النص المفهرس
صفحات 441-460
وهو القياس ؛ لأن ثوبين فاعل كان وهو اسمُهُ فيكون مرفوعًا ، وخبره : قوله: ((عليه)). ووجه رواية أبي داود - إن صحت - أن تكون ((كان)) زائدةً، وهي التي لا تُخِل بالمعنى الأصلي ، ولا يعملُ في شيء أصلا ، ويكون نَصْب ((ثوبَيْن)) بالفعل المقدر ؛ والتقدير : رأيت رجلا ورأيت عليه ثوبَيْن أخضرين، فقوله: ((رأيتُ)) يكون دالا على ((رأيت)) الثاني المقدّر، وجَعْلُنا ((كان)) هاهنا زائدةً لا يُخِلُّ بالمعنى الأصْلِيّ - كما قد رأيتَ. فإن قيل: فإذا لم تعمل (( كان )) الزائدة فما فائدةُ دخولها في الكلام ؟ قلت : فائدته تأكيد جملة صُدّرت بها ، ويدلّ على الزمان - أيضا - ألا ترى أن (( كان)) في قولهم : ما كان أحسن زيدا ، زائدةٌ لم تعمل بشيء؛ ولكنها دَلّت على الزمان ، والمعنى : ما أحسن زيدا أَمْسِ ، فافهم . قوله : (( ثم قَعَدَ قَعْدةٌ)) - بفتح القاف - والفَعلة - بالفتح - يدل على المرة ، وبالكسر يدل على الهيئة ؛ والمراد هاهنا : المرة لا الهيئة . وفيه دلالة على استحباب الفصل بَيْن الأذان والإقامة بقعدة ونحوها . قوله: (( مثلها)) أي : مثل كلمات الأذان . قوله: (( ولولا أن يقول الناس )) أي : قال ذلك الرجل من الأنصار - وهو عبد الله بن زيد - : لولا أن يقول الناسُ . قوله: (( قال ابن المثنى)) من كلام أبي داود ، أي : قال محمد بن المثنى، وهو أحد شيوخه في روايته: (( أن تقولوا)) موضع ((أن يقول الناس)). قوله: ((لقلتُ)) جواب قوله: لولا، وقوله ((قال ابن المثنى : أن تقولوا)) مُعترض بين (( لولا)) وجوابه . قوله : ((يَقظانًا)) - بفتح القاف وسكونها - وقوله (( غير نائم )) تأكيد له من جهة المعنى . قوله: ((لقد أراك اللهُ خيرًا)) مقول لقوله: ((فقال رسول الله)). وقوله: ((وقال ابن المثنى)) معترض بين القول ومَقُوله . قوله : ((ولم يَقُلْ عَمرُو : لقَدْ)) من كلام أبي داود ، أي : لم يقل عمرو ابن مرزوق أحد شيوخ أبي داود في روايته «لقَدْ)) بل روايته «أراك الله خيرًا)) بدون ((لقَدْ)). - ٤٤١ - قوله : ((فمُرْ بلالا)) من كلام النبي - عليه السلام - ، يُخاطبُ عبد الله ابن زيد الأنصاري . قوله: ((أما إني)) بفتح الهمزة في ((أما)) وكسرها في ((إني ) فافهم . قوله : ((سُبُقْتُ)) على صيغة المجْهول أي : لما سبقني عبد الله بن زيد بمقالته ((استحييتُ)) أن أذكر منامي الذي رأيته كما رأى . ص - قال: وحدثنا أصحابنا قال: كان (١) الرجلُ إذا جاء يَسألُ فُيُخبرُ بما سُبق من (٢) صلاته ، وأنهم قاموا مع رسولِ الله - عليه السلام - منْ بين [١٧٢/١-١] قائمٍ وراكعٍ ، وقاعدٍ ومصلي (٣) مع رسولِ الله / قال ابن المثنى: قال عمرو: وحدثني بها حُصَيْنَ ، عن ابن أبي ليلى حتى جاء مُعاذٌ . قال شعبةُ : وقد سمعتُها من حُصَين فقال: لا أَراهُ على حال إلى قوله (( كذلك فافعلوا)) ثم رجعتُ إلى حديثٌ عَمْرو بن مَرْزُوق قال : فجاء معاذٌ فأشاروا إليه . قال شعبةُ: وهذه سمعتُها من حُصَيْن قال: فقال مُعاذٌ: لا أَراهُ على حال إلا كنتُ عليها . قال: ((فقال إن معاذًا قد سَنَّ لكم سُنةً كذلك فافعلُوا)). ش - هذا هو الحال الثاني من الأحوال الثلاث التي قالها ابن أبي ليلى : ((أُحيلت الصلاة ثلاثة أحوال ؛ فالحال الأول : قد بيّنه الشيخ بقوله: قال: ونا أصحابنا أن رسول الله قال: ((لقد أعجبني)) إلى آخره ، وقد بيّنها الإمام أحمد مُفُسرةً واضحةً مجموعة - كما ذكرناه ، وأبو داود بيّنها مفرقةً مختلطة بعضها في بَعْضٍ ، وأدخل في أثناء الحديث بَعْضَ رُواته - كما ترى . قوله: (( قال: وحدثنا أصحابنا)) أي: قال عبد الرحمن بن أبي ليلى، وقد ذكرنا أنه إن أراد به الصحابة فالحديث مُسند وإلا فمُرسلٌ . قوله: ((كان الرجل إذا جاء يَسأل)) يعني: كان الرجل من الرجال إذا جاء إلى الصلاة مع النبي - عليه السلام - يسأل ممن كان هناك : كم صلّى رسولُ الله من الركعات ؟ (١) في سنن أبي داود: ((وكان)). (٣) في سنن أبي داود: ((ومصلٍ )). (٢) مكررة في الأصل . - ٤٤٢ - قوله : ((فيُخْبرُ بما سُبق من صلاته)) على صيغة المجهول ، أي : يُخبره الُخبرُ بالَّذي سُبِق من أَعْداد ركعات صلاته ركعةً أو ركعتين أو ثلاثا ، فكان الرجل يُصليها وحده ثم يقوم ويدخل مع القوم في صلاتهم . قوله: (( وإنهم قاموا)) بكسر الهمزة . وقوله : (( من بين قائم)) إلى آخره ؛ إشارة إلى أن منهم من كان يدرك صلاة النبي - عليه السلام - وهو في القيام ، ومنهم من كان يدركه وهو في الركوع ، ومنهم من كان يدركه وهو في القعدة ، ومنهم من كان يدركه من الأول، وهو معنى قوله (( ومُصلي مع رسول الله)) وقوله (( مع رسول الله)) متصل بالجميع ، أعني بقوله ((من بين قائم)) إلى آخره . قوله: ((قال ابن المثنى: قال عمرو)) أي: قال محمد بن المثنى : قال عمرو بن مُرة . قوله : (( وحدثني بها حُصَيْن عن ابن أبي ليلى)) أي: قال عمرو بن مرة: وحدثني بها - أي : بالقصّة المذكورة - وإنماقال : وحدثني بواو العَطْف ؛ لأنه قال في الرواية الأولى : عن ابن أبي ليلى ، وفي هذه الرواية : حدثني بها حُصَيْن ، عن ابن أبي ليلى فكأنه قال : حدثني بها ابن أبي ليلى ، وحدثني بها حصين ، عن ابن أبي ليلى ؛ وهو حصين بن عبد الرحمن أبو الهذيل السُّلمي الكوفي ، وقد ذكرناه . قوله: (( حتى جاء معاذ)) من تتمة قوله ((ومُصلِّي مع رسول الله)). وقوله (( قال ابن المثنى)) إلى آخره معْترض بينهما، وكذلك قوله ((قال شعبة)) إلى قوله ((فقال: لا أراه)) معترض بين قوله ((حتى جاء معاذٌ)) وبين قوله ((لا أراه)). قوله: ((قد سمعتها)) أي : قد سمعت هذه القصة من حُصَين المذكور . قوله: ((فقال: لا أراهُ)) أي: قال معاذ: لا أرى النبيّ - عليه السلام - على حالٍ من الأحوال إلا كنْتُ عليها . قوله : (( ثم رجعتُ)) من كلام أبي داود ، أي : ثم رجعت إلى رواية عمرو بن مرزوق أحد شيوخه . - ٤٤٣ - قوله: (( فجاء معاذ)) أي: جاء مُعاذ والنبيُّ - عليه السلام - يُصلِّي مع القوم فأشاروا إليه ، أي إلى مُعاذ بما سُبِقٍ . قوله: (( قال شعبة)) إلى قوله ((فقال معاذ)) معترض بين قوله ((فأشاروا إليه )) وبَيْن قوله ((فقال معاذ)). قوله: ((قال : فقال معاذ)) أي : قال شعبة: قال معاذ ، حين أشاروا إليه: ((لا أراه على حالٍ إلا كنتُ عليها)) بمعنى : أني لم أُخالفه في حال من الأحوال ، مثل ما كانوا يفعلونه من أنهم إذا جاءوا إليه - عليه السلام- وهو يُصلي مع القوم يَسألونهم : كم صلّى من الصلاة ؟ فيصلون ما سُبِقوا، ثم يدخلون في صلاة القوم - كما ذكرناه - ومعاذ لم يَفْعل ذلك؛ بل كما جاء شرع في صلاة النبي - عليه السلام - ، ثم لما فرغ النبي - عليه السلام - قام معاذٌ وقضى ما عليه ، فقال النبي - عليه السلام - : ((إن معاذًا قد سَنّ لكم سُنَّةً ، كذلك فافعلوا )) أي : كما فعل معاذٌ [١٧٢/١-ب]فافعلوا- كما قد فسّر هكذا في حديث أحمد / رضي الله عنه . ويُستفاد من الحديث : أن المسبوق يجب أن يُشارك الإمامَ من حين وصوله ، ثم إذا فرغ الإمامُ يقوم ويَقْضي ما فاتَّه ، وفيه دليل لمن يُجوّز الاجتهاد بحَضْرة النبي - عليه السلام - ، وفيه دليل على إطلاق السُّنَّة لغير النبي - عليه السلام - ؛ كما يقال : سُنَّة العمرين، وهذا سُنَّة معاذ - رضي الله عنه - . ص - قال: وحدثنا أصحابُنَا أن رسولَ الله وَّ لما قَدِمَ المدينةَ أمرَهُم بصيامٍ ثلاثة أيام ، ثم أُنزِلَ رَمضانُ ، وكانوا قوما لم يتعوَّدُوا الصيامَ ، وكان الصيامَ عليهم شديدًا ، فكان مَنْ لم يَصُمْ أطعَم مسكينًا ، فنزلت هذه الآية ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (١) فكانت الرُّخْصةُ للمريض والمسافرِ، فَأُمِروا بالصيامِ . ش - أي: قال ابن أبي ليلى؛ وفي ((مسند أحمد (٢))): ((وأما (١) سورة البقرة : (١٨٥). (٢) (٢٤٦/٥ - ٢٤٧) . - ٤٤٤ - أَحْوال الصيام : فإن رسول الله - عليه السلام - قدم المدينة فجعل يصومُ من كل شهر ثلاثة أيام ، وصام عاشوراء ، ثم إن الله عز وجل فرضَ عليه الصيام ، فأنزل الله تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتُبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَما كُتُبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ إلى قوله ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مسكين﴾ (١) وكان مَنْ شَاء صام ومن شاء أطعم مسكينًا، فَأَجزأ ذلك عَنْهَ، ثُم إن الله عز وجل أَنْزل الآية الأخرى ﴿شَهْرُ رَمَضانَ (٢) الَّذي أُنزِلَ فيه الْقُرْآنُ﴾ إلى قوله ﴿ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ فأثبت الله عز وجل صيامَه على المقيم الصحيح ، ورخّصَ فيه للمريض والمسافر ، وثبت الإطعامُ للكبير الذي لا يَسْتطيع الصيام . فهذان حَوْلان . قال : وكانوا يأكلون ويَشْربون ويأتون النساء مالم يَناموا ، فإذا ناموا امتنعوا ، ثم إن رجلا من الأَنْصار يُقال له : صرْمة كان يعملُ صائمًا حتى أَمْسى ، فجاء إلى أهله ، فصلى العشاء ثم نام ، فلم يأكل ولم يشرب حتى أصبح صائمًا ، فرآه رسولُ الله وقد جهَد جَهْدًا شديدًا، فقال: (( مالي أراك قد جهدت جهدا شديدًا؟ )) قال: يا رسول الله! إني عمِلتُ أمْسِ فجئتُ حين جئت فألقيتُ نفسي فنمتُ ، فأصبحتُ حين أصبحَتُ صائمًا قال : وكان عُمر - رضي الله عنه - قد أصاب من النساء بعدما نام فأتى النبي -عليه السلام - فذكرذلك له فأنزل الله عز وجل ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ﴾ إلى قوله ﴿إِلَى اللَّيْلِ﴾. وهذا من تتمة الحديث الذي ذكرناه عن قريب . ص - قال : وحدثنا بعْضُ أصحابنَا قال : وكان الرجل إذا أفطر فنام قبل أن يأكل لم يأكل حتى يُصبح قال: فجاء عُمر فأرَادَ امرأتَه فقالت : إني قد نمتُ، فظَنَّ أنها تعتلَّ فأتاها ، فجاء رجل من الأنْصار فأراد طعامًا فقالوا: حتى نُسخن لك شيئا فنامَ فلما أصبحوا نزلت (٣) هذه الآيةُ فيها ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ لَّةَ الصِّيَّامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ (٤). (١) سورة البقرة : (١٨٣، ١٨٤). (٣) في سنن أبي داود: ((أنزلت)). (٢) مكررة في الأصل . (٤) سورة البقرة : (١٨٧). - ٤٤٥ - ش - أي : قال ابن أبي ليلى . قوله: (( فأراد امرأته)) كناية عن طلب الجماع . قوله : (( فأتاها )) أي : جامعها . قوله: (( فجاء رجل من الأنصار)) وهو صِرْمة المذكور في حديث أحمد. ٤٨٩ - ص - نا محمد بن المثنى ، عن أبي داودح ونا نصر بن المهاجر : نا يزيد بن هارون، عن المَسْعوديّ ، عن عمرو بن مرة ، عن ابن أبي ليلى ، عن معاذ بن جبل قال : أُحيلَت الصلاةُ ثلاثةَ أَحوال، وأُحيلَ الصيامُ ثلاثةَ أحوال . وساقَ نصرٌ الحديثَ بطوله ، واقتصر (١) ابن المثنى منه قصة صلاتهم نحو بَيْت المقدس قط (٢) . ش - أبو داود هذا : سليمان بن داود الطيالسي . ونصر بن المهاجر : أحد شيوخ أبي داود؛ وقد ذكرناه . ويزيد بن هارون : أبو خالد الواسطي. والمسعودي: هو عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود المَسْعودي الكوفي . سمع : أبا إسحاق الشيباني ، وجامع بن شداد ، وعبد الرحمن بن الأسود ، وعطاء بن السائب ، وعمرو بن مرّة وغيرهم. روى عنه : وكيع ، ويزيد بن هارون ، وأبو داود الطيالسي ، وجماعة آخرون . قال ابن معين : ثقة إذا حدّث عن عاصم وسلمة بن كهيل ، وقال - أيضا - ثقة ثقة . مات سنة ستين ومائة . روى له : أبو داود ، [١٧٣/١- أ] والترمذي، والنسائي / وابن ماجه (٣). قوله: (( وساق نصر )) أي : نصر بن المهاجر المذكور . قوله: ((واقتصر ابن المثنى منه)) أي : اقتصر محمد بن المثنى من الحديث و((قصةً)) منصوب على أنه مفعول ((اقتصر)) لأن افتعل يجيء بمعنى فعل ؛ كمدح وامتدح . (١) في سنن أبي داود: (( اقتص)). (٢) تفرد به أبو داود . (٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٣٨٧٢/١٧). - ٤٤٦ - ص - قال: الحال الثالث: أن رسول الله وسي﴿ قَدمَ المدينةَ فصلَّى - يعني: نحو بَيْت المقدس - ثلاثةَ عَشَرَ شَهرًا، فأنزلَ اللهُ تَعَالى هذه الايةَ ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجَّهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلِنُوْلَيْنَّكَ قَبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرِ الْمَسْجِد الْحَرَامِ وحَيَّثُ مَّا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (١) فوجّهه الله عز وجلّ إلَىَ الكعْبةَ . وتَمّ حديثُه . ش - أي : قال ابن أبي ليلى : الحال الثالث من الأحوال الثلاث التي ذكرها في قوله: ((أُحيلَت الصلاة ثلاثة أحول)) الحال الأوّل: قضية عبد الله بن زيد في رؤيا الأذان ، والحال الثاني : قضيّة معاذ - رضي الله عنه - في الصلاة ، والثالث : هذا ؛ وهوقضيّة تحويل القبلة ؛ وذلك أنه - عليه السلام - لما قدم المدينة أُمر أن يصلي إلى صخرة بَيْت المقدس تألفًا لليهود ستة عشر شهرا ، وقيل : سبعة عشر ، ثم حُول إلى الكعْبة ؛ لأنه كان يعجبه أن تكون قبلته إلى البيت . وعن ابن عباس : كانت قبلته بمكة بيت المقدس إلا أنه كان يجعل الكعبة بَيْنه وبَيْنه ، وكان تحويل القبلة قبل غزوة بدر . قال بعضهم: كان ذلك في رجب سنة ثنتين . وبه قال: قتادة، وزيد بن أسلم ، وهو رواية عن محمد بن إسحاق . وقيل : في شعبان منها . وقال ابن إسحاق بعد غزوة عبد الله بن جحش ، ويقال : في شعبان على رأس ثمانية عشر شهرا من مقدم رسول الله ، وحكاه ابنٌ جرير عن ابن عباسٍ ، وابن مسعود ، وناسٍ من الصحابة ، وهو قول الجمهور . وحُكِيَ عن الواقديّ أنها حُوّلت يوم الثلاثاء النصف من شعبان. وقال بعضهم : نزل التحويل وقت الظهر . وقال بعضهم : كان بين الصلاتين . قوله ﴿ قَدْ نَرَى ﴾ معناه : ربّما نرى ، ومعناه : كثرة الرؤية ، والحاصل: أن ((قد )) للتقليل ؛ ولكنه استعير هاهنا للتكثير لمجانسة بين الضدين ، كما أن التقليل قد يُسْتعار للتكثير . (١) سورة البقرة : (١٤٤). - ٤٤٧ - قوله : ﴿ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ﴾ أي : تردد وجهك وتصرف نظرك في جهة السماء ؛ وكان - عليه السلام - يَتَوقّعُ من الله أن يُحوله إلى الكعبة ؛ لأنها قبلة أبيه إبراهيم - عليه السلام - ، وأدْعى للعرب إلى الإيمان ؛ لأنها مفخرتهم ومزارهم ومطافهم ، ولمخالفة اليهود ، فكان يُراعي نزول جبريل - عليه السلام - والوَحْي بالتحويل . قوله : ﴿فَلَنُوْلَيَنَّكَ﴾ أي: فلنُعْطِينك ولنمكّننك من استقبالها ، من قولك : وليته كذا إذا جعَلْته واليًا له . قوله : ﴿تَرْضَاهَا﴾ أي: تحبّها وتميلُ إليها لأغراضك الصحيحة التي أضمَرْتها . قوله: ﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أي: نحوَه؛ وقرأ أُبي ((تلقاءَ المسجد الحرام )) وهو نَصْبٌ عَلَى الظرف ، أي : اجعل تولية الوجه في جهة المسجد وسَمْته ؛ لأن استقبال عين القبلة فيه حرج عظيم على البَعيد ، وذكر المسجد الحرام دون الكعبة دليل على أن الواجب مراعاة الجهة دون العين ؛ ولهذا قال جماعة من أصحابنا : يجب على من كان في المسجد الحرام أن يستقبل عين الكعبة ، ومن كان في مكة يستقبل المسجد الحرام ، ومن كان خارج الحرم من أهل الدنيا يستقبل الحرم من أيّ جهة كان . قوله: (( وتم حديثه )) أي: حديث ابن المثنى . ص - وسمّى نصرٌ صَاحبَ الرؤْيَا قال : فجاء عبدُ الله بنُ زيد رجلٌ من الأَنْصار وقال فيه : فاستقْبلَ القبلَة قال: الله أكبر ، الله أكبر ، أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن محمداً رسول الله ، أشهد أن محمدًا رسول الله، مرتين (١) . حَيَّ على الصلاة مرتينٍ ، حَيَّ على الفلاحِ مرتين ، الله أكبر ، الله أكبر ، لا إله إلا الله . ثم أَمْهِلَ هُنيةً ، ثم قام فقال مثلها إلا أنه (٢) زادَ بعدما قال: حَيَّ على الفلاح: قد قَامت الصلاةُ ، (١) كلمة مرتين غير موجودة في سنن أبي داود . (٢) في سنن أبي داود: ((إلا أنه قال: زاد)). - ٤٤٨ - قد قَامت الصلاةُ. قال (١) رسول الله - عليه السلام -: ((لقِّنها بلالاً)) فأذّن بها بلالٌ. ش - أي : سمّى نصر بن المهاجر : صاحب الرؤيا وهو من كلام أبي داود . قوله: ((قال: فجاء عبد الله)) / أي: قال نصرٌ في بقية حديثه: فجاء [١٧٣/١ -ب] عبدُ الله . قوله : (( رجُلٌ من الأَنْصار )) مَرْفوعٌ على أنه خبر مبتدإ محذوف تقديره : هو رجل من الأنصار ، والجملة تكون صفة كاشفة ، ويجوز أن تكون بدلاً من عبد الله ، والتطابق بين البدل والمبدل منه ليس بشرط ، وتبدل النكرة من المعرفة ، والمعرفة من النكرة ، والمعرفة من المعرفة ، والنكرة من النكرة ، والبدل أربعة أنواع ، فيصير الجملة ستة عشر بخلاف الصفة والموصوف ؛ فإن التطابق بينهما شرط تعريفا وتنكيرا وغير ذلك كما عرف في موضعه ، على أن الرجل هاهنا اتصف بقوله (( من الأنصار)). قوله: (( وقال فيه )) أي : في حديثه الذي حدّث من رؤياه . قوله: (( ثم أَمْهِلَ هُنيةً)) بمعنى أَبْطأ ساعةً لطيفةً، وأَمْهَلَ : أفعل ؛ ولكنه بمعنى فعل كأنبت الزرع بمعنى: نبت. (( وهُنية)): تصغير هَنَةٍ، ويقال : هُنَيْهة - أيضًا - وهو القليل من الزمان . قوله: ((مثلها)) أي: مثل كلمات الأذان . ص - وقال في الصوم: قال: فإنَّ رسولَ الله ◌ََّ كان يَصُومُ ثَلاثَة أيامِ من كلٌّ شهر ، ويَصومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ ، فأنزلَ اللهُ عَزّ وجلّ ﴿ كُتْبَ عَلَيْكُمُ الصِّامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينِ مِن قَبْلِكُمْ﴾ إلى قوله ﴿طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (٢) فكان من شاءَ أن يَصومَ صَامَ ، ومَنْ شَاءَ أن يُفْطِرَ ويُطْعم كلَّ يومٍ مِسْكِينًا أجزأهُ ذلك . فهذا (٣) حَوْل. فأنزلَ الله عز وجل ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنزِلَ (١) في سنن أبي داود: ((قال: فقال)). (٢) سورة البقرة: (١٨٣، ١٨٤). (٣) في سنن أبي داود: ((وهذا)). ٢٩ • شرح سنن أبي داوود ٢ - ٤٤٩ - فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ إلى ﴿ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (١) فثبت الصيامُ على مَنْ شهدَ الشهر ، وَعَلى المسافر أن يقضيّ ، وثبت الطعامُ للشيخِ الكَبيرِ والعجوز الَّذين لا يَسْتطيعانِ الصَومَ، وجاء صِرْمَةُ وقد عَمِلَ يَوْمَه ، وساَقَّ الحديث (٢) . ش - أي : قال ابن أبي ليلى في روايته : قال معاذ - رضي الله عنه - . قوله : (( كان يَصومُ ثلاثة أيام من كل شهر)) وكانت هذه فرضًا قبل رمضان، وكذلك كان صوم عاشوراء ؛ فلما أنزل الله تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتْبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ ﴾ الآية نسخَ ذلك الصومَ؛ والصيام والصوم واحد ؛ وهو الإمساك لغةً ، وشرعا : إمساك عن المُفطرات . قوله : ﴿ كَمَا كُتُبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ يعني : الأنبياء والأمم من لدن آدم ، وفيه توكيد للحكم وترغيبٌ عَلَى الفعْل . قوله: ﴿طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ يعني : نصف صاع من بُرٍّ أو صاع من غيره عند فقهاء العراق ، ومُدّ عند فقهاء الحجاز ؛ رُخص لهم في ذلك أول الأمر لما أمروا بالصوم فاشتد عليهم لأنهم لم يتعودوه ، ثم نسخ بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ﴾ يعني : فمن حضر في الشَهْر ولم يكن مسافراً فَليصَمه ﴿وَمَن كَانَ مَريضًا أَوْ عَلَى سَفَر فَعدَّةٌ مِّنْ أَيَّامِ أُخَرَ﴾ أي: فعليه عدّة من أيّام أخر ؛ والمعنى: أن المريض إذا أفطرٌ والمسافر إذا أفطر يجبُ عليهما أن يقضيا ذلك من أيام أخر ؛ وكانت فرضية رمضان في السنة الثانية من الهجرة قبل وقعة بدر ، وقد قيل : إنه فرض في شعبان منها . قوله: ((فهذا حولٌ)) أي: أمر الخيار بين الصوم الفرض وبين الإفطار والإطعام للمسكين حال واحد من الأحوال الثلاثة . والحال الثاني : فرضيّة الصوم على المقيم الصحيح من غير الخيار ، والرُّخصة للمسافر والمريض . والحال الثالث: ما قَصَّه الله في قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَّامِ الرَّفَثُ﴾ إلى قوله ﴿اللَّيْلِ﴾ وقد مرّ هذا مُفسّرًا واضحا في حديث (١) سورة البقرة : (١٨٥). (٢) تفرد به أبو داود . - ٤٥٠ - أحمد. وتخريجُ أبي داود مُفرّقٌ يحتاج فيه إلى إِمْعان النظر والفِكر القويّ، فافهم . قوله: (( وجاء صرْمةُ)) صرْمة - بكسر الصاد المهملة وسكون الراء - هو صرْمة بن قيْس ، كَنيتُه : أبو قِيْس ، له صُحْبةٌ وهو لا ينصرف للعلميّة وتاء التأنيث . قوله: (( وقد عمل يومه)) جملة وقعت حالاً من (( صرمة )) وتمام قصته قد مرّ في حديث أحمد . ٢٨ - بَابٌ في الإقامة أي : هذا باب في بيان حكم الإقامة وصفته ، وفي بعض النسخ: ((باب ما جاء في الإقامة)) وهي مصدر من أقام يقيم / إقامةً، وفي اصطلاح [١/ ١٧٤-أ] الفقهاء : هي إعلام الحاضرين . ٤٩٠ - ص - نا سليمان بن حَرْب ، وعبد الرحمن بن المبارك قالا : نا حماد، عن سماك بن عطيّة ح ونا موسى بن إسماعيل: نا وهيبٌ - جميعا -، عن أيوب ، عن أبي قلابة ، عن أنس قال: أُمَرَ بلالٌ أن يَشْفِعَ الأذانَ ويُوترَ الإقامةَ (١) . ش - سُليمان بن حرب : الواشحي ، أبو أيوب البصري ، قاضي مكة. وعبد الرحمن بن المبارك : ابن عبد الله العَيْشِي - بالياء آخر الحروف والشين المعجمة - أبو بكر أو أبو محمد البصري . روى عن : وهيب بن خالد ، وأبي عوانة بن جرم (٢) ، وعبد العزيز بن مسلم وغيرهم . روى (١) البخاري: كتاب الأذان، باب: بدء الأذان (٦٠٣)، مسلم : كتاب الصلاة، باب: الأمر بشفع الأذان وإيتار الإقامة (٢ - ٣٧٨) و(٣ -٣٧٨)، الترمذي: كتاب الصلاة ، باب : ما جاء في إفراد الإقامة (١٩٣) ، النسائي : كتاب الأذان ، باب : تثنية الأذان (٣/٢)، ابن ماجه : كتاب الأذان ، باب : إفراد الإقامة (٧٢٩) . (٢) كذا، وفي تهذيب الكمال ((أبو عوانة اليشكري، وحزم القُطعي)) فلعله مركب منهما ، والله أعلم . - ٤٥١ - عنه : البخاريّ، وأبو زرعة ، وأبو حاتم - وقال : صدوق - ، وأبو داود وغيرهم . وروى النسائي ، عن رجل ، عنه . مات سنة ثمان وعشرين ومائتين (١) . وحماد : ابن زيد . وسماك بن عطية : البصري المِرِبَدِي ، روى عن : الحسن البصري ، وأيوب السختياني . روى عنه : حماد بن زيد ، والهيثم بن الربيع . روى له : البخاري ، ومسلم ، وأبو داود ، والترمذي (٢). وموسى بن إسماعيل : المنقري. وَوُهَيْب : ابن خالد بن عجلان البصري . وأيوب : السختياني . وأبو قلابة : عبد الله بن زيد الجرمي البصري . قوله: ((جميعًا)) حال عن ((سماك)) وَ ((وُهَيْب)) بمعنى: مجتمعَيْن . قوله: (( أُمر بلال)) أي: أمرَه رسول الله بذلك. وقد أخرجه النسائي في (( سننه )) مبيّنا من حديث أبي قلابة ، عن أنس أن رسول الله أمَر بلالا أن يشفع الأذان وأن يوتر الإقامة . وأخرجه البخاري ، ومسلم ، والترمذي، وابن ماجه . قوله: (( أن يشفع الأذان )) يعني: يأتي به مثنى؛ وهذا مجمع عليه اليوم؛ وحُكِي في إفراده خلاف عن بعض السلف . قوله: (( ويوتر الإقامة)) يعني: يأتي بها وترا ولا يثنيها بخلاف الأذان. (((٣) واختلف العلماء في لفظ الإقامة ؛ فالمشهور من مذهب الشافعي: أن الإقامة إحدى عشرة كلمة ، وبه قال أحمد . وقال مالك في المشهور : هي عشر كلمات ؛ فلم يثن لفظ الإقامة ، وهو قول قديم للشافعي . وقال أصحابنا : الإقامة سبع عشرة كلمةً، فيُثنيها كلها . واحتج الشافعي بالحديث المذكور . واحتج أصحابنا بما رواه الترمذي من حديث عمرو بن (١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٣٩٤٦/١٧). (٢) المصدر السابق (٢٥٨١/١٢). (٣) انظر: نصب الراية (٢٦٨/١: ٢٧٠). ٠ - ٤٥٢ - ١٩٠٠ مرة ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن عبد الله بن زيد قال : كان أذان رسول الله شفعا شفعا في الأذان والإقامة ؛ وبما رواه أبو داود وابن ماجه من حديث ابن محيريز ؛ وقد مرّ بيانه ، وقال فيه النسائي : ثم عدها أبو محذورة تسع عشرة كلمةً وسبع عشر كلمةً ، وقال الترمذي : حديث حسن صحيح. ورواه ابن خزيمة في ((صحيحه)) ولفظه: ((فعلمه الأذان