النص المفهرس

صفحات 121-140

وحُصَيْن : ابن عبد الرحمن بن [ عمرو بن ] سَعْد بن معاذ بن النعمان
الأنصاري الأشهلي المدني . روى عن : محمود بن عَمرو، وعبد الرحمن
ابن ثابت ، ومحمود (١) بن لبيد . روى عنه : محمد بن إسحاق ،
وعتبة بن جُبيرة المدني . وقال ابن سَعْد : ويكنى أبا محمد ، وكان قليل
الحديث . توفي سنة ست وعشرين ومائة (٢).
وهذا الحديث وأمثاله كما قلنا منسوخ ؛ لأن آخر ما صلّى عليه السلام
صلى قاعداً والناس خلفه قيام ؛ وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من فعله عليه
السلام ؛ قاله الحميدي . وابن حبان لم يَر بالنسخ ؛ فإنه قال بعد أن روى
حديث عائشة المذكور : وفي هذا الخبر بيان واضح أن الإمام إذا صلى
قاعداً كان على المأمومين أن يصلوا قعوداً ، وأفتى به من الصحابة : جابر
ابن عبد الله ، وأبو هريرة ، وأُسيد بن حضير ، وقيْس بن قَهْد ، ولم يُرْو
عن غيرهم من الصحابة خلاف هذا بإسناد متصل ولا منقطع فكان
إجماعاً، والإجماعُ عندنا إجماع الصحابة ، وقد أفتى به من التابعين :
جابرُ بن زيد ؛ ولم يُرْو عن غيره من التابعين خلافه بإسناد صحيح ولا
وَه، فكان إجماعاً من التابعين - أيضاً - وأولُ من أبطل ذلك في الأمة :
المُغيرة بن مقسم ، وأخذ عنه : حماد بن أبي سليمان ، ثم أخذه عن
حماد: أبو حنيفة ، ثم عنه : أصحابه ، وأعلى حديث احتجوا به :
حديثٌ رواه جابر الجُعْفيَّ، عن الشعبي قال عليه السلام: (( لا يؤمنّ أحد
بعدي جالساً))؛ وهذا لو صح إسنادُه لكان مُرْسلاً، والمُرْسل عندنا وما
لم يُرْو سيّان ؛ لأنا لو قبلنا إرسال تابعيّ وإن كان ثقةً للزمنا قبول مثله عن
أتباع التابعين ، وإذا قبلنا لزِمَنَا قبوله من أتباع أَتْباع (٣) التابعين ، ويؤدي
ذلك إلى أن نقبل من كل أحد إذا قال: قال رسول الله وَطير؛ وفي هذا
نقض الشريعة . والعجب أن أبا حنيفة يَجْرحُ جابراً الجُعفيَّ ويكذّبه ، ثم
لما اضطره الأمرُ جعل يحتجّ بحديثه ، وذلك كما أخبرنا به الحسين بن
(١) في الأصل: ((محمد)) خطأ.
(٣) كتب فوقها: ((صح)).
(٢) المصدر السابق (١٣٥٧/٦).
- ١٢١ -

عبد الله بن يزيد القطان بالرقة : ثنا أحمد بن أبي الحوراء : سمعت
أبا يحيى الحُماني : سمعت أبا حنيفة يقولُ : ما رأيْتُ فيمن لقيتُ أفضل
من عطاء ، ولا لقيتُ فيمن لقيت أكذبَ من جابر الجُعْفي ؛ ما أتيته بشيءٍ
من رأى قط إلا جاءني فيه بحديثٍ .
قلتُ : أما إنكاره النسخ : فليس له وَجْه ؛ وقد ذكرنا وجهه مستوفّی .
وأما قوله: (( أفتى به من الصحابة: جابر وغيره))، فقد قال الشافعي:
إنهم لم يبلغهم النسخ ، وعِلمُ الخاصّة يُوجد عند بَعْضٍ ويَغرب عن بعضٍ .
انتهى ، وكذا مَنْ أفتى به من التابعين لم يبلغه خبر النسخ ، وأفتى بظاهر
الحديث المنسوخ ، وأما قوله: ((والإجماع عندنا إجماع الصحابة )) فغير
مُسلم ؛ لأن الأدلة غير فارقة بين أهل عصرٍ ؛ بل هي تتناول لأهل كل
عصرٍ كتناولها لأهل عصر الصحابة ؛ إذ لو كانت خطاباً للموجودين وقت
النزول فقط يلزم أن لا ينعقد إجماع الصحابة بعد مَوْت من كان موجوداً
وقت النزول ؛ لأنه ح (١) لا يكون إجماعهم إجماع جميع المخاطبين وقت
النزول ، ويلزم أن لا يعتد بخلاف من أسْلم ، أو ولد من الصحابة بعد
[٢٠٧/١-ب] النزول ، لكونهم خارجين عن الخطاب ، / وقد اتفقتم معنا على إجماع
هؤلاء فلا يختص بالمخاطبين ، والخطاب لا يختص بالموجودين كالخطاب
بسائر التكاليف . وهذا الذي قاله ابن حبان هو مذهب داود وأتباعه .
وأما قوله: ((والمرسل عندنا وما لم يُرْو سيّان)) إلى آخره فغير مُسلم
-أيضاً - لأن إرسال العدل من الأئمّة تعديل له ، إذ لو كان غير عدل
لوجب عليه التنبيه على جرحه ، والإخبار عن حاله ، فالسكوت بعد
الرواية عنه يكون تلبيساً أو تحميلاً للناس على العمل بما ليس بحجّة ،
والعدل لا يتهم بمثل ذلك ، فیکون إرساله توثيقاً له ؛ لأنه يحتمل أنه كان
مشهوراً عنده فروي عنه بناء على ظاهر حاله ، وفوض تعريف حاله إلى
السامع حيث ذكر اسمه ، وقد استدل بعض أصحابنا لقبول المرسل باتفاق
(١) أي: ((حينئذ)).
- ١٢٢ -

