النص المفهرس

صفحات 401-420

والثانية : فيه جواز المسح على الخفين .
والثالثة : فيه جواز سؤال المفضول الفاضلَ عن بعض أعماله التي في
ظاهرها مخالفة للعادة ؛ لأنها قد تكون عن نسيان فيرجع عنها ، وقد
تكون تعمداً لمعنى خفيَ على المفضول فيستفيده .
٥٩ - باب : في تفريق الوضوء
أي : هذا باب في بيان تفريق الأعضاء في الوضوء .
١٦١ - ص - حدّثنا هارون بن معروف قال : نا ابن وهب ، عن جرير بن
حازم: أنه سمع قتادة بن دعامة قال: نا أنس بن مالك: (( أنَّ رجلاً جاءَ إلى
رسول الله وَ﴾ وقد تَوضأ، وقد تركَ (١) على قدمَيْهِ مثلَ موضع الظَّفْرِ، فقال
له رسولُ اللهِ وَيرِ: ((ارجعْ فأحسنْ وُضوءَكَ)) (٢).
ش - هارون بن معروف الخزاز أبو عليّ المروزي ، سكن بغداد ،
وسمع : ابن عيينة ، وعبد العزيز الدراوردي ، ويحيى بن زكريا ، والوليد
ابن مسلم ، وعبد الله بن وهب . روى عنه : أحمد بن حنبل - وكان
أسنَّ من أحمد بسبع سنين - والبخاري ، ومسلم ، وأبو داود ، وصالح
ابن محمد البغدادي ، والبغوي ، وغيرهم . مات ببغداد سنة إحدى
وثلاثين ومائتين (٣) .
وجرير بن حازم بن زيد (٤) - أخو يزيد ومخلد - الأزدي العتكي ،
أبو النضر البصري . سمع : أبا الطفيل عامر بن واثلة ، وأبا رجاء
(١) في سنن أبي داود: ((وترك)).
(٢) مسلم : كتاب الطهارة ، باب : وجوب استيعاب جميع أجزاء كل الطهارة
(٢٤٣) ، ابن ماجه : كتاب الطهارة ، باب : من توضأ فترك موضعاً لم يصبه
الماء (٦٦٥)، (٦٦٦) .
(٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٦٥٢٦/٣٠).
(٤) في الأصل: ((يزيد)) خطأ.
٢٦ • شرح سنن أبي داوود ١
-٤٠١-

[٦١/١ -ب] / العطاردي، والحسن البصري، ومحمد بن سيرين، ونافعاً (١) مولى
ابن عمر ، وقتادة ، وغيرهم . روى عنه : أيوب السختياني ، والأعمش،
والليث بن سعد ، والثوري ، وابن المبارك ، ويحيى القطان ، وابن عيينة،
وعبد الله بن وهب ، وغيرهم . وقال ابن معين : ثقة . وقال أبو حاتم :
صدوق صالح تغير قبل موته بسنة (٢) .
قوله: ((وقد توضأ)) حال من ((الرجل))، وكذلك قوله: (( وقد ترك))
حال ، إما من الأحوال المتداخلة أو المترادفة .
قوله: (( مثل موضع الظفر )) الظفر من الإنسان وكل حيوان بضم الظاء
وسكون الفاء . وقال ابن دريد : ولا تكسر الظاء ويقال : أظفور أيضاً .
وقال الزمخشري : حكى أبو عليّ ((ظِفْر)) بكسر الظاء وإسكان الفاء .
قوله : ((ارجع فأحسن وضوءك )) أي : كمل وضوءك ، وذلك يكون
بِبَلِّ هذا الموضع ، وبه تمسك أصحابنا أن مَن توضأ وبقي في أعضاء وضوئه
موضع لم يصبه الماء ، فإنه يبل ذلك الموضع ويُجزئه . وقالت الشافعية :
عليه أن يعيد الوضوء ؛ لأن ظاهر معنى الحديث إعادة الوضوء في تمام .
ولو كان تفريقه جائزاً لاقتصر فيه على الأمر بغسل ذلك الموضع ، أو كان
يأمره بإمساسه الماء في مقامه ذلك ، ولا يأمره بالرجوع إلى المكان الذي
يُتوضأ فيه . قلنا : لو كان الإعادة تجب عليه لقال - عليه السلام - :
((ارجع فأعد وضوءك))؛ لأنه - عليه السلام - مبعوث لبيان أمور الشرائع
ولا سيما في موضع الحاجة إلى البيان، وإنما قال: ((أحسن وضوءك))
وتحسين الوضوء تكميله ، وذلك لا يكون إلا في أمر مُعتدٍّ ، غاية ما في
الباب أنه لا يجوز له أن يُصلي بذلك الوضوء حتى تكمل شرائطه ، وقوله
((ارجع)) لا يدل على الإعادة، وإنما قال: ارجع ليرجع ويحصل ماءً
يُمسَّ ذلك الموضع به ، ويؤيد ما ذكرناه ما روى ابن أبي شيبة : حدَّثَنا
يزيد بن هارون ، عن حماد بن سلمة ، عن قتادة ، عن خلاس فيما يعلم
(١) في الأصل: ((ونافع)) خطأ.
(٢) المصدر السابق (٩١٣/٤).
- ٤٠٢-

