النص المفهرس

صفحات 501-520

قالت : ربما أَوترَ في أولِ الليلِ وربما أَوترَ في آخرِهِ . قلتُ: اللهُ أكبرُ ، الحمدُ
اللهِ الذِي جعلَ في الأمرِ سَعَةً. قلتُ: أرأيتِ رسولَ الله كانَ يَجهرُ بالقرآنِ أم
يَخْفِتُ به؟ قالت : ربما جَهرَ به ، وربما خَفَّتَ . قلتُ : اللهُ أكبرُ ، الحمدُ لله
الذِي جعلَ في الأمرِ سَعَةٌ (١) .
ش - المعتمر بن سليمان ، وإسماعيل بن إبراهيم المشهور بابن علية .
وبُرد بن سنان الشامي أبو العلاء الدمشقي ، سكن البصرة . سمع :
عبادة بن نسي ، ومكحولاً ، ونافعاً ، وغيرهم . روى عنه : الثوري ،
والأوزاعي ، والحمادان ، وشريك النخعي ، وابن عيينة ، وغيرهم . وقال
ابن معين : ثقة . وقال أبو زرعة : لا بأس به . مات سنة خمس وثلاثين
ومائة . روى له : أبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه (٢).
وغُضَيف - بضم الغين وفتح الضاد المعجمتين - ويقال : بالظاء
المعجمة(٣)، وسكون الياء آخر الحروف، وفي آخره فاء ، ابن الحارث
أبو أسماء السكوني الحمصي ، ويقال : الثمالي ، ويقال : اليماني ،
ويقال : الكندي ، أدرك زمان النبي - عليه السلام - ، مختلف في صحبته
سمع : عمر بن الخطاب ، وبلالاً ، وأبا ذر ، وأبا الدرداء ، وعائشة
الصديقة . روى عنه : ابنه عبد الرحمن ، وعبادة بن نسي ، ومكحول ،
وغيرهم . قال ابن سعد: كان ثقة، مات أيام مروان بن الحكم / روى [١/ ٨٠-١]
له : أبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه (٤) .
قوله: (( أرأيت)) بكسر التاء بمعنى : أخبريني .
(١) النسائي: كتاب الطهارة، باب: ذكر الاغتسال أول الليل (١٢٥/١)، وكتاب
الغسل والتيمم ، باب : الاغتسال أول الليل (١٩٩/١)، ابن ماجه : كتاب
إقامة الصلاة ، باب: ما جاء في القراءة في صلاة الليل (١٣٥٤).
(٢) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٦٥٥/٤).
(٣) كذا، والذي فى مصادر الترجمة ((بالطاء المهملة)).
(٤) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (١٨٥/٣)، وأسد الغابة
(٤/ ٣٤٠)، والإصابة (١٨٦/٣)، وتهذيب الكمال (٤٦٩٣/٢٣).
- ٥٠١-

قوله: ((ربما اغتسل)) ((رب )) حرف خلافاً للكوفيين في دعوى اسميته،
وليس معناه التعليل دائماً خلافاً للأكثرين ، ولا التكثير دائماً خلافاً
لدرستويه ، بل يرد للتكثير كثيراً ، وللتعليل قليلاً ، فمن الأول نحو :
﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾ (١)، ومن الثاني قوله :
ألا رب مولود وليس له أب
وذي ولد لم يلده أبوان
ولها صدر الكلام ، وتنكير مجرورها ، واذا دخلها ((ما )) تكفها عن
العمل ، وتهيئها للدخول على الجمل الفعلية ، وفعلها ماض لفظاً ومعنى،
وقد تدخل الاسمية ، وقيل : لا تدخل أصلاً .
قوله: (( سعة)) بكسر السين أصلها ، وفتحت لأجل حرف الحلق ،
وأصلها وسعة كوعدة حذفت الواو تبعاً لفعلها ، وحركت السين للابتداء
من وَسِعَه الشيءِ يسَعُهُ سعة فهو واسع ، ووسُع بالضم وساعة فهو وسيع،
والوُسْع والسَّعة : الجدة والطاقة .
قوله: (( يوتر)) من أوتر يوتر إذا صلى الوتر ، والوتر بكسر الواو
وفتحها : الفرد .
قوله: ((الله أكبر)) إنما قال ذلك استعظاماً لقدر هذا الأمر والشأن وفرحاً
بسعته ، وابتهاجاً بمشروعيته .
قوله: (( يجهر بالقرآن)) من جهر بالقول إذا رفع به صوته فهو جهير ،
وأجهر فهو مجهر إذا عرف بشدة الصوت ، وكذلك المجهر بكسر الميم .
قوله: (( أم يخفت به)) من الخفت ، وهو ضد الجهر من باب ضرب
يضرب . ويستفاد من هذا الحديث فوائد ، الأولى : جواز تأخير الغسل
إلى وقت الصلاة .
الثانية : جواز تأخير الوتر إلى آخر الليل ، وبه احتج أصحابنا أن
المستحب تأخير الوتر إلى آخر الليل لمن يثق بالانتباه ، وإن لم يثق فأول
الليل أفضل كما في صحيح مسلم: (( من خاف أن لا يقوم آخر الليل
(١) سورة الحجر: (٢) .
-٥٠٢-

