النص المفهرس

صفحات 521-540

٢١٩ - ص - حدّثنا عثمان بن أبي شيبة قال : نا يزيد بن هارون قال : أنا
حماد بن سلمة بإسناده ومعناه. قال في أوله: ((فكبر))، وقال في آخره :
((فلما قضى الصلاة قال: إنما أنا بشرٌ، وإني كنتُ جنباً)) (١).
ش - أي : بإسناد الحديث الأول ومعناه .
قوله: ((فكبّر)) أجبنا عنه آنفاً. وقال البيهقي في باب: ((من أدى
الزكاة فليس عليه أكثر من حق)) : حماد بن سلمة ساء حفظه في آخر
عمره ، فالحفاظ لا يحتجون بما يخالف فيه. وقال في باب: ((من مرّ
بحائط إنسان)): ليس بالقوي. وقال في باب: (( من صلى وفي ثوبه
أذى)»: مختلف في عدالته . والعجب ثم العجب من البيهقي كيف أطلق
هذا القول في حماد مع جلالته ، ثم ناقض نفسه فحكم بصحة هذا
الحديث مع أن في سنده حماداً هذا .
قوله: ((وقال في آخره)) أي: في آخر الحديث. ومعنى قوله: (( إنما
أنا بشر مثلكم)) (٢) إعلام منه أنه مثلهم في النسيان ، وأنه يعرض عليه كما
يعرض عليهم .
وقوله : (( وإني كنت جنباً)) خارج مخرج الاعتذار والتعليل ، لذهابه
وتركه إياهم وهم ينتظرونه .
ص - قال أبو داود : رواه أيوب ، وابن عون ، وهشام عن محمد (٣) قال:
(( فكبر ، ثم أومأً (٤) إلى القومِ أَنِ اجْلِسُوا، فذهبَ فاغتسلَ)).
ش - أي : روى هذا الحديث أيضاً بالإرسال : أيوب السختياني ،
وعبد الله بن عون ، وهشام بن حسان البصري ، عن محمد بن سيرين .
وعبد الله بن عون بن أرطبان البصري ، أبو عون المزني ، وأرطبان
مولى عبد الله بن مغفل صاحب النبي - عليه السلام - . رأى أنس بن
(١) تفرد به أبو داود .
(٢) كلمة (( مثلكم)) غير موجودة في نص الحديث .
(٣) في سنن أبي داود: ((عن محمد مرسلاً، عن النبي وَّ قال)).
(٤) في سنن أبي داود: ((أومأ بيده)).
- ٥٢١-

مالك ولم يثبت له منه سماع . وسمع : القاسم بن محمد بن أبي بكر
الصِّدِّيق ، وموسى بن أنس بن مالك، وهشام بن زيد، والحسن البصري،
وغيرهم . روى عنه : الأعمش ، وشعبة ، والثوري ، وابن المبارك ،
ويحيى القطان ، وغيرهم . وكان من الزهد على جانب عظيم . رُوي عن
خارجة : صحبت ابن عون أربعاً وعشرين سنة ، فما أعلم أن الملائكة
كتبت عليه خطيئة. توفي سنة إحدى وخمسين ومائة. روى له الجماعة(١).
قوله: (( ثم أومأ إلى القوم أن اجلسوا)) / دليل قاطع على أنهم لم
[٨٤/١-٢]
يكونوا في الصلاة ، وبهذا سقط قول من قال : إن قوله - عليه السلام -:
((مكانكم)) دليل على أنهم كانوا في الصلاة ، بل معناه : لا تتفرقوا حتى
أرجع إليكم ، فإن قيل: وقد جاء في رواية أيضاً: ((ولم نزل قياماً
شطره)) قلنا : فعل القوم لا يعارض قوله - عليه السلام - ، ويحتمل أن
الذين فهموا منه أن اجلسوا جلسوا ، ومن لم يفهم بقي قائماً ، فافهم .
ص - وكذلك رواه مالك عن إسماعيل بن أبي حكيم ، عن عطاء بن
يسار: (( أن رسولَ الله - عليه السلام - كبّر في صلاته (٢))).
ش - أي : کما روى ابن سیرین مرسلاً ، كذلك رواه بالإرسال مالك
ابن أنس ، عن إسماعيل بن أبي حكيم القرشي الأموي المدني ، مولی
عثمان بن عفان ، وهو أخو إسحاق . روى عن : القاسم بن محمد بن
أبي بكر ، وعمر بن عبد العزيز ، وسعيد بن المسيب ، وآخرين . روى
عنه : مالك بن أنس ، ويحيى القطان ، ومحمد بن إسحاق بن يسار ،
وغيرهم . قال ابن معين : ثقة . وقال أبو حاتم : يكتب حديثه . توفي
سنة ثمانين ومائة . روى له : مسلم، وابن ماجه ، والنسائي (٣).
ص - قال أبو داود : وكذلك نا مسلم بن إبراهيم قال : نا أبان ، عن يحيى،
عن الربيع بن محمد، عن النبي - عليه السلام -: ((أنه كبّر )).
(١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٣٤٦٩/١٥).
(٢) في سنن أبي داود: ((صلاة)).
(٣) المصدر السابق (٤٣٧/٣).
- ٥٢٢-

ش - هذا أيضاً مرسل ، ومسلم بن إبراهيم القصاب ، وأبان بن يزيد
العطار ، ويحيى بن أبي كثير صالح الطائي ، والربيع بن محمد ، قال
الذهبي : الربيع بن محمد أرسل ، وعنه يحيى بن أبي كثير . روى له
أبو داود (١). ولم أقف عليه في كتاب (( الكمال)).
٢٢٠ - ص - حدثنا عمرو بن عثمان الحمصي قال : نا محمد بن حرب
قال : ثنا الزبيدي ح قال : ونا عياش بن الأزرق قال : نا ابن وهب ، عن
يونس ح ، قال : ونا مخلد بن خالد (٢) قال: نا إبراهيم بن خالد إمام مسجد
صنعاء، قال : نا رباح ، عن معمرح، ونا مؤمل بن الفضل قال : نا الوليد ،
عن الأوزاعي كلهم عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة قال :
أُقيمت الصلاةُ نصفَّ (٣) الناسُ صفُونَهم ، فخرجَ رسولُ الله - علیه
السلام- حتى إذا قامَ في مقامِهِ ذَكَرَ أنه لم يغتسلْ ، فقالَ للناسِ: ((مَكانَكُم !
ثم رجعَ إلى بيتِهِ ، فخرجَ عَلَيْنَا يَنْطِفُ رأْسُهُ قد (٤) اغتسلَ ونَحنُ صفوفٌ))
وهذا لفظ ابن حرب . وقال عياش في حديثه : (( فلم نزلْ قِيَاماً ننتظِرُهُ حتَى
خرِجَ علينا ، وقد اغتسلَ )) (٥) .
ش - محمد بن حرب الأبرش الخولاني الحمصي ، أبو عبد الله .
سمع: الأوزاعي ، والزبيدي ، ومحمد بن زياد الألهاني ، وغيرهم .
روى عنه : عبد الأعلى بن مُسهر ، وعمرو بن عثمان ، والربيع بن روح
الحمصي ، وجماعة آخرون . وقال أبو حاتم : صالح الحديث . وقال
أحمد : ليس به بأس . وقال أحمد بن عبد الله: هو شامي ثقة (٦) .
(١) المصدر السابق (٩/ ١٨٧٠) .
(٢) فى الأصل: ((محمد بن خالد)) خطأ.
(٣) في سنن أبي داود: ((وصف)). (٤) في سنن أبي داود: ((وقد)).
(٥) البخاري : كتاب الغسل ، باب : إذا ذكر في المسجد أنه جُنب خرج كما هو
ولا يتيمم (٢٧٥) ، مسلم : كتاب المساجد ومواضع الصلاة ، باب : متى يقوم
الناس للصلاة (٦٠٥)، النسائي: كتاب الإمامة ، باب: إقامة الصفوف قبل
خروج الإمام (٨٨/٢)، ويأتي برقم (٥٢٣).
(٦) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٥١٣٨/٢٥).
- ٥٢٣-

والزُّبيدي - بضم الزاي ، وفتح الباء الموحدة - هو محمد بن الوليد بن
عامر الزُّبيدي ، أبو الهُذيل الشامي الحِمصي . سمع : نافعاً ، والزهري،
وسعيداً (١) المقبري ، وغيرهم . روى عنه : الأوزاعي ، ومحمد بن
حرب، وبقية بن الوليد ، وجماعة آخرون . قال النسائي : ثقة ، وكذا
قال أبو زرعة . مات سنة ثمان وأربعين ومائة . روى له الجماعة (٢) .
روى (٣) عن : أبي بكر ، وعمر ، وسمع : معاذاً ، وعبد الله بن
مسعود ، ومعاوية بن أبي سفيان . روى عنه : أبو إدريس الخولاني ،
وشهر بن حوشب ، وأبو قلابة ، وغيرهم . وقال أحمد بن عبد الله :
تابعي ثقة من كبار التابعين. روى له : أبو داود، والترمذي ، وابن ماجه.
وعياش بن الأزرق ، أبو النجم نزيل أَذَنة . روى عن عبد الله بن
وهب. روى عنه أبو داود . قال أحمد بن عبد الله : بصري ثقة ، وقد
کتبت عنه (٤) .
ويونس بن يزيد .
ومحمد (٥) بن خالد بن خَلِيِّ الحمصي . روى عن: أبيه ، وابن عيينة،
وبشر بن شعيب ، وغيرهم . روى عنه : أبو داود ، والنسائي وقال :
ثقة. وقال ابن أبي حاتم : كتبنا عنه بحمص وهو صدوق (٦) .
(١) في الأصل: ((سعيد)).
(٢) المصدر السابق (٢٦/ ٥٦٧٣).
(٣) كذا، وجاء هذا النص في الأصل كالتالي: (( ... أبو الهذيل الشامي
الحمصي، روى عن أبي بكر ... )) ثم ألحق في الهامش قوله: ((سمع
نافعاً، ... )) إلى قوله: ((روى له الجماعة))، ووضع علامة الإلحاق قبل
قوله: ((روى عن أبي بكر ... ))، فلعله نسي أن يضرب على هذا النص ،
والله أعلم .
(٤) المصدر السابق (٤٥٩٨/٢٢) .
(٥) كذا ترجم المصنف لمحمد بن مخلد تبعاً للخطإ الموجود في السند ، والذي في
سند الحديث هو مخلد بن خالد بن يزيد الشعيري أبو محمد نزيل طرسوس ،
قال أبو حاتم : لا أعرفه ، وقال أبو داود : ثقة ، وكذا قال ابن حجر في
((التقريب))، وانظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٢٧ /٥٨٣٤).
(٦) المصدر السابق (٥١٧٦/٢٥) .
:
-٥٢٤-

وإبراهيم بن خالد بن عبيد أبو محمد القرشي ، المؤذن بمسجد صنعاء .
سمع : عمر (١) بن عبد الرحمن ، ورباح بن زيد ، والثوري، وغيرهم.
روى عنه : أحمد بن حنبل ، وأبو داود ، والنسائي ، وغيرهم . وقال ابن
معين : ثقة (٢) .
ورباح بن زيد القرشي مولاهم الصنعاني . سمع : معمر بن راشد ،
وعمر بن حبيب ، وعبد العزيز بن حوران . روى عنه : ابن المبارك ،
وعبد الرزاق بن همام ، وأبو ثور ، وغيرهم . قال أبو حاتم : جليل
ثقة. توفي سنة سبع وثمانين ومائة ، وهو ابن إحدى وثمانين . روى له
أبو داود (٣).
ومعمر بن راشد ، ومؤمل بن / الفضل بن مجاهد ، والوليد بن مسلم [٨٤/١-ب]
الدمشقي ، والأوزاعي عبد الرحمن ، والزهري محمد بن مسلم ،
وأبو سلمة عبد الله بن عبد الرحمن ، هذه أربع أسانيد كلهم عن الزهري.
قوله : ((ينطف رأسه )) جملة وقعت حالاً ، وكذلك قوله : ((قد
اغتسل))، ولذلك ذكر بلفظة ((قد))، وكذلك قوله: (( ونحن صفوف))
فهذه أحوال متداخلة أو مترادفة ، و((ينطف )) بكسر الطاء وضمها لغتان
مشهورتان ، أي : يقطر .
قوله: ((فلم نزل قياماً)) أي: قائمين، كصيام جمع ((صائم)).
قوله: ((ننتظره)) وقع حالاً من الضمير الذي في ((لم نزل)) أي : لم
نزل قائمين منتظرين إياه .
قوله: ((حتى خرج علينا وقد اغتسل)) هنا وقع الماضي حالاً ((بالواو))،
وكلمة (( قد ))، وقد تقع ((بالواو)) بدون ((قد )) لا صريحاً ولا مضمراً ،
بل بعضهم ما أوجبوا ((قدْ )) في الماضي المثبت إلا عند عدم الواو ، فإذا
وجد الواو لا يحتاج إلى ((قد)) . وأخرجه البخاري ، ومسلم ،
(٢) المصدر السابق (١٦٨/٢).
(١) في الأصل: ((عمرو )) خطأ.
(٣) المصدر السابق (١٨٤٤/٩).
-٥٢٥-

