الذهلي ، وأبو زرعة ، وأبو حاتم - وقال : هو من
الثقات - ، والبخاري ، وأبو داود ، وغيرهم . توفي سنة ست وعشرين
ومائتين (٥) .
وعبد الأعلى : ابن عبد الأعلى السامي القرشي ، أبو همّام .
وقرة بن خالد : أبو خالد ويقال : أبو محمد السَّدُوسي البصري .
روى عن: أبي رجاء العطاردي /، والحسن البصري، وابن سيرين ، [٢٢٧/١ -ب]
وقتادة ، وغيرهم . روى عنه : شعبة ، ويحيى القطان ، ووكيع ،
وغيرهم . قال ابن معين : هو من أثبت شيوخنا . وقال أبو حاتم : ثقة.
توفي سنة نيف وسبعين ومائة . روى له الجماعة (٦) .
وبُديل : ابن مَيْسرة البصري ، وشَهْر بن حَوْشب : الشامي الحمصي .
وعبد الرحمن بن غنم : ابن كريب بن هانئ الأشعري ، كان ممن قدم
على رسول الله في السفينة ، وكان يسكن فلسطين وقدم دمشق ، وبعضهم
ينكر صحبته . وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم : هو جاهلي ، ليست له
(١) في سنن أبي داود: ((فأقام الصلاة وصف)).
(٢) في سنن أبي داود: ((صلاة أمتي)).
(٣) تفرد به أبو داود .
(٤) انظر ترجمته في : تهذيب الكمال (٤٦٢٨/٢٢).
(٥) المصدر السابق (٤٦٠٣/٢٢).
(٦) المصدر السابق (٢٣ / ٤٨٧٠).
- ٢٢٩ -

صحبة . روى عن : النبي - عليه السلام - ، وعن : عمر ، وعليّ ،
ومعاذ ، وأبي ذر ، وأبي الدرداء ، وأبي مالك الأشعري . روى عنه :
ابنه: محمد ، وأبو سلام الحبشي ، وشهر بن حوشب ، وجماعة آخرون.
مات سنة ثمان وسبعين . روى له : أبو داود ، والترمذي ، والنسائي ،
وابن ماجه عن الصحابة؛ ولم يرووا له عن رسول الله -عليه السلام-(١).
وأبو مالك الأشعري : اختلف في اسمه ؛ فقيل : الحارث ، وقيل :
عبيد ، وقيل : كعب بن عاصم ، وقيل : عمرو . روى له : مسلم ،
وأبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه .
قوله: ((قال عبد الأعلى: لا أَحْسبه إلا قال)) مُعترض بين قوله: ((صلاة))
وبين قوله: ((أمتي)) بين المضاف والمضاف إليه، والضمير المنصوب في
((لا أحسبُهُ)) راجع إلى قرة بن خالد، وكذا الضمير الذي في ((قال)).
وأخرج أحمد في ((مسنده )) عن أبي مالك الأشعري أنه قال يوماً : يا
معشر الأشعريين ، اجتمعوا واجمعوا نساءكم وأبناءكم حتى أُرِيكم صلاة
رسول الله ، فاجتمعوا وجمعوا أبناءهم ونساءهم ، ثم توضأ وأراهم كيف
يتوضأ، ثم تقدّم نصفَّ الرجال في أدنى الصف ، وصفّ الولدان
خلفهم، وصفّ النساء خلف الصبيان .
ورواه ابن أبي شيبة : حدّثنا عبد الله بن إدريس ، عن ليث بن
أبي سليم ، عن شهر بن حوشب ، عن أبي مالك الأشعري أن النبي
-عليه السلام - صلّى فأقام الرجال يلونه ، وأقام الصبيان خلف ذلك ،
وأقام النساء خلف ذلك .
ومن طريقه: رواه الطبراني في ((معجمه)).
وقال أبو بكر : حدَّثنا عبد الله ، عن أبان العطار ، عن أبي هاشم ،
عن إبراهيم ، أن عمر بن الخطاب كان إذا رأى غلاماً في الصفّ أخرجه .
(١) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (٤٢٤/٢)، وأسد الغابة
(٤٨٧/٣)، والإصابة (٤١٧/٢).
