النص المفهرس

صفحات 341-360

٢٤ - (مَسِيرُ الْحَاكِمِ إِلَى رَعِيَّهِ ... - حديث رقم ٥٤١٥
٣٤١
تخصيصًا، ولا تمييزًا، ولا وهنًا. قاله في ((الفتح)) ١٥/ ٩٠ -٩١.
٥٤١٥- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمِ،
قَالَ: سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ سَعْدِ السَّاعِدِيَّ، يَقُولُ: وَقَعَ بَيْنَ حَيَيْنٍ مِنَ الْأَنْصَارِ كَلَامٌ، حَتَّى
تَرَامَوْا بِالْحِجَارَةِ، فَذَهَبَ النَِّيُّ وَّهِ؛ لِيُصْلِحَ بَيْتَهُمْ، فَحِضرَتِ الصَّلَاةُ، فَأَذَّنَ بِلَالٌ،
وَانْتُظِرَ رَسُولُ اللَّهِ وََّ، فَاخْتُبِسَ، فَأَقَامَ الصَّلَاةَ، وَتَقَدَّمَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَجَاءَ
النَّبِيُّ ◌َّهِ، وَأَبُو بَكْرِ يُصَلِّي بِالنَّاسِ، فَلَمَّا رَآهُ النَّاسُ صَفَّحُوا، وَكَانَ أَبُو بِكْرٍ لَّا يَلْتَفِتُ فِي
الصَّلَاةِ، فَلَمَّا سَمِعَ تَصْفِيحَهُمُ الْتَّفَتَ، فَإِذَا هُوَ بِرَسُولِ اللَّهِ وَهِ، أَرَادَ أَنْ يَتَأَخَّرَ، فَأَشَارَ
إِلَيْهِ أَنِ اثْبُتْ، فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَعْنِي يَدَيْهِ - ثُمَّ نَكَصَ الْقَهْقَرَى، وَتَقَدَّمَ رَسُولُ
اللَّهِ وَهِ، فَصَلَّى، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ وَِّ الصَّلَاةَ، قَالَ: ((مَا مَنَعَكَ أَنْ تَثْبُتَ؟)) قَالَ: مَا
كَانَ اللَّهُ لِيَرَى ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ، بَيْنَ يَدَيْ نَبِيِّهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: ((مَا لَكُمْ إِذَا
نَابَكُمْ شَيْءٍ فِي صَلَائِكُمْ صَفَّحْتُمْ، إِنَّ ذَلِكَ لِلنِّسَاءِ، مَنْ نَابَهُ شَيْءٍ فِي صَلَاتِهِ، فَلْيَقُلْ:
سُبْحَانَ اللَّهِ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه،
محمد بن منصور، وهو الْجَوّاز المكّيّ، فإنه من أفراد، وهو ثقة [١٠] ٢١/٢٠.
و((سفيان)): هو ابن عيينة. و((أبو حازم)): هو سلمة بن دينار التمّار الأعرج المدنيّ [٥].
وقوله: ((صفّحوا))- بتشديد الفاء- من التصفيح: أي ضربوا بأيديهم إعلامًا بحضور
النبيّ وَلّ. وقوله: ((يعني يديه)) أي رفع يديه حامدًا لله تعالى على إكرام النبيّ وَّ إياه
بالتقدّم بين يديه، ولكنه فَهِم أن الأمر للإكرام، لا للإيجاب، فاختار التأخر على امتثال
الأمر، وفيه أن سلوك الأدب أولى من امتثال الأمر الذي ليس للوجوب، وقد تقدم تمام
البحث في هذا في ((الصلاة)). وقوله: ((ثم نكص)): أي رجع على عقبيه.
وقوله: ((ما كان الله ليرى ابن أبي قُحافة الخ)): قاله هضمًا لنفسه، وتواضعًا لنبيّه
وَّر، حيث لم يقل: لي، ولا لأبي بكر، وعادة العرب إذا عظّمت الرجل ذكرته باسمه،
وكنيته، أولقبه، وفي غير ذلك تنسبه إلى أبيه، ولا تسمّيه. قاله في ((الفتح)) ١٥/ ٩١ .
وقوله: ((بين يدي نبيّه وَل9)) أي بلا ضرورة، فلا يرد عليه إمامته في مرضه وَلّر، مع ما
فيه من الاختلاف، والصحيح أنه هو الإمام، كما سبق بيانه مستوفّى في ((الصلاة)).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم في ((الإمامة)) ١٥/ ٧٩٣ . وسبق تمام شرحه، وبيان
مسائله هناك، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).

٣٤٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَاب الْقُضَاةِ
٢٥- (إِشَارَةُ الْحَاكِم عَلَى الْخَضْمِ
بالصُّلْح)
٥٤١٦- (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ اللَّيْثِ، عَنْ أَبِيِهِ، عَنْ
جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ بْنِ مَالِكِ الْأَنْصَارِيِّ،
عَنْ كَغْبَ بْنِ مَالِكِ، أَنَّهُ كَانَ لَهُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حَذْرَدِ الْأَسْلَمِيِّ - يَعْنِي دَيْنًا- فَلَقِيَهُ،
فَلَزِمَهُ، فَتَكَلَّمَا حَتَّى ارْتَفَعَتِ الْأَصْوَاتُ، فَمَرَّ بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ بِهِ، فَقَالَ: ((يَا كَعْبُ))،
فَأَشَّارَ بِيَدِهِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: ((النَّصْفَ))، فَأَخَذَ نِصْفًا مِمَّا عَلَيْهِ، وَتَرَكَ نِصْفًا).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير
شيخه، (الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ)) المراديّ المؤذِّن المصريّ، صاحب الشافعيّ، وهو ثقة،
[١١].
والسند مسلسلٌ بثقات المصريين، إلى الأعرج، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ:
جعفر، عن الأعرج.
وقوله: ((فمرّ بهما)): أي ظهر لهما، فلا منافاة بينه وبين ما تقدّم من قوله: ((فكشف
ستر حجر ته)).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم في ٢٠/ ٥٤١٠ ومضى تمام شرحه، وبيان مسائله
هناك، فراجعه تستفد. ومحلّ الاستدلال للترجمة قوله: ((فأشار بيده الخ))، حيث تصالحا
الخصمان بناءً على إشارته و 30. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
٢٦- (إِشَارَةُ الْحَاكِم عَلَى الْخَضْمِ
بِالْعَقْوِ)
٥٤١٧- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَوْفٍ، قَالَ:
حَدَّثَنِي حَمْزَةُ أَبُو عُمَرَ الْعَائِذِيُّ، قَالَّ: حَدَّثَنَا عَلْقَمَةُ بْنُ وَائِلٍ، عَنْ وَائِلٍ، قَالَ: شَهِدْتُ

