النص المفهرس

صفحات 281-300

٣٩٩ - ص - نا محمود بن خالد : نا الوليد قال : قال أبو عمرو - يعني :
الأَوْزاعيّ: وذلك أن تَرى ما على الأرضِ من الشمسِ صَفْراءَ (١).
ش - محمود بن خالد : السلمي الدمشقي .
والوليد : ابن مُسْلم ، أبو العباس الدمشقي .
قوله: ((وذلك)) إشارة إلى الفوات الذي يَدلُّ عليه قوله: ((تفوته)).
وقد اختلف العلماء في الفوات ؛ (((٢) فقال عبد الرحمن الأوزاعي : أن
يؤخرها إلى أن ترى ما على الأرض من الشمس صَفْراء ؛ والمعنى : إلى
أن تَصْفر الشمسُ . وقال ابن وهب : هو فيمَنْ لم يُصلها في وقتها
المختار. وقال سحْنون : هو أن تفوته بغروب الشمس . فقيل : ناسيًا .
روي ذلك عن سالم ، وقيل : عامدًا ؛ وهو قول الداودي ، والأظهر :
أن هذا فيمَنْ تَفُوته بخروج الوقت عامدًا . ويؤيده : ما رواه البخاريّ في
((صحيحه)): (( مَنْ ترك صلاة العَصْر حبط عملُه))، وهذا إنما يكون في
العامد)).
فإن قيل : ما الحكمة في تخصيصه - عليه السلام - العَصْر بقوله :
((الذي تفوته صلاة العَصْرِ)) ؟ قلت: يحتملُ وجوها ؛ الأول : أن يكون
جوابًا لسائل (٣) سأل عن ذلك، الثاني: أنه تأكيدٌ وحَض على المثابرة
عليها ؛ لأنها تأتي في وقت اشتغال الناس ، والثالثُ : لأنها على
الصحيح : الصلاة الوسطى ، وبها تختم الصلوات ، والرابع : أنها
مَشْهودة ، والخامس : أنها صلاة لا يُتنقّلُ بعدها ، فإذا فاته العصر فاته
فضل الوقت .
فإن قلت : الصُّبْح - أيضا - كذلك ، وهي مشهودة - أيضا - قلت :
وقد أوْصى بالصُّبح في الكتاب كما أوصى بها في السُّنَّة ، فافهم . وأما
كونها مشهودة : فالكتاب عرّف قدرها كما عرفت السُّنَّة قدر العصر .
(١) تفرد به أبو داود .
(٢) انظر: شرح صحيح مسلم (١٢٦/٥).
(٣) في الأصل: ((لسؤال)).
- ٢٨١ -

وأما تأويل ما رواه البخاري (( من فاته )) فوات مضيّع متهاون بفضل وقتها
مع قدرته على أدائها ، فحبط عمله في الصلاة خاصةً أي : لا يحصل له
أجر المصلي في وقتها ، ولا يكون له عمل ترفعه الملائكة . كذا قاله
المهلب. وقال غيره : تركها جاحدًا ، فإذا فعل ذلك فقد كفر وحبط عمله.
قلت : هذا يُقال في سائر الصلوات ، ويقال هذا على وجه التغليظ .
ويُقال : معناه : كاد أن يُحْبط ، ويُقال : يوقف عنه عملهُ مُدة يكون فيها
بمنزلة المحبط حتى يأتيه من فضل الله ما يدرك به ثواب عمله .
٥ - بَابٌ: فِي وَقْتِ الْمَغْرب
أي : هذا باب في بيان وَقْت المغرب .
٤٠٠ - ص - نا داود بن شبيب : نا حماد، عن ثابت البناني ، عن أنس بن
مالك قال : كُنَّا نُصَلِّي المغْربَ مع النبيِّ - عليه السلام - ثم نَرْمي فيَرَى أَحدُنًا
مَوْضعَ نَبْلِهِ (١) .
ش - داود بن شبيب : البصري ، وحماد : ابن سلمة .
قوله: (( ثم نَرمي)) أي : نَرْمي النبْل؛ والنبلُ : السهامُ العربيّة ، ولا
واحد لها من لفظها ، فلا يُقال : نَبْلة، وإنما يُقال : سهمٌ ونُشَّابَةٌ ؛
والمعنى : أنا نبكر بها في أول وقتها بمجرّد غروب الشمس حتى ننصرف ،
ويَرْمي أحدُنا النبل عن قوسه ويُبْصر موقعه لبقاء الضوء . وفي هذا الحديث
والأحاديث التي بَعْدها أن المغرب يُعجّل عقيب غروب الشمس ، وهذا
مجمع عليه، وقد حُكي عن الشيعة فيه شيء لا التفات إليه ولا أصل له .
فإن قيل : ما تقولُ في الأحاديث التي وردت في تأخير المغرب إلى
(١) البخاري: كتاب مواقيت الصلاة، باب: وقت المغرب (٥٥٩)، مسلم:
كتاب المساجد ومواضع الصلاة ، باب : بيان أن أول وقت المغرب عند غروب
الشمس ٢١٧ - (٦٣٧) ، النسائي : كتاب المواقيت ، باب : تعجيل المغرب
(٢٥٩/١)، ابن ماجه : كتاب الصلاة، باب: وقت صلاة المغرب (٦٨٧).
- ٢٨٢ -

قريب سقوط الشفق ؟ قلت : تلك لبيان جواز التأخير ، وهذه لبيان
الأوقات التي كان - عليه السلام - يُواظب عليها ، لأجل فضيلتها إلا
لعُذْرِ ، فافهم . وأخرج البخاريّ ، ومسلم ، وابن ماجه نحوه من حديث
/ رافع بن خديج ، عن رسول الله - عليه السلام - وأخرج النسائي نحوه [١٤١/١-١]
من رواية رجل من أَسْلم من أصحاب النبي - عليه السلام - ، عن النبي
- عليه السلام - .
٤٠١ - ص - نا عَمْرو بن عليّ، عن صفوان بن عيسى، عن يزيد بن
أبي عُبيد، عن سَلَمةَ بنِ الأْوع قال : كان النبيَّ - عليه السلام - يُصلِّي
المغربَ ساعةَ تَغْرِبُ الشمسُ إذا غَابَ حاجِبُها (١) .
ش - عَمْرو بن علي : الصَّيْرفي الباهلي البصري ، وصفوان بن عيسى:
القرشي البصري .
ويزيد بن أبي عُبيد : الأَسْلمي مولى سلمة بن الأكوع . روى عن :
سلمة بن الأكوع ، وعمير مولى آبي اللحم . روى عنه : يحيى القطان ،
وحفص بن غياث ، وصفوان بن عيسى ، وجماعة آخرون . مات سنة
سبع وأربعين ومائة . روى له الجماعة (٢) .
وسلمة بن عمرو بن الأكوع - واسم الأكوع : سنان بن عبد الله بن
قُشَيْرِ الأَسْلمي ، أبو مُسلم أو أبو عامر ، شهد بيعة الرضوان تحت
الشجرة، وبايع رسول الله يومئذ ثلاث مرار ؛ في أول الناس وأوسطهم
وآخرهم . رُوِيَ له عن رسول الله - عليه السلام - سَبْعَةٌ وسَبْعُون حديثا؛
اتفقا على ستة عشر ، وانفرد البخاري بخمسة ومسلم بسَبعة . روى عنه :
(١) البخاري : كتاب مواقيت الصلاة، باب: وقت المغرب (٥٦١)، مسلم :
كتاب المساجد ، باب : بيان أن أول وقت المغرب عند غروب الشمس (٦٣٦)،
الترمذي: كتاب الصلاة ، باب : ما جاء فى وقت المغرب (١٦٤) ، ابن
ماجه: كتاب الصلاة، باب : وقت صلاة المغرب (٦٨٨).
(٢) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٧٠٢٨/٣٢).
- ٢٨٣ -