والنسائي، وفي لفظ البخاري: (( ثم خرج إلينا ورأسه تقطر ، فكبر
فصلينا معه))، وفي لفظ لمسلم: (( حتى خرج إلينا وقد اغتسل فنطف
رأسُه ماء، فكبر فصلى بنا)) ، وهذا رواية البخاري ومسلم تنطق بأنه كبر
بعد أن جاء ، فدل على أنه ما كبّر أولاً، ولا يلزم أن يكون الشروع مرتین،
وهذا غير مفيد ؛ لأنه لا يخلو إما أن يكون أفسد الشروع الأول أو لا ،
فإن أفسده فهو يساعدنا على الخصم ، وإن لم يفسده فلا فائدة في الشروع
الثاني ، والنبي - عليه السلام - ما يصدر منه شيء غير مفيد شرعاً ؛ لأن
أقواله وأفعاله وأحواله جميعها شرعٌ فافهم، فإنه كلام دقيق ، وبيان حقيق.
٨٥ - باب : الرجل يجد البلة في منامه
أي : هذا باب في بيان حكم الرجل الذي يجد البلل في منامه .
((البلة)) بكسر الباء : النداوة، وبالضم: ابتلال الرَّطب، وبالفتح: الريح
الذي فيها بلل .
٢٢١ - ص - حدّثنا قتيبة بن سعيد قال: نا حماد بن خالد الخياط ، قال:
[حدّثنا ] عبد الله العُمري ، عن عبيد الله ، عن القاسم ، عن عائشة قالت :
سُئُلَ النبيَّ - عليه السلام - عن الرجل يجدُ البَلَلَ ولا يذكُرُ احتلاماً؟ قال :
يَغتسلُ . وعن الرجل يَرَى أَنْ قَدِ احْتَلَمَ ، ولا يَجِدُ البَلَلَ ؟ قال : لا غُسْلَ
عليه . فقالت أُمُّ سُلَيم: المرأةُ ترى ذلك، أعليها الغُسلُ ؟ قال: ((نعم ، إنما
النساءُ شَقائقُ الرجالِ ) (١).
ش - حماد بن خالد الخياط ، أبو عبد الله القرشي البصري ، سكن
بغداد ، وأصله مدني . سمع : مالك بن أنس، وابن أبي ذئب ، وعبد الله
ابن عمر العمري ، ومعاوية بن صالح . روى عنه : أحمد بن حنبل ،
ويحيى بن معين ، وأبو بكر بن أبي شيبة ، وغيرهم . قال ابن معين :
(١) الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء فيمن تستيقظ فترى بللاً (١١٣)،
ابن ماجه : كتاب الطهارة ، باب : من احتلم ولم ير بللاً (٦١٢).
-٥٢٦-

صالح الحديث ، ثقة . وقال أبو زرعة : شيخ ثقة . روى له الجماعة إلا
البخاري (١) .
وعبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، أبو عبد
الرحمن القرشي العدوي ، أخو عبيد الله وإخوته ، سمع : نافعاً مولى ابن
عمر ، وخبيب بن عبد الرحمن، وأبا الزبير ، والقاسم بن غنام البياضي،
والزهري، وغيرهم. روى عنه: منصور بن سلمة الخزاعي، وقراد أبو نوح،
وأبو نعيم ، ووكيع ، وغيرهم . وقال ابن المديني : ضعيف . وعن ابن
معين : ليس به بأس، يكتب حديثه . وعن أحمد بن حنبل: صالح، وعن
صالح بن محمد: لين ، مختلط الحديث. توفي بالمدينة سنة إحدى وسبعين
ومائة . روى له الجماعة إلا البخاري ، ورواية مسلم عنه مقروناً (٢).
وعبيد الله هو أخو عبد الله المذكور ، وقد ذكرناه ، والقاسم بن محمد
ابن أبي بكر الصِّدِّيق ذكر .
وأم سُليم بنت ملحان بن خالد بن زيد ، أم أنس بن مالك الأنصارية ،
يقال : اسمها : سَهْلة ، ويقال : رُميلة ، ويقال: أنيفة، ويقال: رُمَيثة،
ويقال : الرميصاء . رُوي لها عن رسول الله وَل أربعة عشر حديثاً،
اتفقا على حديث واحد ، وللبخاري آخر ، ولمسلم حديثان . روى عنها :
ابنها أنس ، وعبد الله بن عباس . روى لها : أبو داود ، والترمذي ،
والنسائي (٣).
قوله: (( ولا يذكر احتلاماً)) الاحتلام من الحلم ، وهو عبارة عما يراه
النائم في نومه من الأشياء ، يقال : حلَم - بالفتح - إذا رأى ، وتحلّم إذا
ادعى الرؤيا كاذباً .
قوله: ((أعليها)) الهمزة للاستفهام .
قوله: ((شقائق الرجال)) / أي: نظائرهم وأمثالهم في الأخلاق [٨٥/١ -أ]
والطباع، كأنهن شققن منهم ، ولأن حواء خلقت من آدم عليهما السلام ،
(١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (١٤٧٩/٧). (٢) المصدر السابق (٣٤٤٠/١٥).
(٣) انظر ترجمتها في: الاستيعاب بهامش الإصابة (٤٥٥/٤)، وأسد الغابة
(٣٤٥/٧)، والإصابة (٤ /٤٦١).
- ٥٢٧-

