النص المفهرس
صفحات 401-420
ش - الفرجُ - بالجيم - بن فضالة : ابن النعمان بن نعيم الشامي الحمصي ، وقيل : الدمشقي ، أبو فضالة القضاعي . روى عن : يحيى ابن سعيد الأنصاري ، وهشام بن عروة ، وعبد الله بن عامر وغيرهم . روى عنه : شعبة ، وبقية بن الوليد ، وقتيبة بن سعيد وغيرهم . قال ابن سعد : كان يسكن مدينة أبي جعفر ، ومات بها سنة ست وتسعين ومائة وكان ضعيفا . وقال البخاري عن يحيى بن سعيد : منكر الحديث . وقال البرقاني : سألت الدارقطني عنه فقال : ضعيف . وقال ابن عديّ : وهو مع ضعفه يكتب حديثه . وقال معاوية بن صالح : قال أحمد : ثقة . روى له : أبو داود ، والترمذي، وابن ماجه (١) . وأبو سَعْد : الدمشقي . روى عن : واثلة بن الأسقع . روى عنه : الفرج بن فضالة . روى له : أبو داود (٢) . وواثلة بن الأسقع : ابن كعب بن عامر ، أبو الأسقع ، أو أبو قرفاصة ، أو أبو محمد ، أو أبو الخطاب ، أو أبو شداد ، أسلم قبل تبوك والنبي - عليه السلام - يتجهز لها ، وشهدها مع النبي - عليه السلام -، وكان من أهل الصفة . رُوِيَ له عن رسول الله ستة وخمسون حديثا . روى عن : أبي مرثد الغنوي ، وأم سلمة زوج النبي - عليه السلام - . روى له البخاري حديثًا واحدا ومسلم آخر ، سكن الشام ، ونزل بيت جبرين من أرض الشام ؛ وهي بلدة بالقرب من بيت المقدس ، وقد دخل البصرة وله بها دارٌ . روى عنه : عبد الواحد بن عبد الله النصري ، وشداد بن عبد الله ، وأبو إدريس الخولاني ، ومكحول ، وخلق سواهم ، توفي بدمشق سنة ست وثمانين في ولاية عبد الملك بن مروان ، وهو ابن ثمان وتسعين. روى له الجماعة(٣). (١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٤٧١٤/٢٣) . (٢) المصدر السابق (٧٣٨٥/٣٣). (٣) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (٦٤٣/٣)، أسد الغابة (٤٢٨/٥)، الإصابة (٦٢٦/٣). ٢٦ * شرح سنن أبي داوود ٢ - ٤٠١ - قوله: (( على البوري )) - بضم الباء الموحدة ، وكسر الراء ، وتشديد الياء - وهو الحصير المعمول من القصب ؛ يُقال : بُوريّة وبارِيّة - مشددتان - وبُرِياء ، وبَارياء - مخففتان ممدودتان . وقال الأصمعي : البُورياء بالفارسية ، وهو بالعربية : بَاري - وبوري وكذلك الباريّةُ كلها بتشديد الياء . قوله : (( لأني رأيتُ رسول الله يفعله)) أي : كان يفعل كما فعله . فإن قلت: قد صح عنه - عليه السلام - أنه قال: ((التفل في المسجد خطيئة)) كما ذكرنا ، وكيف التوفيق بينه وبَيْن هذا الحديث ؟ قلت : هذا ليس بتَفْل في المسجد ؛ وإنما هو مثل التفل في ثوبه ، على أن ذلك [١٦٤/١-١] الحديث / صحيح ، وهذا حديث ضعيف ؛ لأن فيه فرج بن فضالة. ٢٢ - بَابٌ: في الْمُشْرك يَدْخُل المَسْجِدَ أي : هذا باب في بيان حكم المشرك إذا دخل المسجد ، وفي بعض النسخ: ((باب ما جاء في المشرك يَدْخل المسجد)) (١). ٤٦٨ - ص - نا عيسى بن حماد : أنا الليث ، عن سعيد المقبري ، عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر ، أنه سمع أنس بن مالك يقولُ : دخلَ رجلٌ على جمَلٍ فأناخَهُ في المسجدِ ثم عَقَلَهُ، ثم قال: أَيُّكُم محمدٌ؟ - ورسولُ الله مُتَّكِئٌّ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِم - ، فقلنا له : هذا الأبيضُ المتكئُّ، فقال له الرجل : يا ابنَ عبد المطلب! فقال له النبيّ - عليه السلام -: (( قد أجبتُكَ )) فقال الرجل: إني يا محمدُ سائلُكَ (٢) وَسَاقَ الحديثَ (٣). (١) كما في سنن أبي داود . (٢) في سنن أبي داود: (( يا محمد ! إني سائلك)). (٣) البخاري : كتاب العلم ، باب : ما جاء في العلم (٦٣)، النسائي: كتاب الصيام ، باب : وجوب الصيام (٤/ ١٢١) ، ابن ماجه : كتاب إقامة الصلاة ، باب : ما جاء في فرض الصلوات الخمس والمحافظة عليها (١٤٠٢). - ٤٠٢ - ش - عيسى بن حماد : التُّجِيبي المصْري ، والليث : ابن سَعْد . وشريك بن عبد الله بن أبي نمر : القرشي ، أبو عبد الله المدني . سمع : أنس بن مالك ، وسعيد بن المسيّب ، وأبا سلمة بن عبد الرحمن وغيرهم . روى عنه : سعيد المقبري ، ومالك بن أنس ، والثوري وغيرهم. وقال ابن سَعْد : كان ثقة كثير الحديث ، توفي بعد سنة أربعين ومائة . روى له : الجماعة إلا الترمذي (١) . قوله: (( على جمل)) الجمل زوج الناقة ، والجمع : جمال وأجمال وجمالات وجمائل . قوله: « فأناخه » أي : برَّكه . قوله: (( ثم عَقَله)) أي : ربطه بالعِقال ؛ وهو الحبل الذي يعقل به البعير، أي : يُشَدُّ . قوله: ((مُتْكِئِّ بَيْن ظَهْرانيهم)) يُقال : قعد بين ظَهْرانيهم وبَيْن أظهرهم ؛ ومَعْناه : قعد على سبيل الاستظهار والاستناد إليهم ؛ وزيدت فيه ألف ونون مفتوحة تأكيداً ؛ ومعناه : أن