ابنه : إياس ، ومولاه : يزيد بن أبي عبيد ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن ،
وجماعة آخرون . مات بالمدينة سنة أربع وسبعين ، وهو ابن ثمانين سنةً،
وكان يسكن الرَّبَذَة، وكان شجاعا راميًا محسناً خيِّرا . وقيل : إنه شهد
غزوة مؤتة. روى له الجماعة (١) .
قوله: (( ساعة)) نصب على الظرفية ومضاف إلى الجملة .
قوله: ((إذا غاب حاجبُها)) بدل من قوله: ((ساعة تغرب الشمس))؛
وحاجب الشمس : حرفها الأعلى من قُرصها وحواجبها : نواحيها .
وقيل: سمّ بذلك لأنه أول ما يَبْدو منها كحاجب الإنسان ، وعلى هذا
يختص الحاجب بالحرْف الأعلى البادي أولا ، ولا يسمّى جميع نواحيها
حواجب. وأخرجه : البخاريّ ، ومسلم ، والترمذي، وابن ماجه بنحوه.
٤٠٢ - ص - نا عُبيد الله بن عُمر : نا يَزيد بن زُرَيْع : نا محمد بن
إسحاق: نا يَزيد بنُ أبي حبيب ، عن مَرْثد بن عبد الله قال : قَدمَ (٢) علينا
أبو أيوبَ غَازيًا وعقبةُ بنُ عامر يومئذ على مصْرَ ، فأخَّرَ المغربَ ، فقامَ إليه
أبو أيوبَ فقال له: مَا هذه الصّلاةُ ياً عقْبة؟! فقال له: شُغُلْنَا ، قال : أما
سمعت رسولَ الله - عليه السلام - يَقولُ: ((لا تَزالُ (٣) أُمَّي بخّرِ)) أو قال:
(( على الفطرة، ما لم يُؤَخِّرُوا المغربَ إلى أن تَشتبكَ النُّجومُ)) (٤)؟ ..
ش - عبيد الله بن عُمر : القواريري ، ويزيد بن زُريع : البصري ،
ومحمد بن إسحاق : ابن يَسَار صاحب المغازي . ويزيد بن أبي حبيب -
واسم أبي حبيب : سويد المصْري .
ومَرَثد بن عبد الله - بفتح الميم وسكون الراء وفتح الثاء المثلثة -
أبو الخير اليَزَني المصْري ، ويَزَن بطن من حميْر . روى عن: سعيد بن زيد
(١) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (٨٧/٢)، أسد الغابة
(٤٢٣/٢)، الإصابة (٦٦/٢).
(٢) في سنن أبي داود: ((لما قدم)).
(٤) تفرد به أبو داود .
(٣) في سنن أبي داود: ((لا يزال)).
- ٢٨٤ -

ابن عمرو بن نفيل ، وأبي أيوب الأنصاريّ ، وعمرو بن العاص ، وابنه :
عبد الله بن عمرو ، وزيد بن ثابت ، وأبي نضرة الغفاري ، وغيرهم .
روى عنه : عبد الرحمن بن شمّاسة ، ويزيد بن أبي حبيب ،. وجعفر بن
ربيعة ، وغيرهم . قال أبو سَعيد بن يونس : كان مفتي أهل مصر في
زمانه، وكان عبد العزيز بن مَرْوان يُحْضِرِهِ فَيُجْلسه للفُتيا . توفي سنة
تسعين. روى له الجماعة (١).
وأبو أيوب : خالد بن زيد الأَنْصاريّ، مُضيِّف رسول الله . وَعُقْبة بن
عامرِ الجُهني .
قوله: (( يومئذ)) أي : يوم قدم أبو أيوب مصر ، وكان عقبة والياً على
مصر من قِبل معاوية ، سنة أَرْبع وأربعين .
قوله: (( أو قال: على الفطرة)) شكّ من الراوي؛ وكذا في رواية ابن
ماجه ؛ رواها عن عباد بن العوام ، عن عمر بن إبراهيم ، عن قتادة ،
عن الحسن ، عن الأحنف بن قَيْس ، عن العباس بن عبد المطلب قال :
قال رسولُ الله - عليه السلام - : (( لا تزال أمّتي على الفِطْرة مالم
يؤخروا الَغْرب حتى تشتبك (٢) النجوم (٣) )). والمرادُ من الفِطْرة :
السُّنَّة؛ كما في قوله - عليه السلام -: (( عشر من الفطرة)) .
قوله: ((إلى أن تَشتبك النجُوم)) أَنْ: مَصْدرية، والتقدير: إلى اشتباك
النجوم. قال ابن الأثير (٤): (( اشتبكت النجوم أي : ظهرت جميعها
واختلط بعضها ببعض لكثرة ما ظهر منها )) . وجه التمسك بالحديث : أن
التأخير لما كان سببًا لزوال الخير كان التعجيل سببًا لاستجلابِه . وقال
الشيخ زكي الدين : في إسناده : محمد بن إسحاق بن يسار ، وقد تقدم
الكلام عليه .
(١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٢٧ / ٥٨٥٠).
(٢) في الأصل: ((يشتبك)).
(٣) ابن ماجه : كتاب الصلاة ، باب : وقت صلاة المغرب (٦٨٩).
(٤) النهاية (٢ / ٤٤١).
- ٢٨٥ -