٣٤٣
٢٧ - (إشارةُ الخَاكِم بالرفق) - حديث رقم ٥٤١٨
رَسُولَ اللَّهِ ،وَهِ حِينَ جَاءَ بِالْقَاتِلِ يَقُودُهُ وَلِيُّ الْمَقْتُولِ، فِي نِسْعَةٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَرِ،
لِوَلِيٌّ الْمَقْتُولِ: ((أَتَعْفُو؟)) قَالَّ: لَاَ، قَالَ: ((فَتَأْخُذُ الدِّيَةَ؟)) قَالَ: لَا، قَالَ: ((فَتَقْتُلُهُ؟)) قَالَ:
نَعَمْ، قَالَ: (اذْهَبْ بِهِ»، فَلَمَّا ذَهَبَ، فَوَلَّى مِنْ عِنْدِهِ دَعَاهُ، فَقَالَ: ((أَتَعْفُو؟)) قَالَ: لَا،
قَالَ: ((فَتَأْخُذُ الدِّيَةَ؟))، قَالَ: لَا، قَالَ: ((فَتَقْتُلُهُ؟)) قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ((اذْهَبْ بِهِ))، فَلَمَّا
ذَهَبَ، فَوَلَى مِنْ عِنْدِهِ دَعَاهُ، فَقَالَ: ((أَتَعْفُو؟)) قَالَ: لَا، قَالَ: ((فَتَأْخُذُ الدِّيَةَ؟)) قَالَ: لَا،
قَالَ: ((فَتَقْتُلُهُ؟)) قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ((اذْهَبْ بِهِ))، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَهِ عِنْدَ ذَلِكَ: ((أَمَا إِنَّكَ
إِنْ عَفَوْتَ عَنْهُ، يَيُوءُ بِإِثْمِهِ وَإِثْم صَاحِبِكَ))، فَعَفَا عَنْهُ، وَتَرَكَهُ، فَأَنَا رَأَيْتُهُ يَجُرُّ نِسْعَتَهُ).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا
غير مرّة. و((يحيى بن سعيد)): هو القطّان. و((عوفٌ)): ابن أبي جَميلة الأعرابيّ. و((حمزة
أبو عُمَر العائذيّ)): هو حمزة بن عمرو الضبّيّ البصريّ، صدوق [٤] ٤٩٨/٣.
وقوله: ((بنسعة)): بكسر النون: قطعة جلد تجعل زمامًا للبعير وغيره.
وقوله: ((يبوء بإثمه وإثم صاحبك)): أي المقتول.
والحديث أخرجه مسلم، وقد تقدّم في ((القسامة)) ٤٧٢٦/٦- سندًا ومتنا، ومضى
شرحه مستوفّى، وكذا بيان مسائله هناك، والاستدلال به هنا لما ترجم له المصنّف
رحمه الله تعالى واضح، حيث طلب النبيّ وَّر من الوليّ العفو بقوله: ((أتعفو؟)). والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
٢٧- (إِشَارَةُ الْحَاكِم بِالرِّفْقِ)
٥٤١٨- (أَخْبَرَنَا قُتَنْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنٍ شِهَابٍ، عَنْ عُزْوَةَ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ أَنَّ
عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ، أَنَّ رَجُلَا مِنَ الْأَنْصَارِ خَصَمَ الزُّبَيْرَ، إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَِّ، فِي
شِرَاجِ الْحَرَّةِ، الَّتِي يَسْقُونَ بِهَا النَّخْلَ، فَقَالَ: الْأَنْصَارِيُّ سَرِّح الْمَاءَ يَمُرُّ، فَأَبَّى عَلَيْهِ،
فَاخْتَصَمُوا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((اسْقِ يَاَ زُبَيْرُ، ثُمَّ أَرْسِلِ الْمَاءَ إِلَى
جَارِكَ)) فَغَضِبَ الْأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ؟ فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولٍ
اللَّهِ وَلِّ، ثُمَّ قَالَ: ((يَا زُبَيْرُ اسْقٍ، ثُمَّ اخْبِسِ الْمَاءَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْجَدْرِ))، قَالَ الزُّبَيْرُ:
إِنِّي أَحْسَبُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ: ﴿فَلَ وَرَيِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ الْآيَةَ).

٣٤٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَاب الْقُضَاةِ
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا
غير مرّة.
وقوله: ((في شراج الحرّة)): بالكسر: جمع شرجة: وهي مسيل الماء. وقوله: ((سرّح
الماء»: أي أرسله. وقوله: ((فتلوّن)): أي تغيّر. وقوله: ((الجدر)) بفتح، فسكون: ما
رفع حول المزرعة كالجدار، وقيل: غير ذلك.
والحديث متفقٌ عليه، وقد تقدّم قريبًا في١٩/ ٥٤٠٩/١٩ - وسبق شرحه مستوفّی،
وكذا بيان مسائله هناك، فراجعه تستفد، واستدلال المصنف رحمه الله تعالى به على
الترجمة واضح، حيث أمر النبيّ وَلقر الزبير وتنميه بما هو أرفق للأنصاريّ، وهو أن يسقي
نخله، ثم يرسله له، فهذا هو الإشار بالأمر بالرفق، لكنه لَمّا أساء ظنه برسول اللَّه وَلَّه
واتهمه بالميل إلى ابن عمّته؛ جهلاً منه وجفاءً حكم للزبير باستيفاء حقّه منه، وهو أن
يمسك الماء بعد أن يستقي حتى يرتفع إلى الكعب، وهو المراد بالجدر. واللَّه تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنيب)).
٢٨- (شَفَاعَةُ الْحَاكِم لِلْخُصُومِ قَبْلَ
فَضْلِ الْحُكّمِ)
٥٤١٩- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ
عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ، كَانَ عَبْدًا يُقَالُ لَهُ: مُغِيثٌ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ
يَطُوَفُ خَلْفَهَا، يَبْكِي وَّدُمُوعُهُ تَسِيلُ عَلَى لِحْيَتِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ نَّهِ لِلْعَبَّاسِ: يَا عَبَّاسُ، أَلَا
تَعْجَبُ مِنْ حُبِّ مُغِيثٍ بَرِيرَةً، وَمِنْ بُغْضِ بَرِيرَةَ مُغِيثًا))، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ وَّرُ: ((لَوْ
رَاجَعْتِيهِ، فَإِنَّةُ أَبُو وَلَدِكِ؟)) قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَأْمُرُنِي؟ قَالَ: ((إِنَّمَا أَنَا شَفِيْعٌ))، قَالَتْ:
فَلَا حَاجَةَ لِي فِهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (محمد بن بشّار) بُندار، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٢٧/٢٤.
٢- (عبد الوهاب) بن عبد المجيد الثقفي البصريّ، ثقة تغيّر قبل موته بثلاث سنين

٣٤٥
- حديث رقم ٥٤١٩
٢٨- (شَفَعَةُ الْحَاكِم لِلْخُصُوم قبَلَ .
[٨] ٤٨/٤٢ .
٣- (خالد) بن مهران الحذّاء، أبو المنازل البصريّ، ثقة يرسل [٥] ٧ /٦٣٤.
٤- (عكرمة) أبو عبد الله المدنيّ، مولى ابن عبّاس، ثقة ثبت فقيه [٣] ٣٢٥/٢.
٥- (ابن عباس) عبد البحر الحبر رضي اللّه تعالى عنهما٣١/٢٧. والله تعالى
أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين. (ومنها): أن شيخه أحد مشايخ
الجماعة بلا واسطة. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه ابن
عبّاس أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، روى (١٦٩٦). والله تعالى
أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي اللّه تعالى عنهما (أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةً) قيل: اسم أبيها صفوان،
وكانت له صحبة، وقيل: إنها نَبَطيّة- بفتح النون، والموحّدة، وقيل: إنها قبطيّة. وقد
تقدّم تمام البحث في ذلك في ((كتاب الطلاق)) (كَانَ عَبْدًا) هذا صريح في کون زوج
بريرة حين أعتقت عبدًا، وقد تقدّم في ((كتاب الطلاق)) - ٣٤٤٧/٢٩ - ((باب خيار الأمة))
اختلاف الروايات في ذلك، وأن الأرجح رواية من قال: إنه عبد. والله تعالى أعلم.
(يُقَالُ لَهُ: مُغِيثٌ) وهو مولى لآل المغيرة من بني مخزوم (كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَطُوفُ خَلْفَهَا)
وفي رواية: ((يتبعها في سكك المدينة))، والسكك- بكسر المهملة، وفتح الكاف: جمع
سكّة، وهي الطرق (يَبْكِي وَدُمُوعُهُ تَسِيلُ عَلَى لِخِيَتِهِ) زاد في رواية: ((يترضّاها لتختاره،
فلم تفعل))، وظاهر هذه الرواية أن سوؤاله لها كان قبل الفرقة، وظاهر قول النبيّ وَّر في
رواية الباب: ((لو راجعته)) أن ذلك كان بعد الفرقة، وبه جزم ابن بطّال، فقال: لو كان
قبل الفرقة لقال: لو اخترته. ويحتمل أن يكون وقع له ذلك قبلُ وبعدُ. قاله في ((الفتح))
٥١٣/١٠ (فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ لِلْعَبَّاسِ) بن عبد المطّلب، عم رسول اللَّه ◌ِ له (يَا عَبَّاسُ، أَلَا
تَعْجَبُ) بفتح الجيم، من باب تعجب (مِنْ حُبِّ مُغِيثٍ بَرِيرَةً، وَمِنْ بُغْضٍ بَرِيرَةً مُغِيثًا)
مع أن المعتاد أن الحبّ يكون من الطرفين (فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ◌َِّ: (لَوْ رَاجَعْتِيهِ) كذا وقع
هنا وفي ((سنن ابن ماجه)): ((لو راجعتيه)) بإثبات التحتانية الساكنة، بعد المثنّاة الفوقية،
وهي لغة ضعيفة (فَإِنَةً أَبُو وَلَدِكِ) يدلّ على أنه كان له منها ولد (قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ،

