النص المفهرس

صفحات 141-160

ابن شهاب أبي سفيان السَّعْدي ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد الخدريّ
قال: قال رسول الله وَله: ((مفتاح الصلاة: الطهور، وتحريمها:
التكبير ، وتحليلها: التسليم)) أخرجه الترمذي في الصلاة (١) ، ورواه
الحاكم في ((المُسْتدرك)) (٢) وقال: حديث صحيح الإسناد على شرط
مسلم ولم يخرجاه .
وأما حديث عبد الله بن زيد: فأخرجه الدارقطني في (( سننه)) (٣)،
والطبراني في (( معجمه الوسط)) (٤) عن محمد بن عمر الواقدي : ثنا
يعقوب بن محمد بن أبي صعصعة ، عن أيّوب بن عبد الرحمن ، عن
عباد بن تميم ، عن عمه : عبد الله بن زيد ، عن النبي نحوه سواء .
ورواه ابن حبّان في كتاب ((الضعفاء)) من حديث محمد بن موسى بن
مسكين قاضي المدينة ، عن فليح بن سليمان ، عن عبد الله بن أبي بكر،
عن (٥) عباد بن تميم به ، وأعلَّه بابن مسكين وقال : إنه يَسْرق الحديث
ويَرْوي الموضوعات عن الأثبات .
وأما حديث ابن عباس: فرواه الطبراني في (( معجمه الكبير)) (٦): ثنا
أبو عبد الملك أحمد بن إبراهيم القرشي : ثنا سليمان بن عبد الرحمن :
ثنا سَعْدان بن يحيى : ثنا نافع مولى يوسف السّلَمي ، عن عطاء ، عن
ابن عباس ، عن النبي - عليه السلام - نحوه سواء . وهذا الحديث ذكره
أبو داود مرةً في (( باب فرض الوضوء » بهؤلاء الرواة بأعيانهم ، وقد
تكلمنا فيه بما فيه الكفاية فليراجع فيه الطالب .
(١) الترمذي: باب ما جاء في تحريم الصلاة وتحليلها (٢٣٨)، ابن ماجه : كتاب
الطهارة ، باب : مفتاح الصلاة الطهور (٢٧٦).
(٢) (١٣٢/١)، وأخرجه كذلك الدارقطني (٣٥٩/١)، والطبراني في الأوسط
(٣/ ٢٣٩٠) من طريق سعيد الثوري ، عن أبي نضرة به .
(٤) (٧/ ٧١٧٥) .
(٣) (٣٦١/١).
(٥) في الأصل: (( بن )) خطأ.
(٦) (١١٣٦٩)، وكذا في معجمه الأوسط (٩/ ٩٢٦٧) قال: حدثنا الوليد بن
حماد: نا سليمان بن عبد الرحمن به .
- ١٤١ -

وقال الخطابي (١) : في هذا الحديث بيان أن التسليم ركن للصلاة كما
أن التكبير ركن لها ، وأن التحليل منها إنما يكون بالتسليم دون الحدث
والكلام ؛ لأنه قد عرّفه بالألف واللام وعيّته كما عيّن الطهور وعرّفه ،
فكان ذلك منصرفاً إلى ما جاءت به الشريعة من الطهارة المعروفة ؛
والتعريف بالألف واللام مع الإضافة يوجب التخصيص ، كقولك : فلان
مَبِيتُهُ الَساجد تُريدُ أنه لا مَبِيت له يأوي إليه غيرها . وفيه دليل على أن
افتتاح الصلاة لا يكون إلا بالتكبير دون غيره من الأذكار .
قلتُ: قوله: ((إن التسليم ركن للصلاة كما أن التكبير ركن لها ))
مَمْنوع ؛ لأن هذا الحديث خبر الآحاد ، وبمثله لا تَثْبت الفرضيّة (٢)،
وقياسه على التكبير فاسد ؛ لأن التكبير ما فرض بهذا الحديث ؛ بل بقوله
تعالى: ﴿وَرَبِّكَ فَكِبِّرْ﴾ (٣).
وقوله: (( وأن التحليل منها إنما يكون بالتسليم )) غير مُسلم ؛ لأنه ليس
فيه نفي التحليل بغير التسليم ؛ والألف واللام إذا دخلا في اسم سواء كان
ذلك الاسم مفرداً أو جمعاً یصرفه إلى الجنس ؛ والجنس فرد من وجه حتى
يقع على الأقل ، وجمع من وَجْه ؛ لأن الجنس يتضمن معنى الجمع ،
فيكون المراد : جنس السلام من جنس التحليل ، فكما أنه يقع بالسلام يقع
بالكلام ونحوه ؛ ولكن لما عُيّن التسليم يكون واجباً .
وقوله: ((وفيه دليل على أن افتتاح الصلاة )) إلى آخره غير صحيح ؛
لأن الأصل في النصوص : التعليل، وقال تعالى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ
فَصَلَّى﴾ (٤) والمراد : ذكر اسم الرب لافتتاح الصلاة ؛ لأنه عقيب الصلاة
الذكرَ بحرف التعقيب بلا فصل ، والذكر الذي يتعقبه الصلاة بلا فصل هو
تكبيرة الافتتاح ، فقد شرع الدخول في الصلاة بمطلق الذكر فلا يجوز
تقييده باللفظ المشتق من الكبرياء بأخبار الآحاد ، والحديث معلولٌ به ،
وقد استوفينا الكلام فيه في (( باب فرض الوضوء )) عند هذا الحديث .
(١) معالم السنن (١٥١/١ - ١٥٢). (٢) انظر لحجية خبر الآحاد (١٨٤/١).
(٤) سورة الأعلى: (١٥).
(٣) سورة المدثر : (٣) .
- ١٤٢ -