- ٢٣٠ -

٩٣ - بَابُ: صَفِّالنِّسَاءِ والتأخّر (١) عَنِ الصَّفِّ الأوّلِ
أي : هذا باب في بيان حكم صفّ النساء وحكم التأخر عن الصف
الأول، وفي بعض النسخ: ((باب ما جاء في صف النساء والتأخير عن
الصف الأول )).
٦٥٩ - ص - نا محمد بن الصباح البزاز : نا خالد ، وإسماعيل بن
زكرياء، عن سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه ، عن أبي هريرة قال : قال
رسول الله ص18: ((خيرٌ صفوف الرجال : أولها ، وشرها : آخرها ، وخير
صفوف النساء : آخرها، وشرها: أولها )) (٢).
ش - خالد : ابن عبد الله الواسطي .
وإسماعيل بن زكرياء : الخُلقاني أبو زياد الكوفي الأسدي -أسد خزيمة-
مولاهم ، نزل بغداد ، يلقب : شَقُوصا . سمع : الأعمش ، وسهيل بن
أبي صالح ، وعاصما الأحول، وغيرهم . روى عنه: محمد بن الصباح،
وأبو الربيع الزَّهْراني ، ومحمد بن بكار ، وغيرهم . قال أحمد : هو
مقارب . وقال ابن معين : هو صحيح الحديث . توفي ببغداد في أول سنة
ثلاث وستين ومائة وهو ابن خمس وستين سنةً . روى له : الجماعة إلا
النسائي (٣) .
وسُهَيْل بن أبي صالح : ذكوان الزيات .
قوله: ((خير صُفُوف الرجال: أولها )) لما رُوي أن الله وملائكته يصلون
على الصفوف الأُوَل ؛ ولأن أصحاب الصف الأول هم المبادرون المُسارعون
ولهم فضيلة السبق والقرب من الإمام ، وليس بينهم وبين القبلة أحد ، ثم
(١) في سنن أبي داود: ((وكراهية التأخر)).
(٢) مسلم : كتاب الصلاة ، باب: تسوية الصفوف (١٣٢/ ٤٤٠)، الترمذي:
كتاب الصلاة ، باب : ما جاء في فضل الصف الأول (٢٢٤) ، النسائي :
كتاب الإمامة ، باب : ذكر خير صفوف النساء وشر صفوف الرجال (٩٣/٢)،
ابن ماجه : كتاب إقامة الصلاة ، باب : صفوف النساء (١٠٠٠).
(٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٤٤٥/٣).
- ٢٣١ -

هذا الممدوح من الصفوف هو الصَّفُّ الذي يلي الإمام سواء جاء صاحبه
متقدماً أو متأخراً ، وسواء تخلّله مقصورة ونحوها أم لا . وقال بعضهم :
الصف الأول هو المتصل من طرف المسجد إلى طرفه لا يتخلله مقصورة
ونحوها ، فإن تخلل الذي يلي الإمام شيء فليس بأوّل ؛ بل الأول ما لا
يتخلله شيء وإن تأخر . وقيل : الصف الأول عبارة عن مجيء الإنسان
إلى المسجد أولاً وإن صلى في صف متأخرٍ .
[٢٢٨/١-١]
وقال الشيخ محيي الدين : هذان القولان / غلط صريح .
قلت : لفظ الأوّل من الأمور النِّسْبيّة ، فيُطلقُ على كل صفٍّ في
المَسْجد من عند الإمام إلى أن ينتهي إلى آخر الصَّفوف ، فآخر الصفوف
هو نقيض كل صفٌّ قبله إلى الإمام ، فيُطلقُ على كل واحد من الصفوف
غير الصف الأخير أنه خير الصفوف ، ولم يُطلق شرّ الصفوف إلا على
آخر الصفوف ليس إلا فافهم . وإنما صار آخر صفوف الرجال شر
الصفوف إما لبُعدهم من الإمام ، أو لقربهم من النساء ، وقد يكون شرا
لمخالفتهم أمرَه فيها عليه السلام ، وتحذيراً من فعل المنافقين بتأخرهم عنه
وعن سماع ما يأتي به ، ومعنى كونها شرا : أقلّها أجراً فهو بالنسبة إلى
الأول مطلقاً ناقص .
