النص المفهرس
صفحات 121-140
وحُصَيْن : ابن عبد الرحمن بن [ عمرو بن ] سَعْد بن معاذ بن النعمان الأنصاري الأشهلي المدني . روى عن : محمود بن عَمرو، وعبد الرحمن ابن ثابت ، ومحمود (١) بن لبيد . روى عنه : محمد بن إسحاق ، وعتبة بن جُبيرة المدني . وقال ابن سَعْد : ويكنى أبا محمد ، وكان قليل الحديث . توفي سنة ست وعشرين ومائة (٢). وهذا الحديث وأمثاله كما قلنا منسوخ ؛ لأن آخر ما صلّى عليه السلام صلى قاعداً والناس خلفه قيام ؛ وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من فعله عليه السلام ؛ قاله الحميدي . وابن حبان لم يَر بالنسخ ؛ فإنه قال بعد أن روى حديث عائشة المذكور : وفي هذا الخبر بيان واضح أن الإمام إذا صلى قاعداً كان على المأمومين أن يصلوا قعوداً ، وأفتى به من الصحابة : جابر ابن عبد الله ، وأبو هريرة ، وأُسيد بن حضير ، وقيْس بن قَهْد ، ولم يُرْو عن غيرهم من الصحابة خلاف هذا بإسناد متصل ولا منقطع فكان إجماعاً، والإجماعُ عندنا إجماع الصحابة ، وقد أفتى به من التابعين : جابرُ بن زيد ؛ ولم يُرْو عن غيره من التابعين خلافه بإسناد صحيح ولا وَه، فكان إجماعاً من التابعين - أيضاً - وأولُ من أبطل ذلك في الأمة : المُغيرة بن مقسم ، وأخذ عنه : حماد بن أبي سليمان ، ثم أخذه عن حماد: أبو حنيفة ، ثم عنه : أصحابه ، وأعلى حديث احتجوا به : حديثٌ رواه جابر الجُعْفيَّ، عن الشعبي قال عليه السلام: (( لا يؤمنّ أحد بعدي جالساً))؛ وهذا لو صح إسنادُه لكان مُرْسلاً، والمُرْسل عندنا وما لم يُرْو سيّان ؛ لأنا لو قبلنا إرسال تابعيّ وإن كان ثقةً للزمنا قبول مثله عن أتباع التابعين ، وإذا قبلنا لزِمَنَا قبوله من أتباع أَتْباع (٣) التابعين ، ويؤدي ذلك إلى أن نقبل من كل أحد إذا قال: قال رسول الله وَطير؛ وفي هذا نقض الشريعة . والعجب أن أبا حنيفة يَجْرحُ جابراً الجُعفيَّ ويكذّبه ، ثم لما اضطره الأمرُ جعل يحتجّ بحديثه ، وذلك كما أخبرنا به الحسين بن (١) في الأصل: ((محمد)) خطأ. (٣) كتب فوقها: ((صح)). (٢) المصدر السابق (١٣٥٧/٦). - ١٢١ - عبد الله بن يزيد القطان بالرقة : ثنا أحمد بن أبي الحوراء : سمعت أبا يحيى الحُماني : سمعت أبا حنيفة يقولُ : ما رأيْتُ فيمن لقيتُ أفضل من عطاء ، ولا لقيتُ فيمن لقيت أكذبَ من جابر الجُعْفي ؛ ما أتيته بشيءٍ من رأى قط إلا جاءني فيه بحديثٍ . قلتُ : أما إنكاره النسخ : فليس له وَجْه ؛ وقد ذكرنا وجهه مستوفّی . وأما قوله: (( أفتى به من الصحابة: جابر وغيره))، فقد قال الشافعي: إنهم لم يبلغهم النسخ ، وعِلمُ الخاصّة يُوجد عند بَعْضٍ ويَغرب عن بعضٍ . انتهى ، وكذا مَنْ أفتى به من التابعين لم يبلغه خبر النسخ ، وأفتى بظاهر الحديث المنسوخ ، وأما قوله: ((والإجماع عندنا إجماع الصحابة )) فغير مُسلم ؛ لأن الأدلة غير فارقة بين أهل عصرٍ ؛ بل هي تتناول لأهل كل عصرٍ كتناولها لأهل عصر الصحابة ؛ إذ لو كانت خطاباً للموجودين وقت النزول فقط يلزم أن لا ينعقد إجماع الصحابة بعد مَوْت من كان موجوداً وقت النزول ؛ لأنه ح (١) لا يكون إجماعهم إجماع جميع المخاطبين وقت النزول ، ويلزم أن لا يعتد بخلاف من أسْلم ، أو ولد من الصحابة بعد [٢٠٧/١-ب] النزول ، لكونهم خارجين عن الخطاب ، / وقد اتفقتم معنا على إجماع هؤلاء فلا يختص بالمخاطبين ، والخطاب لا يختص بالموجودين كالخطاب بسائر التكاليف . وهذا الذي قاله ابن حبان هو مذهب داود وأتباعه . وأما قوله: ((والمرسل عندنا وما لم يُرْو سيّان)) إلى آخره فغير مُسلم -أيضاً - لأن إرسال العدل من الأئمّة تعديل له ، إذ لو كان غير عدل لوجب عليه التنبيه على جرحه ، والإخبار عن حاله ، فالسكوت بعد الرواية عنه يكون تلبيساً أو تحميلاً للناس على العمل بما ليس بحجّة ، والعدل لا يتهم بمثل ذلك ، فیکون إرساله توثيقاً له ؛ لأنه يحتمل أنه كان مشهوراً عنده فروي عنه بناء على ظاهر حاله ، وفوض تعريف حاله إلى السامع حيث ذكر اسمه ، وقد استدل بعض أصحابنا لقبول المرسل باتفاق (١) أي: ((حينئذ)). - ١٢٢ - الصحابة ، فإنهم اتفقوا على قبول روايات ابن عباس - رضي الله عنه - مع أنه لم يسمع من النبي - عليه السلام - إلا أربع أحاديث لصغر سنه - كما ذكره الغزالي - أو بضع عشر حديثاً - كما ذكره شمس الأئمة السرخسي . وقال ابن سيرين : ما كنا نُسند الحديث إلى أن وقعت الفتنة. وقال بعضهم : ردّ المراسيل بدعة حادثة بعد المائتين ، والشعبي والنخعي من أهل الكوفة وأبو العالية والحسن من أهل البصرة ومكحول من أهل الشام كانوا يُرْسلون ولا يظن إلا الصدق ، فدل على كون المرسل حجةً ، نعم وقع الاختلاف في مراسيل من دون القرن الثاني والثالث ؛ فعند أبي الحسن الكرخي : نقبل إرسال كل عدل في كل عصرٍ ؛ لأن العلة الموجبة لقبول المراسيل في القرون الثلاثة وهي العدالة والضبط يَشْمل سائر القرون، فبهذا التقرير انتقض قوله: ((وفي هذا نقض الشريعة)). وأما قوله: ((والعجب من أبي حنيفة )) إلى آخره ، فكلامٌ فيه مجرد تشنيع بدون دليل جليٌّ ؛ فإن أبا حنيفة من أين احتج بحديث جابر الجُعْفي في كونه ناسخاً ؟ ومَنْ نقلَ هذا من الثقات عن أبي حنيفة حتى يكون مُتناقضاً في قوله وفعله ؟ بل احتج أبو حنيفة في نسخ هذا الباب بمثل ما احتج به غيره كالشافعي والثوري وأبي ثور وجمهور السلف - كما مر مستوفّی . ص - قال أبو داود : هذا الحديث ليس بمتصل . ش - أي : حديث حُصَين ؛ لأنه يَرْوى عن التابعين ، لا يحفظ له رواية عن الصحابة ، سيما أُسيد بن حضير ؛ فإنه قديم الوفاة ، توفي سنة عشرين ، وقيل : سنة إحدى وعشرين - كما ذكرناه - وحصين هذا توفي سنة ست وعشرين ومائة - كما ذكرناه . ٦٣ - بَابُ الرَّجُلَيْنِ يَؤْمُّ أحدُهما صاحبه كيّفَ يقومَانِ ؟ أي : هذا باب في بيان الرجلين يؤم أحدهما صاحبَه كيف يقومان ؟ - ١٢٣ - وفي بعض النسخ: ((يؤم أحدهما الآخر))، وفي بعضها: (( باب ما جاء في الرجلين )). ٥٨٩ - ص - نا موسى بن إسماعيل : نا حماد : أنا ثابت ، عن أنس أن رسول الله وَ﴾ دخل على أم حَرامِ فأتوه بسَمْن وتمر فقالَ: «رُدّوا هذا في وعائه وهذا في سقائه فإني صائمٌ ))، ثم قام فصلى بنا ركعتين تطوعاً، فقامت أم سُليم وأمّ حرام خلفنا . قال ثابت : ولا أعلمه إلا قال : أقامني عن يمينه على بساط (١) . ش - حماد : ابن سلمة ، وثابت : البناني . وأم حرام أخت أم سليم بنت ملحان ، ويقال : اسمها : الغُميصاء . وقال أبو عمر النمري: لا أقف لها على اسم صحيح. وفي (( الكمال)): أم حرام بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم ابن مالك بن النجار ، يقال : اسمها : الرميصاء ، ويُقال : الغُميصاء . روى عنها : أنس بن مالك ، وعطاء بن يسار ، ويعلى بن شداد . روى لها : البخاري ، ومسلم ، وأبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه (٢). وأم سليم بنت ملحان المذكور [ ة] ، وهي أم أنس بن مالك ، اسمها: سُهَيْلة ؛ وقد ذكرناها ، ويقال اسم ملحان : مالك . قوله : (( هذا في وعائه )) أي : ردّوا التمر في ظرفه. قوله: (( وهذا في سقائه)) أي : ردوا السمن في سقائه؛ السِّقاء - بكسر السين - ظرف من الجلد يجعل فيه الماء واللبن ونحوهما؛ والجمع: أَسْقية. قوله: ((قال ثابت)) أي: ثابت البناني، ((ولا أعلمه)) أي: ولا أعلم أنساً (( إلا قال : أقامني رسول الله عن يمينه على بساط)) . ويُستفاد من / الحديث فوائد ؛ الأولى : جواز دخول الرجل في بَيْت صاحبه ومَن بَيْنه وبينه انبساط . [٢٠٨/١-١] (١) تفرد به أبو داود . (٢) انظر ترجمتها في : تهذيب الكمال (٧٩٦٢/٣٥) . - ١٢٤ - الثانيةُ : استحباب تقديم الطعام لمن ينزل عنده . الثالثة : جواز ترك الإفطار إذا كان صائماً ، إلا إذا كان مَدْعوا فح (١) الإفطار أفضل . الرابعة : جواز الجماعة في التطوع . الخامسة : أن السُّنَّة فيمن يُصلِّي إماماً للرجال والنساء يجعل النساء وراء الرجال ، فإن كان الرجل واحداً يُوقفُه على يمينه متساوياً ، فإن كان اثنان غيره يتقدّم عليهما كما يجيء إن شاء الله تعالى . ٥٩٠ - ص - نا حَفْصُ بن عمر : نا شعبة ، عن عبد الله بن المختار ، عن موسى بن أنس يُحدث عن أنس أن رسولَ الله - عليه السلام - أمَّه وامرأةٌ منهم فجعله عن يمينه والمرأة خلف ذلك (٢). ش - حفص بن عمر : النمري البصري . وعبد الله بن المختار : البصري . روى عن : موسى بن أنس ، والحسن البصري ، وابن سيرين ، وغيرهم . روى عنه : شعبة وغيره . قال ابن معين : ثقة . وقال أبو حاتم : لا بأس به . روى له : مسلم ، وأبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه (٣) . وموسى بن أنس : ابن مالك الأنصاري قاضي البصرة ، سمع : أباه. روى عنه : حميد الطويل ، ومكحول ، وابن عون ، وشعبة ، وغيرهم . قال ابن سعد : كانت أمّه من أهل اليمن ، وكان ثقة قليل الحديث . روى له : الجماعة (٤) . (١) أي : فحينئذ . (٢) مسلم : كتاب المساجد ومواضع الصلاة ، باب : جواز الجماعة في النافلة والصلاة على حصير وخمرة وثوب وغيرها من الطاهرات (٢٦٩/ ٦٦٠) ، النسائي : كتاب الإمامة ، باب : موقف الإمام إذا كان معه صبي وامرأة (٨٦/٢)، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: