النص المفهرس

صفحات 121-140

وصالح بن كيسان أبو محمد الغفاري ، مولاهم المدني ، رأى عبد الله
ابن عمر ، وابن الزبير . وقال ابن معين : سمع منهما . وسمع :
عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، وعروة بن الزبير ، وسالم بن عبد الله بن
عمر ، والزهري ، وغيرهم . روى عنه : عمرو بن دينار ، ومالك بن
أنس ، وابن عجلان ، وابن عيينة ، وجماعة آخرون . قال ابن معين :
هو ثقة . قال الحاكم : مات صالح وهو ابن مائة سنة ونيف وستين سنة ،
وكان قد لقي جماعة من أصحاب رسول الله ، ثم بعد ذلك تَلْمذ على
الزهري ، وتلقن عنه العلم وهو ابن تسعين سنة ، ابتدأ بالتعليم وهو ابن
تسعين . روى له الجماعة (١) .
قوله: ((عَرَّسَ بألات الجيش)) عرس - بتشديد الراء - من التعريس وهو
النزول في آخر الليل نزلة للنوم والاستراحة ، يقال فيه : عرس ، يعرس ،
تعريساً . ويقال فيه : أعرس . والمعرس : موضع التعريس ، وبه سمي
معرس ذي الحليفة عرس به النبي - عليه السلام - وصلى فيه الصبح ، ثم
رحل ، وألات الجيش ، ويقال : ذات الجيش - بفتح الجيم ، وسكون
الياء آخر الحروف ، وبشين معجمة - واد قرب المدينة بين ذي الحليفة
وبرثان ، وهو أحد مراحل النبي - عليه السلام - إلى بدر ، وأحدُ مراحل
منصرفه - عليه السلام - من غزوة بني المصطلق، وقال في ((المطالع)):
ذات الجيش على بريد من المدينة .
قوله : ((عقد لها)) العِقْد - بكسر العين ، وسكون القاف - : القلادة .
قوله: (( من جزع ظفار)) : بإضافة الجزع إلى الظفار إضافة النسبة ،
الجزع - بفتح الجيم ، وسكون الزاي ، وبعدها عين مهملة - خرز يماني
ملون ، وظفار - بفتح الظاء المعجمة والفاء - : مدينة باليمن لحمير ،
وهي مبنية على الكسر كحذاءٍ ، وقِطامِ . وقال بعضهم : سبيلها سبيل
المؤنث لا ينصرف ويرفع وينصب، ورواه بعضهم: ((من جزع أَظْفَار ))،
(١) المصدر السابق (٢٨٣٤/١٣) .
- ١٢١ -

وأراد العطر المعروف ، كأنه يؤخذ ويثقب ويجعل في العقد والقلادة ،
والصحيح في الرواية: (( من جزع ظفار)) بالإضافة.
قوله : (( فحبس الناس ابتغاء)) أي: طلب عقدها، وهو مرفوع بالفاعلية،
و(( الناس)) منصوب مفعوله .
قوله: (( وليس مع الناس ماء )) الواو فيه للحال .
[١١١/١ -ب] / قوله: ((فتغيظ عليها)) أي: على عائشة أبوها أبو بكر.
قوله: (( ولم يقبضوا من التراب شيئاً)) إشارة إلى أن التراب لا يستعمل
مثل الماء ، بل مجرد إلصاقه باليد كاف ؛ لأنه مَسح ، بخلاف الوضوء
لأنه غسل ومسح .
وأخرج البخاري ، ومسلم ، والنسائي حديث عائشة في انقطاع العقد ،
وليس فيه كيفية التيمم .
ص - زاد ابن يحيى في حديثه : قال ابنُ شهاب في حديثه : ولا يعتبر
بهذا الناسُ .
ش - أي : زاد محمد بن يحيى المذكور في حديثه : قال ابن شهاب
الزهري في حديثه .
قوله: ((ولا يعتبر بهذا الناس)) مقول قول ابن شهاب، و((الناس))
مرفوع على أنه فاعل (( لا يعتبر))، وهذا إشارة إلى تيممهم بضربة
واحدة، وقد قيل : هذا إشارة إلى مسحهم أيديهم إلى المناكب .
وقال الخطابي : لم يختلف أحد من أهل العلم في أنه لا يلزم المتيمم أن
يمسح بالتراب ما وراء المرفقين .
قلت : فيه نظر ، فقد ذكر ابن المنذر ، والطحاوي ، وغيرهما ، عن
الزهري أنه كان يرى التيمم إلى الآباط كما ذكرنا .
ص - قال أبو داود : كذلك رواه ابن إسحاق ، قال فيه : عن ابن عباس .
- ١٢٢ -

وذكر ضَربتين كما ذكره يونسُ ، ورواه معمر (١) ضربتين ، قال مالك ، عن
الزهري ، عن عبيد الله ، عن أبيه ، عن عمار ، وكذلك قال أبو أويس ، عن
الزهري ، وشك فيه ابنُ عيينةَ قال مرة : عن عبيد الله ، عن أبيه ، أو (٢)
عبيد الله ، عن ابن عباس ، اضطرب فيه . قال مرة عن أبيه ، وقال مرة عن ابن
عباس . واضطرب فيه ابن عيينة وفي سماعه من الزهري ، ولم يذكر أحد
منهم في هذا الحديث: ((ضربتين)) غير سفيان (٣).
ش - أي : محمد بن إسحاق .
قوله: ((قال فيه )) أي : في الحديث عن ابن عباس وذكر ضربتين ، كما
ذكره يونس بن يزيد ، عن ابن شهاب في الحديث المتقدم ، وحديث ابن
إسحاق عن ابن عباس أخرجه البزار في (( مسنده )) من طريق : ابن
إسحاق، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن ابن
عباس، عن عمار قال : كنت في القوم حين نزلت الرخصة في المسح
بالتراب إذا لم نجد الماء ، فأمرنا فضربنا واحدة للوجه ، ثم ضربة أخرى
لليدين إلى المرفقين .
قوله : (( ورواه معمر ضربتين)) أي : روى هذا الحديث معمر بن راشد
عن الزهري ((ضربتين)).
قوله: ( و کذلك قال أبو أویس )) أي : كذلك روى أبو أويس (( ضربتين))
عن الزهري ، وقال : عبيد الله ، عن أبيه ، عن عمار . واسم أبي أويس
عبد الله ، وهو ابن عم مالك بن أنس .
قوله: ((وشك فيه ابن عيينة)) أي: سفيان بن عيينة. والحاصل أنه قال
مرة : عن عبيد الله ، عن أبيه . ومرة قال : عن أبيه . ومرة قال : عن
ابن عباس . وهذا اضطراب كما ترى ، واضطرب أيضاً في سماعه عن
(١) في سنن أبي داود: ((ورواه معمر عن الزهري)).
(٢) في سنن أبي داود: ((أو عن)).
(٣) في سنن أبي داود: ((إلا من سميت))، وسيذكر المصنف أنها نسخة.
- ١٢٣ -