= ٣٤٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَاب الْقُضَاةِ
◌َتَأْمُرُنِي؟) زاد في رواية الإسماعيليّ: قال: لا))، وفيه إشعار بأن الأمر لا ينحصر في
صيغة الفعل؛ لأنه خاطبها بقوله: ((لو راجعته، فقالت: أتأمرني)): أي تريد بهذا القول
الأمر، فيجب عليّ؟، وعند ابن مسعود من مرسل ابن سيرين بسند صحيح: ((فقالت: يا
رسول اللّه، أشيء واجب عليّ؟ قال: لا)) (قَالَ) ◌ِ ◌ِِّ (إِنَّمَا أَنَا شَفِيعٌ) وفي رواية ابن
ماجه: ((إنما أنا أشفع)): أي أقول ذلك على سبيل الشفاعة له، لا على سبيل الأمر الحتم
عليك (قَالَتْ) بريرة (فَلَا حَاجَةَ لِي فِيهِ) أي فإذا لم تُلزمني بذلك، لا أختار العود إليه،
وزاد في رواية للبخاريّ: ((وخُيّرت، فاختارت نفسها، وقالت: لو أعطيت كذا وكذا ما
كنت عنده)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان،
وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥٤١٩/٢٨- وفي ((الكبرى)) ٥٩٧٨/٣٢. وأخرجه (خ) في ((الصلاق))
٥٢٨٠ و٥٢٨١ و٥٢٨٢ و٥٢٨٣ (د) في ((الطلاق)) ٢٢٣١ و٢٢٣٢ (ت) في ((الرضاع))
١١٥٦ (ق) في ((الطلاق)) ٢٠٧٥ (أحمد) في ((مسند بني هاشم)) ١٨٤٧ و٢٥٣٨
و٣٣٩٥ (الموطأ) في ((الطلاق)) ٣١٩٠. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان استحباب شفاعة الحاكم
في الرفق بالخصم حيث لا ضرر، دون إلزام. (ومنها): أنه لا لوم على الخصم في عدم
قبوله الشفاعة، ولا غضب عليه، ولو عظم قدر الشافع. (ومنها): أنه لا يجب على
المشفوع عنده قبول الشفاعة. (ومنها): جواز الشفاعة قبل أن يسأل المشفوع له؛ لأنه
لم يُنقل أن مغيئًا سأل النبيّ وَ لير أن يشفع له، كذا قيل: لكن ورد في بعض طرق
الحديث أن العبّاس ◌َّ هو الذي سأل النبيّ ◌َ للتر في ذلك، فيحتمل أن يكون مغيث
سأل العبّاس في ذلك، ويحتمل أن يكون العبّاس ابتدأ من قبل نفسه؛ شفقةً منه على
مغيث. (ومنها): استحباب إدخال السرور على قلب المؤمن. (ومنها): تنبيه الصاحب
صاحبه على الاعتبار بآيات الله تعالى، وأحكامه؛ لتعجيب النبيّ وَلّ العبّاس من حبّ
مغيث بريرة. (ومنها): حسن أدب بريرة رضي اللّه تعالى عنها؛ حيث إنها لم تفصح بردّ
الشفاعة، بل قالت: ((لاحاجة لي فيه)). (ومنها): أن فرط المحبّة يُذهب الحياء.

-٣٤٧
٢٩- (منعُ الحاکم رعِینهُ مِن ◌ِتلافٍ ... - حديث رقم ٥٤٢٠
(ومنها): استحباب الإصلاح بين المتنافرين، سواء كانا زوجين، أم لا، ويتأكد إذا كان
التنافر بين الزوجين لهما ولد. (ومنها): أن الشافع ينبغي له أن يذكر للمشفوع عنده ما
يبعثه على قبوله من مقتضى الشفاعة، والحامل عليها، حيث قال ◌َّله: ((إنه أبو ولدك)).
وفي حديث قصّة بريرة رضي اللّه تعالى عنها هذا فوائد كثيرة، قد استوفيتها في ((كتاب
الطلاق))، فارجع إليه تزدد علمًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
٢٩- (مَنْعُ الْحَاكِم رَعِيَّتَهُ مِنْ إِثْلَافٍ
أَمْوَالِهِمْ، وَبِهِمَّ حَاجَةٌ إِلَيْهَا)
٥٤٢٠- (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ وَاصِلِ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَاضِرُ بْنُ
الْمُؤَرِّعِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ سَلَمَةَ بَنِ كُهَيْلِ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ،
قَالَ: أَعْتَقَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، غُلَامًا لَهُ عَنْ ذُبُرٍ، وَكَانَ مُحْتَاجًا، وَكَانَ عَلَّيْهِ دَيْنٌ، فَبَاعَهُ
رَسُولَ اللّهِ وَّهِ بِثَمَانِ مِائَةِ دِرْهَم، فَأَعْطَاهُ، فَقَالَ: ((اقْضِ دَيْنَكَ، وَأَنْفِقْ عَلَى عِيَالِكَ))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ وَاصِلِ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى)): هو
الأسديّ الكوفيّ، ثقة، من كبار [١٠] ٦١٨/٥٤ من أفراد المصنّف، والترمذيّ.
و((مُحَاضِرُ- بضاد معجمة - ابْنُ الْمُوَرِّع))- بضم الميم، وفتح الواو، وتشديد الراء
المكسورة، بعدها مهملة- الهمداني اليامي، ويقال: السلولي، ويقال: السكوني
الكوفيّ، صدوقٌ له أوهام [٩].
رَوَى عن عاصم الأحول، والأعمش، ومجالد، وهشام بن عروة، وهشام بن
حسان، وسعد بن سعيد الأنصاري، وأجلح الكندي، ومجالد بن سعيد، وغيرهم.
وعنه أحمد بن حنبل، وأبو بكر، وعثمان ابنا أبي شيبة، وحجاج بن الشاعر، ومحمد
ابن عبد الله بن نمير، ومحمد بن إسحاق الصغاني، ومحمد بن يحيى الذهلي،
ويوسف بن موسى القطان، وأبو داود الحراني، وأحمد بن سليمان الرهاوي، وعبد
الأعلى بن واصل، والحسن بن علي بن عفان، وآخرون.
قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: سمعت منه أحاديث، لم يكن من أصحاب

٣٤٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَاب الْقُضَاةِ
الحديث، كان مُغَفَّلاً جدا. وقال أبو زرعة: صدوق صدوق. وقال أبو حاتم: ليس
بالمتين، يكتب حديثه. وقال الآجري، عن أبي داود: قال ابن المبارك: أعرفه قديما،
قال: وكان شريك إذا لم يحضر صلى محاضر. وقال في موضع آخر عن أبي داود: قال
أبو سعيد الحداد: محاضر لا يحسن أن يصدق، فكيف يحسن أن يكذب، كنا نوقفه
على الخطأ في كتابه، فإذا بلغ ذلك الموضع أخطأ. قال الآجري: وكان إمام الحي.
وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن عدي: روى عن الأعمش أحاديث صالحة
مستقيمة، ولم أر في حديثه حديثا منكرا، فأذكرَهُ، إذا روى عنه ثقة. وذكره ابن حبان
في ((الثقات)). وقال ابن سعد: كان ثقة صدوقا، ممتنعا عن التحديث، ثم حَدّث بعدُ.
وقال ابن قانع: ثقة. وقال مسلمة بن قاسم: ثقة مشهور، وكان على رأي أهل الكوفة
في النبيذ.
قال ابن سعد: مات سنة ست ومائتين. روى له مسلم حديثا واحدا متابعة، وذكره
البخاري في ((الحج))، وفي حديث آخر في ((البيوع))، وروى له المصنّف، وأبو داود،
وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا، وفي ((كتاب الاستعاذة)) حديث زيد بن أرقم
مرفوعًا: ((اللَّهم إني أعوذ بك من العجز والكسل ... )) الحديث.
و((سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ)): هو الحضرميّ، أبو يحيى الكوفيّ، ثقة [٤] ٣١٢/١٩٥.
و(«عَطَاءِ»: هو ابن أبي رباح.
وقوله: ((أعتق رجل)): تقدّم في)) البيوع)) أنه رجل من بني عُذرة، وفي رواية: رجل
من الأنصار، يقال له: أبو مذكور. وقوله: ((غلاما له)): تقدّم أن اسمه يعقوب.
وقوله: ((اقض دينك، وأنفق على عيالك)): وفي الرواية السابقة: ((ثم قال: ابدأ
بنفسك، فتصدّق عليها، فإن فضل شيء، فلأهلك، فإن فضل من أهلك شيء، فلذي
قرابتك، فإن فضل من ذي قرابتك شيء، فهكذا، وهكذا، وهكذا، يقول: بين يديك،
وعن يمينك، وعن شمالك)).
والحدیث متفقٌ عليه، وقد تقدّم في ((البيوع)) ٨٤/ ٤٦٥٤ ومضی تمام شرحه، وبيان
مسائله، فراجعه هناك تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
واستدلال المصنف رحمه اللّه تعالى به على الترجمة يؤخذ من كونه ◌َل فر أبطل تدبير
الرجل غلامه، وباعه عليه؛ لأنه يدلّ على أن للحاكم أن يمنع الناس من أن يُتلفوا
أموالهم التي يحتاجون إليها، ولو كان ذلك الإتلاف في وجوه الخير والصلاح؛ لأن
حاجة الإنسان مقدّمة على تبرّعه على غيره. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.

