النص المفهرس

صفحات 421-440

جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله - عليه السلام -: ((إذا مس
أحدكم ذكره فعليه الوضوء)). وأخرجه البيهقي في ((سننه )) من طريق
الشافعي ، عن عبد الله بن نافع به ولفظه فيه: ((إذا أفضى أحدكم بيده
إلى فرجه فليتوضأ)» ، ثم قال الشافعي : وسمعت جماعة من الحفاظ غير
ابن نافع يروونه لا يذكرون فيه جابراً. وقال الطحاوي في ((شرح الآثار)):
وقد روى الحفاظ هذا الحديث عن ابن أبي ذئب فأرسلوه ، لم يذكروا فيه
جابراً ، فرجع الحديث إلى الإرسال ، وهم لا يحتجون بالمرسل .
ومنها ما رواه أحمد في ((مسنده))، والبيهقي في (( سننه )) عن بقية بن
الوليد : حدثني محمد بن الوليد الزبيدي ، حدثني عمرو بن شعيب ،
عن أبيه ، عن جده قال: قال رسول الله - عليه السلام -: (( أيما رجل
مس فرجه فليتوضأ، وأيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ )) . قلنا : يحتج
بحديث عمرو بن شعيب إذا كان الراوي عنه ثقة ، وإذا كان غير ثقة فلا
يحتج به ، وأما حديثة عن أبيه ، عن جده ، فقد تُكلم فيه من جهة أنه
كان يحدث من صحيفة جده ، قالوا : وإنما روى أحاديث يسيرة وأخذ
صحيفة كانت عنده فرواها . وقال الحافظ جمال الدين المزي : عمرو بن
شعيب يأتي على ثلاثة أوجه : عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ،
وهو الجادة . وعمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن عبد الله بن عمرو .
وعمرو بن شعيب عن أبيه ، عن جده عبد الله بن عمرو (١) . فَعَمْرُوْ له
ثلاثة أجداد : محمد ، وعبد الله ، وعمرو بن العاص ، فمحمد تابعي ،
وعبد الله وعمرو صحابيان ، وإن كان المراد بجده محمداً فالحديث مرسل
لأنه تابعي ، وإن كان المراد به عمراً فالحديث منقطع ؛ لأن شعيباً لم يدرك
عَمراً ، وإن كان المراد به عبد الله فيحتاج إلى معرفة سماع / شعيب من [٦٥/١ -ب]
عبد الله .
ومنها ما أخرجه الدارقطني عن إسحاق بن محمد الفروي ، ثنا عبد الله
ابن عمر ، عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله وَ لا- قال: ((من
مس ذكره فليتوضأ وضوءه للصلاة))، وإسحاق بن محمد الفروي هذا ثقة
(١) كذا، والجادة ((عمرو بن العاص)).
- ٤٢١-

أخرج له البخاري في « صحيحه )) ، وليس هو بإسحاق بن أبي فروة
المتقدم في حديث أبي أيوب، ووهم ابن الجوزي في (( التحقيق )) فجعلهما
واحداً ، وله طريقان آخران عند الطحاوي ، أحدهما : عن صدقة بن
عبد الله ، عن هشام بن زيد ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : وصدقة
هذا ضعيف . الثاني : عن العلاء بن سليمان ، عن الزهري، عن سالم،
عن أبيه . قال : والعلاء ضعيف .
ومنها ما رواه أحمد في ((مسنده)) عن ابن إسحاق : حدَّثني محمد بن
مسلم الزهري ، عن عروة بن الزبير ، عن زيد بن خالد الجهني : سمعت
رسول الله - عليه السلام - يقول: (( من مس فرجه فليتوضأ)). ورواه
الطحاوي وقال : إنه غلط ؛ لأن عروة أجاب مروان حين سأله عن مس
الذكر بأنه لا وضوء فيه ، فقال مروان : أخبرتني بُسرة ، عن النبي - عليه
السلام - أن فيه الوضوء . فقال له عروة : ما سمعت هذا ، حتى أرسل
مروان إلى بُسرة شُرَطِیا فأخبرته ، وكان ذلك بعد موت زید بن خالد بما
شاء الله ، فكيف يجوز أن ينكر عروة على بسرة ما حدثه به زيد بن خالد؟
هذا مما لا يستقيم ولا يصح .
ومنها ما أخرجه الدارقطني في (( سننه )) عن عبد الرحمن بن عبد الله بن
عمر بن حفص العمري ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ،
أن رسول الله قال: (( ويل للذين يمسون فروجهم ثم يصلون ولا يتوضؤن)»
قالت عائشة: بأبي وأمي هذا للرجال ، أفرأيت النساء ؟ قال: (( إذا
مست إحداكن فرجها فلتتوضأ للصلاة)) . قلنا : هذا معلول بعبد الرحمن
هذا . قال أحمد : كان كذاباً . وقال النسائي وأبو حاتم وأبو زرعة :
متروك . زاد أبو حاتم : وكان يكذب . وقد روى أبو يعلى الموصلي في
((مسنده)) (١) حديثاً يعارض هذا فقال : ثنا الجراح بن مخلد ، ثنا عمرو بن
(١) (٨/ ٤٨٧٥) .
- ٤٢٢-

