النص المفهرس

صفحات 81-100

السن فقد تقدّمهم في الإسلام ، فصار بمنزلة من تقدمت هجرته . وقال
أصحابنا : لما لم تبق الهجرة لقوله - عليه السلام -: (( لا هجرة بعد
الفتح)) أقيم الورع مقامها؛ لقوله عليه السلام: ((المهاجرُ مَنْ هجر ما
نھی الله عنه ».
قوله: (( فليؤمهم أكبرهم سنا )) يعني : بعد التساوي في الهجرة يقدّم
الأسن ؛ ولكن كان هذا قبل انقطاع الهجرة ، وأما في هذا الزمان فالأورع
يُقام مقام الهجرة - لما ذكرنا - ، فإذا تساووا في الورع يُقدّم أكبرهم سنا،
فإن تساووا فيه فأصبحهم وَجْهاً ، ثم أشرفهم نسباً ، ثم يُقْرع أو الخيار إلى
القوم. وقوله: ((سنا)) و((هجرةً)) و((قراءةً)) منصوبات على التمييز.
قوله : ((ولا يُؤْمَّ الرجل في بَيْته)) على صيغة المجهول، و((الرجل))
مرفوع الإسناد الفعل إليه ؛ والمعنى : صاحب البيت أَوْلى من غيره - إذا
كان من القراءة والعلم بمحلّ يمكنه أن يقيم الصلاة .
قوله: (( ولا في سُلطانه)) هذا في الجمعات والأعياد لتعلّقهما بالسلاطين،
وأما الصلوات المكتوبات فأعلمهم أَوْلى بالإمامة ، فإن جمع السلطانُ
الفضائل كلها فهو أولاهم ، وقد يتأول على معنى ما يتسلط عليه الرجل
منْ ملكه في بَيْتُه أو يكون إمامَ مَسْجده .
قوله : (( ولا يُجلسُ على تكرمته)) على صيغة المجهول - أيضاً - وفي
رواية مسلم: ((ولا يقعد في بَيْته على تكرمته إلا بإذنه))، وفي رواية
أخرى: (( ولا تجلس على تكرمته في بيته إلا أن يأذن لك)».
ص - قال شعبة : فقلتُ لإسماعيل : ما تكرمته ؟ قال : فراشُه .
ش - أي : قال شعبة بن الحجاج : قلت لإسماعيل بن رَجَاء المذكور :
ما تكرمته ؟ أي : ما تكرمة الرجل ؟ وهي بفتح الراء وكسر الراء ؛ وهي
الفراش ونحوه مما يُبْسطُ لصاحب البيت (١) ويختصّ به. وقال ابن الأثير:
(١) في الأصل: ((اللبيت)).
٦ • شرح سنن أبي داوود ٣
- ٨١ -

التكرمة : الموضع الخاصّ لجلوس الرجل من فراشٍ وسرِيرٍ مما يُعدّ لإكرامه؛
وهي تفعلة من الكرامة .
قلت : ذكره في باب الكاف ؛ لأن التاء فيه زائدة .
ص - قال (١) أبو داود: كذا قال يحيى القطان، عن شعبة: ((أقدمهم
قراءةً )) .
ش - أي : كما روى أبو الوليد الطيالسي ، عن شعبة في روايته
المذكورة: ((يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، وأقدمهم قراءةً)) كذلك قال
يحيى القطان، عن شعبة: ((أقدمهم قراءةً)).
٥٦٥ - ص - نا ابن معاذ: نا أبي، عن شعبة بهذا الحديث قال فيه: (( ولا
يؤم الرجلُ الرجلَ (٢) )) (٣) .
ش - ابن معاذ : هو عُبيد الله بن معاذ بن معاذ العنبري البصري .
قوله: ((بهذا الحديث)) أي: الحديث المذكور، وقال فيه: ((ولا يَومُّ
الرجلُ الرجلَ في بَيْتِه )) الرجل الأول مرفوع بالفاعليّة ، والثاني منصوب
على المفعوليّة .
٥٦٦ - ص - نا الحسن بن عليّ: نا عبد الله بن نُمير ، عن الأعمش ، عن
إسماعيل بن رجاء ، عن أوس بن ضمعج الحَضْرمي قال: سمعت أبا مَسْعود،
عن النبي - عليه السلام - بهذا الحديث قال: ((فإن كانوا في القراءة سواءً
فأعلمهم بالسّنّة ، فإن كانوا في السّنّة سواء فأقدمهم هجرةً))، ولم يَقُلْ:
«فأقدمهم قراءةً (٤) )» (٥) .
(١) يأتي هذا النص في سنن أبي داود بعد الحديث الآتي.
(٢) زاد في سنن أبي داود: ((في سلطانه)).
(٣) مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: من أحق بالإمامة (٦٧٣/٢٩١).
(٤) زيد في سنن أبي داود: ((قال أبو داود : رواه حجاج بن أرطأة ، عن إسماعيل
قال: ((ولا تقعد على تكرمة أحد إلا بإذنه)).
(٥) مسلم : كتاب المساجد ومواضع الصلاة ، باب : من أحق بالإمامة =
- ٨٢ -