حماد، عن عليّ قال: ((إذا توضأ الرجل فنسي أن يمسح برأسه ، فوجد
في لحيته بللاً ، أخذ من لحيته فمسح رأسه )) . وهذا أبلغ من ذاك ، حيث
أنه إذا نسي ركناً كاملاً بالكلية يجزئه إمساس الماء من غير إعادة الوضوء ،
على أن الحديث ليس بمعروف كما نذكره الآن .
ص - قال أبو داود : ليس هذا الحدیث بمعروف عن جرير بن حازم ،
لم (١) يروه إلا ابن وهب، وقد رُوي عن معقل بن عُبيد الله الجزري، عن
أبي الزبير ، عن جابر ، عن عمر - رضي الله عنه - ، عن النبي - عليه
السلام- نحوه، وقال: ((ارجعْ فَأَحْسِنْ وضوءَكَ)) .
قال أبو داود : حدثنا موسى بن إسماعيل قال : نا حماد قال : نا يونس
وحميد، عن الحسن ، عن النبي - عليه السلام - بمعنى قتادة (٢) .
ش - معقل بن عبيد الله أبو عبد الله الجزري العَبسي مولاهم الحراني .
سمع : عطاء بن أبي رباح ، ونافعاً ، والزهري ، وغيرهم . روى عنه :
الثوري ، ووكيع ، وأبو نعيم ، وعبد الله بن محمد النفيلي ، وغيرهم .
قال أحمد : صالح الحديث . وقال ابن معين : ليس به بأس . روى له:
مسلم ، وأبو داود ، والنسائي (٣).
وأبو الزبير محمد بن مسلم بن تدرس المكي الأسدي ، وقد ذكرناه ،
وجابر بن عبد الله الصحابي ، وحماد بن سلمة .
ويونس بن عبيد بن دينار البصري ، أبو عبد الله العبدي مولاهم . رأى
أنس بن مالك . وسمع : الحسن ، ومحمد بن سيرين ، وثابتاً البناني ،
وغيرهم . روى عنه : الثوري ، وشعبة ، والحمادان ، ووهيب بن خالد،
وغيرهم . وقال ابن سعد : كان ثقة كثير الحديث . مات سنة تسع
وثلاثين ومائة . روى له الجماعة (٤) .
(١) في سنن أبي داود: ((ولم))، وكذا في الشرح. (٢) انظر الحديث السابق.
(٣) انظر ترجمته في تهذيب الكمال (٦٠٩٢/٢٨).
(٤) المصدر السابق (٣٢/ ٧١٨٠).
- ٤٠٣-

وحميد هذا هو ابن أبي حميد الطويل ، أبو عبيدة البصري الخزاعي
مولى طلحة الطَّلْحات ، واسم أبي حميد زاذويه ، ويقال : طرخان .
ويقال : عبد الرحمن ، ويقال : داود . سمع : أنس بن مالك ، والحسن
البصري ، وثابتاً ، وعكرمة مولى ابن عباس ، وغيرهم : روى عنه :
يحيى بن سعيد الأنصاري ، ومالك بن أنس ، والثوري ، وابن عيينة ،
وشعبة ، والحمادان ، وابن المبارك ، ويحيى القطان ، وغيرهم . مات سنة
ثلاث وأربعين ومائة . روى له الجماعة (١) .
قوله: (( ليس هذا الحديث بمعروف)) أي: حديث أنس المذكور ، ثم
علله بقوله: ((ولم يروه إلا عبد الله بن وهب)).
قوله : (( وقد روي)) أي : رُوي هذا الحديث أيضاً عن معقل.
/ وأخرج مسلم حديث عمر هذا عن سلمة بن شبيب ، عن ابن أعين،
عن معقل . وأخرجه ابن ماجه من حديث عبد الله بن لهيعة ، عن
أبي الزبير ، قال الشيخ محيي الدين: (( استدل القاضي عياض وغيره بهذا
الحديث على وجوب الموالاة في الوضوء لقوله - عليه السلام -: (( ارجع
فأحسن وضوءك)) ، ولم يقل : اغسل الموضع الذي تركته . وهذا
الاستدلال ضعيف أو باطل ، فإن قوله - عليه السلام - : (( أحسن
وضوءك)) يحتمل للتتميم والاستئناف ، وليس حمله على أحدهما أولى من
الآخر)) (٢) .
قلت : وإن كان يحتمل المعنيين ، ولكن حمله على معنى التتميم أولى
لما ذكرنا الآن . نعم الاستدلال به على وجوب الموالاة لا وجه له لعدم ما
يدل على ذلك ، وإن دل فلا يسلم أن يكون واجباً ، بل يكون مستحبا لما
عرف من أنه يلزم من ذلك الزيادة على مطلق النص ، وذا غير جائز .
قوله: (( قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل)) إلى آخره ، حديث
مرسل .
(١) المصدر السابق (١٥٢٥/٧). (٢) انظر: ((شرح صحيح مسلم)) (١٣٢/٣).
-٤٠٤-

قوله: (( بمعنى قتادة )) يعني بمعنى الحديث الذي رواه قتادة بن دعامة عن
أنس بن مالك . وذكر الدارقطني أن جرير بن حازم تفرد به عن قتادة ،
ولم يروه عنه غير ابن وهب .
١٦٢ - ص - حدّثنا حيوة بن شريح قال: نا بقية بن الوليد ، عن بحیر
-يعني : ابنَ سعد (١) - عن خالد - يعني : ابن معدان - عن بعض
أصحاب النبي - عليه السلام -: (( أن النبيّ - عليه السلام - رَأَی رجلاً
يُصلِّي وفي ظَهرِ قَدمِهِ لمعةٌ قَدْرَ الدرهم لم يصبْهَا الماءُ ، فأمره النبي - عليه
السلام - أن يُعيدَ الوَضَوءَ والصلاةَ)) (٢) .
ش - بقية بن الوليد بن صائد بن كعب بن حَرِيز - بالحاء المهملة -
الكَلاعي الحِميري المِيْتمِي - بالياء آخر الحروف ثم التاء المثناة من فوق -
أبو محمد الحمصي . سمع : محمد بن زياد ، والأوزاعي ، ومالك بن
أنس ، وابن جريج ، وغيرهم . روى عنه : شعبة ، والحمادان ، وابن
المبارك ، وحيوة بن شريح ، وإسحاق بن راهويه ، وغيرهم . وقال
أبو مسهر : بقية ليست أحاديثه نقية . وقال أبو حاتم : يكتب حديثه ، ولا
يحتج به . وقال أبو زرعة : ما لبقية عيب إلا كثرة روايته عن المجهولين ،
فإذا حدث عن الثقات فهو ثقة . توفي بحمص سنة سبع وتسعين ومائة .
(٣)
روى له الجماعة إلا البخاري
وخالد بن معدان بن أبي کرب (٤) الكَلاعي أبو عبد الله الحمصي .
روى عن : أبي عبيدة بن الجراح ، وعبادة بن الصامت ، ومعاذ بن جبل ،
وأبي هريرة ، وأبي الدرداء ، وأبي ذر الغفاري ، وسمع أبا أمامة الباهلي،
وغيره . روى عنه : ثور بن يزيد ، وحريز بن عثمان ، وابنته عبدة بنت
(١) في الأصل: ((يحيى - يعني: ابن سعيد)) خطأ ، ووقع في سنن أبي داود:
(((بَجير)) بالجيم المعجمة وهو خطأ أيضاً ، والصواب أنه بالحاء المهملة.
(٢) تفرد به أبو داود .
(٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٧٣٨/٤).
(٤) في الأصل : ((كريب )) خطأ .
- ٤٠٥-

