النص المفهرس

صفحات 41-60

يُصيبَها الذي أَصَابَهَا، فلْنترُك الصلاةَ قدرَ ذلك من الشهر ، فإذا خَلَّفَتْ
ذلكَ فلْتغتسِلْ ثم لِتَسْتَتْفِرْ بثوبٍ، ثم لتُصَلِّي (١))) (٢).
ش - قوله: ((تهراق)) كذا جاء على ما لم يسم فاعله، و((الدم))
منصوب، وفي رواية: ((الدماء )) أي : تهراق هي الدم ، وانتصاب
((الدم)) على التمييز وإن كان معرفة ، وله نظائر ، أو يكون أُجري مجرى
نفست المرأة غلاماً ، ونتج الفرس مُهراً، ويجوز / رفع الدم على تقدير: [٩٦/١ -١]
تهراق دماؤها ، ويكون الألف واللام بدلاً من الإضافة كقوله تعالى : ﴿أَوْ
يَعْفَوَ الَّذِي بِيَدَه عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ (٣) أي : عقدة نكاحه أو نكاحها ،
و((الهاء)) فيه زائدة ، وأصله تراق ، من الإراقة .
قوله: ((على عهد رسول الله )) أي : في زمانه وأيامه .
قوله: (( لتنظر عدة الليالي والأيام)) أي: لتحسب عدد الليالي والأيام
التي كانت تحيض فيها (( قبل أن يصيبها الذي أصابها))، وهو الاستحاضة
فلتترك الصلاة قدر ذلك ، أي : قدر ما كانت تراه قبل ذلك ، مثلاً إن
كانت عادتها من كل شهر عشرة أيام إما من أولها وإما من أوسطها وإما
من آخرها ، تترك الصلاة عشرة أيام من هذا الشهر نظير ذلك، (( فإذا
خلَّفت ذلك)) بتشديد اللام ، أي : تركت قدر الليالي والأيام التي كانت
تحيض فيهن فلتغتسل ؛ لأن قدر ذلك من أيام حيضها فيما مضى ، هو
حيضها أيضاً في هذا الوقت ، فإذا خرج هذا خرجت هي من الحيض
ودخلت في حكم الاستحاضة . والاستحاضة لا تمنع الصلاة ولا الصوم
ولا الوطء ، ونحو ذلك ، ولكنها تغتسل ثم تصلي .
ثم اعلم أنه لا يجب على المستحاضة الغسل لشيء من الصلوات ، ولا
(١) في سنن أبي داود: ((لتصل فيه)).
(٢) النسائي: كتاب الطهارة، باب: ذكر الاغتسال من الحيض (١١٩/١)،
وكتاب الحيض (١٨٢/١)، ابن ماجه: كتاب الطهارة ، باب : ما جاء في
المستحاضة التي قد عدت أيام إقرائها قبل أن يستمر بها الدم (٦٢٣) .
(٣) سورة البقرة : (٢٣٧) .
- ٤١ -

في وقت من الأوقات إلا مرة واحدة في وقت انقطاع حيضها ، وبهذا قال
جمهور العلماء من السلف والخلف ، وهو مروى عن عليّ، وابن مسعود،
وابن عباس ، وعائشة ، وهو قول عروة بن الزبير ، وأبي سلمة بن
عبد الرحمن ، ومالك ، وأبي حنيفة ، وأحمد . وروي عن ابن عمر،
وابن الزبير ، وعطاء بن أبي رباح أنهم قالوا : يجب عليها أن تغتسل لكل
صلاة ، ورُوي هذا أيضاً عن عثمان ، وابن عباس ، ورُوي عن عائشة :
أنها تغتسل كل يوم غسلاً واحداً ، وعن ابن المسيب والحسن قالا : تغتسل
من صلاة الظهر إلى صلاة الظهر دائماً . ودليل الجمهور : أن الأصل عدم
الوجوب ، فلا يجب إلا ما ورد الشرع بإيجابه ، ولم يصح عن النبي
-عليه السلام - أنه أمرها بالغسل إلا مرة واحدة عند انقطاع حيضها ، وهو
قوله - عليه السلام -: ((إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة ، وإذا أدبرت
فاغتسلي)) (١)، وليس في هذا ما يقتضي تكرار (٢) الغسل. وأما
الأحاديث التي وردت هاهنا وفي ((سنن البيهقي)) أيضاً وغيرهما ، أن
النبي - عليه السلام - أمرها بالغسل ، فليس فيها شيء ثابت ، قد بينوا
ضعفها .
قوله : (( ثم لتستثفر)) أي : لتشد فرجها بخرقة عريضة ، توثق طرفها
في حقب تشده على وسطها بعد أن تحتشي كرسفاً فيمتنع بذلك الدم ،
ويحتمل أن يكون ذلك مأخوذاً من ثفر الدابة الذي يجعل تحت ذنبها ،
ويقال معناه : فلتستعمل طيباً يُزيل به هذا الشيء عنها ، لأن الاستثفار مثل
الاستذفار تقلب الثاء ذالاً ، ويسمى الثوب طيباً ؛ لأنه يقوم مقام الطيب
في إزالة الرائحة .
فإن قيل : من أين كانت تحفظ هذه المرأة عدد أيامها التي كانت تحيضها
أيام الصحة ؟ قلت : لو لم تكن تحفظ ذلك لم يكن لقوله - عليه
السلام -: ((لتنظر عدد (٣) الأيام والليالي التي كانت تحيضهن من الشهر
(١) يأتي بعد سبعة أحاديث .
(٣) كذا، ولفظ الحديث: ((عدة)).
(٢) غير واضحة في الأصل .
- ٤٢ -