ش - الحسن بن عليّ : الخلال الحلواني ، وعبد الله بن نُمير :
أبو هشام الخارفي (١) الكوفي .
وهذه الرواية مثل رواية مسلم، وكذا رواه ابن حبان في ((صحيخه )) ،
والحاكم في ((مُسْتدركه)) إلا أن الحاكم قال عوض قوله: ((فأعلمهم
بالسُّنَّة)): ((فأفقههم (٢) فقهاً، فإن كانوا في الفقه سواء فأكبرهم سنا )).
وفي بعض رواية مسلم : (( فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سِلْماً))
مكان: ((سنا)). وقال ابن أبي حاتم في ((العلل)): اختلفوا في متنه ؛
فرواه فِطْر ، والأعمش ، عن إسماعيل بن رجاء ، عن أوس بن ضمعج،
عن أبي مسعود . ورواه شُعْبة / والمسعودي ، عن إسماعيل فلم يقولا: [١/ ٢٠٠-١]
((أعلمهم بالسُّنَّة)) قال أبي : وكان شعبة يهاب هذا الحديث يقول : حكم
من الأحكام لم يشارك إسماعيل فيه أحد ؟! فقلت لأبي : أليس قد رواه
السديّ عن أَوْس ؟ فقال : إنما هو من رواية الحسن بن يزيد الأصمّ ، عن
السديّ ، وهو شيخ ، أين كان الثوري وشعبة عن هذا الحديث ؟ وأخاف
أن لا يكون محفوظاً . وقد قال بعضهم : لو أطاع الناسُ أبا حاتم في هذا
التعنّت الزائد لبطلت السُّنَنُ .
٥٦٧ - ص - نا موسى بن إسماعيل : نا حمّاد : أنا أيوب ، عن عمرو بن
سَلَمة قال : كنا بحاضر يمرَّ بنا الناسُ (٣) إذا أَتوا النبيّ - عليه السلام -
فكانوا إذا رجعوا مرّوا بنّا فأخبرونا أن رسولَ الله وَلِّ قال كذا وقال (٤) كذا،
وكنتُ غلاماً حَافظاً فحفظتُ من ذلك قرآناً كثيراً ، فانطلق أبي وافداً إلى
= (٦٧٤/٢٩٠)، الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء من أحق بالإمامة
(٢٣٥)، النسائي: كتاب الإمامة، باب: من أحق بالإمامة (٧٥/٢) ، ابن
ماجه : كتاب إقامة الصلاة ، باب : من أحق بالإمامة (٩٨٠) .
(١) في الأصل: ((الجارفي)) خطأ .
(٢) في الأصل: (( فأفقهم)).
(٣) كلمة (( الناس)) غير موجودة في سنن أبي داود .
(٤) كلمة ((وقال)) غير موجودة في سنن أبي داود.
- ٨٣ -

رسول الله * في نفر من قومه، فعلّمَهم الصلاةَ وقال (١): (( يَؤمكُم
أقرؤكم )) فكنتُ(٢) أقرأهم لما كنتُ أحفَظُ فقدّموني، فكنتُ أَؤُمّهُم وعليّ
بُرْدةٌ لي صفراء صغيرةٌ (٣) فَكنتُ إذا سجدتُ انكشفَتْ (٤) عني . فقالت
امرأةٌ من النساء : وارُوا عنّا عورة قارِئكم، فاشْتْرَوْا لي قميصاً عُمَانيا ، فما
فرحتُ بشيء بعد الإسلام ما فرحتُ (٥) به ، فكنتُ أُؤْمُهم وأنا ابن سبع
سنین أو ثمان سنين (٦) .
ش - حماد : ابن سلمة ، وأيوب : السختياني .
وعَمْرو بن سلمة - بكسر اللام - بن نُفَيَع ، وقيل : سلمة بن قَيْس ،
وقيل : عمرو بن سلمة بن لائم (٧) ، يكنى أبا بريدة (٨) - بالباء
الموحدة، وبالراء - الجَرْمي ، روى قصته في صلاته بقومه على عهد النبي
- عليه السلام - ، وهو مَعدودٌ فيمنْ نزل البَصْرة ولم يَلْق النبي - عليه
السلام - ولم يثبت له سماع منه ، وقد وفد أبوه : سلِمة على النبي - عليه
السلام- وأسْلم ، وقد رُوِيَ من وجه غريبٍ أن عَمْراً - أيضاً - قدم على
النبي -عليه السلام - . روى عنه : أبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمي ،
وأيوب السختياني ، وعاصم الأحول ، وغيرهم . روى له : أبو داود ،
والنسائي (٩).
قوله : (( كنا بحاضر )) الحاضرُ: القومُ النزولُ على ماء يُقيمون به ولا
يرحلون عنه ، ويقال للمناهل : المحاضر للاجتماع والحضور عليها .
(١) في سنن أبي داود: ((فقال)).
(٢) في سنن أبي داود: ((وكنت )).
(٣) في سنن أبي داود: ((صغيرة صفراء)).
(٤) في سنن أبي داود: ((تكشفت)). (٥) في سنن أبي داود: ((فرحي به ))
(٦) البخاري : كتاب الأذان ، باب : إمامة العبد والمولى تعليقاً ، النسائي : كتاب
الإمامة، باب: إمامة الغلام قبل أن يحتلم (٢ / ٨٠).
(٧) كذا ، وفي أسد الغابة: ((لاي)).
(٨) كذا، وفي تهذيب الكمال: ((بريد)).
(٩) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (٥٤٤/٢)، وأسد الغابة
(٢٣٤/٤)، والإصابة (٥٤١/٢) .
. - ٨٤ -

قال الخطابيّ (١): ربّما جعلوا الحاضر اسماً للمكان المحضور ؛ يقال:
نزلنا حاضِرَ بني فلان ؛ فهو فاعل بمعنى مفعول .
قوله: ((وكنتُ غلاماً )) الغلام الذي لم يَحْتْلم.
وقوله: ((حافظاً)) أي : ذا قوة حافظةٍ .
قوله : ((فحفظتُ من ذلك)) أي : منْ قرآنهم الذي حفظوه من النبي
-عليه السلام - .
قوله: (( وافداً)) نصب على الحال من قوله: (( أبي )) وهو فاعل من وفد
يفد إذا قصد أميراً أو كبيراً للزيارة أو الاسترفاد أو غير ذلك ، وقد ذكر غير
مرة .
قوله: ((في نفر )) النفر - بالتحريك - عدّة رجال من ثلاثة إلى عشرة ،
والنَّغَيرُ مثله .
قوله: ((لما كنتُ أحفظ)) أي: لأجل الذي كنتُ أَحْفظ ما أسمع منهم
من القراءة التي كانوا يحفظونه من النبي - عليه السلام - أو لكوني أَحْفظُ
منهم ، فتكون (( ما )) مَصْدريةً .
قوله: (( فقدّموني )) أي : للإمامة .
قوله : ((وعليَّ بُردةٌ لي صفراءُ)) جملة اسميّة وقعت حالاً من الضمير
الذي في ((أؤمهم))، والبُردة - بضم الباء - الشملة المخططة ، وقيل:
كساء أسود مربّع فيه صِفرٌ تلبَسُهُ الأعرابُ، وجمعها : بُرَدٌ ، وقوله :
((صفراء)) صفتها، وكذا قوله: (( ((صغيرةٌ)).
قوله: ((واروا)) أي : استروا ، من الموارة .
قوله: ((عمانياً)) - بضم العين المهملة وتخفيف الميم - مَنْسوب إلى
عمان بلدة كبيرة من بلاد اليمن ، وقيل : صُفْع عند البَحْرين ، وقيل :
كُورةٌ .
(١) معالم السنن (١٤٦/١).
- ٨٥ -