٦٨ - بَابُ: ما يؤمر به المأموم من اتباع الإمام
أي : هذا باب في بيان ما يؤمر المأموم من اتباع الإمام ، وفي بعض
النسخ: ((باب ما جاء فيما يؤمر المأموم من اتباع الإمام».
٦٠٠ - ص - نا مسدد : نا یحیی ، عن ابن عجلان : حدثني محمد بن
يحيى بن حَبّان ، عن ابن محيريز، عن معاوية بن أبي سفيان / قال: قال [٢١١/١ -ب]
رسول الله وسلم: ((لا تُبَادِرُوني بركُوعٍ ولا بسجُود؛ فإنه مَهْمَا أَسْبِقُكُمْ به إذا
ركعتُ تُدْركونَي به إذا رَفعتُ، وإني (١) قد بَدَّنْتُ)) (٢).
ش - يحيى : القطان ، ومحمد : ابن عجلان ، ومحمد بن يحيى بن
حَبّان : بفتح الحاء المهملة وتشديد الباء الموحّدة ، وعبد الله : ابن مُحيريز
المكي .
قوله: ((لا تُبَادِرُوني)) من المبادرة ؛ وهي المُسارعة .
قوله: ((فإنه )) أي : فإن الشأن.
قوله : (( مهما أسبقكم به )) أي : بالركوع ، ويجوز أن يكون الضمير
راجعاً إلى ((مَهْما))، وذلك لأن ((مهما)) اسم لعود الضمير إليها في
قوله تعالى: ﴿ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ﴾ (٣) وزعم السُّهيلي أنها تأتي حرفاً ؛
والأصح: أنها بسيطة، ويقال: إنها مركبة من ((مَهْ)) و((ما)) الشرطية،
ويقال: من ((ما)) الشرطية و((ما)) الزائدة ثم أبدلت الهاء من الألف
الأولى دفعاً للتكرار ؛ ولها ثلاثة معان ؛ أحدها : ما لا يعقل غير الزمان
مع تضمن معنى الشرط ، ومنه الآية ، الثاني : الزمان والشرط ، فيكون
ظرفاً لفعل الشرط ، الثالث : الاستفهام ؛ ذكره جماعة منهم: ابن مالك،
واستدلوا بقوله :
(١) في سنن أبي داود: ((إني)).
(٢) ابن ماجه : كتاب إقامة الصلاة ، باب: النهي أن يسبق الإمام بالركوع
والسجود (٩٦٢) .
(٣) سورة الأعراف: (١٣٢).
- ١٤٣ -

أَوْدى بنَعْلِيَّ وسِرْبَالِيَهْ
مهما لي الليلةَ مَهمالِيَهْ
والذي في الحديث من القسم الثاني ؛ فلذلك جزم (( أسبقكم )) وجزم
الجزاء - أيضاً - وهو قوله: ((تُدْركوني))، وعلامة الجزم : سقوط نون
الجمع .
قوله: ((إذا ركعت)) بمعنى : حين ركعت .
قوله: ((تدركوني به )) أي : بالركوع إذا رفعت رأسي ؛ وحاصل المعنى:
لا تَسبقوني أنتم بالركوع والسجود ، فإني متى أَسْبقكم بركوع حين أركع ،
فأنتم تدركونني حين أريد أن أرفع رأسي ، وكذلك الكلام في السجود ،
وإنما بيّن حكم الركوع وحده بعد أن نهى عن المبادرة بالركوع والسجود ،
اكتفاء بما دلّ الحكم في الركوع على الحكم في السجود ، ومن هذا قالت
العلماء : إن (١) المقتدي إذا لحق الإمام وهو في الركوع فلو شرع معه ما
لم يرفع رأسه ، يصير مدركاً لتلك الركعة ، فإذا شرع وقد رفع هو رأسه،
لا يَصير مدركاً لتلك الركعة ، ولو ركع المقتدي قبل الإمام فلحقه الإمام
قبل قيامه يجوز عندنا خلافاً لزفر .
قوله: (( وإني قد بدنت )) يُروى على وجهين : بتشديد الدال ومعناه :
كبر السنّ ؛ يُقالُ : بَدَّن الرجلُ تَبْديناً إذا أَسنّ ، وبتخفيف الدال مع ضمها
ومعناه : زيادة الجسم واحتمال اللحم ، وروت عائشة - رضي الله عنها -
أن رسول الله وَ﴿، لما طعن في السنّ احتمل بدنُه اللحمَ ، وكل واحد
من كبر السن واحتمال اللحم يُثْقِلُ البدن ويُثبطه عن الحركة .
والحديث أخرجه ابن ماجه ، وأخرجه ابن حبان في « صحيحه )) ؛
وعند ابن ماجه بسند منقطع فيما بين سعيد بن أبي بُردة وأبي موسى قال
رسولُ الله : (( إني قد بَدُنْتُ فإذا ركعت فاركعوا ، وإذا رفعت فارفعوا ،
وإذا سجدتُ فاسجدوا ، ولا ألفين رجلاً سَبَقَني إلى الركوع ولا إلى
السجود )) .
(١) مكررة في الأصل .
- ١٤٤ -

٦٠١ - ص - نا حفص بن عُمر: نا شعبةُ، عن أبي إسحاق قال :
سمعت عبدَ الله بن يزيد الخطمي يخطبُ الناسَ قال : حدّثنا البراءُ - وهو
غیر کذوب - أنهم كانوا إذا رفعوا رءوسهم من الركوع مع رسول الله قاموا
قیاماً ، فإذا رأوه قد سجد سجَدُوا (١) .
ش - أبو إسحاق : عمرو بن عبد الله السبيعي الكوفي .
وعبد الله بن يزيد : ابن زيد بن حُصَين (٢) بن عمرو بن الحارث بن
الخِطْمَة ، واسم الخطمة: عبد الله بن جشم بن مالك بن الأوس أبو مُوسى
الأنصاري الخطمي ، سكن الكوفة ، رُوِيَ له عن رسول الله سبعة
وعشرون حديثاً ؛ أخرج له البخاريّ حديثين ولم يخرج له مسلم شيئاً ،
ورويا له عن البراء بن عازب ، شهد الحديبية مع رسول الله وهو ابن سبع
عشرة سنةً ، وشهد صفين والجَمل والنهروان مع عليّ - رضي الله عنه -
وكان أميراً على الكوفة . روى له أبو داود ، والترمذي (٣).
قوله: (( وهو غير كذوب )) جملة اسميّة وقعت حالاً عن البراء ، والذي
يفهم من كلام يحيى بن معين في هذا الموضع أنه حال من عبد الله بن
يزيد؛ لأنه قال: القائلُ: ((وهْوَ غير كذوب)) هو أبو إسحاق ، قال :
ومرادُه أن عبد الله بن يزيد غير كذوب، وليس المراد أن البراء غير كذوب/ [٢١٢/١-١]
لأن البراء صحابيّ لا يحتاج إلى تزكية ، ولا يَحسنُ فيه هذا القولُ . قال
الشيخ محيي الدين : وهذا الذي قاله ابن معين خطأ عند العلماء ؛ قالوا:
(١) البخاري: كتاب الأذان ، باب: متى يسجد من خلف الإمام (٦٩٠) ، مسلم:
كتاب الصلاة ، باب : متابعة الإمام والعمل بعده (٤٧٤/١٩٧) ، الترمذي :
كتاب الصلاة ، باب : ما جاء في كراهية أن يبادر الإمام بالركوع والسجود
(٢٨١)، النسائي: كتاب الإمامة، باب: مبادرة الإمام (٩٦/٢).
(٢) كذا، وفي مصادر الترجمة: ((حصن))، وفي تهذيب الكمال (١٦/ ٣٦٥٦)
كما عندنا .
(٣) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (٣٩١/٢)، وأسد الغابة
(٤١٦/٣)، والإصابة (٣٨٢/٢).
١٠ • شرح سنن أبي داوود ٣
- ١٤٥ -

