النص المفهرس
صفحات 341-360
قوله: وهو غير عجل)) جملة وقعت حالا عن الضمير الذي في ((أذّن)). ٤٢٩ - ص - نا ابن المثنى : نا محمد بن جعفر : نا شعبة ، عن جامع بن شداد قال : سمعت عبد الرحمن بن أبي علقمة قال : سمعت عبد الله بن مَسْعِود قال: أَقبلْنَا معَ رسول اللهَ - عليه السلام - من (١) الحديبية ، فقال النبيّ - عليه السلام -: ((مَنْ يَكْلَؤُنَا؟ )) فقال بلالٌ: أنا، فَنَامُوا حتى طلعت الشمسُ ، فاستيقَظَ النبيَّ - عليه السلام - فقال: (( افْعَلُوا كما كُنْتم تَفْعلونَ». قال: ففعَلْنَا، قال: (( فَكذلكَ فافعَلُوا لِمِنْ نَامَ أَو نَسِيَ)) (٢). ش - محمد : ابن المثنى ، ومحمد بن جعفر المعروف بغندر ، وجامع ابن شداد : المحاربي الكوفي ، وعبد الرحمن بن أبي علقمة ، ويقال : ابن علقمة الثقفي ، قيل : له صُحْبة ، ذكر في الصحابة ، وقال أبو حاتم : ليْست له صحبة . قوله: ((من الحُدَيْبية)) وفي بعض النسخ الصحيحة: ((زمن الحديبية)) والحُديبية : قرية قريبةٌ من مكة ؛ سُمّت ببئرِ هناك ؛ وهي مخففة ، وكثير من المحدثين يشدِّدونها . قوله: (( مَن يكلؤنا)) أي : من يَحْرسنا ، من كلا يكلا كلاءةً ؛ وقد مر مرةً . قوله: ((أنا)) أي : أنَا أَكلؤكم . قوله: (( كما كنتم تفعلون)) من الطهارة والأذان والإقامة والصلاة . قوله: ((فكذلك)) أي: مثل ما فعلتم افعلوا ((لمن نام عن صلاة أو نسيها)) من غيركم؛ بمعنى: مُرُوهُمْ بذلك أو عَلِّمُوهُم . وروى البَيْهقي بنحوه(٣). ١١ - بَابٌ: في بناء المَسْجِد أي : هذا باب في بيان بناء المسجد. وفي بعض النَّسخ: ((باب ما (١) في سنن أبي داود: ((زمن))، وهي نسخة كما سيذكر المصنف. (٢) النسائي في الكبرى : كتاب السير . (٣) أخرجه البيهقي في كتاب ((الأسماء والصفات)) (ص/ ١٠٩). - ٣٤١ - جاء في بناء المَسْجد ))؛ المسْجد في اللغة : موضع السجود ؛ وفي العُرف: البقعة المشهورة . ٤٣٠ - ص - [ حدثنا ] محمد بن الصباح بن سفيان : أنا سفيان بن عيينة، عن سفيان الثوري ، عن أبي فزارة ، عن يزيد بن الأصم ، عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَلٍّ: ((ما أُمَرْتُ بَتَشْييد المساجد)). قال ابن عباس: لَتُزخرفْتَّها كمازَخْرَفَت اليهودُ والنصَاري (١) . ش - أبو فزارة : راشد بن كيسان الكوفي . ويزيد بن الأصم ؛ واسم الأصم : عَمرو ، ويقال : عبد عمرو - بن عُدَس بن معاوية بن عبادة ، أبو عوف الكوفي ، سكن الرقة ، وهو ابن أخت ميمونة زوج النبي - عليه السلام - ، وابن خالة ابن عباس ، وقيل: إن له رواية عن (٢) النبي - عليه السلام - . روى عن : سعد بن أبي وقاص . وسمع : ابن عباس ، وأبا هريرة ، ومعاوية بن أبي سفيان ، وعوف بن مالك ، وخالته: ميمونة ، وعائشة ، وأم الدرداء ، روى عنه : ابنا أخيه : عبد الله وعبيد الله ابنا عبد الله ، وميمون بن مهران ، وجعفر ابن برقان ، وأبو فزارة ، وغيرهم . قال أبو زرعة ، وأحمد بن عبد الله : هو ثقة . مات سنة ثلاث ومائة . روى له الجماعة إلا البخاريّ (٣). قوله: (( بتشييد المساجد)) التشييد من شيّد يُشيد، رفع البناء وتطويله، ومنه ﴿ بُرُوجِ مَّشَيَّدَةٍ﴾ (٤) وهي التي طوّل بناؤها . قوله: ((لتر خرفنها)) - بضم الفاء وتشديد النون - أي: لَتُرِينتّها ؛ وأصل الزخرف : الذهب ، يُريد تمويه المساجد بالذهب ونحوه ، ومنه قولهم : زخرف الرجل كلامَه إذا موّهه وزيّنه بالباطل ؛ والمعنى : أن اليهود والنصارى إنما زخرفوا المساجد عندما حرّفوا وبدّلوا ، وتركوا العمل (١) تفرد به أبو داود . (٢) في الأصل: ((من)). (٣) انظر ترجمته في: أسد الغابة (٤٧٧/٥)، الإصابة (٦٧٢/٣). (٤) سورة النساء: (٧٨). - ٣٤٢ - بما في كتبهم ، يقول : فأنتم تصيرون إلى مثل حالهم إذا طلبتم الدنيا بالدين ، وتركتم الإخلاص في العمل ، وصار أمركم إلى المراءاة بالمساجد، والمباهاة بتشييدها وتزيينها . وبهذا استدل / أصحابنا على أن [١٥٢/١ -ب] نقش المسجد وتزيينه مكروه . وقول بعض أصحابنا : ولا بأس بنقش المسجد معْناه : تركه أولى ، ولا يجوز من مال الوقف ، ويغرم الذي يُخرجه سواء [ كان ] ناظرا أو غيره . فإن قيل : ما وجه الكراهة إذا كان من نفس ماله ؟ قلت : إما إشغال المصلي به ، أو إخراج المال في غير وجهه . ٤٣١ - ص - نا محمد بن عبد الله الخزاعي : نا حماد بن سلمة ، عن أيوب ، عن أبي قلابة ، عن أنس ، وقتادة ، عن أنس ، أن النبي - عليه السلام- قال: (( لا تَقُومُ الساعةُ حتى يَتَبَاهَى الناسُ في الْمَسَاجد)) (١) . ش - أيوب : السختياني . وأبو قلابة : عبد الله بن زيد الجرمي البصري . قوله: (( حتى يتباهى)) أي : حتى يتفاخر الناس ؛ من المباهاة ، وهي المفاخرة ؛ والمعنى: أنهم يزخرفون المساجد ويزينونها ثم يقعدون فيها ويتمارون ويتباهون ، ولا يشتغلون بالذكر ، وقراءة القرآن والصلاة . والحديث : أخرجه النسائي وابن ماجه . ٤٣٢ - ص - نارجاء بن المرجَّى : نا أبو همام: نا سعيد بن السائب، عن محمد بن عبد الله بن عياض ، عن عثمان بن أبي العاص ، أن النبيّ - عليه السلام - أمَرَهُ أن يَجعلَ مَسْجِدَ الطَّائف حيثُ كان طَوَاغِيهِم (٢) (٣) . (١) النسائي: كتاب المساجد، باب: المباهاة في المساجد (٣١/٢)، ابن ماجه: كتاب المساجد والجماعات ، باب : تشييد المساجد (٧٣٩) . (٢) في سنن أبي داود: ((طواغيتهم)). (٣) ابن ماجه: كتاب المساجد والجماعات ، باب : أين يجوز بناء المساجد (٧٤٣). - ٣٤٣ - ش - رجاء بن المرجى - بضم الميم وسكون الراء (١) - بن رافع ، أبو محمد أو أبو أحمد الحافظ المروزي . ويقال : السمرقندي ، وهو ابن أبي رجاء ، سكن بغداد . سمع : شاذان بن عثمان ، والنضر بن شميل، والفضل بن دكين وغيرهم . روى عنه : أبو حاتم الرازي ، وأبو بكر بن أبي الدنيا ، وأبو داود ، وابن ماجه . قال أبو حاتم : صدوق ، وقال الخطيب : كان ثقةً ثبتًا إماما في علم الحديث وحفظه والمعرفة به . مات ببغداد غرة جمادى الأولى سنة تسع وأربعين ومائتين (٢) . وأبو همام : محمدبن محبب - بالحاء المهملة - الدلال البصري ، صاحب الرقيق . سمع : الثوري ، وإبراهيم بن طهمان ، وهشام بن سَعْد ، وسعيد بن السائب وغيرهم . روى عنه : ابن بَشّار ، وابن المثنى، والبخاريّ ، وأبو داود ، وابن ماجه . قال أبو حاتم : صالح صدوق ثقة (٣). وسعيد بن السائب الطائفي . روى عن : أبيه ، ونوح بن صعصعة . روى عنه : مَعْن بن عيسى ، ووكيع ، وشعيب بن حَرَب وغيرهم . قال ابن معين : ثقة . روى له : أبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه (٤) . ومحمد بن عبد الله بن عياض . روى عن : عثمان بن أبي العاص . روى عنه : سعيد بن السائب الطائفي . روى له : أبو داود (٥) . وعثمان بن أبي العاص : ابن بشر بن عبد دهمان بن عبد همام بن أبان، أبو عبد الله ، قدم على النبي - عليه السلام - في وفد ثقيف ، واستعمله النبي - عليه السلام - على الطائف ، ثم أقره أبو بكر وعمر -رضي الله عنهما - . رُوِيَ له عن رسول الله - عليه السلام - تسعة (١) كذا ، والمعروف : بفتح الراء وتشديد الجيم. (٢) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (١٨٩٧/٩). (٣) المصدر السابق (٢٦/ ٥٥٨٠). (٥) المصدر السابق (٢٥ /٥٣٦٧) . (٤) المصدر السابق (١٠/ ٢٢٨٠). - ٣٤٤ - أحاديث . روى له : مسلم ثلاثة أحاديث . روى عنه : سعيد بن المسيّب، ونافع بن جبير ، وأبو العلاء : يزيد بن عبد الله ، والحسن بن أبي الحسن - وقيل : لم يسمع منه . روى له : الترمذي ، وأبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه (١) . قوله: (( طواغيهم)) الطواغي : جمع طاغية ؛ وهي الأَصْنام ، وقيل : بيوت الأصنام ، وعليه يحملُ هذا الحديث . والطاغوت : الكاهن ، والشيطان ، وكل رأس في الضلال ، ويكون جمعا وواحدًا ومذكرا ومؤنثاً. ومن هذا الحديث أخذت الأمة أنهم أي بلد يفتحونها يحوّلون كنائسهم مساجد ومَدارس . والحديث : أخرجه ابن ماجه . ٤٣٣ - ص - نا محمد بن یحیی بن فارس ، ومجاهد بن موسى - وهو أتم - قالا : نا يعقوب بن إبراهيم . نا أبي ، عن صالح : نا نافع أن عبد الله بن عمر أخبره ، أن المسجدَ كان على عهد رسول الله مَبْنيا باللَّبن والجَريد ، وعُمُدُهُ (٢) - قال مجاهد : - عُمُدُهُ - خَشَبُ (٣) النخل ، فلم يزد فيه أبو بكر شيئًا ، وزاد فيه عُمَرُ ، وبناه على بُنيانه (٤) في عهد رسول الله باللَّبِنِ والجريد، وأعاد عُمُدَه - قال مجاهد: عُمُدَهُ خشَبًا - ، وغيَّرَه عثمانُ فزادَ فيه زيادةً كَثيرةً، وبَنى جدَارَه بالحجارة / المنقُوشَة والقصَّة، وجَعَل عُمُدَهُ. قال [١٥٣/١-١] مجاهد : عُمُدُهُ (٥) من حجارة منقوشة ، وسقْفُهُ بالسَّاج - قال مجاهد : وَسَقْفُهُ : السَّاجُ (٦) . ش - مجاهد بن موسى : أبو علي الخوارزمي ، ويَعْقوب بن إبراهيم : ابن سَعْد الزهري المدني . وأبوه : إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن (١) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (٩١/٣)، أسد الغابة (٥٧٩/٣)، الإصابة (٢ / ٤٦٠). (٢) كلمة ((وعمده )) غير موجودة في سنن أبي داود. (٣) في سنن أبي داود: ((عمده من خشب)). (٤) في سنن أبي داود: ((بنائه)). (٥) غير موجود في سنن أبي داود . (٦) البخاري : كتاب الصلاة، باب : بنيان المسجد (٤٤٦) . - ٣٤٥ - عبد الرحمن بن عوف الزهري القرشي المدني ، وقد ذكرناهما . وصالح: ابن كيسان المدني . ونافع : مولى عبد الله بن عمر . قوله : (( على عهد رسول