قبل أن يصيبها الذي أصابها )) معنى ، إذ لا يجوز أن يردها إلى رأيها
ونظرها في أمر هي غير عارفة بكنهه .
فإن قيل : فمن لم تحفظ عدد أيامها ؟ قلت : هذه مسألة مشهورة في
الفروع ، وهي أنه تحسب في كل شهر عشرة أيام حيضها ، ويكون الباقي
استحاضة ، وقد عرفت حكم الاستحاضة أنها لا تمنع الصلاة ، والصوم ،
والطواف ، والقربان ، ونحو ذلك ، إلا أنها تتوضأ لوقت كل صلاة عندنا
وعند الشافعي لكل صلاة ، وهو خلاف مشهور .
٢٦٠ - ص - حدثنا قتيبة بن سعيد ویزید بن خالد بن عبد الله بن موهب
قالا : ثنا الليث عن نافع، عن سليمان بن يسار، عن رجل أخبره عن أم سلمةً
أن امْرَأَةٌ كانت تُهْرَاقُ الدَّمَ ، فذكر معناه قال: فإذَا خَلَّفَتْ ذلك ، وحَضَرَت
الصلاةُ ، فلْتغتسلْ. وساق معناه (١).
ش - في إسناد هذه الرواية رجل مجهول . وأخرجه النسائي ، وابن
ماجه .
٢٦١ - ص - حدَّثنا يعقوب بن إبراهيم قال: نا ابن مهدي قال : نا صخر
ابن جويرية، عن نافع بإسناد الليث بمعناه قال: «فلْتْرُك الصلاةَ قَدْرَ ذلك ،
ثم إذا حَضَرَتِ الصلاةُ فلْتغتسلْ، ولْتَسْتَفْفِرْ (٢) بثوبٍ وتُصَلِّي)) (٣).
ش - يعقوب بن إبراهيم الدورقي ، وابن مهدي هو عبد الرحمن بن
مهدي العنبري البصري .
وصخر بن جويرية البصري ، أبو نافع التميمي ، مولاهم . سمع :
أبا رجاء العطاردي ، ونافعاً مولى ابن عمر ، وعبد الرحمن بن القاسم ،
وغيرهم . روى عنه : أيوب السختياني ، وابن المبارك ، وابن مهدي ،
(١) انظر الحديث السابق .
(٢) في سنن أبي داود: ((ولتستذفر بثوب ثم تصلي ».
(٣) انظر الحديث السابق.
- ٤٣ -

وغيرهم . وقال أحمد بن حنبل : شيخ ثقة . روى له : البخاري ،
ومسلم ، وأبو داود ، والترمذي (١) .
٢٦٢ - ص - حدَّثنا موسى بن إسماعيل قال : أنا وهيب ، قال : نا أيوب،
عن سليمان بن يسار، عن أمِّ سلمةَ بهذه القصة، قال فيه: (( ولتدعْ (٢) فيه
الصلاةَ، وتَغتسلْ فيما سوى ذلك، وتَسْتَشْفِرُ (٣) بثوبٍ وتُصَلِّي)) (٤) .
ش - وهيب بن خالد البصري ، وأيوب السختياني .
قوله: (( وتغتسل فيما سوى ذلك)) معناه : إذا استوفت عدد تلك الأيام
اغتسلت مرة واحدة ، وصار حكمها حكم الطواهر كما ذكرناه .
ص - قال أبو داود : سَمَّى المرأةَ التي كانت اسْتُحِيضَتْ حمادُ بنُ زيد ،
عن أيوبَ في هذا الحديث قال: (( فاطمة بنت أبي حبيش)).
ش - حماد بن زيد فاعل لقوله: ((سمى)) . وأيوب السختياني ،
[٩٦/١-ب] / وفاطمة بنت أبي حُبيش، واسم أبي حبيش : قيس بن المطلب بن أسد بن
عبد العزى بن قصي القرشية الأسدية . روت عن النبي - عليه السلام -
حديث الاستحاضة ، روى عنها عروة بن الزبير . روى لها : أبو داود ،
(٥)
والنسائي (٥) .
٢٦٣ - ص - حدّثنا قتيبة بن سعيد قال: نا الليث ، عن يزيد بن
أبي حبيب، عن جعفر، عن عراك، عن عروةَ، عن عائشةَ أنها قالت : إن
أُمَّ حبيبةَ سألتْ رسولَ الله - عليه السلام - عن الدَّم، فقالت عائشةُ: رأيتُ(٦)
(١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٢٨٥٤/١٣).
(٢) في سنن أبي داود: ((وتدع)). (٣) في سنن أبي داود: ((وتستذفر)).
(٤) انظر الحديث السابق.
(٥) انظر ترجمتها في: الاستيعاب بهامش الإصابة (٣٨٣/٤)، وأسد الغابة
(٢١٨/٧)، والإصابة (٣٨١/٤).
(٦) في سنن أبي داود: ((فرأيت)).
- ٤٤ -

مرْكَنَها مَلَآَنَ دَماً ، فقال لها رسولُ الله : امْكُنِي قَدْرَ ما كانتْ تَحبسُك
حَيضَتُكِ، ثم اغْتسِلي)) (١).
ش - يزيد بن أبي حبيب ، واسم أبي حبيب: سويد المصري أبو رجاء.
سمع : عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي ، وأبا الطفيل ، وراشد بن
جندل ، وعراك بن مالك ، وغيرهم . روى عنه : سليمان التيمي ،
والليث بن سعد ، ويحيى بن أيوب ، وجماعة آخرون . قال ابن سعد :
هو مولى لبني عامر بن لؤي من قريش ، وكان ثقة ، كثير الحديث ، مات
سنة ثمان وعشرين ومائة . روى له الجماعة (٢).
وجعفر بن ربيعة بن شرحبيل بن حسنة المصري أبو شرحبيل ، رأى
عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي . وسمع : عراكاً ، ويعقوب بن
عبد الله بن الأشج ، وغيرهم . روى عنه : الليث بن سعد ، ويزيد بن
أبي حبيب ، ويحيى بن أيوب ، وغيرهم . مات سنة ست وثلاثين ومائة.
روى له الجماعة (٣).
وعراك بن مالك الغفاري المدني. سمع: عبد الله بن عمر، وأبا هريرة،
ونوفل بن معاوية ، وعائشة ، وزينب بنت أبي سلمة ، وعروة بن الزبير ،
وغيرهم . روى عنه : سليمان بن يسار ، وجعفر بن ربيعة ، وابنه خثيم
ابن عراك ، وغيرهم . توفي بالمدينة في خلافة يزيد بن عبد الملك . روى
له الجماعة (٤) .
قوله: ((إن أم حبيبة)) هي بنت جحش ، كانت تحت عبد الرحمن بن
عوف ، وكذا صرح مسلم في روايته . وقال ابن عبد البر : بنات جحش
ثلاث : زينب وأم حبيبة وحمنة زوج طلحة بن عبيد الله ، كن يستحضن
(١) مسلم: كتاب الحيض، باب: المستحاضة وغسلها وصلاتها (٣٣٤/٦٥)،
النسائى: كتاب الطهارة ، باب: ذكر الاغتسال من الحيض (١١٩/١)،
وكتاب الغسل، باب: المرأة يكون لها أيام معلومة تحيضها كل شهر (١/ ١٨٢).
(٢) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٦٩٧٥/٣٢).
(٣) المصدر السابق (٩٣٩/٥).
(٤) المصدر السابق (٣٨٩٣/١٩).
- ٤٥ -

