النص المفهرس
صفحات 401-420
والثانية : فيه جواز المسح على الخفين . والثالثة : فيه جواز سؤال المفضول الفاضلَ عن بعض أعماله التي في ظاهرها مخالفة للعادة ؛ لأنها قد تكون عن نسيان فيرجع عنها ، وقد تكون تعمداً لمعنى خفيَ على المفضول فيستفيده . ٥٩ - باب : في تفريق الوضوء أي : هذا باب في بيان تفريق الأعضاء في الوضوء . ١٦١ - ص - حدّثنا هارون بن معروف قال : نا ابن وهب ، عن جرير بن حازم: أنه سمع قتادة بن دعامة قال: نا أنس بن مالك: (( أنَّ رجلاً جاءَ إلى رسول الله وَ﴾ وقد تَوضأ، وقد تركَ (١) على قدمَيْهِ مثلَ موضع الظَّفْرِ، فقال له رسولُ اللهِ وَيرِ: ((ارجعْ فأحسنْ وُضوءَكَ)) (٢). ش - هارون بن معروف الخزاز أبو عليّ المروزي ، سكن بغداد ، وسمع : ابن عيينة ، وعبد العزيز الدراوردي ، ويحيى بن زكريا ، والوليد ابن مسلم ، وعبد الله بن وهب . روى عنه : أحمد بن حنبل - وكان أسنَّ من أحمد بسبع سنين - والبخاري ، ومسلم ، وأبو داود ، وصالح ابن محمد البغدادي ، والبغوي ، وغيرهم . مات ببغداد سنة إحدى وثلاثين ومائتين (٣) . وجرير بن حازم بن زيد (٤) - أخو يزيد ومخلد - الأزدي العتكي ، أبو النضر البصري . سمع : أبا الطفيل عامر بن واثلة ، وأبا رجاء (١) في سنن أبي داود: ((وترك)). (٢) مسلم : كتاب الطهارة ، باب : وجوب استيعاب جميع أجزاء كل الطهارة (٢٤٣) ، ابن ماجه : كتاب الطهارة ، باب : من توضأ فترك موضعاً لم يصبه الماء (٦٦٥)، (٦٦٦) . (٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٦٥٢٦/٣٠). (٤) في الأصل: ((يزيد)) خطأ. ٢٦ • شرح سنن أبي داوود ١ -٤٠١- [٦١/١ -ب] / العطاردي، والحسن البصري، ومحمد بن سيرين، ونافعاً (١) مولى ابن عمر ، وقتادة ، وغيرهم . روى عنه : أيوب السختياني ، والأعمش، والليث بن سعد ، والثوري ، وابن المبارك ، ويحيى القطان ، وابن عيينة، وعبد الله بن وهب ، وغيرهم . وقال ابن معين : ثقة . وقال أبو حاتم : صدوق صالح تغير قبل موته بسنة (٢) . قوله: ((وقد توضأ)) حال من ((الرجل))، وكذلك قوله: (( وقد ترك)) حال ، إما من الأحوال المتداخلة أو المترادفة . قوله: (( مثل موضع الظفر )) الظفر من الإنسان وكل حيوان بضم الظاء وسكون الفاء . وقال ابن دريد : ولا تكسر الظاء ويقال : أظفور أيضاً . وقال الزمخشري : حكى أبو عليّ ((ظِفْر)) بكسر الظاء وإسكان الفاء . قوله : ((ارجع فأحسن وضوءك )) أي : كمل وضوءك ، وذلك يكون بِبَلِّ هذا الموضع ، وبه تمسك أصحابنا أن مَن توضأ وبقي في أعضاء وضوئه موضع لم يصبه الماء ، فإنه يبل ذلك الموضع ويُجزئه . وقالت الشافعية : عليه أن يعيد الوضوء ؛ لأن ظاهر معنى الحديث إعادة الوضوء في تمام . ولو كان تفريقه جائزاً لاقتصر فيه على الأمر بغسل ذلك الموضع ، أو كان يأمره بإمساسه الماء في مقامه ذلك ، ولا يأمره بالرجوع إلى المكان الذي يُتوضأ فيه . قلنا : لو كان الإعادة تجب عليه لقال - عليه السلام - : ((ارجع فأعد وضوءك))؛ لأنه - عليه السلام - مبعوث لبيان أمور الشرائع ولا سيما في موضع الحاجة إلى البيان، وإنما قال: ((أحسن وضوءك)) وتحسين الوضوء تكميله ، وذلك لا يكون إلا في أمر مُعتدٍّ ، غاية ما في الباب أنه لا يجوز له أن يُصلي بذلك الوضوء حتى تكمل شرائطه ، وقوله ((ارجع)) لا يدل على الإعادة، وإنما قال: ارجع ليرجع ويحصل ماءً يُمسَّ ذلك الموضع به ، ويؤيد ما ذكرناه ما روى ابن أبي شيبة : حدَّثَنا يزيد بن هارون ، عن حماد بن سلمة ، عن قتادة ، عن خلاس فيما يعلم (١) في الأصل: ((ونافع)) خطأ. (٢) المصدر السابق (٩١٣/٤). - ٤٠٢- حماد، عن عليّ قال: ((إذا توضأ الرجل فنسي أن يمسح برأسه ، فوجد في لحيته بللاً ، أخذ من لحيته فمسح رأسه )) . وهذا أبلغ من ذاك ، حيث أنه إذا نسي ركناً كاملاً بالكلية يجزئه إمساس الماء من غير إعادة الوضوء ، على أن الحديث ليس بمعروف كما نذكره الآن . ص - قال أبو داود : ليس هذا الحدیث بمعروف عن جرير بن حازم ، لم (١) يروه إلا ابن وهب، وقد رُوي عن معقل بن عُبيد الله الجزري، عن أبي الزبير ، عن جابر ، عن عمر - رضي الله عنه - ، عن النبي - عليه السلام- نحوه، وقال: ((ارجعْ فَأَحْسِنْ وضوءَكَ)) . قال أبو داود : حدثنا موسى بن إسماعيل قال : نا حماد قال : نا يونس وحميد، عن الحسن ، عن النبي - عليه السلام - بمعنى قتادة (٢) . ش - معقل بن عبيد الله أبو عبد الله الجزري العَبسي مولاهم الحراني . سمع : عطاء بن أبي رباح ، ونافعاً ، والزهري ، وغيرهم . روى عنه : الثوري ، ووكيع ، وأبو نعيم ، وعبد الله بن محمد النفيلي ، وغيرهم . قال أحمد : صالح الحديث . وقال ابن معين : ليس به بأس . روى له: مسلم ، وأبو داود ، والنسائي (٣). وأبو الزبير محمد بن مسلم بن تدرس المكي الأسدي ، وقد ذكرناه ، وجابر بن عبد الله الصحابي ، وحماد بن سلمة . ويونس بن عبيد بن دينار البصري ، أبو عبد الله العبدي مولاهم . رأى أنس بن مالك . وسمع : الحسن ، ومحمد بن سيرين ، وثابتاً البناني ، وغيرهم . روى عنه : الثوري ، وشعبة ، والحمادان ، ووهيب بن خالد، وغيرهم . وقال ابن سعد : كان ثقة كثير الحديث . مات سنة تسع وثلاثين ومائة . روى له الجماعة (٤) . (١) في سنن أبي داود: ((ولم))، وكذا في الشرح. (٢) انظر الحديث السابق. (٣) انظر ترجمته في تهذيب الكمال (٦٠٩٢/٢٨). (٤) المصدر السابق (٣٢/ ٧١٨٠). - ٤٠٣- وحميد هذا هو ابن أبي حميد الطويل ، أبو عبيدة البصري الخزاعي مولى طلحة الطَّلْحات ، واسم أبي حميد زاذويه ، ويقال : طرخان . ويقال : عبد الرحمن ، ويقال : داود . سمع : أنس بن مالك ، والحسن البصري ، وثابتاً ، وعكرمة مولى ابن عباس ، وغيرهم : روى عنه : يحيى بن سعيد الأنصاري ، ومالك بن أنس ، والثوري ، وابن عيينة ، وشعبة ، والحمادان ، وابن المبارك ، ويحيى القطان ، وغيرهم . مات سنة ثلاث وأربعين ومائة . روى له الجماعة (١) . قوله: (( ليس هذا الحديث بمعروف)) أي: حديث أنس المذكور ، ثم علله بقوله: ((ولم يروه إلا عبد الله بن وهب)). قوله : (( وقد روي)) أي : رُوي هذا الحديث أيضاً عن معقل. / وأخرج مسلم حديث عمر هذا عن سلمة بن شبيب ، عن ابن أعين، عن معقل . وأخرجه ابن ماجه من حديث عبد الله بن لهيعة ، عن أبي الزبير ، قال الشيخ محيي الدين: (( استدل القاضي عياض وغيره بهذا الحديث على وجوب الموالاة في الوضوء لقوله - عليه السلام -: (( ارجع فأحسن وضوءك)) ، ولم يقل : اغسل الموضع الذي تركته . وهذا الاستدلال ضعيف أو باطل ، فإن قوله - عليه السلام - : (( أحسن وضوءك)) يحتمل للتتميم والاستئناف ، وليس حمله على أحدهما أولى من الآخر)) (٢) . قلت : وإن كان يحتمل المعنيين ، ولكن حمله على معنى التتميم أولى لما ذكرنا الآن . نعم الاستدلال به على وجوب الموالاة لا وجه له لعدم ما يدل على ذلك ، وإن دل فلا يسلم أن يكون واجباً ، بل يكون مستحبا لما عرف من أنه يلزم من ذلك الزيادة على مطلق النص ، وذا غير جائز . قوله: (( قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل)) إلى آخره ، حديث مرسل . (١) المصدر السابق (١٥٢٥/٧). (٢) انظر: ((شرح صحيح مسلم)) (١٣٢/٣). -٤٠٤- قوله: (( بمعنى قتادة )) يعني بمعنى الحديث الذي رواه قتادة بن دعامة عن أنس بن مالك . وذكر الدارقطني أن جرير بن حازم تفرد به عن قتادة ، ولم يروه عنه غير ابن وهب . ١٦٢ - ص - حدّثنا حيوة بن شريح قال: نا بقية بن الوليد ، عن بحیر -يعني : ابنَ سعد (١) - عن خالد - يعني : ابن معدان - عن بعض أصحاب النبي - عليه السلام -: (( أن النبيّ - عليه السلام - رَأَی رجلاً يُصلِّي وفي ظَهرِ قَدمِهِ لمعةٌ قَدْرَ الدرهم لم يصبْهَا الماءُ ، فأمره النبي - عليه السلام - أن يُعيدَ الوَضَوءَ والصلاةَ)) (٢) . ش - بقية بن الوليد بن صائد بن كعب بن حَرِيز - بالحاء المهملة - الكَلاعي الحِميري المِيْتمِي - بالياء آخر الحروف ثم التاء المثناة من فوق - أبو محمد الحمصي . سمع : محمد بن زياد ، والأوزاعي ، ومالك بن أنس ، وابن جريج ، وغيرهم . روى عنه : شعبة ، والحمادان ، وابن المبارك ، وحيوة بن شريح ، وإسحاق بن راهويه ، وغيرهم . وقال أبو مسهر : بقية ليست أحاديثه نقية . وقال أبو حاتم : يكتب حديثه ، ولا يحتج به . وقال أبو زرعة : ما لبقية عيب إلا كثرة روايته عن المجهولين ، فإذا حدث عن الثقات فهو ثقة . توفي بحمص سنة سبع وتسعين ومائة . (٣) روى له الجماعة إلا البخاري وخالد بن معدان بن أبي کرب (٤) الكَلاعي أبو عبد الله الحمصي . روى عن : أبي عبيدة بن الجراح ، وعبادة بن الصامت ، ومعاذ بن جبل ، وأبي هريرة ، وأبي الدرداء ، وأبي ذر الغفاري ، وسمع أبا أمامة الباهلي، وغيره . روى عنه : ثور بن يزيد ، وحريز بن عثمان ، وابنته عبدة بنت (١) في الأصل: ((يحيى - يعني: ابن سعيد)) خطأ ، ووقع في سنن أبي داود: (((بَجير)) بالجيم المعجمة وهو خطأ أيضاً ، والصواب أنه بالحاء المهملة. (٢) تفرد به أبو داود . (٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٧٣٨/٤). (٤) في الأصل : ((كريب )) خطأ . - ٤٠٥- خالد ، وزياد بن سعد ، وغيرهم . توفي سنة ثلاث ومائة . روى له الجماعة إلا البخاري (١) . قوله: (( لُمعة)) اللُّمعة - بضم اللام - : بياض أو سواد أو حمرة تبدو من بين لون سواها ، وهي في الأصل قطعة من النبت إذا أخذت في اليبس، وفي اصطلاح الفقهاء : اللمعة : الموضع الذي لم يصبه الماء . وبهذا الحديث استدل الجمهور أن من ترك جزءاً يسيراً مما يجب تطهيره لا تصح طهارته . واختلفوا في التيمم ، فعند الشافعي ومالك وأحمد : كالوضوء . وعند أبي حنيفة : أن الاستيعاب فيه ليس بشرط ، والأصح عندنا أيضاً أنه شرط ، وعليه الفتوى . قوله: ((أن يعيد الوضوء والصلاة)) أما إعادة الصلاة فظاهر؛ لأنه صَلَّى بلا طهارة كاملة ، وأما إعادة الوضوء فعند من يقول بعدم جواز التفريق في الوضوء ، فظاهر أيضاً ، وأما عند من يرى ذلك فَلِتَقَعَ صلاتُه بعد ذلك بطهارة مَأتيِّ بها على وجه الكمال ليخرج عن عهدة الخلاف مع اشتراط الاحتياط في أبواب العبادات . وهذا الحديث أيضاً مرسل ، وفي إسناده بقية ، وهو مدلس ، وفيه مقال كما ذكرناه . ولو أخرجه على ما أخرجه الحاكم في (( المستدرك)) كان يسلم من تهمة تدليس بقية ، والله أعلم. * ٦٠ - باب : إذا شك في الحدث أي : هذا باب في بيان حكم من يشك في الحدث . الشك : ما يستوي فيه طرف العلم والجهل ، وهو الوقوف بين الشيئين بحيث لا يميل إلى أحدهما ، فإذا قوي أحدهما وترجح على الآخر ، ولم يأخذ بما [٦٢/١-ب] ترجح ولم يطرح الآخر فهو ظن، وإذا عقد / القلب على أحدهما وترك الآخر فهو أكبر الظن ، وغالب الرأي . ويقال : الشك ما استوى فيه (١) المصدر السابق (٨/ ١٦٥٣). -٤٠٦- طرفا العلم والجهل ، فإذا ترجح أحدهما على الآخر ، فالطرف الراجح ظن ، والطرف المرجوح وهم . ١٦٣ - ص - حدّثنا قتيبة بن سعيد ومحمد بن أحمد بن أبي خلف (١) قالا : ثنا سفيان ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب وعباد بن تميم ، عن عمه(٢): «شُكيَ إلى النبيِّ - عليه السلام - الرجلُ يَجدُ الشيءَ في الصلاة حتى يُخيلُ إليه قَال: (( لا يَتْفَتِلُ حتى يَسمعَ صوتاً، أو يَجِدَ رِيحاً)) (٣) . ش - محمد بن أحمد بن أبي خلف ، واسم أبي خلف : محمد السلمي أبو عبد الله مولاهم البغدادي . سمع : محمد بن طلحة ، وابن عيينة ، وروح بن عبادة ، وغيرهم . روى عنه : مسلم ، وأبو داود ، وابن ماجه ، وعبد الله بن أحمد بن حنبل ، وغيرهم . وقال عبد الرحمن ابن أبي حاتم : سألت أبي عنه فقال : ثقة صدوق . مات سنة ست وثلاثين ومائتين (٤) . وسعيد بن المسيب بن حزن بن عمرو أبو محمد المدني ، إمام التابعين وسيدهم . روى عن : عمر بن الخطاب ، وسمع منه ، ومن عثمان بن عفان ، وعليّ بن أبي طالب ، وعبد الله بن العباس ، وأبي هريرة ، وغيرهم . روى عنه : عطاء بن أبي رباح ، وعمرو بن دينار ، وقتادة ، وجماعة آخرون كثيرة . توفي سنة أربع وتسعين ، وولد لسنتين مضتا من خلافة عمر بن الخطاب . روى له الجماعة (٥) . (١) في سنن أبي داود: ((ابن أبي بن خلف)) خطأ. (٢) في سنن أبي داود: ((عن عمه [قال])). (٣) البخاري: كتاب الوضوء، باب: لا يتوضأ من الشك حتى يستيقن (١٣٧)، مسلم : كتاب الحيض ، باب : الدليل على أن من يستيقن الطهارة ثم شك في الحدث فله أن يصلي بطهارته تلك (٣٦١) ، النسائي : كتاب الطهارة ، باب : الوضوء من الريح (٩٨/١)، ابن ماجه : كتاب الطهارة ، باب : لا وضوء إلا من حدث (٥١٣) . (٤) انظر ترجمته فى: تهذيب الكمال (٥٠٤٢/٢٤). (٥) المصدر السابق (٢٣٥٨/١١). -٤٠٧- وعباد قد ذكر ، وعمه عبد الله بن زيد الأنصاري الصحابي ، وقد ذكر. قوله: (( شكي إلى النبي)) بضم الشين ، وكسر الكاف على بناء المجهول، و((الرجل)) مرفوع على أنه فاعل للفعل المذكور ، ولم يُسم الشاكي من هو . وقد جاء في رواية البخاري أن السائل هو عبد الله بن زيد الراوي ، ولا يتوهم بهذا أن ((شُكِي)) مفتوح الشين والكاف على بناء المعلوم ، على أن يجعل الشاكي هو عمه المذكور ، فإن هذا غلط لا يخفى على من يعرف طرق التركيب ، وذاق من العربية شيئاً . قوله: (( يجد الشيء )) حال من الرجل . قوله : (( يخيل إليه)) يعني : خروج الحدث منه . قوله: (( لا ينفتل)) أي : لا ينصرف من صلاته حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً ، والمعنى : حتى يعلم وجود أحدهما ، ولا يُشترط السماع والشم بإجماع المسلمين ، فإن الأصم لا يسمع شيئاً ، والأخشم الذي راحت حاسة شمه لا يشم أصلاً ، وهذا الحديث أصل من أصول الإسلام ، وقاعدة عظيمة من قواعد الفقه ، وهي أن الأشياء يحكم ببقائها على أصولها حتى يُتبين خلاف ذلك ، فمن ذلك مسألة الباب التي ورد فيها الحديث ، وهي أن من تيقن الطهارة وشك في الحدث ، حكم ببقائه على