بل الصواب أن القائل: ((وهو غير كذوب)) هو عبد الله بن يزيد ،
ومراده من قوله: ((غير كذوب)) تقوية الحديث وتفخيمه والمبالغة في
تمكينه من النفس ، لا التزكية التي تكون في مشكوك فيه ؛ ونظيره : قول
ابن مسعود : حدَّثْنا رسول الله وهو الصادق المصدوق ، وعن أبي هريرة
مثله ، وفي ((صحيح مسلم)): الخولاني : حدثني الحبيب الأمين : عوف
ابن مالك الأشجعي ، ونظائره كثيرة ؛ فمعنى الكلام : حدَّثني البراء وهو
غير متهم كما علمتم ، فثِقُوا بما أخبركم به . وقوله: ((إن البراء صحابيّ
فينزه عن هذا الكلام )» لا وجه له ؛ لأن عبد الله بن يزيد صحابيّ - أيضاً-
معدود في الصحابة ؛ فالذي يقال في البراء يُقال فيه - أيضاً .
قوله: ((قاموا قياماً)) أي : قائمين ؛ وذلك لأنه - عليه السلام - كان
يدعو في الركوع كثيراً وكانوا (١) يرفعون رءوسهم قبله ويقومون قياماً ،
فإذا رأوه قد سجد سجدوا معه . والحديث : أخرجه البخاري ، ومسلم ،
والترمذي ، والنسائي بنحوه .
٦٠٢ - ص - نا زُهير بن حَرْب ، وهارون بن مَعْروف المعنی قالا: نا
سفيان ، عن أبان بن تغلب . قال زهير: قال : حدّثنا الكوفيون : أبانُ وغیرُه،
عن الحكم ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن البراء قال : كنا نصلي مع
رسول الله وَل﴾ فلا يحنُو أحد منا ظهره حتى نرى (٢) النبي - عليه السلام -
يضع (٣) .
ش - زُهير بن حَرْب : ابن شداد النسائي ، وهارون بن معروف :
الخزاز المروزي ، وسفيان : ابن عيينة .
وأبان بن تغلب - بالتاء المثناة من فوق - الرَّبعي أبو سَعْد الكوفي
القاري . روى عن : أبي إسحاق السبيعي ، والحكم ، والأعمش ،
(١) في الأصل: ((وكان)).
(٢) في سنن أبي داود: ((يرى)).
(٣) مسلم: كتاب الصلاة، باب: متابعة الإمام والعمل بعده (٢٠٠) .
- ١٤٦ -

وغيرهم . روى عنه : ابن عُيينة ، وحماد بن زيد ، وزهير بن معاوية ،
وغيرهم . قال أحمد ، وابن معين ، وأبو حاتم : ثقة . وقال ابن عدي :
ولأبان أحاديث ونسخ وعامتها مستقيمة إذا روى عنه ثقة ، وهو من أهل
الصدق في الروايات ، وإن كان مذهبه مذهب الشيعة . روى له : الجماعة
- (١)
إلا البخاري
والحكم : ابن عُتَيْبة .
قوله : ((فلا يحنو)) من حَتَى يحنو، يُقال: حَنَّيْتُ ظهري وحنَيْت العُودَ
عَطفتُه، وجاء حنى يحني، وهما لغتان حكاهما صاحب ((المنتهى ))
وغيره ، يقال : حنيتُ وحنوتُ ؛ والياء أكثرُ .
قوله: (( حتى يضع )) أي : حتى يضع رأسه للسجود . وفي هذا دليل
لمن قال : إن فعل المأموم يقع بعد فعل الإمام ؛ ورواية البخاري: ((كان
رسول الله إذا قال : سمع الله لمن حمده ، لم يحن أحد منا ظهره حتى
يقع النبي - عليه السلام - ساجداً ، ثم نقع سجوداً بعده )) . ورواية
مسلم : (( كان لا يَحْنِي منا رجلٌ ظهرَه حتى يستتم ساجداً - يعني :
رسول الله)). وقال الدارقطني : هذا الحديث محفوظ لعبد الله بن يزيد ،
عن البراء ، ولم يَقُل أحد: ((عن ابن أبي ليلى)) غيرُ أبان بن تغلب ،
عن الحكم ، وغيرُ أبان أحفظُ منه .
قلت : حديث أبان : خرّجه مُسلمٌ في (( صحيحه )) .
٦٠٣ - ص - نا الربيع بن نافع: نا أبو إسحاق - يعني : الفزاري -، عن
أبي إسحاق، عن محارب بن دثار قال : سمعت عبد الله بن یزید یقولُ على
المنبر : حدَّثني البراء أنهم كانوا يُصلون مع النبي - عليه السلام -، فإذا ركع
رکعوا ، وإذا قال : سمع الله لمن حمده لم نَزلْ قیاماً حتى يرونه (٢) قد وضع
جَبِّهته بالأرض، ثم يتّبعُونَه (٣).
(١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (١٣٥/٢).
(٢) في سنن أبي داود: ((يروه))، وسيذكر المصنف أنها نسخة .
(٣) مسلم : كتاب الصلاة ، باب: متابعة الإمام والعمل بعده (١٩٩).
- ١٤٧ -

