النص المفهرس

صفحات 101-120

ش - مسلم بن إبراهيم : القصّاب ، وأبان : ابن يزيد العطار .
ويُدَيل : ابن مَيْسرة العقيلي البصري . روى عن : أنس بن مالك ،
وأبي العالية البَرّاء ، وعطاء بن أبي رباح ، وغيرهم . روى عنه : قتادة ،
وشعبة ، وأبان بن يزيد ، وغيرهم . قال ابن معين : ثقة . وقال
أبو حاتم : صدوق . مات سنة ثلاثين ومائة . روى له : الجماعة إلا
البخاري(١) .
..-. "
...-
وأبو عطية مولى لبني عقيلٍ . روى عن : مالك بن الحويرث . روى
عنه : بديل بن مَيْسرة . قال أبو حاتم : لا يُعرف ولا يسمّى . روى له :
أبو داود ، والترمذي ، والنسائي (٢).
قوله : ((فصلِّهْ)) الهاء فيه هاء السكْت دون الضمير . والحديث : أخرجه
النسائي مختصراً ، وأخرجه الترمذي وقال : هذا حديث حسَن ، والعملُ
على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي - عليه السلام- وغيرهم،
قالوا : صاحب المنزل أحق بالإمامة من الزائر . وقال بعض أهل العلم :
إذا أذن له فلا بأس أن يصلي به . وقال إسحاق : لا يصلي أحد بصاحب
.....
المنزل وإن أذن له صاحب المنزل ، قال : وكذلك في المسجد لا يصلي بهم
في المسجد إذا زارهم يقول : ليُصل بهم رجل منهم .
٦٠ - بَابُ: الإِمَامِ يَقُوم مكاناً أَرْفِعَ مِن مكان القَوْم
أي : هذا باب في بيان الإمام يقوم في مكان أرفع من مكان القوم ،
وفي بعض النسخ: (( باب ما جاء في الإمام يقوم مكاناً )) ، وانتصاب
(مكاناً)) على الظرفية، و(( أرفع)) نصب على أنه صفته .
٥٧٨ - ص - نا أبو مسعود الرازي أحمد بن الفُرات ، وأحمد بن سنان
...---
- المعنى - قالا: نا يعلى : نا الأعمش ، عن إبراهيم، عن همّام أن حذيفة
(١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٦٤٨/٤).
(٢) المصدر السابق (٧٥١٧/٣٤) .
- ١٠١ -

أمّ الناسَ بالمدائن على دكان ، فأخذ أبو مسعود بقميصه فجَبِذَه، فلما فرغَ
من صلاته قال : أُلم تعلم اُنھم کانوا ینهون عن ذلك ؟ قال : بلى ، قد
ذكرتُ حين مَدَدْتني (١) .
ش - أحمد بن الفرات : ابن خالد الضبي أبو مسعود الرازي الوراق ،
أحد الأئمة الأعلام ، وحُفّاظ الحديث ، ونُقاد الأثر . سمع : حماد بن
أسامة ، ويعلى ، وأبا داود الطيالسي ، وغيرهم . روى عنه : أبو داود ،
وحميد بن الربيع ، وعبد الله بن جعفر بن أحمد ، وغيرهم . قال أحمد
ابن حنبل : ما تحت أديم السماء أحفظ لأخبار رسول الله من أبي مَسْعود .
وقال إبراهيم بن محمد الطّان : سمعت أبا مسعود يقول : كتبتُ عن ألف
وسبع مائة وخمسين رجلاً ، أدخلتُ في مُصنّفي ثلثمائة وعشرة وعطَّلْتُ
سائر ذلك ، وكتبَتُ ألف ألف حديث وخمس مائة ألف حديث ، فأخذت
[٢٠٣/١ -ب] من ذلك ثلثمائة ألف في التفسير والأحكام والفوائد / وغيره . توفي سنة
ثمان وخمسين ومائتين بأصبهان ، وقبرُهُ ظاهر يُزَارُ (٢).
وأحمد بن سنان : القطان الواسطي .
ويَعْلى : ابن عُبيد بن أبي أمية أبو يوسف الطنافسي الإيادي الحنفي
الكوفي ، أخو محمد وإبراهيم وعمر . سمع : يحيى بن سعيد الأنصاري
والأعمش ، والثوري ، وغيرهم . روى عنه : أخوه : محمد ، وأبو بكر
ابن أبي شيبة ، وأحمد بن سنان ، وأحمد بن الفرات ، وغيرهم . قال
أحمد بن حنبل : كان صحيح الحديث صالحاً في نفسه . وقال ابن معين :
ثقة . وقال أبو حاتم : صدوق . توفي سنة تسع ومائتين . روى له :
الجماعة (٣) .
وإبراهيم : النخعي ، وهمام : ابن الحارث النخعي الكوفي ، وحذيفة:
ابن اليمان .
(١) تفرد به أبو داود .
(٢) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٨٨/١).
(٣) المصدر السابق (٧١١٥/٣٢) .
- ١٠٢ -

قوله : ((بالمدائن)) أي : في المدائن ؛ وهي مدينة قديمة على دجلة تحت
بغداد سهما سَبعة فراسخ ، وفيها كانت إيوان كسرى ، واسمها بالفارسية:
طَيْسَفُون .
قوله: (( على دكان )) الدكان واحد الدكاكين ؛ وهي الحوانيت ، فارسي
معرّب ، وقيل : الدكان : الدكة المّبْنِيّة للجلوس عليها ؛ واختلف في النون
فمنهم من يَجْعلها أصلاً ، ومنهم من يَجْعلها زائدةً .
قوله: (( أبو مسعود )) هو عقبة بن عمرو البدري .
وبهذا الحديث استدلّ أصحابنا أن الإمام إذا كان وحده على الدكان يكره
ذلك ؛ لأنه يُشبه صنيع أهل الكتاب من حيث تخصيص الإمام بالمكان ،
وكذا إذا كان القوم على الدكان وحدهم ؛ لأنه ازدراء بالإمام .
٥٧٩ - ص - نا أحمد بن إبراهيم : نا حجاج، عن ابن جريج : أخبرني
أبو خالد، عن عدي بن ثابت الأنصاري : حدثني رجل أنه كان مع عمّار بن
ياسر بالمدائن : فأقيمت الصلاةُ فتقدّم عمّار بن ياسرِ وقامَ على دُكانِ يُصلي
والناس أسفلَ منه ، فتقدّمَ حذيفةُ فأخذ على يدَيْه فاتبعَه عمَارٌ حتى أنزلَه
حذيفة ، فلما فرغ عمارٌ من صلاته قال له حذيفة : ألم تَسْمَعْ رسول الله
يَقولُ: ((إذا أمّ الرجلُ القومَ فلا يَقُم في مكان أرفعَ من مقامِهم » أو نحو
ذلك؟ قال عمارٌ: لذلك اتبعتك حين أخذتَ علي يدَيّ (١).
ش - أحمد بن إبراهيم : ابن كثير بن زيد بن أفلح بن منصور بن
مزاحم العبدي أبو عبد الله المعروف بـ ((الدورقي)) . سمع : أخاه :
يعقوب ، وابن مهدي ، والحجاج ، وأبا داود الطيالسي ، وغيرهم . روى
عنه : مسلم ، وأبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه ، وغيرهم . قال
أبو حاتم : صدوق . مات بالعسكر يوم السبت لسبع بقين من شعبان ،
سنة ست وأربعين ومائتين (٢) .
وحجاج : ابن محمد الأعور ، وعبد الملك : ابن جريج .
(١) تفرد به أبو داود .
(٢) انظر ترجمته في : تهذيب الكمال (٣/١).
- ١٠٣ -