قوله: (( وأنا ابن سبع سنين)) جملة اسميّة وقعت حالاً من الضمير الذي
في ((أؤمهم)).
واستدلّ الشافعي بهذا الحديث في جواز إمامة الصبيّ للبالغين في جميع
الصلوات ، وله في الجمعة قولان . وقال أبو حنيفة : المكتوبة لا يصح (١)
خلفه . وهو قول أحمد ، وإسحاق ، وفي النفل روايتان عن أبي حنيفة
وأحمد . وقال داود : لا يصح فيهما ، وحكاه ابن أبي شيبة ، عن
الشَعْبيّ ، ومجاهد ، وعمر بن عبد العزيز ، وعطاء ، وجوزها مالك في
[٢٠٠/١-ب) النافلة دون الفريضة. وقال الزهري: إذا / اضْطروا إليه أمّهم . وقال
صاحب (( الهداية)): وأما الصبيّ فلأنه متنفّل فلا يجوز اقتداء المفترض به.
وفي التراويح والسنن المطلقة جوّزه مشايخ بلخ ، ولم يجوزه مشايخنا ،
أي : علماء بخارى وسمرقند . والسنن المطلقة كالسنن الرواتب قبل
الفرائض وبعدها وصلاة العيد في إحدى الروايتين والوتر على قولهما
وصلاة الكسوف والخسوف والاستسقاء .
والجواب عن الحديث: أن ذلك كان على عهد رسول الله وَ له في
ابتداء الإسلام ، حين لم تكن صلاة المقتدي متعلّقةً بصلاة الإمام . وقال
ابن حزم : لو علمنا أن النبيّ - عليه السلام - عرف بإمامته وأقرّه لقلْنا به.
وقال الخطابيّ (٢) : إن الإمام أحمد كان يضعّف حديث عمرو بن
سلمة. وقال مرةً : دَعْه ليس بشيءٍ بَيّنٍ .
وقال أبو داود : قيل لأحمد : حديث عمرو بن سلمة ، قال : لا أدري
ما هذا ، ولعله لم يتحقق بلوغ أمره النبيّ - عليه السلام - وقد خالفه
أفعال الصحابة ، قال : وفيه قال عمرو : وكنت إذا سجدتُ خرجت اسْتي
قال : وهذا غير سائغ . وذكر الأثرم بسند له عن ابن مسعود أنه قال : لا
يؤم الغلام حتى تجب عليه الحدود . وعن ابن عباس : لا يؤم الغلام حتى
يَحْتلم .
(١) كذا .
(٢) معالم السنن (١٤٦/١).
- ٨٦ -
٠٫٠

٥٦٨ - ص - نا النفيلي : نا زهير: نا عاصم الأحول ، عن عمرو بن
سلمة في هذا الخبر (١) قال : فكنتُ أؤمَّهم في بُرْدَة مُوصِّلة فيها فتقٌّ ، قال :
فكَنَتُ إذا سجدتُ خرجت اسْتي (٢) .
---------
ش - النفيلي : عبد الله بن محمد بن نفيل ، وزهير : ابن معاوية بن
حُديج ، وعاصم : ابن سليمان الأحول .
قوله: ((في هذا الخبر)) أي : الخبر المذكور .
قوله: (( مُوصّلة)) وهي العتيقة التي وُصِل بعضها بَبَعضٍ.
قوله: ((خرجت اسْتِي)) الاسْت: العجُزُ ، وقد يراد به حلقة الدُّبر ؛
وأصلها : سَتَّهُ على فعل بالتحريك ؛ يدل على ذلك أن جمْعه : أَسْتاه ،
مثل جَمل وأَجْمال .
٥٦٩ - ص - نا قتيبة: نا وكيع ، عن مسْعر بن حبيب الجَرْمي : حدّثني
عمرو بن سلمة ، عن أبيه أنهم وفدوا إلى النبي - عليه السلام - فلما أرادوا
أن ينصرفوا قالوا: يا رسول الله، مَنْ يَؤُمّنا؟ فقال: ((أكثرُكُم جمْعًا للقرآن،
أو أخذاً للقرآن )) . قال : فلم يكن أحدٌ من القومِ جَمَع ما جمَعْتُ، قالَ :
فقدَّمُوني وأنا غلامٌ وعليّ شَملةٌ لي ، فما شهدتُ مجمعاً من جَرْمٍ إلا كنتُ
إمامَهم ، وكنتُ أُصلي على جنائزهم إلى يَوْمي هذا (٣) .
ش - مسْعر بن حبيب : أبو الحارث الجرمي البصري . سمع : عمرو
ابن سلمة . روى عنه : يحيى بن سعيد القطان ، ووكيع بن الجراح ،
ويزيد بن هارون ، وحماد بن زيد ، وعبد الصمد . قال ابن معين : ثقة.
روی له : أبو داود (٤) .
قوله: ((مَنْ يؤمنا؟)) ((منْ، للاستفهام هاهنا .
(١) في سنن أبي داود: ((بهذا الخبر)).
(٢) انظر الحديث السابق .
(٣) تفرد به أبو داود .
(٤) انظر ترجمته في : تهذيب الكمال (٥٩٠٥/٢٧) .
- ٨٧ -