ش- أبو إسحاق : إبراهيم بن محمد بن الحارث بن أسماء بن خارجة
ابن حُصين (١) بن حذيفة بن بدر الفزاري الكوفي ، سكن المصيصة .
سمع : أبا إسحاق السبيعي ، وحميداً (٢) الطويل ، ومالك بن أنس ،
والثوري ، وغيرهم . روى عنه : الثوري ، والأوزاعي ، وابن المبارك ،
وحماد بن أسامة ، وجماعة آخرون . قال ابن عيينة : كان أبو إسحاق
إماماً . وقال ابن معين : ثقة ثقة . وقال أبو حاتم : الثقة المأمون الإمام .
توفي سنة ست وثمانين ومائة . روى له الجماعة (٣).
وأبو إسحاق الثاني هو السبيعي .
ومُحارب بن دثار - بكسر الدال وبالثاء المثلثة - ابن كُردُوس بن قِرواش
ابن جَعْونة السَّدُوسي ، أبو مطرف ، أو أبو النضر ، أو أبو كُردوس ، أو
أبو دثار الكوفي قاضيها . سمع : عبد الله بن عمر ، وجابر بن عبد الله،
[٢١٢/١ -ب] وعبد الله / بن يزيد، وابن بُريدة ، وغيرهم . روى عنه : الأعمش ،
ومسعر ، والثوري ، وشعبة ، وابن عيينة ، وغيرهم . قال أحمد بن
حنبل: ثقة صدوق . وقال أبو زرعة : ثقة مأمون . وقال ابن معين : ثقة.
توفي في ولاية خالد بن عبد الله . روى له الجماعة (٤) .
قوله: ((لم نزل قياماً)) أي: قائمين؛ وفي رواية: «لم يزالوا قياماً)).
قوله: ((حتى يَروْنه)) ((حتى)) هنا عاطفة، وفي بعض الرواية: (( حتى
يَرَوْه)) بدون النون؛ فتكون ((حتى)) ناصبةً بتقدير ((أَنْ)).
قوله: (( ثم يتبعونه)) بوَجْهين على اختلاف المعطوف عليه . والحديث :
أخرجه مُسلمٌ .
(١) في الأصل: (( حضين )) خطأ.
(٢) في الأصل: ((حميد)).
(٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٢٢٥/٢).
(٤) المصدر السابق (٢٧/ ٥٧٩٣) .
- ١٤٨ -

٦٩ - بَابُ: التَّشْدِيد فيمَنْ يَرْفِعُ قبل الإِمامِ أو يضع قبله
أي : هذا باب في بيان التشديد فيمَنْ يرفع رأسه قبل الإمام أو يضعها
قبل وضعه ، وفي بعض النسخ: ((باب ما جاء في التشديد)).
٦٠٤ - ص - نا حفص بن عُمر : نا شعبة ، عن محمد بن زياد ، عن
أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: «أَمَا يخشى أو [ أ] لا يَخشى أحدُكم
إذا رفع رأسَه والإمامُ ساجدٌ أن يُحول اللهُ رأسَه رأسَ حمار ، أو صُورتَه
صورةً حمار)) (١) .
ش - محمد بن زياد : أبو الحارث القرشي الجُمحي مولى عثمان بن
مَظعون ، مديني الأصل ، سكن البصرة . سمع : أبا هريرة ، وعبد الله
ابن الزبير ، وعبد الله بن الحارث بن نوفل الهاشمي . روى عنه : شعبة،
وقرة بن خالد ، والحمادان ، وغيرهم . وقال أحمد ، ويحيى ،
والترمذي: هو ثقة . روى له الجماعة (٢).
قوله : (( أو [أ] لا يخشى)) شك من الراوي.
قوله: ((والإمام ساجد )) جملة اسميّة وقعت حالاً .
قوله: ((أن يُحول اللهُ)) في محل النَّصْب على أنه مفعول (( [ أ] لا
يخشى))، و((أَنْ)) مصدرية، والتقدير: [ أ] لا يخشى أحدكم تحويل
الله رأسَه .
قوله : (( رأس حمار)) منصوب بنزع الخافض أي : كرأس حمار ؛ ولا
يجوز أن يكون منصوباً بقوله: ((يُحول)) لأن حَوّل لا يتعدى إلى مفعولَيْن؛
(١) البخاري : كتاب الأذان، باب: إثم من يرفع رأسه قبل الإمام ، رقم (٦٩١)،
مسلم : كتاب الصلاة ، باب : تحريم سبق الإمام بركوع أو سجود ونحوهما،
رقم (٤٢٧) ، الترمذي : كتاب الجمعة ، باب : ما جاء في التشديد في الذي
يرفع رأسه قبل الإمام (٥٨٢)، النسائي: كتاب الإمامة ، باب: مبادرة الإمام
(٩٦/٢)، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة والسّنّة فيها ، باب: النهي أن
يسبق الإمام بالركوع والسجود (٩٦١).
(٢) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٥٢٢٢/٢٥) .
- ١٤٩ -

بل الغالب فيه اللزوم ، وقد يجيء متعدياً إلى مفعول واحد ، وهاهنا قد
تعدى إلى قوله: ((رأسَه ».
قوله : ((أو صورتَه )) شك من الراوي - أيضاً - أي : أن يحولَ الله
صُورِتَه .
فإن قيل : ما المراد من الصُّورة ؟ قلت : الصُّورَةَ تطلَقُ على الوَجْه كما
في قوله: ((الصُّورة محرّمة)) أراد بها الوجه ، وتُطلق على معنى حقيقة
الشيء وهيئاته وعلى مَعنى صفته ، يُقال : صورة الفعل كذا وكذا ، أي :
هيئاته ، وصورة الأمر كذا وكذا أي : صفته ، ثم إنه يجوز أن يكون المراد
من الصورة هاهنا معنى الوجه ؛ والمعنى : يحوّلَ الله وَجْهه وجه حمار ،
ويجوز أن يكون بالمعنى الثاني بمعنى يُحول الله حقيقته وهيئته ، ثم هذا
الكلام يحتمل أن يكون حقيقةً وهو تغيير الصّورة الظاهرة ، ويحتمل أن
يكون مجازاً على سبيل الاستعارة وذلك أن الحمار موصوف بالبلادة ،
فاستعير هذا المعنى للجاهل بما يجب عليه من فرض الصلاة ومُتابعة الإمام.
فإن قيل : كيف وجه احتمال الحقيقة في هذا الكلام ، ولم يقع ذلك
مع كثرة رفع المأمومين قبل الإمام ؟ قلت : ليس في الحديث ما يدل على
وقوع ذلك ؛ وإنما يدل على كون فاعله مُتُعرضاً لذلك ، وكون فعله صالحاً
لأن يقع عنه ذلك الوعيدُ ، ولا يلزم من التعرض للشيء وقوع ذلك
الشيء، وأيضاً - فالمُتوعّدُ به لا يكون موجوداً في الوقت الحاضر أعني :
عند الفِعْل .
ثم اعلم أن في الحديث دليلاً على منع تقدّم المأموم على الإمام ؛ لأنه
توعّد على هذا الفعل ، ولا يكون التوعد إلا على ممنوع .
فإن قيل : المنع المذكور مخصوص في حالة السجدة بظاهر الحديث أو
عام ؟ قلت : بل عام ؛ والدليل على ذلك : ما روي عن ابن مسعود أنه
نظر إلى من سَبق إمامَه فقال: ((لا وَحْدك صليت ، ولا بإمامك اقتديت ))
وعن ابن عمر نحوه ، وأمره بالإعادة ؛ ولكن خصّ في الحديث حالة
- ١٥٠ -

