النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١= ٢٠- (ذِكْرُ أَنْوَاع الأشَنْيَاءِ التِّي كَانَتْ ... - حديث رقم ٥٥٨١ كل مسكر، سواء كان من العنب أم من غيرها، وقد جاء هذا الذي قاله عمر، عن النبي وَل﴿ صريحا، فأخرج أصحاب ((السنن)) الأربعة، وصححه ابن حبان من وجهين، عن الشعبي: أن النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت رسول اللَّه وَل يقول: ((إن الخمر من العصير، والزبيب، والتمر، والحنطة، والشعير، والذرة، وإني أنهاكم عن كل مسكر))، لفظ أبي داود، وكذا ابن حبان زاد فيه: أن النعمان خطب الناس بالكوفة. ولأبي داود من وجه آخر، عن الشعبي، عن النعمان رَظّه بلفظ: إن من العنب خمرا، وإن من التمر خمرا، وإن من العسل خمرا، وإن من البر خمرا، وإن من الشعير خمرا))، ومن هذا الوجه أخرجها أصحاب ((السنن))، والتي قبلها فيها الزبيب دون العسل. ولأحمد من حديث أنس ◌َّ بسند صحيح عنه، قال: ((الخمر من العنب، والتمر، والعسل))، ولأحمد من حديث أنس بسند صحيح عنه، قال: ((الخمر من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير، والذرة))، أخرجه أبو يعلى من هذا الوجه، بلفظ: ((حُرّمت الخمر يوم حرمت، وهي ... فذكرها، وزاد ((الذرة))، وأخرج الخلعي في («فوائده)) من طريق خلاد بن السائب، عن أبيه رفعه، مثل الرواية الثانية، لكن ذكر الزبيب بدل الشعير، وسنده لا بأس به، ويوافق ذلك ما عند البخاريّ في ((التفسير)) من حديث ابن عمر: «نزل تحريم الخمر، وإن بالمدينة يومئذ لخمسة أشربة، ما فيها شراب العنب)). قاله في ((الفتح)) جـ ١١ / ١٦٩. (يَخْطُبُ عَلَى مِنْبَرِ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ: ((أَّهَا النَّاسُ) وفي الرواية الآتية: ((سمعت عمر بن الخطاب على منبر رسول اللَّه وَله، يقول: أما بعد، فإن الخمر نزل تحريمها ... ))، وفي رواية البيهقي: ((فحمد الله، وأثنى عليه)) (أَلَا) أداة استفتاح وتنبيه (إِنّهُ نَزَلَ تَرِيمُ الْخَمْرِ يَوْمَ نَزَلَ) أي في أول يوم نزل فيه (وَهِيَ مِنْ خَمْسَةٍ) جملة حالية في محلّ نصب: أي نزل تحريم الخمر، في حال كونها تُصنَع من خمسة (مِنَ الْعِتَبِ) الجارّ والمجرور بدل مما قبله، و((العنب)) بكسر، ففتح، جمعه أعناب، والعنبة: الحبّة، ولا يقال له: عِنب، إلا وهو طَرِيّ، فإذا ييس، فهو الزبيب. قاله في ((المصباح)) (وَالتَّمْرِ) يُذكّر ويؤنّث، فيقال: هو التمر، وهي التمر (وَالْعَسَلِ) بفتحتين، يذكر، ويؤنّث، وهو الأكثر، ومن التأنيث قول الشاعر: بِهَا عَسَلٌ طَابَتْ بَدَا مَنْ يَشُورُهَا ويُصغّر على عُسيلة على لغة التأنيث؛ ذهابًا إلى أنها قطعة من الجنس، وطائفة منه، كما في حديث: ((حتى تذوقي عُسيلته، ويذوق عسيلتك)) (وَالْحِنْطَةِ) بكسر، فسكون: هي البرّ، والْقَمْح، والطعام، فكلها بمعنى واحد، وبائعها حنّاط، مثل البزّاز، والعطّار ١٦٢ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ (وَالشَّعِيرٍ) بفتح، فكسر، ويقال: بكسرتين أيضًا، وهو الحبّ المعروف، قال الزجاج: وأهل نجد تؤنّثه،، وغيرهم يذكره، فيقال: هي الشعير، وهو الشعير. أفاده في ((المصباح)). [فائدة]: قال السيد محمد مرتضى الزبيديّ اللغوي رحمه اللّه تعالى في ((شرح القاموس)): قال عمر بن خلف بن مكّيّ: كلُّ فَعِيل وسطه حرف حلق مكسور يجوز كسر ما قبله، أو كسر فائه؛ إتباعًا للعين، في لغة تميم، كشعير، ورحیم، ورغيف، وما أشبه ذلك، بل زعم الليث أن قومًا من العرب یقولون: ذلك وإن لم تكن عينه حرف حلق، ككبير، وجليل، وكريم. انتهى ((تاج العروس من جواهر القاموس)) ٣٠٤/٣ في مادّة الراء. فاحفظه فإنه مهمّ جدًا. والله تعالى أعلم. (وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ) أي غطّاه، أو خالطه، فلم يتركه على حاله، وهو من مجاز التشبيه، و((العقل)): هو آلة التمييز، فلذلك حُرّم ما غطاه، أو غَيَّره؛ لأن بذلك يزول الإدراك الذي طلبه الله من عباده؛ ليقوموا بحقوقه. قال الكرماني: هذا تعريف بحسب اللغة، وأما بحسب العرف فهو ما يخامر العقل، من عصير العنب خاصة، كذا قال، وفيه نظر؛ لأن عمر تَّه ليس في مقام تعريف اللغة، بل هو في مقام تعريف الحكم الشرعي، فكأنه قال: الخمر الذي وقع تحريمه في لسان الشرع، هو ما خامر العقل، على أن عند أهل اللغة اختلافا في ذلك، كما تقدّم، ولو سلم أن الخمر في اللغة يختص بالمتخذ من العنب، فالاعتبار بالحقيقة الشرعية، وقد تواردت الأحاديث على أن المسكر من المتخذ من غير العنب، يسمى خمرا، والحقيقة الشرعية مقدمة على اللغوية، وقد ثبت عند مسلم، وأصحاب السنن، عن أبي هريرة ◌َّه، قال: سمعت رسول اللَّه وَ الله يقول: ((الخمر من هاتين الشجرتين: النخلة والعنبة))، قال البيهقي: ليس المراد الحصر فيها؛ لأنه ثبت أن الخمر تتخذ من غيرهما في حديث عمر وغيره، وإنما فيه الإشارة إلى أن الخمر شرعا لا تختص بالمتخذ من العنب. أفاده في ((الفتح)) ١١/ ١٧٠ وهو بحث نفيس. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عمر رَّ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٥٥٨٠/٢٠ و٥٥٨١ و٥٥٨٢- وفي ((الكبرى)) ٥٠٨٨/٢١ و٥٠٨٩ ١٦٣ = ٢٠- (ذِكْرُ أَنْوَاعِ الأَنْيَاءِ التِّي كَانَتْ ... - حديث رقم ٥٥٨١ و٥٠٩٠ . وأخرجه (خ) في ((التفسير)) ٤٦١٩ و((الأشربة)) ٥٥٨١ و ٥٥٨٨ و٥٥٩٠ (م) في ((التفسير)) ٣٠٣٢ و٣٠٣٣ (د) في ((الأشربة)) ٣٦٦٩ (ت) في ((الأشربة)) ١٨٧٢. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان الأنواع التي كانت تتّخذ منها الخمر وقت نزول آية تحريم الخمر، وهي هذه الخمسة. (ومنها): ذكر الأحكام على المنبر؛ لتشتهر بين السامعين. (ومنها): ذكر ((أما بعد)) فيها، كما ثبت في رواية الإسماعيليّ. (ومنها): التنبيه بالنداء. (ومنها): التنبيه على شرف العقل وفضله. (ومنها): ما قاله الخطابي، إنما عَدّ عمر الخمسة المذكورة لاشتهار أسمائها في زمانه، ولم تكن كلها توجد بالمدينة الوجود العام، فإن الحنطة كانت بها عزيزة، وكذا العسل، بل كان أعزّ، فعد عمر ما عُرف فيها، وجعل ما في معناها مما يُتَّخذ من الأرز وغيره خمرا، إن كان مما يخامر العقل، وفي ذلك دليل على جواز إحداث الاسم بالقياس، وأخذه من طريق الاشتقاق، كذا قال، ورَدّ بذلك ابن العربي، في جواب من زعم أن قوله وَلّ: ((كل مسكر خمر)): معناه: مثل الخمر؛ لأن حذف مثل ذلك مسموع شائع، قال: بل الأصل عدم التقدير، ولا يصار إلى التقدير إلا إلى الحاجة. [فإن قيل]: احتجنا إليه لأن النبي وَ الر لم يبعث لبيان الأسماء. [قلنا]: بل بيان الأسماء من جملة الأحكام لمن لا يعلمها، ولا سيما ليقطع تعلق القصد بها، قال: وأيضا لو لم يكن الفضيخ خمرا، ونادى المنادي: ((حُرِّمت الخمر)) لم يبادروا إلى إراقتها، ولم يفهموا أنها داخلة في مسمى الخمر، وهم الفُصحُ اللُسْنُ. [فإن قيل]: هذا إثبات اسم بقياس. [قلنا]: إنما هو إثبات اللغة عن أهلها، فإن الصحابة عرب فصحاء، فهموا من الشرع ما فهموه من اللغة، ومن اللغة ما فهموه من الشرع. وذكر ابن حزم أن بعض الكوفيين، احتج بما أخرجه عبد الرزاق، عن ابن عمر، بسند جيد قال: ((أما الخمر فحرام، لا سبيل إليها، وأما ما عداها من الأشربة، فكل مسكر حرام»، قال: وجوابه أنه ثبت عن ابن عمر أنه قال: ((كل مسكر خمر)، فلا يلزم من تسمية المتخذ من العنب خمرا، انحصار اسم الخمر فيه، وكذا احتجوا بحديث ابن عمر أيضا: ((حرمت الخمر، وما بالمدينة منها شيء))، مراده المتخذ من العنب، ولم يُرِد أن غيرها لا يسمى خمرا، بدليل حديثه الآخر: ((نزل تحريم الخمر، وإن بالمدينة خمسة أشربة، كلها تدعي الخمر، ما فيها خمر العنب)). ذكره في ((الفتح)) ١١/ ١٧٤ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): قال في ((الفتح)) ١١/ ١٧٠-١٧٣: جعل الطحاوي هذه الأحاديث ١٦٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ متعارضة، وهي حديث أبي هريرة، في أن الخمر من شيئين، مع حديث عمر، ومن وافقه، أن الخمر من غيرهما، وكذا حديث ابن عمر: ((لقد حرمت الخمر، وما بالمدينة منها شيءٍ))، وحديث أنس -يعني المتقدم ذكره، وبيان اختلاف ألفاظه- منها: ((إن الخمر حرمت، وشرابهم الفضيخ))، وفي لفظ له: ((وأنا نَعُدّها يومئذ خمرا))، وفي لفظ له: ((إن الخمر يوم حرمت: البسر والتمر)). قال: فلما اختلف الصحابة في ذلك، ووجدنا اتفاق الأمة على أن عصير العنب إذا اشتد وغلى، وقذف بالزبد فهو خمر، وأن مستحله كافر، دل على أنهم لم يعملوا بحديث أبي هريرة؛ إذ لو عملوا به لكفروا مستحل نبيذ التمر، فثبت أنه لم يدخل في الخمر، غير المتخذ من عصير العنب. انتھی . ولا يلزم من كونهم لم يكفروا مستحل نبيذ التمر، أن يمنعوا تسميته خمرا، فقد يشترك الشيئان في التسمية، ويفترقان في بعض الأوصاف، مع أنه هو يوافق على أن حكم المسكر من نبيذ التمر، حكم قليل العنب في التحريم، فلم تبق المشاححة إلا في التسمية، والجمع بين حديث أبي هريرة وغيره، بحمل حديث أبي هريرة على الغالب: أي أكثر ما يُتخذ الخمر من العنب والتمر، ويُحمّل حديث عمر ومن وافقه، على إرادة استيعاب ذكر ما عُهد حينئذ أنه يتخذ منه الخمر، وأما قول ابن عمر فعلى إرادة تثبيت أن الخمر يطلق على ما لا يتخذ من العنب؛ لأن نزول تحريم الخمر لم يصادف عند من خوطب بالتحريم حينئذ إلا ما يتخذ من غير العنب، أو على إرادة المبالغة، فأطلق نفي وجودها بالمدينة، وإن كانت موجودة فيها بقلة، فإن تلك القلة بالنسبة لكثرة المتخذ مما عداها كالعدم، وقد قال الراغب في ((مفردات القرآن)): سمي الخمر لكونه خامرا للعقل: أي ساترا له، وهو عند بعض الناس اسم لكل مسكر، وعند بعضهم للمتخذ من العنب خاصة، وعند بعضهم للمتخذ من العنب والتمر، وعند بعضهم لغير المطبوخ، فرجع أن كل شيء يستر العقل يسمى خمرا حقيقة، وكذا قال أبو نصر بن القشيري في «تفسيره)): سميت الخمر خمرا؛ لسترها العقل، أو لاختمارها، وكذا قال غير واحد من أهل اللغة، منهم أبو حنيفة الدينوري، وأبو نصر الجوهري، ونقل عن ابن الأعرابي، قال: سميت الخمر؛ لأنها تركت حتى اختمرت، واختمارها تغير رائحتها، وقيل: سميت بذلك لمخامرتها العقل. نعم جزم ابنُ سِيدَهْ في ((المحكم)) بأن الخمر حقيقة إنما هي للعنب، وغيرها من المسكرات يسمى خمرا مجازا. وقال صاحب ((الفائق)) في حديث: ((إياكم والغبيراء، فإنها خمر العالم)): هي نبيذ الحبشة، متخذة من الذرة، سميت الغبيراء لما فيها من ٢٠- (ذِكْرُ أَنْوَاعِ الأشَنْيَاءِ التِّي كَانَتْ ... - حديث رقم ٥٥٨١ ١٦٥ == الغبرة، وقوله: ((خمر العالم): أي هي مثل خمر العالم، لا فرق بينها وبينها. قال الحافظ: وليس تأويله هذا بأولى من تأويل من قال: أراد أنها معظم خمر العالم، وقال صاحب ((الهداية)) من الحنفية: الخمر عندنا ما اعتُصر من ماء العنب، إذا اشتد، وهو المعروف عند أهل اللغة، وأهل العلم، قال: وقيل: هو اسم لكل مسكر؛ لقوله وَلجر: ((كل مسكر خمر))، وقوله: ((الخمر من هاتين الشجرتين))، ولأنه من مخامرة العقل، وذلك موجود في كل مسكر، قال: ولنا إطباق أهل اللغة على تخصيص الخمر بالعنب، ولهذا اشتهر استعمالها فيه، ولان تحريم الخمر قطعي، وتحريم ما عدا المتخذ من العنب ظني، قال: وإنما سمي الخمر خمرا؛ لتخمره، لا لمخامرة العقل، قال: ولا ينافي ذلك كون الاسم خاصا فيه، كما في النجم، فإنه مشتق من الظهور، ثم هو خاص بالثریا. انتهى. [والجواب]: عن الحجة الأولى، ثبوت النقل عن بعض أهل اللغة، بأن غير المتخذ من العنب يسمى خمرا، وقال الخطابي: زعم قوم أن العرب لا تعرف الخمر إلا من العنب، فيقال لهم: إن الصحابة الذين سموا غير المتخذ من العنب خمرا، عرب فصحاء، فلو لم يكن هذا الاسم صحيحا، لما أطلقوه. وقال ابن عبد البر: قال الكوفيون: إن الخمر من العنب؛ لقوله تعالى: ﴿أَعْصِرُ خَمْرًا﴾، قال: فدل على أن الخمر هو ما يُعتصر، لا ما ينتبذ، قال: ولا دليل فيه على الحصر، وقال أهل المدينة، وسائر الحجازيين، وأهل الحديث كلهم: كل مسكر خمر، وحكمه