النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١ = ٤٢- (ذِكْرُ الرَّوَآَيَاتِ الْمُغلِظَاتِ فِي ... - حديث رقم ٥٦٦٣ الحذف والإيصال، والأصل: ذكر الروايات المغلّظ فيها الوعيد في شرب الخمر. والله تعالى أعلم بالصواب. ٥٦٦٢- (أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلِ، عَنِ ابْنِ شِهَابِ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِ: ((لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي، وَهُوَ مُؤْمِنْ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ شَارِبَهَا حِينَ يَشْرَهَا، وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ، وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَنْتَهِبُ غْبَةَ، يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ، حِينَ يَنْتَهِبُهَا، وَهُوَ مُؤْمِنٌ))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و((عيسى بن حمّاد)): هو المصريّ المعروف بزُغْبة. و((الليث)): هو ابن سعد الإمام المصريّ. و((عُقَيل)): هو ابن خالد الأيليّ، ثم المصريّ. والسند مسلسل بثقات المصريين إلى عُقيل، ثم بالمدنيين، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وهو أبو بكر، وهو ممن اشتهر بكنيته، لا اسم له على الصحيح غيرها، ومثله أبو هريرة ◌َّ ، إلا أن اسمه عبد الرحمن، أو عبد الله، وقيل: غيره. والله تعالى أعلم. وقوله: ((لا يزني الزاني الخ)»: هذا وأمثاله حمله العلماء على التغليظ، وعلى كمال الإيمان، وقيل: المراد بالإيمان الحياء؛ لكونه شعبة من الإيمان، فالمعنى: لا يزني الزاني، وهو يستحي من الله تعالى، وقيل: المراد بالمؤمن ذو الأمن من العذاب، وقيل: النفي بمعنى النهي: أي لا ينبغي للزاني أن يزني، والحال أنه مؤمن، فإن مقتضى الإيمان أن لا يقع في مثل هذه الفاحشة. وقد تقدّم تمام البحث في هذا الحديث في ((كتاب قطع السارق)) مستوفّى، فراجعه تزدد علمًا. وقوله: (ولا ينتهب نُهبة الخ)): النهب: الأخذ على وجه العلانية، والقهر، والنَّهْبة بالفتح مصدر بهب، وبالضمّ: المال المنهوب، والتوصيف بالشرف باعتبار متعلّقها الذي هو المال، والتوصيف برفع أبصار الناس إليه لبيان قسوة قلب فاعلها، وقلّة رحمته، وحيائه. والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم في ١ / ٤٨٧٠ . واستدلال المصنّف على ما ترجم له واضح، حيث نفى الإيمان ممن يشرب الخمر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٥٦٦٣- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيّ، عَنِ الزُّهرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ = ٢٦٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، كُلُّهُمْ حَدَّثُونِي، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النِّيِّ ◌َِِّ، قَالَ: ((لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي، وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ، وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبَهَا، وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَنْتَهِبُ غْبَةٌ ذَاتَ شَرَفٍ، يَرْفَعُ الْمُسْلِمُونَ إِلَيْهِ أَبْصَارَهُمْ، وَهُوَ مُؤْمِنٌ))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و((إسحاق بن إبراهيم)): هو ابن راهويه. و((الوليد بن مسلم)): هو أبو العبّاس الدمشقيّ. و((الأوزاعيّ)): هو عبد الرحمن ابن عمرو. وقوله: ((كلّهم)) مبتدأ خبره الجملة بعده، والجلمة مؤكّدة للجملة ((حدّثني سعيد الخ، وكلّ من الثلاثة من الفقهاء السبعة، كما سلف غير مرّة. والحديث متّفقٌ عليه، كما مرّ فيما قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٥٦٦٤- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا(١) جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ عَبْد الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نُعْم، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَنَفَرٍ مِنْ أَصْحَابٍ مُحَمَّدٍ بَّهِ، قَالُوا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ: (مَنْ شَرِبَ الَخَمْرَ، فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِنْ شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِنْ شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِنْ شَرِبَ فَاقْتُلُوهُ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه الحنظليّ، أبو يعقوب المروزيّ، ثقة ثبت [١٠] ٢/٢ . ٢- (جرير) بن عبد الحميد الضبيّ الكوفيّ، ثم الرازيّ، ثقة صحيح الكتاب [٨] ٢/ ٢ . ٣- (مغيرة) بن مِقْسَم الضبيّ الكوفيّ، ثقة متقن، يدلّس [٦] ١٨٨/ ٣٠١. ٤- (عبد الرحمن بن أبي نُغْم)- بضم، فسكون -: البجليّ، أبو الحكم الكوفيّ العابد صدوقٌ [٣] ٢٥٧٨/٧٩. ٥- (ابن عمر) عبد الله رضي الله تعالى عنهما١٢/١٢. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فمروزيّ، والصحابيّ، (١) وفي نسخة: ((أخبرنا)). ٢٦٣ ٤٢- (ذِكْرُ الرَّوَايَاتِ المُغلظَاتِ فِي ... - حديث رقم ٥٦٦٤ فمدنيّ. (ومنها): أن فيه ابن عمر من المكثرين السبعة، والعبادلة الأربعة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نُعْم) بضم، فسكون (عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَنَفَرٍ) أي جماعة (مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ وَ أَنْهم (قَالُواْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: (مَنْ) شرطيّةَ (شَرِبَ الْخَمْرَ، فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِنْ شَرِبَ) ثانيًا (فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِنْ شَرِبَ) ثالثًا (فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِنْ شَرِبَ) رابعًا (فَاقْتُلُوهُ))) فيه الأمر بقتل شارب الخمر في المرة الرابعة، وفيه الخلاف بين العلماء سيأتي تحقيقه في المسألة الثالثة، إن شاء الله تعالى .. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد الله بن عمر رضي اللّه تعالى عنهما هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا - ٥٦٦٣/٤٢- وفي ((الكبرى)) ٥١٧١/٤٣. وأخرجه (د) في ((الحدود)) ٤٤٨٢ (أحمد) في ((مسند المكثرين)) ٦١٦٢ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في بيان بعض الأحاديث الواردة في قتل شارب الخمر: (اعلم): أنه قد وردت في هذا الباب أحاديث عن عدّة من الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم، منهم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، ومعاوية بن أبي سفيان، وأبو هريرة، وشُرَحبيل بن أوس، ورجل من أصحاب النبيّ ◌َّر، وغيرهم. أما حديث عبد الله بن عمر رضي اللّه تعالى عنهما، فهو هذا الحديث، وهو صحيح، كما مرّ آنفًا. وأما عبدالله بن عمرو رضي اللّه تعالى عنهما، فأخرجه أحمد في ((مسنده)برقم. ٦٥٥٣ و٧٠٠٣، من طريق شهر بن حوشب، عنه: أن النبيّ اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: ((من شرب الخمر فاجلدوه، ومن شرب الثانية، فاجلدوه، ثم إن شرب الثالثة، فاجلدوه، ثم إن شرب الرابعة، فاقتلوه)). وفي شهر كلام، والحقّ أن حديثه حسن. وأخرجه من طريق الحسن البصريّ، عن عبد الله بن عمرو، وفي آخره: ((قال عبد الله: ((ائتوني برجل قد شرب الخمر في الرابعة، فلكم عليّ أن أقتله)). والحسن لم يسمع من عبد الله بن عمرو، ففيه انقطاع. ٢٦٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ وأما حديث معاوية رَظّمه ، فأخرجه أحمد (١٦٩١٨) عن عارم، عن أبي عوانة، عن المغيرة، عن معبد بن خالد الجدليّ القاصّ، عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه الجدليّ، عن معاوية رَبيَّ مرفوعًا، وفيه (( ... فإن عاد الرابعة، فاقتلوه)). وهذا إسناد صحيح. وأخرجه أيضًا من طريق شعبة، والثوريّ، وشيبان، ثلاثتهم عن عاصم بن بهدلة، عن أبي صالح السمان، عن معاوية رَّه مرفوعًا، وفيه)) ... ثم إذا شربوها الرابعة فاقتلوهم)). وهو إسناد صحيح. وأما حديث أبي هريرة رضيه ، فأخرجه المصنّف بعد هذا، وهو حديث صحيح. وأما حديث شُرَحبيل بن أوس رَّه ، فأخرجه أحمد ٢٣٤/٤ عن علي بن عياش، وعصام بن خالد، عن حريز بن عثمان، عن نِمْران مخمر، أو ابن مخبر، عنه، مرفوعًا: من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد، فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاقتلوه)). وإسناده صحيح(١) . وأما حديث رجل من الصحابة، فأخرجه أحمد أيضًا ٣٦٩/٥ عن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن أبي بشر، قال: سمعت يزيد بن أبي كبشة يخطب بالشام، قال: سمعت رجلًا من أصحاب النبيّ وَلّر يحدث عبد الملك بن مروان، فذكره مرفوعًا، وفيه (( ... ثم إن عاد في الرابعة فاقتلوه)). وهذا إسناد صحيح. وقد روي من حديث الشريد بن سُويد، وجرير بن عبد الله البجليّ، وغُطيف بن الحارث الكنديّ، وأبي الرمداء البلويّ، وغيرهم، وقد خرّجها كلها العلامة أحمد محمد شاكر رحمه اللّه تعالى فيما كتبه على ((مسند الإمام أحمد)) رحمه الله تعالى، وأجاد وأفاد، فراجعه ٩/ ٤٠-٧٠. تسفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم هل يقتل شارب الخمر بعد المرّة الرابعة أم لا؟ : ذهبت طائفة إلى أنه يقتل، ونصره ابن حزم، واحتج له ودفع دعوى الإجماع على عدم القتل. وذهب الجمهور إلى أنه لا يقتل، وأن القتل منسوخ، قال الشافعي رحمه الله تعالى: والقتل منسوخ بهذا الحديث، وغيره -يعني حديث قبيصة بن ذؤيب الآتي- ثم ذكر أنه لا خلاف في ذلك بين أهل العلم. وقال الخطابي: قد يرد الأمر كالوعيد، ولا يراد به (١) ((نمران)) من شيوخ حَرِيز بن عثمان، وقد قال أبو داود: شيوخ حريز كلهم ثقات، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). ٤٢- (ذِكْرُ الرواياتِ المُغلظَاتِ فِي ... - حديث رقم ٥٦٦٤ ٢٦٥ = الفعل، وإنما يقصد به الردع والتحذير، وقد يحتمل أن يكون القتل في الخامسة واجبا، ثم نسخ بحصول الإجماع من الأمة على أنه لا يقتل. انتهى. وحكى المنذري عن بعض أهل العلم أنه قال: أجمع المسلمون على وجوب الحد في الخمر، وأجمعوا على أنه لا يقتل إذا تكرر منه إلا طائفة شاذة، قالت: يُقتل بعد حده أربع مرات؛ للحديث، وهو عند الكافة منسوخ. انتهى. وقال الترمذي رحمه الله تعالى: إنه لا يعلم في ذلك اختلافا بين أهل العلم في القديم والحديث، وذكر أيضا في آخر كتابه ((الجامع)) في العلل أن جميع ما فيه معمول به عند البعض من أهل العلم، إلا حديث: ((إذا سكر فاجلدوه)) المذكور في الباب، وحديث الجمع بين الصلاتين. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: دعوى الإجماع غير صحيحة، كما سيأتي تحقيقه، وكذا دعوى النسخ محلّ نظر، كما سيأتي أيضًا. والله تعالى أعلم. وقد احتج من أثبت القتل بما أخرجه أصحاب السنن إلا النسائيّ، عن معاوية تَظّمه أن النبيّ وَلّ قال: إذا شربوا الخمر فاجلدوهم، ثم إذا شربوا فاجلدوهم، ثم إذا شربوا الرابعة فاقتلوهم)). قالوا: إنه متأخر عن الأحاديث القاضية بعدم القتل؛ لأن إسلام معاوية متأخر. وأجيب عن ذلك بأن تأخر إسلام الراوي لا يستلزم تأخر المروي؛ لجواز أن يروي ذلك عن غيره من الصحابة المتقدم إسلامهم على إسلامه. وأيضا قد أخرج الخطيب في ((المبهمات)) عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن قبيصة أنه قال في حديثه السابق: («فأتي برجل من الأنصار يقال له: نعيمان، فضربه أربع مرات، فرأى المسلمون أن القتل قد أُخْر)). وأخرج عبد الرزاق، عن معمر، عن سهيل، وفيه: قال: فحدثت به ابن المنكدر، فقال: قد تُرِك ذلك. وقد أُتي رسول اللّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم بابن النعيمان فجلده ثلاثا، ثم أتى به الرابعة فجلده، ولم يزده. وقصة النعيمان، أو ابن النعيمان كانت بعد الفتح؛ لأن عقبة بن الحرث حضرها، فهي إما بحنين، وإما بالمدينة، ومعاوية أسلم قبل الفتح، أو في الفتح على الخلاف، وحضور عقبة كان بعد الفتح. أفاده في ((نيل الأوطار)» ١٥٦/٧- ١٥٧ . وقال الإمام أبو محمد ابن حزم رحمه الله تعالى في ((كتابه ((المحلّى)) ٣٦٥/١١- ٣٧٠ : اختلف الناس في شارب الخمر يحد فيها، ثم يشربها، فيحد فيها ثانية، ثم يشربها ٢٦٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ فيحد فيها ثالثة، ثم يشربها الرابعة، فقالت طائفة: يُقتل، وقالت طائفة: لا يقتل، ثم أخرج بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاصي رضي اللّه تعالى عنهما، أنه قال: ائتوني برجل أقيم عليه حد في الخمر، فإن لم أقتله فأنا كاذب. وقال مالك، والشافعي، وأبو