قوله: (( من جَرْم)) - بفتح الجيم وسكون الراء وبعدها ميم - هو جَرْم
ابن ربان من قضاعة ، وربّان : بفتح الراء ، وتشديد الباء الموحدة ، وبعد
الألف نون . وفي بَجيلة : جَرْم ، وفي عاملة : جَرْم - أيضاً - ، وفي
طيء : جرمٌ - أيضاً .
قوله: ((على جنائزهم)) جمع جنازة؛ الجِنَّازة بالكسْر والفتح: الميّت
بسريره ، وقيل : بالكسر : السرير ، وبالفتح : الميّت .
ص - قال أبو داود : رواه يزيد بن هارون، عن مسْعر بن حبيب الجرْمي،
عن عمرو بن سلمة قال : لما وفد قومي إلى النبي - عليه السلام - لم يَقُل :
عن أبيه .
ش - أي : روى هذا الحديث يزيد بن هارون السُّلمي أبو خالد
الواسطي ، ولم يَقُل في روايته : عن أبيه .
٥٧٠ - ص - نا القعنبي : نا أنس - يعني : ابن عياض ح، ونا الهيثم بن
خالد الجهني - الَعْنى - نا ابن نُمير ، عن عبيد الله، عن نافع ، عن ابن عمر
أنه لما قدم المهاجرون الأولون نزلوا العُصْبةَ قبل مقدم رسول الله وَلير ، فكان
يؤمهم سالم مولى أبي حذيفة ، وكان أكثرهم قرآناً . زادَ الهيثم : وفيهم :
عمر بن الخطاب، وأبو سلمة بن عبد الأسد (١).
ش - أنس بن عياض : ابن ضمرة المدني .
والهيثم بن خالد : أبو الحسن الجهني . روى عن : حسين بن عليّ
الجُعْفي ، ووكيع بن الجراح . روى عنه : أبو داود (٢) .
وابن نمير : هو عبد الله بن نمير الخارفي (٣) الكوفي ، وعبيد الله : ابن
عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب ، ونافع : مولى ابن عمر.
قوله : ((نزلوا العَصْبة)) العَصْبة - بفتح العين المهملة، / وسكون
[٢٠١/١-١]
(١) تفرد به أبو داود .
(٢) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٤٦٤٦/٣٠).
(٣) في الأصل: ((الجارفي)) خطأ.
- ٨٨ -

الصاد، وفتح الباء الموحدة - وهو موضع بقُباء. وروي: ((الُعصّب)) -
بضم أوله ، وفتح ثانيه ، وتشديد الصاد المهملة ، بعدها باء مُوَحّدة -
ويقال : العُصْبة بضم العين وسكون الصّاد . وقال ابن الأثير : وضبطه
بعضهم بفتح العَيْن والصاد .
قوله: (( قبل مقدم رسول الله )) المقدم - بفتح الدال - مصدر ميميّ بمعنى
القدوم .
قوله : (( سالم مولى أبي حذيفة )) وكنية سالم : أبو عبد الله ، كان من
فضلاء الموالي ومن خيار الصحابة وكبارهم ، كان من أهل فارس من
إصطخر ، وقيل : إنه من العجم من سَبِي كرمان ، وكان يعدّ في قريش
لتبني أبي حذيفة له ، ويعد في العجم لأصله ، ويُعد في المهاجرين
لهجرته ويُعد للأنصار (١) لأن مُعتقته أنصاريّة، ويُعدّ في القراء ، وقيل:
عُدّ في المهاجرين لِتَبنِّي أبي حذيفة له ، قتل يوم اليمامة شهيداً هو
وأبو حذيفة ، فوجد رأس سالم عند رجل أبي حذيفة ورأس أبي حذيفة
عند رجل (٢) سالم .
٥٧١ - ص - نا مُسدّد: نا إسماعيل ح، ونا مسدد: نا مسلمة بن محمّد
- المعنى واحد - عن خالد ، عن أبي قلابة ، عن مالك بن حُويرث أن النبي
-عليه السلام - قال له أو لصاحب له: «إذا حَضَرت الصلاةُ فأذٌنا ثم أقيما
ثم ليؤمكما أکبر كما (٣) )) (٤)
(١) كذا، والجادة ((في الأنصار)).
(٢) في الأصل: ((رأس)).
(٣) في سنن أبي داود: ((أكبركما سنا)).
(٤) البخاري : كتاب الأذان ، باب : الأذان للمسافر إذا كانوا جماعة والإقامة
وكذلك بعرفة وجمع (٦٣٠) ، مسلم : كتاب المساجد ومواضع الصلاة ،
باب: من أحق بالإمامة (٦٧٤/٢٩٢)، الترمذي : كتاب الصلاة ، باب : ما
جاء في الأذان في السفر (٢٠٥)، النسائي : كتاب الأذان ، باب : أذان
المنفردين في السفر (٩/٢)، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب: من
أحق بالإمامة (٩٧٩) .
- ٨٩ -

ش - إسماعيل : ابن عُليّة .
ومسلمة بن محمد : الثقفي البصري . روى عن : داود بن أبي هند ،
ويونس بن عبيد ، وخالد الحذاء ، روى عنه : مُسدّد . قال ابن معين :
ليس حديثه بشيء . وقال أبو حاتم : لیس بمشهور یکتب حديثه . روی
له: أبو داود ، والنسائي (١) .
وخالد : ابن مهران الحذاء . وأبو قلابة : عبد الله بن زيد الجرمي
البصري .
ومالك بن حُويرث : ابن حُشَيْش (٢) بن عوف بن جندع أبو سُليمان
الليثي ، قدم على النبي - عليه السلام - وأقام عنده أياماً ، ثم أذن له في
الرجوع إلى أهله ، رُوِيَ له عن رسول الله خمسة عشر حديثاً ، اتفقا على
حدیثین وللبخاري حديث واحد . روى عنه: أبو قلابة، ونصر بن عاصم،
نزل البصرة ، روى له : الجماعة (٣).
والحديث أخرجه الأئمة الستة، ولفظ البخاريّ في ((باب من قال: ليؤذن
في السفر مؤذن واحد )): حدَّثَنا مُعلَّى بن أسد: حدَّثنا وهيبٌ، عن
أيّوب ، عن أبي قلابة ، عن مالك بن الحويرث قال : أتيتُ النبي - عليه
السلام - في نفرٍ من قومي ، فأقمنا عنده عشرين ليلةً ، وكان رحيماً
رقيقاً، فلما رأى شوقنا إلى أهلينا قال: ((ارجعوا فكونوا فيهم ،
وعلّموهم وصلُّوا ، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم ، وليؤمكم
أكبركم)). ولفظ خالد، عن أبي قلابة في (( باب الأذان للمسافرين إذا
كانوا جماعةً)) : أتى رجلان النبيَّ - عليه السلام - يُريدان السفر فقال :
((إذا أنتما خرَجْتما فأذّنا ثم أقيما، ثم ليؤمكما أكبركما ))، وفي ( باب
اثنان فما فوقهما جماعة)): ((إذا حضرت الصلاة فأذنا))، وفي ((باب
(١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٢٧/ ٥٩٦١).
(٢) في أسد الغابة: (( حسيس)) بمهملات .
(٣) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (٣٧٤/٣)، وأسد الغابة
(٢٠/٥)، والإصابة (٣٤٢/٣).
- ٩٠ -