الزهري ، ولم يذكر أحد منهم في هذا الحديث ضربتين غير سفيان بن
عيينة، وفي بعض النسخ: ((إلا من سميت )) وهم : ابن إسحاق ،
ويونس ، ومعمر ، وأبو أويس . وأصله إلا من سميتهم ، فحذف المفعول
اتساعاً . وقد يقال : إن حديث عمار لا يخ (١) إما أن يكون عن أمر النبي
- عليه السلام - ، أو لا . فإن لم يكن عن أمره فقد صح عن النبي
-عليه السلام - خلاف هذا ، ولا حجة لأحد مع كلام النبي - عليه
السلام- والحق أحق أن يتبع ، وإن كان عن أمر النبي - عليه السلام - فهو
منسوخ وناسخه حديث عمار أيضاً . وقد يقال : إن عماراً قد حكى فيه
فعلهم دون النبي - عليه السلام - كما حكى في الآخر أنه أجنب فعلّمه
- عليه السلام - .
٣٠٥ - ص - حدَّثنا محمد بن سليمان الأنباري قال : نا أبو معاوية
الضرير، عن الأعمش ، عن شقیق قال : كنتُ جالساً بین یدي (٢) عبد الله
وأبي موسى فقال أبو موسى : يا أبا عبد الرحمن ، أرأيتَ لو أن رجلاً أجنبَ
فلم يجدِ الماءَ شهراً ، أما كان يَتَيممُ ؟ فقال: لا ، وإن لم يجد الماءَ شَهراً ،
فقال أبو موسى : فكيف تَصْنَعُونَ بهذه الآيةِ التي في سُورةِ المائدةِ : ﴿فَلَمْ
تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُواْ صَعيداً طَيِّباً﴾ (٣) ؟ فقال عبدُ الله: لو رُخِّصَ لهم في
هذَاَ لأَوشكُوا إذا بَرَدَ عليهم الماءُ أن يتيمَّمُوا بالصعيد ، فقال له أبو موسى :
فإنما كرهتُم هذا لذا (٤) ؟ قال: نعم . فقال له أبو موسى: ألم تسْمَعُوا (٥)
قولَ عمار لعُمرَ : بعثني رسولُ الله في حاجةٍ ، فأجْنبتُ فلم أجد الماءَ ،
فَتَمرَّغْتُ فِي الصعيدِ كما تَتَمرِغُ الدابَّةُ ، ثم أَتيتُ رسولَ الله فذكرتُ ذلك له
[١١٢/١-١] فقال: ((إنما كان يكفيكَ / أن تصنعَ هكَذا)) فضربَ بيديه على الأرضِ
فنفضَهُمَا (٦) ، ثم ضربَ بشمَالِهِ على بِمِينِهِ ، وبيمِينِه على شِمَالِهِ على
(١) كذا، ولعلها بمعنى: ((لا يخرج)).
(٢) غير موجود في سنن أبي داود .
(٣) الآية (٦) .
(٤) في سنن أبي داود: ((وإنما ... لهذا)).
(٥) في سنن أبي داود : (( تسمع)) .
(٦) في سنن أبي داود: ((فنفضها)).
- ١٢٤ -

الكَفَّين، ثم مَسَحَ وجهَهُ . فقال له عبد الله : أفلم تر عمر لم يقنعْ بقولِ
عمار(١) ؟
ش - عبد الله هو ابن مسعود ، وأبو موسى الأشعري .
قوله: ((أرأيت)) بمعنى : أخبرني .
قوله: ((أما كان)): بفتح الهمزة وتخفيف الميم ، وقد ذكرنا أنه يستعمل
في الكلام على وجهين: أحدهما: أن يكون حرف استفتاح بمنزلة ((ألا))
ويكثر قبل القسم . والثاني : أن يكون بمعنى حقا .
قوله: (( لأوشكوا)) معنى أوشك : قرب وأسرع ، وقد زعم بعض أهل
اللغة أنه لا يقال: ((أوشك))، وإنما تستعمل مضارعاً، فيقال: ((يوشك))
وليس كذلك؛ بل يقال: ((أوشك))، وهذا من أفعال المقاربة ، وهو ما
وضع لدنو الخبر رجاء أو حصولاً ، وفي الحقيقة من النواقص لأنها لتقرير
الفاعل على صفة على سبيل المقاربة ، ولا تستعمل أفعال المقاربة إلا بلفظ
الماضي إلا كاد وأوشك ، فإنه قد جاء مضارعهما بهذا المعنى ، ويجيء من
أوشك اسم الفاعل ولكنه شاذ .
قوله: ((إذا بَرَد عليهم الماء)) بفتح الباء والراء ، وقال الجوهري : بضم
الراء . والمشهور الفتح .
قوله: ((فأجنبت)) أي : صرت جنباً .
قوله: (( فتمرغت في الصعيد)) أي : في التراب . قال الجوهري :
مرغته في التراب تمريغاً فتمرغ ، أي : معكته فتمعك ، والموضع: مُتُمرّغ .
قوله: (( فنفضهما)) أي : نفض اليدين . وفيه دليل لأبي حنيفة ، حيث
جوز التيمم من الصخرة التي لا غبار عليها ؛ لأنه لو كان معتبراً لم ينفض
(١) البخاري : كتاب التيمم ، باب: التيمم للوجه والكفين (٣٣٩) ، مسلم :
كتاب الحيض ، باب : التيمم (٣٦٨) ، النسائي : كتاب الطهارة ، باب :
نوع آخر من التيمم (١٦٨/١) .
- ١٢٥ -