وأبو خالد : روى عن : عدي بن ثابت ، روى عنه : ابن جريج .
روی له : أبو داود (١) .
قوله: (( أسفل منه)) منصوب على الظرفية .
قوله: ((لذلك)) أي: لأجل قول النبي - عليه السلام - هذه المقالة.
وفي إسناد الحديث رجل مجهول .
٦١ - بَابُ: إِمَامَة مَنْ صَلّى (٢) بِقَوْمٍ وَقَد صَلّى تِلك الصَّلاةَ
أي : هذا باب في بيان إمامة من صلى بقوم والحال أنه قد صلى تلك
الصلاة التي يصليها بالقوم .
٥٨٠ - ص - نا عبيد الله بن عمر بن ميسرة : نا یحیی بن سعيد ، عن
محمد بن عجلان : نا عبيد الله بن مقسم ، عن جابر بن عبد الله ، أن معاذَ بن
جبل كان يُصلِّي مع رسول الله وَ يرِ العِشاء، ثم يأتي قومَه فيُصلي بهم تلك
الصلاة (٣).
ش - عبيد الله بن مقسم المديني مولى ابن أبي نمير . سمع : عبد الله
ابن عُمر ، وأبا هريرة ، وجابر بن عبد الله ، وأبا صالح السمان ،
وغيرهم . روى عنه : يحيى بن أبي كثير ، وابن عجلان ، وسلمة بن
دينار ، وغيرهم . قال أبو زرعة : ثقة . وقال أبو حاتم : لا بأس به .
روى له : الجماعة إلا الترمذي (٤).
وبهذا الحديث استدل الشافعي على جواز اقتداء المفترض بالمتنفل ؛
فقال: لأن صلاة معاذ مع رسول الله هي الفريضة ، وإذا كان قد صلّى
فرضه كانت صلاته بقومه نافلة له ، وبه قال أحمد ، والأوزاعي ، وهو
قول عطاء وطاوس . وقال أبو حنيفة : لا يجوز ذلك ؛ وهو قول
(١) المصدر السابق (٧٣٣٩/٣٣).
(٢) في سنن أبي داود: ((يصلي)).
(٣) تفرد به أبو داود .
(٤) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٣٦٨٨/١٩).
- ١٠٤ -

الزهري، وابن المسيّب، والنخعي، وأبي قلابة، وربيعة بن أبي عبد الرحمن ،
ويحيى بن سعيد الأنصاري ، والحسن البصري في رواية ، ومجاهد ،
ومالك بن أنس، واستدلّ على ذلك بقوله - عليه السلام -: (( إنما جعل
الإمام ليُؤتم به ، فلا تختلفوا عليه)) . قال ابن بطال : ولا اختلاف أعظم
من اختلاف النيات، ولأنه لو جاز بناء المفترض على صلاة / المتنفل لما [٢٠٤/١-١]
شرعت صلاة الخوف مع كل طائفة بعضها ، وارتكاب الأعمال التي لا
تصح الصلاة معها في غير الخوف ؛ لأنه - عليه السلام - كان يمكنه أن
يصلي مع كل طائفة جميع صلاته ، وتكون الثانية له نافلةً وللطائفة الثانية
فريضةً .
والجواب عن حديث معاذ - رضي الله عنه - من وجوه ؛ الأول : أن
الاحتجاج به من باب ترك الإنكار من النبي - عليه السلام - ، وشرطه :
علمهُ بالواقعة ، وجاز أن لا يكون علم بها ، وأنه لو علم لأنْكر .
فإن قيل : يَبْعُد أو يمتنعُ في العادة أن لم يعلم النبيّ - عليه السلام -
بذلك من عادة معاذٍ. قلتُ : لا يَبْعدُ ولا يمتنع ذلك ، ألا ترى إلى قوله
- عليه السلام -: (( يا معاذ ، لا تكن فتاناً ، إما أن تصلي معي وإما أن
تخفف عن قومك )) ، وذلك حين أتى سُلَيمُ رسولَ الله فقال : إنا نُصلي
في أعمالنا فنأتي حين نُمسي فنُصلي ، فيأتي معاذ بن جبلٍ فيُنادي بالصلاة
فنأتيه فيطوّل علينا ، فقوله - عليه السلام - هذا يدل على أنه عند رسول
الله كان يفعل أحد الأَمْرين : إما الصلاة معه أو بقومه وأنه لم يكن
يَجْمعهما ؛ لأنه قال : إما أن تصلي معي أي : ولا تُصلّ بقومك ، وإما
أن تخففه بقومك أي : ولا تصل معي ، ولو كان جمعه بينهما صحيحاً
لأمره بالتخفيف فقط .
الثاني : أن النية أمر باطنٌ لا يطلع عليه إلا بإخبار الناوي ، فجاز أن
تكون نيّته مع النبي - عليه السلام - الفرض ، وجاز أن تكون النفل ولم
يَرِدْ عن معاذ ما يدلّ على أحدهما ؛ وإنما يعرف ذلك بإخباره .
- ١٠٥ -