حكم ما اتّخذ من العنب، ومن الحجة لهم: أن القرآن لَمّا نزل بتحريم الخمر، فَهِم الصحابة، وهم أهل اللسان، أن كل شيء يسمى خمرا، يدخل في النهي، فأراقوا المتخذ من التمر والرطب، ولم يخصوا ذلك بالمتخذ من العنب، وعلى تقدير التسليم، فإذا ثبت تسمية كل مسكر خمرا من الشرع، كان حقيقة شرعية، وهي مقدمة على الحقيقة اللغوية. [وعن الثانية]: ما تقدم من أن اختلاف مشتركين في الحكم في الغلظ، لا يلزم منه افتراقهما في التسمية، كالزنا مثلا، فإنه يصدق على من وطىء أجنبية، وعلى من وطىء امرأة جاره، والثاني أغلظ من الأول، وعلى من وطىء محرما له، وهو أغلظ، واسم الزنا مع ذلك شامل للثلاثة، وأيضا فالأحكام الفرعية، لا يشترط فيها الأدلة القطعية، فلا يلزم من القطع بتحريم المتخذ من العنب، وعدم القطع بتحريم المتخذ من غيره، أن لا يكون حراما، بل يحكم بتحريمه، إذا ثبت بطريق ظني تحريمه، وكذا تسميته خمرا. والله أعلم. [وعن الثالثة]: ثبوت النقل عن أعلم الناس بلسان العرب بما نفاه هو، وكيف ١٦٦ E شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ يستجيز أن يقول: لا لمخامرة العقل، مع قول عمر بمحضر الصحابة: ((الخمر ما خامر العقل))، كأن مستنده ما ادعاه من اتفاق أهل اللغة، فيُحمّل قول عمر على المجاز، لكن اختلف قول أهل اللغة في سبب تسمية الخمر خمرا، فقال أبو بكر بن الأنباري: سميت الخمر خمرا؛ لأنها تخامر العقل: أي تخالطه، قال: ومنه قولهم: خامره الداء: أي خالطه. وقيل: لأنها تخمر العقل: أي تستره، ومنه الحديث: ((خَمِّروا آنيتكم))، ومنه خمار المرأة؛ لأنه يستر وجهها، وهذا أخص من التفسير الأول؛ لأنه لا يلزم من المخالطة التغطية. وقيل: سميت خمرا؛ لأنها تُخُمَّر حتى تُدرِك، كما يقال: خَمّرت العجين، فتخمر: أي تركته حتى أدرك، ومنه خمرت الرأي: أي تركته حتى ظهر وتحرر. وقيل: سميت خمرا؛ لأنها تُغَطَّى حتى تَغلِي، ومنه حديث المختار بن فلفل، قلت لأنس: الخمر من العنب، أو من غيرها؟ قال: ((ما خمرت من ذلك، فهو الخمر))، أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح، ولا مانع من صحة هذه الأقوال كلها؛ لثبوتها عن أهل اللغة، وأهل المعرفة باللسان. قال ابن عبد البر: الأوجه كلها موجودة في الخمرة؛ لأنها تُركت حتى أَدركت، وسكنت، فإذا شُربت خالطت العقل، حتى تغلب عليه، وتغطيه. وقال القرطبي: الأحاديث الواردة عن أنس وغيره، على صحتها وكثرتها، تبطل مذهب الكوفيين القائلين: بأن الخمر لا يكون إلا من العنب، وما كان من غيره لا يسمى خمرًا، ولا يتناوله اسم الخمر، وهو قول مخالف للغة العرب، وللسنة الصحيحة، وللصحابة؛ لأنهم لما نزل تحريم الخمر، فهموا من الأمر باجتناب الخمر، تحريم كل مسكر، ولم يفرقوا بين ما يتخذ من العنب، وبين ما يتخذ من غيره، بل سووا بينهما، وحرموا كل ما يسكر نوعه، ولم يتوقفوا، ولا استفصلوا، ولم يشكل عليهم شيء من ذلك، بل بادروا إلى إتلاف ما كان من غير عصير العنب، وهم أهل اللسان، وبلغتهم نزل القرآن، فلو كان عندهم فيه تردد، لتوقفوا عن الإراقة، حتى يستكشفوا، ويستفصلوا، ويتحققوا التحريم؛ لما كان تقرر عندهم من النهي عن إضاعة المال، فلما لم يفعلوا ذلك، وبادروا إلى الإتلاف علمنا أنهم فهموا التحريم نصا، فصار القائل بالتفريق سالكا غير سبيلهم، ثم انضاف إلى ذلك خطبة عمر تظله بما يوافق ذلك، وهو ممن جعل الله الحق على لسانه وقلبه، وسمعه الصحابة وغيرهم، فلم يُنقل عن أحد منهم إنكار ذلك، وإذا ثبت أن كل ذلك يسمى خمرا، لزم تحريم قليله وكثيره، وقد ثبتت الأحاديث الصحيحة في ذلك، ثم ذكرها، قال: وأما الأحاديث عن الصحابة التي تمسك بها المخالف، فلا يصح منها شيء، على ما قال عبد الله بن المبارك، وأحمد، ١٦٧ ٢٠ - (ذِكْرُ أَنْوَاعِ الأَشَنْيَاءِ التِّي كَانَتْ ... - حديث رقم ٥٥٨١ = = وغيرهم، وعلى تقدير ثبوت شيء منها، فهو محمول على نقيع الزبيب، أو التمر من قبل أن يدخل حد الإسكار؛ جمعا بين الأحاديث. قال الحافظ: ويؤيده ثبوت مثل ذلك عن النبي ◌َّر، كما في حديث سهل بن سعد الساعديّ أن أبا أُسيد الساعديّ دعا النبيّ وَلّ لعُرسه، فأنقعت امرأته له تمرات من الليل في تور، فسقته منه، ولا فرق في الحل بينه وبين عصير العنب، أول ما يعصر، وإنما الخلاف فيما اشتدّ منهما، هل يفترق الحكم فيه أو لا، وقد ذهب بعض الشافعية إلى موافقة الكوفيين، في دعواهم أن اسم الخمر خاص بما يُتخذ من العنب، مع مخالفتهم له في تفرقتهم في الحكم، وقولهم بتحريم قليل ما أسكر كثيره من كل شراب، فقال الرافعي: ذهب أكثر الشافعية إلى أن الخمر حقيقة فيما يُتخذ من العنب، مجاز في غيره، وخالفه ابن الرفعة، فنقل عن المزني، وابن أبي هريرة، وأكثر الأصحاب: أن الجميع يسمى خمرا حقيقة، قال: وممن نقله عن أكثر الأصحاب القاضيان: أبو الطيب، والروياني، وأشار ابن الرفعة إلى أن النقل الذي عزاه الرافعي للأكثر لم يجد نقله عن الأكثر، إلا في كلام الرافعي، ولم يتعقبه النووي في ((الروضة))، لكن كلامه في ((شرح مسلم)) يوافقه، وفي ((تهذيب الأسماء)) يخالفه، وقد نقل ابن المنذر، عن الشافعي، ما يوافق ما نقلوا عن المزني، فقال: قال: إن الخمر من العنب، ومن غير العنب عمر، وعلي، وسعيد، وابن عمر، وأبو موسى، وأبو هريرة، وابن عباس، وعائشة، ومن التابعين سعيد بن المسيب، وعروة، والحسن، وسعيد بن جبير، وآخرون، وهو قول مالك، والأوزاعي، والثوري، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وعامة أهل الحديث. ويمكن الجمع بأن من أطلق على غير المتخذ من العنب حقيقة، يكون أراد الحقيقة الشرعية، ومن نفى أراد الحقيقة اللغوية، وقد أجاب بهذا ابن عبد البر، وقال: إن الحكم إنما يتعلق بالاسم الشرعي، دون اللغوي. والله أعلم. قال الحافظ: وقد قدمت في ((باب نزول تحريم الخمر، وهو من البسر)) إلزام من قال بقول أهل الكوفة: إن الخمر حقيقة في ماء العنب، مجاز في غيره، أنه يلزمهم أن يجوزوا إطلاق اللفظ الواحد على حقيقته