كلهن . وقيل : إنه لم يستحض منهن إلا أم حبيبة . وقال الدارقطني :
قال إبراهيم الحربي : الصحيح أنها أم حبيب بلا هاء ، واسمها : حبيبة .
وقال ابن الأثير : يقال لها أم حبيبة ، وقيل : أم حبيب ، والأول أكثر .
قوله: (( رأيت مركنها)) بكسر الميم وفتح الكاف ، وهو الإجانة التي
تُغسل فيها الثياب .
قوله: ((ملآن)) وروى ((مَلأَى)) أيضاً، وكلاهما صحيح ، فالأول على
لفظ المركن ، وهو مذكر ، والثاني على معناه وهو الإجانة ، والمعنى :
أنها كانت تغتسل في المركز ، فتجلس فيه ، وتصب عليها الماء ، فيختلط
الماء المتساقط عنها بالدم ، فيحمر الماء ، ثم إنها لا بد كانت تنظف بعد
ذلك عن تلك الغُسالة .
قوله : « امکثی قدر ما كانت تحبسك حيضتك ثم اغتسلي )) فيه دليل على
وجوب الغسل على المستحاضة إذا انقضى زمن الحيض ، وإن كان الدم
جارفاً ، وهذا مجمع عليه وقد بيناه فوق .
ص - قال أبو داود : رواه قتيبة بين أضعاف حديث جعفر بن ربيعة في
آخرها . ورواه عليّ بن عياش ، ويونس بن محمد، عن الليث فقالا : جعفر
ابن ربيعة .
ش - أي : روى قتيبة بن سعيد هذا الحديث بين أثناء حديث جعفر بن
ربيعة المذكور . ورواه عليّ بن عياش - بالياء آخر الحروف ، والشين
المعجمة - الألهاني البصري .
ويونس بن محمد بن مسلم المؤدب أبو محمد البغدادي. سمع: عبيد الله
ابن عمر ، والليث بن سعد ، وصالح بن رومان ، وغيرهم . روى عنه :
أحمد بن حنبل ، وعليّ بن المديني ، وأبو بكر بن أبي شيبة ، وغيرهم .
وقال يعقوب بن شيبة : ثقة ثقة . روى له مسلم ، وأبو داود ،
والترمذي، والنسائي ، وابن ماجه (١) .
(١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٧١٨٤/٣٢).
- ٤٦ -

٢٦٤ - ص - حدَّثنا عيسى بن حماد قال : نا الليث ، عن يزيد بن
أبي حبيب ، عن بكير بن عبد الله ، عن المنذر بن المغيرة ، عن عروة بن الزبير،
أن فاطمةَ بنت أبي حُبيش حدثته، أنها سألتْ رسولَ اللهِ وَِّ فَشَكتْ إليه
الدَّمَ، فقال لها رسولُ الله: (( إنما ذلك عِرْقٌ فانظُري إذا أتاك (١) تُرُؤُك فلا
تُصلِّي، فإذا مَرَّ قُرُؤُكِ فَتَطَّهَّرِي ثم صَلِّي مَا بين القُرَءِ إلى القُرَءِ)) (٢).
ش - عيسى بن حماد بن مسلم بن عبد الله (٣) أبو مُوسى التجيبي
مولاهم ، مولى بني سعد ، من تُجِيب المصري ، يلقب زُغبة وهو أخو
أحمد بن حماد . سمع : الليث بن سعد ، وهو آخر من حدَّث عنه من
الثقات ، وعبد الله بن وهب ، وعبد الرحمن بن القاسم ، وغيرهم .
روى عنه : أبو زرعة ، وأبو حاتم ، وقال : ثقة رضي ، ومسلم ،
وأبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه ، وغيرهم . مات سنة ثمان وأربعين
ومائتين (٤) .
وبُكير بن عبد الله بن الأشج أبو عبد الله المخزومي مولاهم. روى عن:
السائب بن يزيد ، وربيعة بن عباد ، وكُريب ، وغيرهم . روى عنه :
يزيد بن أبي حبيب ، وعمرو بن الحارث ، والليث بن سعد ، وغيرهم .
قال أحمد بن حنبل : ثقة صالح . وقال ابن معين وأبو حاتم : ثقة .
روى له الجماعة (٥) .
والمنذر بن المغيرة . روى عن عروة بن الزبير / ، روى عنه بكير بن [٩٧/١ -٢]
(١) في سنن أبي داود: ((أتى)).
(٢) النسائي: كتاب الطهارة، باب: ذكر الاغتسال من الحيض (١١٦/١)،
وباب: ذكر الأقراء (١٢١/١)، وباب : الفرق بين دم الحيض ودم الاستحاضة
(١٢٣/١)، وكتاب الحيض (١٨٣/١، ١٨٥)، وكتاب الطلاق (٢١١/٦).
(٣) في الأصل: ((عبيد الله)) خطأ.
(٤) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٤٦٢٢/٢٢).
(٥) المصدر السابق (٤ /٧٦٥) .
- ٤٧ -