الصحابة ، فإنهم اتفقوا على قبول روايات ابن عباس - رضي الله عنه -
مع أنه لم يسمع من النبي - عليه السلام - إلا أربع أحاديث لصغر سنه
- كما ذكره الغزالي - أو بضع عشر حديثاً - كما ذكره شمس الأئمة
السرخسي . وقال ابن سيرين : ما كنا نُسند الحديث إلى أن وقعت الفتنة.
وقال بعضهم : ردّ المراسيل بدعة حادثة بعد المائتين ، والشعبي والنخعي
من أهل الكوفة وأبو العالية والحسن من أهل البصرة ومكحول من أهل
الشام كانوا يُرْسلون ولا يظن إلا الصدق ، فدل على كون المرسل حجةً ،
نعم وقع الاختلاف في مراسيل من دون القرن الثاني والثالث ؛ فعند
أبي الحسن الكرخي : نقبل إرسال كل عدل في كل عصرٍ ؛ لأن العلة
الموجبة لقبول المراسيل في القرون الثلاثة وهي العدالة والضبط يَشْمل سائر
القرون، فبهذا التقرير انتقض قوله: ((وفي هذا نقض الشريعة)).
وأما قوله: ((والعجب من أبي حنيفة )) إلى آخره ، فكلامٌ فيه مجرد
تشنيع بدون دليل جليٌّ ؛ فإن أبا حنيفة من أين احتج بحديث جابر الجُعْفي
في كونه ناسخاً ؟ ومَنْ نقلَ هذا من الثقات عن أبي حنيفة حتى يكون
مُتناقضاً في قوله وفعله ؟ بل احتج أبو حنيفة في نسخ هذا الباب بمثل ما
احتج به غيره كالشافعي والثوري وأبي ثور وجمهور السلف - كما مر
مستوفّی .
ص - قال أبو داود : هذا الحديث ليس بمتصل .
ش - أي : حديث حُصَين ؛ لأنه يَرْوى عن التابعين ، لا يحفظ له
رواية عن الصحابة ، سيما أُسيد بن حضير ؛ فإنه قديم الوفاة ، توفي سنة
عشرين ، وقيل : سنة إحدى وعشرين - كما ذكرناه - وحصين هذا توفي
سنة ست وعشرين ومائة - كما ذكرناه .
٦٣ - بَابُ الرَّجُلَيْنِ يَؤْمُّ أحدُهما صاحبه كيّفَ يقومَانِ ؟
أي : هذا باب في بيان الرجلين يؤم أحدهما صاحبَه كيف يقومان ؟
- ١٢٣ -

وفي بعض النسخ: ((يؤم أحدهما الآخر))، وفي بعضها: (( باب ما جاء
في الرجلين )).
٥٨٩ - ص - نا موسى بن إسماعيل : نا حماد : أنا ثابت ، عن أنس أن
رسول الله وَ﴾ دخل على أم حَرامِ فأتوه بسَمْن وتمر فقالَ: «رُدّوا هذا في
وعائه وهذا في سقائه فإني صائمٌ ))، ثم قام فصلى بنا ركعتين تطوعاً،
فقامت أم سُليم وأمّ حرام خلفنا . قال ثابت : ولا أعلمه إلا قال : أقامني عن
يمينه على بساط (١) .
ش - حماد : ابن سلمة ، وثابت : البناني .
وأم حرام أخت أم سليم بنت ملحان ، ويقال : اسمها : الغُميصاء .
وقال أبو عمر النمري: لا أقف لها على اسم صحيح. وفي (( الكمال)):
أم حرام بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم
ابن مالك بن النجار ، يقال : اسمها : الرميصاء ، ويُقال : الغُميصاء .
روى عنها : أنس بن مالك ، وعطاء بن يسار ، ويعلى بن شداد . روى
لها : البخاري ، ومسلم ، وأبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه (٢).
وأم سليم بنت ملحان المذكور [ ة] ، وهي أم أنس بن مالك ، اسمها:
سُهَيْلة ؛ وقد ذكرناها ، ويقال اسم ملحان : مالك .
قوله : (( هذا في وعائه )) أي : ردّوا التمر في ظرفه.
قوله: (( وهذا في سقائه)) أي : ردوا السمن في سقائه؛ السِّقاء - بكسر
السين - ظرف من الجلد يجعل فيه الماء واللبن ونحوهما؛ والجمع: أَسْقية.
قوله: ((قال ثابت)) أي: ثابت البناني، ((ولا أعلمه)) أي: ولا أعلم
أنساً (( إلا قال : أقامني رسول الله عن يمينه على بساط)) .
ويُستفاد من / الحديث فوائد ؛ الأولى : جواز دخول الرجل في بَيْت
صاحبه ومَن بَيْنه وبينه انبساط .
[٢٠٨/١-١]
(١) تفرد به أبو داود .
(٢) انظر ترجمتها في : تهذيب الكمال (٧٩٦٢/٣٥) .
- ١٢٤ -

الثانيةُ : استحباب تقديم الطعام لمن ينزل عنده .
الثالثة : جواز ترك الإفطار إذا كان صائماً ، إلا إذا كان مَدْعوا فح (١)
الإفطار أفضل .
الرابعة : جواز الجماعة في التطوع .
الخامسة : أن السُّنَّة فيمن يُصلِّي إماماً للرجال والنساء يجعل النساء وراء
الرجال ، فإن كان الرجل واحداً يُوقفُه على يمينه متساوياً ، فإن كان اثنان
غيره يتقدّم عليهما كما يجيء إن شاء الله تعالى .
٥٩٠ - ص - نا حَفْصُ بن عمر : نا شعبة ، عن عبد الله بن المختار ، عن
موسى بن أنس يُحدث عن أنس أن رسولَ الله - عليه السلام - أمَّه وامرأةٌ
منهم فجعله عن يمينه والمرأة خلف ذلك (٢).
ش - حفص بن عمر : النمري البصري .
وعبد الله بن المختار : البصري . روى عن : موسى بن أنس ،
والحسن البصري ، وابن سيرين ، وغيرهم . روى عنه : شعبة وغيره .
قال ابن معين : ثقة . وقال أبو حاتم : لا بأس به . روى له : مسلم ،
وأبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه (٣) .
وموسى بن أنس : ابن مالك الأنصاري قاضي البصرة ، سمع : أباه.
روى عنه : حميد الطويل ، ومكحول ، وابن عون ، وشعبة ، وغيرهم .
قال ابن سعد : كانت أمّه من أهل اليمن ، وكان ثقة قليل الحديث . روى
له : الجماعة (٤) .
(١) أي : فحينئذ .
(٢) مسلم : كتاب المساجد ومواضع الصلاة ، باب : جواز الجماعة في النافلة
والصلاة على حصير وخمرة وثوب وغيرها من الطاهرات (٢٦٩/ ٦٦٠) ،
النسائي : كتاب الإمامة ، باب : موقف الإمام إذا كان معه صبي وامرأة
(٨٦/٢)، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: الاثنان جماعة (٩٧٥).
(٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٣٥٥٦/١٦).
(٤) المصدر السابق (٦٢٣٧/٢٩) .
- ١٢٥ -