والإقامة مثنى مثنى )) . وكذلك رواه ابن حبّان في ((صحيحه )) . واعترض البيهقى (١) فقال : وهذا الحديث عندي غير محفوظ لوجوه ؛ أحدها : أن مسلما لم يخرجه ؛ ولو كان محفوظا لم يتركه مسلم ؛ لأن هذا الحديث قد رواه هشام الدستوائي ، عن عامر الأحول دون ذكر الإقامة كما أخرجه مسلم في ((صحيحه))، والثاني : أن أبا محذورة قد رُوِيَ عنه خلافه ، والثالث : أن هذا الخبر لم يدم عليه أبو محذورة ولا أولاده ، ولو كان هذا حكما ثابتًا لما فعلوا بخلافه. وأجاب الشيخ في ((الإمام )» بأن عدم تخريج مسلم إياه لا يدل على عدم صحته ؛ لأنه لم يلتزم إخراج كل الصحيح ، وعن الثاني : أن تعيين العدد بتسعة عشر وسبعة عشر ينفي الغلط في العدد ؛ بخلاف غيره من الروايات ؛ لأنه قد يقع فيها اختلاف وإسْقاط - وأيْضًا - قد وُجدت متابعة لهمام في روايته عن عامر كما أخرجه الطبراني عن سعيد بن أبي عروبة ، عن عامر بن عبد الواحد ، عن مكحول ، عن عبد الله بن محيريز ، عن أبي محذورة قال: ((علمني رسول الله الأذان تسع عشرة كلمة ، والإقامة سبع عشرة كلمة )» ، وعن الثالث : أن هذا داخل في باب الترجيح لافي باب التضعيف ؛ لأن عمدة التصحيح : عدالة الراوي ؛ وترك العمل بالحديث لوجود ما هو أرجح منه لا يلزم منه ضَعْفُه، ألا ترى أن الأحاديث المنسوخة يحكم بصحتها إذا كانت / رواتها عدولاً ، ولا يُعمل بها لوجود الناسخ، وإذا آل الأمرُ إلى [١/ ١٧٤ -ب] الترجيح فقد يختلف الناسُ فيه)). قلت: ((وله طريق آخر عند أبي داود أخرجه عن ابن جريج ، عن عثمان بن السائب ؛ وفيه: ((وعلمني الإقامةَ (١) لعل هذا الاعتراض ملتقط من السنن الكبرى (٤١٧/١) وما بعدها . - ٤٥٣ - مرتين مرتين))، ثم ذكرها مفسرةً؛ وقد مرّ بيانه. وله طريق آخر عند الطحاوي أخرجه عن شريك ، عن عبد العزيز بن رفيع قال : سمعتُ أبا محذورة يؤذن مثنى مثنى، ويقيم مثنى مثنى. قال في ((الإمام)): قال ابن معين : عبد العزيز بن رفيع ثقة . وحديث آخر : أخرجه عبد الرزاق في ((مصنفه)) : أخبرنا معمر ، عن حماد ، عن إبراهيم ، عن الأسود ابن يزيد : أن بلالا كان يُثني الأذان ويثني الإقامة ، وكان يبدأ بالتكبير . ويختم بالتكبير . ومن طريق عبد الرزاق : رواه الدارقطني في (( سننه )) والطحاوي في (( شرح الآثار)). فإن قيل: قال ابن الجوزي في ((التحقيق)): والأسود لم يُدْرِك بلالا. قلت: قال صاحب ((التنقيح)): وفيما قاله نظر ؛ وقد روى النسائي للأسود عن بلال حديثًا . وحديث آخر : أخرجه الطبراني بإسناده إلى بلال أنه كان يجعل الأذان والإقامة سواء مثنى مثنى وكان يجعل أصبعَيْه في أذنيه . وحديث آخر: أخرجه الدارقطني في (( سننه)) بإسناده إلى بلال أنه كان يؤذن للنبي - عليه السلام - مثنى مثنى ، ویقیم مثنى مثنى ؛ وفيه زياد البكائي وثقه أحمد . وقال أبو زرعة : صدوق ، واحتج به مسلم ، ويُردّ بهذا تعليل ابن حبان في كتاب (( الضعفاء )) هذا الحديث بزياد . وفيه آثار - أيضا - . روى الطحاوي من حديث وكيع ، عن إبراهيم بن إسماعيل، عن مجمع بن حارثة (١) ، عن عبيد مولى سلمة بن الأكوع ، أن سلمة ابن الأكوع كان يثني الإقامة . حدثنا محمد بن خزيمة : نا محمد بن سنان: نا حماد بن سلمة ، عن حماد ، عن إبراهيم قال : كان ثوبان يؤذن مثنى ويقيم مثنى . حدثنا يزيد بن سنان : نا يحيى بن سعيد القطان : نا فطر بن خليفة ، عن مُجاهد قال في الإقامة مرة مرة : إنما هو شيء أحدثه الأُمراء، وأن الأصل: هو التثنية)) (٢). وقد بان لك بهذه الدلائل أن قول الشيخ محيي الدين في (( شرح (١) في نصب الراية (( جارية)). (٢) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية . - ٤٥٤ - مسلم (١))): ((وقال أبو حنيفة : الإقامة سَبْع عشرة كلمة؛ وهذا المذهب شاذٌ )) قول واهي ، لا يُلتفت إليه ؛ وكيف يكون شاذا مع وجود هذه الدلائل الصحيحة ؟ غاية ما في الباب كان ينبغي أن يقول على زعمه : إن هذا القول مَرْجوح ، أو قول غيره أقوى منه ؛ على أن قول أبي حنيفة في هذا الباب أقوى وأجدر بالعمل من وجوه ؛ الأول : كثرة الدلائل من الأخبار والآثار الدالة على أن الإقامة مثنى مثنى مثل الأذان ، والثاني : أن قوله: ((أُمر بلال)) قد قيل فيه: إن الآمر فيه مُبْهم ، يحتمل أن يكون رسول الله ، ويحتمل أن يكون غيره ، وقد قيل : إن الآمر بذلك : أبو بكر ، وقيل : عُمر ؛ فحصل فيه احتمالات . وقال الشيخ محيي الدين (٢): (( إطلاق ذلك ينصرف إلى صاحب الأمر والنهي وهو رسول الله؛ ومثل هذا اللفظ: قول الصحابي: ((أُمرنا بكذا)) أو ((نُهينا عن كذا)) و(( أُمر الناس بكذا )) ونحوه فكله مرفوع سواء قال الصحابيّ ذلك في حياة رسول الله أم بعد وفاته )) . قلت : فيه مناقشة ؛ لأن من الإطلاق ينشأ وجوه الاحتمالات ، وقوله (سواء)) إلى آخره غير مسلم ؛ لجواز أن يقول الصحابيّ بعد الرسول : (أُمرنا بكذا)) أو ((نهينا عن كذا)) ويكون الآمر أو الناهي أحد الخلفاء الراشدين . والثالث : أن بعضهم ادّعوا أن حديث أبي محذورة ناسخ لحديث أنس هذا قالوا : وحديث بلال إنما كان أول ما شرع الأذان - كما دلّ عليه حديث أنس - وحديث أبي محذورة كان عام حُنَيْن وبينهما مدةٌ مَديدة . فإن قيل : شرط الناسخ : أن يكون أصح سندًا ، وأقوى من جميع جهات الترجيح ، وحديث أبي محذورة لا يوازي حديث أنس من جهة واحدة ، فضلا عن الجهات كلها . قلنا : لا نسلم أن من شرط / الناسخ [١٧٥/١ -أ] ما ذكر ؛ بل يكتفى فيه أن يكون صحيحًا متأخرًا معارضًا ، غير ممكن (١) (٤ / ٧٨) . (٢) المصدر السابق . - ٤٥٥ - الجمع بينه وبين معارضه ؛ فلو فرضناهما مُتساويَيْن في الصحة ووجد ما ذكرناه من الشروط لثبت النسخ ، وأما أنه يشترط أن يكون أرجح من المعارض في الصحة فلا نسلم ، نعم لو كان دونه في الصحة ففيه نظرٌ . ص - زاد حمادٌ في حديثه : إلا الإقامة . ش - أي : زاد حماد بن زيد في روايته : إلا لفظ الإقامة ؛ وهي قوله: ((قد قامت الصلاة ، قد قامت الصلاة)) فإنه لا يُوترها ؛ بل يُئِنّها . ٤٩١ - ص - نا حُميد بن مَسْعدة : نا إسماعيل ، عن خالد الحذّاء ، عن أبي قلابة ، عن أنس مثل حديث وُهَيْب . قال إسماعيل : فحدثتُ به أيّوب قال : إلا الإقامة (١) . ش - حُمَيْد بن مَسْعدة : أبو علي الباهلي ، وإسماعيل : ابن عليّة ، وخالد : ابن مهْران الحذاء، وأبو قلابة: عبد الله . ووهيب : ابن خالد، وأيّوب : السختياني . قوله: (( فحدثت به)) أي : بهذا الحديث . قوله: ((إلا الإقامة)) أي : لفظ الإقامة - كما ذكرناه . ٤٩٢ - ص - نا محمد بن بشار : نا محمد بن جعفر : نا شعبة قال : سمعت أبا جَعْفر يُحدّثُ عن مُسلمٍ أبي المثنى ، عن ابن عمر قال : إنما كان الأَذانُ على عهد رسول الله مرتين مرتين ، والإقامةُ مرةً مرةً ، غير أنه يقولُ : قد قَامت الصلاةُ ، قد قامت الصلاةُ ، فإذا سَمعْنَا الإقامةَ توضأنا ثم خرجنا إلى الصلاة (٢). قال شعبة : لم أسمعْ من أبي جعفر غير هذا الحديث . ش - أبو جَعْفر : مؤذن مسجد العُرْيان . روى عن : أبي المثنى المؤذن . (١) انظر الحديث السابق . (٢) النسائي : كتاب الأذان، باب: تثنية الأذان (٣/٢)، وباب: كيف الإقامة ؟ (٢٠/٢) . - ٤٥٦ - روى عنه: شعبة . روى له: أبو داود ، والنسائي، وقال في ((الكمال)): أبو جعفر : محمد بن مهران بن مسلم الكوفي مؤذن مَسْجد العُرْيان (١) . ومسلم بن المثنى أبو المثنى المؤذن القرشي الكوفي ، وقيل : اسمُهُ : مهْران . سمع : ابن عُمر . روى عنه : ابن ابنه : أبو جَعْفر هذا ، وإسماعيل بن أبي خالد ، وحجاج بن أرطاة وغيرهم . قال أبو زرعة : ثقة . روى له : أبو داود ، والنسائي (٢). قوله: ((على عهد رسول الله )) أي : في زمانه وأيامه. قال أبو زرعة : لا أعرف أبا جعفر إلا في هذا الحديث، وقال البَزّار: لم يَرْوِ هذا أحدٌ من غير هذه الطريق . ٤٩٣ - ص - نا محمد بن يحيى بن فارس : نا أبو عامر - يعني : عبد الملك بن عمرو - : نا شعبة ، عن أبي جَعْفر مؤذن مَسْجد العُرْيان . قال: سمعت أبا المثنى مؤذن مسجد الأكبر يقول : سمعتُ ابن عُمر . وساق الحديث (٣). ش - عبد الملك بن عمرو : العقدي البَصْري . قوله: ((مسجد العُرْيان)) مسجد مشهور بالكوفة. و((مَسْجد الأكبر)) هو الجامع الكبير بالكوفة ، ومعنى مسجد الأكبر : مسجد الجامع الأكبر . فإن قلت : الجامعُ صفة للمسجد ، ولا يجوز إضافة الموصوف إلى صفته . قلت : هذا مؤول ، تأويله أنه محمول على حذف موصوف المضاف إليه ، تقديره : مَسْجد الوقت الجامع ؛ فالمسجد مضاف إلى الوقت ، وهو موصوف بالجامع ، ومنه قوله تعالى : ﴿ ذَلكَ دينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (٤) فإن الدين يوصف بالقيم نحو قوله تعالى: ﴿دينًا قِيمًا﴾ (٥) فوجب تأويله بحذف موصوف المضاف إليه تقديره : دين الملَة القيمة أي : (١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٥٠٣٣/٢٤). (٣) انظر الحديث السابق . (٢) المصدر السابق (٢٧ /٥٩٤٠). (٤) سورة البينة : (٥). (٥) سورة الأنعام : (١٦١). - ٤٥٧ - الملة المستقيمة ؛ فأضيف دين إلى الملة إضافة بيان ، كأنه قيل : دين الإسلام؛ لأن الدين أعم من الإسلام ؛ إذ هو يستعمل في الحق والباطل ، والإسلام لا يستعمل إلا في الحق ، وقيل : المحذوف : الأمة أي : دين الأمة القيمة بالحق . ٢٩ - بَابُ: الرَّجْلِ يُؤَذِّنُ ويُقيمُ آخرُ أي : هذا باب في بيان الرجل الذي يؤذن ويقيم رجل آخر ، وفي بعض النسخ : (( ما جاء في الرجل يؤذن)). ٤٩٤ - ص - نا عثمان بن أبي شيبة : نا حماد بن خالد : نا محمد بن عَمْرو، عن محمد بن عبد الله ، عن عمه : عبد الله بن زيد قال : أَرادَ النبيّ -عليه السلام - في الأَذانِ أشياءَ لم