خالد ، وزياد بن سعد ، وغيرهم . توفي سنة ثلاث ومائة . روى له
الجماعة إلا البخاري (١) .
قوله: (( لُمعة)) اللُّمعة - بضم اللام - : بياض أو سواد أو حمرة تبدو
من بين لون سواها ، وهي في الأصل قطعة من النبت إذا أخذت في
اليبس، وفي اصطلاح الفقهاء : اللمعة : الموضع الذي لم يصبه الماء .
وبهذا الحديث استدل الجمهور أن من ترك جزءاً يسيراً مما يجب تطهيره لا
تصح طهارته . واختلفوا في التيمم ، فعند الشافعي ومالك وأحمد :
كالوضوء . وعند أبي حنيفة : أن الاستيعاب فيه ليس بشرط ، والأصح
عندنا أيضاً أنه شرط ، وعليه الفتوى .
قوله: ((أن يعيد الوضوء والصلاة)) أما إعادة الصلاة فظاهر؛ لأنه صَلَّى
بلا طهارة كاملة ، وأما إعادة الوضوء فعند من يقول بعدم جواز التفريق في
الوضوء ، فظاهر أيضاً ، وأما عند من يرى ذلك فَلِتَقَعَ صلاتُه بعد ذلك
بطهارة مَأتيِّ بها على وجه الكمال ليخرج عن عهدة الخلاف مع اشتراط
الاحتياط في أبواب العبادات . وهذا الحديث أيضاً مرسل ، وفي إسناده
بقية ، وهو مدلس ، وفيه مقال كما ذكرناه . ولو أخرجه على ما أخرجه
الحاكم في (( المستدرك)) كان يسلم من تهمة تدليس بقية ، والله أعلم.
*
٦٠ - باب : إذا شك في الحدث
أي : هذا باب في بيان حكم من يشك في الحدث . الشك : ما
يستوي فيه طرف العلم والجهل ، وهو الوقوف بين الشيئين بحيث لا يميل
إلى أحدهما ، فإذا قوي أحدهما وترجح على الآخر ، ولم يأخذ بما
[٦٢/١-ب] ترجح ولم يطرح الآخر فهو ظن، وإذا عقد / القلب على أحدهما وترك
الآخر فهو أكبر الظن ، وغالب الرأي . ويقال : الشك ما استوى فيه
(١) المصدر السابق (٨/ ١٦٥٣).
-٤٠٦-

طرفا العلم والجهل ، فإذا ترجح أحدهما على الآخر ، فالطرف الراجح
ظن ، والطرف المرجوح وهم .
١٦٣ - ص - حدّثنا قتيبة بن سعيد ومحمد بن أحمد بن أبي خلف (١)
قالا : ثنا سفيان ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب وعباد بن تميم ، عن
عمه(٢): «شُكيَ إلى النبيِّ - عليه السلام - الرجلُ يَجدُ الشيءَ في الصلاة
حتى يُخيلُ إليه قَال: (( لا يَتْفَتِلُ حتى يَسمعَ صوتاً، أو يَجِدَ رِيحاً)) (٣) .
ش - محمد بن أحمد بن أبي خلف ، واسم أبي خلف : محمد
السلمي أبو عبد الله مولاهم البغدادي . سمع : محمد بن طلحة ، وابن
عيينة ، وروح بن عبادة ، وغيرهم . روى عنه : مسلم ، وأبو داود ،
وابن ماجه ، وعبد الله بن أحمد بن حنبل ، وغيرهم . وقال عبد الرحمن
ابن أبي حاتم : سألت أبي عنه فقال : ثقة صدوق . مات سنة ست
وثلاثين ومائتين (٤) .
وسعيد بن المسيب بن حزن بن عمرو أبو محمد المدني ، إمام التابعين
وسيدهم . روى عن : عمر بن الخطاب ، وسمع منه ، ومن عثمان بن
عفان ، وعليّ بن أبي طالب ، وعبد الله بن العباس ، وأبي هريرة ،
وغيرهم . روى عنه : عطاء بن أبي رباح ، وعمرو بن دينار ، وقتادة ،
وجماعة آخرون كثيرة . توفي سنة أربع وتسعين ، وولد لسنتين مضتا من
خلافة عمر بن الخطاب . روى له الجماعة (٥) .
(١) في سنن أبي داود: ((ابن أبي بن خلف)) خطأ.
(٢) في سنن أبي داود: ((عن عمه [قال])).
(٣) البخاري: كتاب الوضوء، باب: لا يتوضأ من الشك حتى يستيقن (١٣٧)،
مسلم : كتاب الحيض ، باب : الدليل على أن من يستيقن الطهارة ثم شك في
الحدث فله أن يصلي بطهارته تلك (٣٦١) ، النسائي : كتاب الطهارة ، باب :
الوضوء من الريح (٩٨/١)، ابن ماجه : كتاب الطهارة ، باب : لا وضوء
إلا من حدث (٥١٣) .
(٤) انظر ترجمته فى: تهذيب الكمال (٥٠٤٢/٢٤).
(٥) المصدر السابق (٢٣٥٨/١١).
-٤٠٧-