والشقائق جمع ((شقيقة))، ومنه شقيق الرجل أخوه لأبيه وأمه ، ويجمع
على أشقاء بتشديد القاف . وقوله - عليه السلام - هذا خارج مخرج
التعليل في وجوب الغسل على المرأة إذا وجدت بللاً ولم تتذكر احتلاماً .
وأخرجه الترمذي ، وابن ماجه ، وقال الترمذي : وإنما روى هذا الحديث
عبد الله بن عمر ، عن عبيد الله بن عمر ، وعبد الله بن عمر ضعفه يحيى
ابن سعيد من قبل حفظه ، وهو قول غير واحد من أهل العلم من
أصحاب النبي - عليه السلام - والتابعين ، أنه إذا استيقظ الرجل فرأى بلة
أنه يغتسل ، وهو قول سفيان وأحمد .
قلت : وهو قول أبي حنيفة وأصحابه أيضاً . وقال بعض أهل العلم من
التابعين : إنما يجب عليه الغسل إذا كانت البلة بلة نطفة ، وهو قول
الشافعي ، وإسحاق . وإذا رأى احتلاماً ولم ير بلة فلا غسل عليه عند
عامة أهل العلم .
٨٦ - باب : المرأة ترى ما يرى الرجل
أي : هذا باب في بيان حكم المرأة التي ترى في منامها ما يرى الرجل
من الاحتلام .
٢٢٢ - ص - ثنا أحمد بن صالح قال : ثنا عنبسة ، عن يونس ، عن ابن
شهاب قال : قال عروة ، عن عائشة ، أن أُم سليم الأنصارية - وهي أم أنس
ابن مالك - قالت: « يا رسولَ الله ، إن الله لا يستحي من الحقِّ، أرأيتَ المرأةَ
إذا رأتْ في النومِ ما يَرَى الرجلُ أتغتسلُ أو لا (١) ؟ قالت عائشةُ : فقالَ
النبي - عليه السلام -: ((نعم، فَلْتغتسلْ إذا وجدت الماءَ))، قالت عائشةُ:
فأقبلتُ عليها فقلتُ: أُفِّلك، وهل تَرَى ذلك المرأةُ؟ فأقبلَ عليَّ رسولُ الله
فقال: ((تَرِبَتْ يمينُك يا عائشةٌ، ومن أينَ يكونُ الشَّبَّهُ؟)) (٢) .
(١) في سنن أبي داود: ((أم لا)).
(٢) البخاري : كتاب العلم ، باب: الحياء في العلم (١٣٠)، مسلم : كتاب =
-٥٢٨-

ش - أحمد بن صالح المعروف بابن الطبري .
وعنبسة بن خالد بن يزيد ابن أبي النجاد ، الأيلي الأموي مولاهم ،
أبو عثمان ابن أخي يونس بن يزيد . روى عن يونس هذا ، ورجاء بن
جميل. روى عنه : ابن وهب ، وأحمد بن صالح . توفي بأيلة سنة ثمان
وتسعين ومائة . روى له : البخاري ، وأبو داود (١) .
ويونس بن يزيد بن أبي النجاد بالنون ، وقد مرّ ، وعروة بن الزبير .
قوله: ((إن الله لا يستحي)) من الحياء ، وهو تغير وانكسار يعتري الإنسان
من تخوف ما يعاب به ويُدم ، واشتقاقه من الحيوة ، يُقال : حَيي الرجل
كما يقال نَسِيَ .
فإن قلت : كيف جاز وصف القديم سبحانه به ، ولا يجوز عليه التغير
والخوف والذم ؟ وورد من حديث سلمان قال : قال رسول الله - عليه
السلام - : « إن الله حي کریم ، یستحي إذا رفع إلیه العبد یدیه أن يردهما
صفراً حتى يضع فيهما خيراً )) .
قلت : هذا جار على سبيل الاستعارة التبعيّة التمثيلية شبه ترك الله
تخييبَ العبد ، وردَّ يديه إليه صفراً بترك الكريم ، وردّه المحتاج حياء ،
فقيل : ترك الله الرد حياء كما قيل: ترك الكريم رد المحتاج حياءً ، فأطلق
الحياء ثمة كما أطلق الحياء هاهنا ، فلذلك استعير ترك المستحي لترك
الحق، ثم نفي عنه (٢)، وفي ((يستحي)) لغتان ، أفصحهما باليائين.
= الحيض ، باب: وجوب الغسل على المرأة بخروج المني منها (٣١٤)، الترمذي:
كتاب الطهارة ، باب : ما جاء في المرأة ترى في المنام مثل ما يرى الرجل
(١٢٢)، النسائي: كتاب الطهارة ، باب : غسل المرأة ترى في منامها ما يرى
الرجل (١١٣/١)، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: في المرأة ترى في
منامها ما يراه الرجل (٦٠٠) من حديث أم سلمة .
(١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٤٥٢٩/٢٢).
(٢) بل وصف الله نفسه بالحياء على سبيل الحقيقة ، اعتقاد أهل السُّنَّة والجماعة :
﴿ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾، وانظر: ((العقيدة الواسطية))
لشيخ الإسلام ابن تيمية .
٣٤ ٠ شرح سنن أبي داوود ١
-٥٢٩-

قوله: ((أرأيت)) بمعنى: أخبرني، والألف في قوله: ((أتغتسل))
للاستفهام .
قوله: (( فأقبلت عليها)) أي : على أم سليم .
قوله: ((فقلت: أفِّ لك)) معناه: الاستقذار والاحتقار لما قالت ، وهي
صوت إذا صوّت به الإنسان علم أنه متضجر متكرّه . وقيل : أصل الأف
من وسخ الإصبع إذا فُتل ، وقد أففت بعده تأفيفاً وأففت به ، إذا قلت له:
أف لك ، وفيها لغات هذه أفصحها وأكثرها استعمالاً ، ويقال : أصل
الأف وسخ الأظفار . وقال بعضهم : فيها عشر لغات: أُفِّ، وأُفَّ،
وأُفُّ (١) بضم الهمزة مع كسر الفاء وفتحها وضمها بغير تنوين ،
وبالتنوين، فهذه ست، والسابعة: ((إِفَّ)) بكسر الهمزة وفتح الفاء ،
والثامنة: ((أُفْ)) بضم الهمزة وإسكان الفاء، والتاسعة: ((أُفي)) بضم
[٨٥/١-ب] الهمزة وبالياء، و((أفه)) بالهاء ، هذه لغات مشهورة / ذكرهن كلهن ابن
الأنباري ، فمن كسره بناه على الأصل ، ومن فتحه طلب الخفة ، ومن
ضم أتبع ، ومن نَوَّنَ أراد التنكير ، ومن لم ينون أراد التعريف ، ومن
خفف الفاء حذف أحد المثلين تخفيفاً ، ومن زاد التاء كأنه أضافه إلى
نفسه، ومن زاد الهاء كأنه وقف عليها كما في ((ق)) يقال: (( قه )).
قوله: ((تربت يمينك)) من ترب الرجل إذا افتقر، أي: لصق بالتراب،
وأترب إذا استغنى، (((٢) وهذه الكلمة جارية على ألسنة العرب لا يريدون
بها الدعاء على المخاطب ، ولا وقوع الأمر بها كما يقولون : قاتله الله ،
وقيل : معناه لله درك . وقيل : أراد بها المثل ليرى المأمور بذلك الجد ،
وأنه إن خالفه فقد أساء ، وقال بعضهم : هو دعاء على الحقيقة ، فإنه قد
قال لعائشة: ((تربت يمينك))؛ لأنه رأى الحاجة خيراً لها ، والأول
الوجه، ويعضده قوله في حديث خزيمة: (( أنعم صباحاً ، تربت يداك))،
فإن هذا دعاء له ، وترغيب في استعماله ما تقدمت الوصية به ،
(١) في الأصل: ((وأوف)).
(٢) انظر: النهاية (١٨٤/١ - ١٨٥).
- ٥٣٠-