قلتُ : كأنه أشار بهذا إلى ضعف الحديث ؛ ولكن ليْسَ الأمر كما
[١٤١/١ -ب] زعمه؛ أما أولا: فلأن / محمد بن إسحاق مُوثّق عند الجمهور ، وأما
ثانيا: فإن الحاكم رواه في (( مُستدركه (١) )) وقال: صحيح على شرط
مُسلمٍ .
٦ - بَابُ: وَقْت عشاء الآخرة
أي: هذا باب في بيان وقت عشاء الآخرة ، وفي بَعْض النسخ: (( باب
ما جاء في وقت عشاء الآخرة)) بالإضافة، وفي بعضها: ((العشاء
الآخرة)) بالصفة ؛ وبالإضافة أصحّ .
٤٠٣ - ص - ثنا مُسدّد : نا أبو عوانة ، عن أبي بشر ، عن بَشير بن ثابت ،
عن حبيب بن سالم، عن النعمان بن بَشير قال: (( أَنا أَعلمُ الناس بوقت هذه
الصلاة : صلاة العشاء الآخرة ، كان رسولُ الله ◌َّهِ يُصَلِيها لسُقُوط القَمر
الثالثة)» (٢) .
ش - أبو عوانة : الوَضَّاحُ، وأَبُو بِشْر هو : جَعْفر بن أبي وَحْشية
الواسِطيُّ .
وبَشِيْر - بفتح الباء - بن ثابت : الأنصاري . روى عن : حبيب
ابن سالم . روى عنه : شعبة وغيره . قال ابن معين : ثقة . روى له :
أبو داود ، والترمذي، والنسائي (٣).
وحبيب بن سالم : الأنصاري مولى النعمان بن بشير . روى عن :
النعمان . روى عنه : محمد بن المنتشر ، وإبراهيم بن مهاجر ، وأبو بشر
(١) (١ / ١٩٠) .
(٢) الترمذي : كتاب الصلاة ، باب : ما جاء في وقت صلاة العشاء الآخرة
(١٦٥)، النسائي : كتاب المواقيت ، باب : ما يستحب من تأخير العشاء
(٢٦٤/١) .
(٣) انظر ترجمته في : تهذيب الكمال (٧١٥/٤).
- ٢٨٦ -

جَعْفر بن أبي وحشيّة ، وغيرهم . قال أبو حاتم : ثقة . وقال البخاريّ :
فيه نظر . روى له : الجماعة إلا البخاريُّ (١) .
والنعمان بن بشير بن سَعْد بن ثعلبة بن جُلاس - بالجيم المضمومة -
أبو عبد الله ، وهو أول مولود ولد في الأنصار بعد قدوم النبي - عليه
السلام- ؛ ولد هو وعبد الله بن الزبير عام اثنتين من الهجرة . رُوِيَ له
عن رسول الله مائة حديث وأربعة عشر حديثا . روى عنه ابنه : محمد بن
النعمان ، والشعبي ، وحبيب بن سالم مولاه ، وعروة بن الزبير ،
وغيرهم ، قتل غيلةً ما بَين حمص وسلميّة في أول سنة أربع وستين . وقال
في ((الكمال)): قتل بقرية من قرى حمص يقال لها : حرب بنفسا (٢).
روى له الجماعة (٣) .
قوله: ((صلاة العشاء الآخرة)) بدل من قوله: ((الصلاة)) في قوله :
(بوقت هذه الصلاة)).
قوله: ((لسُقُوط القمر الثالثة)) اللام في الموضعين للتوقيت أي : لوقت
سقوط القمرِ لِلَيْلة ثالثة من الشّهر ؛ كما في قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاَةَ
لدُلُوكِ الشَّمْسَ﴾ (٤) أي: لوقت دلوكها، وسقوط القمر: وقوعُه
لَلغروبَ: ويَغْرِبُ القمر في الليلة الثالثة من الشهر على مُضيّ ثِنْتين
وعشرين درجةً من غروب الشمس . وقال أبو بكر : حدثنا هشيم ، عن
أبي بشْر ، عن حَبيب بن سالم ، عن النعمان بن بشير قال : أنا من أعلم
الناس ، أو كأعلم الناس بوقت صلاة رسول الله العشاء ، كان يُصليها بعد
سقوط القمر ليلة الثانية من أول الشهرِ . انتهى .
ويَغْرِبُ القمرُ في الليلة الثانية من الشهرِ على مُضِي ست (٥) عشرة
درجةً من غروب الشمس .... (٦). والحديث: أخرجه الترمذي، والنسائيّ.
(١) المصدر السابق (١٠٨٥/٥).
(٢) كذا، وفي ((معجم البلدان)) (٢٣٦/٢): ((حَرْ بَنَفْسَا)).
(٣) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (٣/ ٥٥٠)، أسد الغابة
(٣٢٧/٥)، الإصابة (٥٥٩/٣).
(٤) سورة الإسراء : (٧٨) .
(٥) في الأصل: ((ستة))، وهو خطأ.
(٦) بياض فى الأصل قدر سطرين .
- ٢٨٧ -

٤٠٤ - ص - نا عثمان بن أبي شيبة : نا جرير ، عن منصور ، عن (١)
الحكم، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر قال: مَكَثْنَا ذاتَ ليلة نَنْظرُ رسولَ الله
وَّ لصلاة العشاء، فخرجَ إلينا حينَ ذَهبَ ثُلُثُ الليلِ، أو بعَدَه، فلا نَدْري:
أشيءٌ شَغَّلَهُ أَم غيرُ ذلك؟ فقال حينَ خرِجَ : (( أتنتظرونَ هذه الصلاةَ ؟ لولا
أن يَثْقُلَ (٢) على أمَّتِي لصلَّيتُ بهم هذه الساعةَ )) ثم أَمرَ المؤذنَ فأقامَ
الصلاة))(٣)
ش - جرير : ابن عبد الحميد ، ومنصور : ابن المعتمر ، والحكم : ابن
عُتَيْبة .
ـيبـ
قوله: (( ذات ليلة)) قد مرالكلام فيه غير مرة .
قوله: (( لصلاة العشاء)) أي : لأجل صلاة العشاء .
قوله: ((أو بعده)) أي : أو بعد الثلث .
قوله: (( أشيءٌ شغله)) أي : منعه عن الخروج في أول وقتها .
قوله : ((هذه الساعةَ)) إشارة إلى الساعة التي تلي الثلث الأول من
الليل، وبهذا استدل أصحابنا في فضل التأخير ؛ وهو حجّة على مَنْ فضّل
التقديم ، وذلك لأنه نبّه على تفضيل التأخير بقوله: ((لولا أن يَثْقل)»
وصرّح بأن ترك التأخير إنما هو للمشقة ، وأنه - عليه السلام - خشي أن
يُواظب عليه فيفرض عليهم ، أو يتوهموا إيجابه ، فلهذا تركه كما ترك
[١٤٢/١- أ] صلاة التراويح / وعلل تركها بخشية افتراضها والعجز عنها . وقال
الخطابيّ وغيره : إنما اسْتحب تأخيرها لتطول مدة انتظار الصلاة ، ومنتظر
الصلاة في صلاة . والحديث : أخرجه مسلم ، والنسائي .
٤٠٥ - ص - نا عمرو بن عثمان الحِمْصِي ، [ عن أبيه ] ، نا حَریز ، عن
راشد بن سَعْد ، عن عاصم بن حُمَيْد السَّكُوني ، أنه سمع معاذ بن جبل
(١) فى الأصل (( بن)) خطأ.
(٢) فى سنن أبي داود: ((تثقل)).
(٣) مسلم : كتاب المساجد ومواضع الصلاة ، باب : وقت العشاء وتأخيره ٢٢٠
(٦٣٩)، النسائي: كتاب المواقيت، باب: آخر وقت العشاء (٢٦٧/١).
- ٢٨٨ -