قوله: (( وخير صفوف النساء : آخرُها)) هذا إذا صلّين مع الرجال ، وأما
إذا صلّين جماعةً وحدهنّ فهن كالرجال خيرُ صفوفهن : أولها ، وشرها :
آخرها ، وأما إذا صلين مع الرجال فخيرُ صفوفهن : آخرها لُبُعْدهن من
الرجال ورؤيتهم ، وتعلّق القلب بهم عند رؤية حركاتهم ، وسماع كلامهم
ونحو ذلك ، وشر صفوفهن : أولها لِعكسٍ ذلك المعنى . والحديث :
أخرجه مسلم ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه ، وأبو بكر في
((مُصنفه)) .
٦٦٠ - ص - نا يحيى بن معين : نا عبد الرزاق ، عن عكرمة بن عمار ،
عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت:
- ٢٣٢ -

قال رسول الله - عليه السلام -: (( لا يزالُ قومٌ يَتأخرُون عن الصف الأول
حتى يؤخرهم الله في النار)) (١) .
ش - عبد الرزاق : ابن همام .
وعكرمة بن عمار : أبو عمار اليمامي العجلي البَصْري . سمع : سالم
ابن عبد الله ، وسماك بن الوليد ، ونافعاً مولى ابن عمر ، ويحيى بن
أبي كثير ، وغيرهم . روى عنه : الثوري ، وشعبة ، ويحيى القطان ،
وجماعة آخرون . قال أحمد بن حنبل : مضطرب الحدیث عن غیر إياس،
وکل حديثه عنه صالح ، وحديثه عن يحيى بن أبي كثير صالح . وقال ابن
معين : صدوق ليس به بأس . وقال أبو حاتم : كان صدوقاً وربما وهم في
حديثه وربما دلّس ، وفي حديثه عن يحيى بن أبي كثير بعض الأغاليط .
وقال أحمد بن عبد الله : ثقة . روى له : الجماعة إلا البخاريّ ، وكان
مستجاب الدعوة (٢) .
وأبو سلمة : عبد الله بن عبد الرحمن .
قوله: ((حتى يؤخرهم الله في النار )) أي : يوقعهم فيها ؛ وهذا تغليظ في
حق من يتكاسل عن المبادرة إلى الصفّ الأول ، ويجيء في أُخريات الناس
وتعوّد بذلك .
٦٦١ - ص - نا موسى بن إسماعيل، ومحمد بن عبد الله الخزاعي قالا :
نا أبو الأشهب ، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله وكليتي
رأى في أصحابه تأخراً فقال لهم: (( تقدّموا فَائتموا بي ، وليأتم بكم مَنْ
بعدكم ، ولا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم اللهُ )) (٣).
(١) تفرد به أبو داود .
(٢) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٤٠٠٨/٢٠).
(٣) مسلم : كتاب الصلاة ، باب : تسوية الصفوف وإقامتها وفضل الأول فالأول =
- ٢٣٣ -

ش - أبو الأَشْهب : جعفر بن حيان العطاردي السَّعْدي الخرّاز (١)
البصري الأعمى . روى عن : الحسن البصري ، وأبي رجاء العطاردي ،
وأبي نضرة العبدي ، وعكرمة مولى ابن عباس ، وغيرهم . روى عنه :
الثوري ، ويحيى القطان ، ووكيع ، وغيرهم . قال ابن معين وأبو زرعة
وأبو حاتم : ثقة . مات سنة ست وثلاثين ومائة . روى له الجماعة (٢).
وأبو نضرة : منذر بن مالك .
قوله: (( وليأتم بكم مَنْ بعدكم )) معناه : يَستدلون بأفعالكم على أفعالي؛
لا أنهم يقتدون بهم ؛ فإن الاقتداء لا يكون إلا لإمام واحد ، ففيه جواز
اعتماد المأموم في متابعة الإمام الذي لا يراه ولا يَسْمعه على مبلغ عنه ، أو
صَفِّ قدامه يراه متابعاً للإِمام. وقوله: ((مَنْ)) - بفتح الميم - اسمٌ فاعلٌ
لقوله: ((وليأتم ».