فليوتر أوله ، ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل ، فإن صلاة آخر
الليل مشهودة)) (١) ، وفيه دليل صريح على التفصيل الذي ذكره أصحابنا
وهو الصواب ، وتحمل باقي الأحاديث المطلقة على هذا التفصيل .
الثالثة : ثبوت الخيار للقارئ بين أن يجهر به وبين أن يخافت ، فقيل :
الجهر أفضل ، وقيل : الإخفاء أفضل ، والصحيح : أنه مقيد باعتبار زمان
القارئ ومكانه وحاله ، فيراعى الجهر والإخفاء بحسَب هذا الاعتبار .
وأخرجه النسائي مقتصراً على الفصل الأول ، وابن ماجه مقتصراً على
الفصل الأخير ، ورواية الوتر أخرجه البخاري مختصراً ومسلم كما ذكرنا.
٢١٢ - ص - حدّثنا حفص بن عمر النمري قال: نا شعبة عن عليّ بن
مُدرك ، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير ، عن عبد الله بن نُجيّ ، عن أبيه ،
عن عليّ بن أبي طالب، عن النبي - عليه السلام - قال: (( لا تدخلُ الملائكةُ
بيتاً فيه صُورةٌ ولا كلبٌ ولا جُنُبٌ )) (٢).
ش- علي بن مدرك أبو مدرك النخعي الكوفي. روى عن: عبد الرحمن
ابن يزيد النخعي ، وأبي زرعة ، وإبراهيم النخعي ، وغيرهم . روى عنه:
الأعمش ، وشعبة ، والمسعودي . قال مطين : مات سنة عشرين ومائة .
روى له الجماعة (٣).
وأبو زرعة اسمه : هرم بن عمرو بن جرير ، وقد مضى ذكره .
وعبد الله بن نُجَيِّ بن سلمة بن حِشْم - بالحاء المهملة والشين المعجمة -
ابن أسد بن خُلَيْبَة - بضم الخاء المعجمة ، وبعد اللام ياء آخر الحروف،
ثم باء موحدة - الحضرمي الكوفي . قال الدارقطني : لا بأس به . وقال
(١) مسلم : كتاب صلاة المسافرين وقصرها ، باب: من خاف أن لا يقوم من آخر
الليل فليوتر أوله (١٦٢/٧٥٥) من حديث جابر بن عبد الله .
(٢) أخرجه أبو داود في كتاب اللباس ، باب : في الصور (٤١٥٢) ، والنسائي :
كتاب الطهارة، باب : في الجنب إذا لم يتوضأ (١٤١/١)، وكتاب الصيد
والذبائح ، باب : امتناع الملائكة من دخول بيت فيه كلب (١٨٥/٧) ، ابن
ماجه : كتاب اللباس ، باب : الصور في البيت (٣٦٥٠) .
(٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٤١٣٣/٢١).
-٥٠٣-

البخاري : فيه نظر . روى عن : عليّ بن أبي طالب ، وعن أبيه عن
عليّ، وعن عمار بن ياسر، والحسين (١) بن عليّ. روى عنه: أبو زرعة،
وجابر الجعفي ، والحارث العكلي . روى له : أبو داود ، والنسائي ،
وابن ماجه (٢) .
ونُجيّ المذكور روى عن عليّ بن أبي طالب . روى عنه ابنه عبد الله ،
روى له : مسلم ، وأبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه (٣).
قوله: ((الملائكة)) جمع ((ملاءَك)) على الأصل كالشمائل جمع
((شماءَل))، وليس جمع (( مَلَكِ))؛ لأن فَعَلاً لا تجمع على فعائل ، ولكن
ملك أصله ملاءَك ، ترك الهمزة لكثرة الاستعمال ، فلما أريد جمعه رد
إلى الأصل كما أن الشمائل - وهي الرياح - جمع ((شماءَل)» بالهمز في
الأصل لا جمع شمال ؛ لأن فعالاً لا تجمع على فعائل ، واشتقاقه من
[٨٠/١-ب] الألوكة وهي الرسالة، يقال: ألكِني إليه / أي : أرسلني إليه ، سمي
الملك ملكاً لأنه رسول من الله تعالى ، وإلحاق التاء فيه دلالة على أن كل
جمع مؤنث .
واعلم أنه لا خلاف بين العقلاء أن أشرف الرتبة للعالم العلوي هو
وجود الملائكة فيه ، كما أن أشرف الرتبة للعالم السفلي هو وجود الإنسان
فيه ، واختلفوا في ماهية الملائكة ، فقيل : إنهم أجسام لطيفة هوائية ،
تقدر على التشكل بأشكال مختلفة ، مسكنها السموات ، وهو قول أكثر
المسلمين . وقالت الفلاسفة : إنهم جواهر قائمة بأنفسها ليست بمتحيزة
البتة ، فمنهم من هي مستغرقة في معرفة الله ، فهم الملائكة المقربون ،
ومنهم مدبرات هذا العالم إن كانت خيرات فهم الملائكة الأرضية ، وإن
كانت شريرة فهم الشياطين .
قوله: (( فيه صورة)) قال الزهري : النهي الذي ورد فيها على العموم
سواء كانت رقماً في ثوب أو غير رقم ، وسواء كانت في حائط أو ثوب.
(١) فى الأصل: (( الحسن)) خطأ.
(٣) المصدر السابق (٦٣٨٨/٢٩).
(٢) المصدر السابق (٣٦١٤/١٦).
!
-٥٠٤-

أو بساط ممتهن أو غير ممتهن ، وكذلك استعمال ما هي فيه عملاً بظاهر
الأحاديث . وقال آخرون : يجوز منها ما كان رقماً في ثوب سواء امتهن
أو لا، وسواء عُلِّق في حائط أو لا ، وكرهوا ما له ظل ، أو كان مصوراً
في الحيطان وشبهها ، سواء كان رقماً أو غيره . وأجمعوا على منع ما كان
له ظل ، ووجوب تغييره ، وأما تصوير صورة الشجر ونبات الأرض وغير
ذلك مما ليس فيه صورة حيوان ، فليس بحرام . وقال أصحابنا : إن كانت
معلقة على حائط ، أو ثوب ملبوس أو عمامة أو نحو ذلك مما لا يُعد
ممتهناً، فهو حرام ، وإن كانت في بساط يُداس ، ومِخدة ووسادة ونحوها
مما يمتهن ، فليس بحرام ، ولكن هل يمنع دخول ملائكة الرحمة ذلك
البيت ؟ فيه كلام نذكره ، وبه قال الشافعي ، ومالك ، والثوري ،
وجمهور العلماء . وقال القاضي عياض : إلا ما ورد من لُعَبِ البنات ،
لصغار البنات ، والرخصة في ذلك ، لكن كره مالكٌ شراء الرجلِ لابنته
ذلك ، وادعى بعضهم أن إباحة اللُّعب لهن منسوخ بهذه الأحاديث .
وأما سبب امتناع الملائكة من بيت فيه صورة ، فهو كونها معصية
فاحشة، وفيها مضاهاة لخلق الله تعالى ، وبعضها في صورة ما يعبد من
دون الله تعالى ، وأما سبب امتناعهم من بيت فيه كلب ، لكثرة أكله
النجاسات ، ولأن بعضها سُمي شيطاناً كما جاء به الحديث ، والملائكة
ضد الشياطين ، ولقبح رائحة الكلب ، والملائكة تكره الرائحة القبيحة ،
ولأنها منهي عن اتخاذها ، فعوقب متخذها بحرمانه دخول الملائكة بيته ،
وصلاتها فيه ، واستغفارها له ، وتبريكها عليه وفي بيته ، ودفعها أذى
الشيطان ، ولقد طرق سمعي عن بعض أساتذتي الكبار أن السبب في
امتناع الملائكة من بيت فيه كلب ، أن الكلب قد خلق من بزاق الشيطان ،
وذلك حين كان آدم - عليه السلام - جسداً ملقى ، أتى إليه الشيطان
وراءه، ثم جمع الخيول ، وكانت الخيول سكان الأرض حينئذ فقال لها :
إن الله تعالى خلق خلقاً عجيباً يريد أن يملكه الأرض وما فيها فمتى حكم
فيها سَخَّركُن وذَلَّلَكُنَّ، فهلم نَهُدَّه ونستريح منه ، فجاءت والشيطان
- ٥٠٥-