يَقول: بَقَينَ (١) النبيَّ - عليه السلام - في صَلَاة العَتْمةِ، فتأخرَ (٢) حتى ظَنَّ
و
الظانُّ أنه ليسَ بخارج والقائلُ منا يقولُ: صَلَّى ، فإنا لكذلك حتى خَرَج النبيّ
- عليه السلام - فقالُوا له كما قالوا، فقال (٣): ((أَعتمُوا بهذه الصلاة؛
فإنكم قد فُضِّلْتُم بها على سائر الأُمَم ، ولم يُصَلِّهَا (٤) أمةٌ قبلَكم)) (٥).
ش - عَمرو بن عثمان القرشي الحمصي ، وحَريز : ابن عثمان الحمصي
الشامي أبو عون ، وراشد بن سَعْد : المقرائي .
وعاصم بن حُمَيْد السكوني - بفتح السين - الحمصي ، شهد خطبة
عمر بالجابية . وروى عن : عُمر . وسمع : معاذ بن جبل ، وعوف بن
مالك الأشجعي ، وأزهر بن سَعْد وغيرهم . روى عنه : راشد بن سَعْد،
وغيره . وقال الدارقطني : ثقة . روى له : أبو داود ، والنسائي ، وابن
ماجه (٦) .
قوله: ((بَقَيْنا النبيّ - عليه السلام - )) - بفتح القاف - أي : انتظرناه ؛
يقال : بقَيْت الرجل أَبْقيه إذا انتظرتَه ؛ قال كثير .
أُواقِي سُدَى يَغْتَالُهنّ الحوائلُ
فما زلتُ أَبْقِي الظُّعْنَ حتى كأنّها
قوله: (( في صلاة العتمة)) أي : صلاة العشاء الآخرة ؛ وإنما قال
(العتمة)) لأن العرب يُطلقون العشاء على المغرب، ولو قال في صلاة
العشاء رُبما توهم أن المراد المغرب .
قوله: ((فإنا لكذلك)) اللام المفتوحة فيه للتأكيد أي : فإنا على هذه
الحالة حتى خرج علينا النبي - عليه السلام - .
قوله: ((أعتموا بهذه الصلاة)) أي : أخروا هذه الصلاة - أي : العشاء
الآخرة .
(١) في سنن أبي داود: ((أبقينا))، وفي التحفة (١١٣١٩/٨) ((ارتقبنا)).
(٢) في سنن أبي داود: ((فأخر)).
(٣) في سنن أبي داود: ((فقال لهم)).
(٤) في سنن أبي داود: ((ولم تصلها)) . (٥) تفرد به أبو داود .
(٦) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٣٠٠٤/١٣).
١٩ • شرح سنن أبي داوود ٢
- ٢٨٩ -

قوله: ((فإنكم)) ((الفاء)) فيه للتعليل.
قوله: (( بها)) أي : بصلاة العتمة .
فإن قيل : كيف يكون تفضيلهم بهذه الصلاة على سائر الأمم علةً
للإِعْتَام ؟ قلتُ: لأن سائر الأمم لم يُعْتموا؛ لأن قوله: ((ولم يُصَلِّها أمة
قبلكم )) يحتملُ مَعْنيين ؛ الأول : أنهم لم يُصلّوا العتمة أصلا ؛ وهو
الظاهر ، والثاني : أنهم لم يُعْتموا بها وإن كانوا صلّوها ، فيكون تفضيل
هذه الأمة على غيرهم ، إما بمعنى أن غيرهم لم يُصلوها أصلا ، أو بمعنى
أنهم أعتموا وغيرهم لم يُعْتِموا ؛ والقَرينة تُرجح المعنى الثاني ،. وأَن
تَفْضِيلهم على غيرهم بالإعْتام ، وأن الإعْتَامَ أفضلُ من التقديم .
فإن قيل : قد نهى عن إطلاق اسم العتمة على العشاء ، كما في
(صحيح مسلم)): ((لا يغلبنكم الأعراب على صلاتكم العشاء؛ فإنها في
كتاب الله : العشاء ؛ وإنها تعتم بحلاب الإبل )) معناه : أن الأعراب
يسمونها العتمة ؛ لكونهم يعتمون بحلاب الإبل . أي : يؤخرونه إلى شدّة
الظلام ؛ وإنما اسمُها في كتاب الله: العشاء ، في قوله تعالى: ﴿ وَمِن
بَعْد صَلاة العشاء﴾ (١) . فينبغي لكم أن تسموها العشاء . قلت : قَد
جاءَ في الأحاديث الصحيحة تمسيتها بالعتمة ؛ كحديث: (( لو يَعْلمون ما
في الصبح والعتمة لأتوها ولو حَبْوا )) وغير ذلك .
وأما النهي : فهو للتنزيه ؛ لا للتحريم ، ويمكن أن يكون استعمالها
- أيضا - لمن لا يَعْرف العشاء ، فيُخاطب بما يعرفه ، أو لأنها أشهر عند
العرب من العشاء .
٤٠٦ - ص - نا مسدّد: نا بشرُ بن المُفضّلِ : ثنا داود بن أبي هند ، عن
أبي نَضْرة، عن أبي سَعيد الخدَريّ قال: صَلَّيْنَا مع رسول الله صَلَاةَ العَتْمَة
فلم يخرجْ حتى مَضى نحْوٌ من شَطْرِ الليلِ فقال: (( خُلُوا مَقَاعَدَكُم)) فأخذناً
مَقَاعدَنَا، فقال: ((إن الناس قد صلَّوا وأَخَذُوا مضاجعَهُم، وإنكم لن تَزَالُوا
(١) سورة النور: (٥٨).
- ٢٩٠ -