اليد ، وفي الحديث دليل أيضاً لمن يقول : تكفي ضربة واحدة للوجه
والكفين جميعاً ، والجواب عن هذا أن المراد هنا صورة الضرب للتعليم ،
وليس المراد بيان جميع ما يحصل به التيمم ، وقد أوجب الله غسل اليدين
إلى المرفقين في الوضوء، ثم قال تعالى في التيمم: ﴿ فَامْسَحُواْ
بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ (١) ، والظاهر أن اليد المطلقة هنا هي المقيدة في
الوضوء في أول الآية ، فلا يترك هذا الظاهر إلا بصريح ، والله أعلم .
والحديث أخرجه البخاري ، ومسلم ، والنسائي .
٣٠٦ - ص - حدّثنا محمد بن كثير العَبْدي قال : نا سفيان ، عن سلمة
ابن كهيل ، عن أبي مالك، عن عبد الرحمن بن أبزي قال : كُنتُ عندَ عُمرَ
فجاءَه رجلٌ فقال : إنا نكونُ بالمكان الشهرَ أو الشهرين ، فقال عمرُ : أَمَّا أنا
فلم أكنْ أُصلِّي حتى أجدَ الماءَ، قالَ : فقال عمارٌ: يا أميرَ المؤمنين ، أَمَا تذكرُ
إذْ كُنْتُ أنا وأنتَ في الإبل فَأَصَابتنا جَنَابَةٌ ، فَأَمَّا أنا فَتَمَعَكْتُ ، فَأَتينا النبيَّ
-عليه السلام - فذكرتُ ذلك له فقال: إنما كان يكفيكَ أن تقولَ هكذا))،
وضرب بیدیه إلى الأرض ، ثم نَفخَهما ، ثم مسح بهما وجهَه ویدیه إلى
نصف الذِّراع ؟ فقال عمرُ: يا عمارُ ، اتق اللهَ، فقال : يا أميرَ المؤمنينَ ، إن
شئتَ والله لم أَذكرْه أبداً ، فقال عمرُ: كلا والله، لَنُوَلِِّنَّكَ من ذلك ما
تَوَلَّيْتَ(٢) .
ش - سفيان الثوري .
وسلمة بن كهيل بن حصين بن نمازح بن أسد الكوفي ، أبو يحيى
(١) سورة النساء : (٤٣)، وسورة المائدة: (٦).
(٢) البخاري : كتاب التيمم ، باب : هل ينفخ فيهما؟ (٣٣٨) ، مسلم : كتاب
الحيض ، باب : التيمم (٣٦٨/١١٢) ، الترمذي : كتاب الطهارة ، باب : ما
جاء في التيمم (١٤٤) ، النسائي: كتاب الطهارة ، باب: التيمم في الحضر
(١/ ١٦٥)، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في التيمم ضربة
واحدة (٥٦٩) .
- ١٢٦ -

الحضرمي التّنْعِيُّ (١)، والتنعيون (١) منسوبون إلى تنعة بطن من حضرموت،
دخل على ابن عمر ، وزيد بن أرقم . وسمع : جندب بن عبد الله ،
وأبا جحيفة ، وأبا الطفيل عامر بن واثلة ، وعبد الرحمن بن يزيد
النخعي، وعطاء بن أبي رباح ، وجماعة آخرين . روى عنه : الأعمش ،
والثوري ، ومسعر ، وشعبة ، وغيرهم . قال أحمد بن حنبل : متقن .
وقال ابن معين وأبو حاتم : ثقة . وقال أبو زرعة : ثقة مأمون . توفي
سنة إحدى وعشرين ومائة . روى له الجماعة .
وأبو مالك اسمه : حبيب بن صهبان ، روى عن : عمار بن ياسر .
روى عنه : حصين ، والأعمش ، وغيرهما . وهو المراد هاهنا لأن ثمة
أبو مالك آخر اسمه غزوان الغفاري الكوفي . روى عن : عمار بن ياسر،
وابن عباس ، والبراء بن عازب ، وعبد الرحمن بن أبزى . روى عنه :
السُّدي ، وسلمة بن كهيل ، وحصين بن عبد الرحمن . قال ابن معين :
كوفي ثقة . روى له : أبو داود ، والترمذي ، والنسائي .
وعبد الرحمن بن أبزى - بفتح الهمزة ، وسكون الباء الموحدة ،
وبعدها زاي ، ثم ياء ساكنة - الخزاعي ، مولى نافع بن الحارث ، سكن
الكوفة ، واستعمل على خراسان / . رُوي له عن رسول الله - عليه [١١٢/١ - ب]
السلام - اثنا عشر حديثاً ، رويا له عن عمار بن ياسر ، روى عنه : ابناه
سعيد وعبد الله ، وغيرهما . روى له الجماعة إلا الترمذي .
قوله: (( الشهر)) نصب على الظرف . والفرق بين قولك : سرت الشهر
وسرت شهراً ، أن المعرف يدل على التعميم بخلاف المنكر فافهم .
قوله: (( فتمعكت)) أي : تمرغت .
قوله: (( أن تقول هكذا)) أي : تفعل هكذا ، وقد ذكرنا أن معنى القول
يستعمل في معاني مختلفة من الأفعال .
قوله: ((إلى نصف الذراع)) فيه حجة لمالك ، حيث يقول : إن التيمم
(١) في الأصل: (( البيعي، والبيعيون)) خطأ، وانظر الأنساب واللباب لابن الأثير.
- ١٢٧ -