يقدمها إلى أن قربت من جسد آدم ، فبزق نحو آدم بزقة ، فانتثر بزاقه ،
فخلق الله تعالى الكلاب من بزاقه المنثور ذلك ، فحملت على الخيول
وصاحت إلى أن ولَّت هاربة ، فمن ذلك الوقت تألف الكلاب بني آدم ،
والملائكة تبغضها ، لكونها مخلوقة منه ، فلأجل ذلك لا يدخلون بيتاً فيه
كلب .
وقال الخطابي (١): (( إنما لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب أو صورة مما
يحرم اقتناؤه من الكلاب والصور ، فأما ما ليس بحرام من كلب الصيد
والزرع والماشية والصور التي تمتهن من البساط والوسادة وغيرهما ، فلا
يمتنع الملائكة بسببه )) .
وقال الشيخ محيي الدين (٢): ((الأظهر أنه عام في كل كلب وكل
صورة ، وأنهم يمتنعون من الجميع لإطلاق الأحاديث ، ولأن الجرو الذي
[٨١/١-١] كان في بيت النبي - عليه السلام - تحت السرير كان له فيه عذر / ظاهر،
فإنه لم يعلم به ، ومع هذا امتنع جبريل - عليه السلام - من دخول
البيت، وعلل بالجرو ، ولو كان العذر في وجود الصورة والكلب لا
يمنعهم لم يمتنع جبريل - عليه السلام - . وأما هؤلاء الملائكة الذين لا
يدخلون بيتاً فيه كلب أو صورة فهم ملائكة يطوفون بالرحمة والتبريك
والاستغفار ، وأما الحفظة فيدخلون في كل بيت ولا يفارقون بني آدم في
حال ؛ لأنهم مأمورون بإحصاء أعمالهم وكتابتها )) .
قوله: (( ولا جنب)) إنما يمتنع الملائكة عن البيت الذي فيه جنب لكونه
بعيداً عن التلاوة والعبادة ، متصف بالنجاسة الحكمية ، والملائكة يكرهون
ذلك ، والمراد منه أيضاً : الملائكة غير الحفظة ؛ لأن الحفظة لا يفارقون بني
آدم جنباً وغيره .
فإن قيل : قد مضى في الرواية: (( أنه - عليه السلام - كان يغتسل تارة
آخر الليل)) ، ورخص للجنب أيضاً أن ينام قبل الاغتسال ، فما
(١) معالم السنن (٦٥/١).
(٢) شرح صحيح مسلم (١٤/ ٨٤) .
-٥٠٦-

التوفيق بينهما ؟ قلت : المراد بالجنب الذي لا يدخل الملائكة بيتاً هو فيه ،
هو الذي يجنب فلا يغتسل ، ويتهاون به ، ويتخذه عادة ، وأما الجنب
الذي لا يتخذ هذا عادة ، ولا يترك الاغتسال إلى أن تفوته الصلاة لا يضر
دخول الملائكة البيت ، فإنه - عليه السلام - (( كان ينام وهو جنب من
غير أن يمس ماء)) (١) ، كما جاءت في رواية عائشة - رضي الله عنها -.
وأخرج البخاري ومسلم هذا الحديث وليس فيه: ((ولا جنب))، وكذلك
رواية ابن ماجه . ورواية النسائي مثل رواية أبي داود .
٢١٣ - ص - حدّثنا ابن كثير قال: أنا سفيان، عن أبي إسحاق ، عنٍ
الأسود، عن عائشة قالت: (( كان رسولُ الله ينامُ وهو جنبٌ من غيرِ أن يَمَس
ماءً)) (٢)، (٣).
ش - ابن كثير هو : محمد بن كثير البصري ، وسفيان الثوري ،
وأبو إسحاق السبيعي ، والأسود بن يزيد .
قوله: ((وهو جنب)) جملة وقعت حالاً من الضمير الذي في (( ينام)).
فإن قيل : هذا يعارض الأحاديث المتقدمة التي فيها الوضوء ، قلت :
الجواب عن ذلك من ثلاثة أوجه ، الأول : أن الحديث فيه مقال ، فقال
يزيد بن هارون: وهم أبو إسحاق في هذا - يعني في قوله: (( من غير أن
يمس ماء)) - وقال الترمذي: ((يرون أن هذا غلط من أبي إسحاق)).
وقال البيهقي : طعن الحُفَّاظ في هذه اللفظة . وقال الثوري : فذكرت
الحديث يوماً - يعني حديث أبى إسحاق - فقال لي إسماعيل : يا فتى ،
(١) انظر الحديث الآتي .
(٢) الترمذي : كتاب الطهارة ، باب : ما جاء في الجنب ينام قبل أن يغتسل
(١١٨، ١١٩)، ابن ماجه: كتاب الطهارة ، باب: في الجنب ينام كهيئته لا
يمس الماء (٥٨١، ٥٨٢، ٥٨٣).
(٣) تنبيه: ذُكِرَ في سنن أبي داود بعد هذا الحديث ما يلي: (( قال أبو داود :
حدَّثنا الحسن بن علي الواسطي قال : سمعت يزيد بن هارون يقول : هذا
الحديث وهم ، يعني : حديث أبي إسحاق )).
-٥٠٧-