وعباد قد ذكر ، وعمه عبد الله بن زيد الأنصاري الصحابي ، وقد ذكر.
قوله: (( شكي إلى النبي)) بضم الشين ، وكسر الكاف على بناء
المجهول، و((الرجل)) مرفوع على أنه فاعل للفعل المذكور ، ولم يُسم
الشاكي من هو . وقد جاء في رواية البخاري أن السائل هو عبد الله بن
زيد الراوي ، ولا يتوهم بهذا أن ((شُكِي)) مفتوح الشين والكاف على بناء
المعلوم ، على أن يجعل الشاكي هو عمه المذكور ، فإن هذا غلط لا يخفى
على من يعرف طرق التركيب ، وذاق من العربية شيئاً .
قوله: (( يجد الشيء )) حال من الرجل .
قوله : (( يخيل إليه)) يعني : خروج الحدث منه .
قوله: (( لا ينفتل)) أي : لا ينصرف من صلاته حتى يسمع صوتاً أو يجد
ريحاً ، والمعنى : حتى يعلم وجود أحدهما ، ولا يُشترط السماع والشم
بإجماع المسلمين ، فإن الأصم لا يسمع شيئاً ، والأخشم الذي راحت
حاسة شمه لا يشم أصلاً ، وهذا الحديث أصل من أصول الإسلام ،
وقاعدة عظيمة من قواعد الفقه ، وهي أن الأشياء يحكم ببقائها على
أصولها حتى يُتبين خلاف ذلك ، فمن ذلك مسألة الباب التي ورد فيها
الحديث ، وهي أن من تيقن الطهارة وشك في الحدث ، حكم ببقائه على
طهارته ، سواء كان في نفس الصلاة أو خارج الصلاة ، وهذا بالإجماع
إلا عن مالك روايتان ، إحديهما : أنه يلزمه الوضوء إن كان شكه خارج
الصلاة ، ولا يلزمه إن كان في الصلاة ، والأخرى : يلزمه بكل حال ،
وحُكيت الأولى من الحسن البصري ، وهو وجه شاذ عند الشافعية ، وأما
إذا تيقن الحدث وشك في الطهارة فإنه يلزمه الوضوء بالإجماع . ويُبنى
على هذا الأصل فروع كثيرة محلها كتب الفقه . والحديث أخرجه
البخاري، ومسلم ، والنسائي ، وابن ماجه .
١٦٤ - ص - حدثنا موسى بن إسماعيل قال : نا حماد قال : أخبرنا سُهيل
ابن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن رسول الله مَ لإ قال: «إذا كان
-٤٠٨-

أحدُكُم في الصلاة فوجدَ حركةً في دُبُرِهِ ، أحدثَ أو لم يُحدثْ ، فَأَشكلَ
عليه، فلا ينصرفْ حتى يسمعَ صوتاً أو يَجْدَ ريحاً)) (١).
ش - حماد بن سلمة .
وسهيل بن أبي صالح ، واسم أبي صالح : ذكوان السمان الكوفي
أبو يزيد الغطفاني الكوفي ، مولى جويرية بنت الأحْمَس ، أخو محمد
وعبد الله وصالح . سمع : أباه ، وسعيد بن المسيب ، وعطاء بن يزيد ،
وغيرهم . روى عنه : يحيى الأنصاري ، ومالك بن أنس ، وسليمان بن
بلال ، والثوري ، وشعبة ، وابن عيينة ، وغيرهم . وقال ابن معين :
ليس حديثه بحجة . وقال أبو حاتم : يكتب حديثه . وقال أحمد بن
عبد الله : ثقة . روى له الجماعة إلا البخاري (٢).
قوله: ((فأشكل عليه)) الضمير الذي في ((أشكل)) يرجع إلى الحدث
الذي دل عليه قوله: (( أحدث)) والمعنى : أشكل عليه / هل وجد أم لا،
فلا ينصرف من الصلاة ؛ لأن اليقين لا يزول بالشك إلا إذا تيقن الحدث
فح (٣) ينصرف ويتوضأ ، ثم هل يبني على ما مضى أو يستأنف ، فعندنا :
له أن يبني ، وعند الشافعي ، ومالك ، وأحمد يستأنف ، وهو الأفضل
عندنا . وهذا الحديث أخرجه مسلم والترمذي بنحوه .
[٦٣/١-١]
٦١ - باب : الوضوء من القُبلة
أي : هذا باب في بيان الوضوء من قُبلة الرجل زوجته .
(١) مسلم : كتاب الحيض ، باب : الدليل على أن من تيقن الطهارة ثم شك في
الحدث فله أن يصلي بطهارته تلك (٣٦٢) ، الترمذي : كتاب الطهارة ، باب:
ما جاء في الوضوء من الريح (٧٥) .
(٢) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٢٦٢٩/١٢).
(٣) كذا، وهي بمعنى: ((فحينئذ)).
- ٤٠٩-

١٦۵ - ص - حدثنا محمد بن بشار قال : نا یحیی وعبد الرحمن قالا : نا
سفيان، عن أبي رَوْق ، عن إبراهيم التيمي ، عن عائشة - رضي الله عنها - :
((أن النبيَّ - عليه السّلام - قَبَّلَهَا ولم يَتوضأ)) (١).
ش - محمد بن بشار هو بُندار ، ويحيى بن سعيد القطان ،
وعبد الرحمن بن مهدي اللؤلؤ ، وسفيان الثوري .
وأبو روق عطية (٢) بن الحارث الهمداني ، الكوفي . سمع :
السبيعي، وأبا إسحاق الشيباني ، وإبراهيم التيمي ، وعبيد الله بن خليفة .
روى عنه : الثوري ، وأبو أسامة ، وعبد الواحد بن زياد ، وبشر بن
عُمارة ، وشريك بن عبد الله النخعي . قال أحمد : ليس به بأس . وقال
ابن معين : صالح . وقال أبو حاتم : صدوق . روی له : أبو داود ،
والنسائي، وابن ماجه (٣).
وهذا الحديث حُجَّة على من يرى الوضوء على من لمس المرأة ، فإن
النبيَّ - عليه السلام - قبَّل عائشة - رضي الله عنها - ولم يتوضأ .
والتقبيل أبلغ من اللمس .
ص - قال أبو داود : إبراهيم التيمي لم يسمع عن عائشة شيئاً ، هو مرسل.
قال : وكذا رواه الفريابي وغيره (٤).
ش - قال الدارقطني : وقد روى هذا الحديثَ معاويةُ بن هشام ، عن
الثوري ، عن أبي روق ، عن إبراهيم التيمي ، عن أبيه ، عن عائشة
-رضي الله عنها - فوَصل إسناده . ومعاوية هذا أخرج له مسلم في
((صحيحه))، فزال بذلك انقطاعه . وذكر البيهقي هذا الحديث ثم قال :
وأبو روق ليس بقوي ، ضعّفه ابن معين وغيره .
(١) النسائي: كتاب الطهارة، باب: ترك الوضوء من القُبلة (١/ ١٠٤).
(٢) في الأصل: (( عطاء)) خطأ.
(٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٣٩٥٥/٢٠).
(٤) زِيد في سنن أبي داود بين معقوفتين: ((قال أبو داود: مات إبراهيم التيمي
ولم يبلغ أربعين سنة ، وكان يكنى أبا أسماء )).
- ٤١٠-