الله )) أي : في زمانه وأيامه . قوله : (( باللبن )) اللبن - بفتح اللام وكسْر الباء - جمع لبنة ؛ وهي التي يُبتنى بها الجدارُ ، ويقال : اللبنة بكسر اللام وسكون الباء . قلتُ: اللبنة: الآجر النَّيء ؛ والجريد : الذي يُجْرُدُعنه الخُوص. قوله: ((وعُمُده)) العُمُد - بضم العين والميم ، ويفتحهما - جمع الكثرة لعَمُود البيت ؛ وجمع القلة : أعمدة . قوله: (( قال مجاهد )) أي : قال مجاهد بن موسى المذكور في روايته : ((وعمُدُه خشبُ النخل))؛ وهي جملة من المبتدأ والخبر . قوله : ((فلم يزد فيه )) أي : في مسجد النبي - عليه السلام - يعني : أبو بكر - رضي الله عنه - لم يُغيّر شيئا بالزيادة والنقصان من مسجد رسول الله . قوله: (( وأعاد عمده)) أي : عُمده التي كان عليها المسجد في عهد النبي - عليه السلام - . قوله: ((قال مجاهد: عمدَه خشبًا)) أي : قال مجاهد في روايته : أعادَ عمده خشبًا، وانتصابُ كل واحد منهما بـ ((أَعادَ)) المقدّر. قوله: ((وقال مجاهد: عُمدَه)) أي : قال مجاهد في روايته : أعاد عثمان - رضى الله عنه - عمده من حجارة منقوشة ؛ وهي جملة من المبتدأ والخبر ، وأَزالَ العُمدَ التي كانت من خشبٍ . قوله: ((وسَقفَهُ)) جملة من الفعل والفاعل والضمير فيه الذي يرجع إلى عثمان والمفعول وهو الضمير المنصوب الذي يرجع إلى المسجد ، ومعناه : جَعل سقفه بالساج ؛ وهو معطوف على قوله: ((وجعَل عمده))، ويجوز أن يكون معطوفا على قوله ((وبنى جدَاره )) - هكذا هو في رواية - ٣٤٦ - محمد بن يحيى بن فارس أي : بَنى عثمان سقف المَسْجد بالسَّاجِ ، السَّاجُ - بالسين المهملة وبالجيم - ضَرْبٌ من الشجر . قوله: ((قال مجاهد: وسقفه الساج)) أي : قال مجاهد بن موسى في روايته : وسقف المسجد : الساج ؛ وهي جملة من المبتدأ والخبر . ص - قال أبو داود : والقَصَّةُ : الجصُّ . ش - القَصّة - بفتح القاف وتشديد الصاد - الجَصُّ ؛ والجصّ فارسيّ مُعرّب ؛ وفيه لغتان : فتح الجيم وكسْرها - وقيل : القصة شيء يشبه الجص وليس به ، وقيل : القصة : الجير ، فإذا خلط بالنورة ، فهو الجيار، وقيل : الجيار : النورة وَحْدها . ٤٣٤ - ص - نا محمد بن حاتم : نا عُبيدُ الله بن موسى ، عن شيبان ، عن فراس ، عن عَطية ، عن ابن عمر ، أن مَسجد النبيِّ - عليه السلام - كانتْ سَوَاريه على عهد النبيِّ - عليه السلام - مِن جُذُوعِ النخلِ ، أعلاهُ مُظَلَّلٌ بجريدِ النخلِ ، ثم إنها نَخِرتْ في خلافة أبي بكرِ فبناها بجُذُوعِ النخلِ ، وبجريد النخل ، ثم إنها نَخِرَت في خلافة عثمانَ ، فبناها بالآجُرِّ فلم تَزَلْ ثابتةً حتى الآن (١) . ش - محمد بن حاتم : ابن بزيع البصري . وعُبيد الله بن موسى : ابن باذام الكوفي . وشيبان : ابن عبد الرحمن النحوي أبو معاوية التميمي المؤدب البصري. روى عن : الحسن البصري ، وقتادة ، والأعمش ، ومنصور وغيرهم . روى عنه : عبد الرحمن بن مَهدي ، ومعاذ بن معاذ ، وعبيد الله بن موسى وغيرهم . قال أبو حاتم : حسن الحديث ، صالح الحدیث، یکتب حديثه ، وعن ابن معين : ثقة . مات ببغداد سنة أربع وستين ومائة . روى له الجماعة (٢) . (١) تفرد به أبو داود . (٢) انظر ترجمته فى: تهذيب الكمال (٢٧٨٤/١٢) . - ٣٤٧ - وفراس : ابن يحيى الهمداني المكتب الكوفي . وعَطيّة : ابن سَعْد بن جنادة العَوْفي ، أبو الحسن الكوفي . روى عن: أبي سعيد الخدري ، وابن عباس ، وأبي هريرة ، وابن عمر ، وزيد بن أرقم . روى عنه : فِراس بن يحيى ، والأعمش ، وفُضيل بن مرزوق وغيرهم . وقال أحمد : ضعيف الحديث . وقال أبو زرعة : لين . وقال أبو حاتم : ضعيف ، يكتب حديثه . توفي سنة إحدى عشرة ومائة . روى له : أبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه (١) . قوله: ((سواريه)) جمع سَارية ؛ وهي الأسطوانة ؛ والجذوع: جمع جِذْع - بكسر الجيم . [١٥٣/١ -ب] قوله /: ((نخرت)) من نخِر الشيء - بالكسْر - إذا بَلِي وتفتّت ؛ يُقال: عظام نَخْرةٌ أي : بَاليةٌ . قوله: (( بالآجُر )) بضم الجيم وتشديد الراء ؛ وهو فارسي معرّب ، ويُقال : أَجُور . قوله: (( حتى الآن)) معناه: إلى الآن ؛ وهو اسم للوقت الذي أنت فيه؛ وهو ظرف غيرُ متمكن ، وقع معرفة ، ولم يدخل عليه الألف واللام للتعريف ؛ لأنه ليس له ما يشركه ؛ وربما فتحوا اللام وحذفوا الهمزة . ٤٣٥ - ص - نا مسدّد : نا عبد الوارث ، عن أبي التياح ، عن أنس بن مالك قال : قَدمَ رسولُ اللهِ المدينةَ ، فنزَلَ في عُلُوِّ المدينةِ في حَيِّ يقال لهم بنو عمرو بن عوف ، فأقام فيهم أربعةً (٢) عَشَرَ لَيلةً، ثم أرسلَ إلى بني النجارِ فَجَاءُوا مُتقلِّدِيَّنَ سُيُوفَهم ، فقال أنسٌ : فكأَنِّي أَنظُرُ إلى رسولِ اللهِ على راحلَته وأبو