الاثنان جماعة (٩٧٥). (٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٣٥٥٦/١٦). (٤) المصدر السابق (٦٢٣٧/٢٩) . - ١٢٥ - قوله : ((وامرأةً)) عطف على الضمير المنصوب في ((أمّه)). قوله : ((والمرأةَ)) أي : جعل المرأةَ خلف ذلك . وأخرجه مسلم ، والنسائي ، وابن ماجه . ٥٩١ - ص - نا مسدّد : نا يحيى ، عن عبد الملك بن أبي سليمان ، عن عطاء ، عن ابن عباس قال : بتَّ في بيْت خالتي ميمونة فقام رسولُ الله منِ الليل فأطلق القربةَ فتوضأ ثم أوكأ القربة ، ثم قام إلى الصلاة ، فقمت فتوضأتُ کما توضأ ، ثم جئتُ فقمتُ عن يساره فأخذني بيمينه فأدارني من ورائه، فأقامني عن يمينه فصليتُ معه (١). ش - يحيى : القطان . وعبد الملك بن أبي سليمان العَرْزمي (٢) أبو محمد أو أبو عبد الله الكوفي ، واسم أبي سليمان : ميسرة ، نزل حارة عرزم (٢) بالكوفة فنُسب إليها . روى عن : أنس بن مالك ، وعطاء ، وسعيد بن جبير ، وغيرهم . روى عنه : الثوري ، وشعبة ، وابن المبارك ، ويحيى القطان ، وغيرهم . قال أحمد : ثقة . قال ابن معين : ضعيف . مات سنة خمس وأربعين ومائة . روى له : الجماعة إلا البخاريّ (٣). وعطاء : ابن أبي رباح . وميمونة : بنت الحارث أخت أم ابن عباس أم الفضل بنت الحارث . قوله: ((فأَطْلق القربةَ)) أي: أرسلها بمعنى : حلّ شدّها . (١) البخاري : كتاب الأذان ، باب : يقوم عن يمين الإمام بحذائه سواء إذا كانا اثنين (٦٩٧) ، مسلم : كتاب صلاة المسافرين ، باب : الدعاء في صلاة الليل وقيامه (٧٦٣) ، الترمذي : كتاب الصلاة ، باب : ما جاء في الرجل يصلي ومعه رجل (٢٣٢) ، النسائي : كتاب الإمامة ، باب : الجماعة إذا كانوا اثنين (١٠٤/٢)، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة والسُّنَّة فيها، باب: الاثنان جماعة (٩٧٣) . (٢) في الأصل: ((العزرمي - عزرم)) خطأ . (٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٣٥٣٢/١٨). - ١٢٦ - قوله : (( ثم أَوْكأ القربة)) أي : شدّ رأسها بالوكاء ؛ وهو الخيط الذي تشدّ به القربة والكيس ونحوهما ؛ يُقال : أوكيتُ السقاء أُوکیه إیکاءً فهو موگی . ويُستفاد من الحديث فوائد ؛ الأولى : جواز مبيت الرجل عند محارمه مع الزوج ، وقيل : إن ابن عباس - رضي الله عنه - تحرى وقتاً لذلك لا يكون فيه ضرر بالنبي - عليه السلام - ، وهو وقت الحيض ، وقيل : إنه بات عندها لينظر إلى صلاة رسول الله - عليه السلام - . الثانية : جواز الائتمام بمنْ لم ينو الإمامة . الثالثة : أن الصبيّ له موقف في الصف مع الإمام . الرابعة : أن موقف المأموم الواحد مع الإمام يمين الإمام . الخامسة : أن العمل اليَسيرَ في الصلاة لا يُبْطلها . السادسة : جواز الجماعة في التطوع . السابعة : استحباب القيام من الليل . والحديث : أخرجه الستة مُطولاً ومختصراً . ٥٩٢ - ص - نا عمرو بن عون: ناهُشيم، عن أبي بِشْر، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس في هذه القصّة قال : فأخذ برأسي أو بذؤابتي، فأقامني عن يمينه (١) . ش - عمرو بن عون : أبو عثمان الواسطي البزاز ، وهُشيم : ابن بَشير السِّلَمي الواسطي ، وأبو بِشر : جَعْفر بن أبي وَحْشيّة . قوله: ((في هذه القصة)) أي : القصة المذكورة . قوله: ((أو بذؤابتي)) شك من الراوي ؛ والذؤابة - بضم الذال المعجمة- من الشعر ، وهو مهموز العين ، وجمعها : ذوائب ، فافهم . (١) البخاري : كتاب اللباس ، باب: الذوائب (٥٩١٩). - ١٢٧ - ٦٤ - بَابٌ: إذا كانوا ثلاثة كيف يقومون ؟ أي : هذا باب في بيان ما إذا كان المصلون ثلاثة أنفس كيف يقومون في الصلاة ؟ ٥٩٣ - ص - نا القعنبي ، عن مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن [٢٠٨/١ -ب] أبي طلحة، عن أنس / بن مالك أن جدته: مليكة دعَتْ رسولَ الله وَلّ لطعام صنعتْه فأكل منه، ثم قال: (( قوموا فلأُصليّ لكم)) قال أنسٌ: فقمتُ إلىَ حَصير لنا قد اسودّ من طول ما لبسَ ، فنضحتُه بماء فقام عليه رسولُ الله ، فصفَفَتُ (١) أنا واليتيم وراءه والعجوز من ورائنا، فصلى لنا ركعتين ثم انصرف (٢) . ش - مالك : ابن أنس ، وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة : زيد بن سَهْل الأنصاري . قوله: ((أن جدته مليكة)) الضمير في ((جدته)) يَرْجع على إسحاق المذكور ، وهي جدّة إسحاق أم أبيه عبد الله بن أبي طلحة ، وهي أم سليم بنت ملحان زوج أبي طلحة الأنصاري ، وهي أم أنس بن مالك ، ويقال : الضمير يرجع على أنس، وهو القائل: (( أن جدته )) وهي جدّة أنس بن مالك أم أمّه ، واسمها : مُليكة بنت مالك بن عدي ، ويؤيد الوجه