طهارته ، سواء كان في نفس الصلاة أو خارج الصلاة ، وهذا بالإجماع إلا عن مالك روايتان ، إحديهما : أنه يلزمه الوضوء إن كان شكه خارج الصلاة ، ولا يلزمه إن كان في الصلاة ، والأخرى : يلزمه بكل حال ، وحُكيت الأولى من الحسن البصري ، وهو وجه شاذ عند الشافعية ، وأما إذا تيقن الحدث وشك في الطهارة فإنه يلزمه الوضوء بالإجماع . ويُبنى على هذا الأصل فروع كثيرة محلها كتب الفقه . والحديث أخرجه البخاري، ومسلم ، والنسائي ، وابن ماجه . ١٦٤ - ص - حدثنا موسى بن إسماعيل قال : نا حماد قال : أخبرنا سُهيل ابن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن رسول الله مَ لإ قال: «إذا كان -٤٠٨- أحدُكُم في الصلاة فوجدَ حركةً في دُبُرِهِ ، أحدثَ أو لم يُحدثْ ، فَأَشكلَ عليه، فلا ينصرفْ حتى يسمعَ صوتاً أو يَجْدَ ريحاً)) (١). ش - حماد بن سلمة . وسهيل بن أبي صالح ، واسم أبي صالح : ذكوان السمان الكوفي أبو يزيد الغطفاني الكوفي ، مولى جويرية بنت الأحْمَس ، أخو محمد وعبد الله وصالح . سمع : أباه ، وسعيد بن المسيب ، وعطاء بن يزيد ، وغيرهم . روى عنه : يحيى الأنصاري ، ومالك بن أنس ، وسليمان بن بلال ، والثوري ، وشعبة ، وابن عيينة ، وغيرهم . وقال ابن معين : ليس حديثه بحجة . وقال أبو حاتم : يكتب حديثه . وقال أحمد بن عبد الله : ثقة . روى له الجماعة إلا البخاري (٢). قوله: ((فأشكل عليه)) الضمير الذي في ((أشكل)) يرجع إلى الحدث الذي دل عليه قوله: (( أحدث)) والمعنى : أشكل عليه / هل وجد أم لا، فلا ينصرف من الصلاة ؛ لأن اليقين لا يزول بالشك إلا إذا تيقن الحدث فح (٣) ينصرف ويتوضأ ، ثم هل يبني على ما مضى أو يستأنف ، فعندنا : له أن يبني ، وعند الشافعي ، ومالك ، وأحمد يستأنف ، وهو الأفضل عندنا . وهذا الحديث أخرجه مسلم والترمذي بنحوه . [٦٣/١-١] ٦١ - باب : الوضوء من القُبلة أي : هذا باب في بيان الوضوء من قُبلة الرجل زوجته . (١) مسلم : كتاب الحيض ، باب : الدليل على أن من تيقن الطهارة ثم شك في الحدث فله أن يصلي بطهارته تلك (٣٦٢) ، الترمذي : كتاب الطهارة ، باب: ما جاء في الوضوء من الريح (٧٥) . (٢) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٢٦٢٩/١٢). (٣) كذا، وهي بمعنى: ((فحينئذ)). - ٤٠٩- ١٦۵ - ص - حدثنا محمد بن بشار قال : نا یحیی وعبد الرحمن قالا : نا سفيان، عن أبي رَوْق ، عن إبراهيم التيمي ، عن عائشة - رضي الله عنها - : ((أن النبيَّ - عليه السّلام - قَبَّلَهَا ولم يَتوضأ)) (١). ش - محمد بن بشار هو بُندار ، ويحيى بن سعيد القطان ، وعبد الرحمن بن مهدي اللؤلؤ ، وسفيان الثوري . وأبو روق عطية (٢) بن الحارث الهمداني ، الكوفي . سمع : السبيعي، وأبا إسحاق الشيباني ، وإبراهيم التيمي ، وعبيد الله بن خليفة . روى عنه : الثوري ، وأبو أسامة ، وعبد الواحد بن زياد ، وبشر بن عُمارة ، وشريك بن عبد الله النخعي . قال أحمد : ليس به بأس . وقال ابن معين : صالح . وقال أبو حاتم : صدوق . روی له : أبو داود ، والنسائي، وابن ماجه (٣). وهذا الحديث حُجَّة على من يرى الوضوء على من لمس المرأة ، فإن النبيَّ - عليه السلام - قبَّل عائشة - رضي الله عنها - ولم يتوضأ . والتقبيل أبلغ من اللمس . ص - قال أبو داود : إبراهيم التيمي لم يسمع عن عائشة شيئاً ، هو مرسل. قال : وكذا رواه الفريابي وغيره (٤). ش - قال الدارقطني : وقد روى هذا الحديثَ معاويةُ بن هشام ، عن الثوري ، عن أبي روق ، عن إبراهيم التيمي ، عن أبيه ، عن عائشة -رضي الله عنها - فوَصل إسناده . ومعاوية هذا أخرج له مسلم في ((صحيحه))، فزال بذلك انقطاعه . وذكر البيهقي هذا الحديث ثم قال : وأبو روق ليس بقوي ، ضعّفه ابن معين وغيره . (١) النسائي: كتاب الطهارة، باب: ترك الوضوء من القُبلة (١/ ١٠٤). (٢) في الأصل: (( عطاء)) خطأ. (٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٣٩٥٥/٢٠). (٤) زِيد في سنن أبي داود بين معقوفتين: ((قال أبو داود: مات إبراهيم التيمي ولم يبلغ أربعين سنة ، وكان يكنى أبا أسماء )). - ٤١٠- قلت: أبو روق أخرج له الحاكم في ((المستدرك )) . وقال أحمد : ليس به بأس . وقال ابن معين : صالح . وقال أبو حاتم : صدوق كما ذكرنا. وقال أبو عمر : قال الكوفيون : هو ثقة لم يذكره أحد بجرحة ، ومراسيل الثقات عندهم حجة . قوله : (( إبراهيم التيمي لم يسمع عن عائشة شيئاً )) قال عبد الغني في ترجمته : إبراهيم بن محمد بن طلحة القرشي التيمي سمع : أبا أسيد الساعدي ، وعبد الله بن عمرو ، وأبا هريرة ، وعائشة أم المؤمنين كما