عبد الله الأشج . قال أبو حاتم : مجهول ليس بمشهور . روى له :
أبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه (١) .
قوله: (( فشكت إليه الدم )) أي : سيلان الدم الخارج عن العادة.
قوله: ((إنما ذلك عرق)) أي : دم عرق ؛ لأن الدم ليس بعرق ، وإنما
حذف المضاف توسعاً يريد أن ذلك علة حدثت بها من تصدع العرق
فاتصل الدم ، وليس بدم الحيض الذي يدفعه الرحم لميقات معلوم . وقد
قلنا : إن الاستحاضة : جريان الدم من فرج المرأة في غير أوانه ، ولكنه
يخرج من عرق يقال له : العَاذِل - بالعين المهملة ، وكسر الذال المعجمة-
بخلاف دم الحيض ، فإنه يخرج من قعر الرحم .
قوله: ((فانظري إذا أتاك قرؤك)) أي : حيضك الذي هو أيام معدودة فلا
تصلي فيها .
قوله : ((فإذا مرّ قرؤك)) أي: حيضك المعروف فتطهري ، أي :
فاغتسلي ، ثم صلي ما بين القرء إلى القرء ، أي : ما بين الحيض الماضي
إلى الحيض الآتي ؛ لأن ما بينهما استحاضة ، فلا تمنع الصلاة والصوم
ونحوهما . وفيه حجة لأبي حنيفة على الشافعي ، حيث حمل القرء على
الحيض في باب العدة ، والشافعي على الطهر ، وهو من الأضداد ،
يُحمل على الحيض والطهر كالجون يحمل على الأسود والأبيض ، وفيه
لغتان : ضم القاف وفتحها ، ويجمع على أقراء وقروء . والأصل في
القرء : الوقت المعلوم ، فلذلك وقع على الضدين ؛ لأن لكل منهما وقتاً،
وأقرأتِ المرأةُ إذا طهرت وإذا حاضت . والحديث أخرجه النسائي أيضاً .
٢٦٥ - ص - حدثنا يوسف بن موسى قال : نا جرير ، عن سهيل - يعني :
ابن أبي صالح - عن الزهري ، عن عروة بن الزبير قال : حدثتني فاطمة بنت
أبي حبيش أنها أَمرتْ أسماءَ ، أو أسماءُ حدثتني أنها أَمرَتْهَا فاطمةُ بنتُ
(١) المصدر السابق (٦١٨٤/٢٨).
- ٤٨ -

أبي حُبُيش أن تَسأَلَ لها رسولَ الله ، فَأَمرَهَا أن تَقْعُدَ الأَيامَ التي كانت تَقْعُدُ،
ثم تَغْتَسِلُ (١) .
ش - يوسف بن موسى بن راشد : أبو يعقوب القطان الكوفي ، نزل
الريَّ ثم انتقل إلى بغداد ، ومات بها سنة خمس ومائتين . سمع: جريراً،
وابن عيينة ، ووكيعاً ، وغيرهم . روى عنه : البخاري ، وأبو داود ،
والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه ، وغيرهم . وكتب عنه ابن معين
وقال: صدوق (٢) .
وجرير بن عبد الحميد ، وسهيل بن أبي صالح : ذكوان السمان .
وأسماء بنت أبي بكر الصِّدِّيق زوجة الزبير بن العوام ، هاجرت إلى
المدينة وهي حامل بعبد الله بن الزبير . رُوي لها عن رسول الله ستة
وخمسون حديثاً ، اتفقا على أربعة عشر حديثاً ، وانفرد البخاري بأربعة
ومسلم بمثلها . روى عنها : عبد الله بن عباس ، وابناها : عبد الله
وعروة، وأبو واقد الليثي ، وجماعة آخرون . توفيت بمكة في جمادى
الأولى سنة ثلاث وسبعين بعد قتل ابنها عبد الله بيسير ، وكانت قد بلغت
مائة سنة لم يسقط لها سن ، ولم يُنكر من عقلها شيء . روى لها
الجماعة (٣).
قوله : (( فأمرها أن تقعد الأيام التي كانت تقعد )) يعني : قبل ذلك ، فلا
تصلي فيها ولا تصوم ، ثم إذا خرجت تلك الأيام تغتسل ويكون حكمها
بعد ذلك حكم الطاهرات .
ص - قال أبو داود : روى (٤) قتادة عن عروة بن الزبير ، عن زينب ، أن
(١) انظر الحديث السابق .
(٢) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٧١٥٩/٣٢).
(٣) انظر ترجمتها في: الاستيعاب بهامش الإصابة (٢٣٢/٤)، وأسد الغابة
(٩/٧)، والإصابة (٢٢٩/٤).
(٤) في سنن أبي داود: ((ورواه)).
٤ • شرح سنن أبي داوود ٢
- ٤٩ -

أم حبيبة بنت جحش اسْتُحِيضَتْ، فَأَمَرَها النبيُّ - عليه السلام - أن تَدَعَ
أَقْرَاءَهَا (١) ، ثم تَغْتسِلَ وتُصَلِّيَ .
ش - زينب هي أم المؤمنين بنت جحش ، وقد ذكرناها .
قوله: (( أن تدع أقراءها)) أي : حِيضها التي كانت لها عادة ، فإذا
انقطعت تغتسل وتصلي .
ص - وزاد (٢) ابن عيينة في حديث الزهري ، عن عمرةَ، عن عائشةَ، أن
أم حبيبةَ كانت تُسْتَحاضُ ، فسألت النبيّ - عليه السلام - فأَمَرَهَا أن تَدعَ
الصلاةَ أَيامَ أقرائها .
وهذا وهم من ابن عيينة ، ليس هذا في حديثٍ الحفاظ عن الزهري ، إلا ما
ذکر سهيل بن أبي صالح .
ش - زاد سفيان بن عيينة في حديث محمد بن مسلم الزهري ، عن
عمرة ، عن عائشة، والذي زاده ابن عيينة هو قوله: ((عن عمرة)).
وقال أبو داود : وهذا وهم من ابن عيينة ليس هذا : يعني : ذكر عمرة -
في حديث الحفاظ ، عن الزهري ، وليس فيه إلا ما ذكره سهيل بن
أبي صالح ، عن الزهري ، عن عروة بن الزبير .
[٩٧/١ -ب] قلت: قد وقع / في رواية مسلم كلاهما - أعني عروة وعمرة - حيث
قال: ونا محمد بن سلمة المرادي قال : نا عبد الله بن وهب ، عن عمرو
ابن الحارث ، عن ابن شهاب ، عن عروة بن الزبير ، وعمرة بنت
عبد الرحمن ، عن عائشة زوج النبي - عليه السلام - الحديث . وفي
رواية عن ابن شهاب ، عن عمرة بنت عبد الرحمن ، عن عائشة . وقال
الشيخ محيي الدين (٣): ((وقع في هذه الرواية - أي الرواية الأولى -
(١) في سنن أبي داود: (( أن تدع الصلاة أيام أقرائها)).
(٢) في سنن أبي داود: (( قال أبو داود : لم يسمع قتادة من عروة شيئاً ،
وزاد .. )).
(٣) شرح مسلم (٤/ ٢٤).
- ٥٠ -