فإن قيل : قد جاء في الحديث رواية ذكرها الدارقطني (١) من حديث
أبي عاصم وعبد الرزاق ، عن عَمرو ، أخبرني جابر ، أن معاذاً كان
يصلي مع النبي - عليه السلام - العشاء ، ثم ينصرف إلى قومه فيصلي
بهم تلك الصلاة هي لهم فريضة وله تطوع. وفي (( مسند الشافعي)) بسند
صحيح ، عن عبد المجيد ، عن ابن جريج ، عن عمرو : فيُصليها لهم ،
هي له تطوع ولهم مكتوبة . قال : البيهقي : هذا حديث ثابت لا أعلم
حديثاً يروى من طريق واحدة أثبت من هذا ، ولا أوثق رجالاً . وكذا رواه
أبو عاصم النبيل ، وعبد الرزاق ، عن ابن جريج بذكر هذه الزيادة .
قلت : ذكر الطحاوي أن ابن عيينة روى عن عمرو حديث جابر فلم
يذكر (( هي له نافلة ولهم فريضة )) ، فيجوز أن يكون من قول ابن جريج،
أو من قول عمرو ، أو من قول جابر بناء على ظنّ واجتهاد لا بجزمٍ ،
وزعم أبو البركات ابن تيمية أن الإمام أحمد ضعّف هذه الزيادة ، وقال :
أخشى أن لا تكون محفوظة ؛ لأن ابن عيينة يزيد فيها كلاماً لا يقوله أحد.
زاد ابن قدامة في (( المغني)) : وقد روى الحديث : منصور بن زاذان وشعبة
فلم يقولا ما قال سفيان . وقال ابن الجوزيّ : هذه الزيادة لا تصح ، ولو
صحت كانت ظنا من جابر، وبنحوه ذكره ابن العربي في (( العارضة)) .
فإن قيل : لا يظن معاذ أنه يترك فضيلة فرضه خلف النبي - عليه
السلام- ويأتي بها مع قومه . قلت : قال ابن العربيّ : وفضيلة النافلة
خلفه لتأدية فريضة لقومه تقوم مقام أداء الفريضة معه ، وامتثال أمره - عليه
السلام - في إمامة قومه زيادة طاعة ، أو يحمل على أن معاذاً كان يصلي
مع النبي - عليه السلام - صلاة النهار ، ومع قومه صلاة الليل ، فأخبر
الراوي في قوله: (( فهي لهم فريضة وله نافلة )» بحال معاذ في وقتين لا
في وقت واحدٍ .
الثالث : أن هذا حكاية حال لم يُعلم كيفيّتها فلا يعمل بها ، ويُستدلُ
(١) سننه (٢٧٤/١، ٢٧٥).
- ١٠٦ -

بما في صحيح ابن حبان: (( الإمام ضامن)) يعني: يضمنها صحةً وفساداً،
والفرض ليست مضموناً في النفل . فإن قيل : إن النبي - عليه السلام -
قال: ((إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)) فكيف يظنّ بمعاذ مع
سماع هذا ، أن يصلي النافلة مع قيام المكتوبة ؟ قلت : إن مفهومه أن لا
يُصلي نافلة غير الصلاة التي تقام ؛ لأن المحذور وقوع الخلاف على الأئمة،
وهذا المحذور منتفٍ مع الاتفاق في الصلاة المُقامة ، ويؤيد هذا الاتفاق من
الجمهور على جواز اقتداء المتنفل بالمفترض ، ولو تناوله النهي لما جاز
مُطلقاً .
الرابع : أن هذا حديث منسوخ ؛ قال الطحاوي : يحتمل أن يكون
ذلك وقت كانت الفريضة تصلَّى مرتين ؛ فإن ذلك كان يفعل أول الإسلام
حتى نهى عنه، ثم ذكر حديث ابن عمر /: (( لا تُصلّى صلاة في يوم [٢٠٤/١ -ب]
مَرّتين )).
فإن قيل : إثبات النسخ بالاحتمال لا يجوز . قلت : يُسْتَدِلُّ على ذلك
بوجه حسنٍ ؛ وذلك أن إسلام معاذ متقدّم ، وقد صلّى النبي - عليه
السلام - بعد سنين من الهجرة صلاة (١) الخوف غير مرة من وجه وقع فيه
مخالفة ظاهرة بالأفعال المنافية للصلاة ، فيُقال : لو جازت صلاة المفترض
خلف المتنفل ، لأمكن إيقاع الصلاة مرتين على وجه لا تقع فيه المنافاة
والمفسدات في غير هذه الحالة ؛ وحيث صُلّيت على هذا الوجه مع إمكان
دفع المفسدات - على تقدير جواز اقتداء المفترض بالمتنفل - دَلّ على أنه لا
يجوز ذلك .
الخامس : قال المهلب : يحتمل أن يكون حديث معاذ كان أول الإسلام
وقت عدم القراء ، ووقت لا عوض للقوم من معاذ ؛ فكانت حال ضرورة
فلا تجعل أصلاً يُقاسُ عليه .
٥٨١ - ص - نا مُسدّد: نا سفيان، عن عمرو بن دينار سمع جابر بن
(١) في الأصل: ((صلاف)).
- ١٠٧ -