إذا استووا في القراءة فليؤمهم أكبرهم » : قدِمْنا على النبي - عليه السلام-
ونحنُ شيَبَةٌ متقاربُون، وفيه: (( لو رجعتم إلى بلادكم فعلّمتموهم ،
فليصلوا صلاة كذا في حين كذا ، وصلاة كذا في حين كذا )) ، وفي
((إجازة خبر الواحد)): فلما ظن أنا قد اشتَقْنا أهلنا ، سألنا عمن تركنا
بعدنا فأخبرناه فقال: ((ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم ، وعلّموهم
ومُرُوهم )) وذكر أشياء أحفظها و((صلوا كما رأيتموني أصلي))، وفي
((باب رحمة النساء والبهائم)) نحوه .
قوله: (( فأذنا ثم أقيما )) عامّ للمسافر وغيره . وقال قاضي خان : رجل
صلى في سفر أو في بيته بغير أذان وإقامة يكره ، قال : الكراهة مقصورة
على المسافر ، ومن صلى في بيته فالأفضل له أن يؤذن ويقيم ، لتكون على
هيئة الجماعة ؛ ولهذا كان الجهر بالقراءة في حقه أفضل .
قوله: ((ليؤمكما أكبركما )) قال القرطبي : يدلّ على تساويهما في
شروط الإمامة ورجّح أحدهما بالسنّ .
قلت : لأن هؤلاء كانوا مستوين في باقي الخصال ؛ لأنهم هاجروا
جميعاً ، وأسلموا جميعاً ، وصحبوا رسول الله - عليه السلام - ولازموه
عشرين ليلةً ، فاستووا في الأخذ عنه ، فلم يبق ما يقدم به إلا السنّ .
وفيه حجة لأصحابنا في تفضيل الإمامة على الأذان ؛ لأنه - عليه السلام -
قال: ((ليؤمكما أكبركما)) خصّ الإمامة بالأكبر ، وفيه دليل أن الجماعة
تصحّ بإمامٍ ومأموم، وهو إجماع المسلمين / وفيه الحضّ على المحافظة [٢٠١/١-ب]
على الأذان في الحضر والسفر ، وفيه أن الأذان والجماعة مشروعان على
الُسافرين .
ص - وقال في حديث مسلمة : قال : وكنا يومئذ متقاربين في العِلم .
ش - أي : مسلمة بن محمد .
قوله: ((قال: وكنا يومئذ)) أي: قال مالك بن الحويرث: وكنا يوم قال
لنا النبي - عليه السلام - قوله ذلك متقاربين - بفتح الباء الموحدة - أى :
- ٩١ -

مُتُساوِيَيْن في العلْم، وفي رواية ابن حزم: ((مُتُقارنَيْن)) بالنون في
الموضعين من المقارنة ؛ تقول : فلان قرين فلان إذا كان قريبَه في السِنّ ،
وكذا إذا كان في العلم .
ص - وقال في حديث إسماعيل : قال خالد : قلت لأبي قلابة : فأينَ
القراءةُ (١) ؟ قال: إنهما كانا مُتْقاربَيْن.
ش - أي : في حديث إسماعيل بن عُليّة : قال خالد بن مهران الحذّاء :
قلت لأبي قلابة عبد الله بن زيد : فأين القراءة ؟ قال : إنهما - أي :
مالك بن الحويرث وصاحب له ، وفي رواية ابن أبي شيبة : وابن عمّ له -
كانا متقاربَيْن أي : في القراءة ، ولما كانا متقاربين في العلم والقراءة لم
يبق إلا أن يؤمهما أكبرهما سنا - كما ذكرنا - .
٥٧٢ - ص - نا عثمان بن أبي شيبة : نا حُسين بن عيسى الحنفي : نا
الحكم بن أبان ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ويتاجر: «ليؤذن
لكم خياركم، وليؤمَّكم أقرؤكم (٢))) (٣).
ش - الحسين بن عيسى الحنفي : أخو سُلَيم القارئ الكوفي . روى
عن: الحكم بن أبان ، ومعمر بن راشد . روى عنه : عثمان بن أبي شيبة،
وإسماعيل بن موسى السَّدِّي ، وأبو سعيد الأشج وغيرهم ، سئل عنه
أبو حاتم (٤) فقال : ليس بالقويّ ، روى عن الحكم أحاديث منكرة .
وقال أبو زرعة : منكر الحديث . روى له : أبو داود ، وابن ماجه (٥) .
والحكم بن أبان : العدني أبو عيسى . سمع : عكرمة ، وطاوساً ،
وعبد الرحمن بن زامرد العدني . روى عنه : معمر ، وابن عيينة ، وابن
جريج ، وابنُ عليّة ، والحُسين بن عيسى الحنفي ، وغيرهم . قال ابن
(١) في سنن أبي داود: ((القرآن)).
(٢) في سنن أبي داود: ((قراؤكم)).
(٣) ابن ماجه: كتاب الأذان، باب: فضل الأذان وثواب المؤذنين (٧٢٦).
(٤) في الأصل: (( سئل عن أبي حاتم)) خطأ .
(٥) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (١٣٢٩/٦).
- ٩٢ -

معين: ثقة . مات سنة أربع وخمسين ومائة وهو ابن أربع وثمانين سنةً .
روى له : أبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه (١) .
قوله: (( خياركم » أي : خيْرُكم .
قوله: ((وليؤمكم أقرؤكم)) أي: أعلمكم بعلم القرآن - كما ذكرنا .
وذكر الدار قطني أن الحسين بن عيسى تفرّد بهذا الحديث عن الحكم بن أبان.
٥٦ - بَابُ: إمامة النِّساءِ
٠
أي : هذا باب في بيان إمامة النساء ، وفي بعض النسخ: (( باب ما
جاء في إمامة النساء))، والنساءُ جمع (( امرأة )) من غير لفظه ، وكذلك
النَّسوة - بكسر النون وضمّها - والنسوان ، كما يقال : خلفة ومخاض
وذاك وأولئك .
٥٧٣ - ص - نا عثمان بن أبي شيبة: نا وكيع بن الجراح : نا الوليد بن
عبد الله بن جميع قال : حدَّثتني جَدّتي وعبد الرحمن بن خلاد الأنصاري ،
عن أم ورقة بنْت نوفل أن النبي - عليه السلام - لما غزا بدراً قالت : قلتُ له :
يا رسولَ الله ، ائذَنْ لي في الغَزْوِ معك أمرِّضُ مَرْضاكم، لعلّ الله يَرْزقني(٢)
شهادةٌ، قال: ((قَرِّي في بيتك، فإن الله عَزَّ وجَلَّ يرزقك الشهادة)) قال :
فكانت تُسمَّى الشَهيدةَ ، قال : وكانت قد قرأت القرآنَّ فاستأذنت النبيّ
-عليه السلام - أن تتخذ في دارها مُؤْذناً فأذنَ لها ، وكانت قد دبّرت غلاماً
لها وجاريةً ، فقاما إليها باللّيل فغمّاها بقطيفة لها حتى ماتت وذهبا ، فأصبح
عُمر فقام في الناس فقال: مَنْ كان عنْدَه من هذين علمٌ أو مَنْ رآهما فليجىء
بهما، فأمرَ بهما فصُلِبَا، فكانا أول مَصْلوب بالمدينة (٣) .
ش - الوليد بن عبد الله بن جميع : الزهري الكوفي . روى عن :
(١) المصدر السابق (١٤٢٢/٧) .
(٢) في سنن أبي داود: ((لعل الله أن يرزقني)).
(٣) تفرد به أبو داود .
- ٩٣ -