يونس اليمامي ، ثنا المفضل بن أيوب (١) ، حدَّثني حسين بن أورع (٢)،
عن أبيه ، عن سيف بن عبد الله الحميري قال : دخلت أنا ورجال معي
على عائشة ، فسألناها عن الرجل يمس فرجه أو المرأة تمس فرجها ،
فقالت: سمعت رسول الله يقول: (( ما أبالي إياه مسستُ أو أنفي)) (٣).
٦٣ - باب : الرخصة في ذلك
أي : هذا باب في بيان الرخصة في مس الذكر .
١٦٩ - ص - حدّثنا مسدد قال : ثنا ملازم بن عمرو الحنفي ، قال : نا
عبد الله بن بدر، عن قيس بن طلق، عن أبيه، قال: قَدمنا على نبيِّ الله ◌ِه.
فجاءَ رجلٌ کأنه بدويّ فقال : يا نبيَّ الله ، ما ترى في مَسِّ الرجل ذكَرَهُ بعد ما
يتوضأُ؟ فقال: (( وهل هو [إلا ] مُضغَّةٌ منه، أو بضعَةٌ منه؟)) (٤).
ش - ملازم بن عمرو بن عبد الله بن بدر بن قيس بن طلق بن شيبان
الحنفي السُّحَيميَّ اليمامي أبو عمرو . روى عن : عبد الله بن بدر بن
عَمِيرةَ بن الحارث الحنفي ، وهوذة بن قيس بن طلق . روى عنه : مسدد،
وسليمان بن حرب ، ومحمد بن عيسى الطباع ، وغيرهم . روى له :
أبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه (٥) .
(١) كذا، وفي مسند أبي يعلى ونصب الراية: ((ثواب))، وأشار محقق مسند
أبي يعلى إلى أن نسخة (( فا)) أيوب .
(٢) كذا، وفي مسند أبي يعلى: ((حسين بن فادع))، وقال محققه : في الأصلين
((أودع))، وقد أشير فوقها في (( ش)) نحو الهامش حيث استدرك الصواب،
وكذلك في هامش ((مجمع الزوائد)) بخط المؤلف: (( حسن بن فادع)).
(٣) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية.
(٤) الترمذي : كتاب الطهارة، باب : ما جاء في ترك الوضوء من مس الذكر
(٨٥)، النسائى: كتاب الطهارة، باب: ترك الوضوء من ذلك (١٠١/١)،
ابن ماجه : كتاب الطهارة ، باب : الرخصة في ذلك (٤٨٣) .
(٥) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٦٣٢٥/٢٩).
- ٤٢٣-

وعبد الله بن بدر بن عَمِيرة بن الحارث بن سمرة الحنفي اليمامي ، جد
ملازم بن عمرو . سمع : عبد الله بن عمر ، وعبد الرحمن بن عليّ بن
شيبان ، وقيس بن طلق الحنفي ، روى عنه : ملازم بن عمرو ، وجهضم
ابن عبد الله ، ومحمد بن جابر اليمانيون . قال أبو زرعة وابن معين :
ثقة. روى له (١) : أبو داود، والترمذي ، والنسائي، وابن ماجه (٢).
وقيس بن طلق بن عليّ بن شيبان الحنفي اليمامي . روى عن أبيه ،
روى عنه : عبد الله بن بدر ، ومحمد بن جابر اليمامي ، وعبد الله بن
النعمان السُّحَيمي ، وعجيبة بن عبد الحميد بن طلق ، وابنه هوذة بن
قيس، وغيرهم . قال ابن معين ، وأحمد بن عبد الله : ثقة . روى له :
أبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه (٣).
وطلق بن عليّ بن المنذر بن قيس بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن
عبد العزى الحنفي ، أبو علي اليمامي ، أحد الوافدين الذين قدموا على
رسول الله ، وعمل معه في بناء المسجد . روى عنه : ابنه قيس ،
[٦٦/١-١] وعبد الله بن النعمان، وعبد الرحمن / بن عليّ بن شيبان ، وعبد الله بن
بدر . روى له : أبو داود ، والنسائي ، والترمذي ، وابن ماجه (٤).
قوله : (( قدمنا على النبيُّ - عليه السلام - )) وذلك حين قدم مع وفد بني
حنيفة فيهم مسيلمة الكذاب لعنه الله ، وكانوا بضعة عشر رجلاً ، وفيهم
طلق بن عليّ ، فأُنزلوا في دار رملة بنت الحارث ، وكان ذلك في السنة
الأولى من الهجرة .
قوله: ((هل هو [ إلا ] مضغة منه)) ((المُضغة)) - بضم الميم - : القطعة
من اللحم قدر ما يمضغ، وجمعها (( مُضغ))، و((البَضعة)) - بفتح الباء
(١) في الأصل: ((رواه )) خطأ.
(٢) المصدر السابق (٣١٧٥/١٤) .
(٣) المصدر السابق (٢٤ / ٤٩١٠).
(٤) انظر ترجمته في: الاستيعاب بهامش الإصابة (٢/ ٢٤٠)، وأسد الغابة
(٩٢/٣)، والإصابة (٢/ ٢٣٢).
- ٤٢٤ -

وكسرها - : القطعة من اللحم ، والمعنى : أنه جزء منه كما في الحديث :
((فاطمة بضعةٌ مني)) (١) أي : جزء مني كما أن القطعة من اللحم.
وأخرجه الترمذي، والنسائي ، وابن ماجه . وفي لفظ النسائي في الصلاة،
وهو رواية لأبي داود كما نذكره الآن .
واعلم أن هذا الحديث (((٢) له أربع طرق : أحدها عند أصحاب السنن
إلا ابن ماجه عن ملازم بن عمرو ، عن عبد الله بن بدر ، عن قيس بن
طلق بن عليّ ، عن أبيه ، عن النبي - عليه السلام - : (( أنه سئل عن
الرجل يمس ذكره في الصلاة فقال: ((هل هو إلا بضعة منك)). ورواه
ابن حبان في «صحيحه ))، وقال الترمذي : وهذا الحديث أحسن شيء
رُوي في هذا الباب .
الثاني : أخرجه ابن ماجه عن محمد بن جابر ، عن قيس بن طلق به .
ومحمد بن جابر ضعيف ، قال الفلاس : متروك ، وقال ابن معين : ليس
بشيء .
الثالث : عن عبد الحميد بن جعفر ، عن أيوب بن محمد العجلي ،
عن قيس بن طلق به . وهو عند ابن العدي (٣) . وعبد الحميد : ضعفه
الثوري . والعجلي : ضعفه ابن معين .
الرابع : عن أيوب بن عتبة اليمامي ، عن قيس بن طلق ، عن أبيه ،
وهو عند أحمد . أيوب بن عتبة وقال ابن معين : ليس بشيء . وقال
النسائي: مضطرب الحديث. وبالطريق الأول رواه الطحاوي في (( شرح
الآثار)) . وقال : هذا حديث مستقيم الإسناد ، غير مضطرب في إسناده
ولا متنه . ثم أسند عن عليّ بن المديني أنه قال : حديث ملازم بن عمرو
(١) البخاري: كتاب فضائل الصحابة، باب: مناقب قرابة رسول الله وَل
(٣٧١٤) ، مسلم : كتاب فضائل الصحابة ، باب : فضائل فاطمة بنت النبي
وَالر (٩٣/٢٤٤٩) .
(٢) انظر: نصب الراية (١/ ٦٠ - ٦٩).
(٣) كذا .
- ٤٢٥-