قوله : ((وامرأةً)) عطف على الضمير المنصوب في ((أمّه)).
قوله : ((والمرأةَ)) أي : جعل المرأةَ خلف ذلك . وأخرجه مسلم ،
والنسائي ، وابن ماجه .
٥٩١ - ص - نا مسدّد : نا يحيى ، عن عبد الملك بن أبي سليمان ، عن
عطاء ، عن ابن عباس قال : بتَّ في بيْت خالتي ميمونة فقام رسولُ الله منِ
الليل فأطلق القربةَ فتوضأ ثم أوكأ القربة ، ثم قام إلى الصلاة ، فقمت
فتوضأتُ کما توضأ ، ثم جئتُ فقمتُ عن يساره فأخذني بيمينه فأدارني من
ورائه، فأقامني عن يمينه فصليتُ معه (١).
ش - يحيى : القطان .
وعبد الملك بن أبي سليمان العَرْزمي (٢) أبو محمد أو أبو عبد الله
الكوفي ، واسم أبي سليمان : ميسرة ، نزل حارة عرزم (٢) بالكوفة
فنُسب إليها . روى عن : أنس بن مالك ، وعطاء ، وسعيد بن جبير ،
وغيرهم . روى عنه : الثوري ، وشعبة ، وابن المبارك ، ويحيى القطان ،
وغيرهم . قال أحمد : ثقة . قال ابن معين : ضعيف . مات سنة خمس
وأربعين ومائة . روى له : الجماعة إلا البخاريّ (٣).
وعطاء : ابن أبي رباح . وميمونة : بنت الحارث أخت أم ابن عباس
أم الفضل بنت الحارث .
قوله: ((فأَطْلق القربةَ)) أي: أرسلها بمعنى : حلّ شدّها .
(١) البخاري : كتاب الأذان ، باب : يقوم عن يمين الإمام بحذائه سواء إذا كانا
اثنين (٦٩٧) ، مسلم : كتاب صلاة المسافرين ، باب : الدعاء في صلاة الليل
وقيامه (٧٦٣) ، الترمذي : كتاب الصلاة ، باب : ما جاء في الرجل يصلي
ومعه رجل (٢٣٢) ، النسائي : كتاب الإمامة ، باب : الجماعة إذا كانوا اثنين
(١٠٤/٢)، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة والسُّنَّة فيها، باب: الاثنان
جماعة (٩٧٣) .
(٢) في الأصل: ((العزرمي - عزرم)) خطأ .
(٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٣٥٣٢/١٨).
- ١٢٦ -

قوله : (( ثم أَوْكأ القربة)) أي : شدّ رأسها بالوكاء ؛ وهو الخيط الذي
تشدّ به القربة والكيس ونحوهما ؛ يُقال : أوكيتُ السقاء أُوکیه إیکاءً فهو
موگی .
ويُستفاد من الحديث فوائد ؛ الأولى : جواز مبيت الرجل عند محارمه
مع الزوج ، وقيل : إن ابن عباس - رضي الله عنه - تحرى وقتاً لذلك لا
يكون فيه ضرر بالنبي - عليه السلام - ، وهو وقت الحيض ، وقيل : إنه
بات عندها لينظر إلى صلاة رسول الله - عليه السلام - .
الثانية : جواز الائتمام بمنْ لم ينو الإمامة .
الثالثة : أن الصبيّ له موقف في الصف مع الإمام .
الرابعة : أن موقف المأموم الواحد مع الإمام يمين الإمام .
الخامسة : أن العمل اليَسيرَ في الصلاة لا يُبْطلها .
السادسة : جواز الجماعة في التطوع .
السابعة : استحباب القيام من الليل . والحديث : أخرجه الستة مُطولاً
ومختصراً .
٥٩٢ - ص - نا عمرو بن عون: ناهُشيم، عن أبي بِشْر، عن سعيد بن
جُبير، عن ابن عباس في هذه القصّة قال : فأخذ برأسي أو بذؤابتي، فأقامني
عن يمينه (١) .
ش - عمرو بن عون : أبو عثمان الواسطي البزاز ، وهُشيم : ابن بَشير
السِّلَمي الواسطي ، وأبو بِشر : جَعْفر بن أبي وَحْشيّة .
قوله: ((في هذه القصة)) أي : القصة المذكورة .
قوله: ((أو بذؤابتي)) شك من الراوي ؛ والذؤابة - بضم الذال
المعجمة- من الشعر ، وهو مهموز العين ، وجمعها : ذوائب ، فافهم .
(١) البخاري : كتاب اللباس ، باب: الذوائب (٥٩١٩).
- ١٢٧ -

٦٤ - بَابٌ: إذا كانوا ثلاثة كيف يقومون ؟
أي : هذا باب في بيان ما إذا كان المصلون ثلاثة أنفس كيف يقومون
في الصلاة ؟
٥٩٣ - ص - نا القعنبي ، عن مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن
[٢٠٨/١ -ب] أبي طلحة، عن أنس / بن مالك أن جدته: مليكة دعَتْ رسولَ الله وَلّ لطعام
صنعتْه فأكل منه، ثم قال: (( قوموا فلأُصليّ لكم)) قال أنسٌ: فقمتُ إلىَ
حَصير لنا قد اسودّ من طول ما لبسَ ، فنضحتُه بماء فقام عليه رسولُ الله ،
فصفَفَتُ (١) أنا واليتيم وراءه والعجوز من ورائنا، فصلى لنا ركعتين ثم
انصرف (٢) .
ش - مالك : ابن أنس ، وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة : زيد بن
سَهْل الأنصاري .
قوله: ((أن جدته مليكة)) الضمير في ((جدته)) يَرْجع على إسحاق
المذكور ، وهي جدّة إسحاق أم أبيه عبد الله بن أبي طلحة ، وهي أم سليم
بنت ملحان زوج أبي طلحة الأنصاري ، وهي أم أنس بن مالك ، ويقال :
الضمير يرجع على أنس، وهو القائل: (( أن جدته )) وهي جدّة أنس بن
مالك أم أمّه ، واسمها : مُليكة بنت مالك بن عدي ، ويؤيد الوجه الأول
أن في بعْض طرق الحديث: (( أن أم سُليم سألت رسول الله - عليه
السلام - أن يأتيها )) أخرجه النسائي عن يحيى بن سعيد ، عن إسحاق بن
عبد الله فذكره ، وأم سُليم هي أم أنس ، جاء ذلك مصرّحاً في البخاريّ.
وقال النووي في ((الخلاصة)): الضمير في جدته لإسحاق على الصحيح،
(١) في سنن أبي داود: ((وصففت)).
(٢) البخاري: كتاب الصلاة، باب: الصلاة على الحصير (٣٨٠)، مسلم :
كتاب المساجد ومواضع الصلاة ، باب : جواز الجماعة في النافلة والصلاة على
حصيرة وخمرة وثوب وغيرهما من الطاهرات (٦٥٨) ، الترمذي : كتاب
الصلاة ، باب : ما جاء في الرجل يصلي ومعه الرجال والنساء (٢٣٤) ،
النسائي : كتاب الإمامة ، باب: إذا كانوا ثلاثة وامرأة (٨٦/٢).
- ١٢٨ -