عن عروة وعمرة وهو الصواب ، وكذلك رواه ابن أبي ذئب ، عن
الزهري، عن عروة وعمرة ، وكذلك رواه يحيى بن سعيد الأنصاري عن
عروة وعمرة ، كما رواه الزهري وخالفهما الأوزاعي، فرواه عن الزهري،
عن عروة ، عن عمرة - يعني : جعل عروة راوياً عن عمرة)).
وعمرة بنت عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة الأنصارية المدنية. سمعت:
عائشة ، وأم هاشم بنت حارثة بن النعمان . روى عنها : عروة بن
الزبير، وأخوها محمد بن عبد الرحمن ، وابنها أبو الرجال محمد بن
عبد الرحمن ، ويحيى ، وعبد ربه ، وغيرهم . قال ابن معين : ثقة
حجة. توفيت سنة ثمان وتسعين . روى لها الجماعة (١) .
ص - وروت قَمير، عن عائشة: ((المُسْتَحَاضَةُ تَتَركُ الصلاةَ أيامَ أَقْرَائِهَا،
ثم تَغتسلُ .
ش - قمير - بفتح القاف ، وكسر الميم - امرأة مسروق بن الأجدع .
روت عن عائشة - رضي الله عنها - ، روى عنها عامر الشعبي . قال
أحمد بن عبد الله : تابعية ثقة . روى لها أبو داود (٢) .
ص - قال عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه : إن النبي - عليه السلام -
أَمَرَهَا أن تَتْرُكَ الصلاةَ قَدْرَ أَقرائِهَا .
ش - أي : أمر المستحاضة أن تترك الصلاة قدر حيضها التي كانت عادة
لها (٣) قبل ذلك ، ثم تغتسل وتصلي .
ص - وروى أبو بشر جعفر بن أبي وحشية ، عن عكرمة ، عن النبيُّ -عليه
السلام - ، أن أم حبيبة بنت جحش استحیضَتْ فذكر مثله .
ش - جعفر هذا هو ابن إياس ، وهو ابن أبي وحشية الواسطي ،
(١) انظر ترجمتها في : تهذيب الكمال (٧٨٩٥/٣٥).
(٢) المصدر السابق (٣٥/ ٧٩١٢).
(٣) في الأصل: ((له)).
- ٥١ -

وقيل: البصري أبو بشر اليشكري . سمع : طاوساً ، وعكرمة مولى ابن
عباس ، وعطاء بن أبي رباح ، وغيرهم . روى عنه : أيوب السختياني ،
والأعمش ، وداود بن أبي هند ، وغيرهم . قال أحمد بن حنبل
وابن معين وأبو حاتم : ثقة . وقال ابن عدي : أرجو أنه لا بأس به .
توفي سنة أربع وعشرين ومائة . روى له الجماعة (١) .
قوله: (( فذكر مثله)) أي : مثل ما مضى من الرواية ، وهي أن تترك
الصلاة قدر أقرائها .
ص - وروى شريك عن أبي اليقظان ، عن عدي بن ثابت ، عن أبيه ، عن
جده، عن النبيِّ - عليه السلام -: ((الْمُسْتَحَاضَةُ تَدَعُ الصلاةَ أَيامَ أَقرائها ، ثم
تَغْتسلُ وتُصَلِّي)).
ش - شريك بن عبد الله النخعي .
وأبو اليقظان عثمان بن عمير الكوفي . روى عن : أنس بن مالك ،
وزيد بن وهب ، وأبي وائل ، وزاذان الكندي ، وعدي بن ثابت ،
وغيرهم . روى عنه : الأعمش ، وشريك ، والثوري ، وغيرهم . قال
ابن معين : ليس حديثه بشيء . وقال أبو حاتم : ضعيف الحديث ، منكر
الحديث . كان شعبة لا يرضاه . روى له : أبو داود ، والترمذي ،
وابن ماجه (٢) .
وعدي بن ثابت الأنصاري الكوفي ، وجده لأمه عبد الله بن يزيد
الأنصاري الخطمي . سمع : جده ، والبراء بن عازب ، وعبد الله بن
أبي أوفى ، وسعيد بن جبير ، وغيرهم . روى عنه : الأعمش ، ومسعر،
وشعبة ، وغيرهم . قال أحمد بن حنبل : هو ثقة . وقال أبو حاتم :
صدوق ، وكان إمام مسجد الشيعة وقاضيهم . روى له الجماعة (٣) .
(١) المصدر السابق (٩٣٢/٥).
(٣) المصدر السابق (٣٨٨٣/١٩).
(٢) المصدر السابق (٣٨٥١/١٩).
- ٥٢ -

وثابت هو : ابن عُبيد بن عازب ، ابن أخي البراء بن عازب ، يروي
عن أبيه ، عن النبي - عليه السلام - في المستحاضة . ولأبيه صحبة .
روى عنه ابنه عدي بن ثابت، ذكره ابن حبان في ((الثقات)) (١).
ص - وروى العلاء بن المسيب عن الحكم ، عن أبي جعفر : أن سودةً
اسْتُحِيضَتْ فَأَمَرَهَا رسولُ الله - عليه السلام - إذَا مَضَتْ أَيامُها اغتسَلَتْ
وصَلَّتْ .
ش - العلاء بن المسيب بن رافع التغلبي الكوفي ، ويقال : الكاهلي .
روى عن : أبيه ، وخيثمة بن عبد الرحمن ، وعطاء بن أبي رباح ،
وإبراهيم النخعي ، وغيرهم . روى عنه : الثوري ، وأبو عوانة ، وعطاء
ابن مسلم . قال ابن معين : هو ثقة مأمون . روى له : البخاري ،
ومسلم ، والترمذي (٢) .
والحكم : هو ابن عتيبة ، وقد ذُكر .
/ وأبو جعفر محمد بن عليّ بن حسين بن علي بن أبي طالب المعروف [٩٨/١ -٢]
بالباقر ، وقد ذكرناه .
وسودة بنت زمعة بن أبي قيس بن عبد شمس القرشية العامرية
أم المؤمنين ، يقال : كنيتها : أم الأسود، زوج رسول الله -عليه السلام -.
روى عنها عبد الله بن عباس . توفيت في آخر خلافة عمر - رضي الله
عنه - روى لها البخاري حديثين ، وروى لها أبو داود ، والنسائي (٣).
قوله: ((إذا مضت أيامها)) أي : أيامها التي كانت لها عادة .
ص - وروى سعيدُ بِنُ جُبيرٍ ، عن عَلَيٍّ وابنِ عباسٍ - رضي الله عنهم -:
المستحاضةُ تَجْلِسُ أَيامَ قُرْئِهَا .
ش - أي : أيام حيضها ، فإذا انقطعت تغتسل وتصلي .
(١) المصدر السابق (٨٢٢/٤).
(٢) المصدر السابق (٤٥٨٨/٢٢).
(٣) انظر ترجمتها في: الاستيعاب بهامش الإصابة (٣٢٣/٤)، وأسد الغابة
(١٥٩/٧)، والإصابة (٣٣٨/٤).
- ٥٣ -