أحسن من حديث بُسرة . وأخرج الطحاوي عن عليّ بن أبي طالب أنه
قال: ((ما أبالي مسست أنفي أو ذَكَرِي)) . وأخرج عن ابن مسعود نحو
ذلك، وأخرج عن عمار بن ياسر أنه قال: ((إنما هو بضعة منك ، وأنّی
لكفك موضعاً غيره؟)) ثم أخرج عن حذيفة وعمران بن حصين: (( كانا
لا يريان في مس الذكر وضوءاً)». وقال : وما رووا عن ابن عباس أنه
قال: ((فيه الوضوء)). فقد رُوي عنه خلافه. ثم أخرج عنه أنه قال: ((ما
أبالي إياه مسستُ أو أنفي)) . وأسند إلى الزبير بن عدي ، عن مصعب
ابن سعد مثله . وقال فيه: (( قم فاغسل يدك )) . وكذلك أخرج أبو بكر
ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) عن ابن مسعود: ((إن علمت أن منك بضعة
نجسة فاقطعها))، وكذا عن سعد بنحوه. وعن حذيفة: ((ما أبالي إن
مسست ذَكَري أو أُذني)). وعن عبد الله: ((ما أبالي مسست ذَكَرِي أو
أُذني، أو إبهامي أو أنفي)). وعن عمار بن ياسر: ((ما هو إلا بضعة
منك)) كما أخرج الطحاوي. وعن عمران بن حصين: (( ما أبالي إياه
مسستُ أو بطن فخذي)) يعني: ذكره. وعن عليّ: (( سئل عن الرجل
يمس ذكره ؟ قال: لا بأس)). وعن طاوس، وسعيد بن جبير: ((من
مس ذكره وهو لا يريد، فليس عليه وضوء)). وعن أبي أمامة: ((أن
النبي - عليه السلام - سُئل عن مس الذكر فقال : هل هو إلا حُذوة
منك؟)). والحُذوة بضم الحاء المهملة، وقيل بكسرها وسكون الذال
المعجمة: قطعة من اللحم ، وكذلك الحذية، وحكى صاحب ((التنقيح)):
اجتمع سفيان وابن جريج فتذاكرا مس الذكر ، فقال ابن جريج : يتوضأ
منه . وقال سفيان : لا يتوضأ منه . أرأيت لو أمسك بيده منيا كان عليه ؟
قال ابن جريج : يغسل يده . قال : فأيهما أكبر ، المني أو مس الذكر ؟
فقال : ما ألقاها عليك إلا الشيطان .
فإن قيل : حديث طلق بن عليّ منسوخ ، فإن قدومه كان في أول سنة
من سِنِيِّ الهجرة ، ثم رجع إلى بلده ، ثم لا يعلم له رجوع إلى المدينة .
- ٤٢٦-

وحديث أبي هريرة ناسخه ؛ لأن إسلام أبي هريرة في سنة سبع من
الهجرة، فكان خبره بعد خبر طلق بسبع سنين . قلت : قد مضى أن في
رواية أبي هريرة يزيد بن عبد الملك، وهو واه، منكر الحديث / وأما عدم [٦٦/١ -ب]
العلم برجوع طلق إلى المدينة لا يُوجب عدم رجوعه إليها بعد إسلام
أبي هريرة ، فافهم .
1.
فإن قيل : قد ذكر البيهقي عن ابن معين أنه قال : قد أكثر الناس في
قيس بن طلق ولا يحتج بحديثه . قلت : ذكر البيهقي ذلك بسند فيه محمد
ابن الحسن النقاش المفسر ، وهو من المتهمين بالكذب . وقال البرقاني :
كل حديثه مناكير . وليس في تفسيره حديث صحيح . وروى ابن النقاش
كلام ابن معين هذا عن عبد الله بن يحيى القاضي السرخسي ، وعبد الله
هذا قال فيه ابن عدي : كان متهماً في روايته عن قوم أنه لم يلحقهم .
وقد روى عن ابن معين أنه وثق قيساً بخلاف ما ذكر عنه في هذا السند
الساقط . وصحح حديثه هذا ابن حبان وابن حزم . وأخرجه الترمذي ،
وقال : هذا الحديث أحسن شيء في هذا الباب كما ذكرنا .
فإن قيل : فقد قال الشافعي : سألنا عن قيس فلم نجد من يعرفه بما
يكون لنا فيه قبول خبره . وقد حكى الدارقطني أيضاً في (( سننه )) عن ابن
أبي حاتم ، أنه سأل أباه وأبا زرعة عن هذا الحديث فقالا : قيس بن طلق
ليس ممن تقوم به حجة ، وَوَهَّنَاهُ ولم يثبتاه . قلت : هو معروف ، روى
عنه تسعة أنفس ، ذكرهم صاحب الكمال ، وذكرنا أكثرهم في ترجمته ،
وذكره ابن حبان في ((الثقات)) . وأخرج له ابن خزيمة وابن حبان في
((صحيحيهما))، والحاكم في ((المستدرك)) . وروى له أصحاب السنن
الأربعة .
فإن قيل : قد رَوى حديث بسرة جماعة من الصحابة ، وكثرة الرواة
مؤثرة في الترجيح . وحديث طلق بن عليّ لا يحفظ من طريق يوازي هذه
-٤٢٧-