السجدة لكثرة وجود المخالفة في هذه الحالة ، فيقاس عليها غيرُها . فإن
قيل : ما حكم هذا المخالف ، فهل تجوز صلاته أم لا ؟ قلت : قال
القرطبي وغيرُه : من خالف الإمام فقد خالف سُنَّة المأموم وأجزأته صلاته
عند جمهور العلماء /. وفي ((المغنى)) لابن قدامة: فإن سبق إمامه فعليه [٢١٣/١-١]
أن يرفع ليأتي بذلك مؤتماً بالإمام ، فإن لم يفعل حتى لحقه الإمام سهواً أو
جهلاً فلا شيء عليه ، فإن سبقه عالماً بتحريمه فقال أحمد في ((رسالته)):
ليس لمن سبق الإمام صلاةٌ؛ لقوله: (( أما يخشى الذي يرفع رأسه ))
الحديث ، ولو كانت له صلاة لرجى له الثواب ولم يخش عليه العقاب .
والحديث أَخْرجه الأئمة الستة، وفي ((المصنف )) عن أبي هريرة موقوفاً:
إن الذي يخفضُ ويرفعُ رأسَه قبل الإمام ، إنما ناصِيتُه بيد شيطان . وكذا
قاله - أيضاً - سلمانُ من طريق ليْث بن أبي سُليمٍ .
٧٠ - بَابٌ: فيمَنْ يَنصرف قبل الإمام
أي : هذا باب في بيان مَنْ ينصرف من الصلاة قبل انصراف إمامه ،
وفي بعض النسخ: (( باب الرجل ينصرف قبل الإمام )) ، وفي بعضها :
(باب فيما جاء فيمن ينصرف)).
٦٠٥ - ص - نا محمد بن العلاء : نا حفص بن بُغيل الدُّهْني : نا زائدةٌ،
عن المختار بن فلفل، عن أنس أن النبي ◌َّهِ حَضّهم على الصلاة ونهاهُم أن
ينصرفوا قبل انصرافه من الصلاة (١) .
ش - حَقص بن بُغَيل - بضم الباء الموحدة ، وفتح الغين المعجمة -
الدُّهْني (٢) الكوفي. روى عن: زائدة، وإسرائيل بن يونس . روى
عنه: محمد بن العلاء ، وأحمد بن بُديل . روى له : أبو داود .
والدهني: بضم الدال المهملة وكسر النون .
(١) تفرد به أبو داود .
(٢) جاء في تهذيب الكمال (٥/٧) بدل ((الدهني)): ((المُرْهبي)) وعلق محققه
قائلاً: ((علق المؤلف في الحاشية بقوله: ((كان فيه الدهني ، وهو وهَم)).
- ١٥١ -

وزائدة : ابن قدامة .
والمختار بن فُلْفُل : المخزومي الكوفي مولى آل عمرو بن حريث .
سمع : أنس بن مالك ، وعمر بن عبد العزيز ، والحسن البَصْري ، وطلق
ابن حبيب . روى عنه : الثوري ، وزائدة ، ومحمد بن فضيل، وغيرهم.
قال ابن معين : ثقة ، وسئل عنه أحمد فقال: لا أعلم إلا خيراً (١).
قوله : (( حضّهم)) أي : حرضهم على حفظ الصلاة في وقتها .
قوله: (( قبل انصرافه)) أي : قبل انصراف النبي - عليه السلام - ؛
والمراد منه : قبل سلامه ، ثم إذا انصرف المقتدي قبل سلام الإمام بعد ما
قعد قدر التشهد تجوز صلاته عندنا ، ويكون مُسيئاً لتركه السلام الواجب
مع الإمام ، وارتكابه النهي ، وعند الشافعي : لا تجوز وتفسد صلاته ؛
بناء على أن السلام فرض عنده .
٧١ - باب : جمَاع أثواب (٢) ما يُصَلى فيه
أي : هذا باب في بيان جماع أثواب ما يصلى فيه ؛ والمعنى : عَدد
أثواب ما يصلى فيه ؛ وجماع الشيء - بكسر الجيم - : عددُه ، وفي
بعض النسخ: (( باب الصلاة في الثوب الواحد)) ، والنسخة الصحيحة :
« بابُ جامع ما يُصلى فيه » .
٦٠٦ - ص - نا القعنبيّ ، عن مالك ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن
المسيّب، عن أبي هريرة، أن رسول الله وَالرّ سُئل عن الصلاة في ثوب واحد
فقال النبي - عليه السلام -: ((أو لكلكم ثوبانٍ؟)) (٣).
(١) المصدر السابق (٢٧/ ٥٨٢٧).
(٢) في سنن أبي داود: ((أبواب)).
(٣) البخاري: كتاب الصلاة، باب : الصلاة في القميص والسراويل والتبان
والقبان (٣٦٥) ، مسلم : كتاب الصلاة ، باب : الصلاة في ثوب واحد وصفة
لبسه (٥١٥/٢٧٥) ، النسائي : كتاب القبلة، بابٍ : الصلاة في الثوب الواحد
(٥٤/٢)، ابن ماجه : كتاب إقامة الصلاة والسّنّة فيها ، باب : الصلاة في
الثوب الواحد (١٠٤٧) .
- ١٥٢ -