قلت: أبو روق أخرج له الحاكم في ((المستدرك )) . وقال أحمد : ليس
به بأس . وقال ابن معين : صالح . وقال أبو حاتم : صدوق كما ذكرنا.
وقال أبو عمر : قال الكوفيون : هو ثقة لم يذكره أحد بجرحة ، ومراسيل
الثقات عندهم حجة .
قوله : (( إبراهيم التيمي لم يسمع عن عائشة شيئاً )) قال عبد الغني في
ترجمته : إبراهيم بن محمد بن طلحة القرشي التيمي سمع : أبا أسيد
الساعدي ، وعبد الله بن عمرو ، وأبا هريرة ، وعائشة أم المؤمنين كما
ذكرناه مرة .
قوله : (( وكذا رواه الفريابي وغيره )) هو محمد بن يوسف بن واقد
الفريابي أبو عبد الله الضبي مولاهم ، سكن فَيسارية الشام ، أدرك
الأعمش ، وروى عنه ، وعن إبراهيم بن أبي عبلة ، وجرير بن حازم ،
والأوزاعي ، والثوري ، وابن عيينة ، وجماعة آخرين . وروى عنه :
أحمد بن حنبل ، وإسحاق بن منصور ، ودُحيم ، وإبراهيم بن الوليد ،
وجماعة آخرون . قال النسائي وأبو حاتم : هو ثقة . توفي في شهر ربيع
الأول سنة اثنتي عشرة ومائتين . روى له الجماعة (١).
١٦٦ - ص - وثنا عثمان بن أبي شيبة قال : ثنا وكيع قال : ثنا الأعمش،
عن حبيب، عن عروة، عن عائشة: ((أَنَّ النبيَّ - عليه السلام - قَبَّلَ امرأةً من
نسائه ، ثم خرجَ إلى الصلاة ولم يَتوضأ )) . قال عروة: فقلتُ لَهَا: مَن هِيَ
إلا أَنْتِ ؟ فضَحِكَتْ))(٢) .
ش - حبيب هو ابن أبي ثابت قيس بن دينار ، وقد ذكرناه ، وعروة بن
الزبير بن العوام .
(١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٥٧١٦/٢٧).
-
(٢) الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في ترك الوضوء من القبلة (٨٦)،
ابن ماجه : كتاب الطهارة وسننها ، باب : الوضوء من القبلة (٥٠٢).
- ٤١١-

قوله: ((مَن هيَ إلا أنت؟)) كلمة ((مَن)) هاهنا استفهامية ، والتقدير :
ما كانت المُقَبَّلَةُ إلَا أنتِ .
وقوله: (( فضحكت)) يدل على أن التي قَبَّلها - عليه السلام - هي
عائشة ؛ لأن الضحك في مثل هذا الموضع تقرير لكلام السائل ، كما في
استئذان البكر إذا ضحكت يكون إذناً ؛ لأنه دليل الرضا ، وهذا الحديث
أيضاً حجة للحنفية على خصومهم .
ص - قال أبو داود : هكذا رواه زائدة وعبد الحميد الحمّاني، عن سليمان
الأعمش .
ش- زائدة بن قدامة الثقفي ، وعبد الحميد بن عبد الرحمن الكوفي
أبو يحيى الحِمَّاني نسبة إلى حِمَّان من بني تميم - بالحاء المهملة المكسورة
وتشديد الميم - سمع : الأعمش ، والثوري ، وأبا عمرو النضر بن
عبد الرحمن الخزاز . روى عنه : عمرو بن عليّ ، وأحمد بن سنان
العطار ، وأبو سعيد الأشج ، وغيرهم . قال ابن معين : ثقة وأبوه ثقة .
[٦٣/١ - ب] / توفي سنة ثنتين ومائتين. روى له الجماعة (١) .
١٦٧ - ص - حدّثنا إبراهيم بن مَخلد الطالقاني قال : ثنا عبد الرحمن
- يعني ابن مَغراءَ - قال : ثنا الأعمش قال : أنا أصحاب لنا عن عروة المزني،
عن عائشةَ بهذا الحديث (٢) .
ش - إبراهيم بن مخلد الطالقاني ، روى عن عبد الرحمن بن مغراء(٣)
وغيره . روى عنه أبو داود (٤) . والطالقاني بفتح اللام .
وعبد الرحمن بن مَغراء بن الحارث بن عياض بن عبد الله بن وهب
الكوفي أبو زُهير ، ولي قضاء الأردن . سمع : إسماعيل بن أبي خالد ،
ويحيى بن سعيد الأنصاري ، والأعمش ، ومحمد بن سوقة ، وغيرهم .
(١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٣٧٢٥/١٦).
(٢) انظر الحديث السابق .
(٣) في الأصل: ((عبد الرحمن معن )) خطأ.
(٤) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٢/ ٢٤١) .
- ٤١٢-

روى عنه : محمد بن المبارك الصوري ، وفيض بن الوثيق ، ويوسف بن
موسى القطان ، ومحمد بن عائذ الدمشقي ، وغيرهم . قال أبو زرعة :
صدوق . وقال ابن المديني : ليس بشيء ، كان يروي عن الأعمش ستمائة
حديث ، تركناه لم يكن بذاك . وقال ابن عدي : هو من جملة الضعفاء.
روى له : أبو داود ، والترمذي (١) .
وعروة المزني روى عن عائشة أم المؤمنين ، روى عنه حبيب بن
أبي ثابت ، روی له أبو داود (٢).
قوله : (( بهذا الحديث )) أشار به إلى الحديث الذي رواه حبيب بن
أبي ثابت ، عن عروة . وقد روى أبو داود هذا الحديث من طريقين كما
ترى ، وبالطريق الأولى رَوَى الترمذي وابن ماجه أيضاً .
ص - قال أبو داود : قال يحيى بن سعيد القطان لرجل : احك عني أن
هذين الحديثين - يعني حديث الأعمش هذا عن حبيب ، وحديثه بهذا
الإسناد في المستحاضة تتوضأ لكل صلاة - قال : احك عني أنهما شبه لا
شيء .
ش - أشار بهذا يحيى بن سعيد إلى أن حبيب بن أبي ثابت لم يرو عن
عروة بن الزبير ، ولهذا قال : إنهما شبه لا شيء ، يعني : يشابه لا شيء
فكأنه أراد أنه ليس بشيء، وهو بكسر الشين وسكون الباء بمعنى المشابهة،
ولذلك قال الترمذي : وسمعت محمد بن إسماعيل يضعف هذا الحديث
ويقول : لم يسمع حبيب بن أبي ثابت من عروة شيئاً . وقال الترمذي :
ولا يصح في هذا الباب عن النبي - عليه السلام - شيء . وروى البيهقي
في (( سننه )) هذا الحديث وضعفه ، وقال : إنه يرجع إلى عروة المزني،
وهو مجهول . قلنا : بل هو عروة بن الزبير ، كما أخرجه ابن ماجه بسند
صحيح ، فإنه نَسبَ عروة فقال : حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا
(١) المصدر السابق (٣٩٦٤/١٧).
(٢) المصدر السابق (٣٩١٥/٢٠) .
- ٤١٣-