ألا تراه قال: ((أنعم صباحاً))، ثم عقبه بقوله: ((تربت يداك))؟
وكثيراً يرد للعرب ألفاظ ظاهرها الذم ، وإنما يريدون بها المدح ، كقولهم:
لا أب لك، ولا أم لك، وهَوَتْ أمَّه، ولا أرض لك، ونحو ذلك))(١).
قوله : (( ومن أين يكون الشبه ؟ )) بفتح الشين والباء يقال : بينهما شبه
أي : مشابهة . والمعنى : أن ماء الرجل إذا غلب ماء المرأة يكون شبه الولد
للأب وبالعكس للأم ، ولو لم يكن للأم ماء ما كان يشبه الولد الأم
أصلاً كما في ((صحيح مسلم)) من حديث طويل: (( ماء الرجل أبيض ،
وماء المرأة أصفر ، فإذا اجتمعا فعلا مَنِيُّ الرجل مَنيَّ المرأة أذكرا بإذن الله
تعالى ، وإذا علا مَنيُّ المرأة مَنيَّ الرجل أنَّا بإذن الله))، وهذا الحديث
أخرجه البخاري ، ومسلم ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه من
حديث أم سلمة - رضي الله عنها - .
وهاهنا مسائل فقهية ، استيقظ رجل فوجد على فراشه أو فخذه بللاً ،
هذا على وجهين ، تذكر الاحتلام أم لا ، فإن تذكر فعلى أربعة أوجه :
تيقن أنه مني ، أو تيقن أنه مَذي ، أو شك أنه مني أو مَذي ، ففي الكل
الغسل ، وليس في هذا إيجاب الغسل بالمذي ، بل بالمني ؛ لأن الظاهر أنه
مني ثم رق بطول المدة ، وإن تيقن أنه وَدَيٌّ لا غسل عليه ، وإن لم يتذكر
الاحتلام فعلى الأوجه الأربعة أيضاً ، فإن تيقن أنه وَديٌّ ، أو تيقن أنه
مَذي، لا يجب الغسل ، وإن تيقن أنه مَني يجب الغسل ، وإن شك أنه
مَني أو مذي ، قال أبو يوسف : لا يجب قياساً حتى يتيقن بالاحتلام ،
وقالا : يجب استحساناً .
ص - قال أبو داود : وكذلك رواه عُقيل ، والزبيدي ، ويونس ، وابن أخي
الزهري ، وابن أبي الوزير ، عن مالك ، عن الزهري ، ووافق الزهريّ مسافع
الحجبي ، قال : عن عروة ، عن عائشة ، وأما هشام بن عروة فقال : عن
(١) إلى هنا انتهى النقل من النهاية .
- ٥٣١-

عروة ، عن زينب بنت أبي سلمة ، عن أم سلمة ، أن أم سليم جاءت (١)
رسول الله - عليه السلام - .
ش - عُقيل - بضم العين - مولى عثمان بن عفان ، وقد ذكر .
والزَّبيدي - بضم الزاي - هو محمد بن الوليد ، ويونس بن يزيد .
وابن أخي الزهري اسمه : محمد بن عبد الله بن مسلم . روى عن
عمه الزهري . وروى عنه : معقل ، والقعنبي ، وطائفة . وقال الذهبي :
كذَّبه ابن معين ، ووثَّقه أبو داود وغيره . مات سنة سبع وخمسين ومائة .
روى له الجماعة (٢).
وابن أبي الوزير : إبراهيم بن عمر بن مطرف الهاشمي مولاهم المكي ،
أبو عمرو بن أبي الوزير ، نزل البصرة . سمع : مالك بن أنس ،
وشريكاً، وابن عيينة ، وغيرهم . روى عنه : عليّ بن المديني ، وابن
المثنى ، وابن بشار ، وغيرهم . قال أبو حاتم : لا بأس به . مات سنة
ثلاث وثلاثين ومائتين . روى له الجماعة إلا مسلماً (٣).
ومُسافع - بضم الميم ، وبالسين المهملة ، وبكسر الفاء - ابن عبد الله
الأكبر بن شيبة بن عثمان بن أبي طلحة عبد الله بن عبد العزيز بن عثمان
ابن عبد الدار بن قُصي ، أبو سليمان القرشي الحجبي المكي . سمع :
عبد الله بن عمرو ، وعروة بن الزبير ، وعمته صفية بنت شيبة ،
والزهري. روى عنه : مصعب بن شيبة ، ورجاء أبو يحيى ، ومنصور بن
صفية ، والزهري . قال ابن سعد : كان قليل الحديث . وقال أحمد بن
عبد الله : تابعي ثقة . روى له : مسلم ، وأبو داود ، والترمذي (٤).
وزينب بنت أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد ، وأمها : أم سلمة زوج
[٨٦/١-١] النبي - عليه السلام - ، ولدت بأرض الحبشة، كان / اسمُها بَرَّةً ،
(١) في سنن أبي داود: ((جاءت إلى)).
(٢) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٥٣٧٥/٢٥).
(٣) المصدر السابق (٢١٨/٢).
(٤) المصدر السابق (٥٨٨٧/٢٧).
- ٥٣٢-

