النص المفهرس
صفحات 401-420
٤٠١ ٥٧- (ذِكْرُ الأشربةِ المُباحةِ) - حدیث رقم ٥٧٦١ زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقيّ، عن أبي الحسن علي بن الخباز، والحافظ علاء الدين علي بن العطار، عن الإمام محيي الدين أبي زكريا يحيى بن شرف النوويّ، عن أبي إسحاق إبراهيم بن عمر بن مضر الواسطيّ، عن الإمام ذي الكنى: أبي بكر، وأبي القاسم، وأبي الفتح منصور بن عبد المنعم بن عبد اللَّه الْقُرَاوي، عن أبي جدّه أبي عبد الله محمد بن الفضل الفُرَاويّ، عن أبي الحسين بن عبد الغافر بن محمد الفارسيّ، عن أبي أحمد محمد بن عيسى الْجُلُوديّ، عن أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان الفقيه النيسابوريّ، قال: أخبرنا أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوريّ، قال : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بُهْرَامَ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ -يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ الدِّمَشِقِيَّ-، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي إِذْرِيسَ الْخَوْلَانِيّ، عَنْ أَبِي ذَرِّ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ، فِيمَا رَوَى عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَّ وَتَعَالَى، أَنَّهُ قَالَ: ((يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظّلْمَ عَلَّى نَفْسِيٍ، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا، يَا عِبَادِي كُلَّكُمْ ضَالِّ، إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ، إِلَّ مَنْ أَطْعَمْتُ، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ، إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِيٍ أَكْسُكُمْ، يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ، يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُواْ ضَرَّي فَتَضُرُونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِ، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا عَلَى أَنْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي لَّوْ أَنَّ أَوْلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا عَلَى أَنْجَرِ قَلْبٍ رَجُلٍ وَاحِدٍ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوْلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمَّ، قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي، فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي، إِلَّ كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ، يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ، أَخْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ)). قَالَ سَعِيدٌ: كَانَ أَبُو إِذْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ، إِذَا حَدَّثَ بَهَذَا الْحَدِيثِ، جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ. انتھی . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وأرویه أيضًا مسلسلا بالدمشقیین، سوى شيخنا، كما فعل الإمام النوويّ رحمه اللّه تعالى، في ((كتابه ((الأذكار))، فقد أخبرني به الشيخ محمد ياسين بن محمد عيسى رحمه اللّه تعالى قراءةً عليه، عن أبي الخير بن محمد الميدانيّ الدمشقيّ، عن سليم بن محمد أفندي الدمشقيّ، عن أحمد بن مُسلّم الكزبريّ الدمشقيّ، عن الوجيه عبد الرحمن بن محمد الكزبريّ الدمشقيّ. ٤٠٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ (ح) ويرويه شيخنا محمد ياسين أيضًا عاليا عن الشيخ محمود حلمي السعديّ الشهير بالْعَجَبيّ الدمشقيّ، عن المعمّر البدر عبد الله بن درويش السكريّ الدمشقيّ، عن الوجيه عبد الرحمن بن محمد الكزبري الدمشقيّ، عن والده محمد الكزبريّ الدمشقي، وأحمد بن عبيد العطار الدمشقيّ، كلاهما عن الشهاب أحمد بن عليّ الْمَنيني الدمشقيّ، عن أبي المواهب محمد الحنبليّ البعليّ الدمشقيّ، عن الشمس محمد الميدانيّ الدمشقيّ، عن الشهاب أحمد الطيبيّ الكبير الدمشقيّ، عن الشريف الكمال أبي البقاء محمد بن حمزة الحسني الدمشقيّ، عن خاله التقيّ ابن قاضي عَجْلون الدمشقيّ، عن الشمس ابن ناصر الدين الدمشقيّ، عن أبي هريرة عبد الرحمن ابن الحافظ الكبير محمد ابن أحمد الذهبيّ الدمشقيّ، عن الحافظ جمال الدين أبي الحجاج يوسف ابن الزكيّ عبد الرحمن بن يوسف الْمِزْيّ الدمشقيّ، عن الإمام محيي الدين يحيى بن شرف الدين النوويّ الدمشقيّ، قال في كتابه ((الأذكار)»: أنا شيخنا الحافظ أبو البقاء خالد بن يوسف النابلسيّ، ثم الدمشقيّ، أنا أبو طالب عبد الله، وأبو منصور يونس، وأبو القاسم الحسين بن هبة الله بن صِصْري، وأبو يعلى حمزة، وأبو الطاهر إسماعيل، قالوا: أخبرنا الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن، هو ابن عساكر، أنا الشريف أبو القاسم علي ابن إبراهيم بن العباس الحسينيّ خطيب دمشق، أنا أبو عبد الله محمد بن عليّ بن يحيى ابن سُلْوان، أنا أبو القاسم الفضل بن جعفر، أنا أبو بكر عبد الرحمن بن القاسم بن الفَرَج الهاشميّ، أنا أبو مسهر، نا سعيد بن عبد العزيز، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي إِذْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ، عَنْ أَبِي ذَرِّ، عَنْ جِبْرِيلَ، عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ، عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، أَنَّهُ قَالَّ: ((يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِيٍ،َ وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا، يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ الَّذِينَ تُطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ وَلا أَبَالِي، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعَ إِلَّ مَنْ أَطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّ مَنْ كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَّكُمْ وَآَخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبٍ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، لَمْ يَنْقُصْ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَّكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبٍ رَجُلِ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، لَمْ يَزِدْ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ مَا سَأَلَهُ لَمْ يَنْقَصْ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا، إِلَّ كَمَا يَنْقُصُ الْبَحْرُ أَنْ يُغْمَسَ فِيهِ الْمِخْيَطُ غَمْسَةً وَاحِدَةً، يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أَحْفَظُهَا عَلَيْكُمْ، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ عز وجل، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ» . ٥٧- (ذِكْرُ الأشریة المُباحةِ) - حديث رقم ٥٧٦١ = ٤٠٣ قال أبو مسهر، قَالَ سَعِيدٌ بن عبد العزيز: كَانَ أَبُو إِذْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ إِذَا حَدَّثَ بِهِذَا الْحَدِيثِ، جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ. قال النوويّ رحمه الله تعالى: هذا حديث صحيح، رويناه في ((صحيح مسلم)) وغيره، ورجال إسناده منّي إلى أبي ذرّ رَّه كلهم دمشقيّون، ودخل أبو ذرّ رَّه دمشق . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الإسناد من شَيْخَيْ شيخنا أبي الخير الميداني، ومحمود حلمي السعديّ إلى النوويّ دمشقيون أيضًا، فهو مسلسل بالدمشقيين من الشيخين المذكورين إلى آخره. قال النوويّ رحمه اللّه تعالى: فاجتمع في هذا الحديث جمل من الفوائد: فيه، وبارك فيهم. (منها): صحة إسناده ومتنه، وعلوّه، وتسلسله بالدمشقيين (ومنها): ما اشتمل عليه من البيان لقواعد عظيمة في أصول الدين، وفروعه، والآداب، ولطائف القلوب وغيرها، ولله الحمد. وروينا عن الإمام أبي عبد الله أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، قال: ليس لأهل الشام حديث أشرف من هذا الحديث. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى في كتابه الأذكار»ص ٣٥٥-٣٥٧ . وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه ((جامع العلوم والحكم» ج: ١ ص: ٢٢١ بعد أن أورد الحديث من رواية مسلم رحمه الله تعالى في «صحيحه)): هذا الحديث خرّجه مسلم من رواية سعيد بن عبدالعزيز، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذر رَّ ، وفي آخره: قال سعيد بن عبدالعزيز: كان أبو إدريس الخولاني، إذا حدث بهذا الحديث جثى على ركبتيه. وخرّجه مسلم أيضا من رواية قتادة، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن أبي ذر تَظّه، عن النبي ◌َّ، ولم يسقه بلفظه، ولكنه قال: وساق الحديث بنحو سياق أبي إدريس، وحديث أبي إدريس أتم. وخرّجه الإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجه، من رواية شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمِ، عَنْ أَبِي ذَرِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهِم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: يَا عِبَادِيَّ كُلُّكُمْ ضَالَّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَسَلُونِي الْهُدَى أَهْدِكُمْ، وَكُلُّكُمْ فَقِيرٌ إِلَّ مَنْ أَغْنَيْتُ، فَسَلُونِي أَرْزُقْكُمْ، وَكُلُّكُمْ مُذْنِبٌ إِلَّ مَنْ عَافَيْتُ، فَمَنْ عَلِمَ مِنْكُمْ أَنِّي ذُو قُدْرَةٍ عَلَى الْمَغْفِرَةِ، فَاسْتَغْفَرَنِي غَفَرْتُ لَهُ، وَلَا أَبَالِي، وَلَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَحَيَّكُمْ وَمَيْتَكُمْ، وَرَطْبَكُمْ وَيَابِسَكُمُ، اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْقَى قَلْبٍ عَبْدٍ مِنْ عِبَادِي، مَا زَادَ ذَلِك فِي ٤٠٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ مُلْكِي جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، وَلَوْ أَنَّ أَوْلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَحَيَّكُمْ وَمَيْتَكُمْ، وَرَطْبَكُمْ وَيَابِسَكُمُ، اجْتَمَعُوا عَلَى أَشْقَى قَلْبٍ عَبْدٍ مِنْ عِبَادِي، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، وَلَوْ أَنَّ أَوْلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَحَيَّكُمْ وَمَيْتَكُمْ، وَرَطْبَكُمْ وَيَابِسَكُمُ، اجْتَمَعُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَسَأَلَ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْكُمْ مَا بَلَغَتْ أَمْنِيَّتُهُ، فَأَعْطَيْتُ كُلِّ سَائِلٍ مِنْكُمْ مَا سَأَلَ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي، إِلَّا كَمَا لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ مَرَّ بِالْبَحْرِ، فَغَمَسَ فِيهِ إِبْرَةٌ، ثُمَّ رَفَعَهَا إِلَيْهِ، ذَلِكَ بِأَنِّي جَوَادٌ مَاجِدٌ، أَفْعَلُ مَا أُرِيدُ، عَطَائِ كَلَامٌ، وَعَذَابِي كَلَامٌ، إِنَّمَا أَمْرِي لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْتُهُ، أَنْ أَقُولَ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ)). وهذا لفظ الترمذي، وقال: حديث حسن. وخرّجه الطبراني بمعناه من حديث أبي موسى الأشعري، عن النبي وَلّ، إلا أن إسناده ضعيف. وحديث أبي ذر رَّ قال الإمام أحمد: هو أشرف حديث لأهل الشام. فقوله ◌َ ﴾، فيما يرويه عن ربه: ((يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي))، يعني أنه منع نفسه من الظلم لعباده، كما قال عز وجل: ﴿وَمَآ أَنَاْ بِظَلَِّ لِلْعِيدِ﴾، وقال: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَلَمِينَ﴾ [آل عمران: ١٠٨]، وقال: ﴿وَمَا ◌َللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ﴾ [غافر: ٣١]، وقال: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾ الآية [يونس: ٤٤]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ الآية [النساء: ٤٠]، وقال: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّلِحَتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ فُظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢]، والهضم أن ينقص من جزاء حسناته، والظلم أن يعاقب بذنوب غيره، ومثل هذا كثير في القرآن. وهو مما يدل على أن اللَّه قادر على الظلم، ولكن لا يفعله فضلا منه، وجودا وكرما، وإحسانا إلى عباده. وقد فسر كثير من العلماء الظلم: بأنه وضع الأشياء في غير مواضعها، وأما من فسره بالتصرف في ملك الغير بغير إذنه- وقد نقل نحوه عن إياس بن معاوية وغيره- فإنهم يقولون: إن الظلم مستحيل عليه، وغيرُه متصور في حقه؛ لأن كل ما يفعله فهو تصرف في ملكه، وبنحو ذلك أجاب أبو الأسود الدؤلي لعمران بن حصين، حين سأله عن القدر. وأخرج أبو داود وابن ماجه، من حديث أبي سنان سعيد بن سنان، عن وهب بن خالد الحمصي، عن ابن الديلمي، أنه سمع أبي بن كعب يقول: لو أن اللّه تعالى عذب أهل سمواته، وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم، وأنه أتى ابن مسعود، فقال له مثل ذلك، ثم أتى زيد بن ثابت، فحدثه عن النبي ◌َّه بمثل ذلك. ٥٧- (ذِكْرُ الأَشْرِبَةِ الْمُبَاحَةِ) - حديث رقم ٥٧٦١ ٤٠٥ وفي هذا الحديث نظر، ووهب بن خالد ليس بذلك المشهور بالعلم. وقد يُحمَل على أنه لو أراد تعذيبهم لقَدَّر لهم ما يعذبهم عليه، فيكون غير ظالم لهم حينئذ. وكونه خلق أفعال العباد، وفيها الظلم، لا يقتضي وصفه بالظلم سبحانه وتعالى، كما أنه لا يوصف بسائر القبائح التي يفعلها العباد، وهي خلقه وتقديره، فإنه لا يوصف إلا بأفعاله، لا يوصف بأفعال عباده، فإن أفعال عباده مخلوقاته ومفعولاته، وهو لا يوصف بشيء منها، إنما يوصف بما قام به من صفاته وأفعاله. والله أعلم. وقوله: ((وجعلته بينكم مُحَرَّمًا، فلا تظالموا)): يعني: أنه تعالى حرم الظلم على عباده، ونهاهم أن يتظالموا فيما بينهم، فحرام على كل عبد أن يظلم غيره، مع أن الظلم في نفسه محرم مطلقا، وهو نوعان: [أحدهما]: ظلم النفس، وأعظمه الشرك، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمُ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، فإن المشرك جعل المخلوق في منزلة الخالق فعبده وتألهه، فهو وَضَعَ الأشياء في غير مواضعها، وأكثر ما ذكر في القرآن من وعيد الظالمين، إنما أريد به المشركون، كما قال الله عز وجل: ﴿وَاُلْكَفِرُونَ هُمُ الَّلِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، ثم يليه المعاصي على اختلاف أجناسها، من كبائر وصغائر. [والثاني]: ظلم العبد لغيره، وهو المذكور في هذا الحديث، وقد قال النبي وَّ في خطبته، في حجة الوداع: ((إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا)). ورُوي عنه أنه خطب بذلك في يوم عرفة، وفي يوم النحر، وفي اليوم الثاني من أيام التشريق. وفي رواية: ثم قال: ((اسمعوا مني تَعِيشوا، ألا لا تظالموا، إنه لا يحل مال امريء مسلم، إلا عن طيب نفس منه)) . وفي ((الصحيحين))، عن ابن عمر، عن النبي بَّر، أنه قال: ((إن الظلم ظلمات يوم القيامة)). وفيهما عن أبي موسى، عن النبي وَّر قال: ((إن اللَّه ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يُفلِتِه، ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَيِّكَ إِذَا أَخَذَ اَلْقُرَى وَهِىَ ظَلِمَّةُ إِنَّ أَخْذَهُ: أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢]. وفي ((صحيح البخاري)) عن أبي هريرة تَّه، عن النبي ◌َّ قال: ((من كانت عنده مظلمة لأخيه، فليتحلل منها، فإنه ليس ثَمَّ دينار، ولا درهم، من قبل أن يؤخذ لأخيه من حسناته، فإن لم يكن له حسنات، أخذ من سيئات أخيه، فطرحت عليه)). وقوله: «یا عبادي كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته، ٤٠٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ فاستكسوني أكسكم، يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعا، فاستغفروني أغفر لكم)). هذا يقتضي أن جميع الخلق مفتقرون إلى اللّه تعالى، في جلب مصالحهم، ودفع مضارهم في أمور دينهم ودنياهم، وأن العباد لا يملكون لأنفسهم شيئا من ذلك كله، وأن من لم يتفضل اللّه عليه بالهدي والرزق، فإنه يحرمهما في الدنيا، ومن لم يتفضل اللَّه عليه بمغفرة ذنوبه، أوبقته خطاياه في الآخرة، قال الله تعالى: ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ اَلْمُهْتَّدِّ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا قُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧]، ومثل هذا كثير في القرآن، وقال تعالى: ﴿مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكَ فَلَ مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ، وَهُوَ الْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ﴾ [فاطر: ٢]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرََّّقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَنِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨]، وقال: ﴿فَبْتَغُواْ عِندَ اللَّهِ الْرِزْقَ وَأَعْبُدُوهُ﴾ الآية [العنكبوت: ١٧]، وقال: ﴿وَمَا مِن دَآبَةٍ فِي الْأَرْضِ إلَّا عَلَى اَللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]، وقال تعالى حاكيا عن آدم وزوجه عليهما السلام، أنهما قالا: ﴿رَبَّنَا طَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]، وعن نوح عليه الصلاة والسلام أنه قال: ﴿وَإِلَّا تَغْفِّرْ لِ وَتَرْحَيْنِيّ أَكُن مِّنَ الْخَسِرِينَ﴾ [هود: ٤٧]، وقد استدل إبراهيم الخليل عليه السلام بتفرد الله بهذه الأمور، على أنه لا إله غيره، وأن كل ما أُشرك معه باطل، فقال لقومه: فَإنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيِ إِلَّا رَبَّ الْعَلَمِينَ ٧٦ أَنْتُمْ وَمَابَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ VO ﴿قَالَ أَفَرَءَيْتُم ◌َّا كُتُمْ تَعْبُدُونَ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِینِ ٢٧٩ وَلَّذِى هُوَ يُطْعِمُنِ وَيَسْقِينِ ٧٨ الَّذِىِ خَلَقَتِ فَهُوَ يَدِينِ VV وَالَّذِىَ أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِ خَطِيَّفَتِى يَوْمَ الذِّينِ﴾ [الشعراء: ٧٥- ٨١ وَأَلَّذِى يُمِيتُنِ ثُمَّ يُحْچِينِ ٨٢]. فإن من تفرد بخلق العبد، وبهدايته وبرزقه وإحيائه وإماتته في الدنيا، وبمغفرة ذنوبه في الآخرة، مستحق أن يُفْرَد بالإلهية والعبادة والسؤال والتضرع والاستكانة له، قال الله عز وجل: ﴿اَللَّهُ الَّذِ خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِّئُكُمْ ثُمَّ يُحِيَكُمْ هَلْ مِن شُرَّكْآَيَكُم مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مِّنْ شَىْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٤٠]. وفي الحديث دليل على أن الله يحب أن يسأله العباد، جميع مصالح دينهم ودنياهم، من الطعام والشراب والكسوة وغير ذلك، كما يسألونه الهداية والمغفرة، وفي الحديث: ((ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى شسع نعله إذا انقطع)). وكان بعض السلف يسأل الله في صلاته كل حوائجه، حتى ملح عجينه، وعلف شاته. وفي ٥٧- (ذِكْرُ الأشریة المُباحة) - حديث رقم ٥٧٦١ ٤٠٧ = الإسرائيليات: أن موسى عليه الصلاة والسلام قال: يا رب، إنه لتعرض لي الحاجة من الدنيا، فأستحي أن أسألك، قال: سلني حتى ملح عجينك، وعلف حمارك، فإن كل ما يحتاج العبد إليه، إذا سأله من اللّه، فقد أظهر حاجته فيه، وافتقاره إلى اللّه، وذاك يحبه الله. وكان بعض السلف يستحي من الله أن يسأله شيئا من مصالح الدنيا، والاقتداء بالسنة أولى. وقوله: ((كلكم ضال إلا من هديته)): قد ظن بعضهم أنه معارض لحديث عياض بن حمار، عن النبي وَّيه، يقول الله عز وجل: ((خلقت عبادي حنفاء))، وفي رواية: (مسلمين، فاجتالتهم الشياطين))، أخرجه مسلم. وليس كذلك، فإن اللّه خلق بني آدم، وفطرهم على قبول الإسلام، والميل إليه دون غيره، والتهيؤ والاستعداد له بالقوة، لكن لا بد للعبد من تعلم الإسلام بالفعل، فإنه قبل التعلم جاهل لا يعلم، كما قال عز وجل: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَحَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَلِتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨]، وقال لنبيه وَله: ﴿وَوَجَدَكَ ضَآَلَّا فَهَدَى﴾ [الضحي: ٧]. والمراد وجدك غير عالم بما علمك من الكتاب والحكمة، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُحًا مِنْ أَمْرِنَّأْ مَا كُنُتَ نَّدْرِى مَا الْكِتَبُ وَلَا الْإِمَنُ وَلَكِن جَعَلْنَهُ نُورًّا نَّهْدِى بِهِ، مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَأْ وَإِنَّكَ لَتَهْدِىّ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، فالإنسان يولد مفطورا على قبول الحق، فإن هداه اللَّه تعالى سَبَّب له من يعلمه الهدى، فصار مهديا بالفعل، بعد أن كان مهديا بالقوة، وإن خذله الله قيض له من يعلمه ما يغير فطرته، كما قال وَ الر: ((كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، وينصرانه، ويمجسانه)). وأما سؤال المؤمن من اللَّه الهداية، فإن الهداية نوعان: هداية مجملة، وهي الهداية للإسلام والإيمان، وهي حاصلة للمؤمن، وهداية مفصّلة، وهي هدايته إلى معرفة تفاصيل أجزاء الإيمان والإسلام، وإعانته على فعل ذلك، وهذا يحتاج إليه كل مؤمن ليلا ونهارا، ولهذا أمر الله عباده أن يقرأوا في كل ركعة من صلاتهم قوله: ﴿أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَفِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦]، وكان النبي ◌َّر يقول في دعائه بالليل: ((اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم))، أخرجه مسلم، ولهذا يُشَمَّت العاطس، فيقال له: ((يرحمك الله))، فيقول: ((يهديكم اللَّه))، كما جاءت السنة بذلك، وإن أنكره من أنكره من فقهاء العراق؛ ظنا منهم أن المسلم لا يحتاج أن يدعى له بالهدى، وخالفهم جمهور العلماء؛ اتباعا للسنة في ذلك. وقد أمر النبي وَل ٤٠٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَْرِبَةِ عليا رَّ أن يسأل الله السداد والهدى، أخرجه مسلم، وعلم الحسن أن يقول في قنوت الوتر: ((اللّهم اهدني فيمن هديت))(١) . وأما الاستغفار من الذنوب، فهو طلب المغفرة، والعبد أحوج شيء إليه؛ لأنه يخطيء بالليل والنهار، وقد تكرر في القرآن ذكر التوبة والاستغفار، والأمر بهما، والحث عليهما. وأخرج الترمذي، وابن ماجه، من حديث أنس رضي الله عنه، عن النبي ◌َّه قال: ((كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون))(٢). وأخرج البخاري من حديث أبي هريرة ◌َّ، عن النبي وَّر قال: ((والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرّة))، وأخرجه النسائيّ في ((الكبرى))، وابن ماجه، ولفظهما: (إني لأستغفر الله، وأتوب إليه كل يوم مائة مرة)). وأخرج مسلم، من حديث الأغر المزني، سمع النبي ◌َّله يقول: ((يا أيها الناس توبوا إلى ربكم، فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرة)). وأخرجه النسائي في ((الكبرى))، ولفظه: ((يا أيها الناس توبوا إلى ربكم، واستغفروه، فإني أتوب إلى الله، وأستغفره كل يوم مائة مرة)). وأخرج الإمام أحمد من حديث حذيفة رَّه ، قال: كان في لساني ذَرَب(٣) على أهلي لم أَعْدُهُ إلى غيره، فذكرت ذلك للنبي وَله، فقال: ((أين أنت من الاستغفار يا حذيفة، إني لأستغفر الله كل يوم مائة مرة))(٤). وأخرج النسائيّ، من حديث أبي موسى، عن النبي بَّر قال: ((إني لأستغفر الله مائة مرة، وأتوب إليه)). وأخرج من حديثه: قال: كنا جلوسا، فجاء النبي وَ ل﴿ قال: ((ما أصبحت غداة قط، إلا استغفرت اللّه مائة مرة)). وأخرج الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، من حديث ابن عمر قال: إن كنا لَنَعُدُّ لرسول اللَّه وَلهفي المجلس الواحد مائة مرة، يقول: ((رب اغفر لي وتب على إنك أنت التواب الرحيم)). وأخرج النسائي من حديث أبي هريرة رتني، قال: لم أر أكثر أن يقول: أستغفر الله وأتوب إليه من رسول اللَّه وَطاهر. وأخرج الإمام أحمد من حديث عائشة رضي الله عنها، عن النبي وَلِّ، أنه كان يقول: ((اللَّهم اجعلني من الذين إذا أحسنوا استبشروا، وإذا أساءوا استغفروا)). وقوله: ((يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني)): يعني أن العباد لا يقدرون أن يوصلوا إلى اللّه نفعا ولاضرا، فإن الله تعالى في نفسه غني (١) حديث صحيح، أخرجه أصحاب السنن . (٢) حديث حسن، أخرجه أحمد١٩٨/٣، والترمذيّ ٢٤٩٩، وابن ماجه٤٢٥١. (٣) بفتحتين: هو البذاء، يقال: امرأة ذربة بذيّة اللسان، والفعل من باب تعب . (٤) أخرجه أحمد٥/ ٣٩٦-٣٩٧، وصححه ابن حبان. ٤٠٩ ٥٧- (ذِكْرُ الأَشْرِبَةِ الْمُبَاحَةِ) - حديث رقم ٥٧٦١ حميد، لا حاجة له بطاعات العباد، ولا يعود نفعها إليه، وإنما هم ينتفعون بها، ولا يتضرر بمعاصيهم، وإنما هم يتضررون بها، قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِى الْكُفْرَّ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُوا اللَّهَ شَيْئاً﴾ الآية [آل عمران: ١٧٦]، وقال: ﴿وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾ الآية [آل عمران: ١٤٤]. وكان النبي ◌َّ يقول في خطبته: ((ومن يعص الله ورسوله، فقد غَوَى، ولا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئا»، قال الله عز وجل: ﴿وَ إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِ اَلسَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضَِّ وَكَانَ اَللّهُ غِيًّا حَمِيدًا﴾ [النساء: ١٣١]، وقال حاكيا عن موسىبنعليَّلهُ: ﴿وَقَالَ مُوسَىَ إِن تَكْفُرُواْ أَنْثُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَيْعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِىُّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٨]، وقال: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]، وقال: ﴿لَنْ يَنَالَ اَللَّهَ لُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ النَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ الآية [الحج: ٣٧]. والمعنى: أنه تعالى يحب من عباده أن يتقوه ويطيعوه، كما أنه يكره منهم أن يعصوه، ولهذا يفرح بتوبة التائبين أشد من فرح من ضلت راحلته، التي عليها طعامه وشرابه بفلاة من الأرض، وطلبها حتى أعيى وأيس منها، واستسلم للموت، وأيس من الحياة، ثم غلبته عينه فنام، فاستيقظ وهي قائمة عنده، وهذا أعلى ما يتصوره المخلوق من الفرح، هذا كله مع غناه عن طاعات عباده، وتوباتهم إليه، وإنه إنما يعود نفعها إليهم دونه، ولكن هذا من كمال جوده وإحسانه إلى عباده، ومحبته لنفعهم، ودفع الضر عنهم، فهو يحب من عباده أن يعرفوه ويحبوه، ويخافوه ويتقوه ويطيعوه، ويتقربوا إليه، ويحب أن يعلموا أنه لا يغفر الذنوب غيره، وأنه قادر على مغفرة ذنوب عباده، كما في رواية عبدالرحمن بن غَنْم، عن أبي ذر تَّ لهذا الحديث: ((من علم منكم أني ذو قدرة على المغفرة، ثم استغفرني غفرت له ولا أبالي)). وفي ((الصحيح)) عن النبي وَال ـ: ((أن عبدا أذنب ذنبا فقال: يا رب إني فعلت ذنبا فاغفر لي، فقال الله: علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، قد غفرت لعبدي))، وفي حديث على بن أبي طالب رضي الله عنه، عن النبي وَلقر، أنه لما ركب دابته، حمد اللَّه ثلاثا، وكبر ثلاثا، وقال: ((سبحانك إني ظلمت نفسي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت))، ثم ضحك، وقال: ((إن ربك ليعجب من عبده إذا قال: رب اغفر لي ذنوبي، يعلم أنه لا يغفر الذنوب غيري)»، أخرجه الإمام أحمد، والترمذي وصححه. وفي ((الصحيح)) عن النبي ◌َل﴿ قال: ((واللَّهِ للهُ أرحم بعباده من الوالدة بولدها)). كان بعض أصحاب ذي النون يطوف، وينادي آه أين قلبي، من وجد قلبي؟ فدخل يوما بعض السكك، فوجد صبيا يبكي، وأمه تضربه، ثم أخرجته من الدار، وأغلقت ٤١٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ الباب دونه، فجعل الصبي يلتفت يمينا وشمالا، لا يدري أين يذهب، ولا أين يقصد، فرجع إلى باب الدار، فجعل يبكي، ويقول: يا أماه من يفتح لي الباب، إذا أغلقت بابك عني؟، ومن يدنيني إذا طردتيني؟ ومن الذي يدنيني بعد أن غضبت علي؟ فرحمته أمه، فنظرت من خلل الباب، فوجدت ولدها تجري الدموع على خديه، متمعكا في التراب، ففتحت الباب، وأخذته حتى وضعته في حجرها، وجعلت تقبله، وتقول: يا قرة عيني، ويا عزيز نفسي، أنت الذي حملتني على نفسك، وأنت الذي تعرضت لما حل بك، لو كنت أطعتني لم تلق مني مکروها، فتواجد الفتى، ثم صاح، وقال: قد وجدت قلبي، قد وجدت قلبي. وتفكروا في قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةٌ أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ الآية [آل عمران: ١٣٥]، فإن فيه إشارة إلى أن المذنبين ليس لهم من يلجأون إليه، ويُعَوّلون عليه في مغفرة ذنوبهم غيره، وكذلك قوله في حق الثلاثة الذين خلفوا: ﴿حََّ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَنُّواْ أَنْ لََّ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ النَّبُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١١٨]، فرتب توبته على ظنهم أن لا ملجأ من اللّه إلا إليه، فإن العبد إذا خاف من مخلوق هرب منه، وفر إلى غيره، وأما من خاف من اللَّه، فما له من ملجأ يلجأ إليه، ولا مهرب يهرب إليه إلا هو، فيهرب منه إليه، كما كان النبي وّل يقول في دعائه: ((لا ملجأ، ولا منجا منك إلا إليك))، أخرجه البخاريّ، وكان يقول: ((أعوذ برضاك من سخطك، وبعفوك من عقوبتك، وبك منك»، أخرجه مسلم. قال الفضيل بن عياض رحمه اللّه تعالى: ما من ليلة اختلط ظلامها، وأرخى الليل سربال سترها، إلا نادى الجليل جل جلاله: من أعظم مني جودا؟ والخلائق لي عاصون، وأنا لهم مراقب، أكلؤهم في مضاجعهم كأنهم لم يعصوني، وأتولى حفظهم كأنهم لم يذنبوا فيما بيني وبينهم، أجود بالفضل على العاصي، وأتفضل على المسيء، من ذا الذي دعاني فلم أستجب إليه(١) ؟ أم من ذا الذي سألني فلم أعطه؟ أم من الذي أناخ بيابي فنحيته؟ أنا الفضل ومني الفضل، أنا الجواد ومني الجود، وأنا الكريم ومني الكرم، ومن كرمي أن أغفر للعاصين بعد المعاصي، ومن كرمي أن أعطي العبد ما سألني، وأعطيه ما لم يسألني، ومن كرمي أن أعطي التائب كأنه لم يعصني، فأين عني يهرب الخلائق؟ وأين عن بابي يتنحى العاصون خرجه)). أبو نعيم(٢). (١) وفي نسخة: ((فلم ألبّه)). ٢) ((الحلية)) ٩٢/٨-٩٣. والظاهر أن مثل هذا مما كتُب في حكمة الأوائل، والله تعالى أعلم. ٤١١ ٥٧- (ذِكْرُ الأَشْرِبةِ الْمُبَاحَةِ) - حديث رقم ٥٧٦١ ولبعضهم في المعنى قائلا [من الطويل]: أَسَأْتُ وَلَمْ أُحْسِنْ وَجِثْتُكَ تَائِيَا وَأَنَّى لِعَبْدٍ عَنْ مَوَالِيهِ مَهْرَبُ؟ يُؤَمِّلُ غُفْرَانًا فَإِنْ خَابَ ظَنُّهُ فَمَا أَحَدْ مِنْهُ عَلَى الأَرْضِ أَخْيَبُ فقوله بعد هذا: ((يا عبادي لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئا، ولو كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم، ما نقص ذلك من ملكي شيئا» : هو إشارة إلى أن ملكه لا يزيد بطاعة الخلق، ولو كانوا كلهم بررة أتقياء، قلوبهم على قلب أتقى رجل منهم، ولا ينقص ملكه بمعصية العاصين، ولو كان الجن والإنس كلهم عصاة فجرة، قلوبهم على قلب أفجر رجل منهم، فإنه سبحانه الغني بذاته عمن سواه، وله الكمال المطلق في ذاته وصفاته وأفعاله، فملكه ملك كامل، لا نقص فيه بوجه من الوجوه، علی أي وجه كان. ومن الناس من قال: إن إيجاده لخلقه على هذا الوجه الموجود، أكمل من إيجاده على غيره، وهو خير من وجوده على غيره، وما فيه من الشر فهو شر إضافي، نسبي بالنسبة إلى بعض الأشياء، دون بعض، وليس شرا مطلقا، بحيث يكون عدمه خيرا من وجوده من كل وجه، بل وجوده خیر من عدمه. قال: هذا معنى قوله: ((بيده الخير)). ومعنى قول النبي ◌َّ: ((والشر ليس إليك)): يعني أن الشر المحض الذي عدمه خير من وجوده، ليس موجودا في ملكك، فإن الله تعالى أوجد خلقه على ما تقتضيه حكمته وعدله، وخص قوما من خلقه بالفضل، وترك آخرين منهم في العدل؛ لما له في ذلك من الحكمة البالغة. قال ابن رجب رحمه اللّه تعالى: وهذا فيه نظر، وهو يخالف ما في الحديث من أن جميع الخلق لو كانوا على صفة أكمل خلقه من البر والتقوى، لم يزد ذلك في ملکه شيئا، ولا قدر جناح بعوضة، ولو كانوا على صفة أنقص خلقه من الفجور، لم ينقص ذلك من ملكه شيئا، فدل على أن ملكه كامل، على أي وجه كان، لا يزداد، ولا يكمل بالطاعة، ولا ينقص بالمعاصي، ولا يؤثر فيه شيئٌ. وفي هذا الكلام دليل على أن الأصل في التقوى والفجور هو القلب، فإذا بَرَّ القلب واتقي، برت الجوارح، وإذا فجر القلب فجرت الجوارح، كما قال النبي ◌َّيقول: ((التقوى ههنا»، وأشار إلى صدره، أخرجه مسلم. وقوله: ((لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد، فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك مما عندي، إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل ٤١٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ البحر)). فالمراد بهذا ذكر كمال قدرته سبحانه، وكمال ملكه، وأن ملكه وخزائنه لا تنفد، ولا تنقص بالعطاء، ولو أعطي الأولين والآخرين، من الجن والإنس جميع ما سألوه في مقام واحد. وفي ذلك حث للخلق على سؤاله، وإنزال حوائجهم به. وفي ((الصحيحين)) عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي وَ ليل قال: ((يد اللَّه ملأي، لا تغيضها نفقة، سَخّاء الليلَ والنهارَ، أفرأيتم ما أنفق ربكم منذ خلق السموات والأرض، فإنه لم يَغِضْ ما في یمینه)) . وفي ((صحيح مسلم)) عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي وَلّ قال: ((إذا دعا أحدكم فلا يقل: اللَّهم اغفر لي إن شئت، ولكن ليعزم، ولْيُعَظُم الرغبة، فإن اللَّه لا يتعاظمه شيء)). وقال أبو سعيد الخدري ◌َّه: إذا دعوتم اللّه فارفعوا في المسألة، فإن ما عنده لا ينفذه شيء، وإذا دعوتم فاعزموا، فإن الله لا مستكره له. وفي بعض الإسرائيليات يقول الله عز وجل: أيؤمل غيري للشدائد، والشدائد بيدي، وأنا الحي القيوم، ويُرجَى غيري، ويطرق بابه بالبكرات، وبيدي مفاتيح الخزائن، وبابي مفتوح لمن دعاني، من ذا الذي أملني لنائبة، فقطعت به؟ أو من ذا الذي رجاني لعظيم، فقطعت به؟ أو من ذا الذي طرق بابي، فلم أفتحه له؟ أنا غاية الآمال، فكيف تنقطع الآمال دوني؟ أَبَخِيل أنا، فيبخلني عبدي؟ أليس الدنيا والآخرة، والكرم والفضل كله لي؟ فما يمنع المؤملين أن يؤملوني؟ لو جمعت أهل السموات والأرض، ثم أعطيت كل واحد منهم ما أعطيت الجميع، وبَلَّغتُ كل واحد أمله، لم ينقص ذلك من ملكي عضو ذرة، كيف ينقص ملك أنا قيمه؟ فيا بُؤْسًا للقانطين من رحمتي، ويا بؤسا لمن عصاني، وتوثّب على محارمي. وقوله: ((ولم ينقص ذلك مما عندي، إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر)): تحقيق لأن ما عنده لا ينقص البتة، كما قال تعالى: ﴿مَا عِندَكُمْ يَنَفَذُّ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَانٍ﴾ الآية [النحل: ٩٦]، فإن البحر إذا غمس فيه إبرة، ثم أخرجت، لم ينقُص من البحر بذلك شيئٌ، وكذلك لو فُرض أنه شرب منه عصفور مثلا، فإنه لا ينقص البحر البتة، ولهذا ضرب الخضر لموسى عليهما السلام هذا المثل في نسبة علمهما إلى علم الله عز وجل، وهذا لأن البحر لا يزال تُمِدّ مياه الدنيا، وأنهارها الجارية، فمهما أُخذ منه لم ينقصه شيء؛ لأنه يَمُدُّه ما هو أزيد مما أخذ منه، وهكذا طعام الجنة وما فيها، فإنه لا ينقص كما قال تعالى: ﴿وَفَكِهَذِ كَثِيرَةِ لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةِ﴾ [الواقعة: ٣٢-٣٣]، وقد ٥٧- (ذِكْرُ الأشْرِبةِ المُباحةِ) - حدیث رقم ٥٧٦١ ٤١٣ = جاء: ((أنه كلما نُزعت ثمرة عاد مكانها مثلها))، ورُوي ((مثلاها))، فهي لا تنقص أبدا، ويشهد لذلك قول النبي ◌ّ ل#، في خطبة الكسوف: ((ورأيت الجنة، فتناولت منها عنقودا، ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا))، أخرجاه في ((الصحيحين)) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وخرجه الإمام أحمد من حديث جابر، ولفظه: ((ولو أتيتكم به لأكل منه من بين السماء والأرض، لا ينقصونه شيئا))(١). وهكذا لحم الطير الذي يأكله أهل الجنة، يستخلف، ويعود كما كان حيا، لا ينقص منه شيء، وقد روي هذا الحديث عن النبي وَل# من وجوه فيها ضعف، وقاله كعب. وروي أيضا عن أبي أمامة الباهلي من قوله، قال أبو أمامة: وكذلك الشراب يشرب منه حتى تنتهي نفسه، ثم يعود مكانه. ورُئي بعض العلماء الصالحين بعد موته بمدة في المنام، فقال: ما أكلت منذ فارقتكم إلا بعض فرخ، أما علمتم أن طعام الجنة لا ينفد. وقد بَيَّنَ في الحديث الذي أخرجه الترمذي، وابن ماجه السببُ الذي لأجله لا ينقص ما عند الله بالعطاء، بقوله: ((ذلك بأني جواد واجد ماجد، أفعل ما أريد، عطائي كلام، وعذابي كلام، إنما أمري لشيء إذا أردت أن أقول له: كن فيكون))، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَّ أَمْرُهُ، إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْتَهُ أَنْ تَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠]. وفي ((مسند البزار)) بإسناد فيه نظر، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي وَ ل# قال: ((خزائن الله الكلام، فإذا أراد الله شيئا قال له: كن فكان)). فهو سبحانه إذا أراد شيئا من عطاء، أو عذاب، أو غير ذلك قال له: كن فيكون، فكيف يتصور أن ينقص هذا، وكذلك إذا أراد أن يخلق شيئا قال له: كن فيكون، كما قال: ﴿إِنَّ مَثّلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَّ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمِّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩]. وفي بعض الآثار الإسرائيلية: أوحى اللَّه تعالى إلى موسى عليه الصلاة والسلام: ((يا موسى لا تخافن غيري، ما دام لي السلطان، وسلطاني دائم لا ينقطع، يا موسى لا تهتمن برزقي أبدا، ما دامت خزائني مملوءة، وخزائني مملوءة لا تفنى أبدا، يا موسى لا تأنس بغيري، ما وجدتني أنيسا لك، متى طلبتني وجدتني، يا موسى لا تأمن مكري ما لم تجز الصراط إلى الجنة)). وقال بعضهم [من البسيط]: فَإِنَّ ذَاكَ مُضِرٍّ مِنْكَ بِالدِّينِ لَا تُخْضَعَنَّ لِمَخْلُوْقٍ عَلَى طَمَعٍ فَإِنَّمَا هِيَ بَيْنَ الْكَافِ وَالنُّونِ وَاسْتَرْزِقِ اللَّهَ مِمَّا فِي خَزَائِهِ (١) رواه أحمد٥/ ١٣٧ وصححه الحاكم، ووافقه الذهبيّ . ٤١٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ وقوله: ((يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها»: يعني أنه سبحانه يحصي أعمال عباده، ثم يوفيهم إياها بالجزاء عليها، وهذا كقوله: وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّقِ شَرًّا يَرَهُ﴾ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ [الزلزلة: ٧-٨]، وقوله: ﴿وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]، وقوله: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ تُخْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوْءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ: أَمَدَّأَ بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠]، وقوله: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُّهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوَّأَ أَحْصَنَهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ الآية [المجادلة: ٦]. وقوله: ((ثم أوفيكم إياها)»: الظاهر أن المراد توفيتها يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّمَا تُوَنَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾ الآية [آل عمران: ١٨٥]. ويحتمل أن المراد يوفي عباده جزاء أعمالهم في الدنيا والآخرة، كما في قوله: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ الآية [النساء: ١٢٣]. وقد رُوي عن النبي بَلّ، أنه فسر ذلك بأن المؤمنين يجازون بسيئاتهم في الدينا، وتدخر لهم حسناتهم في الآخرة، فيوفون أجورهم، وأما الكافر فإنه يعجل له في الدنيا ثواب حسناته، وتدخر له سيئاته فيعاقب بها في الآخرة. وتوفية الأعمال: هي توفية جزاءها من خير أو شر، فالشر يجازى به مثله من غير زيادة، إلا أن يعفو اللَّه عنه، والخير تضاعف الحسنة عنه بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، لا يعلم قدرها إلا اللّه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَّ الصَّبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ قُلْ﴾ [الزمر: ١٠]. وقوله: ((فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه)): إشارة إلى أن الخير كله فضل من الله على عبده، من غير استحقاق له، والشر كله من عند ابن آدم، من اتباع هوى نفسه، كما قال عز وجل: ﴿ََّ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فِنَ اللهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَنِ نَفْسِكٌ﴾ الآية [النساء: ٧٩]، وقال على رضي الله عنه: لا يرجو عبد إلا ربه، ولا يخافن إلا ذنبه، فالله سبحانه إذا أراد توفيق عبد وهدايته أعانه، ووفقه لطاعته، فكان ذلك فضلا منه ورحمة، وإذا أراد خذلان عبد، وكله إلى نفسه، وخلى بينه وبينها، فأغواه الشيطان لغفلته عن ذكر اللَّه، واتبع هواه، وكان أمره فرطا، وكان ذلك عدلا منه، فإن الحجة قائمة على العبد بإنزال الكتاب، وإرسال الرسول فما بقي لأحد من الناس على اللّه حجة بعد الرسل. فقوله بعد هذا: ((فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه))، إن کان المراد من وجد ذلك في الدنيا، فإنه یکون حينئذ مأمورا بالحمد لله على ما وجده من جزاء الأعمال الصالحة، الذي عجل له في الدنيا، كما قال: ﴿مَنْ عَمِلَ = = ٤١٥ ٥٧ - (ذِكْرُ الأَشْرِيَةِ الْمُبَاحَةِ) - حديث رقم ٥٧٦١ صَئِلِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتُحْيِيَنَّهُ حَيَوَةً طَيِّبَةٌ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]، ويكون مأمورا بلوم نفسه على ما فعلت من الذنوب التي وجد عاقبتها في الدنيا، كما قال تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ اٌلْعَذَابِ الْأَدْنَ دُونَ الْعَذَابِ اَلْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [السجدة: ٢١]، فالمؤمن إذا أصابه في الدنيا بلاء، رجع إلى نفسه باللوم، ودعاه ذلك إلى الرجوع إلى اللّه بالتوبة والاستغفار. وفي ((المسند))، و((سنن أبي داود)) عن النبي ◌َّ قال: ((إن المؤمن إذا أصابه سَقَمٌ، ثم عافاه الله منه كان كفارة لما مضى من ذنوبه، وموعظة له فيما يستقبل من عمره، وإن المنافق إذا مرض وعوفي كان كالبعير عقله أهله، وأطلقوه لا يدري بما عقلوه، ولا بما أطلقوه)). وقال سلمان الفارسي رَمّه: إن المسلم ليبتلى، فيكون كفارة لما مضى، ومستعتبا فيما بقى، وإن الكافر يبتلى، فمثله كمثل البعير أُطلق، فلم يدر لما أُطلق وعُقل. وإن كان المراد من وجد خيرا أو غيره في الآخرة، كان إخبارا منه بأن الذين يجدون الخير في الآخرة يحمدون اللَّه على ذلك، وأن من وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه، حين لا ينفعه اللوم، فيكون الكلام لفظه لفظ الأمر، ومعناه الخبر، كقوله وَاليه: ((من كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار))، والمعنى: أن الكاذب عليه يتبوأ مقعده من النار. وقد أخبر اللَّه تعالى عن أهل الجنة، أنهم يحمدون اللَّه على ما رزقهم من فضله، فقال: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ عِلٍ تَّجْرِى مِن تَحْنِهِمُ آلْأَنْهَرُ وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى هَدَنَنَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلَا أَنْ هَدَنَا الَهُ﴾ الآية [الأعراف: ٤٣]، وقال تعالى: ﴿وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَثَنَا الْأَرْضَ نَقَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾ الآية [الزمر: ٧٤]، الَّذِىّ ٣٤ وقال تعالى: ﴿وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَّنِّ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورُ أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ، لَا