ظَهراً منهم قدامه وظهراً وراءه ؛ فهو مكنوف من جانبَيْه ومن جوانبه إذا قيل : بَيْن أظهرهم . وقال الأصمعي : يقال : بين ظَهْريْهم وظهرانّيْهم ومعناه : بَيْنهم وبيْن أظهرهم . وقال غيره : العربُ تضع الاثنين موضع الجمع . وقد قيل : أصل قولهم: ((بين ظهرانيهم وأظهرهم)) : بينهم ؛ وإنما زيد الظهر أو الأظهر للتأكيد . ومَعْنى قوله : ((متكئ)) قاعدٌ على وَطاء. قال الخطابي (٢): ((كل من استوى قاعدا على وطاء فهو متكئ ، والعامّة لا تعرف المتكئ إلا مَنْ مالَ في قعوده مُعتمدا علىَ أحَد جَنَبَيْه (٣) )). قلت : متكئ : اسمُ فاعل من اتكأ ، أصله : وكأ ، فنُقِل إلى باب الافتعال ، فصار اوتكا ، فأبدلت الواو تاءً ، ثم أدغمت في الأخرى فصار اتكأ . (١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (١٢/ ٢٧٣٧). (٢) معالم السنن (١٢٥/١). (٣) في معالم السنن ((شقيه)). - ٤٠٣ - قوله: ((قد أجبْتك)) إنما قال له هذا القول ولم يتلفظ بالإجابة (((١) لأنه كره أن يدعوه باسم جدّه ، وأن يَنْسبه إليه إذ كان جدّه عبد المطلب كافرا غير مُسلمٍ ، وأحبّ أن يدعوه باسم النبوة أو الرسالة . فإن قيل : قد ثبت عنه أنه قال يوم حُنين حين حمل على الكفّار فانهزموا : أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب قلت : لم يذكره افتخاراً ؛ لأنه كان يكره الانتساب إلى الكفّار ؛ كما في هذا الحديث ؛ ولكنه ذكّرهم بهذا رؤيا كان عبد المطلب رآها له أيام حياته وكانت إحدى دلائل نبوته ، وكانت القصة فيها مشهورة عندهم ، فعرفهم شأنها.، وأذكرَهم بها ، وخروج الأمْر على الصدق فيها )). قوله : (( وساق الحديث )) أي : سَاق أنسٌ الحديث ، وتمامه : يا محمدُ ! إني سَائلك فمُشتد عليك في المسألة ؛ فلا تجد عليَّ في نفسك ، فقال : ((سَلْ ما بَدا لك)) فقال الرجل: نشدتك بربك وربّ منْ كان قبلك، اللهُ أرْسلك إلى الناس كلهم ؟ فقال رسول الله: (( اللهم نعم)) قال : فأَنْشدُك الله ، اللهُ أمرَكَ أن نُصلي الصلوات الخَمْس في اليوم والليلة ؟ قال : ((اللهم نعم))، قال: أَنشدُك الله، اللهُ أمَرَك أن تصومَ هذا الشهرَ من السنة؟ قال رسول الله: (( نعم)) قال: أنشدك الله، اللهُ أمرك أن تأخذَ هذه الصدَقةَ من أغنيائنا فتَقْسمُها على فقرائنا ؟ قال رسول الله: ((اللهم نعم )) قال الرجل: آمنتُ بما جئتَ به ؛ فأنا رسولُ مَنْ ورائي من قومي ، وأَنا ضِمامُ بن ثعلبة أخو بَنِي سَعْد بن بكْر)) . أخرجه البخاري، والنسائي، وابن ماجه، وأحمد في ((مسنده)). وقوله: ((فلا تجد عليَّ) من وَجَدَ عليه إذا غضب. قوله: (( ما بدا لك)) أي : ما ظهر لك مما في خاطرك. [١٦٤/١ -ب) قوله: ((نشدتُك بربك)) أي: سألتك وأقسمت عليك بربك / وكذا ناشدتك الله وبالله ، وأنشدك الله وبالله ، وقد ذكرناه مرةً . قوله : (١) انظر: معالم السنن (١٢٥/١ - ١٢٦). - ٤٠٤ - ((اللهُ أرسلك)) بهمزة الاستفهام في أوّله، وأصله أَللهُ بهمزتين مفتوحتين، فقلبت الثانية ألفًا للتخفيف فصار: ((الله)) - بالمدّ. قوله: ((اللهم نَعَمْ)) ذكر ((اللهم)) هاهنا ليدلّ على تيقن المُجيب في الجواب ، كأنه يناديه تعالى مُستشهدا على ما قال من الجواب ، كما في قولك لمن قال : أزيد قائم : اللهم نعم . وقد ذكرنا مثل هذا مرةً . فإن قيل : كيف قنع هذا الرجل باليمين ولم يطلب الدليل ؟ قلت : إنه استقرأ الأدلة قبل ذلك وأكَّد باليمين. قوله: (( ضمام )) بكسر الضاد المعجمة ؛ وكانت بنو سَعْد بن بكر بعثوه وافدا إلى رسول الله ، قال ابن عباس : فما سمعنا بوافد قوم كان أفضل من ضمام بن ثعلبة . وقال الواقدي عن ابن عباس قال : بعثت بنو سَعْد بن بكر في رجب سنة خمس من الهجرة . ويُستفاد من الحديث فوائد ؛ الأولى : جواز دخول الكافر المسجد ؛ وهو حجة على مالك حيث منعه عن ذلك مستدلا بقوله : ﴿إنَّما الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (١) قلنا : المراد به : نجاسة الاعتقاد؛ لا نجاسة الذات. ١ الثانية: جواز إدخال الحيوان الذي يؤكل لحمه في المسجد لأجل الحاجة. الثالثة : فيه حجة لمنْ يقول بطهارة بول ما يؤكل لحمه من الحيوان ، فافهم وغير ذلك من الفوائد التي يستخرجها مَنْ له ذهْن ذكي ، وفهم قوي . ٤٦٩ - ص - نا محمد بن عمرو : نا سلمة : حدثني محمد بن إسحاق : حدثني سلمة بن كُهيل ومحمد بن الوليد بن نُوَيْفع ، عن كُريب ، عن ابن عباس قال: بَعَثَتْ بنُو سَعْدِ بنِ بَكْرِ ضِمَامَ بنَ ثعلبةَ إلى رسولِ الله ، فَقَدِمَ عليه ، فأناخَ بَعِيرَه على بابِ المسجدِ ، ثم عَقَلَهُ، ثم دَخَل المسجدَ . فذكرَ نحوه، قال: فقال: أَيُّكُم ابنُ عبد المطلب؟ فقال رسولُ الله: (( أنا ابنُ عبد المطلب)) قال: يا ابنَ عبد المطلب، وساق الحديثَ (٢). ش - محمد بن عَمْرو : الطلاّس المعروف بزُنَيج ؛ وقد مر ، وسلمة : ابن الفضل ، أبو عبد الله الأبْرش ، وسلمة بن كُهيل : الكوفي . (١) سورة التوبة: (٢٨) . (٢) تفرد به أبو داود . - ٤٠٥ - ومحمد بن الوليد بن نُويفع : المديني الأسدي ، مولى الزبير بن العوام. روى عن : كريب مولى ابن عباس ، وأمّه مولاة لرافع بن خَديج. روى عنه : ابن إسحاق . قال الدارقطني : هو من أهل المدينة يُعتبر به . روى له : أبو داود (١) . وهذه الرواية تدل على أنه لم يُدخل بَعيرَهَ في المَسْجد ؛ البعير : الجملُ البازلُ ، وقيل : الجذعُ ، وقد يكون للأنثى ، وحكى عن بعض العرب : شربتُ من لبن بعيري، وصَرعتني بعيرٌ لي، وفي (( الجامع )): البعيرُ بمنزلة الإنسان ، يَجمعُ المذكر والمؤنث من الناس ، إذا رأيتَ جملا على الْبُعْد قلت : هذا بعيرٌ ، فإذا استثبتَّه قلت : جمل أو ناقة ؛ ويجمع على أبعرة وأباعِرَ وأباعِير وبُعْران وبَعْران . ٤٧٠ - ص - نا محمد بن يحيى بن فارس : نا عبد الرزاق : أنا مَعْمر ، عن الزهريّ : نا رجلٌ من مُزيّنَة ونحنُ عندَ سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة: قال : اليهودُ أَنَوا النبيَّ - عليه السلام - وهو جَالسٌ في المسْجدِ في أصحابه فقالوا : يا أَبا القَاسمِ، في رجلٍ وامرأةٍ منهم زَنّيًا (٢). ش - رجل من مزينة مجهول . وقد أخرجه في الحدود والقضايا أتم منه، وإنما ذكر هذا المقدار هاهنا لأجل تَبْويبه؛ وهو دخول المشرك المسجد؛ وسنذكر ما فيه من المعاني عند انتهائنا إلى كتاب الحدود إن شاء الله تعالى. ٢٣ - بَابُ: المواضع الّتي لا تَجُوز فيها الصّلاةُ أي : هذا باب في بيان حكم المواضع التي لا تجوز فيها الصلاة . وفي بعض النسخ: (( باب ما جاء في المواضع)). (١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٥٦٧٥/٢٦). (٢) تفرد به أبو داود، وأخرجه أبو داود كذلك برقم (٣٦٢٤، ٤٤٥٠، ٤٤٥١) . - ٤٠٦ - ٤٧١ - ص - نا عثمان بن أبي شيبة : نا جرير ، عن الأعمش ، عن مجاهد، عن عُبيد بن عمير ، عن أبي ذر قال : قال رسول الله - عليه السلام - ((جُعَلَتْ لِيَ الأرضُ طَهورًا ومَسْجدًا)) (١). ش - جرير : ابن عبد الحميد الرازي . وعُبيد بن عُمَيْر : ابن قتادة بن سَعْد بن عامر بن جُندع الليثي ، أبو عاصم المكيّ ، قيل : إنه رأى النبي - عليه السلام - ، وقال مسلم بن الحجاج : ولد في زمن النبي - عليه السلام - ، وهو قاص أهل مكة . سمع : عمر بن الخطاب ، وابنه : عبد الله بن عمر ، وابن عباس ، وابن عَمْرو ، وأبا هريرة ، وعائشة ، وأم سلمة وغيرهم . روى عنه : عطاء بن أبي رباح ، ومجاهد بن جبر ، وعمرو بن دينار وغيرهم . قال ابن معين وأبو زرعة : هو ثقة . روى له الجماعة (٢) . قوله: ((طهوراً)) - بفتح الطاء - وهو ما يتطهر به ؛ وفيه إجمال يُفصّله حديث حذيفة بن اليمان: (( جعلت لنا الأرض مسجدًا ، وجعلت تربتها لنا طَهُورًا)) / ولم يذكره أبو داود في هذا الباب؛ وإسناده جيّد، عن [١٦٥/١ - أ] مسدّد ، عن أبي عوانة ، عن أبي مالك ، عن ربعي بن حراش ، عن حذيفة . وهذا على مذهب الامتنان على هذه الأمّة بأن رخص لهم في الطهور بالأرض ، والصلاة عليها في بقاعها ، وكانت الأمم المتقدّمة لا يصلون إلا في كنائسهم وبِيَعِهم ؛ وإنما سيق هذا الحديث لهذا المعنى ، وبيان ما يجوز أن يتطهر به منها مما لا يجوز إنما هو في حديث حذيفة الذي ذكرناه . واحتج بهذا الحديث أبو حنيفة أن التيمم جائز بجميع أجزاء الأرض من (١) تفرد به أبو داود . (٢) انظر ترجمته في الاستيعاب بهامش الإصابة (٤٤١/٢)، أسد الغابة (٥٤٥/٣)، الإصابة (٧٨/٣) . - ٤٠٧ - رَمْل وجَصّ ونورة وزرنيخ ونحوها ، وبه قال مالك وغيره . واحتج الشافعي، وأحمد برواية حذيفة بناء على أصله أنه يحمل المطلق على المقيّد. وأخرجه البخاريّ ، ومسلم ، والنسائي من حديث جابر بن عبد الله بمعناه أتم منه . ٤٧٢ - ص - نا سليمان بن داود : أنا ابن وَهْب: حدثني ابن لهيعة ويحيى ابن أزْهر ، عن عمّار بن سَعْد المرادي ، عن أبي صالح الغفاري أن عليا -رضي الله عنه - مَرّ ببابلَ وهو يَسيرُ ، فجاءَهُ الْمُؤَذِنُ يؤذنُه بصلاةِ العَصْرِ ، فلمّا بَرَزَ منها أَمَرَ المؤذنَ فأقامَ الصَّلاةَ، فلما فرغَ قال: إن حِّي (١) ◌َّ نَهَاِنِي أَن ◌ُصلِّيَ في الْمَقْبِرَةِ ، ونَهاني أن أُصلِّي في أَرضِ بابلَ ؛ فإنها مَلْعونةٌ (٢) . ش - سليمان بن داود : الزَّهْراني ، وعبد الله بن وهْب ، وعبد الله بن لهيعة قاضي مصر . ويحيى بن أَزْهر : المصري . روى عن : حجاج بن شداد ، وأفلح بن حميد ، وعمار بن سَعْد . وروى عنه : ابن القاسم