بكر ردْفَهُ، ومَلأُ بني النجارِ حَوْلَهُ حتى أَلَقَى بفناء أبي أيوبَ، ٠٠ وكان رسولُ الله يُصَلِّيِ حيثُ أدركتْهُ الصلاةُ ، ويُصلِّي في مَرَابِضِ الغَنَمِ ، وإنه أُمَرَ ببناءِ المسجدِ ، فَأَرْسلَ إلى بني النجارِ وقال (٣): (( يا بني النجارِ ! (١) المصدر السابق (٣٩٥٦/٢٠). (٣) في سنن أبي داود: ((فقال)). (٢) في سنن أبي داود: ((أربع)). - ٣٤٨ - ثَامِنُوني بحائطكُم هذا)) فقالوا: والله لانَطلُبُ ثمنَه إلا إلى الله تعالى. قال أنسٌ: وكان فيه ما أقُولُ لكم ، كانت فيه قُبُورُ الْمُشْركين ، وكانت فيه خَرِبٌ، وكان فيه نَخْلٌ، فأمرَ رسولُ الله بقُبُور المشركين فنُبِشَتَ، وبالخَرب فسُوِّيَّتْ، وبالنخْلِ فَقُطِع ، فصفُّوا النخلَّ قِبْلةً للمسجد، وَجَعَلُوا عَضادَتَيْهِ حجارةً ، وَجَعَلُوا يَنْقُلُونَ الصخرَ وهم يَرْتَجِزُون والنبيّ - عليه السلام - معهم وهو يقولُ : اللهم إن الخيرَ خيرُ الآخرة فانصرِ الأَنْصارَ والمهاجرَه (١) ش - عبد الوارث : ابن سعيد العنبري البصري ، وأبو التياح : يزيد بن حُمَيَد الضَّبَعي . قوله: (( قدم رسول الله المدينة)) قال الحاكم : تواترت الأخبار بورود النبي - عليه السلام - قباء يوم الاثنين لثمان خلون من ربيع الأول . وقال محمد بن موسى الخوارزمي : وكان ذلك اليوم : الخميس ، الرابع من تیرماه ، ومن شهور الروم : العاشر من أيلول سنة سبع مائة وثلاثة وثلاثين لذي القرنين . قال الخوارزمي : من حين مولده إلى أن أُسْري به : أحد وخمسون سنة ، وسبعة أشهر ، وثمانية وعشرون يومًا ، ومنه إلى اليوم الذي هاجر : سنة وشهران ويوم ؛ فذلك ثلاثة وخمسون سنة ، وكان ذلك يوم الخميس. وفي ((طبقات ابن سَعْد)): أن رسول الله وَل خرج من الغار ليلة الاثنين لأربع ليال خلون من شهر ربيع الأول ، فقالَ : يوم الثلاثاء بقُديد، وقدِم على ابن عمرو بن عَوْف للَيْلتين (٢) خلتا من ربيع الأول ، ويُقال : لاثنتي عشرة ليلةً خلت من شهر ربيع الأول ، فنزل (١) البخاري : كتاب الصلاة ، باب : هل تنبش قبور مشركي الجاهلية، ويتخذ مكانها مساجد (٤٢٨) ، مسلم : كتاب المساجد ومواضع الصلاة ، باب : ابتناء باب مسجد النبي (٥٢٤/٩) ، النسائي : كتاب المساجد ، باب : نبش القبور واتخاذ أرضها مسجداً (٧٠١) ، ابن ماجه : كتاب المساجد والجماعات ، باب : أين يجوز بناء المسجد (٧٤٢) . (٢) في الأصل: ((لليتين)). - ٣٤٩ - على كلثوم بن الهدَم - وهو الثبت عندنا - ، ولكنه كان يتحدث مع أصحابه في منزل سَعْد بن خيْئمة ؛ وكان يسمّى مَنْزِل الغُراب ؛ فلذلك قيل: نزل على سَعْد بن خيثمة . وذكر البرقي أن النبي - عليه السلام - قدم المدينة ليلاً. وفي (( شرف المصطفى )) للنيسابوري : رُوي عن أبي بكر أنه قال : أتينا المدينة ليلا ، النبي - عليه السلام - وأنا معه . وعن جابر : لما قدم النبي - عليه السلام - المدينة نحر جزورًاً . قوله: (( فنزل في عُلو المدينة)) بضم العين وكسْرها لغتان مشهورتان ، وقيل : لا يقال إلا بالكسْر ؛ وعلو المدينة هي العالية ، وكل ما كانت من جهة نجد من المدينة من قُراها وعمائرها [ من جهة نجد ] (١) فهي العالية ، وما كان دون ذلك من جهة تهامة فهي السافلة .. قوله : ((في حيِّ)) الحيّ - بتشديد الياء - القبيلة ؛ وجمعها : أحياء . قوله: ((فأقام فيهم)) أي: في بني عمرو بن عوف ((أربعة عشر ليلةً)). وعن الزهري : أقام فيهم بضع عشرة ليلةً ، وعن عويمر بن ساعدة : لبث فيهم ثمان عشرة ليلة ثم خرج . قوله: (( ثم أرسل إلى بني النجار )) وبنو النجار هم تيم اللات بن ثعلبة ابن عمر بن الخزرج ، والنجار : قبيل كبير من الأنصار ، منه بطون وعَمائر (٢) وأفخاذ وفصائلُ، واسمه : تيم اللات المذكور سمّي بذلك لأنه اختتن بقدوم (٣) ، وقيل : بل ضرب رجلا بقدوم فجرحه . ذكره الكلبي ، وأبو عبيدة . قوله: ((متقلدين)) / نصب على الحال من الضمير الذي في ((فجاءوا)). [١٥٤/١-١] قوله: (( وأبو بكر ردفه )) جملة اسمية وقعت حالاً ؛ والردف - بكسر الراء ، وسكون الدالَ - المُرتدف ؛ وهو الذي يركبُ خلف الراكب ، وأردفته أنا إذا أركبته معك ، وذلك الوضع الذي يَرْكُبُهُ : ردافٌ ، وكل شيء تبعَ شيئًا فهو رِدْفُه . (١) زيادة من معجم البلدان (٤/ ٧١). (٣) كتب فوقها (( خف)) أي: بالدال المخففة. (٢) شعبة من القبيلة . - ٣٥٠ - قوله: (( وملأُ بني النجار حوله)) جملة اسميّة وقعت حالا - أيضا - ؛ المَلأُ : أشراف القوم ورؤساؤهم ؛ سموا بذلك لأنهم مَلأ بالرأي والغنى ؛ والملأ : الجماعة ، والجمع : أَمْلاء . قال ابن سيده : وليس الملأ من باب رَهْط وإن كانا اسمَيْن ؛ لأن رهطا لا واحد له من لفظه ، والملأ : رجل مالئ جليلٌ يملأ العَيْن بجَهَرته ، فهو كالعَزَب والزوج ، وحكى مَلأته على الأمر أملؤه ومالاته ، وكذلك الملأ إنما هم الشارَة ، والتجمع : الإمارة ، ففارق باب رهط لذلك فالملأ على هذا صفة غالبة وما كان هذا الأمرُ عن ملاٍ منا أي : عن تشاورٍ واجتماع ؛ وفي الجامع : الملأ : الجماعة الكثيرة، وقيل : هم الأشراف - كما ذكرنا . قوله: (( حتى ألقى بفناء أبي أيوب)) يقال: ألقيت الشيء إذا طرحتَه ، ومفعول ((ألقى)) هاهنا محذوف تقديره : ألقى راحلته في فناء أبي أيوب. والفناء - بكسر الفاء - سَعَة أمام الدار ، والجمع : أفنية، وفي ((المجمل)): فناء الدار : ما امتد من جوانبها . وأبو أيوب : اسمُهُ : خالد بن زيد الأنصاري ، وقد ذكرناه مرةً . وذكر محمد بن إسحاق بن يسار في كتاب ((المبتدأ وقصص الأنبياء - عليهم السلام - )) أن تُبّعا - وهو ابن حَسّان - لما قدم مكة - شرفها الله تعالى - قبل مولد النبي - عليه السلام - بألف عامٍ ، وخرج منها إلى يثرب ، وكان معه أربع مائة رجل من الحكماء ، فاجتمعوا وتعاقدوا على أن لا يخرجوا منها ، فسألهم تُبَّعٌ عن سرّ ذلك، فقالوا : إنا نجد في كتبنا أن نبيا اسمه محمدٌ هذه دار مُهاجره ، فنحن نُقيم لعلّ أن نلقاه ، فأراد تُبَّعٌ الإقامة معهم ، ثم بنى لكل واحد من أولئك دارا ، واشترى له جاريةً وزوجها منه ، وأعطاهم مالا جزيلا ، وكتب كتابا فيه إسلامه وقوله : رسول من الله بارئ النسم شهدت على أحمد أنه في أبيات وختمه بالذهب ، ودفعه إلى كبيرهم ، وسأله أن يدفع إلى محمد - عليه السلام - إن أدركه ، وإلا من أدركه من ولده ، وبنى للنبي - عليه السلام - دارًا يَنْزلها إذا قدم المدينة ، فتداول الدارَ الملاكُ إلى أن - ٣٥١ - صارت لأبي أيوب ؛ وهو من ولد ذلك العالم الذي دُفع إليه الكتابُ . قال : وأهل المدينة الذين نصروه - عليه السلام - من ولد أولئك العلماء الأربعمائة ؛ ويزعم بعضهم أنهم كانوا الأوسَ والخزرجَ ، ولما خرج النبي - عليه السلام - أرسلوا إليه كتاب (( تُبَّعِ )) مع رجل يسمى أبا ليلى ، فلما رآه النبي - عليه السلام - قال: ((أنت أبو ليلى ، ومعك كتاب تُبَّعِ الأول)) فبقي أبو ليلى متفكراً ، ولم يَعرف النبيَّ - عليه السلام -، فقال : مَنْ أنت ؟ فإنى لم أر في وجهك أثر السحر - وتوهم أنه ساحر - فقال : ((أنا محمد، هات الكتاب)) فلما قرأه قال: ((مرحبا بتبَّعِ الأخ الصالح)» - ثلاث مرات . وفي (( سير )) ابن إسحاق: اسمه : تبان أسعد أبو کرب؛ وهو الذي كسى البيت الحرام. وفي (( مُغايص الجوهر في أنساب حمير)): كان يدين بالزبور. وفي ((معجم الطبراني)) : قال - عليه السلام - : ((لا تَسْبُّوا تُبَّعًا)). وزعم السهيلي أن دار أبي أيوب هذه تصيّرت بعده إلى أفلح مولى أبي أيوب ، فاشتراه منه بعد ما خرب المغيرة بن عبد الرحمن ابن الحارث بن هشام بألف دينار بعد حيلة احتالها عليه المغيرة ، فأصلحه المغيرة وتصدق به على أهل بيت فقراء من المدينة . قلت : لعل الحكمة في بروك ناقة النبي - عليه السلام - بفناء أبي أيوب ما ذكر من المعنى . قوله: ((ويصلي في مرابض الغنم)) المرابض : جمع مَربْضٍ ؛ وهي مأوى الغنم ؛ وقد ذكرناه في كتاب الطهارة . قوله: (( وإنه أمَر )) بكسر الهمزة ؛ لأنه كلام مستقل بذاته . قوله : (( ببناء المسجد)) المسجد - بكسر الجيم وفتحها - الموضع الذي [١٥٤/١ -ب] يُسجد فيه، وفي ((الصحاح)): المسجد - بفتح الجيم - / موضع السجود، وبكسرها : البيت الذي يُصلَّى فيه . ومن العرب مَنْ يفتح في كلا الوَجْهين . وعن الفراء : سمعنا المسجد والمسجَد ، والفتح جائز ، وإن لم تسمعه. وفي (( المعاني)) للزجاج : كل موضع يتعبد فيه : ٥ مسجد . - ٣٥٢ - قوله : ((ثامنوني بحائطكم)) أي : قدروا ثمنه لأشتريه منكم وبايعوني فيه؛ يُقال : ثامنتُ الرجل في البيع أثامنه إذا قاولته في ثمنه ، وساومتَه على بَيْعه وشرائه . والحائط : البُسْتان ؛ يؤيده : ما ذكر فيه من قوله : وكان فيه نخل . قوله: (( إلا إلى الله)) أي: لا نطلب ثمنه إلا من الله. وفي ((صحيح الإسماعيلي)) هكذا: ((إلا من الله)). قلت : يجوز أن تكون ((إلى)) هاهنا على معناها لانتهاء الغاية ؛ ويكون التقدير : نُنهي طلب الثمن إلى الله تعالى ، كما في قولهم : أحمد إليك الله ؛ والمعنى : أُنهِي حمدَه إليك؛ والمعنى : لا نَطلبُ منك الثمن ؛ بل نتبرعُ به ، ونطلب الثمن - أي : الأجر - من الله تعالى ؛ وهذا هو المشهور في ((الصحيحين)) - أيضا - وذكر محمد بن سَعْد في ((الطبقات)) عن الواقدي أن النبي - عليه السلام - اشتراه منهم بعشرة دنانير؛ دفعها عنه : أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - . قوله: ((وكانت فيه خَرِبٌ)) قال أبو الفرج: الرواية المعروفة: ((خَرِبٌ)) - بفتح الخاء المعجمة وكسر الراء - جمع خَرِبَةٍ ؛ كما يقال : كلمة وكلم. وقال أبو سليمان : وحدثناه الخيّام بكسر الخاء وفتح الراء ؛ وهو جمع الخراب ؛ وهو ما يخرب من البناء في لغة بني تميم ؛ وهما لغتان صحيحتان رُويتا. وقال الخطابيّ: لعل صوابه: ((خُرَب)) - بضم الخاء- جمع خُرْبة ؛ وهي الخروق في الأرض ؛ إلا أنهم يقولونها في كل ثُقْبة مستديرة في أرض أو جدار ، قال: ولعل الرواية ((جِرَفٌ )) جمع الجِرَفة ؛ وهي جمع الجُرُف؛ كما يقال: خُرْج وخُرَجة، وَتُرْس وتِرَسَةٌ . وأَبْين من ذلك - إن ساعدته الروايةُ - أن يكون: (( حُدُبًا)) جمع ((حَدَبَةٍ))؛ وهو الذي يَليقُ بقوله فسُوِّيَتْ؛ وإنما يُسوَّى المكان المحدودب أو موضع من الأرض فيه خروق وهدُومٌ ؛ فأما الخِرَبُ فإنها تُعَمَّر ولا تُسوّى . قال عياض : هذا التكلف لا حاجة إليه ؛ فإن الذي ثبت في الرواية صحيح المعنى ؛ كما أمر بقطع النخل لتسوية الأرض أمر بالخِرب فرفعت رسومها، ٢٣ • شرح سنن أبي داوود ٢ - ٣٥٣ - وسُوِّيت مواضعها ، لتصير جميع الأرض مَبْسوطةً مُستويةً للمصلين ، وكذلك فعل بالقبور. وفي ((مصنف)) ابن أبي شيبة بسند صحيح: ((فأمر بالحرث فحُرث)) ؛ وهو الذي زعم ابن الأثير أنه رُوِيَ بالحاء المهملة والثاء المثلثة ، يريدُ الموضع المحروث للزراعة . قوله: (( فأمَر رسول الله بقبور المشركين فنُبَشَتْ)) إنما أمر بنبشها لأنهم لا حرمة لهم . فإن قيل : كيف يجوز إخراجهم من قبورهم ، والقبر مختصّ بمن دفن فيه ، قد حازه فلا يجوز بيعه ولا نقله عنه ؟ قلت : تلك القبور لم تكن أملاكا لمن دفن فيها ؛ بل لعلها غصب ، ولذلك باعها مُلاكها ، وعلى تقدير التسليم أنها حُبست فهو ليس بلازم ، إنما اللازم : تحبيس المسلمين، لا الكفار . وجواب آخرُ : أنه دعت الضرورة والحاجة إلى نبشهم فجاز . فإن قيل : هل يجوز في هذا الزمان نبش قبور الكفار ليتخذ مكانها مساجد ؟ قلت : أجاز ذلك قوم ؛ محتجين بهذا الحديث ، وبما رواه أبو داود (١) أن النبي- عليه السلام - قال: ((هذا قبر أبي رِغال ؛ وهو أبو ثقيف ، وكان من ثمود ، وكان بالحرم يدفع عنه ، فلما خرج أصابته النقمة فدفن بهذا المكان ، وآية ذلك : أنه دفن ومعه غُصْنٌ من ذهب» فابتدر الناس فنبشوه واستخرجوا الغُصن )) . قالوا : فإذا جاز نبشُها لطلب المال فنبشها للانتفاع بمواضعها أولى ، وليس حرمتهم موتى بأعظم منها أحياء ؛ بل هو مأجورٌ في مثل ذلك . وإلى جواز نبش قبورهم للمال ذهب الكوفيون ، والشافعي ، وأشهبُ بهذا الحديث . وقال الأوزاعي : لا يفعل؛ لأن رسول الله لما مرّ بالحجْر قال: ((لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا إلا أن تكونوا باكين )) فنهى أن يدخل عليهم بيوتهم ، فكيف [١٠٠١٥٥/١] قبورهم؟. وقال الطحاوي : قد أباح دخولها / على وجه البكاء . فإن قيل : هل يجوز أن تُبْنى المساجد على قبور المسلمين ؟ قلت : (١) كتاب الخراج، باب: نبش القبور العاديَّة يكون فيها المال (٣٠٨٨). - ٣٥٤ - قال ابن القاسم : لو أن مقبرة من مقابر المسلمين عفَتْ ، فبنى قوم عليها مسجداً لم أَر بذلك بأسًا ؛ وذلك لأن المقابر وقف من أوقاف المسلمين لدفن موتاهم ، لا يجوز لأحد أن يملكها ، فإذا درست واسْتُغْنِيَ عن الدفن (١) فيها جاز صرفها إلى المسجد ؛ لأن المسجد - أيضا - وقف من أوقاف المسلمين لا يجوز تمليكه لأحد ؛ فمعناهما على هذا واحدٌ . وذكر أصحابنا أن المسجد إذا خرب ودثر ، ولم يبق حوله جماعة ، والمقبرة إذا عفت ودثرت يَعودُ ملكًا لأربابها ، فإذا عادت ملكا يجوز أن يُبنى موضع المسجد دار ، وموضع المقبرة مسجد ، وغير ذلك ؛ فإن لم يكن لها أرباب يكون لبيت المال . فإن قيل : هل يدخل من يبني المسجد على مقبرة المسلمين بعد أن عفت ودثرت في معنى لعنة اليهود ، لاتخاذ قبور أنبيائهم مساجد ؟ قلت : لا ؛ الافتراق المعنى ؛ وذلك أنه - عليه السلام - أخبر أن اليهود كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد ويقصدونها بالعبادة ، وقد نسخ الله جميع ذلك بالإسلام والتوحيد ، ثم في هذا الحديث دليل على أن القبور إذا لم يبق فيها بقية من الميّت أو من ترابه جازت الصلاة فيها ، وأنها إذا درست يجوز بيعها ؛ لأنها باقية على ملك صاحبها وورثته من بعده . قوله: (( وبالنخل فقطع)) أي : أمر بالنخل فقطع ؛ وفيه دليل على [جواز] قطع الأشجار المثمرة لأجل الحاجة؛ وأما اليابسة فقطعها جائز مطلقا. قوله : ((فصفوا النخل قبلةً للمَسْجد )) من صففتُ الشيء صفا ، وفي ((شرح البخاري)): وجعل قبلته إلى القدس وجعل له ثلاثة أبواب ؛ باباً في مؤخره ، وباباً يقال له : باب الرحْمة - وهو الباب الذي يُدْعى : باب عاتكة - ، والثالث : الذي يدخل منه النبي - عليه السلام - وهو الباب الذي يلي آل عثمان - وجعل طول الجدار قامة ، وبُسطه وعمده: الجذوع، وسقفه جريدًا، فقيل له : ألا تسقفه؟ فقال: (( عريش كعريش مُوسى ؛ (١) في الأصل: ((الدين)). - ٣٥٥ - خُشَيْبَاتٌ وثمامٌ ، الأمرُ أعجل من ذلك)) وجعلوا طوله مما يلي القبلة إلى مؤخره مائة ذراع ، وفي هذين الجانبين مثل ذلك ؛ فهو مربع - ويقال : كان أقل من المائة - ، وجعلوا الأساس قريبًا من ثلاثة أذرع على الأرض بالحجارة، ثم بنوه باللَّبِن. وفي ((المغازي)) لابن بكير ، عن ابن إسحاق: جعلت قبلة المسجد من اللبن - ويقال : بل من حجارة - منضودة بعضها على بعضٍ . قوله: (( وجعلوا عضادتيه حجارة)) العضادة - بكسر العين - هي جانب الباب. وقال صاحب ((العين)): أعضاد كل شيء : ما يشدّه من حواليه من البناء وغيره ؛ مثل عضاد الحوض ؛ وهي صفائح من حجارة تُنْصَبْن على شفيره ، وعضادتا الباب : ما كان عليهما يُطبق البابُ إذا أُصْفِق . وفي (( التهذيب)) للأزهري : عضادتا الباب : الخشبتان المنصوبتان عن يمين الداخل منه وشماله ، فوقهما العارضة . قوله: (( وهم يرتجزون)) جملة اسمية وقعت حالا من الضمير الذي في ((ينقلون)) يقال: ارتجزوا وتراجزوا إذا تعاطوا بَيْنهم الرَّجزَ. واختلف العروضيون في الرجز : هل هو شعر أم لا ؟ مع اتفاقهم أن الشعر لا يكون شعرا إلا بالقَصْد ، فإن جرى كلام موزون بغير قصد لا يكون شعرا؛ وعليه يحمل ما جاء عن النبي - عليه السلام - من ذلك ؛ لأن الشعر حرام عليه بنص القرآن . قال القرطبي : الصحيح في الرجز : أنه من الشعر ؛ وإنما أخرجه من الشعر من أشكل عليه إنشاد النبي - عليه السلام- إياه فقال : لو كان شعرا لما عُلِّمه ، قال : وهذا ليس بشيء ؛ لأن من أنشد القليل من الشعر أو قاله أو تمثل به على وجه الندور لم يستحق اسم شاعرٍ ، ولا يقال فيه : إنه يعلم الشعر ، ولا يُنسب إليه ، ولو كان ذلك كذلك للزم أن يقال للناس كلهم شعراء . وقال السفاقسي : لا يطلق (١) على الرجز شعرا؛ إنما هو كلام مسجّع ؛ بدليل أنه يقال (١) في الأصل: ((ينطلق)). - ٣٥٦ - لصانعه : راجز، ولا يقال: شاعر، ويُقال: أنشد / رجزا، ولا يقال: [١٥٥/١ -ب] أنشد شعراً . ثم اعلم أن في الحديث : جواز الارتجاز وقول الأشعار في حال الأعمال والأسفار ونحوها ، لتَنْشيط النفوس ، وتَسْهيل الأعمال والمضي عليها . قوله: ((والنبي معهم)) حال، وكذلك قوله: ((وهو يقول )) حال أُخْرى . قوله: ((اللهم إن الخير خير الآخرة)) وفي رواية: ((لا خير إلا خير الآخرة)) ومعنى ((اللهم)): يا ألله ؛ وقد ذكرنا طرفا منه ، وقال البصريون: ((اللهم)): دعاء الله بجميع أسمائه؛ إذ الميم يُشعر بالجمع ؛ كما في ((عليهم))، وقال الكوفيون: أصله: ((الله أمّنا)) بخيرِ أي : اقصدنا ؛ فخفف فصار ((اللهم)) . وهو ضعيف ؛ إذ لو كان كذلك لجاز (( يا اللهم)) فلما لم يجز دلّ على أن أصله: ((يا ألله)) فحذف (( يا)) وعوض عنها الميم ؛ ولا يجوز اجتماع العِوض والمعوض . وهو يُستعمل على ثلاثة أنحاء ؛ أحدها : للنداء المحض ؛ وهو ظاهرٌ ، والثاني : للإيذان بندرة المستثنى ؛ كقولهم في أثناء الكلام : اللهم إلا أن يكون كذا وكذا ، والثالث : يستعمل فيه ليدل على تيقّن المجيب من الجواب المقترن هو به ؛ كقولك لمن قال : أزيد قائم : اللهم نعم ، أو : اللهم لا ؛ كأنه يُناديه : تعالى ؛ مستشهداً على ما قال في الجواب . قوله : ((فانصر الأَنْصار والمهاجره )) الأنصار : جمع نَصيرِ ؛ كأشراف جمع شريفٍ ؛ والنَّصِير الباهرُ : من نصَرَه الله على عَدُوّه ينصرُهُ نصرًا ، والاسم : النَّصْرة ؛ وسُمَّوا بذلك لأنهم أعانوه - عليه السلام - على أعدائه وشدّوا منه . والمهاجره : الجماعة المهاجرة ؛ وهم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة النبويّة - على ساكنها أفضل الصلاة والسلام - محبّةً فيه ، وطلباً للآخرة . والهجرة في الأصل : الاسم من الهَجْر - ضدّ الوَصْل-، وقد هجَره هجرًا ، وهجرانًا ، ثم غلب على الخروج من أرض إلى - ٣٥٧ - أرضٍ، وترك الأولى للثانية يُقال منه : هاجر مُهاجرةً . والحديث : أخرجه البخاريّ ، ومسلم ، والنسائي ، وابن ماجه . ٤٣٦ - ص - ثنا موسى بن إسماعيل : ثنا حماد ، عن أبي التياح ، عن أنس بن مالك قال : كان مَوضعُ المسجدِ حَائطًا لبني النجّار، فيه حَرْثٌ ونَخْلٌ وقبورُ المشركينَ، فقال رسولُ الله: ((ثَامِنُوني به)) فقالوا: لا نَبْغي (١)، فقُطِعِ النخلُ ، وسُوِّي الحرْثُ، ونُبشَ قبورُ المشركينَ . وساقَ الحديثَ ، وقال: ((فاغفر)) مكان «فانصُرُ)) (٢). ش - موسى بن إسماعيل : المنقري البصري ، وحمّاد : ابن سلمة . قوله : (( موضع المسجد )) الألف