الأول أن في بعْض طرق الحديث: (( أن أم سُليم سألت رسول الله - عليه السلام - أن يأتيها )) أخرجه النسائي عن يحيى بن سعيد ، عن إسحاق بن عبد الله فذكره ، وأم سُليم هي أم أنس ، جاء ذلك مصرّحاً في البخاريّ. وقال النووي في ((الخلاصة)): الضمير في جدته لإسحاق على الصحيح، (١) في سنن أبي داود: ((وصففت)). (٢) البخاري: كتاب الصلاة، باب: الصلاة على الحصير (٣٨٠)، مسلم : كتاب المساجد ومواضع الصلاة ، باب : جواز الجماعة في النافلة والصلاة على حصيرة وخمرة وثوب وغيرهما من الطاهرات (٦٥٨) ، الترمذي : كتاب الصلاة ، باب : ما جاء في الرجل يصلي ومعه الرجال والنساء (٢٣٤) ، النسائي : كتاب الإمامة ، باب: إذا كانوا ثلاثة وامرأة (٨٦/٢). - ١٢٨ - وهي أم إسحاق ، وجدّة إسحاق ، وقيل : جدّة أنس ؛ وهو باطل ، وهي أم سليم صرّح به في رواية للبخاري . ومليكة - بضم الميم وفتح اللام - ، وبَعض الرواة رواه بفتح الميم وكسر اللام ؛ والأول أصح . قوله: ((لطعام)) أي : لأجل طعام. قوله: (( فأكل منه)) فيه حذف ، أي : فأجاب دعوته فجاء فأكل منه . قوله: (( من طول ما لُبس)) أي: من كثرة ما استُعْمل . وقال الشيخ تقي الدين : دل ذلك أن الافتراش يطلق عليه لباس ، ورتب على ذلك مسألتان ؛ أحدهما : لو حلف لا يلبس ثوباً ولم يكن له نية فافترشه أنه يحنث ، والثانية : أن افتراش الحرير حرام ؛ لأنه كاللُّبْس . قلت : أما الأولى فإنما يحنث فيه ؛ لأن مبنى اليمين على العُرْف ، وأما الثانية : فليْس الافتراش كاللُّبْس ؛ لأن بجواز الافتراش قد جاء الحديث . قوله: ((فنضحته)) إن كان لنجاسة متيقنة يكون النضح هاهنا بمعنى الغَسْل ، وإن كان لتوقع نجاسة لامتهانه بطول افتراشه يكون النضح بمعنى الرش لتطبيب النفس ، ويقال : إن كان النضح ليلين الحصير للصلاة يكون بمعنى الرش ، وإن كان لوَضَر الدَّوْس والأَقْدام يكون بمعنى الغَسْلِ . قوله: ((فصففت أنا واليتيم وراءه)) فيه حجة لجمهور الأمة في أن موقف الاثنين وراء الإمام ، وكان بعض المتقدمين رأى أن يكون موقف أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره ، وقوله : (( واليتيم )) عطف على ما قبله ؛ وإنما ذكر (( أنا)) لأن العطف على الضمير المرفوع المتصل لا يجوز إلا بعد الضمير المرفوع المنفصل ، حتى لا يتوهم عطف الاسم على الفعل ، وقد ذكرناه غير مرة، و((العجوز)) عطف على ((اليتيم))، واسم اليتيم: ضميرة بن سَعْد الحميري ، جدّ حسين بن عبد الله بن ضُميرة . قوله: ((ثم انصرف)) أي : عن البَيْت، وهذا هو الأقرب ، ويحتمل أنه أراد الانصراف من الصلاة ، إما على رأي أبي حنيفة بناء على أن السلام ٩• شرح سنن أبي داوود ٣ - ١٢٩ - لا يدخل تحت مُسمى الركعتين ، وإما على رأي غيره فيكون الانصراف عبارة عن التحلّل الذي يَسْتعقب السلام . ويُستفاد من الحديث فوائد ؛ الأولى : فيه استحباب التواضع وحسن الخلق . الثانية : إجابة دَعْوة الداعي . الثالثة : فيه دليل على إجابة أولي الفضل لمن دعاهم لغير الوليمة . الرابعة : استحباب الصلاة للتعليم ، أو لحصول البركة . الخامسة : فيه بيان موقف الاثنين وراء الإمام لما ذكرنا . السادسة : فيه دليل على أن للصبي موقفاً في الصف . السابعة : فيه دليل على أن موقف المرأة وراء موقف الصبيّ . الثامنة : فيه دليل على جواز الاجتماع في النوافل خلف الإمام . التاسعة : فيه دليل على أن صلاة الصبي (١) صحيحة معتدّ بها . العاشرة : عدم كراهة الصلاة على الحصير ونحوه . والحديث : أخرجه البخاري ، ومسلم ، والترمذي ، والنسائي . [٢٠٩/١-١] ٥٩٤ - ص - نا عثمان بن أبي شيبة / : نا محمد بن فضيل ، عن هارون ابن عنترة ، عن عبد الرحمن بن الأسود ، عن أبيه قال : استأذن علقمة والأَسْودُ على عبد الله وقد كُنَا أَطَلْنا القعود على بابه ، فخرجت الجاريةُ فاستأذنت لهما فأذن لهما ، ثم قام فصلى بَيِّني وبَيْنه ، ثم قال: هكذا رأيتُ رسول الله فعَلَ (٢). ش - محمد بن فضيل : ابن غزوان الكوفي . وهارون بن عَنْترة : الشيباني الكوفي ، أبو عبد الرحمن . روى عن : (١) في الأصل: ((صبي الصلاة)) . (٢) النسائي: كتاب الإمامة، باب: موقف الإمام إذا كانوا ثلاثة (٨٤/٢). - ١٣٠ - أبيه ، وعبد الرحمن بن الأسود . روى عنه : عمرو بن مُرّة ، والثوري ، ومحمد بن فضيل ، وغيرهم . قال أحمد وابن معين : ثقة . وقال أبو حاتم : لا بأس به مستقيم الحديث . وقال الدارقطني : متروك يكذب. روى له : أبو داود ، والنسائي (١) . وعبد الرحمن بن الأسود : ابن يزيد أبو بكر الكوفي . وأُبُوه : الأَسْودُ ابن يزيد بن قيس بن عبد الله