الطرق ، وهو حديث فرد في الباب . قلت : كما وجد اختلاف الرواة في
حديثها ، فكذلك وجد في حديث طلق نحو ذلك ، ثم إذا وجد للحديث
طريق واحد صحيح ، سالم من شوائب الطعن ، تعين المصير إليه ولا
غيره باختلاف الباقين ، وقد يقال : إن كثرة الرواة لا أثر لها في باب
الترجيحات ؛ لأن طريق كل واحد منهما غلبه الظن ، فصار كشهادة
شاهدين مع شهادة أربعة . وقد يقال : إن بُسرة غير مشهورة لاختلاف
الرواة في نسبها ؛ لأن بعضهم يقول : هي كنانية ، وبعضهم يقول : هي
أسدية . ولو سلم عدم جهالتها فليست توازي طلقاً في شهرته ، وكثرة
روايته ، وطول صحبته ، وبالجملة فحديث النساء إلى الضعف لا يوازي
حديث الرجال )) (١) .
ص - قال أبو داود : رواه هشام بن حسان ، والثوري ، وشعبة ، وابن
عيينة ، وجرير الرازي ، عن محمد بن جابر ، عن قيس بن طلق ، [ عن أبيه
بإسناده ومعناه. قال: ((في الصلاة)) ] (٢).
ش - هشام بن حسان أبو عبد الله البصري القُردُوسي ، والقراديس :
هو قردوس بن الحارث بن مالك بن فَهم بن غنم بن دوس بن عُدثان ،
والقراديس والحراميز والعفاة ، ولقيط وعُرقان إخوة بني الحارث بن مالك
ابن فهم ، والقَسَامِل من ولد عمرو بن مالك بن فهم ، والأَشَاقر من ولد
مالك بن عمرو بن مالك بن فهم ، ويقال : إنه من العتيك كان نازلاً في
القراديس ، ويقال : مولاهم . سمع : الحسن ، وابن سيرين ، وعطاء
ابن أبي رباح ، وغيرهم . روى عنه : معمر ، وابن جريج ، والثوري ،
وشعبة ، والحمادان ، وجماعة آخرون . وقال أحمد بن عبد الله : هو
بصري ثقة ، حسن الحديث . توفي سنة سبع وأربعين ومائة . روى له
الجماعة (٣)
٠
(١) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية. (٢) غير موجود في سنن أبي داود.
(٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٣٠/ ٦٥٧٢).
-٤٢٨-

والثوري سفيان ، وشعبة بن الحجاج ، وسفيان بن عيينة ، وجرير بن
عبد الحميد الرازي ، ذكروا .
ومحمد بن جابر اليمامي السُّحَيمي أصله كوفي ، يكنى أبا عبد الله .
روى عن : قيس بن طلق ، وحماد بن أبي سليمان ، وعُمير بن سعيد
النخعي ، وعبد العزيز بن رفيع ، وغيرهم . روى عنه : عبد الله بن
عوف، وأيوب السختياني ، وسفيان الثوري ، وابن عيينة ، وشعبة ،
ووكيع ، وغيرهم . وعن ابن معين : محمد بن جابر كان أعمى، واختلط
حديثه ، وهو ضعيف . وقال عمرو بن عليّ : صدوق كثير الوهم، متروك
الحديث . وقال النسائي: ضعيف . وعن إسحاق بن [أبى] إسرائيل مع ما
تكلم فيه من تکلم یکتب حديثه . روی له أبو داود (١) .
قوله : ((رواه)) أي : روى هذا الحديث وهو حديث طلق ، وفي هذه
الرواية قال: ((في الصلاة)) ، وهي رواية النسائي أيضاً .
/ ١٧٠ - ص - حدثنا مسدد، نا محمد بن جابر، عن قيس بن طلق [٦٧/١ -أ]
بإسناده ومعناه قال: ((في الصلاة)) (٢).
ش - أشار بهذا إلى طريق آخر ، فإنه رواية مسدد بن مسرهد ، عن
محمد بن جابر ، عن قيس. وفي هذه الرواية أيضاً قال: ((وفي الصلاة ))
ورواية الزيادة أبلغ ؛ لأن المس إذا لم يكن ناقضاً في الصلاة ففي خارجها
أولى .
٦٤ - باب : الوضوء من لحوم الإبل
أي : هذا باب في بيان الوضوء من أكل لحوم الإبل .
(١) المصدر السابق (٢٤ / ٥١١٠) .
(٢) الترمذي: كتاب الطهارة ، باب : ما جاء في الوضوء من مس الذكر (٨٥)،
النسائي : كتاب الطهارة ، باب: ترك الوضوء من ذلك (١٠١/١) ، ابن
ماجه : كتاب الطهارة ، باب : الرخصة في ذلك (٤٨٣) .
- ٤٢٩-

١٧١ - ص - حدَّثنا عثمان بن أبي شيبة قال : أنا أبو معاوية قال : أنا
الأعمش ، عن عبد الله بن عبد الله الرازي ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ،
عن البراء بن عازب قال: ((سُئُلَ رسولُ الله - عليه السلام - عنِ الوضوءِ من
لُحومِ الإِبلِ قال (١): تَوضؤوا منها، وسُثُلَ عن لُحوم الغَنم فقال : لا
تَوضَّؤُوا منها. وسُئلَ عن الصلاةِ فِي مَبَاركِ الإِبلِ فقال: لا تُصلّوا في مَبَارك
الإبل ، فإنها من الشياطين . وسُئِلَ عن الصلاةِ فِي مَرَابِضِ الغَنَمِ فقال :
صَلُّوا فيها فإنها بركةٌ )) (٢) .
ش - عبد الله بن عبد الله الرازي قاضي ريّ ، أصله كوفي . روی
عن: جابر بن سمرة ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى ، وسعيد بن جبير .
روى عنه : الأعمش ، وفطر بن خليفة ، وحجاج بن أرطأة ، وغيرهم .
وعن الأعمش : كان ثقة لا بأس به . وقال العجلي : ثقة . روى له :
أبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه (٣) .
(((٤) واختلف العلماء في أكل لحم الجَزُورِ ، فمذهب الأكثرين إلى أنه
لا ينقض الوضوء ، وممن ذهب إليه الخلفاء الأربعة ، وابن مسعود ، وأبيُّ
ابن كعب ، وابن عباس ، وأبو الدرداء ، وأبو طلحة ، وعامر بن ربيعة ،
وأبو أمامة ، وجماهير التابعين ، وأبو حنيفة ، ومالك ، والشافعي ،
وأصحابهم ، وذهب إلى انتقاض الوضوء به : أحمد بن حنبل ، وإسحاق
ابن راهويه ، ويحيى بن يحيى ، وأبو بكر بن المنذر ، وابن خزيمة ،
واختاره البيهقي ، وحُكِي عن أصحاب الحديث مطلقاً . وحُكِي عن
جماعة من الصحابة ، واحتج هؤلاء بأحاديث الباب )) (٥) .
(١) في سنن أبي داود: ((فقال)).
(٢) الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في الوضوء من لحوم الإبل (٨١)،
ابن ماجه : كتاب الطهارة، باب : ما جاء في الوضوء من لحوم الإبل (٤٩٤).
(٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٣٣٦٧/١٥).
(٤) انظر: ((شرح صحيح مسلم)) (٤٨/٤).
(٥) إلى هنا انتهى النقل من ((شرح صحيح مسلم)).
- ٤٣٠-