قوله: (( لا يزال قوم يتأخرون)) أي : عن الصفوف الأُوَل حتى يؤخرهم
الله عن رحمته ، أو عظيم فضله ، ورفع المنزلة ونحو ذلك . وقد قيل :
هذا في حق المنافقين . والحديث : أخرجه مسلم، والنسائي، وابن ماجه.
٩٤ - بَابُ: مَقَامِ الإِمَامِ مِنَ الصَّفّ
أي : هذا باب في بيان مقام الإمام من الصفّ ، وفي بعض النسخ :
((في الصف» .
٦٦٢ - ص - نا جعفر بن مسافر: نا ابن أبي فديك ، عن يحيى بن بشير
ابن خلاد ، عن أمّه ، أنها دخلت على محمد بن كعب القُرظي فسمعته
= (١٣٠/ ٤٣٨)، النسائي: كتاب الإمامة، باب: الائتمام بمن يأتم بالإمام
(٨٣/٢)، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: من يستحب أن يلي الإمام
(٩٧٨) .
(١) في الأصل: ((الجرار)).
(٢) المصدر قبل السابق (٥/ ٩٣٧).
- ٢٣٤ -

يقولُ: حدَّثني أبو هريرة قال: قال رسول الله وَِّ: ((وَسِّطُوا الإمامَ وسُدُّوا
الخلل))(١).
ش - جعفر بن مسافر : التنِيسي / أبو صالح الهذلي، وابن أبي فديك: [٢٢٨/١ -ب]
محمد بن إسماعيل بن أبي فُديك - دينار - المدني .
ويحيى بن بشير بن خلاد: الأنصاريّ . روى عن: أمّه : [ أمة ]
الواحد (٢) بنت يامين بن عبد الرحمن بن يامين. روى عنه : ابن
أبي فدیك ، وإبراهيم بن المنذر . روى له : أبو داود (٣).
ومحمد بن كعب : ابن حيان بن سليم بن أسد ، أبو حمزة القُرظي
المدني ، من حلفاء الأوس بن حارثة ، وكان أبوه من سَبي القريظة ،
سكن الكوفة ثم تحول إلى المدينة ؛ قال قتيبة : بلغني أنه ولد في زمن النبي
- عليه السلام - . سمع : معاوية بن أبي سفيان ، وابن عباس ، وزيد بن
أرقم ، ويقال : سمع ابن مسعود ، ورأى ابن عُمر بن الخطاب . وروى
عن : جابر بن عبد الله ، وأنس بن مالك ، وأبي هريرة، وأبي ذر،
وغيرهم . ومن التابعين : عبد الله بن شداد . روى عنه: عمرو بن دينار،
ونافع بن مالك ، ومحمد بن المنكدر ، وجماعة آخرون . قال أبو زرعة :
مدني ثقة وقال ابن سَعْد : كان ثقة عالماً كثير الحديث ورعاً . مات سنة
ثمان ومائة وهو ابن ثمان وسبعين . روى له الجماعة (٤) .
قوله: ((وَسِّطُوا الإمام)) مِنْ وَسّطْتُ القومَ - بالتَّشْديد - بمعنى:
توَسّطْتُهم إذا كنتَ في وسَطَهم، ويُقالُ: وَسَطْتُ القوم -أيضاً بالتخفيف-
أَسِطُهم وَسْطاً وسِطَةً، وفي بعض النسخ: ((توسطوا)) من توسَّطتُ ،
والمقصود من ذلك : أن تكون الجماعة فرقتين ؛ فرقة عن يمين الإمام وفرقة
(١) تفرد به أبو داود .
(٢) في الأصل: ((الواجد)) خطأ، وهي مترجمة في تهذيب الكمال (٧٧٨٧/٣٥).
(٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٦٧٩٦/٣١).
(٤) المصدر السابق (٥٥٧٣/٢٦).
- ٢٣٥ -

عن يساره ، ويكون الإمامُ وسطهم ، وليس المعنى أن يقوم مساوياً معهم
في وسطهم ؛ لأن وظيفة الإمام التقدم على القوم .