وهي أم إسحاق ، وجدّة إسحاق ، وقيل : جدّة أنس ؛ وهو باطل ،
وهي أم سليم صرّح به في رواية للبخاري . ومليكة - بضم الميم وفتح
اللام - ، وبَعض الرواة رواه بفتح الميم وكسر اللام ؛ والأول أصح .
قوله: ((لطعام)) أي : لأجل طعام.
قوله: (( فأكل منه)) فيه حذف ، أي : فأجاب دعوته فجاء فأكل منه .
قوله: (( من طول ما لُبس)) أي: من كثرة ما استُعْمل . وقال الشيخ
تقي الدين : دل ذلك أن الافتراش يطلق عليه لباس ، ورتب على ذلك
مسألتان ؛ أحدهما : لو حلف لا يلبس ثوباً ولم يكن له نية فافترشه أنه
يحنث ، والثانية : أن افتراش الحرير حرام ؛ لأنه كاللُّبْس .
قلت : أما الأولى فإنما يحنث فيه ؛ لأن مبنى اليمين على العُرْف ، وأما
الثانية : فليْس الافتراش كاللُّبْس ؛ لأن بجواز الافتراش قد جاء الحديث .
قوله: ((فنضحته)) إن كان لنجاسة متيقنة يكون النضح هاهنا بمعنى
الغَسْل ، وإن كان لتوقع نجاسة لامتهانه بطول افتراشه يكون النضح بمعنى
الرش لتطبيب النفس ، ويقال : إن كان النضح ليلين الحصير للصلاة يكون
بمعنى الرش ، وإن كان لوَضَر الدَّوْس والأَقْدام يكون بمعنى الغَسْلِ .
قوله: ((فصففت أنا واليتيم وراءه)) فيه حجة لجمهور الأمة في أن موقف
الاثنين وراء الإمام ، وكان بعض المتقدمين رأى أن يكون موقف أحدهما
عن يمينه والآخر عن يساره ، وقوله : (( واليتيم )) عطف على ما قبله ؛
وإنما ذكر (( أنا)) لأن العطف على الضمير المرفوع المتصل لا يجوز إلا بعد
الضمير المرفوع المنفصل ، حتى لا يتوهم عطف الاسم على الفعل ، وقد
ذكرناه غير مرة، و((العجوز)) عطف على ((اليتيم))، واسم اليتيم:
ضميرة بن سَعْد الحميري ، جدّ حسين بن عبد الله بن ضُميرة .
قوله: ((ثم انصرف)) أي : عن البَيْت، وهذا هو الأقرب ، ويحتمل
أنه أراد الانصراف من الصلاة ، إما على رأي أبي حنيفة بناء على أن السلام
٩• شرح سنن أبي داوود ٣
- ١٢٩ -

لا يدخل تحت مُسمى الركعتين ، وإما على رأي غيره فيكون الانصراف
عبارة عن التحلّل الذي يَسْتعقب السلام .
ويُستفاد من الحديث فوائد ؛ الأولى : فيه استحباب التواضع وحسن
الخلق .
الثانية : إجابة دَعْوة الداعي .
الثالثة : فيه دليل على إجابة أولي الفضل لمن دعاهم لغير الوليمة .
الرابعة : استحباب الصلاة للتعليم ، أو لحصول البركة .
الخامسة : فيه بيان موقف الاثنين وراء الإمام لما ذكرنا .
السادسة : فيه دليل على أن للصبي موقفاً في الصف .
السابعة : فيه دليل على أن موقف المرأة وراء موقف الصبيّ .
الثامنة : فيه دليل على جواز الاجتماع في النوافل خلف الإمام .
التاسعة : فيه دليل على أن صلاة الصبي (١) صحيحة معتدّ بها .
العاشرة : عدم كراهة الصلاة على الحصير ونحوه . والحديث : أخرجه
البخاري ، ومسلم ، والترمذي ، والنسائي .
[٢٠٩/١-١]
٥٩٤ - ص - نا عثمان بن أبي شيبة / : نا محمد بن فضيل ، عن هارون
ابن عنترة ، عن عبد الرحمن بن الأسود ، عن أبيه قال : استأذن علقمة
والأَسْودُ على عبد الله وقد كُنَا أَطَلْنا القعود على بابه ، فخرجت الجاريةُ
فاستأذنت لهما فأذن لهما ، ثم قام فصلى بَيِّني وبَيْنه ، ثم قال: هكذا رأيتُ
رسول الله فعَلَ (٢).
ش - محمد بن فضيل : ابن غزوان الكوفي .
وهارون بن عَنْترة : الشيباني الكوفي ، أبو عبد الرحمن . روى عن :
(١) في الأصل: ((صبي الصلاة)) .
(٢) النسائي: كتاب الإمامة، باب: موقف الإمام إذا كانوا ثلاثة (٨٤/٢).
- ١٣٠ -