ص - وكذلك رواه عَمارٌ مولى بني هاشمٍ ، وطلقُ بنُ حَبيبٍ ، عن ابن
عباس ، وكذلك رواه مَعقِلٌ الخثعميّ ، عن عليٌّ - رضي الله عنه - ، وكذلك
رَوَى الشعبيَّ عن قَميرِ امرأةٍ مَسروقٍ، عن عائشةَ - رضي الله عنها - .
ش - عمار بن أبي عمار الهاشمي مولاهم أبو عمرو، ويقال : أبو عمر،
ويقال : أبو عبد الله . سمع : أبا قتادة الأنصاري ، وأبا هريرة ،
وأبا حبة البدري ، وعبد الله بن عباس ، وغيرهم . روى عنه : عطاء بن
أبي رباح ، ويونس بن عبيد ، وخالد الحذاء ، وغيرهم . قال ابن حنبل،
وأبو زرعة ، وأبو حاتم : ثقة . روى له الجماعة إلا أبا داود (١).
ومعقل الخثعمي ، وقال ابن أبي حاتم : زهير بن معقل . والأول
أصح. روى عن: عليّ بن أبي طالب. روى عنه: محمد بن أبي إسماعيل
الكوفي . روی له أبو داود (٢) .
ص - قال أبو داود : وهو قولُ الحسن ، وسعيد بن المسيب ، وعطاء ،
ومكحول، وإبراهيمَ، وسالمٍ، والقاسمِ: إن المُستحَاضَةَ تَدَعُ الصلاة(٣).
ش - أي : في أيام عادتها وفي غيرها كالطاهرات ، وكل هذا ذكره
أبو داود تأكيداً على أن هذا الحكم إجماع وليس فيه خلاف بين السلف
والخلف، ولم يخالف فيه إلا الخوارج ، نعم استحب فيه بعض السلف إذا
دخل وقت الصلاة أن تتوضأ ، وتستقبل القبلة ، وتذكر الله تعالى ،
وأنكره بعضهم .
الحسن البصري ، وعطاء بن أبي رباح .
ومكحول بن زبر ، ويقال : ابن أبي مسلم بن شاذك بن سند بن شروان
ابن بردك بن بعوث بن کسری الکابلي، من سَبی کابل. وقال ابن ماکولا :
(١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٤١٦٧/٢١) .
(٢) المصدر السابق (٦٠٩٦/٢٨).
(٣) في سنن أبي داود: ((تدع الصلاة أيام أقرائها . قال أبو داود : لم يسمع قتادة
من عروة شيئاً )).
- ٥٤ -

اسم أبي مسلم : شهراب أبو عبد الله الدمشقي الهذلي مولى امرأة من
هذيل . سمع : أنس بن مالك ، وأبا هند الداري ، وواثلة بن الأسقع ،
وأبا أمامة ، وغيرهم . روى عنه : الزهري ، والأوزاعي ، ومحمد بن
إسحاق بن يسار ، ومحمد بن عجلان ، وجماعة آخرون . روى له :
مسلم ، وابن ماجه . واستشهد به البخاري . وتوفي سنة ثمان عشرة
ومائة بدمشق (١) .
وإبراهيم النخعي .
وسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ، أبو عمر القرشي العدوي
المدني . سمع : أباه ، وأبا هريرة ، وأبا أيوب الأنصاري ، ورافع بن
خديج ، وعائشة أم المؤمنين . ومن التابعين : القاسم بن محمد ،
وعبد الله بن محمد بن عتيق . روى عنه : عمرو بن دينار ، والزهري ،
ونافع مولى أبيه ، وجماعة آخرون كثيرة . وقال أحمد بن عبد الله ، وابن
سعد : ثقة كثير الحديث ، ورع . توفي سنة ست ومائة (٢).
والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصِّدِّيق - رضي الله عنه - .
٩٩ - باب : إذا أقبلت الحيضة تدع الصلاة (٣)
أي : هذا باب في بيان أن حيضة المستحاضة إذا أقبلت تترك الصلاة
ونحوها ، وليس في بعض النسخ (( باب)).
٢٦٦ - ص - حدّثنا أحمد بن يونس ، وعبد الله بن محمد النفيلي ، قالا :
ثنا زهير قال : نا هشام بن عروة، عن عروةَ، عن عائشةَ : أن فاطمة بنتَ
أبي حُبْيشٍ جَاءَتْ رَسولَ اللهِوَّهَ فقالتْ: إِنِّي امرأةٌ أُسْتَحَاضُ فَلا أَطْهُرُ،
(١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٦١٦٨/٢٨) .
(٢) المصدر السابق (٢١٤٩/١٠).
(٣) في سنن أبي داود: ((باب من روى أن الحيضة إذا أدبرت لا تدع الصلاة)).
- ٥٥ -