ءُ
عبد الله يقول : إن معاذاً كان يُصلِّ مع النبي - عليه السلام - ثم يرجع فيؤم
قومه(١) .
ش - الحديث : أخرجه البخاريّ ، ومسلم ، والنسائي ؛ ولفظ مسلم :
(( إن معاذاً كان يُصلِّي مع رسول الله عشاء الآخرة ثم يرجع إلى قومه
فيصلي بهم تلك الصلاة)). ولفظ البخاريّ: (( فيُصلي بهم الصلاة
المكتوبة )) .
٦٢ - باب: الإمام يصلي من قعود
أي : هذا باب في بيان حكم الإمام يصلي قاعداً ، وفي بعض النسخ :
((باب إذا صلى الإمام قاعداً وفي بعضها: ((إذا صلى من قعود)).
٥٨٢ - ص - نا القعنبي ، عن مالك ، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك
أن رسول الله وَ﴿ل ركب فرساً، فصُرع عنه فحُحشَ شقُّهُ الأيمنُ، فصلّى
صلاةً من الصلوات وهو قاعدٌ وصلينا وراءه قعوداً ، فلما انصرف قال :
((إنما جُعل الإمامُ ليؤتمَّ به، فإذا صلّى قائماً فصلوا قياماً، وإذا ركعَ فاركعوا،
وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال : سمع الله لمن حمده فقولوا : ربنا ولك الحمدُ،
وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعون)) (٢).
(١) البخاري: كتاب الأذان، باب: إذا طول الإمام وكان للرجل حاجة فخرج
فصلى (٧٠١) ، مسلم : كتاب الصلاة ، باب : القراءة في العشاء
(٤٦٥/١٧٨)، النسائي: كتاب الافتتاح ، باب: القراءة في العشاء الآخرة
ب﴿ سبح اسم ربك الأعلى﴾ (٢/ ١٧٢).
(٢) البخاري : كتاب الأذان، باب: إنما جعل الإمام ليؤتم به (٦٨٧) ، مسلم :
كتاب الصلاة ، باب : انتمام المأموم بالإمام (٤٨٢)، الترمذي : كتاب الصلاة
باب : ما جاء إذا صلى الإمام قاعداً فصلوا قعوداً (٣٦١) ، النسائي : كتاب
الإمامة ، باب : انتمام المأموم بالإمام (٢ / ٨٢)، وكتاب التطبيق، باب : ما=
- ١٠٨ -

ش - ((صرع عنه )) أي : سَقَط ؛ وكذا في رواية البخاريّ .
قوله: (( فجُحش)) - بضم الجيم وكسر الحاء المهملة وبالشين المعجمة -
من الجحش وهو مثل الخَدْش ، وقيل : فوقه . وقال الخطابي (١) : معناه:
أنه قد انسحج جلْده ، وقد يكون ما أصاب رسول الله من ذلك السقوط
مع الخدش رض في الأعضاء وتوجّع ؛ فلذلك منعه القيام للصلاة .
قوله: ((وهو قاعدٌ)) جملة اسميّة وقعت حالاً من الضمير الّذي في
((فصلّى)) .
قوله: ((قعوداً)) حال أي : قاعدين ، وهو جمع قاعد ، كالسجود
جمع ساجد .
قوله: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به )) تمسّك به أبو حنيفة ومالك فقالا : يأتم
به في الأفعال والنيات . وعند الشافعي وغيره : يأتم به في الأفعال
الظاهرة.
قوله: ((قياماً)) حال أيضاً - أي : قائمين ؛ وهو جمع قائم ، كالصيام
جمع صائم .
قوله: ((وإذا رفع)) أي : رأسه ، فارفعوا رءوسكم .
قوله: ((وإذا قال: سمع الله لمنْ حمده)) وهذا مجاز عن الإجابة ،
والإجابة مجاز عن الدعاء ، فصار هذا مجاز المجاز ، والهاء فيه للسكتة
والاستراحة ، لا للكتابة حتى لا يجوز فيه إلا الوقف .
قوله: ((ربنا ولك الحمد)) انتصاب ((ربَّنا)) على أنه منادى، وحرف
النداء محذوف ، فهذه الواو زائدة ، وقيل : عاطفة تقديره : ربنا حمدناك
ولك الحمد . وبه استدل أبو حنيفة على أن وظيفة الإمام : التسميع ،
= يقول المأموم (١٩٥/٢)، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة والسُّنَّة فيها، باب:
ما جاء في إنما جعل الإمام ليؤتم به (١٢٣٨) .
(١) معالم السنن (١٤٩/١).
- ١٠٩ -

ووظيفة المقتدي : التحميد ؛ لأنه - عليه السلام - قسَم ، والقسمة تنافي
الشركة ، وهو قول مالك ، وأحمد في رواية ، وعند أبي يوسف ومحمد:
يأتي الإمام بهما ؛ وهو قول الشافعي ، وأحمد في رواية ، والحديث
حجة عليهم. وأما المؤتم: فلا يقول إلا ((ربنا لك الحمد)) ليس إلا
عندنا. وقال الشافعي ومالك : يجمع بينهما ، وسنَسْتوفي الكلام في هذا
الباب عند انتهائنا إلى بابه إن شاء الله تعالى .
قوله: (( جلوساً)) حال - أيضاً - أي : جالسين ؛ وهو جمع جالس .
قوله: ((أجمعون)) تأكيد للضمير المرفوع الذي في قوله: ((فصَلّوا)).
والحديث أخرجه باقي الأئمّة الستة ، واستدلّ به الإمام أحمد ، وإسحاق
ابن راهويه ، وابن حزم ، والأوزاعي ، ونفر من أهل الحديث : أن الإمام
إذا صلى قاعداً يَصلي مَنْ خلفه قعوداً . وقال مالك : لا تجوز صلاة القادر
على القيام خلف القاعد لا قائماً ولا قاعداً . وقال أبو حنيفة ، والشافعي،
[٢٠٥/١-١ والثوري / ، وأبو ثور ، وجمهور السلف: لا يجوز للقادر على القيام
أن يُصلِّي خلْفَ القاعد إلا قائماً . وقال المرغيناني : النفل والفرض سواء.
والجواب عن الحديث من وجوه ؛ الأول : أنه منسوخ ؛ وناسخه :
صلاة النبي - عليه السلام - بالناس في مرض موته قاعداً وهم قيام ،
وأبو بكر قائم يُعلمهم بأفْعال صلاته ؛ بناء على أن النبي - عليه السلام -
كان الإمامَ ، وأن أبا بكر كان مأموماً في تلك الصلاة .
فإن قيل : كيف وجه هذا النَسْخ ، وقد وقع في ذلك خلاف ؛ وذلك
أن هذا الحديث الناسخ وهو حديث عائشة فيه أنه كان - عليه السلام -
إماماً وأبو بكر مأموم ، وقد ورد فيه العكس كما أخرجه الترمذي والنّسائي
عن نُعيم بن أبي هند ، عن أبي وائل ، عن مَسْروق ، عن عائشة قالت :
((صلّى رسولُ الله ◌َّ في مرضه الذي توفي فيه خلف أبي بكر قاعداً)).
وقال الترمذي : حديث حسن صحيح ، وأخرج النسائي - أيضاً - ، عن
حُميد ، عن أنس قال : آخر صلاة صلاها رسول الله مع القوم صلى في
- ١١٠ -