فسماها رسولُ الله زينب (١) ، روى لها البخاري حديثاً ومسلم آخر ،
وقد رويا لها عن أمها وغيرها . روى عنها القاسم بن محمد ، وعروة بن
الزبير ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن ، وعبيد الله بن عبد الله ، والشعبي .
روى لها : أبو داود ، والترمذي ، والنسائي (٢).
وأم سلمة اسمها : هند بنت أبي أمية ، واسمه حذيفة ، ويقال : سهيل
ابن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، أم سلمة المخزومية، أم المؤمنين،
كانت قبل النبي عند أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد . رُوي لها عن
رسول الله ثلاثمائة وثمانية وسبعون حديثاً ، اتفقا على ثلاثة عشر حديثاً ،
ولمسلم مثلها ، هاجرت الهجرتين : هجرة الحبشة ، وهجرة المدينة . روى
عنها : ابنها عمر ، وابنتها زينب ، وسعيد بن المسيب ، وأبو بكر بن
عبد الرحمن ، وكُريب مولى ابن عباس ، وجماعة آخرون ، توفيت سنة
تسع وخمسين ، وصلى عليها أبو هريرة . روى لها الجماعة (٣).
ويستفاد من هذا الحديث فوائد ، الأولى : ترك الاستحياء لمن تعرض له
مسألة ، والامتناع، وقد قالت عائشة: (( نعم النساءُ نساءُ الأنصار ، لم
يمنعهن الحياءُ أن يتفقهن في الدين )).
والثانية: وجوب الغسل على الرجل والمرأة جميعاً إذا احتلم ووجد الماء.
والثالثة : إثبات أن المرأة لها ماء .
والرابعة : إثبات القياس ، وإلحاق حكم النظير بالنظير .
والخامسة : أن الخطاب إذا ورد بلفظ الذكور كان خطاباً للنساء ، إلا
مواضع الخصوص التي قامت أدلة التخصيص فيها .
(١) البخاري : كتاب الأدب، باب: تحويل الاسم إلى اسم أحسن منه (٦١٩٢)،
مسلم : كتاب الآداب ، باب : استحباب تغيير الاسم القبيح إلى حسن ....
(١٧/٢١٤١) .
(٢) انظر ترجمتها في: الاستيعاب بهامش الإصابة (٣١٩/٤)، أسد الغابة
(١٣١/٧)، الإصابة (٣١٧/٤).
(٣) المصادر السابقة (٤٢١/٤)، (٢٨٩/٧)، (٤٢٣/٤).
-٥٣٣-

٨٧ - باب : مقدار الماء الذي يجزئ به الغسل
أي : هذا باب في بيان مقدار الماء الذي يكتفى به في الغسل .
٢٢٣ - ص - حدّثنا عبد الله بن مَسلمة، عن مالك ، عن ابن شهاب، عن
عروة، عن عائشة: ((أن رسولَ الله وَلَ كان يَغتسلُ من إناء (١) هو الفَرْقُ من
الجَنَابَة)) (٢).
ش - الفرق : بفتح الفاء والراء وبإسكانها لغتان ، والفتح أفصح
وأشهر، وزعم الباجي أنه الصواب ، وليس كما زعم ، بل هما لغتان .
قال سفيان: الفرق ثلاثة آصع. وقال ابن الأثير (٣): ((الفَرَقُ بالتحريك
مكيال يسع ستة عشر رِطلاً ، وهي اثنى عشر مُدا ، وثلاثة آصع عند أهل
الحجاز ، وقيل : الفرق خمسة أقساط ، والقسْط : نصف صاع ، فأما
الفرْق بالسكون فمائة وعشرون رطلاً )) .
وقال أصحابنا في كتب الفقه : الفرق : ستة وثلاثون رِطلاً ، ذكره
صاحب (( الهداية)) ، ثم علله بقوله : لأنه أقصى ما يُقدر به .
واعلم أن المراد من كلمة ((مِن)) في قوله: ((من إناء )) بيان الجنس ،
والإناء الذي هو الفرق الذي يستعمل منه الماء ، وليس المراد أنه يغتسل
بملاء الفرق ، بدليل الحديث الآخر : (( كنت أغتسلُ أنا ورسولُ الله من
قدح يقال له الفرق))، وبدليل الحديث الآخر: (( يغتسل بالصاع)).
واعلم أيضاً أن العلماء أجمعوا على أن الماء الذي يجزئ من الغسل
والوضوء غير مقدر ، بل يكفي فيه القليل والكثير إذا وجد شرط الغسل ،
(١) في سنن أبي داود: ((إناء واحد)).
(٢) البخاري : كتاب الغسل ، باب : غسل الرجل مع امرأته ، مسلم : كتاب
الحيض ، باب : القدر المستحب من الماء في غسل الجنابة ، وغسل الرجل
والمرأة في إناء واحد في حالة واحدة وغسل أحدهما بفضل الآخر (٣١٩) ،
النسائي : كتاب الطهارة ، باب : ذكر القدر يكتفي به الرجل من الماء للغسل
(١/ ١٢٧) .
(٣) النهاية (٤٣٧/٣).
- ٥٣٤-

وهو جريان الماء على الأعضاء ؛ لأن الغسل هو الإسالة ، فإذا لم يسل
يصير مسحاً وذا لا يجوز . وقال الشافعي : وقد يرفق بالقليل فيكفي ،
ويحرق بالكثير فلا يكفي ، وقالت العلماء : المستحب أن لا ينقص في
الغسل عن صاع ، ولا في الوضوء عن مد ، وقد ذكرنا الخلاف في
الصاع، وأجمعوا أيضاً على النهي عن الإسراف في الماء ، ولو كان على
شاطئ البحر ، ثم الأظهر أنه كراهة تنزيه لا تحريم ، خلافاً لبعض
الشافعية .
ص - قال معمر عن الزهري في الحديث، قالت: (( كنتُ أغتسل أنا
ورسولُ الله من إناء واحد ، فيه قَدْرُ الفَرقِ )) .
ش - أي : قالت عائشة في هذه الرواية .
قوله: ((فيه قدر الفرق)) أي : يسع فيه ماء قدر الفرق، وإذا فرضنا أنه
- عليه السلام - اغتسل هو وعائشة بقدر الفرق ، يكون قدر الماء الذي
استعمل كل منهما بالتقريب ثمانية أرطال ، لأن الفرق ستة عشر رطلاً كما
فسره أحمد بن حنبل ، وهي صاع عند أبي حنيفة ومحمد .
ويستفاد من الحديث جواز اغتسال الرجل والمرأة من إناء واحد ، وقد مرّ
الكلام فيه ، ويستفاد أيضاً الاكتفاء بالصاع كما قررنا . وأخرجه البخاري،
ومسلم / والنسائي .
[٨٦/١ -ب]
ص - قال أبو داود : روى ابن عيينة نحو حديث مالك .
قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: (( الفرق ستة عشر
رطلاً))(١)
(١) في سنن أبي داود: ((وسمعته يقول : صاع ابن أبي ذئب خمسة أرطال وثلث،
قال : فمن قال ثمانية أرطال قال : ليس ذلك بمحفوظ ، قال : وسمعت أحمد
يقول : من أعطى في صدقة الفطر برِطلنا هذا خمسة أرطال وثلثا فقد أوفى ،
قيل : الصيحاني ثقيل. قال : الصيحاني أطيب ، قال : لا أدري )) .
-٥٣٥-