في صَلاة ما انتظرتُمُ الصلاةَ ، ولولا ضُعْفُ الضَّعيف ، وسقَمُ السّقيم
لأخرتُ هذه الصلاةَ إلى شَطْرِ الليْلِ)) (١) .
١
ش - أبو نَضْرة : منذرُ بن مالك العَوَقي - بفتح العين وفتح الواو
وبالقاف - العبدي البصري .
قوله: (( فلم يخرج )) أي : لم يخرج لصلاة العتمة حتى مَضى نحو من
شطر الليل ؛ يَدُل عليه ما روى ابن ماجه هذا الحديث من رواية داود بن
أبي هند ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد ، أن النبي - عليه السلام -
صلى المغربَ ثم لم يخرج حتى ذهبَ شَطرُ الليل ، ثم خرج فصلى
بهم/ وقال: (( لولا الضَّعِيفُ والسَّقيمُ لأحبَبْتُ أَن أُؤخر هذه الصلاة إلى [١٤٢/١ -ب]
شَطر الليل )) .
قوله: ((حتى مضى نحوٌ)) أي: مثل ((من شطر الليل)) أي : نصفه
وارتفاعه على أنه فاعل مضى .
قوله: ((مقاعدكم)) المقاعد : مواضع قعود الناس في دورهم وغيرها .
والمضاجع : جمع مضجع ، وهو موضع النوم .
قوله: ((إن الناس قد صلَّوا)) المراد منهم : المسلمون الذين لم يحضروا
صلاة العتمة في هذه الليلة مع النبي - عليه السلام - ، فلهذا خاطب
الحاضرين بقوله : ((إنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة)) أي :
مادُمتم منتظرين الصلاة .
قوله: (( ولولا ضُعف الضعيف وسقم السقيم)) أي : لولا الضعف
والسقم مَوْجودان بَيْن الناس لأخرتُ هذه الصلاة - أي : صلاة العتمة -
إلى نصف الليل كل وَقْت ؛ ولكن تركه لوجود الضعف والسقم ؛ لأن
((لولا)) لانتفاء الثاني لوجود الأوّل ؛ نحو: لولا زيد لهلك عَمرو ؛ فإن
هلاك عَمْرُو مُنْتْفٍ لوجود زَيْدٍ، وأما ((لو)) فإنه لانتفاء الثاني لانتفاء
الأول؛ نحو : لو جئتني لأكرمتك ؛ فإن الإكرام منتفٍ لانتفاء المجيء .
(١) النسائي: كتاب المواقيت، باب: آخر وقت العشاء (٢٦٨/١)، ابن ماجه :
كتاب الصلاة ، باب : وقت صلاة العشاء (٦٩٣) .
- ٢٩١ -

فإن قيل : ما الفرق بَيْن الضُّعف والسُّقْم ، فهل هما واحد ؟ فما كانت
الحاجة إلى ذكرهما معًا؟ قَلت : الضُّعْف والضَّعْف - بالضم والفتح -
خلاف القوة ، وقد ضَعُفُ - بالضمّ - فهو ضَعِيف ، والسُّقْم - بالضم -
والسَّقَم - بفتحتين : المرضُ ، وكذلك السِّقَامُ ، وقد سَقِمَ - بالكسْر -
فهو سقيمٌ ، فالضعيف أعم من السقيم ؛ يتناول مَن به سَقَمٌ وَيَتناولُ مَنْ
ذهبت قوته كالشيخ الهرم ، ويتناول كل عاجز عن الحضور سواء كان به
سقم أولا ؛ وإنما ذكر رسول الله كليهما ليتناول أنواع الجنْسَيْن ، ويَعمّ
أَصْنافهما ، فافهم .
وهذا الحديث - أيضا - حجة لأصحابنا على استحباب تأخير العشاء
إلى ما قبل نصف الليل ، والحديث الذي تقدم يدل على استحباب التأخير
إلى الثلث ؛ وكلاهما سواء ؛ لأن قبل النصف في حكم الثلث .
فإن قلت : ينبغي أن تكون سنّة التأخير كسُنيّة السواك ؛ حيث قال
-عليه السلام -: (( لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل
صلاة، ولأخرتُ العشاء إلى ثلث الليل )) رواه الترمذي ، والنسائي ؛
وذلك لأن الأمر بالسواك وتأخير العشاء كلاهما مُنْتفيان لوجود المشقّة ،
ومع هذا السواك : سُنَّة وتأخير العشاء : مُستحبّ . قلت : لم تثبت
سنية السواك بعد هذا إلا بمواظبته - عليه السلام - ولولاها لقلنا باستحبابه
- أيضا - ولم توجد المواظبة في تأخير العشاء ، فلم تثبت السُّنّة ، فبقي
مُستحبا. وجوابٌ آخرُ: أنه قال في السواك: (( لأمرتهم)) وهو للوجوب؛
ولكن امتنع الوجوب لعارض المشقة ، فيكون سُنَّة ، وأما في التأخير فقد
قال: ((لأخرتُ)) وفعله مُطلقا يدل على الاستحباب لا على الوجوب.
٧ - بَابٌ: في وَقْت الصبحِ
أي : هذا باب في بيان وقت الصبح .
٤٠٧ - ص - ثنا القعنبي ، عن مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن عَمْرةَ
- ٢٩٢ -

بنْت عبد الرحمن ، عن عائشة - رضي الله عنها - ، أنها قالت : إنْ كان
رسولُ اللهِلَّهِ لَيُصَلِّيِ الصَّبْحَ فيَنْصرفُ النِّساءُ مُتلفِّعاتٌ بُرُوطهنَّ مَا يُعرِفْنَ
من الغَكَسِ (١) .
ش - ((إنْ)) مخففة عن مثقلة، أصلُه : إنّه كان رسول الله . أي : إن
الشأن : كان رسول الله ؛ وذلك لأجل التأكيد ، وكذا اللام في قوله :
((ليصلي الصبح )) للتأكيد .
قوله: ((متلفعات)) - بالعين المهملة بعد الفاء - أي : متجللات ،
واللفاع : ثوب يجلل به الجسد كله ، كساءً كان أو غيره ، وتلفع بالثوب
إذا اشتمل به يعني : تجلل جميع جسده. وروى (( مُتُلفّفات)) - بفائين -
والتلفّفُ قد يجيء بمعنى التلفع . والمروط : جمع مِرط - بكسر الميم - ،
وهو كساء من صوف أو خزّ أو كتّانِ ، وقد مرّ مرةً .
قوله : (( ما يُعْرفن من الغلس)) يَعْني: ما يُعرفن أَنِسَاءٌ هُن أم رجالٌ ؟
قاله الداودي . وقيل : ما يُعْرف أعيانهن . وقال الشيخ محيي الدين (٢):
(( وهذا ضعيف ؛ لأن المتلفعة في النهار - أيضا - لا تعرف عينها ؛ فلا
يبقى في الكلام فائدة )).
قلت : هذا ليس بضعيف ؛ لأنه ليس المراد من قوله: (( ما يُعْرف
/ أعيانهن)) ما يُشَخّصنَ حقيقة التشخيص؛ بَلْ معناه: ما يُعْرفن أرجال أو [١٤٣/١-أ]
صبْيان أو نساء أو بناتٌ ؟ فهو - أيضا - قريب من قول الداودي ، فافهم.
و ((الغلس)) - بفتحتَيْن - بقاء ظلام الليل واختلاطه بضياء الصباح ،
(١) البخاري: كتاب مواقيت الصلاة ، باب: وقت الفجر (٥٧٨)، مسلم : كتاب
المساجد ومواضع الصلاة ، باب: وقت العشاء وتأخيرها (٦٤٥) ، الترمذي :
كتاب الصلاة ، باب : في التغليس في الفجر (١٥٣) ، النسائي : كتاب
المواقيت ، باب : التغليس في الحضر (٢٧١/١) ، ابن ماجه : كتاب الصلاة،
باب : وقت صلاة الفجر (٦٦٩).
(٢) شرح صحيح مسلم (١٤٤/٥ - ١٤٥).
- ٢٩٣ -