أبيه ، وعبد الرحمن بن الأسود . روى عنه : عمرو بن مُرّة ، والثوري ،
ومحمد بن فضيل ، وغيرهم . قال أحمد وابن معين : ثقة . وقال
أبو حاتم : لا بأس به مستقيم الحديث . وقال الدارقطني : متروك يكذب.
روى له : أبو داود ، والنسائي (١) .
وعبد الرحمن بن الأسود : ابن يزيد أبو بكر الكوفي . وأُبُوه : الأَسْودُ
ابن يزيد بن قيس بن عبد الله بن مالك أبو عبد الرحمن ؛ وقد ذكرناهما .
وعلقمة : ابن قَيْس النخعي الكوفي عم الأَسْود ، وعبد الله : ابن مسعود
الصحابيّ - رضي الله عنه .
ويُستفاد من هذا الحديث : أن الإمام إذا كان معه اثنان يتساوى بهما ولا
يتقدم عليهما ؛ وبه استدل أبو يوسف في أن الإمام يتَوسّطهما ؛ والأصح :
قول الجمهور الأحاديث الصحيحة ، والجواب عن هذا : أنه محمول على
أنه دليل الإباحة . وقال أبو عُمر النمري : هذا الحديث لا يصح رفعه ،
والصحيح فيه عندهم : التوقيف على ابن مَسْعود ، أنه كذلك صلى بعلقمة
والأسود . وهذا الذي أشار إليه أبو عمر قد أخرجه مسلم في ((صحيحه ))
أن ابن مسعود صلى بعلقمة والأَسْود وهو موقوف . وقال بعضهم :
حديث ابن مسعود منسوخ ؛ لأنه إنما يعلم هذه الصلاة من النبي - عليه
السلام - وهو بمكة وفيها التطبيق ، وأحكام أُخَرُ هي الآن متروكة ، وهذا
الحكم من جملتها ، ولما قدم النبي - عليه السلام - المدينة تركوه .
٦٥ - بَابُ: الإمام ينحرف بعد التسليم
أي : هذا باب في بيان الإمام ينحرف بعد تسليمه ، وفي بعض النسخ :
((باب ما جاء في الإمام يَنْحرف بعد السّلام)).
٥٩٥ - ص - نا مسدّد : نا يحيى ، عن سفيان : حدثني يعلى بن عطاء،
(١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٦٥٢١/٣٠) .
- ١٣١ -

عن جابر بن يزيد بن الأَسْود ، عن أبيه قال : صَلّيتُ خلف النبي - عليه
السلام - فكان إذا انصَرف انْحرف (١).
ش - يحيى : القطان ، وسفيان : الثوري ، ويعلى بن عطاء : القرشي
الطائفي ، وجابر وأبوه : يزيد الصحابي ذكرناهما .
قوله : ((إذا انصرف انحرف)) يعني: إذا انصرف من الصلاة انحرفَ
واستقبل القوم ؛ والمراد من الانصراف : السّلامُ. وقد اختلف الفقهاء في
هذا الباب ؛ فقال أبو حنيفة : كل صلاة يتنفل بعدها يَقُوم ، وما لا يتنفل
بعدها كالعَصْر والصبح فلا ، وقال أبو محمد : يتنفل في الصلوات كلها
ليتحقق المأموم أنه لم يبق عليه من سجوده سهو ولا غيره . وقال مالك :
لا يثبت الإمام بعد سلامه . وقال أشهب : له أن يتنفل في موضعه ؛ أخذاً
بما رُوي عن القاسم بن محمد . قال ابن بطال : ولم أجده لغيره من
الفقهاء . وقال الشافعي : يستحب له أن يثبت ساعةً . وقال ابن بطال :
وأما مكث الإمام في مصلاه بعد السلام فكرهه أكثر الفقهاء إذا كان إماماً
راتباً ، إلا أن يكون مكثه لعلة كما فعل رسول الله ؛ وهو قول الشافعي ،
وأحمد . وقال مالك : يقوم ولا يقعد في الصلوات كلها إذا كان مسجد
جماعة ، فإن كان في سفر فإن شاء قام وإن شاء قعد . قال ابن خربوذ :
من غير أن يستقبل القِبلة. وفي ((المصنف)): حدَّثنا أبو الأحوص ، عن
أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص قال : كان عبد الله إذا قضى الصلاة
انفتل سريعاً ، فإما أن يقوم وإما أن ينحرف .
حدَّثنا هشيم ، عن منصور وخالد ، عن أنس بن سيرين ، عن ابن
عمر قال : كان الإمام إذا سلم قام ، وقال خالد : انحرف .
حدَّثنا أبو أسامة ، عن الأعمش ، عن أبي رزين قال : صليتُ خلف
عليّ فسلم عن يمينه وعن يساره ، ثم وثب كما هو .
(١) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في الرجل يصلي وحده ثم يدرك
الجماعة (٢١٩) ، النسائى: كتاب الإمامة، باب: إعادة الفجر مع الجماعة
لمن صلى وحده (١١٢/٢، ١١٣).
- ١٣٢ -

حدَّثنا علي بن مسْهر ، عن ليث ، عن مجاهد قال : قال عمر -رضي
الله عنه - : جلوس الإمام بعد التسليم بدعة .
حدَّثنا وكيع ، عن محمد بن قيس، عن أبي حصين قال: كان أبو عُبيدة
ابن الجراح إذا سلّم كأنه على الرضف حتى يقوم .
حدَّثنا أبو معاوية / ، عن عاصم ، عن عبيد الله بن الحارث ، عن [٢٠٩/١ -ب]
عائشة قالت : كان رسول الله - عليه السلام - إذا سلّم لم يقعد إلا مقدار
ما يقول: ((اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت ذا (١) الجلال
والإكرام )).
حدَّنا وكيع ، عن الربيع ، عن الحسن أنه كان إذا سلّم انحرف أو قام
سريعاً .
حدّثنا أبو داود ، عن زمعة ، عن ابن طاوس ، عن أبيه أنه كان إذا
سلم قام وذهب كما هو ولم يجلس .
حدّثنا وكيع ، عن الأعمش ، عن إبراهيم أنه كان إذا سلم انحرف
واستقبل القوم .
حدَّثْنا وكيع ، عن أبي عاصم الثقفي ، عن قيس بن مسلم ، عن طارق
ابن شهاب أن عليا لما انصرف استقبل القوم بوجهه .
وفي كتاب ابن شاهين من حديث سفيان ، عن سماك ، عن جابر :
كان النبي - عليه السلام - إذا صلى الغداة لم يبرح من مجلسه حتى تطلع
الشمس حسناً ، ومن حديث ابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس :
صليتُ مع النبي - عليه السلام - فكان ساعةَ يُسلّمِ يقومُ ، ثم صليت مع
أبي بكر فكان إذا سلم وثبَ من مكانه كأنه يقومُ عن رَضفة . قال ابن
شاهين : الحديث الأول عليه العمل في الصلاة التي لا يتنفل بعدها ،
والثاني في الذي بعده تنفل . وحديث جابر بن يزيد هذا : أخرجه ابن
أبي شيبة ، والترمذي ، والنسائي ، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
٥٩٦ - ص - نا محمد بن رافع : نا أبو أحمد الزبيري : نا مِسْعر ، عن
(١) كذا، وفي المصنف لابن أبي شيبة (٣٠٢/١): ((يا ذا الجلال والإكرام)).
- ١٣٣ -