يشذ هذا الحديث شيء . فثبت بما ذكرنا أن هذا حديث ضعيف ، فإذا ثبت
ضعفه لم يبق فيه ما يتعرض به على غيره .
والثاني : على تقدير الصحة : أن المراد من غير أن يمس ماء للغسل .
والثالث : أن المراد أنه كان في بعض الأوقات لا يمس ماء أصلاً لبيان
الجواز ، إذ لو واظب عليه لتوهم وجوبه .
٨١ - باب: الجنب يقرأ (١)
أي : هذا باب في بيان الجنب يقرأ .
٢١٤ - ص - حدّثنا حفص بن عمر قال: شعبة، عن عمرو بن مرة، عن
عبد الله بن سلمة قال : دخلتُ عَلَى عليٍّ أنا ورجلانِ : رجلٌ منا ورجلٌ من
بني أسد أحسَبُ ، فبعثَهُمَا عليٌّ وجهاً ، وقال: إنكمَا عَلَجَانِ، فعالجَاً عن
دينكُمَا ، ثم قامَ فدخِلَ المَخْرجَ ، ثم خرجَ فدعا بماء فأخذَ منه حفنةً ، فتمسحَ
بها ، ثم جعلَ يقرأُ القرآنَ، فأنكروا ذلك ، فقالَ: إن رسولَ الله ◌َلغير كان
يَخرجُ من الخلاء فيُقْرئنَا القرآنَ ، ويأكلُ معنا اللحمَ ، ولم يكن يحجُزُه أو
يَحْجُرُهُ (٢) عن القرآنِ شيءٌ ليسَ الجنابةَ (٣).
ش - عمرو بن مرة بن عبد الله بن طارق ، أبو عبد الله الكوفي .
سمع : عبد الله بن أبي أوفى ، وسعيد بن المسيب ، وعبد الرحمن بن
أبي ليلى ، وجماعة آخرين . روى عنه : الأعمش ، والثوري ، وشعبة ،
وغيرهم . مات سنة عشر ومائة . روى له الجماعة (٤) .
(١) في سنن أبي داود: ((باب في الجنب يقرأ القرآن)).
(٢) في سنن أبي داود: ((يحجبه أو يحجزه))، وأشار المصنف إلى أنها رواية.
(٣) الترمذي ، كتاب الطهارة ، باب : ما جاء في الرجل يقرأ القرآن على كل حال
ما لم يكن جنباً (١٤٦) ، النسائي: كتاب الطهارة ، باب : حجب الجنب من
قراءة القرآن (٢٦٥، ٢٦٦) ، ابن ماجه : كتاب الطهارة ، باب : ما جاء في
قراءة القرآن على غير طهارة (٥٩٤) .
(٤) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٤٤٤٨/٢٢) .
-٥٠٨-

وعبد الله بن سَلِمة - بكسر اللام - المرادي الكوفي . روى عن عمر
ابن الخطاب ، وسمع : علي بن أبي طالب ، وعبد الله بن مسعود ،
وعمار بن ياسر ، وغيرهم . روى عنه : عمرو بن مرة ، وأبو إسحاق
السبيعي . وقال أحمد بن حنبل : لا أعلم روى عنه غيرهما . وقال أحمد
ابن عبد الله : هو تابعي ثقة . وقال ابن عدي : أرجو أنه لا بأس به .
روى له : أبو داود ، والترمذي، وابن ماجه (١) .
قوله: (( ورجلان)) عطف على الضمير المرفوع المنفصل الذي أوتي به
ليصح / العطف على ما قبله .
[٨١/١ -ب]
قوله: ((وجهاً)) أي : جهة من الجهات، وهو النحو والمقصد الذي
يستقبله ، وانتصابه بنزع الخافض ، أي : في وجه أو أوجه .
قوله: ((إنكما علجان)) العلج - بفتح العين وكسر اللام - هو الضخم
القوي . وقال الخطابي (٢): ((يريد الشدة والقوة على العمل ، يقال:
رجل عَلج ، وعُلّج - بتشديد اللام - إذا كان قوي الخلقة ، وثيق البنية)).
قوله: ((فعالجا)) أي: جاهدا وجالدا لأجل دينكما، وكلمة ((عن))
للتعليل نحو قوله: ﴿ وَمَا كَانَ اسْتَغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إلا عَن مَّوْعَدَةٍ﴾ (٣)،
ويجوز أن يكون حالاً ، والمعنى : عالجا مقيمين دينكما ، أي: مقيمين
أموره ومحصلین ما ینبغي له .
قوله: ((فدخل المخرج )) بفتح الميم وهو الخلاء ، سمي به لأنه موضع
خروج البول والغائط .
قوله: (( فتمسح بها )) أي : توضأ بها بمعنى : غسل يديه . وقال ابن
الأثير: ((يقال للرجل إذا توضأ: تمسح)) .
قوله: (( فأنكروا ذلك)) أي : كونه قرأ القرآن بلا وضوء كامل ، فلما
أنكروا على عليِّ ذلك قال: ((إن رسول الله وَطُلو كان يخرج من
(٢) معالم السنن (٦٦/١).
(١) المصدر السابق (٣٣١٣/١٥).
(٣) سورة التوبة (١١٤).
-٥٠٩-

الخلاء فيقرئنا القرآن)) أي : يعملنا القرآن عقيب خروجه من غير اشتغال
بالوضوء .
قوله: (( ويأكل معنا اللحم)) أشار به إلى أن أكل ما مسته النار لا يوجب
الوضوء لقراءة القرآن ، ولا للصلاة أيضاً ، ولأجل هذا قال : ولم يكن
يحجره أي: يمنعه ((عن القرآن)) أي: عن قراءة القرآن ((شيء ليس
الجنابة))، ويحجره من حجره إذا منعه، وحجر عليه إذا منعه من التصرف،
وفي بعض الرواية: ((يحجزه)) بالزاي ، من حجزه يحجزه حجزاً ،
بمعنى منعه أيضاً ، وكلاهما من باب نصر ينصر ، وفي بعض الرواية :
(يحجبه )) من حجب إذا منع أيضاً.
وقوله: ((ليس الجنابة)) بمعنى (١) غير الجنابة، وحرف (( ليس)) له ثلاثة
مواضع ، أحدها : أن يكون بمعنى الفعل ، وهو يرفع الاسم وينصب
الخبر، كقولك: ليس عبدُ الله جاهلاً. ويكون بمعنى ((لا)) كقولك :
رأيت عبد الله ليس زيداً ، تنصب به زيداً كما تنصب بلا ، ويكون بمعنى
((غير)) كقولك : ما رأيت أكرم من عمرو ليس زيد ، أي : غير زيد ،
وهو يجر ما بعده . ويستفاد من الحديث فائدتان ، الأولى : جواز قراءة
القرآن للمحدث .
والثانية : فيه دليل على حرمة قراءته على الجنب ، وكذلك الحائض ؛
لأن حدثها أغلظ من حدث الجنابة . وكان أحمد يرخص للجنب أن يقرأ
الآية ونحوها . وكذلك قال مالك في الجنب : إنه يقرأ الآية ونحوها .
وقد حُكي عنه أنه قال : تقرأ الحائض ولا يقرأ الجنب ؛ لأن الحائض إذا لم
تقرأ نسيت القرآن ؛ لأن أيام الحيض تتطاول ، ومدة الجنابة لا تطول .
ورُوي عن ابن المسيب ، وعكرمة أنهما كانا لا يريان بأساً بقراءة الجنب
القرآن، والجمهور على تحريمه )) (٢).
وأخرج الترمذي هذا الحديث ، والنسائي ، وابن ماجه مختصراً ، وقال
(١) انظر: معالم السنن (٦٦/١). (٢) إلى هنا انتهى النقل من معالم السنن.
-٥١٠-