و((الغَبَس)) قريب منه ؛ إلا أنه دونه . وفيه حجة لمن رأى التغليسَ بالفجر؛
وهو قول مالك ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق بن راهويه . والحديث:
أخرجه البخاري ، ومسلم ، والترمذي ، والنسائي ، وأخرجه ابن ماجه ،
وغيره من حديث عروة ، عن عائشة - رضى الله عنها - .
٤٠٨ - ص - ثنا إسحاق بن إسماعيل : ثنا سفيان ، عن ابن عجلان ، عن
عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان ، عن محمود بن لبيدٍ، عن رافع بن
خديج قال: قال رسول الله - عليه السلام -: ((أصْبحُوا بالصَّبْحِ ؛ فإنه أعظَمُ
لأُجُورِكُمْ )) أَوْ (( أعْظُمُ الأَجْرِ)) (١) .
ش - إسحاق بن إسماعيل : الطالقاني ، وسفيان : الثوري ، ومحمد
ابن عجلان .
وعاصم بن عُمر بن قتادة بن النعمان : ابن زيد بن عامر بن سواد بن
كعب ، وهو ظَفَر بن الخزرج بن عمرو ، وهو النَّبِيت (٢) بن مالك بن
أوْسٍ الظَّفَرِي الأَوْسي الأنصاري أبو عُمر ، ويقال : أبو عمرو المدني .
سمع : جابر بن عبد الله ، وأنس بن مالك ، ومحمود بن لبيد . وسمع:
أباه ، وغيرهم . روى عنه : ابنه : الفضل بن عاصم ، ومحمد بن
عجلان ، ومحمد بن إسحاق ، وغيرهم . قال ابن معين ، وأبو زرعة :
ثقة . توفي بالمدينة سنة تسع وعشرين ومائة . روى له الجماعة (٣) .
ومحمود بن لبيد : ابن عقبة بن رافع بن امرئ القيس بن زيد بن
عبد الأشهل الأشهلي الأنصاري، يكنى أبا نعيم، ولد في حياة رسول الله،
(١) الترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما جاءفي الإسفار بالفجر (١٥٤)،
النسائي: كتاب المواقيت، باب: الإسفار (٢٧٥/١)، ابن ماجه : كتاب
الصلاة ، باب : وقت صلاة الفجر (٦٧٢) .
(٢) في الأصل: ((عمرو بن النبيت)) وما أثبتناه من ((تهذيب الكمال)) وعلق
محققه في الحاشية بقوله: (( جاء في حواشي النسخ من تعقبات المصنف على
صاحب ((الكمال)) قوله: ((كان فيه : ابن عمرو بن النبيت )) وهو خطأ)).
(٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٣٠٢٠/١٣).
- ٢٩٤ -

ولم تصح له رواية ولا سماع من النبي - عليه السلام - ، وقد روى عن
النبي أحاديث . وتوفي بالمدينة سنة ست وتسعين . قال ابن سَعْد : وكان
ثقة قليل الحديث . وقال الواقدي : مات محمود بن لبيد ، وهو ابن تسع
وتسعين . روى له : أبو داود ، والنسائي (١) .
ورافع بن خديج : ابن رافع بن عديّ بن يزيد بن جُشم بن حارثة بن
الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن أَوْس الأنصاري الحارثي ،
أبو عبد الله . ويقال : أبو رافع ، شهد أحدا والخندق . رُوِيَ له عن
رسول الله ثمانية وسبعون حديثًا ؛ اتفقا على خمسة أحاديث ، وانفرد
مسلم بثلاثة . روى عنه : عبد الله بن عُمر بن الخطاب ، والسائب بن
يزيد، وحنظلة بن قيس ، وغيرهم . مات بالمدينة سنة أربع وسبعين وهو
ابن ستّ وثمانين سنة . روى له الجماعة (٢) .
قوله : ((أَصْبحوا بالصَّبْح)) أي: نوِّروا به . وبه استدلّ أصحابنا على أن
الإسفار بالفجر أفضل ، وبه قال سفيان الثوري وغيرُهُ .
واعلم أن الإسفار (((٣) رُوي من حديث رافع بن خديج ، ومن حديث
محمود بن لبيد ، ومن حديث بلال ، ومن حديث أنس ، ومن حديث
قتادة بن النعمان ، ومن حديث ابن مسعود ، ومن حديث أبي هريرة ،
ومن حديث حواء الأنصارية .
أما حديث رافع بن خديج : فرواه أصحاب السنن الأربعة من حديث
عاصم بن عمر ، عن محمود بن لبيد ، عن رافع بن خديج قال : قال
رسول الله: ((أسفروا بالفجر ؛ فإنه أعظم للأجر)) ؛ الترمذي ، عن
محمد بن إسحاق ، عن عاصم بن عُمر ، والباقون : عن محمد بن
(١) المصدر السابق (٢٧ / ٥٨٢٠).
(٢) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (٤٩٥/١)، أسد الغابة
(٢/ ١٩٠)، الإصابة (٤٩٥/١).
(٣) انظر: نصب الراية (٢٣٥/١: ٢٣٧).
- ٢٩٥ -