إلى الكوعين ، والجواب عنه : أن هذا صورة الضرب للتعليم ، وليس فيه
جميع ما يحصل به التيمم كما ذكرنا في الحديث الماضي .
قوله: (( اتق الله)) يعني : خف الله، ومعنى هذا الكلام : اتق الله فيما
ترويه ، وتثبت ، فلعلك نسيت أو اشتبه عليك الأمر .
قوله: ((إن شئت والله لم أذكره أبداً)) معناه : إن رأيت المصلحة في
إمساكي عن التحدث به راجحة على مصلحة تحدثي أمسكت ، فإن طاعتك
واجبة عليَّ في غير مَعْصية . ويحتمل أنه أراد : إن شئت لم أحدث به
تحديثاً شائعاً بحيث يشتهر في الناس ، بل لا أحدث به إلا نادراً .
قوله: ((كلا والله)) ((كلا)) ردع وزجر وتنبيه على الخطإ ، ومنه قوله
تعالى: ﴿كلا﴾ بعد قوله: ﴿إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبّ (١)
أَهانني (٢)﴾، ويجيء بمعنى حقًا، ومنه قوله تعالى: ﴿كَلا إِنَّ الإِنسَانَ
لَيَطْغَى﴾ (٣) ، وفي قصة عمار - رضي الله عنه - جواز الاجتهاد في زمن
النبي - عليه السلام - فإن عماراً - رضي الله عنه - اجتهد في صفة
التيمم، وقد اختلف الأصوليون فيه ، قيل : يجوز الاجتهاد في زمنه
بحضرته وغير حضرته ، وقيل : لا يجوز أصلاً ، وقيل : يجوز في غير
حضرته ولا يجوز في حضرته . والحديث أخرجه البخاري ، ومسلم ،
والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه مختصراً ومطولاً .
٣٠٧ - ص - حدّثنا محمد بن العلاء قال: نا حفص قال : نا الأعمش ،
عن سلمة بن كهيل ، عن ابن أبزى ، عن عمار بن يسار في هذا الحديث
فقال: (( يا عَمارُ، إنما كانَ يكفيكَ هكذا))، ثم ضَرَبَ بيديه الأرضَ ، ثم
(١) كذا بحذف الياء ، ولم أعثر لها على قراءة ، فالله أعلم .
(٢) كذا قرأها نافع في رواية قالون ، والمسيبي وأبي بكر بن أبي أويس وأخيه ،
وإسماعيل بن جعفر ، وأبي قرة ، وأبي خليد ، ويعقوب بن جعفر ،
وخارجة وورش عن نافع في الوصل . وانظر السبعة (٦٨٤ - ٦٨٥).
(٣) سورة العلق: (٦).
- ١٢٨ -

ضربَ إحداهُمَا على الأُخرى ، ثم مَسَحَ وجهَه والذِّرَاعين إلى نصف
الساعد (١)، ولم يبلغِ المِرْفَقَينِ ضربةً واحدةً (٢).
ش - حفص بن غياث الكوفي ، ويمكن أن يكون هذا الحديث حجة
للحسن بن زياد في روايته عن أبي حنيفة عدم اشتراط الاستيعاب في
التيمم، وحجة لمن رأى أن التيمم ضربة واحدة .
ص - قال أبو داود : رواه وكيع ، عن الأعمش ، عن سلمةَ بن كهيل ، عن
عبد الرحمن بن أبزى .
ش - أي : روى هذا الحديث وكيع بن الجراح .
ص - ورواه جرير ، عن الأعمش ، عن سلمة ، عن سعيد بن عبد الرحمن
ابن أبزى ، عن أبيه .
ش - أي : رواه جرير بن عبد الحميد ، عن سليمان الأعمش ، عن
سلمة بن كهيل ، عن سعيد بن عبد الرحمن الخزاعي مولاهم الكوفي .
روى عن أبيه ، روى عنه: الحكم بن عُتَيْبة ، وذر بن عبد الله الهمداني ،
وجعفر بن المغيرة ، وغيرهم . روى له الجماعة .
٣٠٨ - ص - حدثنا محمد بن بشار قال : نا محمد بن جعفر قال : نا
شعبة، عن سلمة ، عن ذر ، عن ابن عبد الرحمن بن أبزى ، عن أبيه ، عن
ءِ
عمار بهذه القصة فقال: ((إنما كان يكْفيكَ))، وضَربَ النبيّ - عليه السلام-
(١) في سنن أبي داود: ((الساعدين)).
(٢) البخاري : كتاب التيمم، باب : هل ينفخ فيهما (٣٣٨) ، مسلم : كتاب
الحيض ، باب : التيمم (٣٦٨/١١٣)، الترمذي : كتاب الطهارة ، باب : ما
جاء في التيمم (١١٤)، النسائي : كتاب الطهارة ، باب : التيمم في الحضر
(١٦٥/١)، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في التيمم ضربة
واحدة (٥٦٩) .
٩ • شرح سنن أبي داوود ٢
- ١٢٩ -

- بيده إلى الأرضِ ، ثم نَفَخَ فيها (١) ، ومَسَحَ بِها وجهَهُ وكَفَيْهِ ، شك سلمةُ
قال: لا أَدْرِي فيه ((إلى المِرْفَقَينِ)) أو ((إلى الكَفَّين)) (٢).
ش - ذر - بالذال المعجمة - ابن عبد الله بن زرارة المرهبِي الهمداني
أبو عمر . روى عن : سعيد بن جبير ، وعبد الله بن شداد ، ويُسَيْع ،
ووائل بن مُهانة ، وسعيد بن عبد الرحمن . روى عنه : سلمة بن كهيل ،
والأعمش ، وابنه عمر بن ذر ، والحكم . قال ابن حنبل : ما بحديثه
بأس. وقال ابن معين : ثقة . وقال أبو حاتم : صدوق . روى له
الجماعة(٣).
قوله : (( بيده إلى الأرض))، وفي رواية: (( يده )) بدون الباء .
٣٠٩ - ص - نا علي بن سهل الرملي قال : نا حجاج قال : نا شعبة
[١١٣/١-١] بإسناده بهذا الحديث. / قال: ثم نَفَخَ فيها ومَسَحَ بها وجْهَهُ وكفَّيْه إلى
المِرْفَقَينِ أو (٤) الذِّراعَيْنِ)) (٥) .
ش - علي بن سَهْل بن قادم الرملي . روى عن : الوليد ، ومروان بن
معاوية ، وحجاج ، وغيرهم . روى عنه : أبو داود ، وابن أبي حاتم .
قال النسائي : ثقة ، نَسائي ، سكنَ الرملة (٦) .
وحجاج هو ابن محمد الأعور ، وقد ذكرناه .
قوله : (( ثم نفخ فيها )) أي : في يده .
ص - قال شعبةُ: كان سَلَمَةُ يقولُ: الكفين والوَجهَ والذراعَيْن ، فقال له
منصورٌ ذاتَ يوم : انظرُ ما تقولُ ! فإنه لا يذكرٌ الذراعين غيرُكَ (٧) .
ش - سلمة بن كهيل المذكور ، ومنصور هو ابن المعتمر شيخ شعبة .
(١) في سنن أبي داود: ((فيهما)).
(٢) انظر الحديث السابق.
(٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (١٨١٣/٨).
(٤) في سنن أبي داود: ((أو إلى)).
(٥) انظر الحديث السابق.
(٦) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٤٠٧٧/٢٠).
(٧) انظر الحديث السابق .
- ١٣٠ -