الترمذي : حديث حسن صحيح . وذكر أبو بكر البزار : أنه لا يروى عن
عليٌّ إلا من حديث عمرو بن مرة ، عن عبد الله بن سَلِمة . وحكى
البخاري عن عمرو بن مرة : (( كان عبد الله - يعني : ابن سلمة - يحدثنا
فنعرف وننكر ، وكان قد كُبُر لا يتابع في حديثه . وذكر الشافعي هذا
الحديث ، وقال : وإن لم يكن أهل الحديث يثبتونه . وقال البيهقي : وإنما
توقف الشافعي في ثبوت هذا الحديث ؛ لأن مداره على عبد الله بن سلمة
الكوفي ، وكان قد كُبُر ، وأنكر من حديثه وعقله بعض النكرة ، وإنما روى
هذا الحديث بعد ما كُبُر ، قاله شعبة . وذكر الخطابي : أن الإمام أحمد بن
حنبل كان يوهن حديث عليٍّ هذا ، ويضعف أمر عبد الله بن سلمة .
قلت: قد ذكره ابن الجوزي في ((الضعفاء والمتروكين)) . وقال : قال
النسائي : يعرف وينكر . أقول : قد قال الحاكم : إنه غير مطعون فيه .
وقال العجلي : تابعي ثقة . وقال ابن عدي : أرجو أنه لا بأس به ، كما
ذكرنا في ترجمته .
٨٢ - باب : الجنب يصافح
أي : هذا باب في بيان الجنب يصافح الطاهر ، ويصافح من صَافَحَ
مصافحةً ، وهي مُفاعلة من إلصاق صفح الكف بالكف ، وإقبال الوجه
بالوجه .
٢١٥ - ص - حدّثنا مسدد قال : نا يحيى عن مسعر ، عن واصل ، عن
أبي وائل، عن حذيفة: ((أن النبي ◌ََّ لَقِيَهُ، فَأَهْوَى إليه فقالَ: إني جُنُبٌ،
فقال: ((إن المسلمَ ليسَ بِنَجَس (١))) (٢).
(١) كذا، وفي الشرح وسنن أبي داود: ((لا ينجس).
(٢) مسلم : كتاب الحيض ، باب: الدليل على أن المسلم لا ينجس (٣٧١)،
النسائي: كتاب الطهارة، باب: مماسة الجنب ومجالسته (١٤٥/١)، ابن
ماجه : كتاب الطهارة ، باب : مصافحة الجنب (٥٣٥) .
- ٥١١-

/ ش - يحيى القطان ، ومسعر بن كِدام .
[٨٢/١-أ]
وواصل بن حَيان الأحدب الأسدي الكوفي . سمع : المعرور بن
سويد، وأبا وائل ، ومجاهداً ، وغيرهم . روى عنه : مسعر ، والثوري،
وشعبة ، وغيرهم . قال ابن معين : ثقة . وقال أبو خاتم : صدوق
صالح الحديث . توفي سنة عشرين ومائة . روى له الجماعة (١).
وأبو وائل شقيق بن سلمة ، وحذيفة بن اليمان .
قوله: ((فأهوى إليه)) أي : أهوى إليه يده ، أي : أمالها إليه ، يقال:
أهوى يده إليه وأهوى بيده إليه ، ويترك المفعول كثيراً .
قوله: ((إن المسلم لا ينجس)) (٢) بضم الجيم وفتحها ، وفي ماضيه
لغتان: نجس ونُجُس بكسر الجيم وضمها ، فمن كسرها في الماضي فتحها
في المضارع ، ومن ضمها في الماضي ضمها في المضارع أيضاً . وأخرجه
مسلم والنسائي وابن ماجه بنحوه .
هذا الحديث أصل عظيم في طهارة المسلم حيا وميتاً ، فأما الحي فطاهر
بإجماع المسلمين ، وأما الميت ففيه خلاف ، وعن بعض أصحابنا أنه غير
طاهر فلذلك يغسل ، والصحيح أنه طاهر ، وهو قول الشافعي في
الصحيح لإطلاق الحديث ، وغسل الميت أمر تعبدي لا لكونه نجساً ،
والكافر حكمه [ حكم ] المسلم عند الجمهور . وقال بعض الظاهرية : إن
المشرك نجس بظاهر قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (٣) قلنا:
المراد به نجاسة الاعتقاد ، والاستقذار ، وليس المراد أن أعضاءهم نجس
كنجاسة البول والغائط ونحوهما ، فإذا ثبت طهارة للآدمي مسلماً كان أو
كافراً استوى فيه أن يكون طاهراً أو محدثاً أو جنباً أو حائضاً ، ويكون
سؤرهم وعَرَقُهم ولعابُهم ودمعهم طاهرة بالإجماع .
٢١٦ - ص - حدّثنا مسدد قال : ثنا يحيى وبشر، عن حميد، عن بكر ،
(١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٦٦٦٢/٣٠).
(٢) كذا، وفي المتن: ((ليس بنجس)).
(٣) سورة التوبة (٢٨).
-٥١٢-