=
٣٤٩
٣٠- (الْقَضَاءُ فِي قَلَيْلِ الْمَالِ وَكَثِيرِهِ) - حديث رقم ٥٤٢١
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
٣٠- (الْقَضَاءُ فِي قَلِيلِ الْمَالِ
وَكَثِيرِهِ)
٥٤٢١- (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ، عَنْ مَعْبَدٍ
ابْنِ كَعْبٍ، عَنْ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ إِ، قَالَ: ((مَن
اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ، فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ))، فَقَالَ لَهُ
رَجُلٌ: وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا، يَا رَسُولَ اللَّهِ؟، قَالَ: ((وَإِنْ كَانَ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكِ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (عليّ بن حُجر) السعديّ المروزيّ، ثقة حافظ، من صغار [٩].١٣/١٣.
٢- (إسماعيل) بن جعفر بن أبي كثير الأنصاريّ الزرقيّ المدنيّ القارىء، ثقة ثبت
[٨] ١٦ / ١٧ .
٣- (العلاء) بن عبد الرحمن بن يعقوب الْحُرَقِيّ، أبو شِبْل المدنيّ، صدوقٌ، ربّما
وَهِم [٥] ١٤٣/١٠٧.
٤- (معبد بن كعب) بن مالك الأنصاريّ السَّلَميّ المدنيّ، ثقة(١) [٣] ٤٨ /١٩٣٠.
٥- (عبد الله بن كعب) بن مالك: هو الأنصاريّ المدنيّ، ثقة، يقال: له رؤية [٢]
٧٣١/٣٨ .
٦- (أبو أمامة) اسمه إياس بن ثعلبة، ويقال: عبد الله بن ثعلبة بن عبد الله، حليف
بني حارثة، وهو ابن أخت أبي بُردة بن نيار. وقال أبو حاتم: ثعلبة بن عبد الله بن
سهلٍ. روى عن النبيّ، وعن عبد الله بن أنيس الْجُهنيّ. وعنه ابنه عبد الله، وعبد الله
ابن أُنيس الْجُهَنيّ، وعبد الله بن كعب بن مالك، ومحمد بن زيد بن المهاجر بن قُنْفُذ.
وقال أبو أحمد الحاكم: ردّه النبيّ وَ لّ من بدر من أجل أمه، فلَمّا رجع وجدها ماتت،
فصلّى عليها. رواه عبد اللَّه بن المنيب، عن جدّه عبد الله بن أبي أمامة، عن أبيه،
(١) قال عنه في ((التقريب)): مقبول، لكن فيه نظر؛ لأنه روى عنه جماعة، ووثقه ابن حبّان، وأخرج له
مسلم، وله في البخاريّ حديث واحد، فالحقّ أنه ثقة، فتأمل . والله تعالى أعلم .

٣٥٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَابِ الْقُضَاةِ
ورجّح كونه إياس بن ثعلبة. روى له مسلم، والأربعة، له عندهم هذا الحديث، وعند
أبي داود، وابن ماجه حديث آخر أيضًا: حديث ((إن البذاذة من الإيمان)). والله تعالى
أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بثقات المدنيين، غير شيخه، فمروزيّ.
(ومنها): فيه رواية ثلاثة من التابعين بعضهم عن بعض: العلاء، عن معبد، عن عبد الله
بن كعب، ورواية الراوي عن أخيه. (ومنها): أن صحابيّه من المقلّين ليس له في الكتب
الخمسة إلا هذا الحديث، وآخر عند أبي داود، وابن ماجه. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي أُمَامَةَ) قال النوويّ رحمه اللّه تعالى في ((شرح مسلم) ٢/ ١٥٩: [اعلم]:
أن أبا أمامة هذا ليس هو أبا أمامة الباهلى، صُدَىَّ بن عجلان المشهور، بل هذا غيره،
واسم هذا إياس بن ثعلبة الأنصارى الحارثيّ، من بنى الحرث بن الخزرج، وقيل: إنه
بلويّ، وهو حليف بنى حارثة، وهو ابن أخت أبى بردة بن نيار، هذا هو المشهور في
اسمه، وقال أبو حاتم الرازى: اسمه عبد الله بن ثعلبة، ويقال: ثعلبة بن عبد الله.
[ثم اعلم]: أن هنا دقيقةً، لابد من التنبيه عليها، وهي أن الذين صنفوا في أسماء
الصحابة رضى الله عنهم، ذكر كثير منهم، أن أبا أمامة هذا الحارثيّ رضى الله عنه،
تُوُفي عند انصراف النبيّ وَّر من أحد، فصلى عليه، ومقتضى هذا التاريخ أن يكون هذا
الحديث الذى رواه مسلم منقطعًا، فإن عبد الله بن كعب تابعيّ، فكيف يَسمَع من تُوفي
عام أحد في السنة الثالثة من الهجرة، ولكن هذا النقل في وفاة أبى أمامة ليس بصحيح،
فإنه صَحّ عن عبد الله بن كعب، أنه قال: حدثنى أبو أمامة، كما ذكره مسلم في الرواية
الثانية، فهذا تصريح بسماع عبد الله بن كعب التابعيّ منه، فبطل ما قيل في وفاته، ولو
كان ما قيل في وفاته صحيحًا، لم يخرج مسلم حديثه، ولقد أحسن الإمام أبو البركات
الجزريّ، المعروف بابن الأثير، حيث أنكر في كتابه ((معرفة الصحابة .* له)) هذا القول
في وفاته. والله أعلم. انتهى (شرح مسلم)) ١٦٠/٢.
(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِّهِ، قَالَ: ((مَنِ اقْتَطَعَ) افتعال من القطع للمبالغة، قال القرطبيّ رحمه
اللَّه تعالى: وهو الأخذ هنا؛ لأن من أخذ شيئًا لنفسه، فقد قطعه عن مالكه. قاله في
((المفهم)) ٣٤٧/١ (حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِم بِيَمِينِهِ) أي بسبب يمينه الكاذبة (فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَّهُ

٣٥١ =
٣٠- (القَضَاءُ فِي قلَیل المالِ و کثیره) - حدیث رقم ٥٤٢١
الثَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ))) قال القرطبيّ: أي إذا كان مستحلًا لذلك، فإن كان غير
مستحلّ، وكان ممن لم يُغفر له، فيعذّبه الله تعالى في النار ما شاء من الآباد، وفيها تحرُم
عليه الجنّة، ثم يكون حاله كحال أهل الكبائر من الموحدين، على ما تقدّم. انتهى
(«المفهم)) ٣٤٧/١.
(فَقَالَ لَهُ) أي للنبيّ ◌َّهِ (رَجُلٌ: وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟) أي وإن كان
الحقّ المقتطع شيئًا قليلاً من المال (قَالَ) ◌ِ ◌ِ﴿ ﴿وَإِنْ كَانَ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكِ) اسم ((كان)»
ضمير يعود إلى حقّ امرىء، ويحتمل أن يعود إلى ((شيئًا يشيرًا))، وفي رواية مسلم:
((وإن قضيبًا من أراك))، وفي بعض نسخه: ((وإن قضيب)) بالرفع، قال النوويّ: هكذا هو
بالرفع في بعض الأصول، أو أكثرها، وفى كثير منها: ((وإن قضيبا»، على أنه خبر
((كان)) المحذوفة، أو أنه مفعول لفعل محذوف، تقديره: وإن اقتطع قضيبا. انتهى.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي أمامة رضي اللَّه تعالى عنه هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥٤٢١/٣٠ - وفي ((الكبرى)) ٥٩٨٠/٣٤. وأخرجه (م) في ((الإيمان))
١٣٧ (ق) في ((الأحكام)) ٢٣٢٤ (أحمد) في ((باقي مسند الأنصار)) ٢١٧٣٦ (الموطأ) في
(الأقضية)) ١٤٣٥ (الدارميّ) في ((البيوع)) ٢٤٩٠. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان مشروعيّة القضاء في قليل
المال وكثيره، ووجه دلالة الحديث على ذلك أنه لمّا ذكر النبيّ وَلّ أن من اقتطع حقّ
امرى مسلم، وإن كان شيئًا يشيرًا، دلّ على أن اقتطاع القليل محرّم، وظلم ككثيره،
ومعلوم أن من ظلم غيره، رافعه المظلوم إلى الحاكم، فإذا رفع إليه وجب عليه القضاء
فيه، كما يجب عليه القضاء في كثير المال بلا فرق؛ إذ الكلّ ظلم؛ وقضاؤه هو الذي
يدفع الظلم عن المظلوم. والله تعالى أعلم. (ومنها): تحريم مال المسلم مطلقًا، كثيرًا
كان، أو قليلًا. (ومنها): أن اليمين الفاجرة من الكبائر؛ لتوعّد الشارع عليها بأنها موجبة
للنار، ومحرّمة للجنة. (ومنها): ما قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى: أنه يستفاد منه أن
اليمين الغَمُوس لا يرفع إثمها الكفّارة، بل هي أعظم من أن يكفّرها شيء، كما هو
مذهب مالك رحمه الله تعالى. انتهى. ((المفهم)) ٣٤٧/١. والله تعالى أعلم

٣٥٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَاب الْقُضَاةِ
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)) .
٣١- (قَضَاءُ الْحَاكِم عَلَى الْغَائِبِ إِذَا
عَرَفَةٌ)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: المراد أن يقضي في حقوق الآدميين دون حقوق الله
بالاتفاق، حتى لو قامت البينة على غائب بسرقة مثلًا، حكم بالمال دون القطع. أفاده
في ((الفتح)) ١٥/ ٧٧ . والله تعالى أعلم بالصواب.
٥٤٢٢- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا(١) وَكِيعْ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ
عُزْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: جَاءَتْ هِنْدٌ إِلَى رَسُولِ اللّهِ وَِّ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ
اللَّهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، وَلَا يُتْفِقُ عَلَيَّ وَوَلَدِي مَا يَكْفِينِ، أَفَآَخُذُ مِنْ مَالِهِ، وَلَا
يَشْعُرُ؟، قَالَ: ((خُذِي مَا يَكْفِيكِ، وَوَلَدِكِ بِالْمَعْرُوفِ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه الحنظليّ المروزيّ، ثقة ثبت فقيه [١٠]٢/٢.
٢- (وكيع) بن الجرّاح بن مَلِيح، أبو سفيان الكوفيّ، ثقة ثبت عابد [٩] ٢٥/٢٣.
[تنبيه]: وقع في نسخ ((الكبرى)) هنا ((أبو معاوية)) بدل وكيع، وما في ((المجتبى)) هو
الذي في ((تحفة الأشراف)) ٢١٣/١٢. فالله تعالى أعلم.
٣- (هشام بن عروة) الأسديّ، أبو المنذر المدنيّ، ثقة فقيه ربما دلّس [٥]٤٩/ ٦١.
٤ - (أبوه) عروة بن الزبير بن العوام المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣] ٤٤/٤٠.
٥- (عائشة) رضي الله تعالى عنها٥/٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين غير شيخه، فمروزيّ، ووكيع،
(١) وفي نسخة: ((أخبرنا)).

٣٥٣
٣١- (قضاء الحاکِم علی الغائب إِذاً عرفه) - حديث رقم ٥٤٢٢
فكوفيّ. (ومنها): أن فيه الابن عن أبه، عن خالته، رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه عروة
أحد الفقهاء السبعة، وفيه عائشة رضي اللّه تعالى عنها من المكثرين السبعة، روت
(٢٢١٠) أحاديث. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين رضي اللّه تعالى عنها، أنها (قَالَتْ: جَاءَتْ هِنْدٌ) يجوز
صرف هند وعدم صرفه؛ لكونه ساكن الوسط، ومنعه أولى؛ لوجود العلّتين: العلميّة
والتأنيث، وإن كان سكون الوسط قابل أحدهما، كما قال في ((الخلاصة)):
وَجْهَانِ فِي الْعَادِمِ تَذْكِيرًا سَبَقْ وَعُجْمَةً كَـهِنْدَ)) وَالْمَنْعُ أَحَقُّ
وفي رواية البخاريّ: ((أن هندًا بنت عتبة))، قال في (الفتح)): كذا في هذه الرواية
(هند) بالصرف، ووقع في رواية الزهري، عن عروة الماضية في ((المظالم)) بغير صرف
((هند بنت عتبة بن ربيعة)): أي ابن عبد شمس بن عبد مناف، وفي رواية الشافعي، عن
أنس بن عياض، عن هشام: ((أن هندا، أم معاوية))، وكانت هند لَمّا قُتل أبوها عتبة،
وعمها شيبة، وأخوها الوليد يوم بدر، شَقّ عليها، فلما كان يوم أحد، وقُتل حمزة
فَرِحت بذلك، وعَمَدت إلى بطنه فشقتها، وأخذت كبده فلاكتها، ثم لفظتها، فلما كان
يوم الفتح، ودخل أبو سفيان مكّة مسلما، بعد أن أسرته خيل النبي وَل هر تلك الليلة،
فأجاره العباس، غضبت هند لأجل إسلامه، وأخذت بلحيته، ثم إنها بعد استقرار النبي
وَالثّ بمكة جاءت، فأسلمت، وبايعت، وقالت له: يا رسول الله، ما كان على ظهر
الأرض من أهل خباء، أحب إليّ أن يَذِلّوا من أهل خبائك، وما على ظهر الأرض اليومَ
أهل خباء أحب إلىّ أن يَعِزّوا من أهل خبائك، فقال: ((أيضا، والذي نفسي بيده))، ثم
قالت: يا رسول اللَّه، أن أبا سفيان ... الخ، وذكر ابن عبد البر: أنها ماتت في
المحرم، سنة أربع عشرة، يوم مات أبو قحافة، والد أبي بكر الصديق *». وأخرج
ابن سعد في ((الطبقات)): ما يدل على أنها عاشت بعد ذلك، فروى عن الواقدي، عن
ابن أبي سبرة، عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم: أن عمر استعمل معاوية على عمل
أخيه، فلم يزل واليا لعمر حتى قُتل، واستُخلف عثمان، فأقره على عمله، وأفرده بولاية
الشام جميعا، وشخص أبو سفيان إلى معاوية، ومعه ابناه: عتبة، وعنبسه، فكتبت هند
إلى معاوية، قد قدم عليك أبوك وأخواك، فاحمل أباك على فرس، وأعطه أربعة آلاف
درهم، واحمل عتبة على بغل، وأعطه ألفي درهم، واحمل عنبسة على حمار، وأعطه
ألف درهم، ففعل ذلك، فقال أبو سفيان أشهد بالله، أن هذا عن رأي هند.
وكان عتبة منها، وعنبسة من غيرها، أمه عاتكة بنت أبي أزيهر الأزدي، وفي