قوله: ((وسدُّوا الخلل)) أي : الفُرْجة التي تكون في الصفوف . وقال
أبو بكر : نا وكيع ، عن ابن جريج، عن عطاء قال: قال رسول الله وَله :
((من سدّ فرجةً في صَفِّ رفعه الله بها درجةً ، أو بنى له بيتاً في الجنّةِ)).
وقال - أيضاً - : نا ابن أبي عدي ، عن محمد بن عون قال : سألت
محمداً عن الإمام يُصلي بالقوم يقوم في زاوية ولا يقوم وسَطاً ؟ فقال : لا
أعلم به بأساً . فإن قيل : هذا يُخالفُ حديث أبي هريرة . قلت : حديث
أبي هريرة محمول على الفضيلة دون الوجوب ، حتى إذا قامت الجماعة
كلهم عن يمين الإمام أو عن يساره تجوز صلاتهم ؛ ولكن يكونون تاركين
للسُّنَّة والفضيلة .
٩٥ - بَابُ: الرَّجُل يُصَلِّي وَحْدَه خَلْفَ الصَّفَهِّ
أي : هذا باب في بيان حكم الرجل الذي يُصلي وحده خلف الصفّ ،
وفي بعض النسخ: ((باب ما جاء في الرجل)) إلى آخره .
٦٦٣ - ص - نا سليمانُ بن حرب ، وحفصُ بن عُمر قالا : نا شعبة ، عن
عمرو بن مُرة ، عن هلال بنٍ يَساف ، عن عمرو بن راشد ، عن وابصة : أن
رسول الله ## رأى رجلاً يُصلي خلف الصف وَحْده فأمره أن يُعيدَ . قال
سليمان : الصلاةَ(١).
ش - عمرو بن راشد : الأشجعي أبو راشد الكوفي . روى عن : عمر
(١) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في الصلاة خلف الصف وحده
(٢٣٠، ٢٣١)، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة ، باب : صلاة الرجل خلف
الصف وحده (١٠٠٤) .
- ٢٣٦ -

ابن الخطاب ، وعليّ بن أبي طالب ، ووابصة . روى عنه : هلال بن
يِسَاف . روى له : أبو داود، والترمذي (١) .
ووابصة - بكسر الباء الموحدة وبالصاد المهملة - ابن معبد بن عتبة بن
الحارث بن مالك الأسدي أبو سالم أو أبو الشعثاء ، أو أبو سعيد ، قدم
على النبي - عليه السلام - في عشرة رهط من بني أسد سنة تسع ،
فأسلموا ورجع إلى بلاد قومه ، ثم نزل الجزيرة وسكن الرقة ، وقدم
دمشق وكانت له بها دار بقنطرة سنان . روى عن النبي - عليه السلام - ،
وعن : ابن مسعود، وغيره . روى عنه : ابناه : سالم وعمرو، والشعبيّ،
وعمرو بن راشد ، وغيرهم . توفي بالرقة وقبره بها عند منارة مسجد
جامع الرقة . روى له : أبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه (٢).
قوله: ((قال سليمان)) أي : ابن حرب . وأخذ بظاهر الحديث :
أحمد، وإسحاق ، والنخعي ، وعن بعض أصحاب أحمد : إذا افتتح
صلاته منفرداً خلف الإمام ، فلم يلحق به أحد من القوم حتى رفع رأسه
من الركوع ، فإنه لا صلاة له ، ومن تلاحق به بعد ذلك فصلاتهم كلهم
فاسدة وإن كانوا مائةً أو أكثر . وقال أبو حنيفة والشافعي ومالك : صلاة
المنفرد خلف الإمام جائزة ، / وتأولوا أمره إياه بالإعادة على الاستحباب [٢٢٩/١-١]
دون الوجوب . وفي حديث أبي بكرة الذي يأتي الآن دلالة على أن صلاة
المنفرد خلف الصف جائزة ؛ لأن جزءاً من الصلاة إذا جاز على حال
الانفراد جاز سائر أجزائها ، ويدل - أيضاً - حديث المرأة المصليّة خلفه في
حديث أنس منفردةً ، وحكم الرجل والمرأة في هذا واحد. وروى الطبراني
في (( الأوسط)) (٣) من حديث يونس بن عُبيد ، عن ثابت ، عن
(١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٤٣٦٣/٢٢).