والجواب عن هذا : أن الوضوء متأول على الوضوء الذي هو النظافة
ونقاء الزهومة (١)، كما رُوي: ((توضؤوا من اللبن فإن له دسماً))،
ومعلوم أن في لحوم الإبل من الحرارة وشدة الزهومة ما ليس في لحوم
الغنم ، فكان معنى الأمر بالوضوء منه منصرفاً إلى غسل اليد ، لوجود
سببه دون الوضوء ، الذي هو من أجل رفع الحدث لعدم سببه . كذا قال
الخطابي (٢) .
فيا ليت شعري ! لماذا لم يأولوا هكذا الوضوء الذي في مس
الذكر، فهل كان هناك حدث حتى يرفعه الوضوء ؟ وقال الشيخ
محيي الدين (٣): ((ومذهب أحمد أقوى دليلاً وإن كان الجمهور على
خلافه ، وقد أجاب الجمهور عن هذا الحديث بحديث جابر - رضي الله
عنه - : ((كان آخر الأمرين من رسول الله : ترك الوضوء مما مست النار))،
ولكن هذا الحديث عام ، وحديث الوضوء من لحوم الإبل خاص ،
والخاص مقدم على العام )).
قوله : ((في مَبارك الإبل )) المبارك : جمع مبرك ، وهو الموضع الذي
تبرك فيه الإبل. وقال الخطابي (٤): ((إنما نهى عن الصلاة في مبارك
الإبل ؛ لأن فيها نفاراً وشراداً ، لا يؤمن أن تتخبط المصلي إذا صلى
بحضرتها ، أو تُفسد عليه صلاته ، وهذا المعنى مأمون من الغنم لما فيها
من السكون ، وقلة النفار )).
قلت : قد علل النبي - عليه السلام - في نهيه عن الصلاة في مبارك
الإبل بقوله: ((فإنها من الشياطين))، والتأويل في مقابلة التعليل غير
مفيد. ثم معنى قوله: ((فإنها من الشياطين)) : من مأوى الشياطين ،
والضمير يرجع إلى المبارك لا إلى الإبل ؛ لأن الإبل ليست من الشياطين .
(١) الريح النتنة .
(٣) ((شرح صحيح مسلم)) (٤٩/٤).
(٢) معالم السنن (٥٨/١).
(٤) معالم السنن (٥٨/١).
- ٤٣١ -

وإنما قلنا هكذا لأن الشياطين تأوي إلى المزابل ، والمواضع التي فيها القذر،
وللشياطين مآوي ومنازل، ومن جملتها مبارك الإبل، وكلمة (( من )) تدل
على التبعيض .
فإن قلت : مرابض الغنم أيضاً فيها الزبل ؟ قلت : قد عللها صاحب
الشرع بقوله: ((فإنها بَركة)) والضمير هاهنا يرجع إلى الغنم ؛ لأن عين
الغنم بركة ، وقد سقط هاهنا رعاية ذاك المعنى ، لكون الغنم بركة ، وكل
موضع فيه بركة لا تأوي إليه الشياطين ، وكيف وقد ورد (( ما من نبي إلا
وقد رعى الغنم )) .
فإن قلت : ما حكم لحم البقر في ذلك ؟ قلت : قد روى أبو بكر بن
[٦٧/١ -ب] أبي شيبة في ((مصنفه)): حدَّنا وكيع، عن (١) / سفيان ، عن منصور،
عن إبراهيم قال: ((ليس في لحوم الإبل والبقر والغنم وضوء)).
قوله: (( في مرابض الغنم )) المرابض : جمع مَربض - بفتح الميم - من
ريض في المكان يربض إذا لصق بها وأقام ملازماً لها ، وفي (( الصحاح)):
وربوض الغنم والبقر والفرس ، والكلب مثل بروك الإبل ، وجثوم الطير.
يقال : ربضت الغنم مربض بالكسر ، ربوضاً وأربضتها أنا .
وهذا الحديث أخرجه الترمذي ، وابن ماجه مختصراً ، وكان أحمد بن
حنبل ، وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي يقولان : قد صح في هذا الباب
حديث البراء بن عازب ، وحديث جابر بن سمرة . وحديث جابر بن
سمرة أخرجه مسلم في ((صحيحه))، ولفظه: (( أن رجلاً سأل رسول
الله وَّلّ أنتوضأُ من لحومِ الغنم ؟ قال : إن شئت فتوضأ، وإن شئت فلا
تتوضأ . قال : أنتوضأُ من لحوم الإبل ؟ قال : نعم ، فتوضأ من لحوم
(١) مكررة في الأصل .
- ٤٣٢-

الإبل . قال : أصلي في مرابض الغنم ؟ قال : نعم . قال : أصلي في
مبارك الإبل؟ قال : لا)) (١) .
٦٥ - باب : الوضوء من مس اللحم النِّيء وغَسله
أي : هذا باب في بيان الوضوء عند مس الرجل اللحم النِّيء ، النِّيءُ:
هو الذي لم يطبخ أو طبخ أدنى طبخ ولم ينضج . يقال : ناء اللحم ينيء
نيئاً بوزن ناع ينيع نيعاً ، فهو نيءٌ كنيع بالكسر هذا هو الأصل ، وقد تترك
الهمزة وتُقُلب ياء فيقال: ((نيّ)) مشدداً .
١٧٢ - ص - حدثنا محمد بن العلاء وأيوب بن محمد الرّقي وعمرو بن
عثمان الحمصي ، المعنى ، قالوا : حدَّثنا مروان بن معاوية قال : أخبرنا هلال
ابن ميمون الجُهني ، عن عطاء بن يزيد الليثي - قال هلال : لا أعلمه إلا عن
أبي سعيد - وقال أيوب وعمرو: أُرَاهُ عن أبي سعيد الخدري: (( أن النبي
- عليه السلام - مَرَّ بغلامٍ يَسلَخُ (٢) شاةً، فقال له رسولُ اللهِ : تَنَحَّ حتى
أُريكَ، فأدخلَ يدَه بين الجلد واللحم فَدَحَسَ بها حتى تَوارَتْ إلى الإِبْطِ ، ثم
مَضَى فصلَّى للناسِ ولم يتوضأ)) (٣).
ش - أيوب بن محمد بن زياد الوزان أبو سليمان الرَّقي ، مولى ابن
عباس ، كان يَزِنُ القطن في الوادي . وروى عن : يعلى بن الأشدق .
وسمع : مروان بن معاوية الفزاري ، ومُعَمَّر بن سليمان ، وعيسى بن
يونس ، وغيرهم . روى عنه : أبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه ،
وأبو حاتم الرازي ، وغيرهم . وقال يعقوب بن سفيان : شيخ لا بأس
به. توفي في ذي القعدة سنة تسع وأربعين ومائتين (٤) .
(١) مسلم : كتاب الحيض ، باب: الوضوء من لحوم الإبل (٩٧/٣٦٠).
(٢) في سنن أبي داود: ((وهو يسلخ)).
(٣) ابن ماجه: كتاب الذبائح ، باب : السلخ (٣١٧٩).
(٤) انظر ترجمته في : تهذيب الكمال (٦٢٣/٣).
٢٨ • شرح سنن أبي داوود ١
- ٤٣٣-

وعمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار أبو حفص القرشي الحمصي
سمع : أباه ، ومروان بن معاوية ، والوليد بن مسلم ، وبقية بن الوليد ،
وغيرهم . روى عنه : أبو زرعة ، وأبو حاتم ، وأبو داود ، والنسائي ،
وابن ماجه ، وغيرهم . قال أبو حاتم : صدوق . مات سنة خمسين
ومائتين بحمص (١) .
ومروان بن معاوية بن الحارث بن أسماء بن خارجة بن عيينة، أبو عبد الله
الفزاري الكوفي ، سكن مكة ، ثم صار إلى دمشق ، ومات بها سنة
ثلاث وتسعين ومائة قبل التروية بيوم فجأة . سمع : سليمان التيمي ،
وحميدا (٢) الطويل ، ويحيى بن سعيد الأنصاري ، وعاصماً الأحول ،
والأعمش ، وجماعة آخرين كثيرة . روى عنه : قتيبة بن سعيد ، وأحمد
ابن حنبل ، وابن معين ، وإسحاق بن راهويه ، وجماعة آخرون كثيرة .
قال ابن معين : ثقة . قال أحمد : ثبت حافظ . وقال أبو حاتم : صدوق
صدوق (٣) ، لا يُدفعُ عن صِدق ، وتكثر روايته عن الشيوخ المجهولين .
وقال ابن المديني : ثقة فيما روى عن المعروفين ، وضَعَّفَه فيما روى عن
المجهولين . روى له الجماعة (٤) .
وهلال بن ميمون أبو علي ، ويقال : أبو المغيرة الجُهني الرَّملي .
سمع: سعيد بن المسيب ، وعطاء بن يزيد ، ويعلى بن شداد ، وغيرهم .
روى عنه : مروان بن معاوية ، وأبو معاوية الضرير ، ووكيع بن الجراح .
قال ابن معين : ثقة . وقال أبو حاتم : ليس بقوي ، يكتب حديثه . روى
له أبو داود ، وابن ماجه (٥) .
قوله : ((أُراهُ عن أبي سعيد)) أي : أظنه .
قوله : ((تَنحَّ حتى أريَك)) معناه : حتى أعلمَك ، ومنه قوله تعالى :
﴿ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ (٦) .
(١) المصدر السابق (٤٤٠٨/٢٢) .
(٢) في الأصل: ((حميد)).
(٣) كذا بالتكرار، وفي ((الجرح والتعديل)) (١٢٤٦/٨): ((صدوق)) واحدة .
(٤) المصدر السابق (٢٧/ ٥٨٧٧) .
(٦) سورة البقرة: (١٢٨).
(٥) المصدر السابق (٦٦٣٠/٣٠).
- ٤٣٤-

قوله : ((فَدَحَسَ بها )) أي : دسَّ يده بين الجلد واللحم كما يفعل
السلاخ، والدحس : إدخال اليد بين جلد الشاة ولحمها ، والدحس
والدسّ / متقاربان .
[٦٨/١- ٢]
قوله: (( حتى توارت)) أي: حتى غابت ((إلى الإبط)).
قوله: (( ولم يتوضأ)) قال الشيخ زكي الدين: ((معنى الوضوء في هذا
الحديث : غسل اليد)) . قلت : الظاهر أن المراد : لم يتوضأ الوضوء
الشرعي ، والتبويب يدل على هذا .
ص - قال أبو داود: زاد عمرو في حديثه: (( يعني: لم يمس ماءً)) . وقال:
عن هلال بن ميمون الرملي .
قال أبو داود : رواه عبد الواحد بن زياد ، وأبو معاوية عن هلال ، عن
عطاء، عن النبي - عليه السلام - مرسلاً لم يذكرا (١) أبا سعيد - رضي الله
عنه - .
ش - عبد الواحد بن زياد أبو بشر البصري ، قد ذكر . وأبو معاوية
الضرير ، وعطاء بن يزيد .
قوله: ((زاد عمرو (٢))) إشارة إلى رواية أخرى فيها زيادة .
قوله: ((لم يمس ماءً))، وقوله: ((رواه عبد الواحد)) إشارة إلى رواية
أخرى ، وفيها إرسال ، وهذا الحديث أخرجه ابن ماجه أيضاً .
٦٦ - باب : ترك الوضوء من مس الميتة
أي : هذا باب في بيان ترك الوضوء من مس الميتة ، وهي التي تموت
بلا ذبح .
١٧٣ - ص - حدّثنا عبد الله بن مسلمة قال: نا سليمان - يعني : ابن بلال
(١) في سنن أبي داود: ((لم يذكر)) خطأ.
(٢) في الأصل: ((أبو عمرو)) خطأ.
- ٤٣٥ -