وكيع(١) ، ثنا الأعمش ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن عروة بن الزبير،
عن عائشة ، فذكره . وكذلك رواه الدارقطني ، ورجال هذا السند كلهم
ثقات . وقد مال ابن عبد البر إلى تصحيح هذا الحديث ، وحبيب لا يُنكر
لقاؤه عروةَ ، لروايته عمن هو أكبر من عروة ، وأقدم موتاً ، وقال في
موضع آخر : لا شك أنه أدرك عروة .
ص - قال أبو داود : ورُوي عن الثوري [ قال: ] : ما حدثنا حبيب إلا عن
عروة المزني - يعني : لم يحدثهم عن عروة بن الزبير بشيء - وقد روى
حمزة الزيات ، عن حبيب ، عن عروة بن الزبير ، عن عائشة حديثاً صحيحاً.
ش - نقل أبو داود ما رُوي عن الثوري من قوله: (( ما حدثنا حبيب))
إلى آخره ، ثم لم يرض بما قاله الثوري ، فلذلك قال بكلمة التحقيق :
((وقد روى حمزة الزيات عن عروة بن الزبير ، عن عائشة حديثاً صحيحاً،
وهو قوله - عليه السلام -: (( اللهم عافني في جسدي ، وعافني في
بصري)) . رواه الترمذي في الدعوات، وقال: غريب (٢) . فأبو داود
مثبت ، والثوري نافي ، والمثبت مقدَّمُ على النافي .
سلمنا أن هذا عروة المزني ، أفلا يحتمل أن حبيباً سمعه من ابن الزبير
وسمعه من عروة المزني أيضاً كما وقع ذلك كثيراً في الأحاديث ؟ وقد جاء
لحديث عائشة طرق جيدة سوى ما مر من رواية حبيب ، عن عروة عنها ،
(((٣) الأولى: قال أبو بكر البزار في ((مسنده)): حدّثنا إسماعيل بن
يعقوب بن صبيح ، حدّثنا محمد بن موسى بن أعين ، حدَّثنا أبي ، عن
عبد الكريم الجزري ، عن عطاء ، عن عائشة - رضي الله عنها -: ((أنه
- عليه السلام - کان یقبِّل بعضَ نسائه ولا یتوضأ )» . وعبد الکریم روی
عنه مالك في ((الموطأ)) ، وأخرج له الشيخان وغيرهما، ووثّقه ابن معين،
وأبو حاتم ، وأبو زرعة . وموسى بن أعين مشهور ، ووثَّقه أبو زرعة ،
(١) في سنن ابن ماجه (٥٠٢): ((حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعليّ بن محمد
قالا: ثنا وكيع)) .
(٢) الترمذي (٣٤٨٠) .
(٣) انظر: نصب الراية (١/ ٧٣ - ٧٦) .
-٤١٤-

وأبو حاتم ، وأخرج له مسلم . وابنه / مشهور ، وروى له البخاري، [٦٤/١ -أ]
وإسماعيل روى عنه النسائي ووثقه ، وأبو عوانة الإسفرائيني ، وأخرج له
ابن خزيمة في ((صحيحه))، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال عبد الحق
بعد ذكره لهذا الحديث من جهة البزار: لا أعلم له علة توجب تركه .
الثانية : روى الدارقطني من طرقٍ (١) إلى سعيد بن بشير قال : حدَّثني
منصور بن زاذان ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن عائشة قالت :
((لقد كان رسول الله يقبلني إذا خرج إلى الصلاة ولا يتوضأ)). قال
الدارقطني : تفرَّد به سعيد (٢) . قلنا : قال ابن الجوزي : وثَّقه شعبة ،
ودحيم. وأخرج له الحاكم في ((المستدرك)). وقال ابن عدي: (( لا أرى
مما (٣) يروي سعيد بأساً، والغالب عليه الصدق)) . وأقل أحوال مثل
هذا أن يُستشهد به .
الثالثة : روى ابن أخي الزهري ، عن الزهري ، عن عروة ، عن
عائشة قالت: ((لا تعاد الصلاة من القُبْلة ، كان النبي - عليه السلام -
يُقبل بعض نسائه ، ويصلي ولا يتوضأ)) أخرجه الدار قطني ولم يُعلُّه بشيء
سوى أن منصوراً خالفه (٢). وذكر البيهقي في ((الخلافيات)): أن أكثر
رواته إلى ابن أخي الزهري مجهولون ، وليس كذلك ، بل أكثرهم
معروفون .
الرابعة : أخرج الدارقطني عن أبي بكر النيسابوري ، عن حاجب بن
سليمان ، عن وكيع ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة قالت:
((قبَّل رسول الله - عليه السلام - بعض نسائه ، ثم صلى ولم يتوضأ،
ثم ضحكت )) (٤) . والنيسابوري إمام مشهور ، وحاجب لا يعرف فيه
مطعن ، وقد حدَّث عنه النسائي ووثَّقه .
(١) في الأصل: ((طريقٍ )) خطأ.
(٣) في نصب الراية: ((بما)).
(٢) سنن الدار قطني (١/ ١٣٥).
(٤) سنن الدارقطني (١٣٦/١).
- ٤١٥-