عن أبي رافع، عن أبي هريرة قال: لَقِيَّنِي رسولُ اللهِ وَلّهِ في طريق من طُرق
المدينة وأنا جُنُبٌ، فاخْتَنَسْتُ، فذهبتُ فاغْتسلتُ ، ثم جئتُ ، فَقال : أينَ
كنتَ يا أبا هريرةَ؟ قال (١) : إني كنتُ جنباً، فكرهتُ أن أُجَالِسكَ على غيرِ
طَهارة، فقال: ((سُبحانَ اللهِ! إن المسلمَ لا ينجُسُ)) (٢) (٣).
ش - بشر بن المفضل ، وحميد الطويل ، وبكر بن عبد الله المزني ،
وأبو رافع نفيع ، وقد ذكروا .
قوله : ((فاختنستُ)) أي : تأخرت وانقبضت ، ومنه خنس الشيطان ،
وهو بالخاء المعجمة والنون. وفي رواية: ((فانخنست)) بهذا المعنى أيضاً،
ولكن الفرق بينهما أن الأول من باب الافتعال ، والثاني من باب الانفعال.
وأخرجه البخاري ، ومسلم ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه ، ولفظ
البخاري والترمذي: ((فانبجست))، وفي لفظ البخاري: ((فانخنست))،
وفي لفظ له: ((فإنسللت))، ولفظ مسلم ، والنسائي ، وابن ماجه :
((فانسل)) .
وقوله: (( فانبجست )) بالنون وبعدها باء موحدة ، يعني : اندفعت منه ،
ومنه قوله تعالى: ﴿فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَا عَشْرَةَ عَيْناً﴾ (٤) أي : جرت
واندفعت. ورُوي: ((فانتجست )) بالنون والتاء ثالث الحروف والجيم،
أي : اعتقدت نفسي نجساً ومعنى منه : من أجله ، أي : رأيت نفسي نجساً
(١) في سنن أبي داود: ((قال: قلت)).
(٢) البخاري: كتاب الغسل، باب: عرق الجنب وأن المسلم لا ينجس (٢٨٣)،
مسلم : كتاب الحيض ، باب : الدليل على أن المسلم لا ينجس (٣٧١) ،
الترمذي : كتاب الطهارة ، باب : في مصافحة الجنب (١٢١) ، النسائي :
كتاب الطهارة ، باب : مماسة الجنب ومجالسته (١٤٥/١)، ابن ماجه: كتاب
الطهارة ، باب : مصافحة الجنب (٥٣٤).
(٣) تنبيه: زِيدَ في سنن أبي داود: (( وقال في حديث بشر : حدثنا حميد ،
حدثني بكر )) .
(٤) سورة الأعراف: (١٦٠) .
٣٣ • شرح سنن أبي داوود ١
- ٥١٣-

بالإضافة إلى طهارته وجلالته. ورُوي: ((فانتجشت )) بالنون والتاء ثالث
الحروف والشين المعجمة من النجش ، وهو الإسراع . ورُوي :
((فانبخست)) بالنون والباء الموحدة ، والخاء المعجمة ، والسين المهملة ،
واستبعده بعضهم . وقال غيره : النجس : النقص ، فكأنه ظهر له نقصانه
عن مماشاة رسول الله لما اعتقده في نفسه من النجاسة .
قوله: ((فقال: سبحان الله)) إنما قال ذلك تعجباً من حاله، و((سبحان))
عَلَمٌ للتسبيح ، كعثمان علم للرجل ، فإذا قلت : سبحان من هذا الأمر ،
كأنك قلت : أسبح الله تسبيحاً من هذا الأمر ، وهذا يقال عند العجب
كأنك قلت : أتعجب من هذا الأمر ، ومن غاية العجب أسبح الله ،
و((سبحان)) إذا كان مضافاً نحو: ((سبحان الله)) فليس بعَلَم ؛ لأن العلم
لا يضاف ، وإذا لم يكن مضافاً فهو عَلَمٌ غير منصرف للعلمية ، والألف
والنون ، وانتصابه بفعل محذوف ، والتقدير : أسبح الله تسبيحاً .
ويستفاد من هذا الحديث أربع فوائد ، الأولى : تأخير الغسل ؛ لأنه
-عليه السلام - ما أنكر عليه ذلك لما سأله: ((أين كنت ؟ )) وأخبره
أبو هريرة بما أخبره .
[٨٢/١ -ب] / والثانية : أن الجنب طاهر.
والثالثة : استحباب احترام أهل الفضل وتوقيرهم ومصاحبتهم على
أكمل الهيئات ، وأحسن الصفات .
الرابعة : أن العالم إذا رأى من تابعه في أمر يخاف عليه فيه خلاف
الصواب سأله عنه ، وبيَّن له الصواب وحكمه .
٨٣ - باب : الجنب يدخل المسجد
:
أي : هذا باب في بيان حكم الجنب إذا دخل المسجد .
٢١٧ - ص - حدّثنا مسدد، نا عبد الواحد بن زياد قال: نا فُلَيْت بن خليفة
قال : حدثتني جَسْرَةُ بنتُ دَجَاجَة قالت : سمعت عائشة - رضي الله عنها -
-٥١٤-

تقول: ((جاءَ رسولُ اللهِوَلِّ ووجوهُ بيوت أصحابه شارعةٌ في المسجد ، فقال:
(( وَجِّهوأ هذه البيوتَ عَن المسجدِ ))، ثَمَ دخل النبيُّ - عليه السلام - ولم
يصنع القومُ شيئاً ، رجاءَ أن تَنزِلَ لهم رُخصةٌ ، فخرجَ إليهم بعدُ فقال :
((وَجُّهوأ هذه البيوتَ عن المسجدِ ، فإني لا أُحِلِّ المسجدَ لحائضٍ ولا
جنب»(١) .
ش - عبد الواحد بن زياد أبو بشر البصري .
وفليت بن خليفة العامري ، ويقال : أفلت . روى عن جَسرة بنت
دَجاجة . روى عنه الثوري وغيره . روى له : أبو داود ، والترمذي (٢) .
وجَسرة - بفتح الجيم ، وسكون السين المهملة - بنت دجاجة العامرية
الكوفية . روت عن عائشة زوج النبي - عليه السلام - روى عنها أفلت
ابن خليفة . قال أحمد بن عبد الله : تابعية ثقة . روى لها : أبو داود ،
والنسائي ، وابن ماجه (٣).
وقال (٤) الشيخ تقي الدين في ((الإمام)): رأيت في كتاب (( الوهم
والإيهام)) لابن القطان المقروء عليه دجاجة بكسر الدال وعليها ((صح))،
وكتب الناسخ في الحاشية بكسر الدال بخلاف واحدة الدجاج .
قوله : (( ووجوه بيوت أصحابه )) وجوه البيوت أبوابها ، ولذلك قيل
لناحية البيت التي فيها الباب وجه الكعبة ، وهو مبتدأ .
وقوله: ((شارعة)) خبره ، والجملة محلها النصب على الحال ، ومعنى
شارعة في المسجد : مفتوحة فيه ، يقال : شرعت الباب إلى الطريق ،
أي: أنفدته إليه ، والشارع : الطريق الأعظم .
قوله: ((وجهوا هذه البيوت)) أي : اصرفوا وجوهها عن المسجد ،
(١) تفرد به أبو داود .
تنبيه : زيد في سنن أبي داود: (( قال أبو داود: هو فليت العامري )).
(٢) انظر ترجمته في : تهذيب الكمال (٥٤٧/٣).
(٣) المصدر السابق (٧٨٠٤/٣٥).
(٤) انظره في نصب الراية (١/ ١٩٤).
- ٥١٥-