(٢) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (٦٤١/٣)، وأسد الغابة
(٤٢٧/٥)، والإصابة (٦٢٦/٣).
(٣) (٢٧١١/٣)، وفيه زيادة: ((بعدُ)) بعد ((الناس)).
- ٢٣٧ -

أنس أنه صلى خلف النبي - عليه السلام - وحده ووراءه امرأة حتى جاء
الناسُ ، وقال : تفرّد به : إسماعيل .
وحديث وابصة : أخرجه الترمذي ، وابن ماجه ، عن حُصين ، عن
هلال بن يساف قال : أخذ زياد بن أبي الجعد بيدي ونحن بالرقة فقام بي
على شيخ يُقال [ له ] وابصة، فقال زياد: حدّثني هذا الشيخ - والشيخ
يَسْمع - أن رجلاً صلّى ، فذكره ، وقال : حديث حسن . قال: واختلف
أهل العلم فقال بعضهم : حديث عمرو بن مرة أصح ، وقال بعضهم :
حديث حصين أصح ؛ وهو عندي أصح من حديثٍ عَمرو ؛ لأنه رُوِيَ من
غير وجه عن هلال ، عن زياد ، عن وابصة . انتهى ، وليس في حديث
ابن ماجه: ((أخبرني هذا الشيخ)) فكأنَّ هلالاً (١) رواه عن وابصة نفسه،
وقال ابن حبان : سمع هذا الخبر هلال ، عن عمرو ، عن وابصة ،
وسمعه من زياد عن وابصة ؛ فالطريقان جميعاً محفوظان ؛ وليس هذا
الخبر مما تفرد به هلال بن يساف ، ثم أخرجه عن يزيد بن أبي زياد بن
أبي الجعد ، عن عم عبيد الله بن أبي الجعد ، عن أبيه : زياد بن
أبي الجعد ، عن وابصة، فذكره . ورواه البزار (٢) في ((مسنده))
بالأسانيد الثلاثة المذكورة ، ثم قال : أما حديث عمرو بن راشد : فإن
عمرو بن راشد رجل لا نعلم حدّث إلا بهذا الحديث ، وليس معروفاً
بالعدالة ، فلا يحتج بحديثه ، وأما حديث حُصين : فإن حُصيناً لم يكن
بالحافظ ، فلا يحتج بحديثه في الحكم ، وأما حديث يزيد بن أبي زياد :
فلا نعلم أحداً من أهل العلم إلا وهو يُضعّف أخباره فلا يحتج بحديثه ،
وقد رُويَ عن شمر بن عطية ، عن هلال بن يِساف ، عن وابصة ؛ وهلال
لم يَسْمع من وابصة فأَمْسكنا عن ذكره لإرساله . انتهى .
وقال الشافعي : سمعت بعض أهل العلم بالحديث يذكر أن بعض
المحدثين يُدْخِل بين هلال ووابصة رجلاً ، ومنهم مَنْ يَرويه عن هلال ،
عن وابصة سمعه منه .
(١) في الأصل: ((هلال)).
(٢) في الأصل: (( البزاز)) خطأ.
- ٢٣٨ -

قلتُ : كأنه يُوهنُه بذلك . وقال البيهقي : لم يُخرجاه لِما حكاه
الشافعي من الاختلاف في سنده ، ولما في حديث علي بن شيبان من أن
رجاله غير مشهورين . وقال الشافعي في موضع آخر : لو ثبت الحديثُ
لقلتُ به . وقال الحاكم : إنما لم يخرج الشيخان لوابصة في كتابيهما
الفساد الطريق إليه . وقال ابن المنذر : بَيّنه أحمدُ وإسحاق. وقال أبو عمر:
فيه اضطراب ولا يُثْبِتُه جماعةٌ . وقال : الإشبيلي : غيرُ أبي عُمر يَقولُ :
الحديث صحيحٌ ؛ لأن حُصَيناً ثقة ، وهلالاً مثله وزياداً كذلك ، وقد
أَسْندوه والاختلاف فيه لا يضره .