ثوب واحد متوشحاً خلف أبي بكر ؟ قلت : مثل هذا ما يُعارضُ مَا وقع
في ((الصحيح)) مع أن العلماء جمعوا بينهما ؛ فقال البيهقي في ((المعرفة)):
ولا تعارض بين الخَبَريْن ؛ فإن الصلاة التي كان فيها النبي - عليه السلام -
إماماً هي صلاة الظهر يوم السَّبْت أو الأحد ، والتي كان فيها مأموماً هي
صلاة الصبح من يوم الاثنين ؛ وهي آخر صلاة صلاها - عليه السلام -
حتى خرج من الدنيا . قال : وهذا لا يُخالفُ ما ثبت عن الزهري عن
أنس في صلاتهم يوم الاثنين ، وكشفه - عليه السلام - الستر ثم إرخائه ؛
فإن ذلك إنما كان في الركعة الأولى ، ثم إنه - عليه السلام - وجد في
نفسه خفةً ، فخرج فأدرك معه الركعة الثانية . وقال القاضي عياض : نسخ
إمامة القاعد محتملة بقوله - عليه السلام -: (( لا يؤمّن أحد بَعْدي
جالساً)) وبفعل الخلفاء بعده ، وأنه لم يؤم أحد منهم قاعداً ، وإن كان
النسخ لا يمكن بعد النبي - عليه السلام - فمثابرتهم على ذلك تشهد
بصحة نهيه - عليه السلام - عن إمامة القاعد بعده .
قلت : هذا الحديث أخرجه الدارقطني، ثم البيهقي في ((سننهما )) عن
جابر الجُعفي ، عن الشعبيّ ؛ وقال الدارقطني: لم يَرْوه عن الشعبيّ غير
جابر الجُعْفي ؛ وهو متروك ، والحديث مُرْسل لا تقوم به حجة . وقال
عبد الحق في ((أحكامه)): ورواه عن الجُعْفيّ: مجالد؛ وهو - أيضاً -
ضعيف .
الثاني : أنه كان مخصوصاً بالنبي - عليه السلام - ؛ وفيه نظر ؛ لأن
الأصل عدم التخصيص حتى يدلّ عليه دليل - كما عرف في الأصول .
الثالث: يُحمل قوله: ((فإذا صلى جالساً فصلُّوا جلوساً)) على أنه إذا
كان الإمام في حالة الجلوس فاجلسوا ولا تخالفوه بالقيام، وكذلك ((إذا
صلى قائماً فصّلوا قياماً)) أي : إذا كان في حالة القيام فقوموا ولا تخالفوه
بالقعود، وكذلك في قوله: ((فإذا ركع فاركعوا وإذا سجد فاسجدوا )).
ولقائل أن يقول : لا يَقْوى الاحتجاج على أحمد بحديث عائشة المذكور
أنه - عليه السلام - صلى جالساً والناس خلفه قيام ؛ بل ولا يصلح لأنه
- ١١١ -

يجوز صلاة القائم خلف من شرع في صلاته قائما ثم قعد لعُذر ،
ويجعلون هذا منه سيّما وقد ورد في بعض طرق الحديث أن النبي - عليه
السلام - أخذ في القراءة من حيث انتهى إليه أبو بكر ، رواه الدارقطني في
((سننه)) وأحمد في ((مسنده)).
فإن قيل: قال ابن القطان في كتابه (( الوهم والإيهام)): وهي رواية
مُرْسلة ؛ فإنها ليست من رواية ابن عباس عن النبي - عليه السلام - ؛
وإنما رواها ابن عباس ، عن أبيه : العباس ، عن النبي - عليه السلام - ؛
كذلك رواه البزار في (( مسنده )) بسند فيه قيس بن الربيع ؛ وهو ضعيف ،
ثم ذكر له مثالب في دينه قال : وكان ابن عباس كثيراً ما يُرْسل . قلت :
رواه ابن ماجه من غير طريق قيس ، فقال : حدَّثنا عليّ بن محمد : ثنا
وكيع ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن الأرقم بن شرحبيل ، عن
ابن عباس قال: لما مرض رسول الله وَ له، فذكره إلى أن قال: قال ابن
عباس : وأخذ رسول الله في القراءة من حيث كان بلغ أبو بكر - رضي
[٢٠٥/١ -ب] الله عنه - / .
وقال الخطابيّ (١) : وذكر أبو داود هذا الحديث من رواية جابر،
وأبي هريرة ، وعائشة ، ولم يذكر صلاة رسول الله - عليه السلام - آخر
ما صلاها بالناس وهو قاعدٌ والناس خلفه قيامٌ ؛ وهذا آخر الأمرين من
فعله - عليه السلام - . ومن عادة أبي داود فيما أنشأه من أبواب هذا
الكتاب : أن يذكر الحديث في بابه ويذكر الذي يُعارضُه في باب آخر على
إثْره ؛ ولم أجده في شيء من النَّسَخ ، فلستُ أَدْري كيف أغفلَ ذكر هذه
القصّة ؛ وهي من أمهات السنن ؟ وإليه ذهب أكثر الفقهاء .
قلت : إما تركها سَهْواً وغفلةً ، أو كان رأيه في هذا الحكم مثل ما
ذهب إليه الإمام أحمدُ ؛ فلذلك لم يذكر ما يَنْقضه ، والله أعلم .
٥٨٣ - ص - نا عثمان بن أبي شيبة: نا جرير ووكيع ، عن الأعمش ، عن
(١) معالم السنن (١٤٨/١).
- ١١٢ -