٣١٠ - ص - نا مسدد قال: نا يحيى ، عن شعبة قال : حدثني الحكم، عن
ذرٍّ ، عن ابن عبد الرحمن بن أبزى ، عن أبيه ، عن عمار في هذا الحديث
قال: فقال - يعني: النبيّ - عليه السلام -: (( إنما كان يكفيكَ أن تَضْربَ
بيدَيْكَ إلى الأرضِ، فَتَمْسَحَ بهما وجهَكَ وكَفَيْكَ))، وساقَ الحديثَ (١).
ش - يحيى القطان ، والحكم بن عُتَيْبة .
قوله: ((قال: فقال)) الضمير الذي في ((قال)) الثاني يرجع إلى الرسول
- عليه السلام - ولذلك فسره بقوله: (( يعني النبي - عليه السلام ))،
وفيه حجة لمن يرى أن التيمم ضربة واحدة ، ولمن يرى أنه إلى الكوعين ،
وقد أجبنا عن ذلك .
ص - قال أبو داود : ورواه شعبةُ ، عن حُصَين ، عن أبي مالك قال :
سمعتُ عماراً يخطُبُ بمثله إلا أنه [ قال: ](٢) لم يَنْفُخْ)) .
ش - حُصَيْن بن عبد الرحمن الكوفي ، وأبو مالك غزوان الكوفي ،
وقد ذُكرا .
قوله : (( يخطب)) من الخُطْبة - بضم الخاء - بمعنى : يقول أو يخاطب،
وأما الذي في الخطبة - بكسر الخاء - فهو من باب النكاح .
ص - وذكر حُسَينُ بنُ محمد، عن شعبةَ ، عن الحكم في هذا الحديث
قال: (((٣) ضَرَبَ بكفيْهِ إلى الأرضِ ونَفَخَ)).
ش - الحسين بن محمد ... (٤) ، والحكم بن عتيبة .
قوله: (( ونفخ)) أي : فيهما .
٣١١ - ص - نا محمد بن المنهال ، نا يزيد بن زريع ، عن سعيد ، عن
قتادة ، عن عَزْرةَ ، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبْزى ، عن أبيه ، عن عمار
(١) انظر الحديث السابق .
(٢) زيادة من سنن أبي داود .
(٣) في النسخة الهندية: (( فضرب بكفيه الأرض)).
(٤) بياض في الأصل قدر سطر ونصف .
- ١٣١ -

ابن ياسر قال : سألتُ النبيَّ - عليه السلام - عن التيمُمِ ؟ فَأَمَرَنِي ضَربةً
واحدةً بالوجه والكفين (١) .
ش - محمد بن المنهال أبو جعفر ، ويقال : أبو عبد الله الضرير
البصري . سمع : يزيد بن زريع . روى عنه : البخاري ، ومسلم ،
وأبو داود ، وأبو زرعة ، وأبو حاتم ، وغيرهم . قال أحمد بن عبد الله
العجلي : هو بصري ثقة ، ولم يكن له كتاب ، قلت له : لك كتاب ؟
قال : كتابي صدري . توفي سنة إحدى وثلاثين ومائتين (٢).
ويزيد بن زريع البصري ، وسعيد بن إياس أبو مسعود الجُريري ، وقتادة
ابن دعامة .
وعَزْرة - بفتح العين وسكون الزاي ، وفتح الراء - ابن عبد الرحمن
الخزاعي الكوفي . روى عن : الشعبي ، وابن أبزى ، وسعيد بن جبير ،
وغيرهم . روى عنه : سليمان التيمي، وخالد الحذاء، وداود بن أبي هند،
وقتادة . قال أحمد وابن المديني : ثقة . روى له الجماعة إلا البخاري(٣).
٣١٢ - ص - ثنا موسى بن إسماعيل قال: نا أبان قال : سُئُلَ قتادةُ عن
التيمم في السَّفَرِ فقال : حدثني محدّثٌ عن الشعبي ، عن عبدِ الرحمنِ بن
أَبزى، عن عمارِ بنِ ياسرٍ، أن رسولَ اللهِ قال: ((إلى المِرْفَقين)) (٤)
ش - أبان بن يزيد العطار . وفي هذه الرواية رجل مجهول .
٣١٣ - ص - نا (٥) عبد الملك بن شعيب بن الليث قال : حدّثني أبي،
(١) انظر الحديث السابق .
(٢) انظر ترجمته فى: تهذيب الكمال (٥٦٣٣/٢٦).
(٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٢٠ /٣٩٢٠).
(٤) تفرد به أبو داود .
(٥) ذكر هذا الحديث والأحاديث بعده في سنن أبي داود تحت: ((باب التيمم في
الحضر)) .
- ١٣٢ -

عن جدّي ، عن جعفر بن ربيعة ، عن عبد الرحمن بن هُرمز ، عن عُمير
مولى ابن عباس ، أنه سمعَهُ يقولُ : أقبلتُ أنا وعبدُ الله بنُ يسار مولى ميمونةً
زوجِ النبيِّ - عليه السلام - حتى دخلنا على أبي الجُهيم بنِ الحارثِ بنِ
الصِّمَّةِ الأنصاري ، فقال أبو الجُهيمِ بنُ الحارث بنِ الصِّمَّةِ: أقبلَ رسولُ الله
مِنْ نَخَّوٍ بِثْرِ جملٍ فَلَقِيَّهُ رجلٌ فسلَّمَ عليهِ ، فلم يردَّ رسولُ اللهِ (١) حتى أَتَّىَ
على جَدَارِ ، فمسحَ بوجهِهِ ويدَيْهِ ، ثم رَدَّ عليه السَّلامَ (٢)
ش - عبد الملك بن شعيب قد ذكرناه .
وأبوه شعيب بن الليث أبو عبد الملك الفَهمي مولاهم . روى عن :
أبيه، روى عنه ؛ ابنه عبد الملك ، ويحيى بن عبد الله بن بكير ، ويونس
ابن عبد الأعلى / ، وغيرهم . قال الخطيب: كان ثقة. مات في صفر [١١٣/١ -ب]
سنة تسع وتسعين ومائة . روى له : مسلم ، وأبو داود ، والنسائي (٣).
وجدّه الليث بن سعد الإمام قد ذُكر ، وجعفر بن ربيعة المصري ذُكر
أيضاً ، وكذلك عبد الرحمن بن هُرمز الأعرج .
وعُمَيْر مولى أم الفضل بنت الحارث امرأة العباس بن عبد المطلب
أبو عبد الله ، ويقال : مولى ابنها عبد الله . روى عن: الفضل، وعبد الله
ابني العباس ، ومولاته أم الفضل ، وأبي جهيم بن الحارث بن الصِّمَّة
الأنصاري . روى عنه : سالم أبو النضر ، وعبد الرحمن الأعرج ،
وإسماعيل بن رجاء الزبيدي . توفي بالمدينة سنة أربع ومائة ، وكان ثقة .
روى له : البخاري ، ومسلم ، وأبو داود ، والنسائي (٤) .
وعبد الله بن يسار هذا هو الصحيح في حديث الليث ، وقد وقع في
(١) في سنن أبي داود: ((فلم يرد رسول الله وَّل عليه السلامَ)).
(٢) البخاري : كتاب التيمم ، باب : التيمم في الحضر إذا لم يجد الماء وخاف
فوات الصلاة (٣٣٧) ، مسلم تعليقاً : كتاب الحيض ، باب : التيمم
(١١٤/ ٣٦٩)، النسائي: كتاب الطهارة، باب (١٩٤).
(٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (١٢/ ٢٧٥٥).
(٤) المصدر السابق (٢٢ /٤٥١٧) .
- ١٣٣ -