فإن قيل : أخرج ابن ماجه ، عن عبد الله بن بدر ، عن عبد الرحمن
ابن علي بن شيبان ، عن أبيه قال : صلينا وراء النبي - عليه السلام - ،
فلما قضى الصلاة رأى رجلاً فرداً يصلي خلف الصف ، قال : فوقف عليه
نبي الله حتى انصرف ثم قال له: (( استقبل صلاتك ؛ فإنه لا صلاة لمن
صلى خلف الصف وحده)) (١). قلتُ: رواه ابن حبان في ((صحيحه ))
والبزار في (( مُسْنده )) وقال: وعبدُ الله بن بدر ليس بالمعروف ؛ إنما حَدّث
عنه ملازمُ بن عمرو ، ومحمدُ بن جابر ؛ فأما ملازم : فقد احتُمل حديثُه
وإن لم يُحتج به ، وأما محمد بن جابر : فقد سكت الناسُ عن حديثه ،
وعلي بن شيبان : لم يحدث عنه إلا ابنه ، وابنه هذا صفته ، وإنما ترتفع
جهالة المجهول إذا روى عنه ثقتان مشهوران ، فأما إذا روى عنه من لا
يحتج بحديثه لم يكن ذلك الحديث حجةً ، ولا ارتفعت جهالته . فإن
قلتَ: حديث آخر أخرجه البزار في ((مسنده)) عن النضر بن عبد الرحمن،
عن عكرمة ، عن ابن عباس، عن النبي - عليه السلام - نحو حديث ابن
شيبان / . قلت : قال البزار: ولا نعلم رواه عن عكرمة إلا النضر وهو [٢٢٩/١ -ب]
ليّن الحديث ، وقد روى أحاديث لا يتابع عليها وهو عند بعض أهل العلم
ضعيف جدا فلا يحتج بحديثه. انتهى . وسئل أبو عبد الله عن حديث ابن
(١) ابن ماجه : كتاب إقامة الصلاة ، باب : صلاة الرجل خلف الصف وحده
(١٠٠٣) .
- ٢٣٩ -

عباس فقال : هذا حديث منكرٌ أو باطلٌ . قال الأثرم : قلتُ له : أي
شيء أحْسنها إسناداً ؟ قال : حديث شعبة ، عن عمرو بن راشد ، عن
وابصة .
٩٦ - بَبُ : الرَّجُل يَرَكِعُ دُونَ الصَّف
أى : هذا باب في بيان الرجلِ الذي يَركع خارج الصفّ ، وفي بعض
النسخ: ((باب: ما جاء في الرجل)).
٦٦٤ - ص - نا حميد بن مسعدة ، أن یزید بن زريع حدثھم قال : نا
سَعيد بن أبي عروبة ، عن زياد الأعلم قال : نا الحسن أن أبا بكرة حدّث أنه
دخل المسجد ونبي الله وَل﴿ راكّعُ قال : فركعتُ دون الصفّ ، فقال النبي
-عليه السلام -: (( زادَك الله حرصاً ولا تَعُدْ)) (١).
ش - زياد الأعلم : هو زياد بن حسّان بن قرة البصري ، والحسَن :
البصريّ ، وأبو بكرَةَ : نُفَيْع بن الحارث .
قوله: (( دون الصفّ)) أي: وراءه .
قوله: ((زادك الله حرصاً)) أي: في الخير والمبادرة إليه ؛ لأنه استعجل
في الركوع قبل أن يتساوى مع من في الصف .
قوله: (( ولا تعد )) إرشاد له في المستقبل إلى ما هو الأفضل . وفيه دليل
على أن صلاة المنفرد خلف الصف جائزة ؛ لأن جزءاً من الصلاة إذا جاز
في حال الانفراد جاز سائر أجزائها ، ولو لم تكن جائزة لأمره - عليه
السلام - بالإعادة ، فعلم من هذا أن الأمر بالإعادة في حديث وابصة على
الاستحباب دون الوجوب - كما ذكرناه . والحديث : أخرجه البخاري ،
والنسائي .
(١) البخاري: كتاب الأذان، باب: إذا ركع دون الصف (٧٨٣) ، النسائي :
كتاب الإمامة ، باب : الركوع دون الصف (١١٨/٢).
- ٢٤٠ -