ش - أي : روى سفيان بن عيينة نحو حديث مالك بن أنس ، عن
الزهري ، عن عروة بن الزبير ، عن عائشة - رضي الله عنها - ..
٨٨ - باب : الغسل من الجنابة
أي : هذا باب في بيان الاغتسال من الجنابة ، الغُسل - بضم الغين -
اسم الاغتسال ، وبالفتح المصدر ، وبالكسر الشيء الذي يُغسلُ به كالسدر
والأشباه .
٢٢٤ - ص - حدّثنا عبد الله بن محمد النَّفَيْلي قال: نا زهير قال : ثنا
أبو إسحاق قال : حدَّثْني سليمان بن صُرَدٍ ، عن جبير بن مطعمٍ ، أنهم ذكِروا
عندَ رسول الله - عليه السلام - الغُسْلَ مِنَ الجَنَابة، فقال رسولُ الله: ((أَمَّا أنا
فأَفيضُ علَى رأسي ثلاثاً ، وأشارَ بيديه كلتَيْهِمَا)) (١) .
١
ش - زهير بن معاوية بن حُديجْ ، وأبو إسحاق عمرو بن عبد الله
السبيعي ، وقد ذُكرا .
وسليمان بن صُرد - بضم الصاد، وفتح الراء- ابن الجون بن أبي الجون
ابن منقذ بن ربيعة الخزاعي . رُوي له عن رسول الله - عليه السلام -
خمسة عشر حديثاً ، اتفقا على حديث واحد ، وانفرد البخاري بحديث .
روى عنه : عديّ بن ثابت ، وأبو إسحاق السبيعي المذكور ، نزل الكوفة
وقُتل بعين الوردة من الجزيرة سنة خمس وستين أميراً للتوابين . روى له
الجماعة (٢) .
(١) البخاري : كتاب الغسل ، باب: من أفاض على رأسه ثلاثاً (٢٥٤)، مسلم :
كتاب الحيض ، باب : استحباب إفاضة الماء على الرأس وغيره ثلاثاً (٣٢٧)،
النسائي : كتاب الطهارة ، باب : ذكر ما يكفي الجنب من إفاضة الماء على
رأسه (١٣٥/١)، ابن ماجه : كتاب الطهارة ، باب : في الغسل من الجنابة
(٥٧٥) .
(٢) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (٦٣/٢)، وأسد الغابة
(٤٤٩/٢)، والإصابة (٧٥/٢) .
-٥٣٦-

وجبير بن مطعم بن عدي أبي نوفل القرشي المدني ، قدم على النبي
- عليه السلام - في فداء أُسارى بدر وهو مشرك ، ثم أسلم بعد ذلك قبل
عام خيبر ، وقيل : أسلم يوم الفتح . رُوي له عن رسول الله ستون
حديثاً، اتفقا على ستة ، وانفرد البخاري بحديث ومسلم بحديث . روى
عنه : ابناه محمد ونافع ، وسليمان بن صُرد ، وسعيد بن المسيب ،
وغيرهم . مات بالمدينة سنة أربع وخمسين . روى له الجماعة (١) .
قوله: ((أما أنا)) كلمة ((أَمَّا)) بالفتح والتشديد حرف شرط وتفصيل
وتوكيد ، والدليل على الشرط لزوم الفاء بعدها نحو: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ
فَيَعْلَمُونَ﴾ (٢)، والتفصيل مثل قوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ
لمَسَاكِينَ﴾ (٣)، ﴿وَأَمَّا الْغُلامُ﴾ (٤)، ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ﴾ (٥). وأما
التوكيد فقد ذكره الزمخشري، فإنه قال: فائدة: (( أما )) في الكلام أن
تعطيه فضل توكيد تقول : زيد ذاهب ، فإذا قصدت توكيد ذلك ، وأنه لا
محالة ذاهب ، وأنه بصدد الذهاب ، وأنه منه عزيمة . قلت : أما زيد
فذاهب . وهاهنا أيضاً للتأكيد فافهم .
وَأَمَّا ((أَمَا)) بالفتح والتخفيف على وجهين ، الأول : أن يكون حرف
استفتاح بمنزلة ((ألا)) ويكثر ذلك قبل القسم . والثاني : أن يكون بمعنى
حقا .
قوله : « فأفیضُ )) من أفاض الماء إذا سکبه ، وثلاثیه فاض ، من فاض
الماء والدمع وغيرهما ، يفيض فيضاً إذا كثر .
قوله: (( ثلاثاً)) أي : ثلاث أكف ، وهكذا في رواية مسلم ، والمعنى :
ثلاث حفنات ، كل واحدة منهن ملء الكفين جميعاً .
قوله: ((وأشار بيديه )) من كلام جُبير بن مطعم ، أي: أشار رسول الله
(١) المصادر السابقة (١/ ٢٣٠)، (٣٢٣/١)، (٢٢٥/١).
(٢) سورة البقرة : (٢٦) .
(٣) سورة الكهف : (٧٩) .
(٤) سورة الكهف: (٨٠).
(٥) سورة الكهف : (٨١).
-٥٣٧-

بيديه الثنتين ، كما قلنا : إن كل حفنة ملء الكفيّن ، وهذا هو المسنون في
الغسل ، وعليه إجماع العلماء ، وأما الفرض فيه غسل سائر البدن
بالإجماع ، وفي المضمضة والاستنشاق خلاف مشهور . وأخرجه البخاري
ومسلم والنسائي وابن ماجه .
٢٢٥ - ص - ونا محمد بن المثنى قال : ثنا أبو عاصم، عن حنظلة ، عن
القاسم ، عن عائشة قالت : كان رسولُ الله - عليه السلام - إذا اغْتسلَ من
الجَنَابة دَعَا بشيء (١) نحو الحلاب، فأخذ بكَفِّهِ (٢) فبدأَ بِشِقِّ رأسِهِ الأيمنِ ثم
الأيسرِ ، ثم أخذ بكَفَيْهِ فقالَ بِهَا علَى رأسه (٣) .
ش- أبو عاصم هذا هو الضحاك بن مخلد أبو [عاصم] النبيل البصري.
وحنظلة بن أبي سفيان بن عبد الرحمن بن صفوان بن أمية القرشي
الجُمحي المكي . سمع : القاسم بن محمد ، وسالم بن عبد الله بن
عمر، وعطاء بن أبي رباح ، وطاوساً ، ومجاهداً ، وغيرهم . روى عنه:
الثوري ، وابن المبارك ، ووكيع ، وأبو عاصم النبيل ، وغيرهم . قال
[٨٧/١-١] أحمد بن حنبل: ثقة ثقة. / وقال ابن معين: ثقة حجة . مات سنة
إحدى وخمسين ومائة . روى له الجماعة إلا ابن ماجه (٤) .
قوله: ((نحو الحلاب)) ((الحلاب)) بكسر الحاء المهملة : إناء يملاؤه قدر
حلبة ناقة . ويقال لها أيضاً المحلب بكسر الميم ، وترجم البخاري عليه
((من بدأ بالحلاب أو الطيب عند الغسل))، فدل على أنه عنده ضرب من
الطيب ، وهذا لا يُعرف في الطيب، والمعروف حب المحلَب بفتح الميم
واللام ، وألفاظ الحديث ظاهرة في أنه الإناء . وقال بعضهم : يحتمل أن
(١) في سنن أبي داود: ((بشيء من)).
(٢) في سنن أبي داود: ((فأخذ بكفيه)).
(٣) البخاري : كتاب الغسل، باب: من بدأ بالحلاب أو الطيب قبل الغسل (٢٥٨)،
مسلم : كتاب الحيض ، باب : صفة غسل الجنابة (٣١٨) ، النسائي: كتاب
الغسل والتيمم ، باب: استبراء البشرة في الغسل من الجنابة (٢٠٦/١).
(٤) انظر ترجمته في : تهذيب الكمال (٧/ ١٥٦١).
-٥٣٨-