الخامسة : روى الدارقطني أيضاً عن عليّ بن عبد العزيز الوراق ، عن
عاصم بن عليّ ، عن أبي أويس ، حدَّثني هشام بن عروة ، عن أبيه ،
عن عائشة: أنه بلغها قول ابن عمر: (( في القُبلة الوضوء))، فقالت :
((كان رسول الله يُقبل وهو صائم، ثم لا يتوضأ)) (١) . وعاصم أخرج له
البخاري ، وأبو أويس استشهد به مسلم . قال البيهقي : والحديث
الصحيح عن عائشة في قُبلة الصائم ، فحمله الضعفاء من الرواة على ترك
الوضوء منها . قلنا : هذا تضعيف للثقات من غير دليل ، والمعنيان
مختلفان ، فلا يعلل أحدهما بالآخر .
السادسة : روى إسحاق بن راهويه في (( مسنده )) ، أخبرنا بقية بن
الوليد ، حدَّثني عبد الملك بن محمد ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ،
عن عائشة: (( أن رسول الله - عليه السلام - قبلها وهو صائم))، وقال:
((إن القُبلة لا تنقض الوضوء ، ولا تفطر الصائم ، وقال : يا حميراء ،
إن في ديننا لسَعَةً)). وروى الطبراني في ((معجمه الوسط)) (٢): حدّثنا عليّ
ابن سعيد الرازي ، ثنا سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي ، حدَّثْني أبي ،
ثنا يزيد بن سنان ، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي ، عن يحيى بن
كثير، عن [ أبي سلمة، عن ] أبي هريرة قال: (( كان رسول الله - عليه
السلام - يُقبل ، ثم يخرج إلى الصلاة ولا يحدث وضوءاً))، ورُوي ذلك
عن ابن عباس ، والحسن ، وعطاء ، ومسروق ، وأبي جعفر: (( أنهم لا
يرون في القُبلة وضوءاً)) (٣).
٦٢ - باب : في الوضوء من مس الذكر
أي : هذا باب في بيان الوضوء من مس الذكر .
١٦٨ - ص - حدّثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن عبد الله بن
أبي بكر ، أنه سمع عروة يقول : دخلتُ على مَرْوانَ بنِ الحكم فذكرنا ما
(١) سنن الدار قطني (١٣٦/١).
(٢) (٤/ ٣٨٠٥) بسنده ومتنه ، ولكن عن أم سلمة بدلاً من أبي هريرة .
(٣) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية.
-٤١٦-

يكون منه الوضوءُ، فقال مروانُ: ومَنْ مَسِّ الذَّكَر ، فقال عروةٌ: ما علمتُ
ذاكَ، فقال مَروانُ : أخبرتْني بُسرةُ بَنتُ صفوانَ ، أنها سمعتْ رسولَ الله
يقول: ((مَن مسَّ ذَكَرَهُ فَلْيتوضَّاً)) (١).
ش - عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم بن زيد بن
لَوْذَان أبو محمد ، ويقال : أبو بكر الأنصاري المدني . سمع : أنس بن
مالك، وعبد الله بن عامر، وغيرهما . (( قال ابن معين : ثقة . وقال
أبو حاتم : صالح . روى له : البخاري، ومسلم)) (٢). روى عنه:
الزهري ، ومالك بن أنس ، والثوري ، وابن عيينة ، وغيرهم . وقال ابن
سعد : كان ثقة كثير الحديث عالماً . توفي سنة خمس وثلاثين ومائة ،
وليس له عقب ، وهو ابن سبعين سنة . روى له الجماعة (٣).
وعروة بن الزبير .
ومروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس/ بن عبد مناف [١/ ٦٤ -ب]
ابن قُصَي أبو عبد الملك ، أو أبو القاسم ، أو أبو الحكم . ولد بعد
الهجرة بسنتين . روى له البخاري حديث الحديبية مقروناً بالمسور بن
مخرمة، ولم يصح له سماع من النبي - عليه السلام - . روى عنه : ابنه
عبد الملك ، وعروة بن الزبير ، وعليّ بن الحسين ، وغيرهم . توفى سنة
خمس وستين وهو ابن ثلاث وستين . روى له : أبو داود ، والترمذي ،
والنسائي ، وابن ماجه (٤) .
وبُسرة بنت صفوان بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قُصي القرشية
الأسدية ، وهي خالة مروان بن الحكم ، وجدة عبد الملك بن مروان ،
(١) الترمذي: أبواب الطهارة، باب: الوضوء من مس الذكر (٨٢)، النسائي:
كتاب الطهارة ، باب : الوضوء من مس الذكر (١/ ١٠٠)، ابن ماجه : كتاب
الطهارة ، باب : الوضوء من مس الذكر (٤٧٩) .
(٢) كذا ذكره المصنف وسط الترجمة ، وليس هذا من عادته .
(٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (١٤/ ٣١٩٠).
(٤) المصدر السابق (٢٧ / ٥٨٧٠).
٢٧ • شرح سنن أبي داوود ١
-٤١٧-

وهي بنت أخي ورقة بن نوفل ، وهي أخت عقبة بن أبي معيط لأمه .
روى عنها : عبد الله بن عمرو ، وعروة بن الزبير ، ومروان بن الحكم .
روى لها أبو داود ، والترمذي ، والنسائي، وابن ماجه (١) .
قوله: (( ومن مسِّ الذكر )) يعني : يكون الوضوء من مس الذكر.
قوله: (( ما علمت ذاك)) أي : وجوب الوضوء من مس الذكر . وبهذا
الحديث احتج الشافعي وأحمد على أن مس الذكر ناقض للوضوء . وإليه
ذهب الأوزاعي ، وإسحاق ، إلا أن الشافعي لا يرى ذلك إلا باللمس
بباطن الكف . وقال مالك : إنما ينقض في مس ذكر رجل كبير .
(((٢) وروى هذا الحديث الترمذي، والنسائي ، وابن ماجه. وقال
الترمذي : حديث حسن صحيح ، وفي الباب عن أم حبيبة ، وأبي أيوب،
وأبي هريرة ، وأروى بنت أنيس ، وعائشة ، وجابر ، وزيد بن خالد ،
وعبد الله بن عمرو . وقال محمد بن إسماعيل : هذا الحديث أصح شيء
في هذا الباب ، واحتجوا أيضاً بأحاديث نذكرها .
والجواب عن ذلك من وجوه ، الأول : أنه مخالف لما رُوي عن عمر ،
وعليّ ، وابن مسعود ، وابن عباس ، وزيد بن ثابت ، وعمران بن
حصين، وحذيفة بن اليمان ، وأبي الدرداء ، وعمار بن ياسر ، وسعد بن
أبي وقاص ، وأبي أمامة ، وسعيد بن المسيب ، وسعيد بن جبير ،
وإبراهيم النخعي ، وربيعة بن [ أبي ] عبد الرحمن ، وسفيان الثوري ،
وجماعة آخرين .
والثاني : أن هذه الحادثة لما وقعت في زمن مروان بن الحكم فشاور من
بقي من الصحابة فقالوا: ((لا ندع كتاب ربنا ولا سُنَّة نبينا بقول امرأة ،
لا ندري أصدقت أم كذبت » .
(١) انظر ترجمتها في: الاستيعاب بهامش الإصابة (٢٤٩/٤)، وأسد الغابة
(٤٠/٧)، والإصابة (٤/ ٢٥٢).
(٢) انظر: نصب الراية (٥٤/١: ٦٠).
-٤١٨-