يَمَشُنَا فِيَهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ [فاطر: ٣٤-٣٥]، وأخبر عن أهل النار، أنهم يلومون أنفسهم، ويمقتونها أشد المقت، فقال تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِىَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدَّتُّكُمْ فَأَغْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مِن سُلْطَانٍ إِلَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِ فَلاَ تَلُومُونِ وَلُومُوْ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية [إبراهيم: ٢٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ [غافر: ١٠]. وقد كان السلف الصالح يجتهدون في الأعمال الصالحة، حذرا من لوم النفس عند انقطاع الأعمال على التقصير. وفي الترمذي عن أبي هريرة مرفوعا: ((ما من ميت يموت إلا ندم، إن كان محسنا ندم على أن لا يكون ازداد، وإن كان مسيئا ندم أن لا يكون : ٤١٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ استعتب)). وقيل المسروق: لو قصرت عن بعض ما تصنع من الاجتهاد، فقال: والله لو أتاني آت فأخبرني أن لا يعذبني لاجتهدت في العبادة، قيل كيف ذاك؟ قال: حتى تعذرني نفسي إن دخلت النار أن لا ألومها، أما بلغك في قول الله تعالى: ﴿وَلاَ أُقِْمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة: ٢]، إنما لاموا أنفسهم حين صاروا إلى جهنم، فاعتنقتهم الزبانية، وحيل بينهم وبين ما يشتهون، وانقطعت عنهم الأماني، ورُفعت عنهم الرحمة، وأقبل كل امريء منهم يلوم نفسه. وكان عامر بن عبد قيس يقول: والله لأجتهدن، ثم والله لأجتهدن، فإن نجوت فبرحمة الله، وإلا لم ألم نفسي. وکان زیاد بن عیاش يقول لابن المنكدر، ولصفوان بن سليم: الجد الجد، والحذر الحذر، فإن يكن الأمر على ما نرجو، كان ما عملتما فضلا، وإلا لم تلوما أنفسكما. وكان مطرف بن عبدالله يقول: اجتهدوا في العمل، فإن يكن الأمر ما نرجو من رحمة اللَّه وعفوه، كانت لنا درجات، وإن يكن الأمر شديدا، كما نخاف ونحذر، لم نقل: ﴿رَبَّنَا أَخْرِحْنَا نَعْمَلْ صَلِحًا غَيْرَ الَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ﴾ الآية [فاطر: ٣٧]، نقول: قد عملنا، فلم ينفعنا ذلك. انتهى كلام الإمام ابن رجب رحمه اللَّه تعالى(١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: إنما ختمت الكتاب بهذا الحديث العظيم، وإن كان الكلام عليه طويلًا؛ لما له من المناسبة للخاتمة، حيث إنه مشتمل على بيان واسع رحمة الله تعالى، وعظيم فضله، وإحسانه، وفيه الحثّ على البعد من الظلم بجميع أنواعه، والحثّ على التوجّه إليه سبحانه وتعالى توجها كليا، وطلب ما عنده من الفضل الجسيم، والنعيم المقيم، والاعتقاد بأن العبد، وإن عمل ما عمل، واجتهد ما اجتهد لا ينفع اللَّه سبحانه وتعالى ذلك شيئًا، وإنما هو لنفسه، وفيه الحثّ أيضًا على ربط القلب بربه إيمانًا ويقينًا؛ لأنه المالك لكلّ شيء، وأنه المانع الضارّ، وأنه الجواد الكريم. وبالجملة، فالحديث حديث مُشَوِّق إلى الله سبحانه وتعالى، وحامل على ترك الالتفات لما سواه، أيًّا كان نوعه. اللّهم اجعلنا ممن يستمعون القول، فيتبعون أحسنه. اللّهم مغفرتك أوسع من ذنوبنا، ورحمتك أرجى عندنا من أعمالنا، اللَّهم اغفر لنا، وارحمنا، وأنت خير الراحمين، ((ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين)). وآخر دعوانا ﴿أَن اَْمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَِّينَ﴾. ثم إنه ينبغي لي أن ذيّل الخاتمة بذكر حديث كفّارة المجلس المشهور الذي ينبغي (١) انظر كتاب ((جامع العلوم والحكم) ٢٣/٢ -٤٠ بتحقيق الشيخ محمد معوض، والشيخ عادل أحمد عبد الجواد . ٤١٧ ٥٧- (ذِكْرُ الأشربة المُباحة) - حديث رقم ٥٧٦١ للعبد أن يختم مجلسه به، مع ذكر سندي، كما فعلتُ فيما مضى، فأسوقه من رواية الإمام الترمذيّ رحمه الله تعالى في ((جامعه))، فأقول: أخبرني والدي العلامة النحرير، والدراكة الكبير عليّ بن آدم، والعلامة النحويّ عبد الباسط بن محمد بن حسن، والعلامة المقرىء حياة بن علي رحمهم الله تعالى إجازةً، كلهم عن العلامة المقرىء المحدث كبير أحمد بن عبد الرحمن الْعَدّيّ الحسنيّ الدّوّويّ، عن العلامة عبد الجليل بن يحيى الدّلْتّيّ، عن والده يحيى بن بشير الدّيّ، عن والده بشير الدّلّيّ، عن المفتي داود بن أبي بكر الدّوّويّ، عن السيد سليمان بن يحيى مقبول الأهدل، عن السيد أحمد بن محمد مقبول الأهدل، عن خاله عماد الدين يحيى بن عمر مقبول الأهدل، عن أبي بكر بن عليّ البطاح الأهدل، عن عمه يوسف بن محمد البطاح الأهدل، عن الطاهر بن حسين الأهدل، عن وجيه الدين عبد الرحمن بن عليّ الديبع الشيبانيّ، عن زين الدين الشرجيّ، عن نفيس الدين سليمان بن إبراهيم العلويّ، عن والده، وشيخه موفق الدين علي بن أبي بكر بن شداد، كلاهما عن أحمد ابن أبي الخير الشماخي، عن والده، عن شرف الدين أبي بكر بن أحمد بن محمد الشراحيّ اليمنيّ، عن الصالح مكين الدين زاهر بن رسم بن أبي الرجاء الأصفهانيّ، عن أبي الفتح عبد الملك بن عبد اللَّه الهرويّ الكروخيّ، عن المشايخ الثلاثة ... (ح)- وأخبرني شيخي العلامة المحدّث محمد بن رافع بن بصيري، عن شيخه محمد بن محمد أمين خير الباكستاني، نزیل مکة، عن محمد یحیی الکاندهلويّ، عن رشيد أحمد الجنجوهي، عن عبد الغنيّ المجددي، عن محمد إسحاق الدهلويّ المكيّ، عن عبد العزيز الدهلويّ، عن والده الشاه ولي اللَّه أحمد بن عبد الرحيم الدهلويّ، عن أبي طاهر محمد بن إبراهيم الكرديّ المدنيّ، عن والده إبراهيم حسن الكرديّ المدنيّ، عن أبي العزائم سلطان بن أحمد المزاحيّ، عن الشهاب أحمد بن خليل السبكيّ، عن النجم الغيطيّ، عن القاضي زكريا الأنصاريّ، عن العزّ عبد الرحيم ابن محمد بن الفرات القاهريّ، عن أبي حفص عمر بن حسن المراغيّ، عن الفخر ابن البخاريّ، عن عمر بن طبرد البغداديّ، عن أبي الفتح عبد الملك بن عبد الله بن أبي سهل الهروي الكروخيّ، عن أبي عامر محمود بن القاسم بن محمد الأزديّ، وأبي نصر عبد العزيز بن محمد الترياقيّ، وأبي بكر أحمد بن عبد الصمد التاجر الْغُورَجيّ، قالوا: أخبرنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد بن عبد اللَّه الْجَرّاحيّ المروزيّ، عن أبي العباس محمد بن أحمد بن محبوب المحبوبيّ، قال: أخبرنا أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي، قال: حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ أَبِيِ السَّفَرِ الْكُوفِيُّ، وَاسْمُهُ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا ٤١٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ الْحَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ:" قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((مَنْ جَلَّسَ فِي مِجْلِسِ، فَكَثُرَّ فِيهِ لَغَطُهُ، فَقَالَ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ مِنْ مَجْلِسِهِ ذَلِكَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ، إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا كَانَ فِي مَجْلِهِ ذَلِكَ)) . قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ، مِنْ هَذَا الْوَجْهِ لَا تَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثٍ سُهَيْلِ، إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد ذكر الحافظ رحمه اللّه تعالى: في ((الفتح)) بحثًا نفيسًا يتعلّق بهذا الحديث، أحببت إيراده هنا تتميمًا للفائدة، وتكميلًا للعائدة، قال رحمه الله تعالی: وقد ورد في حديث أبي هريرة في ختم المجلس: ما أخرجه الترمذي في ((الجامع))، والنسائي في ((اليوم والليلة))، وابن حبان في ((صحيحه))، والطبراني في ((الدعاء))، والحاكم في ((المستدرك)) كلهم من رواية حجاج بن محمد، عن ابن جريج، عن موسى ابن عقبة، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه وَلَه: (من جلس في مجلس، وكثر فيه لغطه، فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك: سبحانك اللَّهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، إلا غُفر له ما كان في مجلسه ذلك))، هذا لفظ الترمذي، وقال: حسن صحيح غريب، لا نعرفه من حديث سهيل إلا من هذا الوجه، وفي الباب عن أبي برزة، وعائشة. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح، على شرط مسلم، إلا أنّ البخاري أعله برواية وهيب، عن موسى بن عقبة، عن سهيل، عن أبيه، عن كعب الأحبار، كذا قال في ((المستدرك))، ووهم في ذلك، فليس في هذا السند ذكر لوالد سهيل، ولا كعب، والصواب عن سهيل، عن عون، وكذا ذكره على الصواب في ((علوم الحديث))، فإنه ساقه فيه من طريق البخاري، عن محمد بن سلام، عن مخلد بن يزيد، عن ابن جريج بسنده، ثم قال: قال البخاري: هذا حدیث ملیح، ولا أعلم في الدنیا في هذا الباب غیر هذا الحديث، إلا أنه معلول، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا وهيب، حدثنا موسى بن عقبة، عن عون بن عبد الله، قولَهُ، قال البخاري: هذا أولى، فإنا لا نذكر لموسى بن عقبة سماعا من سهيل، انتهى. وأخرجه البيهقي في ((المدخل)) عن الحاكم بسنده المذكور، في ((علوم الحديث)) عن البخاري، فقال: عن أحمد بن حنبل، ویحیی بن معین، كلاهما عن حجاج بن محمد، وساق كلام البخاري، لكن قال: لا أعلم بهذا الإسناد في الدنيا غير هذا الحديث، إلا أنه معلول. وقوله: لا أعلم بهذا الإسناد في الدنيا، هو المنقول عن البخاري، لا قوله: ٦ ٥٧- (ذِكْرُ الأَشْرِيَةِ الْمُبَاحَةِ) - حديث رقم ٥٧٦١ ٤١٩ لا أعلم في الدنيا في هذا الباب، فإن في الباب عدة أحاديث، لا تخفى على البخاري، وقد ساق الخليليّ في ((الإرشاد)» هذه القصة، عن غير الحاكم، وذكر فيها أن مسلما قال للبخاري: أتعرف بهذا الإسناد في الدنيا حديثا غير هذا؟ فقال: لا، إلا أنه معلول، ثم ذكره عن موسى بن إسماعيل، عن وهيب، عن موسى بن عقبة، عن عون بن عبد الله قولَهُ، وهو موافق لما في ((علوم الحديث))، في سند التعليل، لا في قوله: في هذا الباب، فهو موافق لرواية البيهقي في قوله: بهذا الإسناد، وكأن الحاكم وَهِمَ في هذه اللفظة، وهي قوله: في هذا الباب، وإنما هي بهذا الإسناد، وهو كما قال؛ لأن هذا الإسناد، وهو ابن جريج، عن موسى بن عقبة، عن سهيل، لا يوجد إلا في هذا المتن، ولهذا قال البخاري: لا أعلم لموسى سماعا من سهيل، يعني أنه إذا لم يكن معروفا بالأخذ عنه، وجاءت عنه رواية خالف راويها، وهو ابن جريج، من هو أكثر ملازمة لموسى بن عقبة منه، رُجّحت رواية الملازم، فهذا يوجبه تعليل البخاري. وأما من صححه، فإنه لا يرى هذا الاختلاف علة قادحة، بل يُجَوّز أنه عند موسى بن عقبة على الوجهين. وقد سبق البخاريَّ إلى تعليل هذه الرواية أحمد بن حنبل، فذكر الدارقطني في ((العلل)) عنه أنه قال: حديث ابن جريج وَهَمّ، والصحيح قول وهيب: عن سهيل، عن عون بن عبد الله، قال الدارقطني: والقول قول أحمد، وعلى ذلك جرى أبو حاتم، وأبو زرعة الرازيان، قال ابن أبي حاتم في ((العلل)) سألت أبي وأبا زرعة عن هذا الحديث؟ فقالا: هذا خطأ، رواه وهيب، عن سهيل، عن عون بن عبد الله موقوفا، وهذا أصح، قال أبو حاتم: يحتمل أن يكون الوهم من ابن جريج، ويحتمل أن یکون من سهیل. انتھی. قال الحافظ: وقد وجدناه من رواية أربعة عن سهيل، غير موسى بن عقبة، ففي ((الأفراد)» للدارقطني، من طريق عاصم بن عمرو، وسليمان بن بلال، وفي ((الذكر)) لجعفر الفريابي، من طريق إسماعيل بن عياش، وفي ((الدعاء)) للطبراني من طريق محمد بن أبي حميد، أربعتهم عن سهيل، والراوي عن عاصم، وسليمان هو الواقدي، وهو ضعيف، وكذا محمد بن أبي حميد، وأما إسماعيل، فإن روايته عن غير الشاميين ضعيفة، وهذا منها، وقد قال أبو حاتم: هذه الرواية ما أدري ما هي، ولا أعلم رُوي عن النبي ◌َّر، في شيء من طريق أبي هريرة، إلا من رواية موسى، عن سهيل. انتهى. وقد أخرجه أبو داود في ((السنن))، وابن حبان في ((صحيحه))، والطبراني في ((الدعاء)) من طريق ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن عبد الرحمن بن أبي عمرو، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، مرفوعا، وعن عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، ٤٢٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَقْرِبَةِ عن سعيد المقبري، عن عبد الله بن عمرو موقوفا. وذكر شيخ الإسلام، أبو الفضل، عبد الرحيم بن الحسين العراقي الحافظ في (النكت)) التي جمعها على ((علوم الحديث)) لابن الصلاح: أن هذا الحديث ورد من رواية جماعة، من الصحابة، عدتهم سبعة زائدة على من ذكر الترمذي، وأحال ببيان ذلك على تخريجه لأحاديث ((الإحياء)). قال الحافظ: وقد تتبعت طرقه، فوجدته من رواية خمسة آخرين، فكملوا خمسة عشر نفساً(١)، ومعهم صحابي لم يسم، فلم أضفه إلى العدد؛ لاحتمال أن يكون أحدهم، وقد خرّجت طرقه فيما كتبته على ((علوم الحديث))، وأذكره هنا ملخصا، وهم: عبد الله بن عمرو بن العاص، وحديثه عند الطبراني في ((المعجم الكبير))، أخرجه موقوفا، وعند أبي داود أخرجه موقوفا، كما تقدم التنبيه عليه، وأبو برزة الأسلمي، وحديثه عند أبي داود، والنسائي، والدارمي، وسنده قوي، وجبير بن مطعم، وحديثه عند النسائي، وابن أبي عاصم، ورجاله ثقات، والزبير بن العوام، وحديثه عند الطبراني في ((المعجم الصغير))، وسنده ضعيف، وعبد الله بن مسعود، وحديثه عند ابن عدي في ((الكامل))، وسنده ضعيف، والسائب بن يزيد، وحديثه عند الطحاوي في ((مشكل الآثار))، والطبراني في ((الكبير))، وسنده صحيح، وأنس بن مالك، وحديثه عند الطحاوي، والطبراني، وسنده ضعيف، وعائشة، وحديثها عند النسائي، وسنده قوي، وأبو سعيد الخدري، وحديثه في ((كتاب الذكر)) لجعفر الفريابي، وسنده صحيح، إلا انه لم يصرح برفعه، وأبو أمامة، وحديثه عند أبي يعلى، وابن السني، وسنده ضعيف، ورافع بن خديج، وحديثه عند الحاكم، والطبراني في ((الصغير))، ورجاله موثوقون، إلا أنه اختلف على راويه في سنده، وأبي بن كعب، ذكره أبو موسى المديني، ولم أقف على سنده، ومعاوية، ذكره أبو موسى أيضا، وأشار إلى أنه وقع في بعض رواته تصحيف، وأبو أيوب الأنصاري، وحديثه في ((الذكر)) للفريابي أيضا، وفي سنده ضعف يسير، وعلي بن أبي طالب، وحديثه عند أبي علي بن الأشعث، في ((السنن)) المروية عن أهل البيت، وسنده واه، وعبد الله بن عمر، وحديثه في ((الدعوات)) من ((مستدرك الحاكم))، وحديث رجل من الصحابة لم يسم، أخرجه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) من طريق أبي معشر زياد بن كليب، قال: حدثنا رجل من أصحاب رسول اللّه وَ الله عنه، ورجاله ثقات. ووقع مع ذلك من مراسيل جماعة من التابعين، منهم الشعبي، وروايته عند جعفر (١) هكذا في ((الفتح)) ((خمسة عشر)) لكن المذكور هنا ستة عشر، فليحرر. والله تعالى أعلم.