ش - الهمزة في (( أو لكلكم )) للاستفهام ، و((ثوبان)) مرفوع على
الابتداء، وخبره: قوله: ((لكلكم)). واعلم أن اللفظ وإن كان لفظ
الاستفهام ؛ ولكن المعنى : الإخبار عما كان يعلمه عليه السلام من حالهم
من العدم وضيق الثياب ، يقول : فإذا كنتم بهذه الصفة ، وليس لكل
واحد منكم ثوبان والصلاة واجبة عليكم ، فاعلموا أن الصلاة في الثوب
الواحد جائزة .
وهذا الحديث يدل على أن الصلاة في الثوب الواحد جائزة بلا كراهة ؛
ولا يعارضه قوله - عليه السلام -: (( لا يصلي أحدكم في الثوب
الواحد)» لأن هذا النهي للتنزيه لا للتحريم . وقد روى ابن أبي شيبة ، عن
وكيع ، عن فضيل بن غزوان ، عن أبي حَازم ، عن أبي هريرة قال :
رأيت سبعين من أهل الصَّفة يصلون في ثوب ، فمنهم من يبلغ ركبتّيْه ،
ومنهم من هو أسفل من ذلك، فإذا رکع قبض عليه يخاف أن تبدو عورته.
وعن ابن وهب : صلاة الرجل في ثوب واحد رخصةٌ ، وفي ثوبين
مأمور به .
وذكر عبد الرزاق عن ابن عُبَيْنة ، عن عمرو ، عن الحسن قال :
اختلف أبيّ بن كعب وابن مَسْعود في الصلاة في ثوب واحدٍ ، فقال أبي :
لا بأس به . وقال ابن مَسْعود : إنما كان ذلك إذ كان الناس لا يجدون
ثياباً، فأما إذا وجدوها فالصلاة في ثوبين ، فقام عمر - رضي الله عنه -
على المنبر فقال : الصواب ما قال أبي لا ما قال ابن مسعود . ورواه في
(المُصنف)) - أيضاً - وحديث أبي هريرة: أخرجه البخاريّ /، ومسلم، [٢١٣/١ -ب]
والنسائي ، وابن ماجه .
٦٠٧ - ص - نا مسدّد: نا سفيان، عن أبي الزناد ، عن الأعرج، عن
أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله وَلاخير: (( لا يصلّي أحدكم
في الثوب الواحد ليس على منكبيه منه شيءٌ )) (١).
(١) البخاري : كتاب الصلاة ، باب: إذا صلى في الثوب الواحد فليجعل على =
- ١٥٣ -

ش - يُريدُ أنه لا يَتزر به في وسطه ، ويشدّ طرفيه على حَقْويه ؛ ولكن
يتزر به ويرفع طرفَيْه ، فيخالف بينهما ، ويَشْدُّ على عاتقه ، فيكون بمنزلة
الإزار والرداء ، هذا إذا كان الثوب واسعاً ، فإذا كان ضيقاً شدّه على
حَقْوَيْه . وقالت العلماء : الحكمة : أنه إذا اتزر به ولم يكن على عاتقه
منه شيء ، لم يؤمن أن تنكشف عورته ، بخلاف ما إذا جعل بعضه على
عاتقه ، ولأنه قد يحتاج إلى إمساكه بيده أو يدَيْه ، فيشتغل بذلك وتفوته
سُنَّة وضع اليد اليمنى على اليُسرى تحت سرته ، ولأن فيه ترك ستر أعالي
البدن ومَوْضع الزينة، وقد قال الله تعالى: ﴿خُذُواْ زِينَتَكُمْ﴾ (١) ، ثم
قال أبو حنيفة ، ومالك ، والشافعي والجمهور : هذا النهي للتنزيه - كما
ذكرنا - لا للتحريم، فلو صلى في ثوب واحد ساترٍ لعورته ليس على
عاتقه منه شيء ، صحت صلاته بالكراهة ، سواء قدرَ على شيءٍ يَجعله
على عاتقه أم لا . وقال أحمد وبعض السلف : لا تصح صلاته إذا قدر
على وضع شيء على عاتقه إلا بوضعه ؛ لظاهر الحديث . وعن أحمد
رواية : إنه تصح صلاته ؛ ولكنه يأثم بتركه . وحجة الجمهور : قوله
-عليه السلام - في حديث جابر: (( فإن كان واسعاً فالْتَحِفْ به ، وإن
كان ضيقاً فاتزِر به )) رواه البخاريّ ومسلم وغيرهما . وقال الطحاوي :
صلاة النبي - عليه السلام - في الثوب الواحد في حال وجود غيره من
الأخبار المتواترة . والحديث : أخرجه البخاري ، ومسلم ، والنسائي .
٦٠٨ - ص - نا مسدّد: نا يحيى ح، ونا مسدد: نا إسماعيل المعنى، عن
هشام بن أبي عبد الله ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن عكرمة ، عن أبي هريرة
= عاتقيه (٣٥٩)، مسلم : كتاب الصلاة ، باب : الصلاة في ثوب واحد وصفة
لبسه (٥١٦) ، النسائي : كتاب القبلة ، باب : صلاة الرجل في الثوب الواحد
ليس على عاتقيه منه شيء (٧١/٢) .
(١) سورة الأعراف: (٣١).
- ١٥٤ -

قال: قال رسول الله وقالفي: ((إذا صلّى أحدكم في ثوب فليخالف بطرفيه على
عاتقيّه)) (١) .
ش - يحيى : القطان ، وإسماعيل : ابن عليّة ، وهشام بن أبي عبد الله
- سنبر - البَصْري ، ويحيى بن أبي كثير - صالح - الطائي ، وعكرمة :
مولى ابن عباس .
قوله: (( على عاتقيه)) العاتق: موضع الرداء من المنكب؛ يُذكر ويؤنث،
والمخالفة بطرفيه على عاتقيه : هو التوشح ، وهو الاشتمال على منكبَيْه ؛
وإنما أمر بذلك ليستر أعالي البدن ، ومَوضع الزينة . وقال ابن بطال :
وفائدة المخالفة في الثوب أن لا ينظر المصلي إلى عورة نفسه إذا ركع .
قلت : يجوز أن تكون الفائدة : أن لا يسقط إذا ركع وإذا سجد ،
وهذا الأمر للندب عند الجمهور ، حتى لو صلى وليس على عاتقه شيء
صحّت صلاته - لما ذكرناه . والحديث : أخرجه البخاريّ .
٦٠٩ - ص - نا قتيبة بن سَعيد: نا الليث، عن يحيى بن سعيد ، عن
أبي أمامة بن سَهْل ، عن عُمر بن أبي سلمة قال : رأيت رسول الله يُصلي في
ثوب واحد ملتحفاً مخالفاً بين طرفيه على منكبّه (٢).
ش - الليث : ابن سَعْد ، ويحيى بن سعيد : الأنصاري ، وأبو أمامة :
أَسْعد بن سهل بن حُنيف الصحابي ابن الصحابي .
وعمر بن أبي سلمة - عبد الله - بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله
(١) البخاري : كتاب الصلاة، باب : إذا صلى في الثوب الواحد فليجعل على
عاتقيه (٣٦٠) .
(٢) البخاري : كتاب الصلاة ، باب: الصلاة في الثوب الواحد ملتحفاً به (٣٥٤)،
مسلم : كتاب الصلاة ، باب : الصلاة في ثوب واحد وصفة لبسه
(٥١٧/٢٧٨)، الترمذي : كتاب الصلاة ، باب : ما جاء في الصلاة في
الثوب الواحد (٣٣٩) النسائي : كتاب القبلة ، باب : الصلاة في الثوب الواحد
(٢/ ٧١)، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب : الصلاة في الثوب الذي يجامع
فيه (٥٤١) .
- ١٥٥ -

ابن عمر بن مخزوم ، يكنى أبا حفص ، رَبيب النبي - عليه السلام -
أمّه: أم سلمة بنت أميّة بن المغيرة زوج النبي - عليه السلام - ، مات النبي
- عليه السلام - وهو ابن تسع سنين، رُوِيَ له عن رسول الله ◌َ لِّ اثنا
عشر حديثاً ؛ اتفقا على حديثين . روى عنه : أبو أمامة بن سَهْل ،
وسعيد بن المسيّب ، وعروة بن الزبير ، ووهب بن كيسان . توفي في
خلافة عبد الملك بن مروان سنة ثلاث وثمانين ، وقيل : كان مولده في
السنة الثانية من الهجرة بأرض الحبشة . روى له الجماعة (١) .
قوله: ((مُكتحفاً مُخالفاً)) حالان من الضمير الذي في ((فصلى)) إما من
الأحوال المتداخلة أو المترادفة ، وفي رواية لمسلم: (( مشتملاً به ، واضعاً
طرفيه على عاتقيه))، وفي حديث جابر: ((متوشحاً به)) المشتمل
والمتوشح والمخالف بين طرفيه معناها واحدٌ هنا ، ولفظ البخاريّ عن عمر
ابن أبي سلمة أن النبي - عليه السلام - صلى في ثوب واحد قد خالف
بين طرفيه ، وفي لفظ : في بَيْت أم سلمة ألقى طرفيه على عاتقيه ، وفي
لفظ : واضعاً طرفيه على عاتقيه . ويستفاد من الحديث : جواز الصلاة في
ثوب واحد . وأخرجه الترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه .
[٢١٤/١-١]
/ ٦١٠ - ص - نا مسدّد: نا ملازم بن عمرو الحنفي: نا عبد الله بن بَدْر،
عن قَيْس بن طَلْق ، عن أبيه قال : قدمْنا على نبي الله - عليه السلام - فجاء
رجل فقال : يا نبي الله ؛ ما ترى في الصلاة في الثوب الواحد ؟ قال : فأطلقَ
رسولُ الله إزارَه طارَقَ له (٢) رداءه ، فاشتملَ بهما، ثم قام فصلى بنا نبي الله،
فلما أن قضى الصَّلاة قال: ((أو كلكُم يجدُ ثوبَيْن؟)) (٣).
ش - مُلازم بن عمرو : ابن عبد الله بن بدر بن قيس بن طلق بن سنان
الحنفي ؛ قد ذكرناه ، وعبد الله بن بدر : ابن عُميرة بن الحارث بن سمرة
(١) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (٤٧٤/٢)، وأسد الغابة
(٤/ ١٨٣)، والإصابة (٥١٩/٢).
(٢) في سنن أبي داود: (( به)).
(٣) تفرد به أبو داود .
- ١٥٦ -

الحنفي اليمامي ، وقيْس بْن طلق : ابن علي بن شيبان الحنفي ، وطلق بن
علي الصحابيّ ، وقد ذكرناهم مرةً .
قوله: (( فأطلق رسول الله إزاره)» أي : أرسلها .
قوله: ((طارَقَ له رداءه)) من قولهم : طارق الرجل بين الثوبين إذا ظاهر
بينهما ، أي : لبسَ أحدهما على الآخر ، وطارق بين نعلين أي : خصف
أحدهما فوق الأخرى ؛ ومحلّها النصب على الحال بتقدير : قدْ ، أي :
أطلقَ إزاره قد طارقَ له رداءه. وفي رواية أبي بكر بن أبي شيبة: ((فأطلق
النبي - عليه السلام - إزارَه ، فَطارقَ به رداءه ، ثم اشتمل بهما ))
الحديث، فيكون قوله: ((فطارق)) بالفاء عطفاً على قوله: ((فأطلَق)).
قوله : ((فاشتمل بهما)) أي: بالإزار والرداء؛ والاشتمالُ: التلفّفُ.
قوله: ((أو كلكم يجدُ ثوبَيْن)) لفظة استخبار ، ومعناه : إخبارهم عن
ضيق حالهم وتقريرها عندهم ، وفي ضمنه الفتوى من طريق الفحوى ،
ثم استقصر عليهم واستزاد فهمهم فكأنه قال : إذا كان ستر العورة واجباً
والصلاة لازمةً ، وليس لكل واحد ثوبان ، فكيف لم تعلموا أن الصلاة
في الثوب الواحد جائزة ؟!
٧٢ - بَابُ: الرَّجُل يَعْقدُ الثوب في قفاه ثم يصلي
أي : هذا بابٌ في بيان الرجل يعقد الثوب في قفاه ثم يُصلي ، وفي
بعض النُّسخ: ((باب ما جاء في الرجل )) .
٦١١ - ص - نا محمد بن سليمان الأنباري : نا و کیع ، عن سفيان ، عن
أبي حازم ، عن سهل بن سعد قال : لقد رأیتُ الرجال عاقدي أُزْرهم في
أَعْناقهم من ضيق الأزر خلف رسول الله - عليه السلام - في الصلاة (١)
کأمثال الصبيان ، فقال قائلٌ : یا معشر النساء ، لا ترفعن رءوسکنّ حتی یرفع
الرجالُ (٢).
(١) قوله: (( في الصلاة )) غير موجود في سنن أبي داود .
(٢) البخاري : كتاب الأذان ، باب : عقد الثياب وشدها ، ومَن ضم إليه ثوبه إذا=
- ١٥٧ -