ذكرناه مرة . قوله : (( وكذا رواه الفريابي وغيره )) هو محمد بن يوسف بن واقد الفريابي أبو عبد الله الضبي مولاهم ، سكن فَيسارية الشام ، أدرك الأعمش ، وروى عنه ، وعن إبراهيم بن أبي عبلة ، وجرير بن حازم ، والأوزاعي ، والثوري ، وابن عيينة ، وجماعة آخرين . وروى عنه : أحمد بن حنبل ، وإسحاق بن منصور ، ودُحيم ، وإبراهيم بن الوليد ، وجماعة آخرون . قال النسائي وأبو حاتم : هو ثقة . توفي في شهر ربيع الأول سنة اثنتي عشرة ومائتين . روى له الجماعة (١). ١٦٦ - ص - وثنا عثمان بن أبي شيبة قال : ثنا وكيع قال : ثنا الأعمش، عن حبيب، عن عروة، عن عائشة: ((أَنَّ النبيَّ - عليه السلام - قَبَّلَ امرأةً من نسائه ، ثم خرجَ إلى الصلاة ولم يَتوضأ )) . قال عروة: فقلتُ لَهَا: مَن هِيَ إلا أَنْتِ ؟ فضَحِكَتْ))(٢) . ش - حبيب هو ابن أبي ثابت قيس بن دينار ، وقد ذكرناه ، وعروة بن الزبير بن العوام . (١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٥٧١٦/٢٧). - (٢) الترمذي: كتاب الطهارة، باب: ما جاء في ترك الوضوء من القبلة (٨٦)، ابن ماجه : كتاب الطهارة وسننها ، باب : الوضوء من القبلة (٥٠٢). - ٤١١- قوله: ((مَن هيَ إلا أنت؟)) كلمة ((مَن)) هاهنا استفهامية ، والتقدير : ما كانت المُقَبَّلَةُ إلَا أنتِ . وقوله: (( فضحكت)) يدل على أن التي قَبَّلها - عليه السلام - هي عائشة ؛ لأن الضحك في مثل هذا الموضع تقرير لكلام السائل ، كما في استئذان البكر إذا ضحكت يكون إذناً ؛ لأنه دليل الرضا ، وهذا الحديث أيضاً حجة للحنفية على خصومهم . ص - قال أبو داود : هكذا رواه زائدة وعبد الحميد الحمّاني، عن سليمان الأعمش . ش- زائدة بن قدامة الثقفي ، وعبد الحميد بن عبد الرحمن الكوفي أبو يحيى الحِمَّاني نسبة إلى حِمَّان من بني تميم - بالحاء المهملة المكسورة وتشديد الميم - سمع : الأعمش ، والثوري ، وأبا عمرو النضر بن عبد الرحمن الخزاز . روى عنه : عمرو بن عليّ ، وأحمد بن سنان العطار ، وأبو سعيد الأشج ، وغيرهم . قال ابن معين : ثقة وأبوه ثقة . [٦٣/١ - ب] / توفي سنة ثنتين ومائتين. روى له الجماعة (١) . ١٦٧ - ص - حدّثنا إبراهيم بن مَخلد الطالقاني قال : ثنا عبد الرحمن - يعني ابن مَغراءَ - قال : ثنا الأعمش قال : أنا أصحاب لنا عن عروة المزني، عن عائشةَ بهذا الحديث (٢) . ش - إبراهيم بن مخلد الطالقاني ، روى عن عبد الرحمن بن مغراء(٣) وغيره . روى عنه أبو داود (٤) . والطالقاني بفتح اللام . وعبد الرحمن بن مَغراء بن الحارث بن عياض بن عبد الله بن وهب الكوفي أبو زُهير ، ولي قضاء الأردن . سمع : إسماعيل بن أبي خالد ، ويحيى بن سعيد الأنصاري ، والأعمش ، ومحمد بن سوقة ، وغيرهم . (١) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٣٧٢٥/١٦). (٢) انظر الحديث السابق . (٣) في الأصل: ((عبد الرحمن معن )) خطأ. (٤) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (٢/ ٢٤١) . - ٤١٢- روى عنه : محمد بن المبارك الصوري ، وفيض بن الوثيق ، ويوسف بن موسى القطان ، ومحمد بن عائذ الدمشقي ، وغيرهم . قال أبو زرعة : صدوق . وقال ابن المديني : ليس بشيء ، كان يروي عن الأعمش ستمائة حديث ، تركناه لم يكن بذاك . وقال ابن عدي : هو من جملة الضعفاء. روى له : أبو داود ، والترمذي (١) . وعروة المزني روى عن عائشة أم المؤمنين ، روى عنه حبيب بن أبي ثابت ، روی له أبو داود (٢). قوله : (( بهذا الحديث )) أشار به إلى الحديث الذي رواه حبيب بن أبي ثابت ، عن عروة . وقد روى أبو داود هذا الحديث من طريقين كما ترى ، وبالطريق الأولى رَوَى الترمذي وابن ماجه أيضاً . ص - قال أبو داود : قال يحيى بن سعيد القطان لرجل : احك عني أن هذين الحديثين - يعني حديث الأعمش هذا عن حبيب ، وحديثه بهذا الإسناد في المستحاضة تتوضأ لكل صلاة - قال : احك عني أنهما شبه لا شيء . ش - أشار بهذا يحيى بن سعيد إلى أن حبيب بن أبي ثابت لم يرو عن عروة بن الزبير ، ولهذا قال : إنهما شبه لا شيء ، يعني : يشابه لا شيء فكأنه أراد أنه ليس بشيء، وهو بكسر الشين وسكون الباء بمعنى المشابهة، ولذلك قال الترمذي : وسمعت محمد بن إسماعيل يضعف هذا الحديث ويقول : لم يسمع حبيب بن أبي ثابت من عروة شيئاً . وقال الترمذي : ولا يصح في هذا الباب عن النبي - عليه السلام - شيء . وروى البيهقي في (( سننه )) هذا الحديث وضعفه ، وقال : إنه يرجع إلى عروة المزني، وهو مجهول . قلنا : بل هو عروة بن الزبير ، كما أخرجه ابن ماجه بسند صحيح ، فإنه نَسبَ عروة فقال : حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا (١) المصدر السابق (٣٩٦٤/١٧). (٢) المصدر السابق (٣٩١٥/٢٠) . - ٤١٣- وكيع(١) ، ثنا الأعمش ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن عروة بن الزبير، عن عائشة ، فذكره . وكذلك رواه الدارقطني ، ورجال هذا السند كلهم ثقات . وقد مال ابن عبد البر إلى تصحيح هذا الحديث ، وحبيب لا يُنكر لقاؤه عروةَ ، لروايته عمن هو أكبر من عروة ، وأقدم موتاً ، وقال في موضع آخر : لا شك أنه أدرك عروة . ص - قال أبو داود : ورُوي عن الثوري [ قال: ] : ما حدثنا حبيب إلا عن عروة المزني - يعني : لم يحدثهم عن عروة بن الزبير بشيء - وقد روى حمزة الزيات ، عن حبيب ، عن عروة بن الزبير ، عن عائشة حديثاً صحيحاً. ش - نقل أبو داود ما رُوي عن الثوري من قوله: (( ما حدثنا حبيب)) إلى آخره ، ثم لم يرض بما قاله الثوري ، فلذلك قال بكلمة التحقيق : ((وقد روى حمزة الزيات عن عروة بن الزبير ، عن عائشة حديثاً صحيحاً، وهو قوله - عليه السلام -: (( اللهم عافني في جسدي ، وعافني في بصري)) . رواه الترمذي في الدعوات، وقال: غريب (٢) . فأبو داود مثبت ، والثوري نافي ، والمثبت مقدَّمُ على النافي . سلمنا أن هذا عروة المزني ، أفلا يحتمل أن حبيباً سمعه من ابن الزبير وسمعه من عروة المزني أيضاً كما وقع ذلك كثيراً في الأحاديث ؟ وقد جاء لحديث عائشة طرق جيدة سوى ما مر من رواية حبيب ، عن عروة عنها ، (((٣) الأولى: قال أبو بكر البزار في ((مسنده)): حدّثنا إسماعيل بن يعقوب بن صبيح ، حدّثنا محمد بن موسى بن أعين ، حدَّثنا أبي ، عن عبد الكريم الجزري ، عن عطاء ، عن عائشة - رضي الله عنها -: ((أنه - عليه السلام - کان یقبِّل بعضَ نسائه ولا یتوضأ )» . وعبد الکریم روی عنه مالك في ((الموطأ)) ، وأخرج له الشيخان وغيرهما، ووثّقه ابن معين، وأبو حاتم ، وأبو زرعة . وموسى بن أعين مشهور ، ووثَّقه أبو زرعة ، (١) في سنن ابن ماجه (٥٠٢): ((حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعليّ بن محمد قالا: ثنا وكيع)) . (٢) الترمذي (٣٤٨٠) . (٣) انظر: نصب الراية (١/ ٧٣ - ٧٦) . -٤١٤- وأبو حاتم ، وأخرج له مسلم . وابنه / مشهور ، وروى له البخاري، [٦٤/١ -أ] وإسماعيل روى عنه النسائي ووثقه ، وأبو عوانة الإسفرائيني ، وأخرج له ابن خزيمة في ((صحيحه))، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال عبد الحق بعد ذكره لهذا الحديث من جهة البزار: لا أعلم له علة توجب تركه . الثانية : روى الدارقطني من طرقٍ (١) إلى سعيد بن بشير قال : حدَّثني منصور بن زاذان ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن عائشة قالت : ((لقد كان رسول الله يقبلني إذا خرج إلى الصلاة ولا يتوضأ)). قال الدارقطني : تفرَّد به سعيد (٢) . قلنا : قال ابن الجوزي : وثَّقه شعبة ، ودحيم. وأخرج له الحاكم في ((المستدرك)). وقال ابن عدي: (( لا أرى مما (٣) يروي سعيد بأساً، والغالب عليه الصدق)) . وأقل أحوال مثل هذا أن يُستشهد به . الثالثة : روى ابن أخي الزهري ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة قالت: ((لا تعاد الصلاة من القُبْلة ، كان النبي - عليه السلام - يُقبل بعض نسائه ، ويصلي ولا يتوضأ)) أخرجه الدار قطني ولم يُعلُّه بشيء سوى أن منصوراً خالفه (٢). وذكر البيهقي في ((الخلافيات)): أن أكثر رواته إلى ابن أخي الزهري مجهولون ، وليس كذلك ، بل أكثرهم معروفون . الرابعة : أخرج الدارقطني عن أبي بكر النيسابوري ، عن حاجب بن سليمان ، عن وكيع ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة قالت: ((قبَّل رسول الله - عليه السلام - بعض نسائه ، ثم صلى ولم يتوضأ، ثم ضحكت )) (٤) . والنيسابوري إمام مشهور ، وحاجب لا يعرف فيه مطعن ، وقد حدَّث عنه النسائي ووثَّقه . (١) في الأصل: ((طريقٍ )) خطأ. (٣) في نصب الراية: ((بما)). (٢) سنن الدار قطني (١/ ١٣٥). (٤) سنن الدارقطني (١٣٦/١). - ٤١٥- الخامسة : روى الدارقطني أيضاً عن عليّ بن عبد العزيز الوراق ، عن عاصم بن عليّ ، عن أبي أويس ، حدَّثني هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة: أنه بلغها قول ابن عمر: (( في القُبلة الوضوء))، فقالت : ((كان رسول الله يُقبل وهو صائم، ثم لا يتوضأ)) (١) . وعاصم أخرج له البخاري ، وأبو أويس استشهد به مسلم . قال البيهقي : والحديث الصحيح عن عائشة في قُبلة الصائم ، فحمله الضعفاء من الرواة على ترك الوضوء منها . قلنا : هذا تضعيف للثقات من غير دليل ، والمعنيان مختلفان ، فلا يعلل أحدهما بالآخر . السادسة : روى إسحاق بن راهويه في (( مسنده )) ، أخبرنا بقية بن الوليد ، حدَّثني عبد الملك بن محمد ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة: (( أن رسول الله - عليه السلام - قبلها وهو صائم))، وقال: ((إن القُبلة لا تنقض الوضوء ، ولا تفطر الصائم ، وقال : يا حميراء ، إن في ديننا لسَعَةً)). وروى الطبراني في ((معجمه الوسط)) (٢): حدّثنا عليّ ابن سعيد الرازي ، ثنا سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي ، حدَّثْني أبي ، ثنا يزيد بن سنان ، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي ، عن يحيى بن كثير، عن [ أبي سلمة، عن ] أبي هريرة قال: (( كان رسول الله - عليه السلام - يُقبل ، ثم يخرج إلى الصلاة ولا يحدث وضوءاً))، ورُوي ذلك عن ابن عباس ، والحسن ، وعطاء ، ومسروق ، وأبي جعفر: (( أنهم لا يرون في القُبلة وضوءاً)) (٣). ٦٢ - باب : في الوضوء من مس الذكر أي : هذا باب في بيان الوضوء من مس الذكر . ١٦٨ - ص - حدّثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر ، أنه سمع عروة يقول : دخلتُ على مَرْوانَ بنِ الحكم فذكرنا ما (١) سنن الدار قطني (١٣٦/١). (٢) (٤/ ٣٨٠٥) بسنده ومتنه ، ولكن عن أم سلمة بدلاً من أبي هريرة . (٣) إلى هنا انتهى النقل من نصب الراية. -٤١٦- يكون منه الوضوءُ، فقال مروانُ: ومَنْ مَسِّ الذَّكَر ، فقال عروةٌ: ما علمتُ ذاكَ، فقال مَروانُ : أخبرتْني بُسرةُ بَنتُ صفوانَ ، أنها سمعتْ رسولَ الله يقول: ((مَن مسَّ ذَكَرَهُ فَلْيتوضَّاً)) (١). ش - عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم بن زيد بن لَوْذَان أبو محمد ، ويقال : أبو بكر الأنصاري المدني . سمع : أنس بن مالك، وعبد الله بن عامر، وغيرهما . (( قال ابن معين : ثقة . وقال أبو حاتم : صالح . روى له : البخاري، ومسلم)) (٢). روى عنه: الزهري ، ومالك بن أنس ، والثوري ، وابن عيينة ، وغيرهم . وقال ابن سعد : كان ثقة كثير الحديث عالماً . توفي سنة خمس وثلاثين ومائة ، وليس له عقب ، وهو ابن سبعين سنة . روى له الجماعة (٣). وعروة بن الزبير . ومروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس/ بن عبد مناف [١/ ٦٤ -ب] ابن قُصَي أبو عبد الملك ، أو أبو القاسم ، أو أبو الحكم . ولد بعد الهجرة بسنتين . روى له البخاري حديث الحديبية مقروناً بالمسور بن مخرمة، ولم يصح له سماع من النبي - عليه السلام - . روى عنه : ابنه عبد الملك ، وعروة بن الزبير ، وعليّ بن الحسين ، وغيرهم . توفى سنة خمس وستين وهو ابن ثلاث وستين . روى له : أبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه (٤) . وبُسرة بنت صفوان بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قُصي القرشية الأسدية ، وهي خالة مروان بن الحكم ، وجدة عبد الملك بن مروان ، (١) الترمذي: أبواب الطهارة، باب: الوضوء من مس الذكر (٨٢)، النسائي: كتاب الطهارة ، باب : الوضوء من مس الذكر (١/ ١٠٠)، ابن ماجه : كتاب الطهارة ، باب : الوضوء من مس الذكر (٤٧٩) . (٢) كذا ذكره المصنف وسط الترجمة ، وليس هذا من عادته . (٣) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (١٤/ ٣١٩٠). (٤) المصدر السابق (٢٧ / ٥٨٧٠). ٢٧ • شرح سنن أبي داوود ١ -٤١٧- وهي بنت أخي ورقة بن نوفل ، وهي أخت عقبة بن أبي معيط لأمه . روى عنها : عبد الله بن عمرو ، وعروة بن الزبير ، ومروان بن الحكم . روى لها أبو داود ، والترمذي ، والنسائي، وابن ماجه (١) . قوله: (( ومن مسِّ الذكر )) يعني : يكون الوضوء من مس الذكر. قوله: (( ما علمت ذاك)) أي : وجوب الوضوء من مس الذكر . وبهذا الحديث احتج الشافعي وأحمد على أن مس الذكر ناقض للوضوء . وإليه ذهب الأوزاعي ، وإسحاق ، إلا أن الشافعي لا يرى ذلك إلا باللمس بباطن الكف . وقال مالك : إنما ينقض في مس ذكر رجل كبير . (((٢) وروى هذا الحديث الترمذي، والنسائي ، وابن ماجه. وقال الترمذي : حديث حسن صحيح ، وفي الباب عن أم حبيبة ، وأبي أيوب، وأبي هريرة ، وأروى بنت أنيس ، وعائشة ، وجابر ، وزيد بن خالد ، وعبد الله بن عمرو . وقال محمد بن إسماعيل : هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب ، واحتجوا أيضاً بأحاديث نذكرها . والجواب عن ذلك من وجوه ، الأول : أنه مخالف لما رُوي عن عمر ، وعليّ ، وابن مسعود ، وابن عباس ، وزيد بن ثابت ، وعمران بن حصين، وحذيفة بن اليمان ، وأبي الدرداء ، وعمار بن ياسر ، وسعد بن أبي وقاص ، وأبي أمامة ، وسعيد بن المسيب ، وسعيد بن جبير ، وإبراهيم النخعي ، وربيعة بن [ أبي ] عبد الرحمن ، وسفيان الثوري ، وجماعة آخرين . والثاني : أن هذه الحادثة لما وقعت في زمن مروان بن الحكم فشاور من بقي من الصحابة فقالوا: ((لا ندع كتاب ربنا ولا سُنَّة نبينا بقول امرأة ، لا ندري أصدقت أم كذبت » . (١) انظر ترجمتها في: الاستيعاب بهامش الإصابة (٢٤٩/٤)، وأسد الغابة (٤٠/٧)، والإصابة (٤/ ٢٥٢). (٢) انظر: نصب الراية (٥٤/١: ٦٠). -٤١٨- الثالث : أنه خبر واحد فيما يعم به البلوى ، فلو ثبت لاشتهر . والرابع : أنه بعد تسليم ثبوته محمول على غسل اليدين ؛ لأن الصحابة كان يستنجون بالأحجار دون الماء ، فإذا مسوه بأيديهم كانت تتلوث خصوصاً في أيام الصيف ، فأمر بالغسل لهذا ، فإن قيل : قد قال ابن حبان : وليس المراد من الوضوء غسل اليد ، وإن كانت العرب تُسمي غسل اليد وضوءاً ، بدليل ما أخبرنا وأسند عن عروة بن الزبير ، عن مروان، عن بسرة قالت: قال رسول الله وَ له: ((من مس فرجه فليتوضأ وضوءه للصلاة)) . وأسند أيضاً عن عروة ، عن بسرة قالت : قال رسول الله - عليه السلام -: ((من مس فرجه فليعد الوضوء))، قال : والإعادة لا تكون إلا لوضوء الصلاة . قلنا : هذا الطحاوي - وهو إمام في الحديث - قد استضعفه بالإسناد الأول . وروى بإسناده ، عن ابن عيينة : أنه عد جماعة لم يكونوا يعرفون الحديث ، ومَن رأيناه يحدث عنهم سخرنا منه ، فذكر منهم : عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، ثم أخرجه من طريق الأوزاعي : أخبرني الزهري ، حدَّثني أبو بكر ابن محمد بن عمرو بن حزم . قال : فثبت انقطاع هذا الخبر وضعفه ، وبالسند الأول رواه مالك في ((الموطأ))، وعنه الشافعي في ((مسنده))، ومن طريق الشافعي رواه البيهقي . وقال الطحاوي : لا نعلم أحداً أفتى بالوضوء من مس الذكر غير ابن عمر ، وقد خالفه في ذلك أكثر أصحاب رسول الله - عليه السلام - . ومن الأحاديث التي احتجوا بها ما رواه ابن حبان في (( صحيحه )) عن يزيد بن عبد الملك ، ونافع بن أبي نعيم القارئ، عن المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَ الر: ((إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه، وليس بينهما ستر / ولا حائل فليتوضأ)). [٦٥/١-أ] ورواه الحاكم في ((المستدرك)) وصحَّحه. ورواه أحمد في ((مسنده))، والطبراني في ((معجمه))، والدارقطني في «سننه »، وكذلك البيهقي ، ولفظه فيه: (( من أفضى بيده إلى فرجه ليس دونها حجاب فقد وجب عليه وضوء الصلاة ، قال : ويزيد بن عبد الملك تكلموا فيه ، ثم أسند عن -٤١٩- أحمد بن حنبل أنه سئل عنه فقال : شيخ من أهل المدينة ليس به بأس . قلنا : أغلظ العلماء القول فيه فقال أبو زرعة : واهي الحديث ، وغّظ فيه القول جدا ، وقال النسائي : متروك الحديث ، وقال الساجي : ضعيف ، منكر الحديث ، واختلط بآخره ، ثم قال البيهقي : قال الشافعي : ففي الإفضاء باليد إنما هو ببطنها. قلنا: ذكر في ((المحلى )) قول الشافعي لا دليل عليه من قرآن ولا سُنَّة ، ولا إجماع ، ولا قياس ، و[ لا ] رأي صحيح ، ولا يصح في الآثار: (( من أفضى بيده إلى فرجه))، ولو صح فالإفضاء يكون بظهر اليد كما يكون بباطنها . ومنها ما أخرجه ابن ماجه في ((سننه)) عن الهيثم بن حميد، ثنا العلاء بن الحارث، عن مكحول، عن عنبسة بن أبي سفيان، عن أم حبيبة: أنها سمعت رسول الله وَلّه يقول : (( من مس فرجه فليتوضأ)) . قال الترمذي في كتابه : قال محمد - يعني البخاري - : لم يسمع مكحول من عنبسة بن أبي سفيان . وروى مكحول عن رجل، عن عنبسة غير هذا الحديث، وكأنه لم ير هذا الحديث صحيحاً. قال : وقال محمد : أصح شيء سمعت في هذا الباب حديث العلاء بن الحارث ، عن مكحول ، عن عنبسة بن أبي سفيان ، عن أم حبيبة . وهذا مناقض لما نقله عن البخاري في حديث بسرة أنه قال : هو أصح شيء في هذا الباب ، وقد تقدم . وأسند الطحاوي في ((شرح الآثار )) عن أبي مسهر أنه قال : لم يسمع مكحول من عنبسة شيئاً . قال : وهم يحتجون بقول أبي مسهر ، فرجع الحديث إلى الانقطاع ، وهم لا يحتجون بالمنقطع . ومنها ما أخرجه ابن ماجه أيضاً عن إسحاق بن أبي فروة ، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن عبد القاري ، عن أبي أيوب قال : سمعت رسول الله وَّل# يقول: ((من مس فرجه فليتوضأ)). قلنا : هذا حديث ضعيف ، فإن إسحاق المذكور متروك باتفاقهم ، وقد اتهمه بعضهم . ومنها ما رواه ابن ماجه أيضاً عن عبد الله بن نافع [عن] ابن أبي ذئب، عن عقبة بن عبد الرحمن ، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان ، عن - ٤٢٠ -