يَصنعْ منها شيئًا. قال : فَأُرِيَ عبدُ اللهِ بنُ زيد الأَذانَ في المنامِ، فَأَتَى النبيَّ - عليه السلام - فأخبرَهُ فقال: (( ألقه على بلاَلَ )) قال: فأَلقاهُ عليه فأَذَّنَ بلالٌ. فقالَ عبدُ الله: أنا رأيتُه وأنا كنتُ أُريدُهُ. قال: ((فأقمْ أَنْتَ)) (١) . ش - حماد بن خالد : الخياط البصري . [١٧٥/١ -ب] ومحمد بن عمرو: شيخ من أهل المدينة من الأنصار. / روى عن : محمد بن عبد الله ، وعن : عبد الله بن زيد الذي رأى الأذان . روى عنه: عبد الرحمن بن مَهْدي ، وحماد بن خالد . روى له : أبو داود(٢). ومحمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري المدني ، وثقه ابن حبان. روى له : الجماعة سوى البخاري . وهذا الحديث حجة على الشافعي ؛ حيث يكره الإقامة من غير المؤذن . وقال أصحابنا : إذا أقام الصلّة غير مَنْ أذن لا يكره ؛ واستدلوا على ذلك بهذا الحديث ، وبما رواه ابن أبي شيبة (٣) - أيضا - : حدّثنا يزيد بن (١) تفرد به أبو داود . (٢) انظر ترجمته في : تهذيب الكمال (٥٥١٦/٢٦). (٣) المصنف (٢١٦/١). - ٤٥٨ - هارون ، عن حجاج ، عن شيخ من أهل المدينة ، عن (( بعض مؤذني النبي - عليه السلام - قال : كان ابن أم مكتوم يؤذن ، ويقيم بلال ، وربما أذن بلال وأقام ابن أم مكتوم)) . حدثنا محمد بن [ أبي ] عدي ، عن أشعث ، عن الحسن قال : لا بأس أن يوذن الرجل ويقيم غيره (١) . ٤٩٥ - ص - نا عُبيد الله بن عمر : نا عبد الرحمن بن مهدي : نا محمد ابن عمرو قال : سمعت عبد الله بن محمد قال : كان جدي : عبدُ الله بن زيد يُحدّث بهذا الخبر، قال: فأقام جَدّي (٢). ش - عبيد الله بن عُمر : القواريري ، وعبد الرحمن بن مَهْدي : العنبري البصري ، ومحمد بن عَمرو ، مرآنفا . وعبد الله بن محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربّه الأنصاري الخزرجي المدني . روى عن : جده : عبد الله الذي رأى الأذان . روى عنه : ابن سيرين ، ومحمد بن عمرو الأنصاري . روى له : أبو داود (٣). قوله: (( بهذا الخبر)) أى : الخبر المذكور . ٤٩٦ - ص - نا عبد الله بن مَسْلمة : نا عبد الله بن عُمر بن غانم ، عن عبد الرحمن بن زياد ، عن زياد (٤) بن نُعَيم الحضرمي ، أنه سمع زياد بن الحارث الصَّدائي قال : لما كان أَولُ أذانِ الصبحِ أمرني - يعني : النبيّ عليه السلام - فأذنتُ فجعلت أقولُ : أُقيمُ يا رسولَ اللهِ ؟ فَجعلَ ينظرُ في ناحيةٍ المشرق إلى الفجر فيقولُ: ((لا)) ، حتى إذا طلع الفجرُ نَزلَ فَبرزَ ، ثم انصرفَ إليَّ وقد تلاحقَ أَصْحابُه - يعني: فَتَوضأ - فأرادَ بلالٌ أن يُقيمَ فقال له نبيّ الله: ((إن أَخَا صُدَاء هو أَذَّنَ؛ ومَن أَذَّنَ فهو يُقِيمُ)) قال: فأقمتُ (٥). (١) المصنف (٢١٦/١) . (٢) تفرد به أبو داود . (٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٣٥٣٧/١٦). (٤) في سنن أبي داود: (( أنه سمع زياد بن نعيم)). (٥) الترمذي : كتاب الصلاة ، باب : ما جاء أن من أذن فهو يقيم (١٩٩)، ابن ماجه : كتاب الأذان ، باب : السّنّة في الأذان (٧١٧) . - ٤٥٩ - ش - عبد الرحمن بن زياد : الإفريقي . وزياد بن نعيم الحَضْرمي : البصري . روى عن : زياد بن الحارث الصدائي . وروى عنه : بكربن سوادة الإفريقي ، وعبد الرحمن بن زياد الإفريقي وغيرهما (١) . وزياد بن الحارث الصدائي : الصحابيّ، قدم على النبي - عليه السلام-، وأذن له في سفره . روى عنه : زياد بن نعيم ، روى له : أبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه (٢) . والصُّدَائي منسوب إلى صُداء - بضم الصاد وبالمدّ - وهو يزيد بن حَرْب بن عُلة بن خالد (٣) بن مالك بن أدد بن زيد ابن يشجب بن عُريب بن زيد بن كهْلان بن سَباً بن يَشجُب بن يَعْرب بن قحطان ؛ وهو قبيلٌ من اليمن . قوله: (( أول أذان الصبح)) وهو الذي يُؤذن ليقوم القائم ويتسحر الصائم . قوله: ((فبرَز )) أي: خرج، من بَرز الرجل يبرُز بروزًاً . قوله: ((إن أخا صُداء)) يعني به : زياد بن الحارث . وبهذا الحديث استدل الشافعي على كراهة الإقامة من غير المؤذن . والجواب عن ذلك : أنه - عليه السلام - قال ذلك حتى لا تدخل الوحشة في قَلْب زياد بن الحارث ؛ لأنه كان حديث العهد بالإسلام ؛ وذلك لأن قدوم وفد صداء وفيهم زياد بن الحارث كان في حجة الوداع ، وكان بعثه -عليه السلام - قيس بن سعد بن عبادة إلى ناحية اليمن ، وأمره أن يطأ صُدَاء كان لما انصرف - عليه السلام - من الجعرانة سنة ثمان ؛ على أن الترمذي قال : وحديث زياد إنما نعرفه من حديث الإفريقيّ؛ والإفريقي هو (١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٢٠٤١/٩). (٢) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (٥٦٦/١)، أسد الغابة (٢٦٩/٢)، الإصابة (١ / ٥٥٧). (٣) كذا، وفي اللباب (( جلد)) بالجيم. - ٤٦٠ -