-
٣٥٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَاب الْقُضَاةِ
((الأمثال)) للميداني: أنها عاشت بعد وفاة أبي سفيان، فإنه ذكر قصة فيها: أن رجلا سأل
معاوية أن يزوجه أمه، فقال: إنها قعدت عن الولد، وكانت وفاة أبي سفيان في خلافة
عثمان، سنة اثنتين وثلاثين. قاله في ((الفتح)) ٦٣٦/١٠ - ٦٣٧.
(إِلَى رَسُولِ اللّهِ إِلَ﴾ متعلّق بـ«جاءت)) (فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ) هو
صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس، زوجها، وكان قد رَأْس في قريش بعد وقعة
بدر، وسار بهم في أحد، وساق الأحزاب يوم الخندق، ثم أسلم ليلة الفتح.
(رَجُلٌ شَحِيحٌ) الشح: البخل مع حرص، والشح أعم من البخل؛ لأن البخل يختص
بمنع المال، والشح بكل شيء. وقيل: الشح لازم كالطبع، والبخل غير لازم.
ولفظ ((الكبرى)): ((رجل مُمْسِك))، وفي رواية للشيخين: ((رجل مِسِيك)): واختلف
في ضبطه، فالأكثر بكسر الميم وتشديد السين على المبالغة، وقيل: بوزن شحيح، قال
النووي: هذا هو الأصح من حيث اللغة، وإن كان الأول أشهر في الرواية. قال
الحافظ: ولم يظهر لي كون الثاني أصح، فإن الآخر مستعمل كثيرا، مثلُ شِرِّيب
وسِكْير، وإن كان المخفف أيضا فيه نوع مبالغة، لكن المشدد أبلغ، وقال في («النهاية»:
المشهور في كتب اللغة الفتح والتخفيف، وفي كتب المحدثين الكسر والتشديد.
قال القرطبي: لم تُرد هند وصف أبي سفيان بالشح في جميع أحواله، وإنما وصفت
حالها معه، وأنه كان يُقَتِّر عليها، وعلى أولادها، وهذا لا يستلزم البخل مطلقًا، فإن
كثيرا من الرؤساء يفعل ذلك مع أهله، ويؤثر الأجانب استثلافًا لهم. وسيأتي قريبًا ذكر
سبب لقول هند هذا، إن شاء الله تعالى.
(وَلَا يُنْفِقُ عَلَيَّ وَوَلَدِي) هكذا بالعطف على الضمير المجرور بدون إعادة الجارّ،
وهو جائز في سعة الكلام على الصحيح، فقد قرىء في السبع قوله عز وجل: ﴿وَأَثَّقُواْ
اَللَّهَ الَّذِى تَسَآءَ لُونَ بِهِ، وَالْأَرْحَمْ﴾ الآية [النساء: ١]، بجرّ الأرجام عطفًا على الهاء، وقال
الشاعر :
فَالْيَوْمَ قَرَّبْتَ تُهْجُونَا وَتَشْتِمُنَا فَاذْهَبْ فَمَا بِكَ وَالأَيَّامِ مِنْ عَجَبٍ
بجرّ ((الأيّام)) عطفًا على الكاف، وإلى هذا أشار ابن مالك رحمه الله تعالى في
(الخلاصة)) حيث قال:
ضَمِيرٍ خَفْضِ لَازِمَا قَدْ جُعِلَا
وَعَوْدُ خَافِضٍ لَدَى عَطْفٍ عَلَى
وَلَيْسَ عِنْدِي لَازِمًا إِذْ قَدْ أَتَى فِي النَّظْمِ وَالنَّثْرِ الصَّحِيحِ مُثْبَئاً
(مَا يَكْفِينِي) ((ما)) موصولة مفعول ((يُنفق))، ولفظ ((الكبرى)): ((لا يُعطيني، شحيحٌ ما
يكفيني وجوبًا))، والظاهر أن ((ما يكفني)) مفعول ((يُعطيني)) (أَفَآَخُذُ مِنْ مَالِهِ، وَلَا يَشْعُرُ؟)

٣٥٥ ===
٣١- (قضاءُ الحاکم عَلی الغائب إِذاً عرفه) - حديث رقم ٥٤٢٢
ولفظ ((الكبرى)): ((ولا يعلم)). وفي رواية البخاريّ: ((وليس يُعطيني ما يكفيني،
وولدي، إلا ما أخذت منه، وهو لا يعلم))، زاد الشافعي في روايته: ((سرّا، فهل عليّ
في ذلك من شيء؟))، ووقع في رواية الزهري: ((فهل عليّ حَرَجُ أن أطعم من الذي له
عيالنا)) (قَالَ) بََّ لها (خُذِي مَا يَكْفِيكِ، وَوَلَدِكِ بِالْمَعْرُوفِ) وفي رواية للبخاريّ من
طريق شعيب بن أبي حمزة، عن الزهريّ في ((المظالم)): ((لا حَرَج عليكِ أن تطعميهم
بالمعروف)».
قال القرطبي رحمه الله تعالى: قوله: ((خذي)): أمر إباحة، بدليل قوله: ((لا حرج))،
والمراد بالمعروف: القدر الذي عُرِف بالعادة أنه الكفاية، قال: وهذه الإباحة، وإن
كانت مطلقة لفظًا، لكنها مقيدة معنًى، كأنه قال: إن صحّ ما ذكرت. وقال غيره:
يحتمل أن يكون وَلغيره، علم صدقها فيما ذكرت، فاستغنى عن التقييد.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الاحتمال الأخير هو الظاهر عندي؛ إذ هو
مقتضى سياق الحديث، كما أشار إليه المصنف رحمه الله تعالى في ترجمته، حيث قال:
((إذا عرفه)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه
التكلان .
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عائشة رضي اللَّه تعالى عنها هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥٤٢٢/٣١- وفي ((الكبرى)) ٥٩٨٢/٣٥. وأخرجه (خ) في ((البيوع))
٢٢١١ و((المظالم والغصب)) ٣٤٦٠ و((النفقات)) ٥٣٥٩ و٥٣٦٤ و((الأيمان والنذور))
٦٦٤١ و((الأحكام)) ٧١٦١ و٧١٨٠ (م) في ((الأقضية)) ١٧١٤ و١٧١٥ و١٧١٦ (د) في
(البيوع)) ٣٥٣٢ و٣٥٣٣ (ق) في ((التجارات)) ٢٣٩٣ (أحمد) في ((باقي مسند الأنصار))
٢٣٥٩٧ و٢٣٧١١ و٢٥١٨٥ (الدارميّ) في ((النكاح)) ٢١٥٩٠ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان جواز حكم الحاكم على
الغائب إذا تيقّن ثبوت الحقّ عليه، وسيأتي بيان المذاهب في القضاء على الغائب في
المسألة التالية، إن شاء الله تعالى.
(ومنها): جواز ذكر الإنسان بما لا يُعجبه، إذا كان على وجه الاستفتاء والاشتكاء،
ونحو ذلك، وهو أحد المواضع التي تباح فيها الغيبة، وهي ستة مواضع ذكره النوويّ