أصول صحيح مسلم: ((عبد الرحمن بن يسار مولى ميمونة)) (١) ،
وقال أبو علي الغساني وجميع المتكلمين على أسانيد مسلم: ((قوله
عبد الرحمن)) خطأ صريح، وصوابه: ((عبد الله بن يسار))، وهكذا
رواه البخاري ، وأبو داود ، والنسائي . قال القاضي عياض : ووقع في
روايتنا ((صحيح مسلم)) من طريق السمرقندي ، عن الفارسي ، عن
الجُلودي: ((عبد الله بن يسار)) على الصواب، وهم أربعة إخوة :
عبد الله ، وعبد الرحمن ، وعبد الملك ، وعطاء مولى ميمونة .
وأبو الجُهَيم - بضم الجيم ، وفتح الهاء ، وزيادة ياء - هذا هو المشهور
وفي (( صحيح مسلم )) بفتح الجيم وبعدها هاء ساكنة ، وهو غلط ،
والصواب ما ذكرناه . ومثله وقع في البخاري وغيره )) (٢). واسمه :
عَبْد الله بن الحارث بن الصِّمَّة - بكسر الصاد المهملة ، وتشديد الميم -
ابن حارثة بن الحارث بن زيد مناة بن حبيب بن حارثة الأنصاري الخزرجي
اتفقا له على حديثين . روى عنه : بُسر (٣) بن سعيد ، وعمير مولى ابن
عباس . روى له الجماعة (٤) .
قوله: (( من نحو بئر جمل)) بفتح الجيم والميم، وفي رواية النَّسائي:
(بئر الجمل)) بالألف واللام، وهو موضع بقرب المدينة فيه مال من أموالها.
قال الشيخ محيي الدين (٥): ((وهذا الحديث محمول على أنه - عليه
السلام - كان عادماً للماء حال التيمم ، فإن التيمم مع وجود الماء لا يجوز
للقادر على استعماله ، ولا فرق بين أن يَضيقَ الوقتُ وبين أن يتسعَ؛ ولا
فرق بين صلاة الجنازة والعيدين وغيرهما)).
(١) انظر: شرح صحيح مسلم (٤/ ٦٣ - ٦٤).
(٢) إلى هنا انتهى النقل من ((شرح صحيح مسلم)).
(٣) في الأصل: ((بشر)) خطأ، وهو بسر بن سعيد مولى ابن الحضرمي ، وهو
مترجم في تهذيب الكمال .
(٤) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (٣٦/٤)، وأسد الغابة
(٥٩/٦)، والإصابة (٣٦/٤).
(٥) شرح صحيح مسلم (٤/ ٦٤).
- ١٣٤ -

قلت : الحديث مطلق ، يُستفادُ منه جواز التيمم لأجل رد السلام ونحوه
وفي معناه صلاة الجنازة والعيد إذا خاف فوتهما ، سواء وجد الماء أو لا ،
ولا ضرورة إلى حمله على أنه كان عادماً للماء ؛ لأنه تخصيص بلا
مخصص .
ويُستفاد من الحديث فوائد ، الأولى : أن الرجل لا ينبغي أن يُسلم على
البائل ، وكذا على قاضي الحاجة ، فإن سَلَم عليه كُرِهَ رَدِّه عليه .
الثانية : إذا فرغ من قضاء حاجته يرد عليه السلام ، وأما تيممه - عليه
السلام - لرد السلام فإنه يمكن أن يكون قصد بذلك أن لا يذكر الله إلا
على طهر ؛ لأن السلام اسم من أسماء الله تعالى ، ومعنى سلام عليك
رحمة سلام عليك ، كذا قاله البعض . ويؤيد ما ذكرناه ما روي في
الحديث الذي يأتي وقال: ((إنه لم يمنعني أن أرد عليه السلام إلا أني لم
أكن على طهر)) ، فإذا جاز إقامة عبادة ما بالتيمم مع وجود الماء ، جاز به
صلاة الجنازة أيضاً عند خوف الفوات ؛ لأنها عبادة أيضاً ، وكذا صلاة
العيد عند الخوف .
الثالثة : جواز التيمم بالجدار سواء كان عليه غبار أو لم يكن ، لإطلاق
الحديث ، وهو حجة لأبي حنيفة على مخالفيه .
الرابعة : فيه دليل على جواز التيمم للنوافل والفضائل : كسجدة التلاوة
والشكر ، ومس المصحف ونحوها ، كما يجوز للفرائض وهذا بالإجماع،
إلا وجه شاذ منكر للشافعية ، أنه لا يجوز إلا للفريضة .
الخامسة : فيه دليل أن التيمم هو مسح الوجه واليدين بالتراب ونحوه .
فإن قيل : كيف تيمم بالجدار بغير إذن مالكه ؟ فالجواب : أنه محمول
على أنه كان مباحاً أو مملوكاً لإنسان يَعْرفه ، فأُدِّلَ عليه النبيّ - عليه السلام-
وتيمم به ، لعلمه بأنه لا يكره ذلك ، بل كان يفرح به ، ومثل هذا يجوز
لآحاد الناس ، فالنبي - عليه السلام - أَوْلى وأجدر .
/ والحديث أخرجه البخاري والنسائي، وأخرجه مسلم منقطعاً، وهو [١١٤/١ -أ]
- ١٣٥ -