واللام فيه للعهد أي: مسجد النبي - عليه السلام - . قوله : (( لا نبغي)) أي: لا نطلب الثمن؛ من بغى يَبْغي بغْيةً وبُغًا من باب ضرب يضرب ، وبغى عليه : إذا تعدى وظلم ، وبغت المرأة بغاء -بالكسر والمدّ - إذا فجرت ؛ فهي بَغي ، والجمع : بَغايًا ، قال تعالى : ﴿ وَمَا كَانتْ أُمَّك بغيا﴾ (٣) وهذا مثل قولهم: ملْحفة جديدٌ. قوله: ((وقال: فاغفر)) أي : قال : فاغفر الأنصار مكان : فانصر الأنصار . ص - قال موسى : نا عبد الوارث بنحوه . وكان عبد الوارث يقول : خَرِبٌ، فزعم عبد الوارث (٤) أنه أفادَ حمادًا هذا الحديثَ . ش - أي : قال موسى بن إسماعيل - شيخ أبي داود - حدثنا عبد الوارث بن سعيد البصري ، بنحو المذكور من الرواية . قوله: (( وكان عبد الوارث يقول: خَرب)) - بفتح الخاء ، وكسر الراء-؛ وقد مر الكلام فيه مستوفى . (١) في سنن أبي داود: ((لا نبغي به ثمنا)). (٢) انظر التخريج المتقدم. (٤) فى الأصل: ((الحارث)) خطأ. (٣) سورة مريم: (٢٨) . - ٣٥٨ - ١٢ - بَابٌ: في المساجد تُبْنى في الدّور أي : هذا باب في حكم المساجد التي تُبنى في الدور . وفي بعض النسخ: ((باب اتخاذ المساجد في الدور)) (١) وفي بعضها: ((باب ما جاء في المساجد تُبنى في الدور)). ٤٣٧ - ص - نا محمد بن العلاء : نا حُسين بن علي ، عن زائدة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه، عن عائشةَ قالتْ: أَمرَ رَسولُ الله ببناء المساجدِ في الدُّور ، وأَنْ تُنَظَّفَ ونُطَيِّبَ (٢). ش - محمد بن العلاء : أبو كريب الكوفي ، وحُسَين بن علي : ابن الوليد الجُعفي ، وزائدة : ابن قدامة الثقفي الكوفي . قوله : ((في الدُّور)) قال سفيان بن عيينة: الدورُ : القبائلُ. وذكر الخطابيّ أنها البيوت، وحكى- أيضا - أنه يراد بها المحالّ التي فيها الدورُ. قلتُ : الظاهر أن المراد بها ما قاله الخطابي ؛ لورُود النهي عن اتخاذ البيوت مثل المقابر ؛ وفيه حجة لأصحابنا (((٣) أن المكان لا يكون مسجدا حتى يُسَبّله (٤) صاحبه ، وحتى يُصلي الناس فيه جماعةً ، ولو كان الأمر يتم فيه بأن يجعله مسجدا بالتسمية فقط لكانت مواضع تلك المساجد / في [١٥٦/١ -أ] بيوتهم خارجةً عن أملاكهم ، فدلّ أنه لا يصح أن تكون مسجدًا بنفس التسمية)). ولذلك قال صاحب ((الهداية)) : إن اتخذ وسط داره مَسْجدا ، وأذن للناس بالدخول فيه ، له أن يبيعه ويُورث عنه ؛ لأن المسجد : ما لا يكون لأحد فيه حق المنع ، وإذا كان ملكه محيطا بجوانبه كان له حق المنْع ، فلم يَصر مَسْجِدا . (١) كما في سنن أبي داود . (٢) الترمذي : كتاب الصلاة ، باب : ما ذكر في تطييب المساجد (٥٩٤) ، ابن ماجه : كتاب المساجد والجماعات ، باب : تطهير المساجد وتطييبها (٧٥٨). (٣) انظر معالم السنن (١٢٣/١). (٤) أي : يجعله في سبيل الله . - ٣٥٩ - قوله : ((وأن تُنظف)) أي : أمَر - أيضا - بأن تُنظف أي : بتنظيفها وتطييبها عن الأقذار ؛ لأن لها حرمة لأجل إقامة الصلاة فيها ، ولتشبهها بالمساجد المطلقة . وأخرجه الترمذي ، وابن ماجه ، وأخرجه الترمذي مُرْسلا وقال : هذا أصح من الحديث الأول . ٤٣٨ - ص - نا محمد بن داود بن سفيان : نا يحيى - يعني : ابن حسّان: نا سليمان بن موسى: نا جعفر بن سَعْد بن سَمُرة قال : حدثني خُبَيْب بن سليمان، عن أبيه سليمان بن سَمُرة ، عن أبيه سَمُرة أنه كتب إلى بَنيه (١): أمَّا بعدُ ، فإنَّ رسولَ الله - عليه السلام - كان يأمُرُنا بالمساجد أن نَصْنَعَها في دِيَارِنا، ونُصلِحَ صَفْعَتَهَا ونُطَهِّرَها (٢) . ش - محمد بن داود : الإسكندراني . ويحيى : ابن حسّان بن حيان التّنِّيسي ، أبو زكرياء البَصْري ، سكن تنيس . روى عن : الليث بن سَعْد ، ومعاوية بن سلام ، وحماد بن سلمة وغيرهم . روى عنه : الشافعي ، وأحمد بن صالح المصري ، ومحمد بن مسكين وغيرهم . قال أبو سعيد بن يونس : كان ثقةً حسن الحديث ، وتوفي بمصر في رجب سنة ثمان ومائتين . روى له : البخاريّ، ومسلم، وأبو داود ، والترمذي، والنسائي (٣). وسُليمان بن موسى : أبو داود الزهري ، خراساني الأصل ، سكن الكوفة ثم تحول إلى دمشق . روى عن : موسى بن عبيدة ، ومسعر بن كدام ، وجعفر بن سَعْد بن سمرة وغيرهم . روى عنه : الوليد بن مسلم، ومَرْوان الطاطري ، ويحيى بن حسّان (٤). وجَعْفر بن سَعْد بن سَمُرة الفزاري أبو محمد . روى عنه : سليمان بن موسى ، ومحمد بن إبراهيم ، وعبدالجبار بن العباس الشِّبَامي، وصالح ابن أبي عتيقة الكاهلي . روى له : أبو داود (٥) . (١) في سنن أبي داود: ((ابنه)). (٢) تفرد به أبو داود . (٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٦٨٠٩/٣١). (٤) المصدر السابق (١٢/ ٢٥٧٢). (٥) المصدر السابق (٥/ ٩٤٢). - ٣٦٠ -