أبي سفيان، عن جابر قال: ركب رسول الله و سير فرساً بالمدينة فصرعه على
جذْم نخلة فانفكّت قدمُه ، فأتيناه نَعُوده فوجدناه في مَشْرُبَة لعائشةَ يُسبّح
جالساً ، قال: فقمنا خَلْفه فسكت عنّا ، ثم أتَيْناه مرةً أخرى نَعُودُه فصلی
المكتوبة جالساً فقمنا خلفه ، فأشار إلينا فقعدنا قال : فلما قضى الصلاةَ قال :
((إذا صلى الإمامُ جالساً فصلوا جلوساً ، وإذا صلى الإمام قائماً فصَلّوا قياماً،
ولا تفعلوا كما يفعلُ أهلُ فارس بُعظمائها)) (١).
ش - جرير : ابن عبد الحميد .
وأبو سفيان : اسمه : طلحة بن نافع القرشي مولاهم الواسطي ويقال :
المكي . روى عن : عبد الله بن عباس ، وابن عُمر ، وجابر بن عبد الله،
وأنس بن مالك ، والحسن البصري ، وعُبيد بن عُمير . روى عنه :
الأعمش ، وأبو خالد الدالاني ، وحجاج بن أرطاة ، وغيرهم . قال
أحمد بن حنبل : ليس به بأس . وقال ابن عدي : لا بأس به . روی له:
= (٢)
الجماعة إلا البخاري
وجابر : ابن عبد الله .
قوله: ((على جذْم نخلة)) - بكسر الجيم وسكون الذال المعجمة - أي :
أصل نخلةٍ ؛ وجذَّم كل شيء : أصْله .
قوله: ((في مَشْرُبة)) - بفتح الميم ، وسكون الشين المعجمة ، وفتح
الراء وضمها - وهي الغرفة ، وقيل : كالجرانة فيها الطعام والشراب ؛ وبه
سمّيت مشربةً ، والميم فيها زائدة .
قوله: ((يُسبّح جالساً)) أي : يصلي بصلاة الضحى حال كونه جالساً .
قوله : (( بُعظمائها)) العُظماء: جمع عظيم ؛ كالكرماء جمع كريم .
......
(١) ابن ماجه : كتاب الطب، باب : موضع الحجامة (٣٤٨٥) مختصراً.
(٢) انظر ترجمته في : تهذيب الكمال (٢٩٨٣/١٣).
٨ ٠ شرح سنن أبي داوود ٣
- ١١٣ -

فإن قيل : كيف سكت النبي - عليه السلام - في الحالة الأولى ،
وأشار إليهم بالقعود في الحالة الثانية ؟ قلت : لأن الحالة الأولى كان النبي
- عليه السلام - فيها متطوعاً ، والتطوعات يحتمل فيها ما لا يحتمل في
الفرائض ، بخلاف الحالة الثانية فإنه كان فيها مفترضاً ، وقد صرح بذلك.
والحديث: أخرجه ابن حبّان في ((صحيحه )) ثم قال : وفي هذا الخبر
دليل على أن ما في حديث حميد ، عن أنس أنه صلى بهم قاعداً وهم قيام
أنه إنما كانت تلك الصلاة سبحةً ، فلما حضرت الفريضة أمرهم بالجلوس
فجلسوا ، فكان أمر فريضة لا فضيلة .
٥٨٤ - ص - نا سليمان بن حرب ، ومسلم بن إبراهيم - المعنى - عن
وهيب ، عن مُصْعب بن محمد ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة قال : قال
النبي - عليه السلام -: (( إنما جعل الإمام ليؤتم به ، فإذا كبّر فكبّروا ، ولا
تكبروا حتى يكبّر ، وإذا ركع فاركعوا ولا تركعوا حتى يركع ، وإذا قال :
سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد)) - قال مسلم: (( ولك
الحمد)) - ((وإذا سجد فاسجدوا ولا تسجدوا حتى يَسْجد ، وإذا صلى
قائماً فصلوا قياماً، وإذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً أجمعون (١))) (٢).
ش - وُهَيْب : ابن خالد البصري .
ومصعب بن محمد : ابن شرحبيل بن محمد بن عبد الرحمن بن
شرحبيل بن أبي عزيز القرشي العَبْدري ، من بني عبد الدار بن قصي .
روى عن : أبي صالح ، ونافع بن مالك . روى عنه : محمد بن
عجلان، والثوري ، ووُهَيب ، وابن عيينة . قال أحمد : لا أعلم إلا
(١) في الأصل: ((أجمعين))، وقد ذكرها في شرحه ((أجمعون))، وفي كلامه
ما يشعر بأنها سبق قلم ، والله أعلم .
(٢) تفرد به أبو داود .
- ١١٤ -

خيراً . وقال ابن معين : ثقة . وقال أبو حاتم : يكتب حديثه ولا يحتج
به. روی له : أبو داود ، وابن ماجه (١) .
وأبو صالح : ذكوان الزيات .
قوله: ((فكبروا)) وبه استدل أبو حنيفة على أن المقتدي يكبر مقارناً لتكبير
الإمام ، لا يتقدم الإمام ولا يتأخر عنه ؛ لأن الفاء للحال . وقال
أبو يوسف، ومحمد : الأفضل: أن يكبر بعد فراغ الإمام من التكبير / لأن [٢٠٦/١-١]
الفاء للتعقيب ، وإن كبر مقارناً مع الإمام أجزأه عند محمد روايةً واحدةً ،
وقد أساء ، وكذلك في أصح الروايتين عن أبي يوسف . وفي رواية : لا
يصير شارعاً ثم ينبغي أن يكون اقترانهما في التكبير على قوله کاقتران حرکة
الخاتم والإصبع، والبعديّة على قولهما أن يُوصل ألف ((الله)) براء
(أكْبر)). وقال شيخ الإسلام جواهر زاده : قول أبي حنيفة أدقُّ وأجودُ ،
وقولهما أرفقُ وأحوطُ ، ثم قيل : الخلاف في الجواز ؛ والفتوى أنه في
الأفضلية . وقول الشافعي كقولهما ، وعند الماورديّ : إن شرع في تكبيرة
الإحرام قبل فراغ الإمام منها ، لم تنعقد صلاته ، ويركع بعد شروع الإمام
في الركوع ، فإن قارنه أو سابقه فقد أساء ولا تبطل صلاته ، فإن سلم
قبل إمامه بطلت صلاته ، إلا أن ينوي المفارقة ففيه خلاف مشهور .
قوله: ((وإذا ركع فاركعوا)) الفاء فيه وفي قوله: (( فاسجدوا )) تدل
على التعقيب ، وتدل على أن المقتدي لا يجوز له أن يسبق الإمام بالركوع
والسجود ، حتى إذا سبق الإمام فيهما ولم يلحقه الإمام فسدت صلاته .
قوله: ((قال مسلم)) أي: مسلم بن إبراهيم القصاب أحد شيوخ
أبي داود .
قوله: ((أجمعون)) تأكيد للضمير الذي في ((فصلوا)) ، وفي بعض
النسخ ((أجمعين)) ، فإن كان صحيحاً فوجهه أن يكون تأكيداً لقوله :
((قعوداً )).
(١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٥٩٨٩/٢٨).
- ١١٥ -