حنيفة وغيرهم: أن لا قتل عليه، وذكروا ذلك عن عمر بن الخطاب، وسعد بن أبي وقاص. ثم أخرج بسنده عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما، قال: قال رسول اللّه وَ الرّ: ((إذا شربوا الخمر فاجلدوهم، ثم إن شربوا فاجلدوهم، ثم إن شربوا فاقتلوهم)). وفي رواية قال في شارب الخمر: ((إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب الرابعة فاضربوا عنقه)) . ثم أخرج عن أبي هريرة رضيه أن رسول اللّه وَ لإ قال: ((من شرب الخمر فاجلدوه، ثم إذا شرب فاجلدوه، ثم إذا شرب فاجلدوه، ثم إذا شرب فاقتلوه)). قال: فهذان طريقان في نهاية الصحة. قال: وقد روى هذا الحديث أيضا شرحبيل بن أوس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبو غطيف الكندي كلهم عن النبي ◌َّ. قال: فكانت الرواية في ذلك عن معاوية، وأبي هريرة ثابتة تقوم بها الحجة وبالله تعالى التوفيق. قال: فنظرنا فيما احتج به المخالفون، فوجدناهم يقولون: إن هذا الخبر منسوخ، وذكروا في ذلك حديث جابر بن عبد الله رضي اللّه تعالى عنهما، عن النبي ◌َّ، قال: ((إذا شرب الرجل فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد الرابعة فاقتلوه))، فأُتي رسولُ اللّه وَلهبرجل منا فلم يقتله. وعن جابر رظٹه، قال: قال رسول الله آلهر: «من شرب الخمر فاضربوه، فإن عاد فاضربوه، فإن عاد فاضربوه، فإن عاد في الرابعة فاضربوا عنقه))، فضرب رسول اللَّه و لإر نعيمان أربع مرات. فرأى المسلمون أن الحد قد رُفع وأن القتل قد رُفع. ثم أخرج بسنده عن ابن شهاب الزهريّ أن قبيصة بن ذؤيب حدثه، أنه بلغه عن رسول اللّه وَ لل أنه قال لشارب الخمر: ((إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب فاقتلوه، فأتي برجل قد شرب ثلاث مرات فجلده، ثم أتى به في الرابعة فجلده، ووضع القتل عن الناس. ثم أخرج عن ابن عيينة، قال: سمعت ابن شهاب يقول لمنصور بن المعتمر: كن(١) وافد أهل العراق بهذا الخبر، يعني حديث قبيصة بن ذؤيب هذا. ثم أخرج من طريق سعيد بن (١) هكذا نسخة ((المحلى)): ((من وافد أهل العراق))، والظاهر أن الصواب ((كن وافد أهل العراق))، كما تُفيده عبارة ((نيل الأوطار)) ١٥٦/٧. ٤٢- (ذكرُ الرواياتِ المُغلظَاتِ فِي ... - حديث رقم ٥٦٦٤ = ٢٦٧ أبي هلال، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب تَظُه أن رجلا على عهد رسول اللّه ◌َ لو كان اسمه عبد الله، وكان يلقب حمارا، وكان يُضحك رسول اللّه وَله وكان رسول اللّه وَالتي قد جلده في الشرب، فأتى به يوما فأمر به فجلد، فقال رجل من القوم: اللَّهم العنه ما أكثر ما يؤتي به؟ فقال رسول اللّه وَ الرّ: ((لا تلعنوه، فوالله ما علمته إلا يحب الله ويحب رسوله)). قال: وذكروا الخبر الثابت عن رسول اللّه وَالخير: ((لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنى بعد إحصان، أو نفس بنفس))، فلا يجوز أن يقتل أحد لم يذكر في هذا الخبر. قال: هذا كل ما احتجوا به، ثم أخرج عن قبيصة بن ذؤيب، أن عمر بن الخطاب جلد أبا محجن في الخمر ثماني مرات، ورُوي نحو ذلك عن سعيد أيضا، وكل ذلك لا حجة لهم فيه على ما نبين إن شاء الله تعالى، أما حديث جابر بن عبد الله في نسخ الثابت من الأمر بقتل شارب الخمر في الرابعة، فإنه لا يصح لأنه لم يروه عن ابن المنكدر أحد متصلا إلا شريك القاضي، وزياد بن عبد اللَّه البكائي، عن محمد بن إسحاق، عن ابن المنكدر، وهما ضعيفان. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: وأيضًا فيهما عنعنة ابن إسحاق، وهو مدلّس. والله تعالى أعلم. قال: وأما حديث قبيصة بن ذؤيب فمنقطع، ولا حجة في منقطع. وأما حديث زيد ابن أسلم الذي من طريق معمر عنه فمنقطع، ثم لو صح لما كانت فيه حجة؛ لأنه ليس فيه أن ذلك كان بعد أمر رسول اللَّه ◌َ له بالقتل، فإذ ليس ذلك فيه فاليقين الثابت لا يحل تركه للضعيف الذي لا يصح، ولو صح لكان ظنا، فسقط التعلق به جملة، ولو أن إنسانا يجلده النبي ◌َّلهفي الخمر ثلاث مرات قبل أن يأمر بقتله في الرابعة، لكان مقتضى أمره ﴿4* استئناف جلده بعد ذلك ثلاث مرات ولا بد؛ لأنه عليه السلام حين لفظ بالحديث المذكور، أمر في المستأنف بضربه إن شرب، ثم بضربه إن شرب ثانية، ثم بضربه ثالثة ثم بقتله رابعة، هذا نص حديثه، وكلامه عليه السلام فإنما كان يكون حجة لو بين فيه أنه أُتي به أربع مرات بعد أمره عليه السلام بقتله في الرابعة، وهكذا القول سواء سواء في حديث عمر الذي من طريق سعيد بن أبي هلال عن زيد بن أسلم. قال أبو محمد رحمه الله: فأما نحن فنقول : - وبالله تعالى التوفيق - إن الواجب ضم أوامر الله تعالى، وأوامر رسوله وي ليه كلها بعضها إلى بعض، والانقياد إلى جميعها، والأخذ بها، وأن لا يقال في شيء منها: هذا منسوخ إلا بيقين. برهان ذلك قول الله ٢٦٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ تعالى: ﴿أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ﴾، فصح أن كل ما أمر الله تعالى به، أو رسوله نَله ففرض علينا الأخذ به والطاعة له، ومن ادّعى في شيء من ذلك نسخا، فقوله مطرح؛ لأنه يقول لنا: لا تطيعوا هذا الأمر من الله تعالى ولا من رسوله وَ لتره، فواجب علينا عصيان من أمر بذلك إلا أن يأتي نص جلي بين يشهد بأن هذا الأمر منسوخ، أو إجماع على ذلك، أو بتاريخ ثابت مبين أن أحدهما ناسخ للآخر، وأما نحن فإن قولنا هو أن الله تعالى قد تكفل بحفظ دينه وأكمله، ونهانا عن اتباع الظن فلا يجوز البتة أن يرد نصان يمكن تخصيص أحدهما من الآخر، وضمه إليه إلا وهو مراد الله تعالى منهما بيقين، وأنه لا نسخ في ذلك بلا شك أصلا، ولو كان في ذلك نسخ لبينه الله تعالی بیانا جليا، ولما تركه ملتبسا مشکلا حاش لله من هذا. قال: فلم يبق إلا أن يرد نصان، ممكن أن يكون أحدهما مخصوصا من الآخر؛ لأنه أقل معاني منه، وقد يمكن أن يكون منسوخا بالأعم، ويكون البيان قد جاء بأن الأخص قبل الأعم بلا شك، فهذا إن وجد فالحكم فيه النسخ ولا بد، حتى يجيء نص آخر، أو إجماع متيقن على أنه مخصوص من العام الذي جاء بعده. برهان ذلك أن اللَّه تعالى قال في كتابه: ﴿ِبْيَنًا لِكُلِّ شَىْءٍ﴾، وقال لرسول اللَّهِ وَلّ: ﴿لِتُّبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ﴾، والبيان بلا شك هو ما اقتضاه ظاهر اللفظ الوارد ما لم يأت نص آخر، أو إجماع