عامر بن واثلة وغيره . روى عنه : أبو أسامة ، وأبو أحمد الزبيري ،
الكوفي ، ووکیع . روى له : مسلم ، وأبو داود (١) .
وعبد الرحمن بن خلاد الأنصاري : روى عن : أم ورقة بنت نوفل ،
ولها صحبة . روى عنه : الوليد بن عبد الله بن جُميع . روى له :
أبو داود (٢).
وأم ورقة بنت عبد الله بن الحارث بن نوفل ، ويقال : بنت نوفل
الأنصارية ، كان رسولُ الله يَزُورها ويسمّيها الشهيدة . روى عنها :
عبد الرحمن بن خلاد الأنصاري . روى لها : أبو داود (٣) .
قوله : ((لما غزا بدراً)) وكانت غزوة بدر في السنة الثانية من الهجرة .
قوله : ((أُمرِّض)) بتشديد الراء، من مَرّضتُه تمريضاً إذا قمت عليه في
مرضه .
[٢٠٢/١-١] قوله: ((قرّى)) - بكسر القاف / وتشديد الراء - أمرٌ من تقرِّين، من
قرّ يقرّ من باب ضرب يضرب، ويجوز فتح القاف في (( قرّي » ويكون
أمراً من باب علم يعلم ؛ والأول أفصحُ .
قوله: ((وكانت دبّرت)) من التدبير ؛ وهو تعليق العثْق بمُطلق مَوْته ،
مثل أن يقول لعبده : إذا متّ فأنت حر ، أو : أنت حرّ عن دبر مني ،
أو: أنت مُدبّر، أو : قد دبّرتك ، صار العبدُ في ذلك كله مُدبراً ، فلا
يجوز بعد ذلك بيعه ولا هبته ، وهو حرّ من باقي الثلث ، ويجوز
استخدامه وإجارته ، ووطئها وتزويجها .
قوله: ((فغَمّاها بقطيفة)) من غمَمْتُه إذا غطّيته ؛ والقَطِيفةُ - بفتح
القاف وكسر الطاء - : كِساء له خمَلٌ. وقال في ((الصحاح)):
(١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٦٧١٣/٣١).
(٢) المصدر السابق (٣٨١٠/١٧).
(٣) انظر ترجمتها في: الاستيعاب بهامش الإصابة (٥٠٤/٤)، وأسد الغابة
(٤٠٨/٧)، والإصابة (٥٠٥/٤).
- ٩٤ -

القطيفة دثارٌ مُخملٌ ، والجمع : قطائفُ وقُطف مثل صحيفة وصُحف
وصحائف .
٥٧٤ - ص - نا الحسن بن حمّاد الحَضْرمي : نا محمد بن فُضيل ، عن
الوليد بن جَميع ، عن عبد الرحمن بن خلاد ، عن أم ورقة ابنة (١) عبد الله
ابن الحارث بهذا الحديث والأول أتمّ قال : وكان رسول الله يَزورُها في بَيْتها
وجعل لها مُؤْذناً يُؤذن لها ، وأمَرها أن تؤم أهلَ دارها . قال عبد الرحمن :
فأنا رأيتُ مؤذنَها شيخاً كبيراً (٢) .
ش - الحسن بن حمّاد: ابن كُسيب أبو عليّ الحضرمي المعروف بسَجَّادة.
سمع : أبا بكر بن عياش ، وعطاء بن مسلم ، وأبا خالد الأحمر ،
ومحمد بن فضيل ، وغيرهم . روى عنه : أبو زرعة ، وأبو داود ،
وأبو بكر بن أبي الدنيا ، وغيرهم . قال أحمد بن حنبل : صاحب سُنَّة ،
ما بلغني عنه إلا خيراً . وقال الخطيب : كان ثقة . مات ببغداد سنة إحدى
وأربعين ومائتين . وروى عنه: ابن ماجه ، والنسائي ، عن رجل عنه(٣).
ومحمد بن فُضَيْل : ابن غزوان الكوفي .
قوله : ((والأول)) أي: الحديث الأوّلُ أتم ، ورواه الحاكم في
((المستدرك)) ولفظه: ((فأمرها أن تؤم أهل دارها في الفرائض)) قال: ولا
أعرف في الباب حديثاً مسنداً غير هذا .
ويُستفادُ من الحديث فوائد ؛ الأولى : أن قرار النساء في بيوتهن أفضل
من خروجهنّ إلى الجهاد ، إلا إذا كان النفير عاما ).
الثانية : جواز اتخاذ المؤذن للنساء . وقال أصحابنا : ليس على النساء
أذان ولا إقامة ؛ لما روى أبو بكر : نا ابن إدريس ، عن هشام ، عن
الحسن ومحمد بن سيرين قالا : ليس على النساء أذان ولا إقامة .
وكذا روى بإسناده ، عن عطاء ، وعن ابن المسيّب ، وعن الزهري ،
(١) في سنن أبي داود: ((بنت)).
(٢) تفرد به أبو داود .
(٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (١٢١٩/٦).
- ٩٥ -