ص - قال أبو داود : اللهم ربنا لك الحمد . أفهمني بعض أصحابنا عن
سلیمان .
ش - أي : بدون حرف الواو . وسليمان : هو ابن حرب ، أحد شيوخ
أبي داود .
٥٨٥ - ص - نا محمد بن آدم : نا أبو خالد ، عن ابن عجلان ، عن زيد
ابن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ، عن النبي - عليه السلام - قال :
((إنما جعل الإمام ليؤتم به)) بهذا الخبر، زادَ: ((وإذا قرأ فأنصتوا)) (١).
ش - محمد بن آدم : ابن سليمان المصيصي .
وأبو خالد هذا : هو سليمان بن حيان أبو خالد الأحمر الجعفري
الكوفي الأزدي ، ولد بجرجان . سمع : يحيى الأنصاري ، وسليمان
التيمي ، والأعمش ، ومحمد بن عجلان ، وغيرهم . روى عنه : أحمد
ابن حنبل ، وأبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة ، وغيرهم . قال ابن معين :
ليس به بأس ، وقال - أيضاً - : ثقة . وقال أبو حاتم : صدوق . توفي
سنة سبعين ومائة . روى له الجماعة (٢) .
٠
وزيْد بن أسلم : مولى عمر بن الخطاب .
قوله: ((بهذا الخبر)) أي: الخبر المذكور المرويّ من طريق مُصعب ، عن
أبي صالح ، وزاد أبو خالد في هذا الطريق المروي من [ طريق ] زيد بن
أسلم عن أبي صالح: ((وإذا قرأ)) أي: الإمام ((فأَنْصِتوا)). وبهذا
استدل أصحابنا أن المقتدي لا يقرأ خلف الإمام أصلاً ، وهو حجة على
الشافعي ؛ حيث يُوجب القراءة على المقتدي في جميع الصلوات ، وعلى
مالك في الظهر والعصر .
(١) النسائي: كتاب الافتتاح، باب: تأويل قوله عَزَّ وجَلَّ: ﴿وإذا قرئ القرآن
فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون﴾ (١٤١/٢)، ابن ماجه: كتاب إقامة
الصلاة ، باب : إذا قرأ الإمام فأنصتوا (٨٤٦) .
(٢) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٢٥٠٤/١١).
- ١١٦ -

وقال صاحب ((الهداية)): يستحسن على سبيل الاحتياط ، فيما يروى
عن محمد ، ویکره عندهما لما فيه من الوعيد .
قلت : المراد منه في غير الجهريّة . وفي الجهرية اختلف المشايخ ؛ قال
بعضهم : لا يكره ، وإليه مال الشيخ الإمام أبو حفص ؛ والأصح : أنه
يكره ، وقال شمس الأئمة السرخسي: تفسد صلاته . وقوله: (( لما فيه
من الوعيد )) وهو ما رواه أبو بكر (١) : حدَّثنا محمد بن سليمان
الأصبهاني ، عن عبد الرحمن بن الأصبهاني ، عن ابن أبي ليلى ، عن
عليّ قال : من قرأ خلف الإمام فقد أخطأ الفطرة .
وحدَّثنا وكيع ، عن داود بن قيس ، عن أبي نجاد ، عن سَعْدٍ قال :
وددتُ أن الذي يقرأُ خلف الإمام في فيه جمرة .
وحدَّثنا هشيم قال : أنا إسماعيل بن أبي خالد ، عن وَبْرة ، عن
الأسود بن يزيد أنه قال : وددت أن الذي يقرأ خلف الإمام مُلِئَّ فُوه تراباً .
وسَنَسْتوفي الكلام عند انتهائنا إلى باب (( من ترك القراءة في صلاته » إن
شاء الله تعالى . والحديث : رواه النسائي ، وابن ماجه ، وابن أبي شيبة
في (( مصنفه )).
ص - وهذه الزيادة: ((إذا قرأ فأنصتوا)) ليْست بمحفوظة؛ الوهمُ من
أبي خالد عندنا .
ش - ((هذه)): مبتدأ، و((الزيادة)): مبتدأ ثان، وخبره: ((ليْست
بمحفوظة)) ، والجملة خبر المبتدإ الأول .
وقوله: ((إذا قرأ فأنصتوا)) في محلّ البيان عن الزيادة .
وقوله: ((الوهم)) مبتدأ، وخبره: قوله: ((من أبي خالد))، وفي
غالب / النسخ: (( الوهم عندنا من أبي خالد)) (٢)، وكذا قال البيهقي [٢٠٦/١-ب]
(١) انظره والآثار التي بعده في المصنف (٣٧٦/١ - وما بعدها) .
(٢) كما في سنن أبي داود .
- ١١٧ -

في (( المعرفة)) بعد أن روى حديث أبي هريرة وأبي موسى ؛ وقد أجمع
الحفاظ على خطإ هذه اللفظة في الحديث : أبو داود ، وأبو حاتم ، وابن
معين ، والحاكم ، والدارقطني وقالوا : إنها ليست بمحفوظة ؛ وقال
الدار قطني : وقد رواه أصحاب قتادة الحُفّاظ عنه ؛ منهم : هشام
الدستوائي ، وسعيد ، وشعبة ، وهمام ، وأبو عوانة ، وأبان ، وعَديّ بن
أبي عمارة ؛ ولم يقل أحد منهم: ((وإذا قرأ فأنصتوا )) قال : وإجماعهم
يدل على وهمه ، وعن أبي حاتم : ليست هذه الكلمة محفوظةً ؛ إنما هي
من تخاليط ابن عجلان ، وعن ابن معين في حديث ابن عجلان: (( وإذا
قرأ فأنصتوا)) : ليس بشيء .
قلت : في هذا كله نظرٌ ؛ لأن أبا خالد هذا من الثقات الذين احتج
البخاريّ ومسلم بحديثهم في ((صحيحيهما)) ، ومع هذا فلم ينفرد بهذه
الزيادة ؛ فقد أخرج النسائي هذا الحديث في (( سننه )) بهذه الزيادة من
طريق محمد بن سَعْد الأنصاريّ ، ومن طريق أبي خالد الأحمر ؛ ومحمد
ابن سَعْد : ثقة ؛ وثّقه يحيى بن مَعين ، ومحمد بن عبد الله المخرمي
والنسائي ، فقد تابع ابنُ سَعْد هذا أبا خالد ، وتابعه - أيضاً - إسماعيلُ
ابن أبان ؛ وبهذا ظهر أن الوهم ليس من أبي خالد كما زعم أبو داود ،
وابن خزيمة صحح حديث ابن عجلان ، ويؤكد هذا : ما يُوجد في بعض
نسخ مسلم هذه الزيادة عقيب هذا الحديث . وقال أبو إسحاق صاحب
مُسلم : قال أبو بكر ابن أخت أبي النضر في هذا الحديث : أيُّ طعنٍ فيه؟
فقال مسلم : تريد أحفظ من سليمان ؟! فقال له أبو بكر : فحديث
أبي هريرة تقول هذا صحيح؟ يعني: ((وإذا قرأ فأنصتوا )) فقال : هو
عندي صحيح ، فقال : لِمَ لمْ تضعه هاهنا ؟ قال : ليس كل شيء عندي
صحيح وضعته هاهنا ؛ إنما وضعت هاهنا ما أجمعوا عليه . فقد صحح
مسلم هذه الزيادة من حديث أبي موسى الأشعري ، ومن حديث
أبي هريرة - رضي الله عنهما . وأيضاً هذه الزيادة من ثقة ، وزيادة الثقة
مقبولة، والعجب من أبي داود نسَب الوهم إلى أبي خالد وهو ثقة بلا
شكٍّ ، ولم يَنْسب إلى ابن عجلان وفيه كلام .
- ١١٨ -