الثالث : أنه خبر واحد فيما يعم به البلوى ، فلو ثبت لاشتهر .
والرابع : أنه بعد تسليم ثبوته محمول على غسل اليدين ؛ لأن الصحابة
كان يستنجون بالأحجار دون الماء ، فإذا مسوه بأيديهم كانت تتلوث
خصوصاً في أيام الصيف ، فأمر بالغسل لهذا ، فإن قيل : قد قال ابن
حبان : وليس المراد من الوضوء غسل اليد ، وإن كانت العرب تُسمي
غسل اليد وضوءاً ، بدليل ما أخبرنا وأسند عن عروة بن الزبير ، عن
مروان، عن بسرة قالت: قال رسول الله وَ له: ((من مس فرجه فليتوضأ
وضوءه للصلاة)) . وأسند أيضاً عن عروة ، عن بسرة قالت : قال رسول
الله - عليه السلام -: ((من مس فرجه فليعد الوضوء))، قال : والإعادة
لا تكون إلا لوضوء الصلاة . قلنا : هذا الطحاوي - وهو إمام في
الحديث - قد استضعفه بالإسناد الأول . وروى بإسناده ، عن ابن عيينة :
أنه عد جماعة لم يكونوا يعرفون الحديث ، ومَن رأيناه يحدث عنهم
سخرنا منه ، فذكر منهم : عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن
حزم، ثم أخرجه من طريق الأوزاعي : أخبرني الزهري ، حدَّثني أبو بكر
ابن محمد بن عمرو بن حزم . قال : فثبت انقطاع هذا الخبر وضعفه ،
وبالسند الأول رواه مالك في ((الموطأ))، وعنه الشافعي في ((مسنده))،
ومن طريق الشافعي رواه البيهقي . وقال الطحاوي : لا نعلم أحداً أفتى
بالوضوء من مس الذكر غير ابن عمر ، وقد خالفه في ذلك أكثر أصحاب
رسول الله - عليه السلام - . ومن الأحاديث التي احتجوا بها ما رواه ابن
حبان في (( صحيحه )) عن يزيد بن عبد الملك ، ونافع بن أبي نعيم
القارئ، عن المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَ الر: ((إذا
أفضى أحدكم بيده إلى فرجه، وليس بينهما ستر / ولا حائل فليتوضأ)). [٦٥/١-أ]
ورواه الحاكم في ((المستدرك)) وصحَّحه. ورواه أحمد في ((مسنده))،
والطبراني في ((معجمه))، والدارقطني في «سننه »، وكذلك البيهقي ،
ولفظه فيه: (( من أفضى بيده إلى فرجه ليس دونها حجاب فقد وجب عليه
وضوء الصلاة ، قال : ويزيد بن عبد الملك تكلموا فيه ، ثم أسند عن
-٤١٩-

أحمد بن حنبل أنه سئل عنه فقال : شيخ من أهل المدينة ليس به بأس .
قلنا : أغلظ العلماء القول فيه فقال أبو زرعة : واهي الحديث ، وغّظ فيه
القول جدا ، وقال النسائي : متروك الحديث ، وقال الساجي : ضعيف ،
منكر الحديث ، واختلط بآخره ، ثم قال البيهقي : قال الشافعي : ففي
الإفضاء باليد إنما هو ببطنها. قلنا: ذكر في ((المحلى )) قول الشافعي لا
دليل عليه من قرآن ولا سُنَّة ، ولا إجماع ، ولا قياس ، و[ لا ] رأي
صحيح ، ولا يصح في الآثار: (( من أفضى بيده إلى فرجه))، ولو صح
فالإفضاء يكون بظهر اليد كما يكون بباطنها . ومنها ما أخرجه ابن ماجه
في ((سننه)) عن الهيثم بن حميد، ثنا العلاء بن الحارث، عن مكحول، عن
عنبسة بن أبي سفيان، عن أم حبيبة: أنها سمعت رسول الله وَلّه يقول :
(( من مس فرجه فليتوضأ)) . قال الترمذي في كتابه : قال محمد - يعني
البخاري - : لم يسمع مكحول من عنبسة بن أبي سفيان . وروى مكحول
عن رجل، عن عنبسة غير هذا الحديث، وكأنه لم ير هذا الحديث صحيحاً.
قال : وقال محمد : أصح شيء سمعت في هذا الباب حديث العلاء بن
الحارث ، عن مكحول ، عن عنبسة بن أبي سفيان ، عن أم حبيبة .
وهذا مناقض لما نقله عن البخاري في حديث بسرة أنه قال : هو أصح
شيء في هذا الباب ، وقد تقدم . وأسند الطحاوي في ((شرح الآثار ))
عن أبي مسهر أنه قال : لم يسمع مكحول من عنبسة شيئاً . قال : وهم
يحتجون بقول أبي مسهر ، فرجع الحديث إلى الانقطاع ، وهم لا
يحتجون بالمنقطع .
ومنها ما أخرجه ابن ماجه أيضاً عن إسحاق بن أبي فروة ، عن
الزهري، عن عبد الرحمن بن عبد القاري ، عن أبي أيوب قال : سمعت
رسول الله وَّل# يقول: ((من مس فرجه فليتوضأ)). قلنا : هذا حديث
ضعيف ، فإن إسحاق المذكور متروك باتفاقهم ، وقد اتهمه بعضهم .
ومنها ما رواه ابن ماجه أيضاً عن عبد الله بن نافع [عن] ابن أبي ذئب،
عن عقبة بن عبد الرحمن ، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان ، عن
- ٤٢٠ -