بن مالك أبو عبد الرحمن ؛ وقد ذكرناهما . وعلقمة : ابن قَيْس النخعي الكوفي عم الأَسْود ، وعبد الله : ابن مسعود الصحابيّ - رضي الله عنه . ويُستفاد من هذا الحديث : أن الإمام إذا كان معه اثنان يتساوى بهما ولا يتقدم عليهما ؛ وبه استدل أبو يوسف في أن الإمام يتَوسّطهما ؛ والأصح : قول الجمهور الأحاديث الصحيحة ، والجواب عن هذا : أنه محمول على أنه دليل الإباحة . وقال أبو عُمر النمري : هذا الحديث لا يصح رفعه ، والصحيح فيه عندهم : التوقيف على ابن مَسْعود ، أنه كذلك صلى بعلقمة والأسود . وهذا الذي أشار إليه أبو عمر قد أخرجه مسلم في ((صحيحه )) أن ابن مسعود صلى بعلقمة والأَسْود وهو موقوف . وقال بعضهم : حديث ابن مسعود منسوخ ؛ لأنه إنما يعلم هذه الصلاة من النبي - عليه السلام - وهو بمكة وفيها التطبيق ، وأحكام أُخَرُ هي الآن متروكة ، وهذا الحكم من جملتها ، ولما قدم النبي - عليه السلام - المدينة تركوه . ٦٥ - بَابُ: الإمام ينحرف بعد التسليم أي : هذا باب في بيان الإمام ينحرف بعد تسليمه ، وفي بعض النسخ : ((باب ما جاء في الإمام يَنْحرف بعد السّلام)). ٥٩٥ - ص - نا مسدّد : نا يحيى ، عن سفيان : حدثني يعلى بن عطاء، (١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٦٥٢١/٣٠) . - ١٣١ - عن جابر بن يزيد بن الأَسْود ، عن أبيه قال : صَلّيتُ خلف النبي - عليه السلام - فكان إذا انصَرف انْحرف (١). ش - يحيى : القطان ، وسفيان : الثوري ، ويعلى بن عطاء : القرشي الطائفي ، وجابر وأبوه : يزيد الصحابي ذكرناهما . قوله : ((إذا انصرف انحرف)) يعني: إذا انصرف من الصلاة انحرفَ واستقبل القوم ؛ والمراد من الانصراف : السّلامُ. وقد اختلف الفقهاء في هذا الباب ؛ فقال أبو حنيفة : كل صلاة يتنفل بعدها يَقُوم ، وما لا يتنفل بعدها كالعَصْر والصبح فلا ، وقال أبو محمد : يتنفل في الصلوات كلها ليتحقق المأموم أنه لم يبق عليه من سجوده سهو ولا غيره . وقال مالك : لا يثبت الإمام بعد سلامه . وقال أشهب : له أن يتنفل في موضعه ؛ أخذاً بما رُوي عن القاسم بن محمد . قال ابن بطال : ولم أجده لغيره من الفقهاء . وقال الشافعي : يستحب له أن يثبت ساعةً . وقال ابن بطال : وأما مكث الإمام في مصلاه بعد السلام فكرهه أكثر الفقهاء إذا كان إماماً راتباً ، إلا أن يكون مكثه لعلة كما فعل رسول الله ؛ وهو قول الشافعي ، وأحمد . وقال مالك : يقوم ولا يقعد في الصلوات كلها إذا كان مسجد جماعة ، فإن كان في سفر فإن شاء قام وإن شاء قعد . قال ابن خربوذ : من غير أن يستقبل القِبلة. وفي ((المصنف)): حدَّثنا أبو الأحوص ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص قال : كان عبد الله إذا قضى الصلاة انفتل سريعاً ، فإما أن يقوم وإما أن ينحرف . حدَّثنا هشيم ، عن منصور وخالد ، عن أنس بن سيرين ، عن ابن عمر قال : كان الإمام إذا سلم قام ، وقال خالد : انحرف . حدَّثنا أبو أسامة ، عن الأعمش ، عن أبي رزين قال : صليتُ خلف عليّ فسلم عن يمينه وعن يساره ، ثم وثب كما هو . (١) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء في الرجل يصلي وحده ثم يدرك الجماعة (٢١٩) ، النسائى: كتاب الإمامة، باب: إعادة الفجر مع الجماعة لمن صلى وحده (١١٢/٢، ١١٣). - ١٣٢ - حدَّثنا علي بن مسْهر ، عن ليث ، عن مجاهد قال : قال عمر -رضي الله عنه - : جلوس الإمام بعد التسليم بدعة . حدَّثنا وكيع ، عن محمد بن قيس، عن أبي حصين قال: كان أبو عُبيدة ابن الجراح إذا سلّم كأنه على الرضف حتى يقوم . حدَّثنا أبو معاوية / ، عن عاصم ، عن عبيد الله بن الحارث ، عن [٢٠٩/١ -ب] عائشة قالت : كان رسول الله - عليه السلام - إذا سلّم لم يقعد إلا مقدار ما يقول: ((اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت ذا (١) الجلال والإكرام )). حدَّنا وكيع ، عن الربيع ، عن الحسن أنه كان إذا سلّم انحرف أو قام سريعاً . حدّثنا أبو داود ، عن زمعة ، عن ابن طاوس ، عن أبيه أنه كان إذا سلم قام وذهب كما هو ولم يجلس . حدّثنا وكيع ، عن الأعمش ، عن إبراهيم أنه كان إذا سلم انحرف واستقبل القوم . حدَّثْنا وكيع ، عن أبي عاصم الثقفي ، عن قيس بن مسلم ، عن طارق ابن شهاب أن عليا لما انصرف استقبل القوم بوجهه . وفي كتاب ابن شاهين من حديث سفيان ، عن سماك ، عن جابر : كان النبي - عليه السلام - إذا صلى الغداة لم يبرح من مجلسه حتى تطلع الشمس حسناً ، ومن حديث ابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس : صليتُ مع النبي - عليه السلام - فكان ساعةَ يُسلّمِ يقومُ ، ثم صليت مع أبي بكر فكان إذا سلم وثبَ من مكانه كأنه يقومُ عن رَضفة . قال ابن شاهين : الحديث الأول عليه العمل في الصلاة التي لا يتنفل بعدها ، والثاني في الذي بعده تنفل . وحديث جابر بن يزيد هذا : أخرجه ابن أبي شيبة ، والترمذي ، والنسائي ، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. ٥٩٦ - ص - نا محمد بن رافع : نا أبو أحمد الزبيري : نا مِسْعر ، عن (١) كذا، وفي المصنف لابن أبي شيبة (٣٠٢/١): ((يا ذا الجلال والإكرام)). - ١٣٣ - ثابت بن عبيد ، عن عبيد بن البراء ، عن البراء قال : كنا إذا صلينا خلف رسول الله أَحْبَيْنَا أَنْ نكُون عَنْ يَمِينه، فيُقْبِلُ علينا بوَجْهِهِ (١) . ش - محمد بن رافع : القُشيري النيسابوري . وأبو أحمد : محمد بن عبد الله بن الزبير بن عمر بن درهم الزبيري الأسدي مولاهم الكوفي ، نُسب إلى جده ؛ وليس من ولد الزبير بن العوام . سمع : مسعراً ، ومالك بن أنس ، وزهير بن معاوية، وغيرهم. روى عنه : ابنه : طاهر ، وأحمد بن حنبل ، ومحمد بن رافع، وغيرهم. قال ابن معين : ليس به بأس . وقال أبو زرعة : صدوق . وقال العجلي: ثقة . مات سنة ثلاث ومائتين بالأهواز . روى له الجماعة (٢). ومسعر : ابن كدام ، وثابت بن عبيد : الأنصاري الكوفي . وعُبَيْد بن البراء : ابن عازب الأنصاري الحارثي الكوفي ، أخو يزيد(٣) والربيع ولوط . روى عن : أبيه . روى عنه : ثابت بن عبيد ، ومحارب ابن دثار . قال أحمد بن عبد الله : كوفي تابعي ثقة . روى له : أبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه (٤) . واختلف العلماء في الرجل إذا سلّم ، ينصرف عن يمينه أو عن يساره ؟ فقالت طائفة : ينصرف عن يمينه ؛ فاستدلوا بهذا الحديث ، وكذا روى أبو بكر : نا وكيع ، عن سفيان ، عن السدي ، عن أنس أن النبي - عليه السلام - كان ينصرف عن يمينه . وقالت طائفة : ينصرف عن شماله ؛ لما روى أبو بكر : نا وكيع ، عن (١) مسلم : كتاب صلاة المسافرين وقصرها ، باب : استحباب يمين الإمام (٧٠٩/٦٢)، النسائي: كتاب الإمامة ، باب : المكان الذي يستحب من الصف (٩٤/١)، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة ، باب : فضل ميمنة الصف (١٠٠٦) . (٢) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٥٣٤٣/٢٥). (٣) في الأصل: ((زيد)) خطأ. (٤) المصدر السابق (٣٧٠٥/١٩) . - ١٣٤ - سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن ناجية أن أبا عبيدة رأى رجلاً انصرف على يَساره فقال : أما هذا فقد أصاب السُّنَّة . وقالت طائفة : إن كانت حاجته عن يمينه ينصرف عن يمينه ، وإن كانت عن شماله ينصرف عن شماله ؛ لما روى أبو بكر : نا الأحوص ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث ، عن عليّ - رضي الله عنه - قال : إذا قضيت الصلاة وأنت تريد حاجةً ، فكانت حاجتك عن يمينك أو عن يسارك فحد نحو حاجتك . وحديث البراء : أخرجه النسائي ، وابن ماجه ، وفي حديث ابن ماجه: عن ابن البراء ، عن أبيه ؛ ولم يُسمِّه . ٦٦ - بَابُ: الإِمَامِ يتطوّعُ في مكانه أي : هذا باب في بيان أن الإمام هل يتطوع في المكان الذي صلّى فيه الفرض أم لا؟ وفي بعض النسخ: ((باب ما جاء في الإمام)). ٥٩٧ - ص - نا أبو توبة الربيع بن نافع : نا عبد العزيز بن عبد الملك القرشي : نا عطاء الخراساني ، عن المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله مِّن: (( لا يُصلي الإمامُ في الموضع الذي صَلّی فیه حتى يتحول)) (١). ش - أي : حتى ينتقل من الموضع الذي صلى فيه الفرض ، وعن هذا قالت العلماء : المستحب للإمام أن يتنفل بعد الفَرْض في غير مَوْضع الفرض . وقال أبو بكر : حدَّثنا شريك ، عن ميسرة بن المنهال ، عن عمار بن عبد الله ، عن عليّ قال : إذا سلم الإمام لم يتطوع حتى يتحوّل من مكانه أو يفصل بينهما بكلام . حدَّثنا أبو خالد الأحمر ، عن حجاج ، عن أبي إسحاق ، عن - (١) ابن ماجه : كتاب إقامة الصلاة ، باب : ما جاء في صلاة النافلة حيث تصلى المكتوبة (١٤٢٨) . - ١٣٥ - الشعبي، عن ابن عُمر ، أنه كره إذا صلى الإمام أن يتطوع في مكانه ، ولم ير به لغير الإمام بأساً . حدَّثنا أبو معاوية ، عن حجاج ، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو ، أنه كره للإمام أن يصلي في مكانه الذي صلى فيه [١/ ٢١٠-١] الفريضة. وكذا / بإسناده عن ابن أبي ليلى، وابن المسيّب ، والحسن، وإبراهیم - رحمهم الله . ص - قال أبو داود : عطاء الخراساني لم يدرك المغيرة بن شعبة . ش - لأن عطاء الخراساني مولى المهلّب بن أبي صُفْرة ، ولد في السنة التي مات فيها المغيرة بن شعبة ، وهي سنة خمسين من الهجرة على المشهور ، أو يكون ولد قبل وفاته بسنة على القول الآخر . ٦٧ - بَابُ: الإمام يُحْدِثُ بَعْدَ ما يَرْفَعُ رأسَهَ (١) أي : هذا باب في بيان حكم الإمام الذي يُحْدِث بعد ما يرفع رأسه من آخر الركعة، وفي بعض النسخ: (( باب ما جاء في الإمام يُحدث بعد ما يرفع رأسه من آخر ركعة )) . ٥٩٨ - ص - نا أحمد بن يونس : نا زهیر : نا عبد الرحمن بن زياد بن أنعُم ، عن عبد الرحمن بن رافع ، وبكر بن سوادة ، عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله - عليه السلام - قال: ((إذا قضى الإمامُ الصلاةَ وقَعدَ فأَحْدث (٢) قبل أن يتكلّم فقد تمت صلاته، ومَنْ كان خلفه ممن أتم الصلاة)) (٣) ش - زُهير : ابن معاوية . (١) في سنن أبي داود: (( ... رأسه من آخر ركعة))، وسيذكر المصنف أنها نسخة . (٢) سقطت كلمة ((فأحدث)) من سنن أبي داود . (٣) الترمذي: كتاب الصلاة ، باب: ما جاء في الرجل يحدث في التشهد (٤٠٨). - ١٣٦ - وعبد الرحمن بن رافع : التنوخي قاضي إفريقية ، يكنى أبا الجَهْم . روى عن: عبد الله بن عمرو، وعقبة بن الحارث. روى عنه: عبد الرحمن ابن زياد بن أنعم الإفريقي ، وسليمان بن عوسجة ، وغيرهم . قال البخاريّ : في حديثه مناكير . توفي سنة ثلاث عشرة ومائة . روى له : أبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه (١) . وبكر بن سوادة : ابن ثمامة المصْري . قوله : ((إذا قضى الإمامُ الصّلاةَ)) مَعْناه: إذا فرغ منها وقعد في آخرها ، فأحدث قبل أن يتكلم ، فقد تمت صلاته ؛ لأنه لم يبق عليه شيء من الفروض . قوله : ((ومَنْ كان خلفه )) أي : وصلاة من كان خلفه - أيضاً - ممن أتم الصلاة، والمرادُ منه: صلاة المدركين بخلاف المَسْبوقين؛ فإن حَدَثَ الإمامِ يكون في أثناء صلاتهم فتفسدُ . وبهذا الحديث استدل أصحابنا أن المصلي إذا سبقه الحدث بعد ما قعد قدر التشهّد ، لا يضر ذلك صلاته ، فيقوم ويتوضأ ويُسلم ؛ لأنه لم يبق عليه إلا التسليم فيأتي به ، وإن تعمد الحدث في هذه الحالة أو تكلّم ، أو عمل عملاً ينافي الصلاة تمت صلاته لأنه لم يبق عليه شيء من الأركان ، وإن رأى المتيمم (٢) الماء ، أو كان ماسحاً فانقضت مدة مسحه ، أو خلع خفيه بعمل يسيرٍ ، أو كان أمّيًا فتعلّم سورةً، أو عرياناً فوجد ثوباً أو مُومِئاً قَدَرَ على الركوع والسجود ، أو تذكر فائتةً عليه قبل هذه ، أو القارئ استخلف أُمِيا في هذه الحالة ، أو طلعت الشمس في الفجر ، أو دخل وقت العصر في الجمعة ، أو كان ماسحاً على الجبيرة فسقطت عن بُرءٍ ، أو كان صاحب عُذر فانقطع عذره كالمستحاضة ومن بمعناها ، لم تبطل الصلاة في الكل عند أبي يوسف ومحمد بهذا الحديث. وقال أبو حنيفة: تبطل في الكل؛ وذلك لأن الخروج (١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٣٨١١/١٧). (٢) في الأصل: (( التيمم)). - ١٣٧ - من الصلاة بصُنْعه فرض عنده ، ولم يُوجَدْ صُنْعه ، وفسروا ذلك : بأن يَبْني على صلاته إما فرضاً ، أو نفلاً أو يضحك قهقهة ، أو يُحدّث عمداً أو يكلم ، أو يَذْهب أو يُسلِّم ، وهاهنا بحث كبير ومحلّه كتب الفروع . والحديث : أخرجه الترمذي ، وقال : هذا حديث ليس إسناده بالقويّ، وقد اضطربوا في إسناده . وأخرجه الدارقطني (١) ثم البيهقي في ((سننهما)) قال الدارقطني : عبد الرحمن بن زياد ضعيف لا يحتج به . وقال البيهقي: وهذا الحديث إنما يُعرف بعبد الرحمن بن زياد الإفريقي ؛ وقد ضعفه یحیی ابن معين ويحيى بن سعيد القطان وأحمد بن حنبل وعبد الرحمن بن مهديّ. قال : وإن صحّ فإنما كان قبل أن يفرض التسليم . وقال الخطابيّ (٢) : هذا حديث ضعيف، وقد تكلم الناس في بعض نقلته ، وقد عارضته الأحاديث التي فيها إيجاب التشهد والتَّسْليم ، ولا أعلم أحداً من الفقهاء قال بظاهره ؛ لأن أصحاب الرأي لا يرون أن صلاته قد تمت بنفس القعود حتى يكون ذلك بقدر التشهد على ما رووه عن ابن مسعود ، ثم لم يقودوا قولهم في ذلك ؛ لأنهم قالوا : إذا طلعت عليه الشمس ، أو كان متيمماً فرأى الماء وقد قعد مقدار التشهد قبل أن يُسلم ، [٢١٠/١ -ب) فقد فسدت صلاته، وقالوا فيمن قهقه بعد الجلوس / قدر التشهد لا ينقض الوضوء إلا أن يكون في صلاة ، والأمرُ في اختلاف هذه الأقاويل ومخالفتها الحديث بین . قلت : هذا الحديث حجّة عليهم ؛ فلذلك يُثبتون له أنواع الضَّعْف ؛ فعبد الرحمن بن زياد وإن كان ضعّفه البعضُ فقد وثَّقه آخرون . قال أبو داود : قلت لأحمد بن صالح : يحتج بحديث الإفريقي ؟ قال : نعم، قلت : صحيح الكتاب ؟ قال : نعم . ونقل أحمد بن محمد بن الحجاج ابن رشد ، عن أحمد بن صالح قال : من يتكلم في ابن أنعُم فليس بمقبول ، ابن أَنْعُم من الثقات . وقال عباس بن محمد : سمعت ابن معين (١) سنن الدارقطني (٣٧٩/١). (٢) معالم السنن (١٥١/١). - ١٣٨ - يقول : ليس به بأس . وقال إسحاق بن راهويه : سمعت يحيى بن سعيد القطان يقول : هو ثقة . وقال البخاري : روى عنه الثوري . وقال أبو عبد الرحمن : ليس به بأس . وقال أحمد : رأيت محمد بن إسماعيل يُقوّي أمره ويقول : هو مقارب الحديث . وقد عرفت بهذا تحامل البيهقي وطعنه الواسع في الناس. وروى الحديث - أيضاً - إسحاقُ بن راهويه في (((مُسنده)): أخبرنا جعفر بن عون : حدّثني عبد الرحمن بن رافع ، وبكر ابن سوادة قالا : سمعنا عبد الله بن عَمْرو مرفوعاً ، فذكره ، ورواه الطحاويّ - أيضاً - بسند السنن ولفظه: قال: ((إذا قضى الإمام الصلاة فقعد فأحدث هو ، أو أحد ممن أتم الصلاة معه قبل أن يُسلم الإمام ، فقد تمت صلاته فلا يُعيدها )) . ومما يؤيده : حديثٌ رواه أبو نعيم الأصبهاني في كتاب ((الحلية)) في ترجمة عمر بن ذر: حدّثنا محمد بن المظفر : ثنا صالح بن أحمد : ثنا يحيى بن مخلد - المعنى - : ثنا عبد الرحمن بن الحسن أبو مسعود الزجاج ، عن عمر بن ذر ، عن عطاء ، عن ابن عباس أن رسول الله - عليه السلام - كان إذا فرغ من التشهد أقبل علينا بوجهه وقال: ((مَنْ أحدَث بعد ما فرغ من التشهد فقد تمت صلاته )) ، وما رواه ابن أبي شيبة في (( مصنفه)): حدّثنا أبو معاوية ، عن حجاج ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث ، عن عليّ قال : إذا جلس الإمام في الرابعة ثم أحدث فقد تمت صلاته ، فليقم حيث شاء . وأخرجه البيهقي ، عن أبي إسحاق ، عن عاصم بن ضمرة ، عن عليّ ، فذكره ، وزاد فيه : قدر التشهد . وأخرج ابن أبي شيبة - أيضاً - نحوه ، عن الحسن ، وابن الُسيّب ، وعطاء ، وإبراهيم النخعي . وقول البيهقي: (( وإن صح فإنما كان قبل أن يفرض التسليم )) غير مسلم؛ لأنه مجرد دعوى ، ولا نسلم أن التسليم فرض لحديث ابن مسعود، ولا يصح الاستدلال على فرضيته بقوله - عليه السلام -: (( وتحليلها التسليم)) ؛ لأنه ليس فيه نفي التحليل بغير التسليم ، إلا أنه خصّ التسليم لكونه واجباً ، ويُرد بهذا التقرير قول الخطابيّ - أيضاً - «وقد عارضته الأحاديث )) إلى آخره . وقول الخطابي: ((ولا أعلم أحداً من الفقهاء قال بظاهره )) إلى آخره - ١٣٩ - غير صحيح ؛ لأن علماءنا ولا سيّما أبا يوسف ومحمداً قالا به ، وليس المراد من قوله في الحديث: ((وقَعد )) نفس القعود ؛ بل القعود قدر التشهد كما فسّر به في حديث عمر بن ذر وفي حديث عليّ وغيرهما . وقوله: ((لأنهم قالوا: إذا طلعت الشمس)) إلى آخره غير صحيح -أيضاً- ؛ لأن بطلان الصلاة من هذه الصَّوَر عند أبي حنيفة بناء على أن الخروج من الصلاة بفعل المصلي فرض ؛ وليس لهذا تعلّق بالحديث المذكور عند أبي حنيفة ، وأما أبو يوسف ومحمد فلا يريان بطلان الصلاة في هذه الصور بهذا الحديث - كما ذكرناه مفصلاً - وكيف يلتئم كلام الخطابيّ ؟ أم كيف يكون حجةً لتضعيف هذا الحديث ؟ ٥٩٩ - ص - نا عثمان بن أبي شيبة : نا و کیع ، عن سفيان، عن ابن عقيل، عن محمد ابن الحنفية ، عن عليّ - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله -عليه السلام -: ((مفتاح الصلاة : الطهور، وتحريمها : التكبير ، وتحليلها : التسليم)) (١) . ش - ابن عقيل : هو عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب . (((٢) رُوي هذا من حديث عليّ، ومن حديث الخدريّ ، ومن حديث عبد الله بن زيد ، ومن حديث ابن عباس . أما حديث عليّ : فأخرجه أبو داود ، والترمذي ، وقال الترمذي : هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب وأحسَن. وقال النووي في (( الخلاصة)): [٢١١/١-١] / هو حديث حسَنَّ، وقال في ((الإمام)): ورواه الطبراني ثم البيهقي (٣) من جهة أبي نعيم ، عن سفيان الثوريّ ، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن ابن الحنفية رفعه إلى النبي - عليه السلام - قال: (( مفتاح الصلاة : الطهور)) الحديث قال : وهذا على هذا الوجه مرسل . وأما حديث أبي سعيد : فرواه الترمذي ، وابن ماجه من حديث طريف (١) الترمذي : كتاب الطهارة ، باب : ما جاء مفتاح الصلاة الطهور (٣) ، ابن ماجه : كتاب الطهارة ، باب : مفتاح الصلاة الطهور (٢٧٥) . (٢) انظر: نصب الراية (٣٠٧/١ - ٣٠٨). (٣) السنن الكبرى (١٧٣/٢، ٣٧٩)، وأخرجه كذلك أحمد (١٢٣/١، ١٢٩)، والدارقطني (١/ ٣٦٠، ٣٧٩)، والدارمي (٦٣) . - ١٤٠ -