يكون البخاري ما أراد إلا الجُلاب - بالجيم المضمومة ، وتخفيف اللام -
وهو ماء الورد ، فارسي مُعرّب؛ لأن (( كل)) عندهم الورد، و(( آب))
الماء ، فلما عُرّب أبدل من الكاف جيم ، والمحفوظ في البخاري بالحاء
المهملة ، وهو بها أشبه ؛ لأن الطيب لمن يغتسل بعد الغسل أليق منه قبله
وأولى ؛ لأنه إذا بدأ به ثم اغتسل أذهبه الماء ، وقال ابن الأثير في باب
الجيم مع اللام (١). ((وفي حديث عائشة: كان إذا اغتسل من الجنابة دعا
بشيء تحو الجُلاب . قال الأزهري : أراد بالجُلاب ماء الورد، والله
أعلم)). قلت : الذي تشهد به العبارة من السياق والسباق أن المراد به
الإناء ،، يتأمله من له ذوق في طرق التركيب .
قوله: (( فبدأ بشق رأسه الأيمن )) الشقّ - بكسر الشين ، وتشديد القاف-
بمعنى : الجانب، وبمعنى: نصف الشيء، ومنه: ((تصدقوا ولو يشق
تمرة: )) أي : نصفها .
وقوله: ((الأيمن)) صفة للشق ، وكذلك الأيسر.
قوله: ((فقال: يهما)) أي: بالكفين، واعلم أن العرب تجعل القول عبارة
عن جميع الأفعال ، وتطلق على غير الكلام فتقول : قال بيده ، أي :
أخذ . وقال بيوجله ، أي : مشى . وقالت له العينان : سمعاً وطاعة ،
أي: أومأت . والمعنى هاهنا قال بكفيه على رأسه ، أي : قلب . وفي
حديث آخر: ((فقال بثوبه )) أي : رفعه ، وكل ذلك على المجاز ،
والاتساع، ويُقال: إنّ ((قال)) تجيء لمعات كثيرة بمعنى: أقبل ، ومال،
واستراح ، وذهب ، وغلب ، وأحبّ ، وحكم ، وغير ذلك . وسمعت
أهل مصر يستعملون هذا في كثير من ألفاظهم ، ويقولون : أخذ العصا
وقال به كذا ، أي : ضرب به . وجمع كفه وقال بها في رقبته ، أي :
لكمها ، وأخذ الجندة وقال بها على جسمه ، أي : لبسها ، وغير ذلك ،
(١) النهاية (١/ ٢٨٢).
- ٥٣٩-

يقف على ذلك من يتأمل في كلامهم ، ولذلك رأيتهم أفصح من أهل
الشام وحلب وديار بكر ، ولا سيما المولدون فيها .
٢٢٦ - ص - وثنا يعقوب بن إبراهيم قال: نا عبد الرحمن - يعني : ابن
مهدي - عن زائدة بن قدامة ، عن صدقة قال : نا جميع بن عُمير أَحدُ بني
تيم بن ثعلبة قال : دخلتُ مع أمي وخالَتِي على عائشةَ فسألتْهَا إحداهما :
كيف كنتُم تصنَعُونَ عندَ الغُسلِ ؟ فقالت عائشةُ : كان رسولُ الله يتوضأُ
وُضُوءَه للصلاة ، ثم يُفيضُ علَى رأسِهِ ثلاثَ مَراتٍ ونحنُ نُفِيضَُ على
رُؤُوسِنَا خمساً مَن أَجْلِ الضَّفْرِ (١) .
ش - يعقوب بن إبراهيم بن كثير بن زيد بن أفلح الدورقي أبو يوسف
العبدي ، أخو أحمد بن إبراهيم ، وكان الأكبر ، سكن بغداد ، رأى
الليث بن سعد . وسمع : ابن عيينة ، ويحيى القطان ، وأبا (٢) عاصم
النبيل ، وعبد الرحمن بن مهدي ، وغيرهم . روى عنه : أبو زرعة ،
وأبو حاتم ، والبخاري ، ومسلم ، وأبو داود ، والترمذي ، والنسائي ،
وابن ماجه ، وجماعة آخرون . وكان حافظاً ثقة متقناً ، صنف المسند .
مات سنة ثنتين وخمسين ومائتين (٣) .
وصدقة بن سعيد الحنفي ، سمع جميع بن عُمير . روى عنه :
عبد الواحد بن زياد ، وأبو بكر بن عياش ، وزائدة . قال البخاري : يعد
في الکوفیین . روى له : أبو داود ، وابن ماجه (٤) .
وجميع بن عُمير التيمي أحدُ بني تيم الله الكوفي ، روى عن : عبد الله
ابن عمر ، وعائشة الصِّدِّيقة . روى عنه : صدقة بن سعيد ، والعلاء بن
صالح ، وحكيم بن جبير ، وغيرهم . قال البخاري : فيه نظر . قال
(١) النسائي: كتاب الطهارة، باب: ذكر غسل الجنب يديه قبل أن يدخلهما الإناء
(١٣٣/١)، ابن ماجه: كتاب الطهارة، باب: ما جاء فى الغسل من الجنابة
(٥٧٤) .
(٢) في الأصل: ((أبي )) خطأ.
(٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٧٠٨٣/٣٢).
(٤) المصدر السابق (١٣ /٢٨٦٢).
- ٥٤٠-