٥٨٦ - ص - نا القعنبي ، عن مالك ، عن هشام بن عروة، عن أبيه ، عن
عائشة زوج النبي - عليه السلام - أنها قالت : صلّى رسول الله ( صلى الله ]
عليه وسلم في بيته وهو جالس فصلى وراءه قوم قياماً ، فأشار إليهم أن
اجلسوا، فلما انصرف قال: (( إنما جعل الإمام ليؤتم به ، فإذا ركع فاركعوا،
وإذا رفع فارفعوا، وإذا صَلَى جالساً فصَلّوا جلوساً)) (١).
ش - ((أن اجلسوا)) أن تفسيريّة؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ
.. Im
أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ (٢). وجواب هذا الحديث : ما مر في حديث أنس
وجابر - رضي الله عنهم - . والحديث : أخرجه البخاري ، ومسلم .
٥٨٧ - ص - نا قتيبة بن سعيد ، ويزيد بن خالد بن موهب المعنى أن
الليث حدَّثهم عن أبي الزبير ، عن جابر قال : اشتكى النبي - عليه السلام -
فصلّينا وراءه وهو قاعد وأبو بكر يُكبر يُسْمع (٣) الناس تكبيره ، ثم ساق
الحديث (٤) .
ش - الليث : ابن سَعْد ، وأبو الزَّبير : محمد بن مسلم بن تدرس
المكي الأسدي .
قوله: (( اشتكى النبي - عليه السلام - )) أي : مَرِضَ ، من الشكْو وهو
المَرَضُ ، تقول منه : شكى يشكو واشتكى شكايةً وشكاوة وشكوى
:
(١) البخاري: كتاب الأذان، باب: إنما جعل الإمام ليؤتم به (٦٨٨)، مسلم
كتاب الصلاة ، باب : اتتمام المأموم بالإمام (٤١٢/٨٢).
(٢) سورة المؤمنون: (٢٧)، وفي الأصل: ((وأوحينا)).
(٣) في سنن أبي داود: ((ليسمع)).
(٤) النسائي : كتاب السهو ، باب : الرخصة في الالتفات في الصلاة يميناً وشمالاً
(٨/٣)، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة ، باب: ما جاء في إنما جعل الإمام
ليؤتم به (١٢٤٠) .
- ١١٩ -

وشكوَّى . قال أبو علي: والتنوين رَديءٌ جدا . وقال ابن دريد : الشكوُ
مصدر شكوتُه .
قوله: ((ثم ساق الحديث)) وتمامُه في ((صحيح مسلم)): ((فالتفتَ إلينا
وَلخير فرآنا قياماً، فأشار إلينا فقعدنا ، فصلينا بصلاته قعوداً ، فلما سلّم
قال: ((إن كدتم آنفاً تفعلون فعل فارسَ والروم ! يقومون على ملوكهم
وهم قعود فلا تفعلوا ، ائتموا بأئمتكم ، إن صَلّوا قياماً فصلوا قياماً ، وإن
صلوا قعوداً فصلّوا قعوداً)). وأخرجه النسائي ، وابن ماجه.
٥٨٨ - ص - نا عَبّدة بن عبد الله : نا زيد - يعني : ابن الحباب ، عن
محمد بن صالح : حدَّثني حُصَينٌّ من ولد سَعْد بن معاذ، عن أُسَيْد بن
حُضَير / أنه كان يَؤُمهم قال: فجاء رسولُ الله وَّةِ يَعُودُه فقال (١):
يا رسولَ الله، إن إمامنا مَريضٌ فقال: ((إذا صلى قاعداً فصلُّوا قعُوداً)) (٢).
[٢٠٧/١-١]
ش - عَبْدَة بن عبد الله : ابن عبدة الصفار الخزاعي أبو سهل البصري ،
أصله كوفيّ . روى عن : معاوية بن هشام ، ومحمد بن بشر العبدي ،
وعبد الصمد بن عبد الوارث ، وغيرهم . روى عنه : البخاريّ ،
وأبو داود ، والترمذي ، والنسائي، وابن ماجه، وغيرهم . قال أبو حاتم:
صدوق . مات سنة ثمان وخمسين ومائتين بالأَهْواز (٣).
وزيد : ابن الحُباب بن الريّان الكوفي .
ومحمد بن صالح : ابن دينار التمار المدني ، أبو عبد الله ، رأى ابن
المسيّب . وروى عن : ابن شهاب ، وعمر بن عبد العزيز ، وحميد بن
نافع ، وغيرهم . روى عنه : عبد الله بن نافع الصائغ ، وأبو عامر
العقدي ، والقعنبي ، وغيرهم . قال أبو حاتم : شيخ ليس بالقوي ولا
يعجبني حديثه . وقال أحمد : ثقة ثقة . روى له : أبو داود ، والترمذي،
وابن ماجه (٤) .
(١) في سنن أبي داود: ((فقالوا)).
(٢) تفرد به أبو داود .
(٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٣٦١٦/١٨).
(٤) المصدر السابق (٥٢٩٣/٢٥).
- ١٢٠ -