ثابت بن عبيد ، عن عبيد بن البراء ، عن البراء قال : كنا إذا صلينا خلف
رسول الله أَحْبَيْنَا أَنْ نكُون عَنْ يَمِينه، فيُقْبِلُ علينا بوَجْهِهِ (١) .
ش - محمد بن رافع : القُشيري النيسابوري .
وأبو أحمد : محمد بن عبد الله بن الزبير بن عمر بن درهم الزبيري
الأسدي مولاهم الكوفي ، نُسب إلى جده ؛ وليس من ولد الزبير بن
العوام . سمع : مسعراً ، ومالك بن أنس ، وزهير بن معاوية، وغيرهم.
روى عنه : ابنه : طاهر ، وأحمد بن حنبل ، ومحمد بن رافع، وغيرهم.
قال ابن معين : ليس به بأس . وقال أبو زرعة : صدوق . وقال العجلي:
ثقة . مات سنة ثلاث ومائتين بالأهواز . روى له الجماعة (٢).
ومسعر : ابن كدام ، وثابت بن عبيد : الأنصاري الكوفي .
وعُبَيْد بن البراء : ابن عازب الأنصاري الحارثي الكوفي ، أخو يزيد(٣)
والربيع ولوط . روى عن : أبيه . روى عنه : ثابت بن عبيد ، ومحارب
ابن دثار . قال أحمد بن عبد الله : كوفي تابعي ثقة . روى له :
أبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه (٤) .
واختلف العلماء في الرجل إذا سلّم ، ينصرف عن يمينه أو عن يساره ؟
فقالت طائفة : ينصرف عن يمينه ؛ فاستدلوا بهذا الحديث ، وكذا روى
أبو بكر : نا وكيع ، عن سفيان ، عن السدي ، عن أنس أن النبي - عليه
السلام - كان ينصرف عن يمينه .
وقالت طائفة : ينصرف عن شماله ؛ لما روى أبو بكر : نا وكيع ، عن
(١) مسلم : كتاب صلاة المسافرين وقصرها ، باب : استحباب يمين الإمام
(٧٠٩/٦٢)، النسائي: كتاب الإمامة ، باب : المكان الذي يستحب من
الصف (٩٤/١)، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة ، باب : فضل ميمنة الصف
(١٠٠٦) .
(٢) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٥٣٤٣/٢٥).
(٣) في الأصل: ((زيد)) خطأ.
(٤) المصدر السابق (٣٧٠٥/١٩) .
- ١٣٤ -

سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن ناجية أن أبا عبيدة رأى رجلاً انصرف على
يَساره فقال : أما هذا فقد أصاب السُّنَّة .
وقالت طائفة : إن كانت حاجته عن يمينه ينصرف عن يمينه ، وإن كانت
عن شماله ينصرف عن شماله ؛ لما روى أبو بكر : نا الأحوص ، عن
أبي إسحاق ، عن الحارث ، عن عليّ - رضي الله عنه - قال : إذا
قضيت الصلاة وأنت تريد حاجةً ، فكانت حاجتك عن يمينك أو عن يسارك
فحد نحو حاجتك .
وحديث البراء : أخرجه النسائي ، وابن ماجه ، وفي حديث ابن ماجه:
عن ابن البراء ، عن أبيه ؛ ولم يُسمِّه .
٦٦ - بَابُ: الإِمَامِ يتطوّعُ في مكانه
أي : هذا باب في بيان أن الإمام هل يتطوع في المكان الذي صلّى فيه
الفرض أم لا؟ وفي بعض النسخ: ((باب ما جاء في الإمام)).
٥٩٧ - ص - نا أبو توبة الربيع بن نافع : نا عبد العزيز بن عبد الملك
القرشي : نا عطاء الخراساني ، عن المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله مِّن:
(( لا يُصلي الإمامُ في الموضع الذي صَلّی فیه حتى يتحول)) (١).
ش - أي : حتى ينتقل من الموضع الذي صلى فيه الفرض ، وعن هذا
قالت العلماء : المستحب للإمام أن يتنفل بعد الفَرْض في غير مَوْضع
الفرض . وقال أبو بكر : حدَّثنا شريك ، عن ميسرة بن المنهال ، عن
عمار بن عبد الله ، عن عليّ قال : إذا سلم الإمام لم يتطوع حتى يتحوّل
من مكانه أو يفصل بينهما بكلام .
حدَّثنا أبو خالد الأحمر ، عن حجاج ، عن أبي إسحاق ، عن
-
(١) ابن ماجه : كتاب إقامة الصلاة ، باب : ما جاء في صلاة النافلة حيث تصلى
المكتوبة (١٤٢٨) .
- ١٣٥ -