- عن جعفر، عن أبيه، عن جابر: ((أن النبيَّ - عليه السلام - مَرَّ بالسوق
داخلاً من بعضِ العاليةِ والناسُ كَنَفَتَيْهِ ، فَمَرَّ بجَدْيَ أَسَكَّ ميتٍ ، فتناوَلَهُ
فأخذَ بأُذْنِهِ ثم قالَ: أَيُّكَم يحبُّ أنَّ هذا لَه؟)) (١) وساق الحديث.
ش - سليمان بن بلال أبو محمد ، أو أبو أيوب القرشي التيمي المدني ،
مولى عبد الله بن أبي عتيق محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصِّدِّيق .
سمع : شريك بن عبد الله بن أبي نمر ، ويحيى الأنصاري ، وعبد الله بن
دينار ، وجعفر بن محمد ، وغيرهم . روى عنه : ابن المبارك ، وابن
وهب ، وأبو عامر العقدي ، وعبد الله بن مَسلمة ، وغيرهم . وقال ابن
معين : ثقة ، صالحُ الحديث . وقال أحمد : لا بأس به . توفي بالمدينة
سنة اثنتين وسبعين ومائة (٢).
وجعفر بن محمد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب القرشي
الهاشمي ، أبو عبد الله المدني الصادق . روى عن : أبيه ، ومحمد بن
المنكدر ، ونافع مولى ابن عمر ، والزهري ، والقاسم بن محمد ،
ومسلم بن أبي مريم المدني ، وعطاء بن أبي رباح . روى عنه : يحيى بن
سعيد الأنصاري ، ومالك بن أنس ، والثوري ، وابن عيينة ، وشعبة ،
ويحيى بن سعيد القطان ، وسليمان بن بلال ، وجماعة آخرون كثيرة .
قال ابن معين : هو ثقة . وقال أبو حاتم : ثقة لا يُسألُ عن مثله . روى
له الجماعة إلا البخاري (٣).
ومحمد بن علي والد جعفر المعروف بالباقر أبو جعفر المدني . روى
عن: أبي سعيد الخدري ، وعبد الله بن عباس ، وأبي هريرة ، وعبد الله
ابن جعفر بن أبي طالب ، ومحمد ابن الحنفية ، وعبيد (٤) الله بن
أبي رافع . روى عنه : أبو إسحاق الهَمْداني ، وعمرو بن دينار ،
(١) مسلم : كتاب الزهد والرقائق (٢٩٥٧).
(٢) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٢٤٩٦/١١).
(٣) المصدر السابق (٥/ ٩٥٠).
(٤) في الأصل: ((عبد)) خطأ.
-٤٣٦-

والزهري ، وعطاء بن أبي رباح ، والأعرج ، وهو أسنَّ ، وابنه جعفر بن
محمد ، وابن جريج ، والأوزاعي ، وآخرون . روى له الجماعة (١) .
قوله: ((في بعض العالية)) العالية واحدة العوالي ، وهي أماكن بأعلى
أراضي المدينة ، أدناها من المدينة على أربعة أميال ، وأبعدها من جهة نجد
ثمانية ، والنسب إليها عُلوي على غير قياس .
قوله: ((والناس كنفتيه)) جملة وقعت حالاً من الضمير الذي في ((مرَّ»،
وكذا قوله: (( داخلاً)) حال منه، ومعنى (( كنفتيه)) ناحيتيه، وفي لفظ
(كنفيه)) أي : جانبيه ، والمعنى : محيطون به من جانبيه.
قوله : (( فمرَّ بجَدي أُسك)) الجدي بفتح الجيم وسكون الدال : من ولد
المعز، و((الأسك)) بفتحتين وتشديد الكاف : الصغير الأذن ، وقيل :
صغير الأذنين ملتصقهما ، وقيل : الذي لا أذنان له ، والذي قطعت أذناه،
وهو أيضاً : الأضم الذي لا يسمع. وقال ابن الجوزي في (( جامع
المسانيد)): ((وفي لفظ: أصك بالصاد)).
قوله: ((وساق الحديث)) وتمامه في ((صحيح مسلم))، ولفظه: ((مر
رسول الله داخلاً في بعض العالية والناس كنفتيه ، فمر بجدي أسك ميت،
فتناوله فأخذ بأذنه ، ثم قال : أيكم يحب هذا له بدرهم ؟ فقالوا : ما
نحب أنه لنا بشيء ، وما نصنع به ؟ قال : أتحبون أنه لكم ؟ قالوا : والله
لو كان حيا كان عيباً فيه ؛ لأنه أسك ، فكيف وهو ميت ؟ قال : فوالله
للدنيا أهونُ على الله من هذا عليكم )) .
وفي (( مسند أحمد)): ثنا عفان قال : ثنا وهيب قال : ثنا جعفر ، عن
أبيه، عن جابر: ((أن رسول الله ◌َ لي أتى العالية فمر بالسوق ، فمر
بجدي أسك ميت ، فتناوله فرفعه ، فقال : بكم تحبون أن هذا لكم ؟
قالوا : ما نحب أنه لنا بشيء ، وما نصنع به ؟ قال : بكم تحبون أنه لكم؟
قالوا : والله لو كان حيا لكان عيباً فيه [ أنه ] (٢) أسك، فكيف وهو
(١) المصدر السابق (٥٤٧٨/٢٦).
(٢) زيادة من ((المسند)).
- ٤٣٧-

[٦٨/١-ب] ميت؟ قال: فوالله الدنيا (١) أهون / على الله عَزَّ وجَلَّ من هذا
عليكم))(٢). وقد ذكره مسلم في ((صحيحه)) في كتاب الزهد ، وإنما ذكره
أبو داود هاهنا بياناً : أن من مس الميتة لا يجب عليه الوضوء ، فإنه - عليه
السلام- لما تناول الجدي الميت بأذنه لم يتوضأ بعد ذلك ، ولذلك بوّب
بقوله : باب ترك الوضوء من مسّ الميتة .
٦٧ - باب : ترك الوضوء مما مسته (٣) النار
أي : هذا باب في بيان ترك الوضوء في حق من تناول ما مسته النار .
١٧٤ - ص - حدّثنا عبد الله بن مَسلمة قال: نا مالك، عن زيد بن أسلم،
عن عطاء بن يسار ، عن ابن عباس: (( أن رسولَ الله - عليه السلام - أكلَ
كْفَ شاةٍ، ثم صلَّى ولم يتوضأ)) (٤).
ش - الكِتْف والكَتِف مثل الكِذْب والكَذِب ، وهذا الحديث وأمثاله
ناسخة الأحاديث الواردة بالوضوء مما مست النار ، وذهب جماهير
العلماء من السلف والخلف إلى أنه لا ينتقض الوضوء بأكل ما مسته النار ،
وهو مذهب أبي حنيفة ، ومالك ، والشافعي ، وأحمد ، وأبي ثور ،
وغيرهم . وذهبت طائفة إلى وجوب الوضوء الشرعي وضوء الصلاة بأكل
ما مسته النار ، وهو مروي عن عمر بن عبد العزيز ، والحسن البصري ،
والزهري، وأبي قلابة ، واحتجوا بحديث: ((توضؤوا مما مست النار))،
واحتج الجمهور بهذا الحديث وأمثاله . وهذا الحديث أخرجه البخاري
ومسلم .
١٧٥ - ص - حدّثنا عثمان بن أبي شيبة ومحمد بن سليمان الأنباري ،
المعنى ، قالا : ثنا وكيع ، عن مسعر ، عن أبي صخرة جامع بن شداد ، عن
(١) كذا، وفي المسند: ((الدنيا)).
(٢) مسند أحمد (٣٦٥/٣).
(٣) في سنن أبي داود: ((مست)).
(٤) البخاري : كتاب الوضوء ، باب : من لم يتوضأ من لحم الشاة والسويق
(٢٠٧)، مسلم : كتاب الحيض ، باب : نسخ الوضوء مما مست النار
(٣٥٤)، ابن ماجه: كتاب الطهارة ، باب : الرخصة في ذلك (٤٨٨).
-٤٣٨-