٣٥٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَاب الْقُضَاةِ
في كتابه ((رياض الصالحين))ص ٦٧٣، فقال رحمه الله تعالى: إن غيبة الرجل حيّا وميتًا
تُباح لغرض شرعيّ، لا يمكن الوصول إليه إلا بها، وهي ستّةٌ:
[الأول]: التظلّم، فيجوز للمظلوم أن يتظلّم إلى السلطان، والقاضي، وغيرهما،
فيقول: ظلمني فلانٌ بكذا. [الثاني]: الاستعانة على تغيير المنكر، ورد العاصي إلى
الصواب، فيقول لمن يرجو قدرته على إزالة المنكر: فلان يعمل كذا، فازجره عنه،
ونحو ذلك، ويكون مقصده التوصّل إلى إزالة المنكر. [الثالث]: الاستفتاء، فيقول
للمفتي: ظلمني أبي، أو أخي، أو زوجي، أو فلان بكذا، فهل يحلّ له ذلك؟، فهذا
جائز للحاجة. [الرابع]: تحذير المسلمين من الشرّ، ونصيحتهم، وذلك من وجوه:
[منها]: جرح المجروحين من الرواة والشهود، وذلك جائزٌ بإجماع المسلمين، بل واجب
للحاجة. [ومنها]: المشاورة في مصاهرة إنسان. [ومنها]: إذا رأى متفقّهًا يتردّد إلى
مبتدع، أو فاسق يأخذ عنه العلم. [ومنها]: أن يكون له ولاية لا يقوم بها على وجهها.
[الخامس]: أن يكون مجاهرًا بفسقه، أو بدعته، كالمجاهر بشرب الخمر، ومُصادرة
الناس، وأخذ المكس، وجباية الأموال ظلمًا.
[السادس]: التعريف، فإذا كان الإنسان معروفًا بلقب، كالأعمش، والأعرج، والأصمّ،
والأعمى، والأحول، وغيرهم جاز تعريفهم بذلك، ويحرُم إطلاقه على جهة التنقيص، ولو
أمكن تعريفه بغير ذلك كان أولى. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى مختصرًا.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وقد نظمت هذه المواضع الستة بقولي:
يَا طَالبَا فَائِدَةً جَلِيلَة ◌ٌعْلَمْ هَدَاكَ اللَّهُ لِلْفَضِيلَةْ
مُحَرَّمٌ قَطْعًا بِنَصِّ يُثْلَى
أَنَّ اغْتِيَابَ الشَّخْصِ حَيَا أَوْلًا
أُبِيحَ عَذَّهَا ذَوُو الترجِيحِ
لكِنَّهُ لِغَرَضِ صَحِيحٍ
فَذَكَرُوهَا سِنَّةً تَظَلَّم
وَعِبْ مُجَاهِرًا بِفِسْقٍ أَوْ بِدَعْ
وَأَسْتَفْتِ وَأَسْتَعِنْ لِرَدْعِ مُجْرِمٍ
بِمَا بِهِ جَاهَرَ لَا بِمَا أَمْتَنَغْ
بِهِ كَقَوْلِكَ رَأَيْتُ الأَحْتَفَا(١)
وَعَرْفَنْ بِلَقَبٍ مَنْ عُرفَا
◌ََّافُ أَنْ يُلْحِقَ بِالنَّاسِ الأَذَى
وَحَذْرَنْ مِنْ شَرِّ ذِي الشَّرِّ إِذَا
تَكُنْ مُوَفِّقًا لِنَيْلِ الأَرَبِ
وَفِي سِوَى هَذَا أَخْذَرَنْ لَا تَغْتَبٍ
(ومنها): جواز ذكر الإنسان بالتعظيم، كاللقب والكنية، كذا قيل، وفيه نظر لأن أبا
(١) ((الأحنف)): هو الأعرج، أو الذي يمشي على ظهر قدميه.

..---
٣١- (قضاء الحاکم علی الغائب إِذاً عرفه) - حديث رقم ٥٤٢٢
٣٥٧
سفيان كان مشهورا بكنيته، دون اسمه، فلا يدل قولها: إن أبا سفيان على إرادة التعظيم.
(ومنها): جواز استماع كلام أحد الخصمين في غيبة الآخر. (ومنها): أن من نسب إلى
نفسه أمرا عليه فيه غضاضة، فليقرُنه بما يقيم عذره في ذلك. (ومنها): جواز سماع كلام
الأجنبية عند الحكم والافتاء، عند من يقول: إن صوتها عورة، ويقول: جاز هنا للضرورة.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بكون صورة المرأة عورة قول ضعيف، كما
سبق بيانه في غير موضع، فتبصّر. والله تعالى أعلم.
(ومنها): أن القول قول الزوجة في قبض النفقة؛ لأنه لو كان القول قول الزوج: إنه منفق،
لكلفت هذه البينة على إثبات عدم الكفاية. وأجاب المازري عنه بأنه من باب تعليق الفتيا، لا
القضاء. (ومنها): وجوب نفقة الزوجة، وأنها مقدرة بالكفاية، وهو قول أكثر العلماء، وهو
قول للشافعي، حكاه الجويني، والمشهور عن الشافعي، أنه قدرها بالأمداد، فعلى الموسر
كل يوم مُدّان، والمتوسط مُدَّ ونصف، والمعسر مد، وتقريرها بالأمداد رواية عن مالك
أيضا، قال النووي في ((شرح مسلم)): وهذا الحديث حجة على أصحابنا.
قال الحافظ: ولیس صریحا في الرد عليهم، لکن التقدير بالأمداد محتاج إلی دلیل، فإن
ثبت حملت الكفاية في حديث الباب على القدر المقدر بالأمداد، فكأنه کان يعطيها، وهو
موسر ما يعطي المتوسط، فأذن لها في أخذ الكمية، وقد اختلف في ذلك.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تعقّب الحافظ على النوويّ مما لا وجه له؛ فإن النووي
إنما اعترض على أصحابه لعدم وجود دليل يدلّ على التقدير بالأمداد، وقد اعترف الحافظ
نفسه بذلك، فكيف يتأتّى له التعقّب بالاحتمال؟، فتبصّر. والله تعالى أعلم.
(ومنها): اعتبار النفقة بحال الزوجة، وهو قول الحنفية، واختار الخصاف منهم أنها
معتبرة بحال الزوجين معا، قال صاحب («الهداية»: وعليه الفتوى، والحجة فيه ضم قوله
تعالى: ﴿لِنُفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهٍ﴾ الآية [الطلاق: ٧] إلى هذا الحديث. وذهبت
الشافعية إلى اعتبار حال الزوج؛ تمسكا بالآية، وهو قول بعض الحنفية.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: القول الأول هو الظاهر؛ لقوّة دليله. والله تعالى أعلم.
(ومنها): وجوب نفقة الأولاد بشرط الحاجة، والأصح عند الشافعية اعتبار الصغر، أو
الزمانة. (ومنها): وجوب نفقة خادم المرأة على الزوج، قال الخطابي: لأن أبا سفيان كان
رئیس قومه، ویبعد أن يمنع زوجته وأولاده النفقة، فكأنه کان یعطیها قدر کفایتها وولدها،
دون من يخدمهم، فأضافت ذلك إلى نفسها؛ لأن خادمها داخل في جملتها.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ما قاله الخطّابيّ محلّ نظر، فليتأمّل. والله تعالى أعلم.
وقال الحافظ: ويحتمل أن يُتمسك لذلك بقوله في بعض طرقه: ((أن أطعم من الذي
له عیالنا)).

٣٥٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَاب الْقُضَاةِ
(ومنها): أنه يدلّ على وجوب نفقة الابن على الأب، ولو كان الابن كبيرا، وتُعُقّب
بأنها واقعة عين، ولا عموم في الأفعال، فيحتمل أن يكون المراد بقولها: ((بني))
بعضهم: أي من كان صغيرا، أو كبيرا زمنا، لا جميعهم. (ومنها): أنه استدل به على أن
من له عند غيره حق، وهو عاجز عن استيفائه، جاز له أن يأخذ من ماله قدر حقه بغير
إذنه، وهو قول الشافعي، وجماعة، وتسمى ((مسألة الظَّفَر))، والراجح عندهم لا يأخذ
غير جنس حقه، إلا إذا تعذر جنس حقه، وعن أبي حنيفة: المنع، وعنه یأخذ جنس
حقه، ولا يأخذ من غير جنس حقه، إلا أحد النقدين بدل الآخر، وعن مالك ثلاث
روايات، كهذه الآراء، وعن أحمد المنع مطلقًا.
قال الخطابي: يؤخذ من حديث هند جواز أخذ الجنس، وغير الجنس؛ لأن منزل
الشحيح لا يجمع كل ما يحتاج إليه من النفقة، والكسوة، وسائر المرافق اللازمة، وقد
أطلق لها الإذن في أخذ الكفاية من ماله، قال: ويدل على صحة ذلك قولها في رواية
أخرى: ((وأنه لا يدخل على بيتي ما يكفيني وولدي)).
وتعقّبه الحافظ بأنه لا دلالة فيه لما ادعاه من أن بيت الشحيح لا يحتوي على كل ما
يحتاج إليه؛ لأنها نفت الكفاية مطلقًا، فتناول جنس ما يحتاج إليه، وما لا يحتاج إليه،
ودعواه أن منزل الشحيح كذلك مسلمة، لكن من أين له أن منزل أبي سفيان كان كذلك،
والذي يظهر من سياق القصة أن منزله كان فيه كل ما يحتاج إليه، إلا أنه كان لا يمكنها
إلا من القدر الذي أشارت إليه، فاستأذنت أن تأخذ زيادة على ذلك بغير علمه.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: عندي أن تعقّب الحافظ على استدلال الخطّابيّ محلّ
نظر، فإن استدلاله واضح. والله تعالى أعلم.
وقد وجه ابن المنير قوله: إن في قصة هند دلالةً على أن لصاحب الحق أن يأخذ من
غير جنس حقه، بحيث يحتاج إلى التقويم؛ لأنه عليه الصلاة والسلام أذن لهند، أن
تفرض لنفسها وعيالها قدر الواجب، وهذا هو التقويم بعينه، بل هو أدقّ منه، وأعسر.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله ابن المنيّر رَّْتمُ تحقيق حسن جدًّا. والله
تعالى أعلم.
(ومنها): أنه استدل به على أن للمرأة مدخلا في القيام على أولادها، وكفالتهم،
والإنفاق عليهم. (ومنها): اعتماد العرف في الأمور التي لا تحديد فيها من قبل الشرع.
وقال القرطبي: فيه اعتبار العرف في الشرعيات، خلافا لمن أنكر ذلك لفظًا، وعمل به
معنّى، كالشافعية كذا قال، والشافعية إنما أنكروا العمل بالعرف، إذا عارضه النص
الشرعي، أو لم يُرشد النص الشرعي إلى العرف.