أحد الأحاديث المنقطعة في ((صحيحه)) ، وفيه أربعة عشر أو اثنى عشر
حديثاً منقطعة .
٣١٤ - ص - نا أحمد بن إبراهيم الموصلي ، نا محمد بن ثابت العَبْدي ،
نا نافع قال : انطلقت مع ابنِ عمرَ في حاجةٍ إلى ابنِ عباس ، فقضى ابنُ عمرَ
حاجَتَهُ ، وكان (١) من حديثه يومئذ أن قالَ : مَرَّ رجلٌ على رسول الله في
سكَّةٌ من السكك ، وقد خرجَ من غائط أو بَول فَسلَّمَ عليه ، فلم يردّ عليه ،
حتى إذا كادَ الرجلُ أن يَتَوارَى في السِّكَّةٌ، ضَرَّبَ بِيدَيْهِ على الحائطِ ، ومَسحَ
بها (٢) وجهَهُ ، ثم ضَربَ ضربةً أُخرى ، فمسحَ ذراعيه ، ثم رَدَّ على الرجلِ
السَّلَامَ وقال: ((إنه لم يمنَعْنِي أَنْ أَرُدَّ عليه السلامَ (٣) إلا أنّي لم أَكُنْ عَلَىَ
طُهْر (٤))) (٥).
ش - أحمد بن إبراهيم بن خالد الموصلي أبو عليّ ، سكن بغداد ،
سمع : حماد بن زيد ، وشريك بن عبد الله النخعي ، وابن المبارك ،
وغيرهم . روى عنه : أبو داود ، والنسائي ، وأبو يعلى ، وأبو زرعة
الرازي ، وعبد الله بن أحمد بن حنبل ، وغيرهم . قال أحمد بن حنبل :
ليس به بأس ، وقد كتب عنه ، وكذا ابن معين . توفي سنة خمس
وثلاثين ومائتين ببغداد (٦) .
ومحمد بن ثابت العبدي المصري أبو عبد الله . روى عن : نافع ،
(١) في سنن أبي داود: ((فكان)).
(٢) في سنن أبي داود: (( بهما)).
(٣) في سنن أبي داود: ((عليك السلام)).
(٤) زيد في سنن أبي داود بعد هذا: (( قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل
يقول : روى محمد بن ثابت حديثاً منكراً في التيمم . قال ابن داسة : قال
أبو داود : لم يُتابعْ محمد بن ثابت في هذه القصة على (( ضربتين )) عن النبي
مَثَ﴿ ، ورَوَوْهُ فعل ابن عمر)).
(٥) مسلم : كتاب الحيض ، باب: التيمم (١١٥/ ٣٧٠) .
(٦) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (١/١).
- ١٣٦ -

وعطاء بن أبي رباح ، وعمرو بن دينار ، وغيرهم . روى عنه : ابن
المبارك ، ووكيع ، وأبو الوليد الطيالسي ، وغيرهم . قال ابن معين :
ليس بشيء . وقال أبو حاتم : ليس هو بالمتقن ، يكتب حديثه . وقال
البخاري : يخالف في بعض حديثه . وقال النسائي : يروي عن نافع ،
ليس بالقوي . روى له : أبو داود ، وابن ماجه (١) .
ونافع القرشي العدوي مولى ابن عمر - رضي الله عنهم - .
قوله: ((يومئذ)) أصله: ((يوم إذ كان كذا))، فحذف ((كان كذا))،
وعوض عنها التنوين، وكذا ((حينئذ))، و((ساعتئذ))، و((وقتئذ)).
قوله: (( أن قال)) في محل الرفع على أنه اسم (( كان)) وخبره مقدماً عليه
((من حديثه))، والتقدير: كان قوله: مرّ رجل ... إلى آخره من حديثه
يومئذ .
قوله: (( في سكة من السكك)) أي : الطرق والأزقة ، وأصلها النخل
المصطفة ، ثم سميت الطرق بذلك لاصطفاف المنازل بجانبيها .
قوله: (( أن يتوارى)) أي : أن يغيب .
ويُسْتفادُ من هذا الحديث الفوائد التي ذكرناها في الحديث الذي قبله ،
مع زيادة تنصيص على الضربتين . وقد أنكر البخاري على محمد بن ثابت
رفعَ هذا الحديث. وقال الخطابي (٢): ((وحديث ابن عمر لا يصح ؛
لأن محمد بن ثابت العبدي ضعيف جدا ، لا يحتج بحديثه )) .
وقال البيهقي (٣): ((ورفعه غير منكر ، وفعل ابن عمر التيمم على
الوجه والذراعين والمرفقين شاهد بصحة رواية محمد بن ثابت ، غير مناف
لها)) .
قلت : أما أنه غير مناف فصحيح ، وأما أنه شاهد ففيه نظر ؛ لأنه لم
(١) المصدر السابق (٢٤ /٥١٠٤) .
(٢) معالم السنن (٨٦/١).
(٣) ((المعرفة)) للبيهقي كما في نصب الراية (١٥٣/١).
- ١٣٧ -

يوافق رواية ابن ثابت في رفع الذراعين ، بل هذا هو علة من علل الرفع،
فكيف يكون المقتضي للتعليل وهو الوقف مقتضياً للتصحيح ؟
وقال البيهقي أيضاً (١) : وهو - أي : محمد بن ثابت - في هذا
الحديث غير مستحق للنكير بالدلائل التي ذكرتها . ثم قال : وأثنى عليه
مسلم بن إبراهيم ورواه عنه . وأشار البيهقي بذلك أن مسلماً لما رواه عنه
قال : حدَّثنا محمد بن ثابت العَبْدي ، وكان صدوقاً ، وصدقه لا يمنع أن
يُنكر عليه رفعه على وجه الغلط ، لمخالفة غيره له على عادة كثير من أهل
الحديث أو أكثرهم .
٣١٥ - ص - نا جعفر بن مسافر ، نا عبد الله بن يحيى البُرُلسي ، أنا حيوة
ابن شريح ، عن ابن الهاد ، أن نافعاً حدَّثُه عن ابن عمر قال: «أَقبلَ رسولُ
الله من الغائط فلقيّهُ رجلٌ عندَ بئرِ جَمَل ، فسلَّمَ عَليهِ ، فلم يَرَدَّ عليه رسولُ
الله - عليه السلام - حتى أقبلَ عَلى الحائطِ ، فوضَعَ يدَهُ على الحائطِ ، ثم
مَسْحَ وجهَهَ ويديْهِ ، ثم رَدَّ رسولُ اللهَ - عليه السلام - على الرجلِ
السلامَ))(٢).
ش - جعفر بن مسافر التِّنِّيسي ، أبو صالح الهذلي . سمع : يحيى بن
حسان التِّنِيسي ، وأيوب بن سويد الحميري الرملي ، وعبد الله بن يزيد
[١١٤/١ -ب] المقرئ، وعبد الله بن يحيى البرلُسي. روى عنه: أبو داود /، وابنه
عبد الله بن أبي داود ، والنسائي ، وقال : صالح ، وابن ماجه ،
وغيرهم. مات سنة أربعين ومائتين (٣) .
وعبد الله بن يحيى المعافري المصري البرلسي - بضم الباء الموحدة والراء
واللام - قرية من سواحل مصر . روى عن : نافع بن يزيد ، وحيوة بن
شريح ، وسعيد بن أبي أيوب ، وغيرهم . روى عنه : دُحَيم ، وجعفر
(١) المصدر السابق .
(٢) تفرد به أبو داود .
(٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٩٥٥/٥).
- ١٣٨ -