عجلان ، عن عاصم به ؛ قال الترمذي : حديث حسن صحيح ؛ ولفظ
أبي داود: ((أصبحوا بالصَّبح)) وفي رواية: ((أصبحوا بالفجر))، قال
ابن القطان في (( كتابه)): طريقه طريق صحيح . وعاصم بن عمر : وثقه
النسائي ، وابن معين ، وأبو زرعة وغيرهم ، ولا أعرف أحدا ذكره في
الضعفاء ولا ضعّفه. ورواه ابن حبان في ((صحيحه )) في النوع الخامس
والأربعين من القسم الأول؛ وفي لفظ له: ((أسفروا بصلاة الصبح ؛ فإنه
أعظم للأجْر)) وفي لفظ له: « فكلما أصبحتم بالصَّبْح ؛ فإنه أعظم
لأجوركم))، وفي لفظ للطبراني: (( فكلما أسفرتم بالفجر ؛ فإنه أعظم
للأجر )) .
وأما حديث محمود بن لبيد: فرواه أحمد في «مسنده» : حدثنا
إسحاق بن عيسى : ثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، عن
محمود بن لبيد ، عن النبي - عليه السلام - بنحوه ؛ لم يذكر فيه رافع
ابن خديج ، ومحمود بن لبيد صحابي مشهور - كما ذكرنا - فيحتمل أنه
سمعه من رافع أولا فرواه عنه ، ثم سمعه من النبي - عليه السلام - فرواه
عنه ؛ إلا أن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم فيه ضعف .
[١٤٣/١ -ب] وأما حديث بلال: فرواه البزار في ((مسنده)) /: حدثنا محمد بن
عبد الرحيم : ثنا شبابة بن سوار : ثنا أيوب بن سيّار ، عن ابن المنكدر
عن جابر ، عن أبي بكر ، عن بلال ، عن النبي - عليه السلام - بنحوه.
قال البزار : وأيّوب بن سيّار ليْس بالقويّ ، وفيه ضَعْف .
وأما حديث أنس : فرواه البزار- أيضا - : حدثنا محمد بن يحيى بن
عبد الكريم الأزدي : ثنا خالد بن مخلد : ثنا يزيد بن عبد الملك ، عن
زيد بن أسلم، عن أنس بن مالك مرفوعا نحوه ؛ ولفظه: (( أسفروا
بصلاة الفجر ؛ فإنه أعظم للأجر )) .
وأما حديث قتادة بن النعمان: فرواه الطبراني في ((معجمه )) والبزار في
((مسنده)) من حديث فليح بن سليمان : ثنا عاصم بن عمر بن قتادة بن
النعمان ، عن أبيه ، عن جده مرفوعا نحوه .
- ٢٩٦ -

وأما حديث ابن مسعود: فرواه الطبراني في ((معجمه)): حدثنا أحمد
ابن أبي يحيى الحضرمي : ثنا أحمد بن سهل بن عبد الرحمن الواسطي :
ثنا المعلى بن عبد الرحمن : ثنا سفيان الثوري وشعبة ، عن زبيد ، عن
مرة ، عن عبد الله بن مسعود مرفوعا نحوه .
وأما حديث أبي هريرة : فرواه ابن حبان في كتاب (( الضعفاء )) من
حديث سعيد بن أوس أبي زيد الأنصاري ، عن ابن عون ، عن ابن
سيرين ، عن أبي هريرة مرفوعا نحوه .
وأما حديث حواء: فرواه الطبراني في ((معجمه)) : حدثنا أحمد بن
محمد الجُمحي : ثنا إسحاق بن إبراهيم الحُنَيْني : ثنا هشام بن سَعْد ،
عن زيد بن أسلم ، عن ابن بُجَيْد الحارثي ، عن جدته الأنصاريّة - وكانت
من المبايعات - قالت : سمعتُ رسول الله يقولُ: ((أسفروا بالفجر ؛ فإنه
أعظم للأَجْر)). قال في ((الإمام)): وإسحاق الحُنيني - بضم الحاء
بعدها نون ثم ياء آخر الحروف ، ثم نون - . قال البخاريّ : في حديثه
نظر . وذكر له ابن عديّ أحاديث ، ثم قال : وهو مع ضَعْفه يكتب
حديثه. وابن بُجَيْد - بضم الباء الموحدة وفتح الجيم بعدها [ ياء ] آخر
الحروف ساكنة - ذكره ابن حبان في ((الثقات)) . وجدّته : حواء بنت زيد
ابن السكن ، أخت أسماء بنت زيد بن السكن .
وفيه آثار - أيضا - أخرج الطحاوي (١) ، عن داود بن يزيد الأودي ،
عن أبيه قال : كان علي بن أبي طالب يصلي بنا الفجر ونحن نتراءى
الشمس ، مخافة أن تكون قد طلعت . انتهى . وعن أبي إسحاق ، عن
عبد الرحمن بن يزيد قال : كنا نصلي مع ابن مَسْعود فكان يُسْفِر بصلاة
الصُّبْح. رواه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) (٢) . وروى - أيضا - عن
أبى أسامة ، عن أبي روق ، عن زياد بن المقطع . قال : رأيت الحسين بن
(١) شرح الآثار (١٠٦/١).
(٢) (٣٢١/١) وإلى هنا انتهى النقل من نصب الراية.
- ٢٩٧ -

علي أسفر بالفجر جدا . وروى عن ابن فضيل، عن رضي بن أبي عقيل،
عن أبيه قال : كان ربيع بن حنين يقول له - وكان مؤدبه - : يا أبا عقيل !
نَوِّرْ نَوِّرْ. وروى عن وكيع، عن عثمان بن أبي هند أن عمر بن عبد العزيز
كان يُسْفر بالفجر . وعن وكيع - أيضا - ، عن سفيان ، عن الأعمش
قال : كان أصحاب عبد الله يسفرون بالفجر . وعن وكيع - أيضا - ،
عن سفيان ، عن عُبيد المكتب ، عن إبراهيم أنه كان يُنور بالفجر . وعنه
- أيضا - ، عن سفيان ، عن حماد ، عن إبراهيم قال : ما اجتمع
أصحاب محمد - عليه السلام - على شيء ما أَجْمعوا على التَّنْوير
بالفجر. وفي الباب أحاديث وآثار كثيرة غير ما ذكرنا .
فإن قيل : قد تأول الإسفار في هذه الأحاديث بظهور الفجر ، وقد قال
الترمذي : وقال الشافعي ، وأحمد ، وإسحاق : معنى الإسْفار أن يُصبح
الفجر ولا يُشك فيه ، ولم يَرَوْا أن معنى الإسفار تأخير الصلاة . قلت :
هذا التأويل غير صحيح ؛ فإن الغلس الذي يقولون به هو اختلاط ظلام
الليل بنور النهار - كما ذكره أهل اللغة - وقبل ظهور الفجر لا تصح .
صلاة الفجر ، فثبت أن المراد بالإسفار إنما هو التنوير ؛ وهو التأخير عن
الغلس وزوال الظلمة، وأيضا - فقوله: ((أعظم للأجْر)) يقتضي حصول
الأجْر في الصلاة بالغلس ، فلو كان الإسْفار هو وضوح الفجْر وظهوره ،
لم يكن في وقت الغلس أجرٌ لخروجه عن الوقت ، وأيضا - يُبطل تأويلهم
ذلك (((١) ما رواه ابن أبي شيبة ، وإسحاق بن راهويه ، وأبو داود
الطيالسي في ((مسانيدهم)) والطبراني في «معجمه))، قال الطيالسي:
[١٤٤/١-١] حدثنا إسماعيل بن إبراهيم المدني، وقال / الباقون: حدثنا أبو نعيم
الفضل بن دكين: ثنا إسماعيل بن إبراهيم المدني: ثنا هرير بن عبد الرحمن
ابن رافع بن خديج : سمِعتُ جدّي : رافع بن خديج يقول : قال (٢)
رسول الله وَالر لبلال: ((يا بلال! نوِّرْ صلاة الصبح حتى يُبْصر
(١) انظر: نصب الراية (٢٣٨/١ - ٢٣٩).
(٢) مكررة في الأصل .
- ٢٩٨ -