ومجازه؛ لأن الصحابة لَمّا بلغهم تحريم الخمر أراقوا كل ما كان يطلق عليه لفظ الخمر حقيقة ومجازا، وإذا لم يجوزوا ذلك صح أن الكل خمر حقيقة، ولا انفكاك عن ذلك، وعلى تقدير إرخاء العنان، والتسليم أن الخمر حقيقة في ماء العنب خاصة، فإنما ذلك من حيث الحقيقة اللغوية، فأما من حيث الحقيقة الشرعية، فالكل خمر حقيقة؛ لحديث: ((كلُّ مسكر خمر))، فكلُّ ما اشتد كان = ١٦٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ خمرا، وكل خمر يحرم قليله وكثيره، وهذا يخالف قولهم. وبالله تعالى التوفيق. انتهى ((الفتح))، وهو بحث نفيس جدًا، فاغتنمه تَسعَد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٥٥٨٢- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَ: أَنْبَنَا (١) ابْنُ إِذْرِيسَ، عَنْ زَكَرِيًّا، وَأَبِي حَيَّانَ، عَنِ الشَّغْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ وََّ، يَقُولُ: ((أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الْخَمْرَ نَزَلَ تَحَرِيمُهَا، وَهِيَ مِنْ خَمْسَةٍ: مِنَ الْعِنَبِ، وَالْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرِ، وَالْعَسَلِ))). رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و((ابن إدريس)): هو عبد الله الأوديّ الكوفيّ. و((زكريا)): هو ابن أبي زائدة. والسند مسلسل بثقات الكوفيين، وفيه أن شيخ المصنّف أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة، كشيخه المذكور في السند الماضي. والحديث متفق عليه، كما سبق بيانه في الحديث الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٥٥٨٣- (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ عَامِرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: ((الْخَمْرُ مِنْ خَمْسَةٍ: مِنَ الثَّمْرِ، وَالْحِنْطَةِ، وَالشِّعِيْرِ، وَالْعَسَلِ، وَالْعِنَبٍ))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، وهو حافظ ثقة. و((عبيد الله)): هو ابن موسى العبسيّ. و((إسرائيل)): هو ابن يونس. و((أبو حصين)): هو عثمان بن عاصم، وقد تقدّم في الباب الماضي. و((عامر)): هو الشعبيّ. والحديث موقوف صحيح الإسناد، وهو من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا- ٢٠/ ٥٥٨٢ - وفي ((الكبرى)) ٥٠٩٠/٢١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). (١) وفي نسخة: ((أخبرنا)). ٢١- (تَحَرِيمُ الأَشْرِبَةِ الْمُسْكِرَةِ مِنَ ... - حديث رقم ٥٥٨٤ ١٦٩ - ٢١ - (تُحْرِيمُ الأَشْرِبَةِ الْمُسْكِرَةِ مِنَ الأَثْمَارِ، وَالْحُبُوبِ، كَانَتْ عَلَى اخْتِلَافِ أَجْنَاسِهَا لِشَارِبِيهَا). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر أن قوله: ((كانت)) زائدة، وقوله: ((لشاربيها)) متعلّق بـ(تحريم))، و((اللام بمعنى ((على)). ولفظ ((الكبرى)): ((تحريم الأشربة المسكرة من أيّ الأشجار، والحبوب، كانت على اختلاف أجناسها؛ لتساوي أفعالها)). أي لتساويها في الإسكار. والله تعالى أعلم بالصواب. ٥٥٨٤- (أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا (١) عَبْدُ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عُمَّرَ، فَقَالَ: إِنَّ أَهْلَنَا يَنْبِذُونَ لَّنَا شِّرَابًا عَشِيًّا، فَإِذَا أَضْبَحْنَا شَرِبْنَا، قَالَ: أَنََّاكَ عَنِ الْمُسْكِرِ، قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ، وَأَشْهِدُ اللَّهَ عَلَيْكَ أَنََّاكَ عَنِ الْمُسْكِرٍ، قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ، وَأُشْهِدُ اللَّهَ عَلَيْكَ، أَنَّ أَهْلَ خَيْبَرَ يَنْتَِذُونَ شَرَابًا مِنْ كَذَا وَكَذَا، وَيُسّمُّونَهُ كَذَا وَكَذَا، وَهِيَ الْخَمْرُ، وَأَنَّ أَهْلَ قَدَكٍ يَنْتَِذُونَ شَرَابًا مِنْ كَذَا وَكَذَا، يُسَمُّونَهُ كَذَا وَكَذَا، وَهِيَ الْخَمْرُ، حَتَّى عَدَّ أَشْرِبَةً أَرْبَعَةٌ، أَحَدُهَا الْعَسَلُ). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (ابن عون) هو عبد الله، أبو عون البصريّ، ثقة ثبت فاضل [٥] ٣٣/٢٩ . ٢- (ابن سرين) هو محمد الأنصاريّ، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت فقيه [٣]٥٧/٤٦. والباقون تقدّموا قريبًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ) محمد (بْنِ سِيرِينَ) رحمه اللّه تعالى، أنه (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى) عبد الله (بْنِ عُمَّرَ) رضي اللَّه تعالى عنهما (فَقَالَ: إِنَّ أَهْلَنَا يَشْبِذُونَ) بكسر الموحّدة (لَنَا شَرَابًا عَشِيًّا) وفي ((الكبرى)): ((عشاء)): أي وقت العشيّ، قيل: العشيّ: ما بين الزوال إلى الغروب، ومنه قيل: للظهر والعصر: صلاتا العشيّ. وقيل: هو آخر النهار. وقيل: العشيّ من الزال إلى الصباح. وقيل: العشيّ، والعشاء من صلاة المغرب إلى العتمة، وعليه قول ابن فارس: العشاءان: المغرب والعتمة. قال ابن الأنباريّ: العشيّة مؤنّئةٌ، وربّما ذکّرتها (١) وفي نسخة: ((أخبرنا)). ١٧٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ العرب على معنى العشيّ. وقال بعضهم: العشيّة واحدةٌ، جمعها عشيّ. قاله الفيّوميّ (فَإِذَا أَصْبَحْنَا) أي دخلنا وقت الصباح (شَرِبْتَا) أي فهل هذا جائز، أم لا؟ (قَالَ) ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما (أَنَاكَ عَنِ الْمُسْكِرٍ) أي عن شربه (قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ) بالجرّ على البدليّة (وَأَشْهِدُ اللَّهَ عَلَيْكَ) من الإشهاد: أَي أجعل اللَّه تعالى شاهدا عليك على أني (أَنَاكَ عَنِ الْمُسْكِرٍ) أي عن شربه (قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ، وَأَشْهِدُ اللَّهَ عَلَيْكَ، أَنَّ أَهْلَ خَيْبَرَ) الظاهر أن همزة ((أنّ)) هنا وفي قوله: ((أن أهل فدك)) مفتوحة، لأنها وقعت موقع المصدر، والتقدير وأشهد الله عليك على أن أهل خيبر الخ. و((خيبر)): هي البلدة المعروفة، بينها وبين مدينة النبيّ وَ ﴿ نحو ثلاثة أيام (يَنْتَبِذُونَ شَرَابًا مِنْ كَذَا وَكَذَا، وَيُسَمُّونَهُ كَذَا وَكَذَا) بغير اسم الخمر (وَهِيَ الْخَمْرُ، وَإِنَّ أَهْلَ فَدَكٍ) بفتحتين: بلدة بينها وبين المدينة يومان، وبينها وبين خيبر دون مرحلة، وهي مما أفاء الله على رسوله وَل، وتنازعها عليّ والعبّاس في خلافة عمر ، فقال عليّ: جعلها النبيّ وَلّ لفاطمة، وولدها، وأنكره العبّاس، فسلّمها عمر لهما. قاله الفيّومِيّ (يَتْتَبِذُونَ شَرَابًا مِنْ كَذَا وَكَذَا، يُسَمُّونَهُ كَذَا وَكَذَا، وَهِيَ الْخَمْرُ، حَتَّى عَدَّ) ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما (أَشْرِبَةً) بفتح أوله، وكسر ثالثه: جمع شراب (أَرْبَعَةً) بالنصب صفة لـ(أشربة)) (أَحَدُهَا الْعَسَلُ) وغرض ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما بهذا أن الناس لهم عادات في الانتباذ، كلّ أهل بلد لهم نوع خاصّ ينتبذون منه، ويسمون باسم معين، وكلها من جملة الخمر المحرّمة؛ لكونها مسكرة. والحاصل أنه رَّه حذّره، ونبهه على أن لا يشرب مسكرًا، متعلّلًا بأن الناس لا يسمون الخمر إلا ما يُعصر من العنب، فإن الخمر يعمّ كلّ نوع أسكر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. والحديث صحيح، وهو من أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا-٢١/ ٥٥٨٣- وفي ((الكبرى)) ٢٢/ ٥٠٩١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب . ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). ١٧١ = ٢٢ - (إِثْبَاتُ اسْم الْخَمْرِ لِكُلِ مُسْكِر ... - حديث رقم ٥٥٨٥ ٢٢- (إِثْبَاتُ اسْم الْخَمْرِ لِكُلِّ مُسْكِرٍ مِنَ الْأَشْرِبَةِ) ٥٥٨٥- (أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُوبُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ، قَالَ: ((كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، وَكُلّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (حماد بن زيد) بن درهم، أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثبت فقيه [٨] ٣/٣. ٢- (أيوب) بن أبي تميمة السختيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت فقيه [٥] ٤٢/ ٤٨ . ٣- (نافع) مولى ابن عمر المدنيّ، ثقة ثبت [٣] ١٢/١٢. ٤- (ابن عمر) عبد الله رضي الله تعالى عنهما١٢/١٢. وسُويد بن نصر، وعبد الله ابن المبارك تكرّرا في الأبواب السابقة كثيرًا. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فتفرّد به هو والترمذيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي اللّه تعالى عنهما (عَنِ النَّبِيِّ وَّ) أنه (قَالَ: ((كُلُّ مُسْكِرِ حَرَامٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ) قال السنديّ رحمه اللّه تعالى: يحتمل أن المراد أن الخمر اسم لكلّ ما يوجد فيه السُّكْرُ من الأشربة، ومن ذهب إلى هذا قال: إن للشريعة أن تُحدث الأسماء بعد أن لم تكن، كما أن لها أن تضع الأحكام. ويحتمل أن معناه أن كلّ مسكر سوى الخمر كالخمر في الحرمة والحدّ، وعلى هذا، فهو يؤكّد ما قبله. ويحتمل أن يراد أنه كالخمر في الحدّ فقط، فهو تأسيس. والله تعالى أعلم. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الاحتمال الأول هو الحقّ، لكن لا لِمَا أشار إليه من أن هذا اسم شرعيّ فقط، بل لأنه اسم شرعيّ، ولغويّ، فقد تقدّم أن الصواب أن الخمر لغةً اسم لكل ما خامر العقل، سواء كان من عصير العنب، أو التمر، أو العسل، أو ١٧٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ الذرة، أو غيرها، كما بينه عمر تَظُّه في خطبته، وغيره من الصحابة، وقال به محقّقو أهل اللغة، فقد تقدّم البحث في هذا مستوفّى قبل باب، فراجعه بإمعان، يزول عنك الغشيان. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٥٥٨٤/٢٢ و٥٥٨٥ و٥٥٨٦ و٥٥٨٧ و٥٥٨٨ و ٥٥٨٩/٢٣ و٢٤/ ٥٦٠٧ و٥٧٠١/٤٨ و٥٧٠٢ و٥٧٠٣ - وفي ((الكبرى)) ٥٠٩٢/٢٣ و٥٠٩٣ و٥٠٩٤ و ٥٠٩٥ و٥٠٩٦ و٥٠٩٧/٢٤. وأخرجه (م) في ((الأشربة)) ٢٠٣ و٢٠٤ و٢٠٥ (د) في (الأشربة)) ٣٦٧٩ و٣٣٩٠ و٣٣٩٣ (ت) في ((الأشربة)) ١٨٦١ (أحمد) في ((مسند المكثرين)» ٤٦٣٠ و٤٨١٥ و٤٨٤٨ و٥٦١٦ و٥٦٩٧ و٥٧٨٦ و٦١٤٤ و٦١٨٣ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٥٥٨٦- (أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مَنْصُورِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، قَالَ: حَدَّثْنَاَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ لِهِ: ((كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ)). قَالَ الْحُسَيْنُ: قَالَ أَحْمَدُ: وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. وقوله: ((قال الحسين)): أي بن منصور بن جعفر شيخ المصنّف في هذا الحديث. وقوله: ((قال أحمد»: أي ابن حنبل. والحديث أخرجه مسلم، وقد سبق البحث عنه في الحديث الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٥٥٨٧- (أَخْبَرَنَا يَحْتِى بْنُ دُرُسْتَ، قَالَ: حَدَّثْنَا حَمَّدٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ))). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((يحيى بن دُرُست)): هو البصريّ الثقة [١٠]. والباقون هم المذكورون في السند الماضي. والحديث أخرجه مسلم، كما سبق. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٧٣ ٢٣- (تحریم کل شراب اسکرا - حدیث رقم ٥٥٩٠ ٥٥٨٨- (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي رَوَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْج، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ»). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((عليّ بن ميمون)): هو الرّقّيّ العطّار الثقة [١٠] من أفراد المصنّف، وابن ماجه. و((ابن أبي روّاد)): هو عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رَوّاد المكيّ، صدوقٌ يُخطىء، وكان مرجئا، أفرط ابن حبّان، فقال: مترك [٩] ١٢٧/ ٢٩١٠ من رجال مسلم، والأربعة. والحديث أخرجه مسلم، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٥٥٨٩- (أَخْبَرَنَا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا(١) عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النِّّ وَِّ، قَالَ: ((كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. والحديث أخرجه مسلم، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب». ٢٣- (تُحِرِیمُ كُلِّ شَرَابٍ أَسْكَرَ) ٥٥٩٠- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْتِى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ عَمْرِو، عَنْ أَبِي سَلَمَةً، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ وَ ﴿َ، قَالَ: ((كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و((يحيى بن سعيد)): هو القطّان. و((محمد بن عمرو)): هو ابن علقمة بن وقّاص الليثيّ المدنيّ. و((أبو سلمة)): هو ابن عبد الرحمن بن عوف الفقيه المدنيّ. والحديث أخرجه مسلم، وسبق القول فيه في الباب الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. (١) وفي نسخة: ((أخبرنا)). ١٧٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ ٥٥٩١- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ»). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وهم المذكور في السند الماضي. والحديث صحيحٌ، وهو من أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا-٢٣/ ٥٥٩٠- وفي ((الكبرى)) ٥٠٩٨/٢٤. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٥٥٩٢- (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِهِ، فَهِى أَنْ يُنْبَذَ فِي الدُّبَّاءِ، وَالْمُزَفَّتِ، وَالتَّقِيرِ، وَالْحَنْتَم، وَكُلُّ مُسْكِرِ حَرَامٌ»). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و((إسماعيل)): هو ابن جعفر بن أبي كثير الأنصاريّ المدنيّ الثقة القارىء. و((محمد)): هو ابن عمرو بن علقمة المذكور في السند الماضي. وقوله: أن ينبذ الخ)) بالبناء للمفعول، وقد جاء تفسير هذه الأوعية عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، فيما أخرجه مسلم من طريق زاذان، قال: ((سألت ابن عمر عن الأوعية؟ فقلت: أخبرناه بلغتكم، وفسره لنا بلغتنا، فقال: نهى رسول اللَّه وَله عن الحنتمة، وهي الجرّة، وعن الدباء، وهي القرعة، وعن النقير، وهي أصل النخلة تُنْقَر نَقْرًا، وعن المزفت، وهو المقير)). وأخرج أبو داود الطيالسي، وابن أبي عاصم، والطبراني، من حديث أبي بكرة، قال: ((نُهينا عن الدباء، والنقير، والحنتم، والمزفت))، فأما الدباء فإنا معشر ثقيف بالطائف، كنا نأخذ الدباء، فنخرط فيها عناقيد العنب، ثم نَدفِنها، ثم نتركها حتى تهدر، ثم تموت، وأما النقير، فإن أهل اليمامة كانوا ينقرون أصل النخلة، فيشدخون فيه الرطب والبسر، ثم يدعونه حتى يهدر، ثم يموت، وأما الحنتم، فجرار جاءت تُحمَل إلينا فيها الخمر، وأما المزفت، فهي هذه الأوعية التي فيها هذا الزفت)) راجع ((الفتح)) ١٦٧/١١ -١٦٨. وسيأتي بيان نسخ النهي عن الأوعية بعد نحو خمسة عشر بابًا، إن شاء الله تعالى. والحديث صحيحٌ، وهو من أفراد المصنّف أيضًا، أخرجه هنا-٥٥٩١/٢٣ - وفي ((الكبرى)) ٥٠٩٩/٢٤. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٥٥٩٣- (أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ زَيْرٍ، عَنِ ١٧٥ ٢٣- (تحریم کُلُ شراب اسْگرَ) - حدیث رقم ٥٥٩٥ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَِّّ وَِّ، قَالَ: (لَا تَنْبِذُوا فِي الدُّبَّاءِ، وَلَا الْمُزَفَّتِ، وَلَا النَّقِيرِ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ»). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((أبو داود)»: هو سليمان بن سيف الْحَرّانيّ، ثقة حافظ [١١] من أفراد المصنّف. و((محمد ابن سُليمان)): هو ابن أبي داود الْحَرّانيّ، المُلقَّب بُومة- بضم الموحدة، وسكون الواو- صدوق [٩]. و ((ابن زبر))- بفتح الزاي، وسكون الموحّدة -: هو عبد الله بن العلاء بن زبر الدمشقيّ الرَّبَعيّ، نُسب لجدّه، ثقة [٧]. [تنبيه]: وقع في معظم النسخ: ((ابن زيد) بدل ((ابن زبر))، وهو تصحیف فاحش، والصواب ما في بعض النسخ: ((ابن زبر)) بالموحدة، والراء، راجع ((تحفة الأشراف)) ٢٦٣/١٢-٢٦٤. فتنبّه. والله تعالى أعلم. والحديث صحيحٌ، وهو من أفراد المصنّف رحمه اللَّه تعالى، أخرجه هنا-٢٣/ ٥٥٩٢- وفي ((الكبرى)) ٢٤/ ٥١٠٠. وسيأتي شرحه قريبًا، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٥٥٩٤- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَقُتَنِبَةُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَّرَ فَهُوَ حَرَامٌ))، قَالَ قُتَبِيَةُ: عَنِ النَّبِيِّ بََّ). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و((سفيان)): هو ابن عيينة. وقوله: ((كلُّ شراب أسكر الخ)): قال في ((الفتح)) ١/ ٤٧١: أي كان من شأنه الإسكار، سواء حصل السكر، أم لا،، قال الخطّابيّ: فيه دليلٌ على أن قليل المسكر وكثيره حرام، من أيّ نوع كان؛ لأنها صيغة عموم، أشير بها إلى جنس الشراب الذي يكون منه السكر، فهو كما لو قال: كلّ طعام أشبع فهو حلال، فإنه يكون دالّاً على حلّ كلّ طعام من شأنه الإشباع، وإن لم يحصل به لبعض، دون بعض. انتهى ((فتح)) ١/ ٤٧١ ((كتاب الوضوء)). وتمام البحث في الحديث يأتي في الذي بعده. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٥٥٩٥- (أَخْبَرَنَا قُتَنْبَةُ، عَنْ مَالِكِ حٍ وَأَنْبَأَنَا(١) سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَنَا(٢) عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ،َ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّ (١) وفي نسخة: ((أخبرنا)). (٢) وفي نسخة: ((أخبرنا)). ١٧٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِيَةِ رَسُولَ اللّهِ بِّهِ، سُئِلَ عَنِ الْبِتْعِ؟ فَقَالَ: ((كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ حَرَامٌ))، اللَّفْظُ لِسُوَيْدٍ). رجال هذا الإسناد : سبعة : ١- (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/١. ٢- (سويد بن نصر) أبو الفضل المروزيّ، ثقة [١٠] ٥٥/٤٥ . ٣- (عبد اللَّه) بن المبارك الإمام الحجة الثبت [٨] ٣٦/٣٢ . ٤- (مالك) بن أنس الإمام الحجة الثبت المدنيّ [٧] ٧/ ٧. ٥- (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهريّ المدنيّ الإمام الحجة الثبت [٤] ١/١. ٦- (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣]١/١. ٧- (عائشة) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها٥/٥ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى بالنسبة للسند الأول، ومن سداسياته بالنسبة للثاني، فهو أنزل من الأول بدرجة. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه الثاني، فقد تفرد به هو والترمذيّ. (ومنها): أنه مسلسل بثقات المدنيين، غير شيخيه، فالأول بغلانيّ، والثاني مروزيّ، كشيخه، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وهو أبو سلمة، وفيه عائشة رضي اللّه تعالى عنها من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ) تعالى (عَنْهَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ، سُئِلَ) بالبناء للمفعول (عَنِ الْبِتع؟) بكسر الموحدة، وسكون المثناة، وقد تفتح، وهي لغة يمانية. قاله في ((الفتح))، وقالَ النوويّ: هو بياء موحّدة مكسورة، ثم مثناة فوقُ ساكنة، ثم عين مهملة، وهو نبيذ العسل، وهو شراب أهل اليمن، قال الجوهريّ: ويقال: أيضًا: بفتح التاء المثنّاة، كقِمْع، وقَمَع. انتهى ((شرح مسلم)) ١٦٩/١٣. زاد في الرواية الآتية: ((والبتع هو نيذ العسل)). وفي رواية البخاري: ((وهو نبيذ العسل، وكان أهل اليمن يشربونه))، قال في ((الفتح)»: وظاهره أن التفسير من كلام عائشة، ويحتمل أن يكون من كلام من دونها، ووقع في رواية معمر، عن الزهري، عند أحمد مثل رواية مالك، لكن قال في آخره: ((والبتع نبيذ العسل))، وهو أظهر في احتمال الإدراج؛ لأنه أكثر ما يقع في آخر الحديث، وقد أخرجه مسلم من طريق معمر، لكن لم يسق لفظه. انتهى. ٢٣- (تحریم کُلُ شراب اسگرًا - حدیث رقم ٥٥٩٥ ١٧٧ قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: لفظ رواية معمر هي الرواية التالية لهذا الحديث عند المصنّف، وفيها: ((والبتع من العسل)). والله تعالى أعلم. قال الحافظ رحمه الله تعالى: ولم أقف على اسم السائل، في حديث عائشة صريحا، لكنني أظنه أبا موسى الأشعري، فقد تقدم في ((المغازي)) من طريق سعيد ابن أبي بردة، عن أبيه، عن أبي موسى، أن النبي ◌َّ بعثه إلى اليمن، فسأله عن أشربة، تُصنَع بها؟ فقال: ((ما هي؟)) قال: البتع، والمزر، فقال: ((كل مسكر حرام))، قلت لأبي بردة: ما البتع؟ قال: نبيذ العسل، وهو عند مسلم من وجه آخر، عن سعيد بن أبي بردة، بلفظ: فقلت: يا رسول اللَّه، أفتنا في شرابين، كنا نصنعهما باليمن: البتع من العسل، يُنبذ حتى يشتد، والمزر من الشعير والذرة يُنبذ حتى يشتد؟ قال: وكان النبي بَله، أعطى جوامع الكلم، وخواتمه، فقال: ((أنهى عن كل مسكر)). انتهى. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: حديث أبي موسى رَّ هو الآتي للمصنف بعد حديثين. والله تعالى أعلم. قال: وفي رواية أبي داود، التصريح بأن تفسير البتع مرفوع، ولفظه: سألت رسول اللَّه وَ لّر عن شراب من العسل؟ فقال: ((ذاك البتع))، قلت: ومن الشعير، والذرة؟ قال: ذاك الْمِزْر، ثم قال: ((أَخِزْ قومك أن كل مسكر حرام». وقد سأل أبو وهب الجيشاني، عن شيء مما سأله أبو موسى، فعند الشافعي، وأبي داود، من حديثه، أنه سأل النبي ﴿4* عن المزر؟ فأجاب بقوله: ((كل مسكر حرام». (فَقَالَ) بَّرِ (كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ حَرَامٌ) أي كل شراب صالح لأن يكون مسكرًا فإنه محرّم، فليس المراد تخصيص التحريم بحالة الإسكار، بل إذا كانت فيه صلاحية الإسكار حرم تناوله، ولو لم يسكر المتناول بالقدر الذي تناوله منه، كما فسّرته الروايات الأخرى: ((كلُّ مسكر حرام»، ويؤخذ من لفظ السؤال، أنه وقع عن حكم جنس البتع، لا عن القدر المسكر منه؛ لأنه لو أراد السائل ذلك، لقال: أخبرني عما يحل منه وما يحرم، وهذا هو المعهود من لسان العرب، إذا سألوا عن الجنس، قالوا: هل هذا نافع أو ضار مثلا، وإذا سألوا عن القدر، قالوا: كم يؤخذ منه؟. أفاده في ((الفتح)) ١١/ ١٦٤-١٦٥ . وقول: (اللَّفْظُ لِسُوَيِدٍ) يعني أن لفظ هذا المتن لشيخه سويد بن نصر، وأما شيخه قتيبة، فراوه بمعناه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. ١٧٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها هذا متفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٥٥٩٢/٢٣ و ٥٥٩٣ و٥٥٩٤ و ٥٥٩٥ و٥٥٩٦- وفي ((الكبرى)) ٢٤/ ٥١٠٠ و٥١٠١ و٥١٠٢ و٥١٠٣ و٥١٠٤. وأخرجه (خ) في ((الوضوء)) ٢٤٢ و ((الأشربة)) ٥٥٨٥ و٥٥٨٦ و٥٥٩٥ (م) في ((الأشربة)) ١٩٩٥ و١٩٩٦ و١٩٩٧ و١٩٩٨ و٢٠٠١ (د) في ((الأشربة)) ٣٦٨٧ و٣٣٨٦ (ت) في ((الأشربة)) ١٨٦٣ و١٨٦٦ (أحمد) في ((باقي مسند الأنصار)) ٢٣٥٦٢ و٢٣٦٨١ و ٢٣٩٠٣ و٢٣٩٨٦ و٢٤١٢٨ و٢٤١٣٥ و٢٤١٥٠ و٢٤٢٩٣ و٢٤٤٩٠ و٢٤٨٦٢ و٢٥٠٤٤ و٢٥٣٦٣ و(الموطأ) في ((الأشربة)) ١٥٩٥ (الدارمي) في ((الأشربة)) ٢٠٠٥. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان تحريم كلّ شراب أسكر. (ومنها): هذا من جوامع كلمه وَلجر. (ومنها): أنه يستحبّ للمفتي إذا رأى بالسائل حاجة أن يضمّه إلى المسئول عنه، ونظير هذا الحديث حديث: «هو الطهور ماؤه، الحلّ ميتته)). (ومنها): أن فيه تحريم كل مسكر، سواء كان متخذا من عصير العنب، أو من غيره. (ومنها): أنه استُدل بمطلق قوله: ((كل مسكر حرام) على تحريم ما يسكر، ولو لم يكن شرابا، فيدخل في ذلك الحشيشة وغيرها، وقد جزم النووي وغيره بأنها مسكرة، وجزم آخرون بأنها مُخَدِّرة، وهو مكابرة؛ لأنها تُحدِث بالمشاهدة ما يُحدث الخمر من الطرب، والنشأة، والمداومة عليها، والانهماك فيها، وعلى تقدير تسليم أنها ليست بمسكرة، فقد ثبت في أبي داود: النهي عن كل مسكر، ومُفَتِّر، وهو بالفاء. والله أعلم. قاله في ((الفتح)) ١٦٧/١١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): قال المازري رحمه الله تعالى: أجمعوا على أن عصير العنب قبل أن يشتد حلال، وعلى أنه إذا اشتد، وغلى، وقذف بالزبد حرم قليله وكثيره، ثم لو حصل له تخلل بنفسه، حل بالإجماع أيضا، فوقع النظر في تبدل هذه الأحكام عند هذه المتخذات، فأشعر ذلك بارتباط بعضها ببعض، ودل على أن علة التحريم الإسكار، فاقتضى ذلك أن کل شراب وُجد فيه الإسکار، حرم تناول قليله وكثيره. انتهى. قال الحافظ رحمه الله تعالى: وما ذكره استنباطا ثبت التصريح به في بعض طرق ٢٣- (تحریم کُلُ شراب اسْكَرَ) - حديث رقم ٥٥٩٥ ١٧٩ الخبر، فعند أبي داود، والنسائي، وصححه ابن حبان من حديث جابر رَّه ، قال: قال رسول اللّه وَ له: ((ما أسكر كثيره، فقليله حرام))، والنسائي ٥٦٠٩/٢٥ - من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مثله، وسنده إلى عمرو صحيح، ولأبي داود من حديث عائشة، مرفوعا: ((كل مسكر حرام، وما أسكر منه الفرق، فملء الكف منه حرام))، ولابن حبان، والطحاوي، من حديث عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، عن النبي ◌ِّيه، قال: ((أنهاكم عن قليل ما أسكر كثيره)). وقد اعترف الطحاوي بصحة هذه الأحاديث، لكن قال: اختلفوا في تأويل الحديث، فقال بعضهم: أراد به جنس ما يسكر، وقال بعضهم: أراد به ما يقع السكر عنده، ويؤيده أن القاتل لا يسمى قاتلا حتى يقتل، قال: ويدل له حديث ابن عباس رفعه: ((حُرّمت الخمر قليلها وكثيرها، والسكر من كل شراب)). انتهى. وهذا الحديث أخرجه النسائي ٥٦٨٦/٤٨- ورجاله ثقات، إلا أنه اختلف في وصله وانقطاعه، وفي رفعه ووقفه، وعلى تقدير صحته فقد رجح الإمام أحمد وغيره، أن الرواية فيه بلفظ: ((والمسكر)) - بضم الميم، وسكون السين- لا ((السكر - بضم، ثم سكون، أو بفتحتين- وعلى تقدير ثبوتها، فهو حديث فرد، ولفظه محتمل، فكيف يعارض عموم تلك الأحاديث، مع صحتها وکثرتها. وجاء عن عليّ عند الدارقطني، وعن ابن عمر عند ابن إسحاق، والطبراني، وعن خَوَات بن جبير، عند الدارقطني، والحاكم، والطبراني، وعن زيد بن ثابت، عند الطبراني، وفي أسانيدها مقال، لكنها تزيد الأحاديث التي قبلها قوة وشهرة. قال أبو المظفر ابن السمعاني: وكان حنفيا، فتحول شافعيا: ثبتت الأخبار عن النبي وَيّر، في تحريم المسكر، ثم ساق كثيرا منها، ثم قال: والأخبار في ذلك كثيرة، ولا مساغ لأحد في العدول عنها، والقول بخلافها، فإنها حجج قواطع، قال: وقد زَلَّ الكوفيون في هذا الباب، ورووا أخبارا معلولة، لا تُعارض هذه الأخبار بحال، ومن ظن أن رسول اللَّه وَ لل شرب مسكرا، فقد دخل في أمر عظيم، وباء بإثم كبير، وإنما الذي شربه کان حلوا، ولم یکن مسکرا. وقد روى ثمامة بن حزن القشيري، أنه سأل عائشة رضي اللَّه تعالى عنها عن النبيذ؟ فدعت جارية حبشية، فقالت: سل هذه، فإنها كانت تنبذ لرسول اللَّه وَلتر، فقالت الحبشية: كنت أنبذ له في سقاء من الليل، وأوكؤه، وأعلقه، فإذا أصبح شرب منه، أخرجه مسلم. وروى الحسن البصري، عن أمه، عن عائشة نحوه. ثم قال: فقياس النبيذ على الخمر بعلة الإسكار، والاضطراب من أجل الأقيسة، ١٨٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَشْرِبَةِ وأوضحها، والمفاسد التي توجد في الخمر توجد في النبيذ، ومن ذلك أن علة الإسكار في الخمر؛ لكون قليله يدعو إلى كثيره موجودة في النبيذ؛ لأن السكر مطلوب على العموم، والنبيذ عندهم عند عدم الخمر يقوم مقام الخمر؛ لأن حصول الفرح والطرب موجود في كل منهما، وإن كان في النبيذ غلظ وكدرة، وفي الخمر رقة وصفاء، لكن الطبع يحتمل ذلك في النبيذ؛ لحصول السكر كما تحتمل المرارة في الخمر؛ لطلب السكر، قال: وعلى الجملة فالنصوص المصرحة بتحريم كل مسكر، قل أو كثر، مغنية عن القياس. والله تعالى أعلم. وقد قال عبد الله بن المبارك: لا يصح في حل النبيذ الذي يسكر كثيره عن الصحابة شيء، ولا عن التابعين، إلا عن إبراهيم النخعي، قال: وقد ثبت حديث عائشة: ((كل شراب أسكر فهو حرام)). وأما ما أخرج ابن أبي شيبة، من طريق أبي وائل: ((كنا ندخل على ابن مسعود، فيسقينا نبيذا شديدا))، ومن طريق علقمة: ((أكلت مع ابن مسعود، فأتينا بنبيذ شديد، نبذته سیرین، فشربوا منه)). [فالجواب عنه]: من ثلاثة أوجه: [أحدها]: لو حُمل على ظاهره، لم يكن معارضا للأحاديث في تحريم كل مسكر. [ثانيها]: أنه ثبت عن ابن مسعود تحريم المسكر قليله وكثيره، فإذا اختلف النقل عنه، كان قوله الموافق لقول إخوانه من الصحابة، مع موافقة الحديث المرفوع أولى. [ثالثها]: يحتمل أن يكون المراد بالشدة شدة الحلاوة، أو شدة الحموضة، فلا یکون فيه حجة أصلا. وأسند أبو جعفر النحاس، عن يحيى بن معين، أن حديث عائشة: ((كل شراب أسكر، فهو حرام»، أصح شيء في الباب. وفي هذا تَعَقُّب على من نقل عن ابن معين أنه قال: لا أصل له، وقد ذكر الزيلعي في ((تخريج أحاديث الهداية))، وهو من أكثرهم اطلاعا: أنه لم يثبت في شيء من كتب الحديث نقل هذا عن ابن معين. انتهى. وكيف يتأتى القول بتضعيفه، مع وجود مخارجه الصحیحة، ثم مع كثرة طرقه، حتى قال الإمام أحمد: إنها جاءت عن عشرين صحابيا، فأورد كثيرا منها في ((كتاب الأشربة)) المفرد، فمنها ما تقدم، ومنها حديث ابن عمر المتقدم ذكره أول الباب-٥٥٨٩- وحديث عمر بلفظ: ((كل مسكر حرام))، عند أبي يعلى، وفيه الإفريقي، وحديث علي، بلفظ: ((اجتنبوا ما أسكر))، عند أحمد، وهو حسن، وحديث ابن مسعود، عند ابن ماجه، من طريق لين بلفظ عمر، وأخرجه أحمد من وجه آخر لين أيضا، بلفظ علي،