أَفَدَعُ الصلاة ؟ قال: (( إنما ذلك عرْقٌ ولَيستْ بالحيضة ، فإذا أَقْبَلَت الحَيْضَةُ
فَدَعِي الصلاةَ، وإذا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلَيَ عَنكِ الدَّمَ، ثم صَلِّي)) (١).
ش - زهير بن معاوية بن حديج .
قوله: ((أُستحاضُ)) على بناء المفعول، كما يقال: استُحِيضتْ، ولم
يبن هذا الفعل للفاعل كما في قولهم : نفست المرأة ، ونتجت الناقة .
وأصل الكلمة من الحيض ، والزوائد للمبالغة ، كما يقال : قرَّ في المكان،
ثم يراد للمبالغة فيه فيقال : استقر .
قوله : (( أفأدع )) سؤال عن استمرار حكم الحائض في حالة دوام الدم
وإزالته ، وهو كلام من تقرر عنده أن الحائض ممنوعة من الصلاة .
قوله: (( إنما ذلك عرق)) أي : دم عرق ، وقد مر الكلام فيه .
قوله : (( وليست بالحيضة)) يجوز فيه فتح الحاء بمعنى الحيض ، ويجوز
كسرها بمعنى الحالة، والأول أظهر، وأما في قوله: ((فإذا أقبلت الحيضة))
يجوز الوجهان جوازاً حسناً .
[٩٨/١-ب] قوله: ((وإذا أدبرت)) / المراد بالإدبار : انقطاع الحيض .
قوله : ((فاغسلي عنك الدم ثم صلي )) مشكل في ظاهره ؛ لأنه لم يذكر
الغسل ، ولا بد بعد انقضاء الحيض من الغسل . والجواب عنه : أنه وإن
لم يذكر في هذه الرواية ، فقد ذكر في رواية أخرى صحيحة قال فيها :
((فاغتسلي)). وحمل بعضهم هذا الإشكال على أن جعل الإدبار انقضاء أيام
الحيض والاغتسال ، وجعل قوله : (( واغسلي عنك الدم )) محمولاً على
دم يأتي بعد الغسل . والجواب الأول أصح .
فإن قيل : ما علامة إدبار الحيض وانقطاعه ، والحصول في الطهر ؟
(١) البخاري: كتاب الحيض ، باب: الاستحاضة (٣٠٦)، مسلم : كتاب
الحيض، باب : المستحاضة وغسلها وصلاتها (٣٣٣/٦٢) ، الترمذي : كتاب
الطهارة ، باب : ما جاء في المستحاضة (١٢٥) ، النسائي : كتاب الطهارة ،
باب: ذكر الاغتسال من الحيض (١١٦/١)، ابن ماجه : كتاب الطهارة ،
باب : ما جاء في المستحاضة ... (٦٢٠) .
- ٥٦ -

قلت : أما عند أبي حنيفة وأصحابه الزمان والعادة هو الفَيْصل بينهما ، فإذا
أضلت عادتها تحرت ، وإن لم يكن لها ظن أخذت بالأقل ، وأما عند
الشافعي وأصحابه اختلاف الألوان هو الفيصل ، فالأسود أقوى من
الأحمر، والأحمر أقوى من الأشقر ، والأشقر أقوى من الأصفر ،
والأصفر أقوى من الأكدر ، إذا جعلناهما حيضاً ، فتكون حائضاً في أيام
القوي ، مستحاضة في أيام الضعيف ، والتمييز عنده بثلاثة شروط :
أحدها: أن لا يزيد القوي على خمسة عشر يوماً . والثاني : أن لا ينقص
عن يوم وليلة ليمكن جعله حيضاً . والثالث : أن لا ينقص الضعيف عن
خمسة عشر يوماً ليمكن جعله طُهْراً بين الحيضتين ، وبه قال مالك ،
وأحمد .
وقال الشيخ محيي الدين : علامة انقطاع الحيض والحصول في الطهر ،
أن ينقطع خروج الدم والصفرة والكدرة ، وسواء خرجت رطوبة بيضاء ،
أم لم يخرج شيء أصلاً .
قال البيهقي وابن الصباغ : التَرِيّةُ رطوبة خفيّة ، لا صفر فيها ولا كدرة،
تكون على القطنة أثر لا لون ، وهذا يكون بعد انقطاع الحيض . والترية
بفتح التاء المثناة من فوق وكسر الراء وبعدها ياء آخر الحروف مشددة .
ثم اعلم : أنها إذا مضى زمن حيضها وجب عليها أن تغتسل في الحال
لأول صلاة تدركها ، ولا يجوز لها بعد ذلك أن تترك صلاة أو صوماً ،
ويكون حكمها حكم الطاهرات ، ولا تستطهر بشيء أصلاً ، وبه قال
الشافعي ، وعن مالك ثلاث روايات : الأولى : تستطهر ثلاثة أيام ، وما
بعد ذلك استحاضة . والثانية : تترك الصلاة إلى انتهاء خمسة عشر يوماً ،
وهي أكثر مدة الحيض عنده . والثالثة : كمذهبنا .
ويستفاد من هذا الحديث فوائد : الأولى : فيه جواز استفتاء المرأة بنفسها
ومشافهتها الرجال فيما يتعلق بالطهارة وأحداث النساء ، وجواز استماع
صوتها عند الحاجة .
- ٥٧ -

الثانية : فيه نهي للمستحاضة عن الصلاة في زمن الحيض ، وهو نهي
تحريم ، ويقتضي فساد الصلاة هنا بإجماع المسلمين ، ويستوي فيها الفرض
والنفل لظاهر الحديث ، ويتبعها الطواف ، وصلاة الجنازة ، وسجدة
التلاوة ، وسجدة الشكر .
الثالثة : فيه دليل على نجاسة الدم .
الرابعة : أن الصلاة تجب بمجرد انقطاع دم الحيض .
والحديث أخرجه البخاري ، ومسلم ، والترمذي ، والنسائي ،
وابن ماجه .
٢٦٧ - ص - حدّثنا عبد الله بن مسلمة ، عن مالك ، عن هشام بإسناد
زُهَيْر ومعناه قال: فَإِذَا أَقبلَت الحَيضَةُ فاتركي الصلاةَ ، فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا
فَاغْسِلِي عَنَكِ الدَّمَ وصَلِّي (١) .
ش - ((قدرها)) - بالدال المهملة الساكنة - أي : قدر وقتها ، وصحف
بعض الطلبة هذه اللفظة فقال : إذا ذهب قذرها - بالذال المعجمة - وهذا
غلط ، والصحيح : أن المراد منه قدر الأيام التي كانت تحيض فيها ردا إلى
أيام العادة ، والحديث بلفظه يدل على أن هذه المرأة كانت مُعْتادة كما جاء
في رواية أخرى: (( ولكن دع (٢) الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين
فيها ، ثم اغتسلي وصلي)) . واستدل به أبو حنيفة في أن الرد إلى أيام
العادة سواء كانت مميزة أو غير مميزة ، وبه قال الشافعي في أحد قوليه ،
وأما إذا لم يكن لها عادة تعتمد عليها تجعل لها من كل شهر عشرة أيام
حيضاً ، والباقي استحاضة ، كما عرف في الفروع .
٢٦٨ - ص - حدّثنا (٣) موسى بن إسماعيل قال: نا أبو عقيل، عن بهية
قالت : سمعتُ امرأةً تسألُ عائشةَ عن امْرَأَة فَسَدَ حَيْضُهَا وأُهْرِيقَتْ دَماً ،
(١) انظر الحديث السابق.
(٢) كذا .
(٣) جاء هذا الحديث في سنن أبي داود تحت (( باب من قال: إذا أقبلت الحيضة تدع
الصلاة)) .
- ٥٨ -