وعن الضحاك . وإن أذنت أو أقامت فلا بأس ؛ لما روى أبو بكر قال : نا
ابن علية ؛ عن ليث ، عن طاوس ، عن عائشة أنها كانت تؤذن وتقيم .
الثالثة : فيه جواز التدبير .
الرابعة : جواز صَلْب القاتل .
الخامسة : جواز إمامة النساء للنساء ، وتقوم وسطهنّ ؛ لما روى ابن
عدي في ((الكامل)) (١)، وأبو الشيخ الأصبهاني في كتاب ((الأذان)) عن
الحكم بن عبد الله بن سعد الأيلي ، عن القاسم بن محمد ، عن أسماء
بنت أبي بكر أن النبي - عليه السلام - قال: (( ليس على النساء أذان ولا
إقامة ، ولا جمعة ، ولا اغتسال ، ولا تقدمهن امرأة ؛ ولكن تقوم
وسطهنّ )).
قلت : هذا الحديث أنكره ابن الجوزي في ((التحقيق )) فقال : لا
نعرفه مرفوعاً ؛ إنما هو شيء يروى عن الحسن البصري وإبراهيم النخعي ،
وردّه الشيخ في ((الإمام)) . وحديث آخر موقوف : رواه عبد الرزاق في
مصنفه : أخبرنا إبراهيم بن محمد ، عن داود بن الحصين ، عن عكرمة ،
عن ابن عباس قال : تؤم المرأة النساءَ تقوم في وسطهنّ .
وقال أبو بكر : ثنا سفيان بن عيينة ، عن عمار الدهني ، عن امرأة من
قومه اسمها : حُجيرة قالت : أَمّتنا أم سلمة قائمة وَسْط النساء .
حدَّنا وكيع ، عن ابن أبي ليلى ، عن عطاء ، عن عائشة أنها كانت
تؤم النساء تقوم معهنّ في صفّهنّ .
وقال صاحب ((الهداية)) : وإن فعلن قامت الإمام وسطهن ؛ لأن
عائشة - رضي الله عنها - فعلت كذلك ، وحمل فعلها الجماعة على
ابتداء الإسلام .
قلت: وكذا ذكر في ((المبسوط)) و((المُحيط))؛ ولكن فيه بُعْد ؛ لأنه
(١) (٤٧٩/٢)، ترجمة الحكم بن عبد الله بن سعد الأيلي.
- ٩٦ -

- عليه السلام - أقام بمكة بعد النبوة ثلاث عشرة سنةً - كما رواه البخاري
ومسلم - ثم تزوج عائشة بالمدينة ، وبنى بها وهي بنت تسع ، وبقيت عنده
- عليه السلام - تسع سنين ، وما تصلي إماماً إلا بعد بلوغها ، فكيف
يَستقيم حمله على ابتداء الإسلام؟ / لكن يمكن أن يقال: إنه منسوخ، [٢٠٢/١-ب]
وفعلت ذلك حين كانت النساء تحضرن الجماعات ثم نُسخت جماعتهن ،
والله أعلم .
٥٧ - بَابٌ: فِي الرَّجُل يَؤْمُ القومَ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ
أي : هذا باب في بيان حكم الرجل الذي يؤم جماعةً والحال أنهم
كارهون إيّاه، وفي بعض النسخ: ((باب ما جاء في الرجل)).
٥٧٥ - ص - نا القعنبيّ : نا عبد الله بن عمر بن غانم ، عن عبد الرحمن
ابن زياد ، عن عمران بن عَبّد المعافري ، عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله
وَ﴿ كانَ يقولُ: ((ثلاثةٌ لا تُقْبل منهم (١) صلاةٌ: من تَقدَّم قوماً وهم له
كارهون ، ورجل أتى الصلاة دباراً - والدبارُ : أن يأتيها بعد أن تفُوتَه -
ورجل اعْتَبَد مُحرّرَهُ )) (٢) .
ش - عبد الرحمن بن زياد : ابن أنعم الإفريقي وهو ضعيف - كما
ذكرناه . وعمران بن عَبْد المعافري : المصْري ، أبو عبد الله . روى عن :
ابن عمرو بن العاص . روى عنه : عبد الرحمن بن زياد . وعمران بن
عبد (٣) روى له : أبو داود، وابن ماجه (٤).
قوله: (( ثلاثة )) أي : ثلاثُ طوائف لا يقبل الله منهم صلاةً ، وفي رواية
كذا: (( لا يقبل الله )).
(١) في سنن أبي داود: ((لا يقبل الله منهم)).
(٢) ابن ماجه : كتاب إقامة الصلاة ، باب : من أم قوماً وهم له كارهون (٩٧٠).
(٣) كذا بالتكرار .
s u mmInE ImE
(٤) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٤٤٩٥/٢٢).
٠٧ شرح سنن أبي داوود ٣
- ٩٧ -

قوله : (( مَنْ تقدّم قوماً)) أي : أحدُها : من تقدم قوماً والحال أنهم
كارهون إياه ، وهذا الوعيد في حق الرجل الذي ليس من أهل الإمامة ،
فيتغلب عليها حتى يكره الناس إمامته ، فأما المستحق للإمامة فاللومُ على
مَنْ کرِهَهُ .
قوله : ((ورجلٌ)) أي: وثانيها : رجلٌ أتى الصلاة دباراً فهو أن يكون
قد اتخذه عادةً حتى يكون حضوره الصلاة بعد فراغ الناس ، وقيل : أن
يأتيها بعد ما يفوت وقتها أو يأتيها حين أدبر وقتها .
قوله: (( دباراً)) نَصْبٌ على الظرفيّة ، ويجوز أن ينتصب على الحالية
بمعنى : ورجل أتى الصلاة حال كونها مُدبرةً أي: مُوليةً ، بمعنى : أن
يأتيها بعد توليها وذهابها. وقال في ((الصحاح)): فلان يأتي الصلاة
دِباراً أي : بعد ما ذهب الوقتُ . وقال ابن الأثير : وقيل : دبارٌ جمع
دُبرٍ ؛ وهو آخر أوقات الشيء كالأَدْبار في قوله تعالى: ﴿وَأَدْبَارَ
السَّجُودِ﴾ (١) ويقال: فلان ما يَدْري قبالَ الأَمْر منْ دِباره أي : ما أوله من
آخره ، والمراد : أنه يأتي الصلاة حين أَدْبر وقتُها .
قلت : الدِّبار - بكسر الدال - وأما الدَّبار - بفتح الدال - مثل
الدَّمار، ويضم الدال : اسمُ يَوم الأربعاء ؛ من أسمائهم القديمة .
قوله: (( ورجل اعتبد مُحرّره)) أي: ثالثها . رجل اتخذ محرّره عبداً ،
وهو أن يعتقه ثم يكتم عتقه ، أو يُنكره ، أو يَعْتقله بعد العتق فَيَسْتخدمه
کرْهاً ، أو يأخذ حرا فيدعيه عبداً ويتملكه ، وهذا الوجه قاله البعْض ؛
ولكن فيه بُعْد ؛ لأن قوله : (( محرّره )) بالإضافة يَمْنعُ هذا الوجه ويتمشى
هذا الوجه على رواية من روى (( اعتبد حُرًا)) بدون الضمير ، ويدخل في
القسم الثالث : غالب ملوك الترك في هذا الزمان ؛ فإن منهم من يَعْتُق
مملوكه ، ثم يُنكر عتاقه ، ومنهم من یعتقه ثم يستخدمه كرهاً ؛ وهذا كثير
جدا ، ومنهم من يَشْتري الغلمان على أنهم مماليك ، وهو يَعْرف أنهم
(١) سورة ق: (٤٠).
- ٩٨ -