المغيرة بن عبد الله، عن المغيرة بن شعبة قال: ((ضفْتُ النبيَّ - عليه السلام -
ذاتَ ليلة، فَأَمَرَ بجنب فشُويَ ، وأخذَ الشَّفْرَةَ فَجَعل يَحُزّ لي بها منه قال :
فجاءَ بلاَلٌ فَآذَنَه بالصلاة قال: فأَلْقَى الشَّفْرةَ، وقال: ما له تَرَبَتْ يَدَاه ؟ وقامَ
يُصلِّي)). زاد الأنباري: ((وكان شَارِبِي وَفَى، فقصَّهُ [لي](١) على سِوَاكِ))
أو قال: ((أَقُصُّه لك على سِوَاك؟)) (٢).
ش - مسعر بن كدام .
وجامع بن شداد المحاربي أبو صخرة ، ويقال : أبو صخر الكوفي .
روى عن : طارق بن عبد الله المحاربي ، وصفوان بن مُحرِز ، والأسود
ابن هلال ، وحُمران بن أبان ، وغيرهم . روى عنه : الأعمش ،
ومسعر، والثوري ، وغيرهم . قال ابن معين وأبو حاتم : ثقة . توفي
سنة سبع وعشرين ومائة . روى له الجماعة (٣) .
والمغيرة بن عبد الله اليشكري ، سمع : المغيرة بن شعبة ، وأباه ،
والمعرور بن سُويد ، وعبد الله بن الحارث . روى عنه : جامع بن
الشداد، وواصل الأحدب ، وعلقمة بن مرثد . روى له : أبو داود ،
والترمذي ، والنسائي (٤) .
قوله : (( ضفتُ النبيَّ)) من ضافه يضيفه ، يقال : ضفت الرجل إذا نزلت
به في ضيافته ، وأضفته إذا أنزلته ، وتضيفته إذا نزلت به ، وتضيّفني إذا
أنزلني .
قوله: ((ذات ليلة)) أي : ضفت النبيّ - عليه السلام - مدة ، التي هي
ليلة. وقد ذكرنا الكلام في ((ذات يوم))، و((ذات ليلة)) ونحوهما في
أوائل الكتاب .
قوله: (( فأمر بجنب فشُوي )) الجنب جنب الشاة ، وهي القطعة العظيمة
منها ، والجنب : القطعة من الشيء يكون معظمه أو شيئاً كبيراً منه .
(١) زيادة من سنن أبي داود .
(٢) تفرد به أبو داود .
(٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٨٨٩/٤). (٤) المصدر السابق (٢٨ /٦١٣٤).
-٤٣٩-

قوله: ((وأخذ الشفرة)) الشفرة - بسكون الفاء - : السكين العريضة .
قوله: ((فجعل يَحُزَّ)) اعلم أن ((جعل)) جارٍ مجرى أفعال القلوب في
مجرد الدخول على المبتدأ والخبر ، لا في غيره من الأحكام وهي تسعة
منها ((جعل))، و((يحز)) من حز - بالحاء المهملة - إذا قطع ، ويقال :
الحزّ : القطع في الشيء من غير إبانة . يقال : حززت العود أحزه حزا ،
والضمير في (( بها)) يرجع إلى ((الشفرة))، وفي ((منه)) إلى ((الجنب)).
قوله: (( فآذنه )) بالمد أي : أعلمه من آذن إيذاناً .
قوله: (( تربت يداه)) كلمة تقولها العرب عند اللوم والتأنيب . ومعناه :
الدعاء عليه بالعقر والعدم ، وقد يطلقونها في كلامهم ، وهم لا يريدون
وقوع الأمر كما قالوا: ((عقرى حلقى))، فإن هذا الباب لما كثر في
كلامهم ، ودام استعمالهم له في خطابهم صار عندهم بمعنى اللغو
كقولهم: ((لا والله))، و((بلى والله))، وذلك من لغو اليمين الذي لا
اعتبار به ، ولا كفارة فيه ، ويقال : ترب الرجل إذ افتقر ، وأترب إذا
استغنى، ومثل هذا قوله - عليه السلام -: (( فعليك بذات الدين تربت
يداك)» .
وقال ابن الأثير (١): ((إن هذا دعاء له ، وترغيب في استعماله فما
[٦٩/١-١] تقدمت الوصية به، وكثيراً تَرد للعرب ألفاظ / ظاهرها الذم، وإنما يريدون
بها المدح كقولهم : لا أب لك ولا أم لك ، وهَوَتْ أُمَّه، ولا أرض لك
ونحو ذلك ، ومنه حديث أنس - رضي الله عنه -: (( لم يكن رسول الله
سباباً ، ولا فحاشاً ، كان يقول لأحدنا عند المعاتبة : ترب جَبَينُه)).
وقيل: أراد به الدعاء له بكثرة السجود ، فأما قوله لبعض أصحابه : ((ترب
نحرُك))، فقتل الرجل شهيداً، فإنه محمول على ظاهره)) (٢).
(١) النهاية (١٨٤/١ - ١٨٥).
(٢) إلى هنا انتهى النقل من النهاية .
-٤٤٠ -