القوم مَواقع نّبْلهم من الإِسْفار)). ورواه ابن أبي حاتم في ((علله)) (١)
فقال : حدثنا هارون بن مَعْروف وغيره ، عن أبي إسماعيل المؤدب إبراهيم
ابن سليمان ، عن هُرير ، به . قال : ورواه أبو نعيم ، عن إسماعيل بن
إبراهيم بن مجمع ، عن (٢) هُرير ، به . ورواه ابن عدي - أيضا - في
((الكامل)) عن أبي إسماعيل المؤدب وأَسْند عن ابن معين أنه قال:
أبو إسماعيل المؤدب ضعيف . قال ابن عدي : ولم أجد في تضعيفه غير
هذا ، وله أحاديث غرائب حسان تدلُّ (٣) على أنه من أهل الصدْق وهو
ممن يُکتب حديثه .
وحديث آخر يُبطل تأويلَهم . رواه الإمام أبو محمد القاسم بن ثابت
السرقسطي في كتاب ((غريب الحديث)): حدثنا موسى بن هارون : ثنا
محمد بن عبد الأعلى : ثنا المعتمر : سمعت بيانا أبا سعيد قال : سمعت
أنسًا يقول : كان رسولُ الله يُصلي الصبح حين يفسح البَصرُ . انتهى .
قال: يُقال: فسح البصر ، وانفسح إذا رأى الشيءَ عن بُعْدٍ ، يَعْني به
إسفار الصبح)) (٤).
فإن قيل : قد قيل : إن الأَمْر بالإِسْفار إنما جاء في الليالي المُقْمرة ؛ لأن
الصبح لا يتبين فيها جدا ، فأمرهم بزيادة التّبيين استظهار باليقين في
الصلاة. قلت : هذا تخصيص بلا مُخصّص ، وهذا باطل ، ويردّه
- أيضا- ما أخرجه ابن أبي شيبة (٥) ، عن إبراهيم النخعي: (( ما اجتمع
أصحاب محمد )) الحديث ؛ وقد ذكرناه . وكذلك أخرجه الطحاويّ في
((شرح الآثار)) (٥) بسند صحيح، ثم قال: ((ولا يصح أن يجتمعوا على
خلاف ما كان رسول الله وَّر عليه))، على أن الطحاويّ قد زعم أن
حديث الإسفار ناسخ لحديث التغليس ، وأن حديث التغليس ليس فيه دليل
على الأفضل بخلاف حديث رافع ، وأنهم كانوا يدخلون مغلِّسين
ويخرجون مُسْفِرِين .
(١) (١٤٣/١) .
(٢) مكررة فى الأصل .
(٣) في الأصل: ((يدل)).
(٤) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية .
(٥) (١٠٩/١)، وانظره: نصب الراية (٢٣٩/١) وكذلك ما بعده.
- ٢٩٩ -

فإن قيل : قال الحازمي في كتابه (( الناسخ والمنسوخ)): حديث التغليس
ثابت وإنه - عليه السلام - داوَم عليه إلى أن فارق الدنيا ، ولم يكن - عليه
السلام - يُداوم إلا على ما هو الأفضل ، ثم روى حديث ابن مسعود أنه
- عليه السلام - صلى الصبح بغلسٍ ، ثم صلى مرةً أخرى فأسفر بها ،
ثم كانت صلاته بعد ذلك بالغلس حتى مات - عليه السلام- لم يَعُد إلى
أن يُسْفِر . رواه أبو داود، وابن حبان في ((صحيحه)) - كلاهما - من
حديث أسامة بن زيد الليثي .
قلتُ : يَردُّ هذا : ما أخرجه البخاريّ ، ومسلم ، عن عبد الرحمن بن
يزيد ، عن ابن مسعود قال : ما رأيتُ رسول الله - عليه السلام - صلى
صلاةٌ لغير وقتها إلا بجَمْعِ ، فإنه يَجمعُ بين المغرب والعشاء بَجمْعٍ ،
وصلّى صلاةَ الصُّبح من الغد قبل وقتها . انتهى ، قالت العلماء : يعني :
وقتها المعتاد في كل يوم ، لا أنه صلّها قبل الفجر ، وإنما غلّس بها جدا،
ويوضحه رواية البخاري: ((والفجر حين نزع)) ؛ وهذا دليل على أنه
- عليه السلام - كان يُسْفر بالفجر دائمًا ، وقلما صلاها بغلسٍ . وبه
استدلّ الشيخ في ((الإمام)) لأصحابنا ؛ على أن أسامة بن زَيْد قَد تُكلم
فيه؛ فقال أحمد : ليس بشيءٍ ، وقال أبو حاتم : يكتب حديثه ولا يحتجّ
به ، وقال النسائي ، والدارقطني : ليس بالقوي . فثبت بهذا أن زعم
الطحاوي صحيح ، وأن رَدَّ الحَازميِّ كلامَ الطحاويِّ مَرْدودٌ والحق أحق أن
يتبع؛ وهذه التأويلاتُ البعيدة والدوران البعيدُ كلها من آثارِ التعصب من
المتأخرين .
٨ - بَابٌ في المحافظة على الوَقْت (١)
أي : هذا باب في بيان المحافظة على الصلوات الخمس في أوقاتها .
٤٠٩ - ص - ثنا عمرو بن عون : ثنا خالد، عن داود بن أبي هند ، عن
أبي حرب بن أبني الأسود ، عن عبد الله بن فضالة ، عن أبيه قال : علَّمِنِي
(١) في سنن أبي داود: (( .. على وقت الصلوات)).
- ٣٠٠ -