متيقن على نقله عن ظاهره، فإذا اختلف الصحابة فالواجب الرد إلى ما افترض اللّه تعالى الرد إليه، إذ يقول: ﴿فَإِن تَزَعْثُمْ فِ شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اَلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، وقد صح أمر النبي ◌َّ بقتله في الرابعة، ولم يصح نسخه، ولو صح لقلنا به، ولا حجة في قول أحد دون رسول الله ◌َالتر. انتهى ((المحلّى)) ٣٦٥/١١-٣٧٠ باختصار. وقال الشيخ أحمد محمد شاكر رحمه اللّه تعالى فيما كتبه على ((مسند الإمام أحمد)» رحمه الله تعالى: ما ملخّصه: وهذه الأحاديث في الأمر بقتل شارب الخمر في الرابعة، إذا أقيم عليه الحدّ ثلاث مرّات، فلم يرتدع تقطع في مجموعها بثبوت هذا الحكم، وصحة صدوره عن رسول اللَّه وَالر بم لا يدع شكا للعارف بعلوم الحديث، وطرق الرواية، وأكثر أسانيده صحاح، والشكّ النادر من بعض الرواة بين الثالثةن أو الرابعة، أو غير هما لا يؤثّر في صحّته، ولا أن في أن الحكم بالقتل إنما هو في الرابعة، كما وهو واضح. وقال أيضًا: وهذا الأمر بقتل الشارب المدمن في المرة الرابعة بعد حدّه ثلاث مرّات، كما تدلّ عليه الأحاديث، وقتل الذي لا ينتهي عنها، ويُصرّ على شربها، معتذرًا بأنه لا يستطيع ٤٢- (ذِكْرُ الرَّوَآيَاتِ الْمُغلِظَاتِ فِي ... - حديث رقم ٥٦٦٤ ٢٦٩ تركها؛ لأن بلاده باردة، وأعماله شاقّة، كما يدلّ عليه حديثا ديلم، وأم حبيبة أمرٌ عامّ، أو هما أمران عامان يقرّران قاعدتين تشريعيتين، لا يكفي في الدلالة على نسخهما، وعلى رفع الأمر بالقتل حادثة فرديّة، اقترنت بدلالات تدلّ على أنها كانت لسبب خاصّ، أو لمعنى معيّن إذا تحقّق ووُجد كان للإمام أن يكتفي بالجلد دون القتل، وهذا المعنى الخاصّ هو تعليل عدم قتل النعيمان بأنه شهد بدرًا، ولأهل بدر خصوصيّة لا يستطيع أحد أن يُنكرها، ذكرها رسول اللّه وَلّ في موقف أشدّ من موقف الشرب في الرابعة، وذلك في قصّة حاطب بن أبي بلتعة، حين كتب لقريش، ثم استأذن عمر في ضرب عنقه، فقال رسول اللَّه وَله: ((إنه قد شهد بدرًا، وما يُدريك لعلّ اللَّه قد اطّلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم))، وهو حديث صحيح. رواه أحمد، ورواه الشيخان وغيرهما، أو يكون التعليل هو الذي ثبت في البخاري من النهي عن لعن عبد الله الملقّب حمارًا بأنه يحبّ اللَّه ورسوله، وقد رجحنا من قبلُ أن عبد الله هذا هو النعيمان، فيكون ترك قتله هو لهذه العلّة، أو تلك، أو لأجلهما معًا، وكلاهما خاصّ معيّن، لا قاعدة تشريعيّة، فأهل بدر معروفون محصورون، ثم إنهم لن يتعلّق بهم حكم تشريعيّ دائم على الدهر مع التشريع، بل هو حكم وقتيّ خاصّ بأشخاصهم ما وجدوا، واليقين بأن شخصًا معيّنًا يحبّ اللَّه ورسوله يقينًا قاطعًا يترتّب عليه حكم تشريعيّ، لا يكون إلا بخبر الصادق عن وحي من الله، ولا يستطيع أحد بعده وَالقر أن يُخبر بمثل هذا خبرًا جازمًا يوجب الأخذ به، وبناء أي حكم عليه، فهذا أعرق في معنى الخصوصيّة من ذاك، فلا تصلح هذه الحادثة الواحدة للدلالة على نسخ الحديث العامّ، ثم لو كانتا حادثتين لم تصلحا للنسخ أيضًا؛ لتعليل كل منهما بعلة غير مستطاع تطبيقها على معنى عموم دلالتها، كما بيّا. وأما ما جاء في بعض روايات حديث جابر، مثل ((فرأى المسلمون أن الحدّ قد وقع، وأن القتل قد رُفع))، ومثل ((فثبت الجلد، ودُرىء القتل))، ومثل ((فكان نسخًا))، فإن السياق فيها كلها يدلّ على أن هذا الكلام ليس مرفوعًا إلى النبيّ وَّ، ولا من قول الصحابيّ، بل إن الكلمة نفسها على اختلاف رواياتها تُشعر بأنها من كلام رجل بعد الصحابة، والراجح أنها من كلام محمد بن المنكدر، فَهِم هو من ذلك أن هذا نسخٌ، وأن القتل قد رُفع، وكذلك جاء في روايته المرسلة -أعني ابن المنكدر- فقد قال: ((ووُضع القتل عن الناس)). قال: فيكون ادعاء النسخ قولًا من التابعيّ، لا حديثًا مرفوعًا، وليس هذا بحجة على أحد. ٢٧٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ وأما حديث قبيصة بن ذُؤيب فقد حقّقنا أنه حديث مرسلٌ، فهو ضعيف ليس فيه حجة إلى أن ابن شهاب الزهريّ شكّ فيه في بعض رواياته أكان هذا في الثالثة أم الرابعة . وما جاء في بعض رواياته «فصارت رخصةً)، ((فرُفع القتل عن الناس، وكانت رخصةً، فثبتت))، ((فرأى المسلمون أن القتل قد أخّر، وأن الضرب قد وجب))، و((وضع القتل عن الناس))، فإنها كلها من كلام الزهريّ، لا نشكّ في ذلك؛ لدلالة السياق عليه في مجموع الروايات، إذا ما تأملنها وفقهنا دلالتها. واحتجّ القائلون بالنسخ بادعاء الإجماع عليه، كما هو ظاهر كلام الترمذيّ وغيره، وهي دعوى لا غير، فليس في الأمر إجماع مع قول عبد الله بن عمرو: ((ايتوني برجل قد شرب الخمر في الرابعة، فلكم عليّ أن أقتله، وهو منقطع لأن الحسن البصريّ لم يسمعه من عبد الله بن عمرو، وهذا لا يؤثّر في الاحتجاج به لنقض ما ذعي من الإجماع؛ لأنه إذا لم يكن قول عبد الله بن عمرو كان على الأقلّ مذهب الحسن البصريّ؛ لأنه لو كان يرى غير ذلك لبيّن أن هذا الحكم الذي نسبه لعبد الله بن عمرو حكم منسوخ أداءً الأمانة العلم، وذلك الظنّ به. وقد ردّ ابن حزم في ((الإحكام)) ١٢٠/٤ دعوى الإجماع هذه، قال: وقد ادّعى قوم أن الإجماع صخ على أن القتل منسوخ على شارب الخمر في المرة الرابعة، قال: وهذه دعوى كاذبة؛ لأن عبد اللَّه بن عمر، وعبد الله بن عمرو يقولا بقتله، ويقولان جيئونا، فإن لم نقتله، فنحن كاذبان، قال: وبهذا القول نقول. وتبعه ابن القيّم في تعليقه على ((مختصر السنن)) للمنذريّ ٢٣٧/٦ قال: وأما دعوى الإجماع على خلافه فلا إجماع، ثم نقل كلمة عبد الله بن عمرو، ونسبها أيضًا لعبد الله بن عمر، ثم قال: وهذا مذهب بعض السلف، ويكفي هذا في نقض الإجماع، أو نفي ادعائه . وادّعى آخرون أن قتل الشارب في الرابعة منسوخ بحديث عثمان رَظّه مرفوعًا: ((لا يحلّ دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث ... )) الحديث، وهو حديث صحيح، وردّ ابن القيّم ذلك بأنه لا يصحّ؛ لأنه عامّ، وحديث القتل خاصّ. وردّه ابن حزم أيضًا كما مضى في كلامه السابق. وقال ابن القيم رحمه اللّه تعالى في (تهذيب السنن)) ٢٣٨/٦ : - بعد أن نفى دعوى النسخ نفيًا باتا -: والذي يقتضيه الدليل أن الأمر بقتله ليس حتمًا، ولكنه تعزير بحسب المصلحة، فإذا أكثر الناس من الخمر، ولم ينزجروا بالحدّ، فرأى الإمام أن يقتل فيه، قَتّل، ولهذا كان عمر دَنَّه ينفي فيه مرّة، ويحلق فيه الرأس مرّةً، وجلد فيه ثمانین، ٤٢۔ (ذکرُ الروایاتِ المُغلظَاتِ نِي ... - حديث رقم ٥٦٦٦ ٢٧١ وقد جلد رسول اللَّه وَله، وأبو بكر تَظمه أربعين، فقتله في الرابعة ليس حدّا، وإنما تعزير بحسب المصلحة. انتهى. قال ابن شاكر رحمه الله تعالى -بعد نقل كلام ابن القيم هذا -: ولم أستطع أن أرى الدليل الذي الذي اقتضى هذا في نظر ابن القيّم، وما أرى إلا أن القتل في هذه الحال حکم ثابت محکم، يجب الأخذ به في كلّ حال. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أن ما قاله ابن القيم رحمه الله تعالى من أن القتل في المرة الرابعة للتعزير، حسب المصلحة، هو الأرجح، وهو الذي ارتضاه الشيخ الألباني رحمه اللّه تعالى فيما كتبه في ((السلسلة الصحيحة))، فراجع ج٣/ ص٣٤٨ رقم (١٣٦٠). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٠ ٥٦٦٥- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ خَالِهِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلِّ، قَالَ: ((إِذَا سَكِرَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِنْ سَكِرَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِنْ سَكِرَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ قَالَ فِي الرَّابِعَةِ: ((فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ»). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا. و((شبابة)): هو ابن سوّار المدائنيّ الثقة الحافظ، رمي بالإرجاء [٩]. و((ابن أبي ذئب)): هو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب المدنيّ الثقة الفقيه الفاضل [٧]. و((الحارث بن عبد الرحمن)): هو القرشيّ العامريّ، صدوقٌ [٥]. وشرح الحديث يعلم مما قبله، وفيه مسألتان: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٥٦٦٥/٤٢- وفي ((الكبرى)) ٥١٧٢/٤٣. وأخرجه (د) في ((الحدود)) ٤٤٨٤ (ق) في ((الحدود)) ٢٥٧٢ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ٧٧٠٤ و٧٨٥١ و١٠١٦٩ و١٠٣٥١ (الدارمي) في ((الأشربة)) ٢٠١٣ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٥٦٦٦- (أَخْبَرَنَا وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنِ ابْنِ فُضَيْلٍ، عَنْ وَائِلٍ بْنِ دَاوُدَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ كَانَ يَقُوَّلُ: مَا أَبَالِيَ شَرِبْتُ الْخَمْرَ، أَوْ عَبَدْتُ هَذِهِ السَّارِيَةَ، مِنْ دُونِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ). ٢٧٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ رجال هذا الإسناد: خمسة: ١- (وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى) بن هلال الأسديّ، أبو القاسم، أو أبو محمد الكوفيّ، ثقة [١٠] ٨٣١/٣٩ . ٢- (ابْنِ فُضَيْلٍ) هو محمد الضبيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، صدوق رمي بالتشيّع [٩] ١٨/ ٧٩٩. ٣- (وائل بن داود) التيميّ، أبو بكر الكوفيّ، والد بكر بن وائل، ثقة [٦]. رَوَى عن إبراهيم النخعي، وأبي بردة بن أبي موسى، وعباية بن رفاعة بن رافع بن خديج، وعبد الله البهي، وعبد الرحمن بن حبيب، مولى بني تميم، وعكرمة مولى بن عباس، ومسلم بن يسار وغيرهم. ورَوَى عنه ابنه بكر بن وائل، ومات قبله، وشعبة، وشيبان، والمسعودي، وعبد الواحد بن زياد، والسفيانان، والقطان، وشريك، ومحمد ابن عبيد، وابن فضيل، وآخرون. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه، عن ابن عيينة لم يجالس وائل الزهري، وجالسه ابنه. قال أحمد: وقد سمع وائل من إبراهيم النخعي، وهو ثقة. وقال يعقوب بن سفيان، عن علي بن المديني: قال سفيان: وائل ابن داود لم يسمع من أبيه شيئا، إنما نظر في كتابه حديث الوليمة. وقال ابن أبي حاتم: صالح الحديث، قلت: هو أحب إليك أم ابنه؟ قال: هما متقاربان. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال البزار: صالح الحديث. وقال الخليلي: ثقة. أخرج ه البخاريّ في ((الأدب المفرد))، والأربعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. [تنبيه]: وقع في النسخ التي بين يديّ من ((المجتبى))، و((الكبرى)): ((وائل بن بكر))، والصواب: ((وائل بن داود»، ولعله في الأصل: ((وائل والد بكر))، فتصحّف على الناسخ إلى وائل بن بكر، فليُتنبّه. والله تعالى أعلم. ٤- (أبو بردة بن أبي موسى) الأشعريّ الكوفيّ، اسمه عامر، أو الحارث، ثقة [٣] ٣/٣ . ٥- (أبوه) أبو موسى عبد الله بن قيس الأشعريّ الصحابيّ الشهير رضي اللّه تعالى عنه ٣/٣ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، وائل بن داود، فمن رجال الأربعة. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. والله تعالى أعلم. = ٤٣- (ذِكْرُ الرَّوَآيَاتِ الْمُبِينَةِ عَنْ ... - حديث رقم ٥٦٦٧ ٢٧٣ شرح الحديث (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ) أبي موسى الأشعريّ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَا أَبَالِي) أي لا أهتمّ، ولا أكترث (شَرِبْتُ الْخَمْرَ، أَوْ عَبَدْتُ هَذِهِ السَّارِيَّةَ، مِنْ دُونِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ) قال السنديّ رحمه اللّه تعالى: يريد أنه لا فرق بين الشرك، وشرب الخمر عنده يريد أنه بلغ من التقوى مبلغًا صار شرب الخمر عنده بمنزلة الشرك، أو المراد أن الغالب أن الخمر يجرّ إلى الشرك في عاقبة الأمر، فصار في درجته في نظر المؤمن. والله تعالى أعلم. انتهى ((شرح السنديّ)) ٣١٤/٨. قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الاحتمال الأول بعيد من سياق الحديث، بل الذي يظهر منه أن أبا موسى تَّ يرى أن شرب الخمر وعبادة الأوثان شيئان متقاربان في الجريمة، وهذا إن كان مع الاستحلال، فظاهر، وإلا فهو محمول على التغليظ، كما في حديث: ((ولا يشرب الخمر حين يشربها، وهو مؤمن))، وذلك بنفي كمال الإيمان، وتشبيهه بعبادة الأوثان من حيث تقاربهما في نفي الاسم، حيث إن كلا منهما نُفي عنه الإيمان، وإن كان جهة النفي مختلفة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. والحديث موقوف صحيح الإسناد، وهو من أفراد المصنّف رحمه اللّه تعالى، أخرجه هنا-٥٦٦٥/٤٢- وفي ((الكبرى)) ٥١٧٣/٤٣. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ٤٣ - (ذِكْرُ الرِّوَايَاتِ الْمُبِينَةِ عَنْ صَلَوَاتٍ شَارِبِ الْخَمْرِ) قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قوله: ((المبينة)): اسم فاعل من أبان إبانةً، أو بيّن تبيينًا: أي الموضّحة لحكم صلوات شارب الخمر. ووقع في ((الكبرى)) بدله: ((المثبتة)) بالثاء المثلثة بدل الموحّدة، والظاهر أنه تصحيف. والله تعالى أعلم بالصواب. ٥٦٦٧- (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا(١) عُثْمَانُ بْنُ حِصْنِ بْنِ عَلَّاقٍ، دِمَشْقِيٍّ، (١) وفي نسخة: ((أخبرنا)). ٢٧٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ قَالَ: حَدَّثَنَا عُزْوَةُ بْنُ رُوَيْمِ، أَنَّ ابْنَ الدَّيْلَمِيِّ، رَكِبَ يَطْلُبُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ ابْنُ الدَّيْلَمِيِّ: فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: هَلْ سَمِعْتَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِوَ، رَسُولَ اللَّهِ وَِّ، ذَكَرَ شَأْنَ الْخَمْرِ بِشَيْءٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلّهِ، يَقُولُ: ((لَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ رَجُلٌ مِنْ أُمَّتِي، فَيَقْبَلَ اللَّهُ مِنْهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ يَوْمًا))). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ) السعديّ المروزيّ، ثقة حافظ، من صغار [٩] ١٣/١٣. ٢- (عُثْمَانُ بْنُ حِصْنِ بْنِ عَلَّقٍ)- بالقاف-ويقال بن حصن بن عَبِيدة بن علاق، ويقال: عثمان بن عَبيدة بن حصن بن علاق، ويقال: عثمان بن عبد الرحمن بن حصن ابن عبيدة بن علاق، أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو عبد الله الدمشقي، مولى قريش، ثقة [٩]. رَوَى عن زيد بن واقد، وسعيد بن عبد العزيز، ويزيد بن أبي المهاجر، وعُروة بن رُويم اللّخْمي، والأوزاعي، وعمرو بن قيس السَّكُوني، وثور بن يزيد الحمصي، وعمرو بن مهاجر الأنصاري، وغيرهم. وعنه مروان بن محمد الطاطري، والوليد بن مسلم، والهيثم بن خارجة، وإبراهيم بن شماس، وأبو مسهر، وهشام بن عمار، والحكم بن موسى، وعلي بن حجر، وأبو نعيم عبيد بن هشام الحلبي. قال أبو زرعة: قلت لأبي مسهر: ما تقول في ابن عَلاق؟ قال: كان ثقة من طلبة العلم، ونسبه لنا عثمان بن حصين بن عبيدة بن علاق. وقال أبو زرعة الرازي: لا بأس به. وقال أبو داود: ثقة. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال: مستقيم الحديث. روى له المصنّف، وأبو داود في ((المراسيل))، وله في هذا الكتاب حديثان فقط: هذا، و ٤٨ / ٥٧٠٦ - حديث أبي هريرة ◌َ ◌ّ ((علمت أن رسول اللَّه و لتر كان يصوم في بعض الأيام ... )) الحدیث. وقوله: ((دمشقيّ)): خبر لمحذوف: أي هو دمشقيّ. والله تعالى أعلم. ٣- (عُزْوَةُ بْنُ رُوَيْم) - بالراء، مصغّرًا- اللخميّ، أبو القاسم الأردنيّ، صدوقٌ، یرسل کثیرًا [٥]. رَوَى عن أنس، وعبد الرحمن بن قرط، وعبد الله بن الديلي، وأبي إدريس الخولاني، وعامر ابن لُدَين الأشعري، وأبي كبشة الأنماري، ورجاء بن حيوة، وخالد ابن يزيد بن معاوية، وعطاء الخراساني، والقاسم بن مخيمرة، ومعاوية بن حكيم القشيري، والأنصاري، قيل: إنه جابر بن عبد الله، وروى أيضا عن أبي ذر، ولم يدركه، وعن جابر بن عبد الله، وثوبان، وعبد الرحمن بن غنم الأشعري، وأبي ثعلبة ٤٣- (ذِكْرُ الرَّوَايَاتِ الْمُبِينَةِ عَنْ ... - حديث رقم ٥٦٦٧ ٢٧٥ الخشني، ويقال: إن حديثه عنهم مرسل، وروى عن أبي مالك الأشعري، والقاسم بن عبد الرحمن، وهشام بن عروة، من طرق ضعيفة. رَوَى عنه سعيد بن عبد العزيز، وعاصم بن رجاء بن حيوة، وعثمان بن حصن بن عبيدة بن علاق، والأوزاعي، ومحمد بن مهاجر، وأبو فروة، يزيد بن سنان، وهشام بن سعد المدني، وصدقة بن المنتصر الشعباني، ومحمد بن سعيد المصلوب، ويحيى بن حمزة الحضرمي، ومحمد ابن شعيب بن شابور، وآخرون. قال ابن معين، ودحيم، والنسائي: ثقة وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: عامة أحاديثه مرسلة، سمعت إبراهيم بن المهدي المصيصي، يقول: ليت شعري، أني أعلم عروة بن رويم ممن سمع، فإن عامة أحاديثه مرسلة. وقال أبو حاتم أيضا: يكتب حديثه. وقال الدارقطني: لا بأس به. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال ابن جوصاء: ذاكرت أبا إسحاق الْبُرُلَّسِيّ- يعني إبراهيم بن أبي داود- وكان من أوعية الحديث بحديثه، فقال: هذا أول ما على الشامي أن يحفظه ويجمعه. قال البخاري عن الحسن بن واقع، عن ضمرة: مات سنة خمس وعشرين، وكذا قال مطين، وهو وَهَم. وقال حيوة بن شريح، وغير واحد، عن ضمرة: مات سنة خمس وثلاثين ومائة. وقال أبو عبيد: سنة (٣١)، وقال ابن سعد، وخليفة: سنة اثنتين، زاد ابن سعد: وكان كثير الحديث. وقال خليفة في موضع آخر: سنة (٦). وقال أبو مسهر عن سعيد بن عبد العزيز: مات بذي خُشْب، وحمل إلى المدينة، فدفن بها سنة (٤٠). وقال حنبل، عن دحيم: مات سنة (١٤٤). قال الحافظ: هذا المنقول عن ضمرة من طريق البخاري ثابت في ((التاريخ الكبير))، وكأنه سبق قلم، فإن البخاري قال في ((التاريخ الأوسط)): حدثني الحسن بن واقع، أنا ضمرة، سمعت بن عطاء الخراساني، يقول: مات أبي سنة (٣٥)، قال: وحدثني الحسن، عن ضمرة: مات عروة بن رُويم فيها. وقال ابن حبان في ((الثقات)) ومُعَوَّله على البخاري: مات سنة خمس وثلاثين، قال: وقد قيل: إنه مات سنة اثنتين. وقال ابن أبي حاتم في ((المراسيل))، عن أبي زرعة: لم يسمع من ابن عمر. روى له المصنّف، وأبو داود، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط . ٤- (ابْنَ الدَّيْلَمِيَّ) هو عبد الله بن فَيْروز، أخو الضحاك، ثقة، من كبار التابعين، ومنهم من ذكره في الصحابة [٢] ٦ / ٦٩٣. ٥- (عبد الله بن عمرو بن العاص) رضي اللّه تعالى عنهما ١١١/٨٩. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات. (ومنها): أنه مسلسل بالشاميين، غير شيخه، فمروزيّ. (ومنها): أن فيه رواية : ٢٧٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ تابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم. شرح الحديث عن عروة بن رُوَيم رحمه اللَّه تعالى (أَنَّ ابْنَ الدَّيْلَمِيِّ) عبد الله بن فيروز (رَكِبَ يَطْلُبُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) رضي اللّه تعالى عنهما، والجملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (قَالَ ابْنُ الدَّيْلَمِيِّ: فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ) وفي الرواية الآتية بعد باب: ((قال: دخلت على عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو في حائط له بالطائف، يقال له: الوَهْط ... )) الحديث. وأخرج ابن خزيمة في ((صحيحه)) من طريق محمد بن المهاجر، عن عروة بن رُویم، عن ابن الديلميّ -الذي كان يسكن بيت المقدس- أنه مكث في طلب عبد الله بن عمرو بن العاص بالمدينة، فسأل عنه؟ قالوا: سافر إلى مكة، فاتبعه، فوجده قد سافر إلى الطائف، فاتّبعه، فوجده في مزرعة، يمشي مخاصرًا رجلًا من قُريش، والقرشيّ يُزَنّ بالخمر، فلما لقيته سلمت عليه، وسلّم عليّ، قال: ما غدا بك اليوم، ومن أين أقبلت؟ فأخبرته، ثم سألته، هل سمعت يا عبد الله بن عمرو رسول الله * ذكر شراب الخمر بشيء؟ قال: نعم، فانتزع القرشيّ يده، ثم ذهب، فقال: سمعت النبيّ وَّه يقول: ((لا يشرب الخمر رجل من أمتي، فتقبل له صلاةٌ أربعين صباحًا)). انتهى (فَقُلْتُ: هَلْ سَمِعْتَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو، رَسُولَ اللَّهِ ﴿، ذَكَرَ شَأْنَ الْخَمْرِ بِشَيْءٍ؟) جملة ((ذكر)) في محلّ نصب على الحال من المفعول (فَقَالَ) عبد اللّه رَّهِ (نَعَمْ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ بِّهِ، يَقُولُ: ((لَا) نافية، والفعل بعدها مرفوع (يَشْرَبُ الْخَمْرَ رَجُلٌّ مِنْ أُمَّتِي، فَيَقْبَلَ اللَّهُ مِنْهُ) بكسر الموحّدة، يقال: قبِلت العقدَ أقبله، من باب تعِب قَبولًا بالفتح، والضمُّ لغة حكاها ابن الأعرابيّ. قاله الفيّوميّ. وهو منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد الفاء السببيّة؛ الواقعة بعد النفي، كما قال في ((الخلاصة)): وَبَعْدَ فَا جَوَابٍ نَفْي أَوْ طَلَبْ مَخْضَيْنِ ((أَنْ) وَسَتْرُهُ حَثْمٌ نَصَبْ وهذا من المسائل المشهورة عند النحاة بالأجوبة التسعة المجموعة في قول بعضهم: مُزْ وَانْهَ وَادْعُ وَسَلْ وَاعْرِضْ لِحَضْهِم تَمَنَّ وَارْجُ كَذَاكَ النَّفْيُ قَدْ كَمَلَا وقوله: (صَلَاةً) منصوب على المفعولية لـ((يقبل)) (أَرْبَعِينَ) منصوب على الظرفيّة (يَوْمًا) منصوب على التمييز، ويحتمل أن يكون ((صلاة)) مضافًا إلى ((أربعين))، والإضافة بمعنى ((في)». قال السيوطيّ في ((حاشية الترمذيّ)): ذُكِرَ في حكمة ذلك أنها تبقى في عروقه، وأعصابه أربعين يومًا. نقله ابن القيّم. انتهى ((شرح السنديّ)) ٣١٤/٨. والله تعالى ٤٣ - (ذِكْرُ الرََّآيَاتِ الْمُبِينَةِ عَنْ ... - حديث رقم ٥٦٦٧ ٢٧٧ = أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد الله بن عمرو رضي اللّه تعالى عنهما هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٥٦٦٦/٤٣ و٥٦٧١/٤٤ و٥٦٧٢/٤٥- وفي ((الكبرى)) ٤٤/ ٥١٧٤ و ٥١٧٩/٤٥ ٥١٨٠/٤٦. وأخرجه (ق) في ((الأشربة)) ٣٣٧٧ (أحمد) في ((مسند المكثرين)) ٦٦٠٦ و٦٧٣٤ (الدارميّ) في ((الأشربة)) ١٩٩٩. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان الوعيد الشديد لشارب الخمر، وهو أنه لا تقبل صلاته أربعين يومًا. (ومنها): أن فيه بيان ما كان عليه السلف من شدّة حرصهم في طلب العلم، فيسافرون إلى البلدان النائية، ولو لحديث واحد، وقد عقد الإمام البخاريّ رحمه اللّه تعالى في ((صحيحه)) لهذا بابًا، فقال: ((باب الخروج في طلب العلم))، ورحل جابر بن عبد الله رضي اللّه تعالى عنهما مسيرة شهر إلى عبد الله بن أنيس في حديث واحد. ثم أخرج حديث قصّة موسى وخضر عليهما الصلاة والسلام المشهورة التي قضّها اللَّه تعالى في ((سورة الكهف)). وحديثُ رحلة جابر تنظيم أخرجه البخاريّ في ((الأدب المفرد)»، وأحمد، وأبو يعلى في ((مسنديهما)) من طريق عبد الله بن محمد بن عَقِيل، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: بلغني عن رجل حديث سمعه من رسول اللّه ◌َ لتر، فاشتريت بعيرا، ثم شددت رحلي، فسرت إليه شهرا، حتى قدمت الشام، فإذا عبد الله بن أنيس، فقلت للبواب: قل له: جابر على الباب، فقال: ابن عبد اللَّه؟ قلت: نعم، فخرج، فاعتقني، فقلت: حديث بلغني عنك أنك سمعته من رسول اللَّه وَله، فخشيت أن أموت قبل أن أسمعه، فقال: سمعت رسول اللَّه ◌َ ل يقول: ((يحشر الله الناس يوم القيامة عراة ... )) فذكر الحديث، وله طريق أخرى، أخرجها الطبراني في ((مسند الشاميين))، وتمام في ((فوائده))، من طريق الحجاج بن دينار، عن محمد ابن المنكدر، عن جابر رَّه قال: كان يبلغني عن النبي ◌َّ حديث في القصاص، وكان صاحب الحدیث بمصر، فاشتریت بعیرا، فسرت حتی وردت مصر، فقصدت إلى باب الرجل، فذكر نحوه، وإسناده صالح، وله طريق ثالثة، أخرجها الخطيب في ((الرحلة)) من طريق أبي الجارود العنسي، وهو بالنون الساكنة- عن جابر رتّه، قال: بلغني حديث في القصاص، فذكر الحديث نحوه، وفي إسناده ضعف. ٢٧٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ وقد رحل أيضًا أبو أيوب الأنصاري تنظيم في حديث واحد إلى عقبة بن عامر الجهني، أخرجه أحمد بسند منقطع، وأخرجه الطبراني من حديث مسلمة بن مُخَلَّد، قال: أتاني جابر، فقال لي: حديث بلغني أنك ترويه في الستر، فذكره. وأخرج أبو داود من طريق عبد الله بن بريدة، أن رجلا من الصحابة رحل إلى فَضَالة ابن عبيد، وهو بمصر في حديث. ورَوَى الخطيب، عن عبيد الله بن عدي، قال: بلغني حديث عند عليّ رَّم فخفت إن مات أن لا أجده عند غيره، فرحلت، حتى قدمت عليه العراق. وعن الشعبي في مسألة: إن كان الرجل ليرحل فيما دونها إلى المدينة. يعني من الكوفة. ورَوَى مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب قال: إن كنت لأرحل الأيام والليالي، في طلب الحديث الواحد(١). ونحو هذا من رحلة السلف رحمهم الله تعالى في طلب العلم كثير، وقد ألف فيه الخطيب البغداديّ رحمه الله تعالى ((الرحلة في طلب الحديث))، وهو كتاب ممتع جدا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٥٦٦٨- (أَخْبَرَنَا قُتَنِبَةُ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا خَلَفُ - يَعْنِي ابْنَ خَلِيفَةً -عَنْ مَنْصُورِ بْنِ زَاذَانَ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: الْقَاضِي إِذَا أَكَلَ الْهَدِيَّةَ، فَقَدْ أَكَلَّ السُّخْتَ، وَإِذَا قَبِلَ الرِّشْوَةَ، بَلَّغَتْ بِهِ الْكُفْرَ، وَقَالَ مَسْرُوقٌ: مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَقَدْ كَفَرَ، وَكُفْرُهُ أَنْ لَيْسَ لَهُ صَلَاةٌ). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا. و((خلف بن خليفة)): هو الأشجعيّ مولاهم، أبو أحمد الكوفيّ، نزيل واسط، ثم بغداد، صدوق اختلط في الآخر، وادعى أنه رأى عمرو بن حُريث الصحابيّ ◌َّهِ، فأنكر ذلك عليه ابن عُيينة، وأحمد [٨] ١٤٩/١١٠. و((منصور بن زاذان)): هو الثقفيّ، أبو المغيرة الواسطيّ، ثقة ثبت عابد [٦] ٤٧٥/٥. و((الحكم بن عُتيبة)): هو الكنديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه ربما دلّس [٥]١٠٤/٨٦. و((أبو وائل)): هو شقيق بن سلمة الأسديّ الكوفيّ، مخضرم ثقة [٢] ٢/٢. و((مسروق)): بن الأجدع بن مالك الهمدانيّ، أبو عائشة الكوفيّ، مخضرم ثقة فقيه عابد [٢] ١١٢/٩٠. والسند فيه ثلاثة من التابعين، يروي بعضهم عن بعض: الحكم، عن أبي وائل، عن مسروق. والله تعالى أعلم. (١) راجع ((الفتح)) ٢٣٤/١-٢٣٦. ٢٧٩ ٤٣- (ذِكْرُ الرََّآيَاتِ الْمُبِينَةِ عَنْ ... - حديث رقم ٥٦٦٨ شرح الحديث (عَنْ مَسْرُوقٍ) بن الأجدع بن مالك الهمدنيّ الوادعيّ، أبي عائشة الكوفيّ الثقة الفقيه العابد المخضرم، تقدم في ٩٠/ ١١٢ (قَالَ) مسروق (الْقَاضِي إِذَا أَكَلَ الْهَدِيَّةَ، فَقَدْ أَكَلَ السُّختَ) بضمتين، ويخفف بتسكين الثاني: هو كلّ مال حرام، لا يحلّ كسبه، ولا أكله. قاله الفيّوميّ. وقال السنديّ رحمه اللّه تعالى: قوله: قال: القاضي الخ)) ضمير ((قال)) لمسروق، و((القاضي)) حينئذ مبتدأ ما بعده خبره، يريد أن هدية القاضي حرام فضلًا عن رشوته، وأما الرشوة فعند أهل الورع مثل الكفر في الفرار عنه. انتهى ((شرح السنديّ)) ٣١٤/٨- ٣١٥ . (وَإِذَا قَبِلَ الرِّشْوَةَ) بالكسر: هو ما يُعطيه الشخص الحاكم وغيره ليحكم له، أو يحمله على ما يريد، وجمعها رِشًا، مثلُ سذرة وسِدَر، والضم لغة، وجمعها رُشّا بالضم أيضًا، ورَشوته رَشْوًا من باب قتل: إذا أعطيته رشوةً، فارتشى: أي أخذ. قاله في (المصباح))، وفي ((القاموس)): الرشوة مثلثةً: الْجُعْلُ، جمعه رُشا، ورِشا. انتهى (بَلَغَتْ بِهِ الْكُفْرَ) هذا محمول على من استحلّها، أو المعنى: أن شؤمها يؤول به إلى الكفر - نعوذ بالله منه- (وَقَالَ مَسْرُوقُ: مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَقَدْ كَفَرَ) هذا أيضًا مؤوّلٌ، وقد أشار مسروق إلى تأويله بقوله (وَكُفْرُهُ أَنْ لَيْسَ لَهُ صَلَاةٌ) يعني أن معنى كفر شارب الخمر أن صلاته غير مقبولة؛ كما أن أعمال الكافر غير مقبولة مطلقًا، فدلّ على أن كفره نسبيّ، أي بالنسبة إلى عدم قبول صلاته، لا أنه يرتدّ بذلك عن الإسلام، ويخرج منه، فإن ذلك لا یکون إلا بالاستحلال. وقال السنديّ: قوله: ((وكفره الخ)): يريد أنه كفر مجازًا، بمعنى أن لا تقبل له صلاة، كالكافر لا تقبل صلاته. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. والحديث مقطوع ضعيف؛ لأن خلف بن خليفة اختلط في آخره، قال الإمام أحمد: رأيت خلف بن خليفة، وهو مفلوج سنة (١٨٧) قد حُمل، وكان لا يفهم، فمن كتب عنه قديمًا، فسماعه صحيح. انتهى ((تهذيب التهذيب)) ٥٤٧/١. والظاهر أن قتيبة، وعلي بن حجر ممن أخذ عنه بعد اختلاطه، أو لم يتبيّن، فالحديث ضعيف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ٢٨٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ ٤٤ - (ذِكْرُ الآثَام الْمُتَوَلِدَةِ عَنْ شُرْبٍ الْخَمْرِ، مِنْ تَرْكَ الصَّلَاةِ، وَمِنْ قَتْلِ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ، وَمِنْ وُقُوعٍ عَلَى الْمَحَارِم) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: ((عن شرب الخمر)) متعلّق بـ((المتولّدة))، وقوله: ((من ترك الصلاة الخ)) بيان لـ(للآثام))، وقوله: ((ومن قتل النفس التي حرّم اللَّه)) زاد في «الكبرى»: ((إلا بالحقّ))، وقوله: ((ومن قوع على المحارم)) هكذا النسخ بتنكير ((وقوع)) وهو من عطف النكرة على المعرفة، وهو ((من ترك الصلاة))، وهو جائز. وقوله: ((المحارم)) بفتح الميم: جمع المَخْرَم، أو المحرمة بمعنى الحرام، قال الفيّوميّ: والْمَخْرَمَة بفتح الميم، وضمّها: الْحُزمة التي لا يحلّ انتهاكها، والْمَخْرَم وزانُ جعفر مثله، والجمع المحارم. انتهى. فيكون قوله: ((ومن وقوع على المحارم)) من عطف العامَ على الخاصّ. ويحتمل أن يكون ((المحارم)) جمع مَخرم بمعنى ذات رحم، وهي من لا يحلّ نكاحها، يقال: ذو رحم محرم: أي لا يحلّ نكاحه، قاله الجوهريّ، وقال الأزهريّ: المحرم: ذات الرحم في القرابة التي لا يحلّ تزوّجها. أفاده الفيّوميّ أيضًا، فعلى هذا يكون العطف للمغايرة. والله تعالى أعلم بالصواب. ٥٦٦٩- (أَخْبَرَنَا سُوَيْدْ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ عُثَّمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَقُولُ: اجْتَنِبُوا الْخَمْرَ، فَإِنَّا أُمُّ الْخَبَائِثِ، إِنْهُ كَانَ رَجُلٌ مِمَّنْ خَلَا قَبْلَكُمْ تَعَبَّدَ، فَعَلِقَتْهُ امْرَأَةٌ غَوِيَّةٌ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ جَارِيَتَهَا، فَقَالَتْ لَهُ: إِنَّا نَدْعُوكَ لِلشّهَادَةِ، فَانْطَلَقَ مَعَ جَارِبَتِهَا، فَطَفِقَتْ كُلَّمَا دَخَلَ بَابًا أَغْلَقَتْهُ دُونَهُ، حَتَّى أَفْضَى إِلَى امْرَأَةٍ وَضِيئَةٍ، عِنْدَهَا غُلَامٌ، وَبَاطِيَةُ خَمْرٍ، فَقَالَتْ: إِنِّي وَاللَّهِ مَا دَعَوْتُكَ لِلشَّهَادَةِ، وَلَكِنْ دَعَوْتُكَ لِتَقَعَ عَلَيَّ، أَوْ تَشْرَبَ مِنْ هَذِهِ الْخَمْرَةِ كَأْسًا، أَوْ تَقْتُلَ هَذَا الْغُلَامَ، قَالَ: فَاسْقِينِي مِنْ هَذَا الْخَمْرِ كَأْسًا، فَسَقَتْهُ كَأْسًا، قَالَ: زِيدُونِي، فَلَمْ يَرِمْ حَتَّى وَقَعَ عَلَيْهَا، وَقَتَلَ النَّفْسَ، فَاجْتَنِبُوا الْخَمْرَ، فَإِنَّا وَاللَّهِ لَا يَجْتَمِعُ الْإِيمَانُ، وَإِذْمَانُ الْخَمْرِ، إِلَّا لَيُوشِكُ أَنْ يُخْرِجَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ)). رجال هذا الإسناد: سيبعة: ١- (سُويد) بن نصر المروزيّ، ثقة [١٠] ٥٥/٤٥ .