وغيره . قال الذهبي: ثقة . توفي سنة إحدى وستين ومائة . روى له : أبو داود (٣). وعمار بن سَعْد: السَّلْهَمي، وسَلْهم من مُراد ، المصْري ، حدّث عن: أبي صالح الغِفاري ، ويزيد بن رباح . روى عنه : ابن لهيعة ، وحيوة بن شريح ، ويحيى بن أزهر وغيرهم . توفي سنة ثمان وأربعين ومائة . روى له : أبو داود (٤) . وأبو صالح : سعيد بن عبد الرحمن الغفاري مولاهم البصري . قال في (( الكمال)) : روى عن : عليّ بن أبي طالب ، وعقبة بن عامر ، وصلة بن الحارث الغفاري صاحب النبي - عليه السلام - ، وقال ابن (١) في سنن أبي داود: ((حبيبي)). (٢) تفرد به أبو داود . (٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٦٧٧٩/٣١). (٤) المصدر السابق (٤١٦٢/٢١). - ٤٠٨ - يونس : يروي عن : عليّ بن أبي طالب وما أظنه سمع من عليٌّ . ويروي عن : أبي هريرة . روى عنه : الحجاج بن شداد الصنعاني ، وعمار بن سعد (١) المرادي. روى له: أبو داود (٢). قوله : (( مرّ ببابلَ)) بابل : أقدم أبنية العراق ، ونُسب ذلك الإقليم إليها لقدمه ؛ وكانت ملوك الكنعانيين وغيرهم يقيمون بها ، وبها آثار أبنية من قديم الزمان ، ويقال : إن الضحاك أول مَنْ بنى بابل ، ويقال : ألقي إبراهيم في النار ببابل ، واليوم هي خراب ، وفي موضعها قرية صغيرة ؛ وهي غير منصرف للعلمية والعجمة . قوله: (( يؤذنه)) أي: يعلمه ؛ من آذن - بالمد - يؤذن . قوله : ((إن حبّ)) الحبُّ - بكسر الحاء - بمعنى : الحبيب ، مثل خِدْن وخَدینٍ . قوله: (( أن أصلي في المقبرة)) المقبرة - بفتح الباء وضمّها - واحدة المقابر. و (((٣) اختلف العلماء في تأويل هذا الكلام ؛ فكان الشافعي يقول : إذا كانت المقبرة مختلطة التراب بلحوم الموتى وصديدهم ، وما يخرج منهم، لم تجز الصلاة فيها للنجاسة ، فإن صلى رجل في مكان طاهر منها أجزأته صلاته ، قال : وكذلك الحمام إذا صلى في موضع نظيف منه فلا إعادة عليه . وهذا - أيضا - قول أصحابنا . ورخّص عبد الله بن عمر في الصلاة في المقبرة وحُكِيَ عن الحسن البصري أنه صلى في المقابر . وعن مالك : لا بأس بالصلاة في المقابر . وقال أبو ثور : لا يصلي في حمام ولا مقبرة على ظاهر الحديث . وكان أحمد وإسحاق يكرهان ذلك . ورُويت الكراهة فيه عن جماعة من السلف . واحتج بعض من لم يجز الصلاة في المقبرة وإن كانت طاهرة التربة بقوله - عليه السلام -: (( صَلُّوا في بيوتكم ، ولا تتخذوها مقابر )) قال : فدل ذلك على أن المقبرة ليْست بمحلّ للصلاة)). (١) في الأصل: ((سعيد)) خطأ. (٣) انظر معالم السنن (١٢٧/١). (٢) المصدر السابق (٢٣١٨/١٠). - ٤٠٩ - قلت : هذا استدلال ضعيف ؛ لأن المعنى : لا تتخذوها خاليةً عن العبادات كالمقابر ؛ لا أن المعنى أن المقابر لا تجوز فيها الصلاة . قوله: ((فإنها ملعونة)) أي : فإن أرض بابل ملعونة بمعنى : أن أهلها كانت ملعونة ، ولهذا خسف بهم ، والأرض لا توصف باللعنة ؛ ويؤيد ذلك ما روى ابن أبي شيبة ، عن وكيع ، عن سفيان ، عن عبد الله بن شريك ، عن عبد الله بن أبي المُحِلّ العامري قال : كنا مع عليٌّ فمررنا على الخسف الذي ببابلَ فلم يعدل حتى أجازه . وعن حجر بن عنبس الحضرمي ، عن عليّ قال ما كانت لأُصلي في أرض خسف الله بها ثلاث مرار . قال البيهقي : وهذا النهي إن ثبتَ مرفوعا وليس بمعنَّى يرجع إلى الصلاة، إذ لو صلى فيها لم يُعد ، وإنما هو كما جاء فى قضيّه الحجر . وقال ابن يونس : أبوصالح الغفاري روى عن علي وما أظنه سمع منه . وقال ابن القطان : في سَنده رجال لا يعرفون . وقال عبد الحق : هو حديث واهي. وقال البيهقي في (( المعرفة)): إسناده غير قوي ، وقال : [١٦٥/١-ب]/ في إسناد هذا الحديث مقال ، ولا أعلم أحدا من العلماء حرّم الصلاةَ في أرض بابل ، وقد عارضه ما هو أصحّ منه وهو قوله - عليه السلام - : ((جُعلت لي الأرض مسجدا وطهورا))، ويُشْبه أن يكون معناه - إن ثبت -: أنه نهاه أن يتخذ أرض بابل وطنا ودارا للإقامة ، فتكون صلاته فيها إذا كانت إقامته بها . ويخرج النهي فيه على الخصوص ؛ ألا تراه يقول : ((نهاني)) ؟ ولعل ذلك منه إنذارٌ له بما أَصَابه مِن المحْنة بالكوفة - وهي أرض بابل - ولم ينتقل أحد من الخلفاء الراشدين قبله من المدينة . ٤٧٣ - ص - نا أحمد بن صالح : نا ابن وهب : أخبرني يحيى بن أزهر ، وابن لهيعة ، عن الحجاج بن شداد ، عن أبي صالح الغفاريّ ، عن عليّ - رضى الله عنه - بمعنى سليمان بن داود قال: (( فلما خرَجَ )) مكان (( لما برز))(١) . ـنـ (١) انظر الحديث السابق . - ٤١٠ - ش - الحجاج بن شداد : الصنعاني ، يُعدّ في المصريين . روى عن : أبي صالح . روى عنه : ابن لهيعة ، ويحيى بن أزهر ، وحيوة بن شریح. روی له : أبو داود . قوله : (( بمعنى سليمان بن داود )) أي : بمعنى حديث سليمان بن داود الزهراني المذكور . قوله: ((قال)) أي: قال أحمد بن صالح في روايته: ((فلما خرج منها)) مكان قوله: (( فلما برز منها )) وكلاهما سواء في المعنى. ٤٧٤ - ص - نا موسی بن إسماعيل : نا حمادح ونا مُسدد : نا عبد الواحد ، عن عمرو بن یحیی ، عن أبيه ، عن أبي سعيد قال : قال رسول الله ◌َّر. وقال موسى في حديثه فيما يحْسب عَمرو : إن النبيَّ - عليه السلام- قال: ((الأَرضُ كلَّها مَسْجِدٌ إلا الحمَامَ والمَقْبُرةَ)) (١). ش - حماد : ابن سلمة ، وعبد الواحد : ابن زياد البصري ، وعَمْرو ابن يحيى : ابن عمارة المدني ، وأبوه : يحيى بن عمارة بن أبي حسن الأنصاري المدني ، وأبو سعيد : الخدري . قوله: (( وقال موسى)) أي : موسى بن إسماعيل أحد شيوخ أبي داود . قوله: ((إلا الحمام والمقبرة)) استثناء متصل مَنْصوبٌ؛ لأن المستثنى واجب النصب في صور؛ منها: أن يكون بعد ((إلا)) غير صفة في كلام مُوجب ذكر المستثنى منه ؛ وهاهنا كذلك ؛ إذ لو رفع لكان بدلاً من المسجد لانتفاء بقية التوابع ، ويكون بدل بعض لا غير ، والبدل يحل محل المبدل منه ؛ لأنه المقصود ، فيكون التقدير: ((الأرض كلها إلا الحمام )) فلم يستقم المعنى ، أو نقول : إن البدل في حكم تكرير العامل ، فيكون الحمام مسجدا - أيضا - إذا تقدير الكلام : في الأرض كلها مسجد إلا (١) الترمذي : كتاب الصلاة، باب: ما جاء أن الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام (٣١٧)، ابن ماجه: كتاب المساجد والجماعات ، باب : المواضع التي تكره فيها الصلاة (٧٤٥) . - ٤١١ - الحمام مسجدٌ ؛ كما في قولك : جاءني القوم إلا زيدا ، لو رفع ((زيدًا)) يكون التقدير جاءني القوم إلا جاءني زيد ؛ وهو خلاف المقصود من الكلام ، فافهم . ثم الحمام إنما يخرج عن كونه مسجدا إذا كانت النجاسة فيه ظاهرة ، أو صلى في مَوْضع فيه غُسالات ، حتى لو صلى فيه في مكان طاهر ، أو غسل موضعا منه وصلى فيه ، يجوز بلا كراهة . وكذلك المقبرة إنما تخرج عن كونها مسجدا إذا ظهرت فيه صدائد الموتى ونحوها ، حتى إذا صلى في موضع طاهر منها يجوز - كما ذكرناه مفصلا مع الخلاف- ورُوِيَ هذا الحديث مسندا ومرسلا ، وأخرجه الترمذي ، وابن ماجه ، وقال الترمذي : هذا حديث فيه اضطراب ، وذكر أن سفيان أرْسله وقال : وكأن راويه الثوري عن عمرو بن يحيى ، عن أبيه ، عن النبي -عليه السلام - أثبت أوصحّ . ٢٤ - بَابٌ: في الصَّلاةِ في مَبَارِك الإِبل أي : هذا باب في بيان حكم الصلاة في مبارك الإبل ، وفي بعض النسخ: ((باب ما جاء في الصلاة)). والمبارك: جمع مَبْرك - بالميم المفتوحة - وهو مَوْضع البروك . ٤٧٥ - ص - نا عثمان بن أبي شيبة : نا أبو معاوية : نا الأعمش ، عن عبد الله بن عبد الله الرازي ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن البراء بن عازب قال: سُئِلَ رسولُ اللهِ عن الصلاةِ في مبَاركِ الإِلِ فقال: ((لا تُصَلُّوا فِي مَبَارِكِ الإبلِ ؛ فإنها من الشياطين)) وسُئِلَ عن الصلاةِ في مَرَابِضِ الغَنَمِ فقال: ((صَلُّوا فَيها؛ فإنها بَرَكَةٌ)) (١). ش - الحديث بعينه مع رواته بأعيانهم مع زيادة فيه قد مرّ في (( باب [١٦٦/١-١] الوضوء من لحوم الإبل))؛ فليراجع فيه / وقال البخاري: باب الصلاة في مواضع الإبل (٢): حدثنا صدقة بن الفضل : حدثنا سليمان بن حيان: (١) تقدم برقم (١٧١) . (٢) كتاب الصلاة : (٤٣٠). - ٤١٢ - حدثنا عبيد الله ، عن نافع قال : رأيت ابن عُمر يصلي إلى بَعِيره وقال : رأيتُ رسول الله يَفْعله . قلت : ليس في هذا الحديث بيان أنه صلى في موضع الإبل.؛ وإنما صلى إلى البعير ؛ لا في موضعه ؛ وليس إذا أنيخ بعير في موضع صار ذلك عطنًا ، ولا يعارضه النهي عن الصلاة في معاطن الإبل ؛ لأن المعاطن مواضع إقامتها عند الماء واستيطانها . ٢٥ - بَابٌ: مَتَى يُؤمرُ الغلامُ بالصّلاة أي : هذا باب فيه بيان حكم الغلام متى يؤمر بالصلاة ، وفي بعض النسخ: ((باب متى يؤمر الصبيّ بالصلاة)). وقال الجوهري : الصّبيّ: الغلامُ، والجمع: صُبْية وصِبْيان، وهو من (( الواو)) ولم يقولوا : أصبية استغناء بصبية ، كما لم يقولوا : أَغْلمة استغناء بغِلْمة ، وتصغير صبيّة : صُبيّة في القياس . وقد جاء في الشعر : أصيبية كأنه تصغير أَصْبِيَة ؛ واشتقاقه من صَبَا يَصْبو صُبُوا وصَبْوَةً أي: مال ؛ ومنه سمّي الصَّبِيّ لميْله إلى كل شيءٍ، وقال في ((المجمل)): الغلامُ : الطارّ الشارب؛ وهو بَيْن الغُلُومِيَّة؛ والجمع : غلمة وغلمان ؛ وأصله : من اغتلم الفحلُ غلمةً ، وهاج من شهوة الضراب ؛ والحاصل : أن الصبي والغلام