أحرار أولاد أحرار ؛ وهذا الصنف كثير - أيضاً . وقوله : (( اعتبد )) من
باب الافتعال وهو الاعتباد ؛ فالاعتبادُ والاستعباد والتَّعْبيد كلها بمعنى واحدٍ؛
وهو أن يتخذه عبداً .
٥٨ - (١) بَابٌ: فِي إمامة الأَعْمى
أي : هذا باب في بيان إمامة الأعمى، وفي بعض النسخ: ((باب ما
..----
جاء في إمامة الأعمى )) الأعمى أفعلُ من عَمِي يعْمى عَماً من باب علم
يعلم ، والعَمَى : ذهاب البصر .
٥٧٦ - ص - نا محمد بن عبد الرحمن العَنْبري أبو عبد الله : نا ابن
مهديّ : نا عمران القَطان ، عن قتادة ، عن أنس أن النبي - عليه السلام -
استخلف ابن أم مكتوم يؤم الناسَ وهو أَعْمَى (٢).
ش - ابن مَهْدي : هو عبد الرحمن بن مهديّ العنبري البصري .
وعمران القطان : هو عمران بن داور أبو العوام البصري . روى عن :
الحسن ، وابن سيرين ، وقتادة ، ويحيى بن أبي كثير . روى عنه : ابن
مهدي ، وأبو داود الطيالسي ، وأبو عاصم النبيل ، وغيرهم . قال أحمد:
أرجو أن يكون صالح الحديث . وقال ابن معين : ليس بالقوي . وقال
النسائي: ضعيف، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). روى له : الجماعة
إلا مسلماً ، [ و] البخاري في المتابعات (٣).
قوله: / [((استخلف))] من الاستخلاف، وهو أن يجعل غيره خلفاً [٢٠٣/١-أ]
(١) جاء في سنن أبي داود قبل هذا الباب: ((باب إمامة البر والفاجر)): حدَّثنا
أحمد بن صالح ، حدَّثْنا ابن وهب ، حدَّتني معاوية بن صالح ، عن العلاء
ابن الحارث ، عن مكحول ، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَليه:
((الصلاة المكتوبة واجبة خلف كل مسلم : بَرا كان أو فاجراً، وإن عمل
الكبائر)) ، فلعله غير موجود في نسخة المصنف ، والله أعلم .
(٣) انظر ترجمته فى: تهذيب الكمال (٤٤٨٩/٢٢) .
(٢) تفرد به أبو داود .
- ٩٩ -

عنه . وحكى النمري أنه استخلفه رسول الله وسلو على المدينة ثلاث عشرة
مرةً : في غزوة الأَبْواء ، وبُواط ، وذي العُسَيْرة ، وخروجه إلى ناحية
جُهَينة في طلب كُرز بن جابر ، وفي غزوة السويق ، وغطفان ، وأُحُد ،
وحمراء الأسد، وبُحْران (١) ، وذات الرِقاع، واستخلفه حين سار إلى
بَدْر ، ثم رَدّ أبا لبابة واستخلفه عليها ، واستخلفه عُمر - أيضاً - في
حجة الوداع . وذكر البغوي أنه - عليه السلام - استخلفه يوم الخندق .
ويُستفاد من الحديث أن إمامة الأعمى جائزة بلا خلاف ، ثم إنها هل
تكره أم لا ؟ فقال الشافعي ، ومالك ، وأحمد : لا تكره . وقال
أصحابنا : تكره ؛ وعلّلوا بأنه لا يتوق النجاسة . وروى أبو بكر قال : نا
وكيع ، عن سفيان ، عن عبد الأعلى ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن
عباس قال : كيف أؤمهم وهم يعدلوني إلى القِبلة ؟!
ونا الفضل بن دكين ، عن حسن بن أبي الحسناء ، عن زياد النميري
قال : سألت أنساً عن الأعمى يؤم فقال : ما أفقركم إلى ذلك ؟
وحدَّثنا زيد بن حباب ، عن إسرائيل ، عن مرزوق ، عن سعيد بن
جبير أنه قال : الأعمى لا يؤم .
*
٥٩ - بابُ : إمامة الزائر
أي : هذا باب في بيان إمامة الرجل الزائر قوماً .
٥٧٧ - ص - نا مسلم بن إبراهيم : نا أبان ، عن بديل قال : حدثنى
أبو عطيّة مولّ منَّا قال : كان مالك بن الحويرث يأتينا إلى مُصلانا هذا،
فأُقيمت الصلاة فَقلنا له : تقدَّمْ فصَلّهْ ! فقال لنا: قدَّمَوا رجلاً منكم يُصلي
بكم، وسَأحدثكم لِمَ لا أُصلي بكم؛ سمعتُ رسولَ اللهِوَلِ يَقُولُ: ((مَنْ زار
قوماً فلا يؤمّهُم وليؤمّهم رجلٌ منهم )) (٢) .
(١) كتب فوقها (( معاً))، أي: بفتح الباء وضمها.
(٢) الترمذي : كتاب الصلاة، باب: ما جاء فيمن زار قوماً لا يصلي بهم (٣٥٦)،
النسائي: كتاب الإمامة، باب: إمامة الزائر (٢/ ٨٠) .
- ١٠٠ -