ابن مسافر ، وأبو داود ، وغيرهم . وقال أبو زرعة : لا بأس به ،
وأحاديثه مستقيمة . روى له : البخاري ، وأبو داود (١) .
وحيوة بن شريح بن صفوان أبو زرعة المصري قد ذُكر .
وابن الهاد : هو يزيد بن عبد الله بن أُسامة بن الهاد الليثي المدني
أبو عبد الله ، كان أعرج يَعْرج من رجليه جميعاً ، وهو ابن أخي عبد الله
ابن الهاد . روى عن : عبد الله بن خَبَّابٍ ، وعبد الله بن دينار ،
والزهري ، وجماعة آخرين . روى عنه : يحيى بن سعيد الأنصاري ،
ومالك بن أنس ، والليث بن سعد ، وابن عيينة ، وحيوة بن شريح ،
وغيرهم . قال ابن معين : ثقة . توفي سنة تسع وثلاثين ومائة بالمدينة .
روی له الجماعة (٢) .
ويستفاد من الحديث الفوائد التي تقدمت .
وقال البيهقي : وحديث يزيد بن الهاد عن نافع أتم من ذلك . أي :
من حديث محمد بن ثابت العَبْدي ، وقال أيضاً : وهذا شاهد لرواية
محمد بن ثابت ، يعني : أنه مرفوع لا يُنكر رفعه ، فافهم .
١١٣ - باب : الجنب يتيمم (٣)
أي : هذا باب في بيان أن الجنب إذا لم يجد الماء يتيمم .
واعلم أن العلماء أجمعوا على جواز التيمم عن الحدث الأصغر بلا
خلاف ، وكذا أجمع أهل هذه الأعصار ومَن قبلهم على جوازه للجنب
والحائض والنفساء ، ولم يخالف فيه أحد من الخلف والسلف ، إلا ما جاء
عن عمر وابن مسعود ، وحُكي عن إبراهيم النخعي مثله ، وقيل : إن عمر
وابن مسعود رجعا عنه . وقد جاءت بجوازه للجنب الأحاديث الصحيحة
(١) المصدر السابق (٣٦٥٥/١٦).
(٢) المصدر السابق (٣٢/ ٧٠١١) .
(٣) غير واضح في الأصل ، وأثبتناه من سنن أبي داود .
- ١٣٩ -

المشهورة ، وإذا صلى الجنب بالتيمم ثم وجد الماء ، وجب عليه الاغتسال
بإجماع العلماء ، إلا ما حكي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن الإمام
التابعي أنه قال : لا يلزمه . وهو مذهب متروك بالإجماع ، وبالأحاديث
الصحيحة في أمره - عليه السلام - الجنب بغسل بدنه إذا وجد الماء ، والله
أعلم .
٣١٦ - ص - ثنا عمرو بن عون ، قال : ثنا خالد الواسطي ، عن خالد
الحذاء ، عن أبي قلابة ح ، ونا مسدد قال : ثنا خالد الواسطي ، عن خالد
الحذاء ، عن أبي قلابة ، عن عمرو بن بُجْدان ، عن أبي ذر قال : اجتَمَعتْ
غُنيمةٌ عندَ رسول الله - عليه السلامُ - فقال: (( يا أبا ذرٍّ ابْدُ فيها )) فَبدوتُ
إلى الرَّبَذة ، فكانَتَ تُصيبُني الجنابةُ ، فأَمكُثُ الخمسَ والستَّ ، فَأَتِيتُ
رسولَ الله - عليه السلامُ - فقالَ: أبو ذرٍّ؟ فسكتُّ، فقال: (( ثَكلَتْكَ أُمُّكَ
أبا ذرٍّ! لَأُمِّكَ الويلُ، فدعا لي بجارِيةِ سوداءَ ، فجاءَتْ بِعُسِّ فيه ماءٌ،
فسَتَرني بثوبٍ واسْتَتَرِتُ بِالرَّاحِلَةِ ، فاغتسلّتُ، فكأنِّي (١) أَلقَيَتُ عنِي جَبَلاً،
فقال: ((الصَّعيدُ الطَّيبُ وُضوءُ المسلم ولَو إلى عشر سنينَ، فإذا وجدتَ الماءَ
فامْسَحْهُ (٢) جَلدَكَ، فإن ذلك خيرٌ )) (٣) .
ش- عمرو بن عون أبو عثمان الواسطي، وخالد بن عبد الله الواسطي،
وخالد بن مهران الحذاء البصري ، وأبو قلابة عبد الله بن زيد الجَرمي
البصري .
وعمرو بن بُجدان - بضم الباء الموحدة وسكون الجيم - العامري
القعنبي . روى عن أبي ذر الغفاري ، وأبي زيد الأنصاري . روى عنه :
أبو قلابة ، وحديثه في البصريين . قال ابن المديني : لم يرو عنه
(١) في سنن أبي داود: ((واغتسلت ، فكأني)).
(٢) في سنن أبي داود: ((فأمسه))، وهي رواية كما سيذكر المصنف.
(٣) الترمذي : كتاب الطهارة ، باب : ما جاء في التيمم للجنب إذا لم يجد الماء
(١٢٤)، النسائي: كتاب الطهارة، باب: الصلوات بتيمم واحد (١/ ١٧١).
- ١٤٠ -