٣١- (قَضَاءُ الْحَاكِم عَلَى الْغَائِبِ إِذاً عَرَفَهَ) - حديث رقم ٥٤٢٢
٣٥٩
[تنبيه]: قال الحافظ رحمه الله تعالى: أشكل على بعضهم استدلال البخاري رحمه
الله تعالى بهذا الحديث على مسألة الظفر، في ((كتاب الإشخاص))، حيث ترجم له:
((قصاص المظلوم إذا وجد مال ظالمه))، واستدلاله به على جواز القضاء على الغائب؛
لأن الاستدلال به على مسألة الظفر، لا تكون إلا على القول بأن مسألة هند كانت على
طريق الفتوى، والاستدلال به على مسألة القضاء على الغائب، لا يكون إلا على القول
بأنها كانت حكمًا.
[والجواب]: أن يقال كل حكم يصدر من الشارع، فإنه ينزل منزلة الإفتاء بذلك
الحكم في مثل تلك الواقعة، فيصح الاستدلال بهذه القصة للمسألتين. انتهى ((فتح))
١٠/ ٦٤٠. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في القضاء على الغائب:
قال الموفّق رحمه الله تعالى: من ادعى حقا على غائب في بلد آخر، وطلب من
الحاكم سماع البينة، والحكم بها عليه، فعلى الحاكم إجابته، إذا كملت الشرائط، وبهذا
قال شبرمة، ومالك، والأوزاعي، والليث، وسَوّار، وأبو عبيد، وإسحاق، وابن
المنذر. وكان شريح لا يرى القضاء على الغائب، وعن أحمد مثله، وبه قال ابن أبي
ليلى، والثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه، ورُوي ذلك عن القاسم، والشعبي، إلا أن أبا
حنيفة قال: إذا كان له خصم حاضر من وكيل، أو شفيع جاز الحكم عليه، واحتجوا بما
رُوي عن النبي ◌َّ، أنه قال لعلي رَ ◌ّه: ((إذا تقاضى إليك رجلان، فلا تقض للأول
حتى تسمع كلام الآخر، فإنك تدري بما تقضي))، قال الترمذي: هذا حديث حسن
صحيح، ولأنه قضاء لأحد الخصمين وحده فلم يجز، كما لو كان الآخر في البلد،
ولأنه يجوز أن يكون للغائب ما يبطل البينة ويقدح فيها، فلم يجز الحكم عليه.
قال: ولنا أن هندا قالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني ما
يكفيني وولدي، قال: ((خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)»، متفق عليه، فقضى لها
ولم يكن حاضرا، ولأن هذا له بينة مسموعة عادلة، فجاز الحكم بها كما لو كان الخصم
حاضرا، وقد وافقنا أبو حنيفة في سماع البينة، ولأن ما تأخر عن سؤال المدعي إذا كان
حاضرا يقدم عليه إذا كان غائبا، كسماع البينة، وأما حديثهم فنقول به إذا تقاضى إليه
رجلان لم يجز الحكم قبل سماع كلامهما، وهذا يقتضي أن يكونا حاضرين، ويفارق
الحاضر الغائب، فإن البينة لا تسمع على حاضر إلا بحضرته، والغائب بخلافه، وقد
ناقض أبو حنيفة أصله، فقال: إذا جاءت امرأة، فادعت أن لها زوجا غائبا، وله مال في
يد رجل، وتحتاج إلى النفقة، فاعترف لها بذلك، فإن الحاكم يقضي عليه بالنفقة، ولو

٣٦٠
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَاب الْقُضَاةِ
ادعى رجل على حاضر، أنه اشترى من غائب ما فيه شفعة، وأقام بينة بذلك حكم له
بالبيع والأخذ بالشفعة، ولو مات المدَّعَى عليه، فحضر بعض ورثته، أو حضر وكيل
الغائب، وأقام المدعي بينة بذلك حكم له بما ادعاه.
إذا ثبت هذا فإنه إن قدم الغائب قبل الحكم وقف الحكم على حضوره، فإن جَرَحَ
الشهود لم یحکم علیه، وإن استنظر الحاکم أجله ثلاثا، فإن جرحهم وإلا حكم عليه، وإن
ادعى القضاء أو الإبراء فكانت له بينة برىء، وإلا حَلّف المدعي وحکم له، وإن قدم بعد
الحكم فجرح الشهود بأمر كان قبل الشهادة بطل الحكم، وإن جرحهم بأمر بعد أداء الشهادة
أو مطلقًا لم يبطل الحكم، ولم يقبله الحاكم؛ لأنه يجوز أن یکون بعد الحكم فلا يقدح فيه،
وإن طلب التأجيل أجل ثلاثا، فإن جرحهم وإلا نفذ الحكم، وإن ادعى القضاء أو الإبراء،
فكانت له به بينة، وإلا حلف الآخر ونفذ الحكم. انتهى ((المغني)) ٩٣/١٤ -٩٥.
وقال في ((الفتح)) في ((كتاب الأحكام) ٧٧/١٥-٧٨: قال ابن بطال: أجاز مالك،
والليث، والشافعي، وأبو عبيد، وجماعة الحكم على الغائب، واستثنى ابن القاسم عن
مالك ما يكون للغائب فيه حجج، كالأرض والعقار، إلا إن طالت غيبته، أو انقطع
خبره، وأنكر ابن الماجشون صحة ذلك عن مالك، وقال: العمل بالمدينة على الحكم
على الغائب مطلقٌ، حتى لو غاب بعد أن توجه عليه الحكم، قُضي عليه، وقال ابن أبي
ليلى، وأبو حنيفة: لا يُقضَي على الغائب مطلقًا، وأما من هرب، أو استتر بعد إقامة
البينة، فينادي القاضي عليه ثلاثا، فإن جاء والا أنفذ الحكم عليه، وقال ابن قدامة أجازه
أيضا ابن شُبْرمة، والأوزاعي، وإسحاق، وهو أحد الروايتين عن أحمد، ومنعه أيضا
الشعبي، والثوري، وهي الرواية الأخرى عن أحمد، قال: واستثنى أبو حنيفة من له
وكيل مثلا، فيجوز الحكم عليه بعد الدعوى على وكيله، واحتج من منع بحديث عليّ
رڅ رفعه: «لا تَقْضِي لأحد الخصمین حتی تسمع من الآخر»، وهو حديث حسن
أخرجه أبو داود، والترمذي، وغيرهما، وبحديث الأمر بالمساواة بين الخصمين، وبأنه
لو حضر لم تسمع بينة المدعي حتى يسأل المدعى عليه، فإذا غاب فلا تسمع، وبأنه لو
جاز الحكم مع غيبته لم يكن الحضور واجبا عليه. وأجاب من أجاز بأن ذلك كله لا
يمنع الحكم على الغائب؛ لأن حجته إذا حضر قائمة، فتُسمع، ويعمل بمقتضاها، ولو
أدى إلى نقض الحكم السابق، وحديث علي تَظّه محمول على الحاضرين. وقال ابن
العربي: حديث علي إنما هو مع إمكان السماع، فأما مع تعذره بمغيب، فلا يمنع
الحكم كما لو تعذر بإغماء، أو جنون، أو حجر، أو صغر، وقد عمل الحنفية بذلك في
الشفعة، والحكم على من عنده للغائب مال أن يدفع منه نفقة زوج الغائب، ثم ذكر