يقال : وجهت الرجل إلى ناحية كذا إذا جعلت وجهه إليها ، ووجهته عنها
إذا صرفته عن جهتها إلى جهة غيرها .
قوله: (( رجاء أن ينزل لهم رخصة)) أي : لترجى نزول الرخصة ،
ونصبه على أنه مفعول له ، و((أن)» مصدرية محلها الجر بالإضافة ،
و((رخصة)) مرفوع بقوله: ((تنزل)) المجهول .
قوله: (( فخرج إليهم بعد )) أي : بعد ذلك ، وقد عرف أن قبل وبعد إذا
قطع عن الإضافة يصير حدا ينتهى إليه ، ويبنى على الضم .
قوله: ((فإني لا أُحل)) من الإحلال بمعنى الحل الذي هو ضد الحرام ،
والألف واللام في المسجد للعهد ، وهو مسجد النبي - عليه السلام -
وحكم غيره مثل حكمه ، ويجوز أن يكون للجنس ، ويدخل في هذا
الحكم جميع المساجد وهو أَوْلى ، وإنما قدم الحائض للاهتمام في المنع
والحرمة ؛ لأن نجاستها أغلظ ، والنفساء مثل الحائض .
وقوله: (( لا أحل المسجد لحائض ولا جنب )) بإطلاقه يتناول الدخول
والمرور واللبث فيه ، وعن الشافعي ومالك جواز المرور عابر سبيل . وعن
أحمد جواز لبث الجنب فيه بوضوء ، والحديث بإطلاقه حجة عليهم .
وأخرج البخاري هذا الحديث في (( التاريخ الكبير )) ، وفيه زيادة ، وذكر
بعد حديث عائشة - رضي الله عنها - عن النبي - عليه السلام - :
((سدوا هذه الأبواب إلا باب أبي بكر))، ثم قال: وهذا أصح . وقال
ابن القطان في (( كتابه )) (١) : قال أبو محمد عبد الحق في حديث جسرة
هذا : إنه لا يثبت من قبل إسناده ، ولم يبين ضعفه ، ولست أقول : إنه
حديث صحيح ، وإنما أقول : إنه حسن ، فإنه يرويه عبد الواحد بن زياد،
وهو ثقة لم يذكر بقادح ، وعبد الحق احتج به في غير موضع من كتابه .
وقال الخطابي : وضعفوا هذا الحديث وقالوا : أفلت راويه مجهول ، لا
يصح الاحتجاج بحديثه . قلت : هذا غير مُسَلَّم ، فإن أفلت أو فُليت كما
(١) انظره في نصب الراية (١٩٤/١).
- ٥١٦-

ذكرنا روى عنه الثوري ، وعبد الواحد بن زياد . وقال أحمد بن حنبل :
ما أرى به بأساً . وسئل عنه أبو حاتم الرازي . فقال : شيخ . وحكى
البخاري : أنه سمع من جسرة بنت دجاجة قال : وعند جسرة عجائب .
وذكر ابن حبان: جسرة في كتاب ((الثقات))، قال : وروى عنها أفلت
أبو حسان ، وقدامة العامري . ويؤيد هذه الرواية ما رواه ابن ماجه في
((سننه)) عن أبي بكر بن أبي شيبة والطبراني في « معجمه )) ، عن أم سلمة
قالت : دخل رسولُ الله - عليه السلام - صرحة هذا المسجد / فنادى [٨٣/١-١]
بأعلى صوته: ((إن المسجد لا يحل لجنب ولا لحائض)) (١).
٨٤ - باب : في الجنب يصلي بالقوم وهو ناسي
أي : هذا باب في بيان الجنب الذي يصلي بالجماعة ، والحال أنه
ناسي، وفي بعض النسخ: ((وهو ساه ))، والفرق بين السهو والنسيان :
أن السهو ترك الشيء عن غير علم ، يقال : سهى فيه وسهى عنه ،
والثاني يستعمل في الترك مع العلم ، والنسيان خلاف الذكر والحفظ .
٢١٨ - ص - حدّثنا موسى بن إسماعيل قال: نا حماد ، عن زياد الأعلم،
عن الحسن، عن أبي بكرة: (( أن رسولَ الله - عليه السلام - دخلَ في صلاة
الفجرِ فأوماً بيدِه أَنْ مَكَانَكم، ثم جاءَ ورأسُهُ يَقطُرُ، فصلَّى بهم)) (٢) .
ش - زياد الأعلم هو زياد بن حسان بن قرة الأعلم البصري الباهلي ،
نسيب عبد الله بن عون ، وقيل : ابن خالة يونس بن عبيد . روى عن :
أنس بن مالك ، والحسن البصري ، ومحمد بن سيرين . روى عنه :
عبد الله بن عون ، وأشعث بن عبد الملك ، وحماد بن زيد ، وسعيد بن
أبي عروبة ، وهمام بن يحيى ، وغيرهم . قال أحمد : ثقة ثقة . روى
له: البخاري ، وأبو داود ، والنسائي (٣).
(١) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية.
(٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٢٠٣٥/٩).
(٢) تفرد به أبو داود .
-٥١٧-

وأبو بكرة نفيع بن الحارث بن كٌلَدة بن عمرو بن علاج بن أبي، سللمة ،
وإنما كني أبا بكرة لأنه تدلى إلى النبي - عليه السلام - بيكرة فكني بذلك،
وأعتقه رسول الله وَّه. رُوي له عن رسول الله - عليه السلام - مائة
حديث (١) واثنان وثلاثون حديثاً ، اتفقا على ثمانية ، وانفرد البخظري
بخمسة ، وانفرد مسلم بخمسة . روى عنه : ابناه عبد الرحمن ومسلم ،
والحسن البصري ، وربعي بن حِراش، والأحنف بن قيس ، وكان ممن
اعتزل يوم الجمل ، ولم يقاتل مع أحد من الفريقين ، مات بالبصرة سنة
إحدى وخمسين . روى له الجماعة (٢) .
قوله : (( دخل في صلاة الفجر)) المراد منه : قام في مقامه للصلاة ،
وتهيأ للإحرام بها ، يدل عليه رواية مسلم: (( فأتى رسول الله حتى إذا قام
في مصلاه قبل أن يكبر ذكر فانصرف )) ، وهذا صريح في أنه لم یکن کیر
ودخل في الصلاة، وفي رواية البخاري: ((وانتظرنا تكبيره)). قال
النووي: ((يحتمل أنهما قضيتان وهو الأظهر)) . قلت : هذا وهم يرده
رواية مسلم .
قوله: (( فأومأ بيده )) أي : أشار بها .
قوله: ((أن مكانكم)) ((أن)) مفسرة مثل قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا (٣) إِلَيْهِ
أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ (٤)، و((مكانكم)) منصوب بفعل محذوف تقديره :
لازموا مكانكم ، أو اثبتوا في مكانكم ، فعلى الأول : مفعول به ، وعلى
الثاني : مفعول فيه .
قوله: (( ثم جاء)) فيه حذف ، والتقدير : ذهب واغتسل ثم جاء ،
وكذلك فيه حذف قبل قوله: ((فأومأ))، والتقدير: (( دخل في صلاة
الفجر ، ثم تذكر أن عليه غسلاً ، ثم أومأ بيده )) .
(١) في الأصل: (( حديث حد)) كذا .
(٢) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (٥٦٧/٣)، وأسد الغابة
(٣٨/٦)، والإصابة (٣/ ٥٧١).
(٣) في الأصل: (( وأوحينا)).
(٤) سورة المؤمنون : (٢٧) .
-٥١٨-