فَأَمَرَنِي رسولُ اللهِ أَنْ آمُرَهَا فَلْتنظُرْ قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحيضُ فِي كُلِّ شَهِرِ
وَحَيْضُهَا مُستقيمٌ، / فَلْتَعْتَدَّ بِقَدْرِ ذلك من الأَيَّامِ، ثم لَتَّدَع الصَلاةَ فيهنَّ أَوْ
بِقَدْرِهِنَّ، ثم لَتُغْتُسِلْ، ثم لْتَسْتَثْفِرَّ بِثوبٍ، ثم لِتُصِّلِّي (١).
[٩٩/١-١]
ش - أبو عقيل - بفتح العين - هو يحيى بن المتوكل الضرير - الحذاء
المدني مولى بهية، قدم بغداد ومات بها سنة تسع وستين ومائة . روى عن:
مولاته ، والقاسم بن عبيد الله بن [ عبد الله بن ] عمر بن الخطاب ،
وعمر بن عبيد الله . روى عنه : ابن المبارك ، وأبو نعيم ، وأبو الوليد
الطيالسي ، وغيرهم . قال ابن معين : ليس بشيء في رواية عباس ، وفي
رواية عثمان ليس به بأس . وقال النسائي : ضعيف . روى له : مسلم ،
وأبو داود (٢) .
بُهَيَّةُ - بالباء الموحدة وتشديد الياء آخر الحروف - روت عن أبيها ، عن
النبي - عليه السلام - .
قوله: (( فسد حيضها )) بمعنى : خرج عن العادة واستمرت عليه .
وقوله: (( فلتنظر قدر ما كانت تحيض)) يدل على أنها كانت معتادة .
قوله: (( وحيضها مستقيم)) جملة اسمية وقعت حالاً ، عن الضمير
الذي في (( تحيض)).
قوله: (( بقدر ذلك)) أي : بقدر ما كانت تحيض في كل شهر وحيضها
مستقيم ، (( ثم لتدع الصلاة)) أي : لتتركها فيهن ، أي : في الأيام التي
مثل قدر الأيام التي كانت تحيض فيها .
وقوله: (( أو بقدرهن)) شك من الراوي ، والمعنى : ثم لتدع الصلاة
بقدرهن ، أي : بقدر الأيام التي كانت تحيض فيها ، التي هي كانت عادة
لها . ومعنى الاستثفار قد ذكرناه .
(١) تفرد به أبو داود .
(٢) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٦٩٠٨/٣١).
- ٥٩ -

٢٦٩ - ص - حدّثنا ابن أبي عقيل ، ومحمد بن سلمة المصریان قالا : نا
ابن وهب ، عن عمرو بن الحارث ، عن ابن شهاب ، عن عروة بن الزبير
وعمرة، عن عائشة : أن أمَّ حَبيبةَ بنتَ جَحش خَتْنَةَ رسول الله ، وتحتَ
عبد الرحمن بنِ عَوف اسْتُحِيضَتْ سَبْعَ سنينَ (١)، فقال رسولُ الله: ((إن
هذه لَيستْ بَلخَيَضَةٍ، وَلكنْ هَذا عِرِقٌ فاغتَسَلِي وصَلِّي)) (٢).
ش - ابن أبي عقيل اسمه : عبد الغني بن أبي عقيل أبو جعفر المصري،
واسم أبي عقيل : رفاعة بن عبد الملك ، رأى الليث بن سعد وحكى عنه،
وسمع : ابن عيينة ، وبكر بن مُضر ، والمفضل بن فضالة ، وغيرهم .
روى عنه : أبو داود ، والطحاوي . توفي في ربيع الأول في سنة خمس
وخمسين ومائتين (٣).
ومحمد بن سلمة بن عبد الله بن أبي فاطمة أبو الحارث المرادي الجملي
مولاهم . روى عن : عبد الله بن وهب ، وعبد الله بن كليب ، وحجاج
ابن سليمان ، وغيرهم . روى عنه : أبو حاتم الرازي ، وأبو داود ،
وابنه عبد الله ، والنسائي ، وابن ماجه ، وغيرهم . توفي سنة ثمان
وأربعين ومائتين (٤) .
وعمرة بنت عبد الرحمن ، وقد ذكرناها .
قوله: (( خَتنة)) بفتح الخاء والتاء المثناة من فوق ، ومعناه : قريبة زوج
النبي - عليه السلام - قال أهل اللغة: الأختان جمع (( ختن)) ، وهم
(١) في سنن أبي داود بعد قوله: ((سبع سنين)): ((فاستفتت رسول الله)).
(٢) البخاري : كتاب الحيض ، باب: عرق الاستحاضة (٣٢٧)، مسلم : كتاب
الحيض ، باب : المستحاضة غسلها وصلاتها (٣٣٤/٦٣) ، النسائي : كتاب
الطهارة، باب: ذكر الاغتسال من الحيض (١١٦/١)، ابن ماجه : كتاب
الطهارة ، باب : ما جاء في المستحاضة إذا اختلط عليها الدم فلم تقف على أيام
حيضها (٦٢٦) .
(٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٣٤٨٨/١٨).
(٤) المصدر السابق (٥٢٥٤/٢٥) .
- ٦٠ -