لا يطلقان إلا على مَنْ لم يُدْرك ولم يبلغ . ٤٧٦ - ص - نا محمد بن عيسى : نا إبراهيم بن سَعْد ، عن عبد الملك ابنٍ الربيع بنٍ سَبْرة ، عن أبيه ، عن جدّه قال: قال النبي - عليه السلام - : ((مَرَوا الصبيّ بالصلاة إذا بلغَ سَبْعَ سِنِينَ، وإذا بَلَغَ عَشْرَ سِنينَ فاضْرِبُوه عليْها)) (١) . ش - محمد بن عيسى : الطبّاع ، وإبراهيم بن سَعْد : ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف . (١) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاء متى يؤمر الصبي بالصلاة (٤٠٧) . - ٤١٣ - وعبد الملك بن الربيع بن سَبْرة الجهني . سمع : أباه ، روى عنه : إبراهيم بن سعد ، وزيد بن الحباب ، وحرملة بن عبد العزيز وغيرهم . روى له الجماعة إلا البخاريّ (١). وأبوه الربيع بن سَبْرة بن مَعْبد الجهني المدني . روى عن : أبيه ، ويحيى ابن سعيد بن العاص ، وعمر بن عبد العزيز . روى عنه : الزهري ، وابناه : عبد الملك وعبد العزيز وغيرهم . قال أحمد بن عبد الله العجلي : حجازيّ ثقة . روى له الجماعة إلا البخاريّ (٢). وسَبْرة بن مَعْبد ويقال: ابن عوسجة بن حرملة بن سبرة بن خديج الجُهني يكنى أبا ثُرية - بضم الثاء المثلثة - رُوِيَ له عن رسول الله تسعة عشر حديثا . روى له مسلم حديثا واحدًا . روى عنه : ابنه : الربيعُ . توفي في خلافة معاوية . روى له أبو داود ، والنسائي ، والترمذي ، وابن ماجه (٣) . قوله : ((مروا الصبيّ)) مرُوا أصله: أُأْمُرُوا؛ لأنه من أمَر يَأمر والأمر منه: أُأُمُرْ، فحذفت الهمزة الثانية للتخفيف فصار أمُر ، فاستغنى عن همزة الابتداء فحذفت فصار: ((مُرْ)) على وزن ((عُلْ))؛ وهذا الأمرُ للإرشاد والتأديب ؛ وليس للوجوب ؛ إذ الصبيّ مرفوع عنه القلم ، فلا يكلف بالأوامر والنواهي ، وإنما عيّن السَّنَة السّابعة لأنها سنة التمييز ، ألا يُرى أن الحضانة تسقط عند انتهاء الصبيّ إلى سبع سنين ؟ ولأن أوّل مراتب عقود العدد المركب العشرة ، والسَّبْعة أكثرها ، وإنما أمر بالضرب عند عشر سنين لأنه ح (٤) يَقْرِبُ إلى البلوغ ؛ لأن أقلَّ البلوغ في حق الصبيّ اثنا عشر سنةً ، وهذا الأمر - أيضاً - أمر تأديب وإرشاد ليتخلّق (١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٣٥٢٦/١٨). (٢) المصدر السابق (٩/ ١٨٦٢). (٣) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (٧٥/٢)، أسد الغابة (٣٢٥/٢)، الإصابة (٢ /١٤). (٤) أي: ((حينئذ)). - ٤١٤ - بأخلاق المسلمين ويتعود بإقامة العبادات ، وقال الخطابي : وهذا يدل على إغلاظ العقوبة له إذا تركها متعمداً بعد البلوغ . وكان بعض أصحاب الشافعي يحتج به في وجوب قتله إذا تركها متعمدا بعد البلوغ ، ويقول : إذا استحق الصبي الضرب وهو غير بالغ ، فقد عقل أنه بعد البلوغ يَسْتحق من العقوبة ما هو أشد من الضرب ، وليس بعد الضرب شيء مما قاله العلماء أشد من القتل . قلت : هذا استدلال ضعيف ؛ لأنا / لا نسلم أن الضرب كان عليه [١٦٦/١-ب] واجبًا قبل البلوغ حتى يستحق ماهو أشد من الضّرّب ، وهو القتل بعد البلوغ ، ولا نسلم - أيضا - أن القتل واجبٌ بالذنب ؛ للحديث المشهور: ((أُمِرتُ أن أُقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله )) الحديث - وأيضا - الضرب في نفسه يتفاوت ، فيُضربُ بعد البلوغ ضربا مُبُرَّحا حتى يخرج منه الدم ، ويُحبس - كما هو مذهب أبي حنيفة - فهذا أشدّ من الضرب المجرّد، فكيف يَقولُ هذا القائل: ((وليس بَعْد الضرب شيء أشد من القتل)) ؟! وأيضا الضرب قبل البلوغ بطريق التأدب وبعده بطريق الزجر والتعزير ، فكان هذا أشد من الضرب الأوّل ، فليت شعري الذي يستدل بهذا الدليل الواهي كيف لا يُصحح إِسْلامِ الصَبيّ بهذا الحديث ؟ لأنه إذا كان يؤمر بالصلاة وعمره سبع سنين ، ويُضرب على تركها وعمره عشر سنين ، كيف لا يصح إسلامُه الذي هو أَصْلُ سائر العبادات ؟ ولا تُقبل الصلاة ولا غيرها إلا به ؟ على أن الصلاة يحتاج فيها الصبي إلى تعلّم أمور كثيرة من الاستنجاء والطهارة ، ومعرفة الوقت وغير ذلك من شرائط الصلاة وأركانها ، بخلاف الإسلام ؛ فإنه مُجرّد قولٍ ، فافهم . ٤٧٧ - ص - نا مؤمل بن هشام : نا إسماعيل ، عن سَوّار أبي حمزة - قال أبو داود : وهو سوّار بن داود أبو حمزة المزني الصّيْرفي - ، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه قال: قال رسول الله وَيِ: ((مُرُوا أَولادَكُم بالصلاة وهم أبناءُ سبعٍ سِنِينَ ، واضْرِبُوهُم عليها وهم أَبناءُ عَشْرِ سِنِينَ ، وفَرِّقُوا بَينهم في المضَاجِعِ ) (١) (١) تفرد به أبو داود . - ٤١٥ - ش - مؤمل بن هشام : أبو هشام اليشكري البصري ، ختن إسماعيل ابن