قوله: ((ورأسه يقطر)) جملة اسمية وقعت حالاً من الضمير الذي في
((جاء)) .
وقوله : (( فصلى بهم)) أي : صلي بهم صلاة مبتدأة بتكبير جديد ، وكذا
قال ابن حبان في (( صحيحه )) : أراد بتكبير محدث لا أنه صلى بالشروع
الذي قبله كما زعمه البعض ، فإن هذا زعم فاسد لما ذكرنا أنه صرح في
رواية مسلم: ((قبل أن يكبر)) ، ولأن خلوّ مكان الإمام لا يجوز ، وتفسد
به صلاة الإمام والقوم كما عرف في الفقه .
فإن قيل : قد صرح أبو داود في رواية أخرى: ((وكبّر))، فهذا يدل
على أنه شرع في الصلاة وكبر ، ثم ذهب واغتسل . قلت : هذا لا يدل
على أنه صلى بهم بهذه التكبيرة ، والظاهر أنه صلى بهم بتحريمة مبتدأة لما
ذكرنا ، على أن هذه الرواية مرسلة على ما نذكره. وقال الخطابي: ((فيه
دلالة على أنه إذا صلى بالقوم وهو جنب وهم لا يعلمون بجنابته أن
صلاتهم ماضية ، ولا إعادة عليهم ، وعلى الإمام الإعادة ، وذلك أن
الظاهر من حكم لفظ الخبر أنهم قد دخلوا في الصلاة معه ، ثم استوقفهم
إلى أن اغتسل وجاء ، فأتم الصلاة بهم ، وإذا صح جزء من الصلاة حتى
يجوز البناء عليه ، جاز سائر أجزائها ، وهو قول عمر بن الخطاب ، ولا
يعلم له مخالف من الصحابة في ذلك ، وإليه ذهب الشافعي .
قلت : يُرَد هذا بما أجبنا الآن عن السؤال المذكور . وقوله: (( وإذا
صح جزء من الصلاة )) إلى آخره ، لا نسلم أن هذا الجزء وقع صحيحاً ؛
لأن بمجرد ذهابه - عليه السلام - بطل حكم ذلك الشروع ، على تقدير
صحة وجود الشروع ؛ لأنه ذهب بلا استخلاف ، وخلَّى مكانه ، وذا مما
يفسد الشروع ، فإذا فسد ذلك الجزء يصير البناء عليه فاسداً / ؛ لأن البناء [٨٣/١ -ب]
على الفاسد فاسد ، والصلاة لا تتحرى صحة وفساداً ، بل الحق أنه - عليه
السلام - صلى بهم بتحريمة مبتدأة كما ذكرنا ، فإذن لم يبق لدعواه
حجة، وقوله: (( وهو قول عمر ، ولا يعلم له مخالف من الصحابة ))
غير صحيح ؛ لأن الدارقطني أخرج في ((سننه )) عن عمرو بن خالد ،
-٥١٩-

عن حبيب بن أبي ثابت عن عاصم بن ضمرة ، عن عليّ: (( أنه صلى
بالقوم وهو جنب فأعاد ، ثم أمرهم فأعادوا )) . وروى عبد الرزاق في
((مصنفه)) : أخبرنا إبراهيم بن يزيد المكي ، عن عمرو بن دينار ، عن
أبي جعفر: (( أن عليا صلى بالناس وهو جنب أو على غير وضوء فأعاد ،
وأمرهم أن يعيدوا » . وروى عبد الرزاق أيضاً : أخبرنا حسين بن مهران ،
عن مطرح ، عن أبي المهلب ، عن عبيد الله بن زحر ، عن عليّ بن
يزيد، عن القاسم ، عن أبي أمامة قال: (( صلى عمر بالناس وهو جنب
فأعاد ولم يعد الناس ، فقال له عليّ : قد كان ينبغي لمن صلى معك أن
يعيدوا ، قال : فرجعوا إلى قول عليّ - رضي الله عنه)). قال القاسم:
وقال ابن مسعود مثل قول عليّ - رضي الله عنهما - . ويستفاد من حديث
أبي بكرة فوائد ، الأولى : جواز النسيان في العبادات على الأنبياء - عليهم
السلام - ، ألا ترى أنه - عليه السلام - صرح في رواية أخرى بقوله :
((إنما أنا بشر مثلكم)) (١) ؟.
والثانية : أن الإمام إذا أقام الصلاة ، ثم ظهر أنه محدث ومضی لیزیل
حدثه ، أي حدث كان ، وأتى لا يحتاج إلى تجديد إقامة ثانية ، لأن ظاهر
الحديث لم يدل على هذا .
والثالثة : فيه دليل على طهارة الماء المستعمل ، وهو الصحيح من
المذهب أنه طاهر غير طهور .
وقال الخطابي: ((فيه دليل على أن افتتاح المأموم صلاته قبل الإمام لا
يبطل صلاته)). قلت : لا دليل فيه على ذلك ؛ لأنه لايح (٢) إما أن
يكون ذهابه - عليه السلام - للاغتسال قبل التحريمة كما هو الصحيح ، أو
بعدها على زعمهم ، فإن كان قبلها فليس فيه افتتاح ، لا من الإمام ولا
من القوم ، وإن كان بعدها فهم افتتحوا بافتتاحه - عليه السلام - الجدید.
وقال الشافعي : من أحرم قبل الإمام فصلاته باطلة .
(١) انظر الحديث الآتي .
(٢) كذا، ولعلها بمعنى (( لا يخرج)).
- ٥٢٠-