الشعبي، عن ابن عُمر ، أنه كره إذا صلى الإمام أن يتطوع في مكانه ،
ولم ير به لغير الإمام بأساً .
حدَّثنا أبو معاوية ، عن حجاج ، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد،
عن عبد الله بن عمرو ، أنه كره للإمام أن يصلي في مكانه الذي صلى فيه
[١/ ٢١٠-١] الفريضة. وكذا / بإسناده عن ابن أبي ليلى، وابن المسيّب ، والحسن،
وإبراهیم - رحمهم الله .
ص - قال أبو داود : عطاء الخراساني لم يدرك المغيرة بن شعبة .
ش - لأن عطاء الخراساني مولى المهلّب بن أبي صُفْرة ، ولد في السنة
التي مات فيها المغيرة بن شعبة ، وهي سنة خمسين من الهجرة على
المشهور ، أو يكون ولد قبل وفاته بسنة على القول الآخر .
٦٧ - بَابُ: الإمام يُحْدِثُ بَعْدَ ما يَرْفَعُ رأسَهَ (١)
أي : هذا باب في بيان حكم الإمام الذي يُحْدِث بعد ما يرفع رأسه من
آخر الركعة، وفي بعض النسخ: (( باب ما جاء في الإمام يُحدث بعد ما
يرفع رأسه من آخر ركعة )) .
٥٩٨ - ص - نا أحمد بن يونس : نا زهیر : نا عبد الرحمن بن زياد بن
أنعُم ، عن عبد الرحمن بن رافع ، وبكر بن سوادة ، عن عبد الله بن عمرو أن
رسول الله - عليه السلام - قال: ((إذا قضى الإمامُ الصلاةَ وقَعدَ فأَحْدث (٢)
قبل أن يتكلّم فقد تمت صلاته، ومَنْ كان خلفه ممن أتم الصلاة)) (٣)
ش - زُهير : ابن معاوية .
(١) في سنن أبي داود: (( ... رأسه من آخر ركعة))، وسيذكر المصنف أنها
نسخة .
(٢) سقطت كلمة ((فأحدث)) من سنن أبي داود .
(٣) الترمذي: كتاب الصلاة ، باب: ما جاء في الرجل يحدث في التشهد
(٤٠٨).
- ١٣٦ -

وعبد الرحمن بن رافع : التنوخي قاضي إفريقية ، يكنى أبا الجَهْم .
روى عن: عبد الله بن عمرو، وعقبة بن الحارث. روى عنه: عبد الرحمن
ابن زياد بن أنعم الإفريقي ، وسليمان بن عوسجة ، وغيرهم . قال
البخاريّ : في حديثه مناكير . توفي سنة ثلاث عشرة ومائة . روى له :
أبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه (١) .
وبكر بن سوادة : ابن ثمامة المصْري .
قوله : ((إذا قضى الإمامُ الصّلاةَ)) مَعْناه: إذا فرغ منها وقعد في آخرها ،
فأحدث قبل أن يتكلم ، فقد تمت صلاته ؛ لأنه لم يبق عليه شيء من
الفروض .
قوله : ((ومَنْ كان خلفه )) أي : وصلاة من كان خلفه - أيضاً - ممن أتم
الصلاة، والمرادُ منه: صلاة المدركين بخلاف المَسْبوقين؛ فإن حَدَثَ الإمامِ
يكون في أثناء صلاتهم فتفسدُ . وبهذا الحديث استدل أصحابنا أن المصلي
إذا سبقه الحدث بعد ما قعد قدر التشهّد ، لا يضر ذلك صلاته ، فيقوم
ويتوضأ ويُسلم ؛ لأنه لم يبق عليه إلا التسليم فيأتي به ، وإن تعمد الحدث
في هذه الحالة أو تكلّم ، أو عمل عملاً ينافي الصلاة تمت صلاته لأنه لم
يبق عليه شيء من الأركان ، وإن رأى المتيمم (٢) الماء ، أو كان ماسحاً
فانقضت مدة مسحه ، أو خلع خفيه بعمل يسيرٍ ، أو كان أمّيًا فتعلّم
سورةً، أو عرياناً فوجد ثوباً أو مُومِئاً قَدَرَ على الركوع والسجود ، أو تذكر
فائتةً عليه قبل هذه ، أو القارئ استخلف أُمِيا في هذه الحالة ، أو طلعت
الشمس في الفجر ، أو دخل وقت العصر في الجمعة ، أو كان ماسحاً
على الجبيرة فسقطت عن بُرءٍ ، أو كان صاحب عُذر فانقطع عذره
كالمستحاضة ومن بمعناها ، لم تبطل الصلاة في الكل عند أبي يوسف
ومحمد بهذا الحديث. وقال أبو حنيفة: تبطل في الكل؛ وذلك لأن الخروج
(١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٣٨١١/١٧).
(٢) في الأصل: (( التيمم)).
- ١٣٧ -

من الصلاة بصُنْعه فرض عنده ، ولم يُوجَدْ صُنْعه ، وفسروا ذلك : بأن
يَبْني على صلاته إما فرضاً ، أو نفلاً أو يضحك قهقهة ، أو يُحدّث عمداً
أو يكلم ، أو يَذْهب أو يُسلِّم ، وهاهنا بحث كبير ومحلّه كتب الفروع .
والحديث : أخرجه الترمذي ، وقال : هذا حديث ليس إسناده بالقويّ،
وقد اضطربوا في إسناده . وأخرجه الدارقطني (١) ثم البيهقي في ((سننهما))
قال الدارقطني : عبد الرحمن بن زياد ضعيف لا يحتج به . وقال البيهقي:
وهذا الحديث إنما يُعرف بعبد الرحمن بن زياد الإفريقي ؛ وقد ضعفه یحیی
ابن معين ويحيى بن سعيد القطان وأحمد بن حنبل وعبد الرحمن بن
مهديّ. قال : وإن صحّ فإنما كان قبل أن يفرض التسليم .
وقال الخطابيّ (٢) : هذا حديث ضعيف، وقد تكلم الناس في بعض
نقلته ، وقد عارضته الأحاديث التي فيها إيجاب التشهد والتَّسْليم ، ولا
أعلم أحداً من الفقهاء قال بظاهره ؛ لأن أصحاب الرأي لا يرون أن صلاته
قد تمت بنفس القعود حتى يكون ذلك بقدر التشهد على ما رووه عن ابن
مسعود ، ثم لم يقودوا قولهم في ذلك ؛ لأنهم قالوا : إذا طلعت عليه
الشمس ، أو كان متيمماً فرأى الماء وقد قعد مقدار التشهد قبل أن يُسلم ،
[٢١٠/١ -ب) فقد فسدت صلاته، وقالوا فيمن قهقه بعد الجلوس / قدر التشهد لا
ينقض الوضوء إلا أن يكون في صلاة ، والأمرُ في اختلاف هذه الأقاويل
ومخالفتها الحديث بین .
قلت : هذا الحديث حجّة عليهم ؛ فلذلك يُثبتون له أنواع الضَّعْف ؛
فعبد الرحمن بن زياد وإن كان ضعّفه البعضُ فقد وثَّقه آخرون . قال
أبو داود : قلت لأحمد بن صالح : يحتج بحديث الإفريقي ؟ قال : نعم،
قلت : صحيح الكتاب ؟ قال : نعم . ونقل أحمد بن محمد بن الحجاج
ابن رشد ، عن أحمد بن صالح قال : من يتكلم في ابن أنعُم فليس
بمقبول ، ابن أَنْعُم من الثقات . وقال عباس بن محمد : سمعت ابن معين
(١) سنن الدارقطني (٣٧٩/١).
(٢) معالم السنن (١٥١/١).
- ١٣٨ -

يقول : ليس به بأس . وقال إسحاق بن راهويه : سمعت يحيى بن سعيد
القطان يقول : هو ثقة . وقال البخاري : روى عنه الثوري . وقال
أبو عبد الرحمن : ليس به بأس . وقال أحمد : رأيت محمد بن إسماعيل
يُقوّي أمره ويقول : هو مقارب الحديث . وقد عرفت بهذا تحامل البيهقي
وطعنه الواسع في الناس. وروى الحديث - أيضاً - إسحاقُ بن راهويه في
(((مُسنده)): أخبرنا جعفر بن عون : حدّثني عبد الرحمن بن رافع ، وبكر
ابن سوادة قالا : سمعنا عبد الله بن عَمْرو مرفوعاً ، فذكره ، ورواه
الطحاويّ - أيضاً - بسند السنن ولفظه: قال: ((إذا قضى الإمام الصلاة
فقعد فأحدث هو ، أو أحد ممن أتم الصلاة معه قبل أن يُسلم الإمام ، فقد
تمت صلاته فلا يُعيدها )) . ومما يؤيده : حديثٌ رواه أبو نعيم الأصبهاني
في كتاب ((الحلية)) في ترجمة عمر بن ذر: حدّثنا محمد بن المظفر : ثنا
صالح بن أحمد : ثنا يحيى بن مخلد - المعنى - : ثنا عبد الرحمن بن
الحسن أبو مسعود الزجاج ، عن عمر بن ذر ، عن عطاء ، عن ابن عباس
أن رسول الله - عليه السلام - كان إذا فرغ من التشهد أقبل علينا بوجهه
وقال: ((مَنْ أحدَث بعد ما فرغ من التشهد فقد تمت صلاته )) ، وما رواه
ابن أبي شيبة في (( مصنفه)): حدّثنا أبو معاوية ، عن حجاج ، عن
أبي إسحاق ، عن الحارث ، عن عليّ قال : إذا جلس الإمام في الرابعة
ثم أحدث فقد تمت صلاته ، فليقم حيث شاء . وأخرجه البيهقي ، عن
أبي إسحاق ، عن عاصم بن ضمرة ، عن عليّ ، فذكره ، وزاد فيه :
قدر التشهد . وأخرج ابن أبي شيبة - أيضاً - نحوه ، عن الحسن ، وابن
الُسيّب ، وعطاء ، وإبراهيم النخعي .
وقول البيهقي: (( وإن صح فإنما كان قبل أن يفرض التسليم )) غير
مسلم؛ لأنه مجرد دعوى ، ولا نسلم أن التسليم فرض لحديث ابن مسعود،
ولا يصح الاستدلال على فرضيته بقوله - عليه السلام -: (( وتحليلها
التسليم)) ؛ لأنه ليس فيه نفي التحليل بغير التسليم ، إلا أنه خصّ التسليم
لكونه واجباً ، ويُرد بهذا التقرير قول الخطابيّ - أيضاً - «وقد عارضته
الأحاديث )) إلى آخره .
وقول الخطابي: ((ولا أعلم أحداً من الفقهاء قال بظاهره )) إلى آخره
- ١٣٩ -

غير صحيح ؛ لأن علماءنا ولا سيّما أبا يوسف ومحمداً قالا به ، وليس
المراد من قوله في الحديث: ((وقَعد )) نفس القعود ؛ بل القعود قدر
التشهد كما فسّر به في حديث عمر بن ذر وفي حديث عليّ وغيرهما .
وقوله: ((لأنهم قالوا: إذا طلعت الشمس)) إلى آخره غير صحيح
-أيضاً- ؛ لأن بطلان الصلاة من هذه الصَّوَر عند أبي حنيفة بناء على أن
الخروج من الصلاة بفعل المصلي فرض ؛ وليس لهذا تعلّق بالحديث
المذكور عند أبي حنيفة ، وأما أبو يوسف ومحمد فلا يريان بطلان الصلاة
في هذه الصور بهذا الحديث - كما ذكرناه مفصلاً - وكيف يلتئم كلام
الخطابيّ ؟ أم كيف يكون حجةً لتضعيف هذا الحديث ؟
٥٩٩ - ص - نا عثمان بن أبي شيبة : نا و کیع ، عن سفيان، عن ابن عقيل،
عن محمد ابن الحنفية ، عن عليّ - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله
-عليه السلام -: ((مفتاح الصلاة : الطهور، وتحريمها : التكبير ، وتحليلها :
التسليم)) (١) .
ش - ابن عقيل : هو عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب .
(((٢) رُوي هذا من حديث عليّ، ومن حديث الخدريّ ، ومن حديث
عبد الله بن زيد ، ومن حديث ابن عباس .
أما حديث عليّ : فأخرجه أبو داود ، والترمذي ، وقال الترمذي : هذا
الحديث أصح شيء في هذا الباب وأحسَن. وقال النووي في (( الخلاصة)):
[٢١١/١-١] / هو حديث حسَنَّ، وقال في ((الإمام)): ورواه الطبراني ثم البيهقي (٣)
من جهة أبي نعيم ، عن سفيان الثوريّ ، عن عبد الله بن محمد بن
عقيل، عن ابن الحنفية رفعه إلى النبي - عليه السلام - قال: (( مفتاح
الصلاة : الطهور)) الحديث قال : وهذا على هذا الوجه مرسل .
وأما حديث أبي سعيد : فرواه الترمذي ، وابن ماجه من حديث طريف
(١) الترمذي : كتاب الطهارة ، باب : ما جاء مفتاح الصلاة الطهور (٣) ، ابن
ماجه : كتاب الطهارة ، باب : مفتاح الصلاة الطهور (٢٧٥) .
(٢) انظر: نصب الراية (٣٠٧/١ - ٣٠٨).
(٣) السنن الكبرى (١٧٣/٢، ٣٧٩)، وأخرجه كذلك أحمد (١٢٣/١، ١٢٩)،
والدارقطني (١/ ٣٦٠، ٣٧٩)، والدارمي (٦٣) .
- ١٤٠ -