عليّة . روى عن: إسماعيل بن عليّة . روى عنه : البخاري ، وأبو داود ، وابنه (١) عبد الله بن أبي داود ، والنسائي ، وأبو حاتم وقال: صدوق ، وغيرهم . مات سنة ثلاث وخمسين ومائتين (٢) . وإسماعيل ابن عُليّة البصري ، وقد ذكرناه مرة . وسَوار : ابن داود ، أبو حمزة الصيرفي المزني البصري ، صاحب الحُلي . سمع : ثابتا البناني ، وعمرو بن شعيب . روى عنه : إسماعيل ابن عُليّة ، ووكيع ، وابن المبارك وغيرهم . قال أحمد بن حنبل : شيخ بصري ، لا بأس به . وقال ابن معين : ثقة . وقال الدارقطني : بصري ، لا يتابع على أحاديثه فيُعتبر به . روى له: أبو داود (٣). قوله: (( وهم أبناء )) في موضعين وقع حالاً . قوله : ((وفرقوا بينهم في المضاجع)) أي: في المراقد ؛ وذلك لأنهم إذا بلغوا إلى عشر سنين يقربون من أدنى حدّ البلوغ ، وينتشر عليهم آلاتهم ، فيخاف عليهم من الفساد . ٤٧٨ - ص - نا زهير بن حرب : نا و کیع : حدثني داود بن سَوّار المزني بإسناده ومعناه، وزاد: (( وإذا زَوَّجَ أَحدُكُمْ خَادِمَهُ عَبْدَهُ أو أَجيرَهُ، فلا يَنظرْ إلى ما دونَ السُّرَّةِ وفوقَ الرُّكْبَةِ)) (٤) . ش - زهير بن حَرب : ابن شداد النسائي ، ووكيع : ابن الجراح . (١) لم أجده فيمن روى عنه ، والظاهر أن بصره قد انتقل للترجمة التي تليها ، وهي ترجمة مؤمل بن وهب ، ففيها : روى عنه ابنه عبد الله بن المؤمل ، والله أعلم . (٢) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٦٣٢٣/٢٩). (٣) المصدر السابق (٢٦٣٦/١٢). (٤) تفرد به أبو داود . وأخرجه كذلك في كتاب اللباس ، باب في قوله : ﴿غير أولي الإربة ﴾ (٤١١٣). - ٤١٦ - قوله : (( بإسناده )) أي : بإسناد الحديث المذكور ؛ ومعناه ؛ ولكنه زاد في روايته: ((وإذا زوج أحدكم خادمه )) الخادمُ : واحد الخدم ، ويقع على الذكر والأنثى ، لإجرائه مجرى الأسماء غير المأخوذة من الأفعال كحائض وعاتق؛ ولكن المراد هنا الأنثى بقرينة قوله: ((عبده أو أجيره )) لأن الذي يزوجه منهما هي الأنثى ؛ وإنما نهى أن لا ينظر إلى ما دون السُّرَّة وفوق الركبة ، لأنه بتزويجه إياها حَرُمَتْ عليه ، فصارت كجارية الأجنبي ، فلا يجوز له أن ينظر إلى عورتها ؛ ولكن في جارية الأجنبي لا يجوز النظر - أيضا - إلى بطنها وظهرها ؛ لأن ظهرها وبطنها - أيضا - عورة في حق الأجانب - كما عرف في الفروع . ص - قال أبو داود : وهِمَ وكيع في اسمه . روى عنه : أبو داود الطيالسي هذا الحديث قال : نا أبو حمزة سوار الصيرفي . ش - أي : وهم وكيع بن الجراح في اسم سوّار بن داود فقلبه فقال : داود بن سَوّار ؛ واستدل على وهمه بقوله : روى عنه - أي : عن سوار- أبو داود : سليمان بن داود / الطيالسي قال : حدثنا أبو حمزة سوّار [١٦٧/١-أ] الصيرفي . وهذا الحديث ذكره الشيخ في كتاب اللباس - أيضا - . ٤٧٩ - ص - نا سليمان بن داود المَهْريُّ: نا ابن وَهب : أخبرني هشام بن سعْد : حدثني معاذ بن عبد الله بن خُبيب الجُهني قال : دَخَلْنَا عليه فقال لامرأته : متى يُصلِّي الصبيُّ؟ فقالت : كان رجلٌ منَّا يَذكرُ عن رسول الله أنه سُثُلَ عن ذلك قال: ((إذا عَرَفَ يمينَهُ من شِمَالِهِ، فمُّرُوهُ بِالصَّلاةِ)) (١). ش - سليمان بن داود : ابن حماد المهري أبو الربيع المصري ، وعبد الله بن وهب ، وهشام بن سعد المدني القرشي . ومعاذ بن عبد الله بن خُبيب - بضم الخاء المعجمة - الجهني المدني . روى عن : أبيه ، وعمه ، وابن عباس ، وجابر بن عبد الله ، وجابر بن أسامة . روى عنه : أَسيد بن أبي أسيد ، وأسامة بن زيد ، وعثمان بن (١) تفرد به أبو داود . ٢٧ • شرح سنن أبي داوود ٢ - ٤١٧ - مرة، وزيد بن أسلم ، وعبد الله بن سليمان . قال ابن معين : ثقة . روى له : أبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه (١). قوله : ((إذا عرف يمينه من شماله)) هذا إنما يكون في سنة التمييز ؛ ويختلف ذلك باختلاف ذكاوة الصبي وبلادته ؛ فكم من صبي عمره خمس سنين أو أكثر من ذلك بقليل يعرف ذلك ، وكم من صبيّ عمره عشر سنين أو أقل من ذلك بقليل لا يَعْرفُ ذلك ؛ ولكن الغالب في ذلك سبع سنين؛ لأنه سنة التمييز - كما ذكرناه . ٢٦ - بَابُ: بَدء الأذان أي : هذا باب في بيان ابتداء الأذان. وفي بعض النسخ: (( باب ما جاء في بدء الأذان )) . ولما فرغ عن بيان المواقيت ونحوها شرع في بيان الأذان الذي هو إعلام للصلاة ؛ وقدم المواقيت التي هي إعلامٌ لما فيها من معنى السبيّة ، ثم ذكر الأذان الذي هو إعْلام لتلك الإعلام ؛ والأذان: الإعلام بالشيء ؛ يقال : آذن يؤذن إيذانا ، وأذّن يؤذن تأذينًا ؛ والمشدد مخصوص في الاستعمال بإعلام وقت الصلاة. وفي ((الصحاح)): وأذان الصلاة معروفٌ ، والأذِينُ مثله ، وقد أذّن أَذانًا . ٤٨٠ - ص - نا عبّاد بن موسى الحُتلي. ونا زيادُ بن أيوب - وحديث عباد أتم - قالا : نا هُشيم ، عن أبي بِشر، قال زيادٌ : أخبرنا أبو بشْر، عن أبي عمير بن أنس ، عن عُمُومة له من الأَنْصارِ قال : اهْتمَّ النبيَّ - عليه السلام - للصلاة : كيفَ يَجْمَعُ الناسَ لها ؟ فقيلَ له : انصبْ رايةً عند حُضُور الصلاة، فَإذا رَأَوْها آذَنَ بَعضُهُم بَعْضًا، فَلم يُعجِبْه ذَلك . قال : فَذُكِرَ لَهَ القُنْعِ - يعني: الشَّبُورُ - وقال زيادٌ : شَبُورُ الَّهُودِ - فلم يُعجِبُهُ ذلك وقال: ((هُوَ من أمْرِ اليَهُود )). قال: فَذُكِرَ له الناقُوسُ فقال: (( هو من أَمْرِ النصارى)). فانصرفَ عبدُ الله بنُ زيدٍ وَهو مُهْتَمٌّ لِهَمِّ رَسُولِ اللهِ ، فَأُرِيَّ (١) انظر ترجمته فى: تهذيب الكمال (٦٠٣١/٢٨). - ٤١٨ - الأذانَ في مَنامه . قال: فَغَدا على رسول الله فأخبرَهَ، فقال (١) : يا رَسُولَ الله، إني لبين نائم ويَقظانَ إذْ أَتَانِي آت فَأَرَانِي الأَذانَ . قال : وكان عُمرُ بنُ الخطاب قد رَأَّهُ قبل ذلك فكَتَمَهُ عشرين يومًا . قال : ثم أخبره النبيّ - عليه السلام - ، فقالَ له : «ما مَنَعَكَ أنَ تُخبرَنَا (٢) ؟)) فقال: سَبَقَني عبدُ الله بن زيد فاستحيَيْتُ، فقالَ رسولُ الله: (( يا بلالُ! قُمْ فانظُر ما يأمُرُكَ به عبدُ الله ابنُ زَيّد فافعلْه)). قالَ: فأَذَّنَ بلالٌ(٣). ش - عباد بن مُوسى : أبو محمد الختلي - بضم الخاء المعجمة والتاء المثناة من فوق - وزياد بن أيوب : ابن زياد البغداد . وهُشَيْم : ابن بُشَير الواسطي . وأبو بشْر : جَعْفر بن أبي وَحْشية الواسِطي . وأبو عمير بن أنس بن مالك : الأنصاري . روى عن : عمومة له من الأنصار . روى عنه : أبو بشْر . قال الحاكم : اسم أبي عُمير : عبد الله . روى له : أبو داود، والنسائي، وابن ماجه ؛ وسمّاه: عبد الله - أيضا (٤) - . قوله: ((عن عُمومة)) العمومة: جمع عَمِّ ؛ كالبعولة : جمع بَعْلٍ . قوله: (( انصب)) - بكسر الصاد - لأنه من باب ضرب يضرب ، والرايةُ : العلم ؛ وأصله واويّ . قوله : ((آذن)) - بالمدّ - أي : أعلم ؛ من الإيذان وهو الإعلام . قوله: ((فذُكرَ له القُنْع)) بضم القاف وسكون النون، و((القَبَعَ)) بفتح القاف والباء / الموحدة، و((القَفْع)) بالثاء المثلثة الساكنة، و((القَتْع)) [١٦٧/١ -ب] بالتاء ثالثة الحروف ؛ (((٥) فمنْ قال بالنون - وهو الأكثر في الرواية - فلإقناع الصوت به وهو رفعه ، وأقنع الرجل صوته ورأسه إذا رفعه ، ومن أراد أن ينفخ في البُوق يرفع رأسه وصوته ، أو لأن أطرافه أقنعت إلى (١) في سنن أبي داود: ((فقال له)). (٢) في سنن أبي داود: ((تخبرني)). (٣) تفرد به أبو داود . (٤) انظر ترجمته في : تهذيب الكمال (٧٥٤٥/٣٤). (٥) انظر: النهاية (١١٥/٤ - ١١٦). - ٤١٩ - داخله أي عُطفت . ومَنْ قال بالباء الموحدة لأنه يَتْبع فَا (١) صاحبه أي : يَسْتُرُه، وقبع الرجل رأسه في جَيْبه إذا أدخله فيه ؛ لأنه يقبَعُ فم النافخ أي: يُواريه أو من قَبَع الجوالق أو الجراب إذا ثنَيْت أطرافه إلى داخل ، أو من قولهم : قبَع في الأرض قبُوعًا ذهب لذهاب الصوت منه وشدته . وأما الثاء المثلثة : فأثبته أبو عمر الزاهد ، وأبطله الأزهري ، كأنه من قَئع مقلوب قعث وأقتعثه إذا أخذ كلّه واستوعبه ، لأخذ البوق نفس النافخ واستيعابه له ؛ لأنه ينفخ بشدة ليرفع الصوت به ويُنوه به . ومَنْ قال بالتاء ثالث الحروف قال : هو دود يكون في الخشب ، وقيل : هذا الحرف مَدَارُه على هُشيم ؛ وكان كثير اللحن والتحريف ، على جلالة محلّه في الحديث )) . قوله: (( يعني : الشبور)) تفسير القنع، والشبور بفتح الشين المعجمة وضم الباء الموحّدة المشددة. وقال في ((الصحاح)): الشّبّور على وزن التُّور : البُوقُ ؛ ويقال : هو مُعرّب . قوله: (( الناقوس)) خشبةٌ طويلة تُضربُ بخشبة أصغر منها ؛ والنصارى يُعلمون بها أوقات صلواتهم . قال ابن الجواليقي : فأما الناقوس : فيُنظر فيه أعربيّ هو أم لا ؟ قلت : النَّفْسُ : هو الضرب بالناقوس يدل على أنه عربيّ ؛ ووزنه : فاعُول كقَابُوس البحر ، فيكون الألف والواو فيه زائدتان . قوله: ((لِهَمِّ رسول الله )) أي: لهم رسول الله في الصلاة كيف يجمع الناس لها ؟ والهمّ: الحَزَنُ، وأهمّني (٢) الأمر إذا أقلقك وَحَزَنك . قوله : ((قم فانظر ما يأمرك به)) فيه دليل على أن الواجب أن يكون الأذان قائمًا ؛ وكانت هذه القضية عند مَقْدمه - عليه السلام - المدينة النبوية . وفي (( تاريخ النويري)) : وفي السنة الثانية من الهجرة : رأى عبد الله بن (١) أي: ((فمه)). (٢) كذا، والجادة ((وأهمك)). - ٤٢٠ -