ش - سفيان : الثوري ، وأبو حازم : سلمة بن دينار .
قوله: (( عاقدي أزرهم)) أصله : عاقدين أزرهم ، سقطت النون
بالإضافة ونصبه على الحال؛ لأن ((رأيتُ)) بمعنى أبصرتُ فلا يتعدى إلا(١)
إلى مفعول واحد . والأُزر - بضم الهمزة ، وسكون الزاي - جمع إزار؛
والإزار يذكر ويؤنث ، وجمعه للقلة : آزرة ، وللكثرة : أُزْر ، كحمار
وأَحْمرة وحُمْرٍ .
قوله: ((كأمثال الصبيان))، وفي رواية البخاري: ((كهيئة الصبيان)).
وقال السَّفَاقُسي : لو كان لهم غيرها ما احتيج إلي نهي النساء عن رفع
رءوسهن حتى يجلسَ الرجالُ ، وقال : لا خلاف بين العلماء أن المصلي
إذا تقلّص مئزره ، أو کشفت الريح ثوبه وظهرت عورته ، ثم رجع الثوب
في حينه وفوره ، أنه لا يضر ذلك المصلي شيئاً ، وكذلك المأموم إذا رأى
من العورة مثل ذلك ، إنما يحرم النظر مع العمد ، ولا يحرم النظر فجأة،
فإذا صحت صلاة الإمام ، فأحرى أن تصح صلاة المأموم . وقال ابن
القاسم : إن فرط في ردّ إزاره فصلاته وصلاة من تأمّل عورته باطلة .
وعن سحنون : إن رفع الریح ثوب الإمام فانکشف عن دبره فأخذه مكانه،
أجزأه ويُعيد كل مَنْ نظر إلى عورته ممن خلفه، ولا شيء على من لم ينظر
وروي عنه : إن صلاته وصلاة من خلفه فاسدة وإن أخذه مكانه . وعن
الشافعي : لو انكشف شيء من العورة في الصلاة بطلت صلاته ، ولا
يعفى عن شيء منها ولو شعرة من رأس الحرة أو ظفرها . وعند أحمد :
يعفى عن القليل ولم يحدّه . وعند أصحابنا : الانكشاف القليل لا يمنع ،
وكذا الكثير في الزمن القليل، وهو أن لا يؤدي فيه ركناً من أركان الصلاة،
حتى لو انكشفت عورته في الصلاة فغطاها في الحال لا تفسد صلاته ،
= خاف أن تنكشف عورته (٨١٤)، مسلم : كتاب الصلاة ، باب : آخر النساء
المصليات وراء الرجال أن لا يرفعن رءوسهن من السجود حتى يرفع الرجال
(٤٤١/١٣٣)، النسائي: كتاب القبلة، باب: الصلاة في الإزار (٢/ ٧٠).
(١) في الأصل: ((إلى)).
- ١٥٨ -

وإذا أدى به ركناً فسدت ، ولا يصح شروعه في الصلاة مع الانكشاف .
وذكر ابن شجاع : أن من نظر في زيقه فرأى فرجه لم تصح صلاته ،
وعامة أصحابنا جعلوا السَتر شرطاً عن غيره لا عن نفسه ؛ لأنها ليست
عورة في حق نفسه . ويقول ابن شجاع : قال الشافعي ، وأحمد .
والحديث : أخرجه البخاري ، ومسلم ، والنسائي .
/ ٧٣ - بَابٌ: في الرَّجُل يُصَلّي في ثَوْبٍ بَعْضُهُ عَلَى غَيْرِه
[٢١٤/١ -ب]
أي : هذا باب في بيان الرجل الذي يصلي في ثوبٍ والحال أن بَعْضه
على غيره .
وقوله: ((بعضه)) مبتدأ، وخبره: ((على غيره))، ومحلّه من الإعراب
يجوز أن يكون جرا على أنه صفة لقَوْبٍ ، ويجوز أن يكون نصباً على أنه
حال بترك الواو من قبيل : كلمتُه فوه إلى فيَّ. وفي بعض النسخ: (( باب
ما جاء في الرجل يصلي في ثوب واحدٍ بعضُهُ على غيره)) (١).
٦١٢ - ص - نا أبو الوليد الطيالسي: نا زائدة، عن أبي حَصِين، عن
أبي صالح، عن عائشة أن النبي - عليه السلام - صلى في ثوب واحد بَعْضُهُ
عليّ (٢).
ش - زائدة : ابن قدامة ، وأبو حَصِين - بفتح الحاء - عثمان بن عاصم
الأسدي ، وأبو صالح : السمان .
قوله : ((بعضُهُ)) أي: بعض الثوب ((عَلَيَّ)). وهذه الجملة محلها
الجرّ؛ لأنها وقعت صفةً للثوب ، ويجوز أن تكون حالاً بترك الواو كما
ذكرنا الآن . وفيه دليل على جواز الصلاة في ثوب بعضُهُ عليه وبعضُهُ على
المرأة ، ما لم تكن المرأة مشاركة معه في الصلاة ، وعلى غير المرأة -أيضاً-
سواء كان مشاركاً معه في الصلاة أو لم يكن ، وسواء كانت المرأة
(٢) تفرد به أبو داود .
(١) كما في سنن أبي داود .
- ١٥٩ -

حائضاً أو جنباً أو طاهرة ؛ لما رُوِيَ عن عائشة - رضي الله عنها - : كان
النبي - عليه السلام - يُصلي من الليل وأنا إلى جَنْبه ، وأنا حائضٌ وعَلَيَّ
مِرْطٌ وعليه بَعْضُهُ إلى جَنْبه .
٧٤ - بَابُ : الرَّجل يُصلِّي في قميصٍ واحد
أي : هذا باب في بيان الرجل يصلي في قميص واحد ، وفي بعض
النسخ: (( باب ما جاء في الرجل يُصلي في قميص واحد )).
٦١٣ - ص - نا القعنبي : نا عبد العزيز - يعني : ابن محمد - ، عن
مُوسى بن إبراهيم ، عن سلمة بن الأكوع قال : قلت : يا رسول الله ، إني
رجل أَصيدُ أَفأُصلّي في القميص الواحد ؟ قال: (( نعم ، وازرُرْه ولو
بشوكة)) (١)
ش - عبد العزيز : ابن محمد الدراوردي .
وموسى بن إبراهيم : ابن [ عبد الرحمن بن ] عبد الله بن أبي ربيعة بن
عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومي القرشي . سمع : أباه ، وسلمة بن
الأكوع . روى عنه : عطاف بن خالد ، والدراوردي ، وعبد الرحمن بن
أبي الموالي (٢). روى له: أبو داود، والنسائي (٣).
قوله: ((أَفأُصلِّي)) الهمزة فيه للاستفهام ، فلذلك قال في جوابه :
(نعم)) أي : صَلِّ .
قوله : ((وازْرُرْه )) أمرٌ من زَرّ يَزْرّ ، من باب نصر ينصر ، ويجوز فيه :
((زُرَّ)) من حيث القاعدة بالحركات الثلاث في الراء كمُدّ، وبالفكِّ يكون
فيه أربعة أحوال ؛ وإنما أَمره بالزَّرِّ ليأمن من وقوع النظر على عورته من
(١) النسائي: كتاب القبلة، باب: الصلاة في قميص واحد (٢/ ٧٠).
(٢) كذا، وفي تهذيب الكمال: ((الَّوَال)).
(٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٦٢٣٣/٢٩).
- ١٦٠ -