النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
٢١ - (الاستغداء) - حديث رقم ٥٤١١
أَوْ نِصْفِ وَسْقٍ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (الْحُسَيْنُ بْنُ مَنْصُورِ بْنِ جَعْفَرٍ) أبو عليّ النيسابوريّ، ثقة فقيه [١٠] ١٦٦٤/٢٥
من أفراد البخاريّ، والمصنّف.
٢- (مُبَشْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَزِينٍ)- بفتح الراء، وكسر الزاي -: هو السلميّ، أبو بكر
النيسابوريّ، ثقة، من كبار [٩] ٤١٦٨/١٣ من أفراد المصنّف.
٣- (سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ) أبو محمد، أو أبو الحسن الواسطيّ، ثقة في غير الزهريّ
باتفاقهم [٧] ٤١ / ١٧١٦ .
٤- (أَبِو بِشْرٍ، جَعْفَرِ بْنِ إِيَاسٍ) بن أبي وحشية الواسطيّ، ثقة [٥] ٥٢٠/١٣.
٥- (عَبَّادِ بْنِ شُرَخْبِيلَ) ويقال: شَرَاحيل اليشكريّ الْغُبَريّ- من بني غُبَر - بضم
المعجمة، وفتح الموحّدة الخفيفة- ابن غَثْم بن حبيب بن كعب بن یشکر بن بكر بن
وائل ابن ربيعة، صحابيّ، نزل البصرة. روى عن النبيّ وَلّر حديث الباب فقط، قال
البغويّ، وأبو الفتح الأزديّ: مارُوِي عنه غيره. وقال ابن السكن: في صحبته نظر.
روى له المصنّف، وأبو داود، وابن ماجه حديث الباب فقط. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير الصحابيّ، فمن رجال أصحاب السنن. (ومنها): أن صحابيه من
المقلين من الرواية، فليس له إلا هذا الحديث عند المصنف، وأبي داود، وابن ماجه.
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبَّادِ بْنِ شُرَخْبِيلَ) بضم المعجمة، وفح الراء، ويقال: شَراحيل اليشكري
الغبريّ ◌َّ، أنه (قَالَ: قَدِمْتُ) بكسر الدال المهملة، من باب تَعِبَ (مَعَ عُمُومَتِي)
بضم العين يكون مصدرًا، ويكون جمع عَمّ، كما في ((القاموس))، والمعنى الثاني هو
المراد هنا (الْمَدِينَةَ) منصوب على المفعولية. وفي رواية أبي داود: ((أصابني سنة،
فدخلت حائطا من حيطان المدينة، ففركت سُنبلاً ... )) الحديث (فَدَخَلْتُ حَائِطًا مِنْ
حِيطَانَها) أي بستانا من بساتين المدينة (فَفَرَكْتُ) بفتح الراء من باب نصر: قال في
((القاموس)): فرك الثوب، والسنبلَ: دلكه، فانفرك. وقال في ((المصباح)): فركت عن
الثوب فركًا، من باب قتل، مثلُ حتَتُّهُ، وهو أن تحكّه بيدك حتى يتفتّت، ويتقشّر. انتهى

٣٢٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَابِ الْقُضَاةِ
(مِنْ سُنْبُلِهِ) بضم المهملة، والموحّدة، بينهما نون ساكنة، قال في ((اللسان)): السنبل:
معروفٌ، وجمعه السنابل، قال ابن سيده: السنبل من الزرع واحدته سنبلة. انتهى. وفي
رواية أبي داود: ((ففركت سنبلًا، فأكلت، وحملت في ثوبي)) (فَجَاءَ صَاحِبُ الْحَائِطِ)
أي مالكه (فَأَخَذَ كِسَائِي، وَضَرَبَنِي) وفي رواية أبي داود: ((فضربني، وأخذ ثوبي))
(فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ أَسْتَعْدِي عَلَيْهِ) أي أطلب منه أن ينتقم لي منه (فَأَرْسَلَ) وَلِ (إِلَى
الرَّجُلِ، فَجَاءُوا بِهِ، فَقَالَ) بَِّ (مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا؟) أي على ما صنعت من أخذ كساء
الرجل، وضربه (فَقَالَ) الرجل (يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْهُ دَخَلَ حَائِطِي) أي بستاني (فَأَخَذَ مِنْ
سُنْبُلِهِ فَفَرَكَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((مَا عَلَّمْتَهُ إِذْ كَانَ جَاهِلًا) أي فكان اللائق بك أن
تعلّمه أوّلًا حرمة مال الغير إلا بإذنه، حتى يكون على علم من ذلك، فإذا أقدم وهو
عالم، استحقّ العقوبة (وَلَا أُطْعَمْتَهُ إِذْ كَانَ جَائِعًا) وفي رواية لأبي داود: ((إذ كان ساغبًا،
وهو بمعناه. قال الخطّابيّ رحمه اللّه تعالى: وفيه أنه مَّل عذره بالجهل حين حمل
الطعام، ولام صاحب الحائط إذ لم يُطعمه إذ كان جائعًا. انتهى (اردُدْ عَلَيْهِ كِسَاءَهُ) وفي
رواية أبي داود: ((فأمره، فردّ عليّ ثوبي)) (وَأَمَرَ لِي رَسُولُ اللَّهِ تَّ بِوَسْقٍ) بفتح الواو،
وتكسر، قال في ((المصباح)): قال الأزهريّ: الوسق: ستّون صاعًا بصاع النبيّ مَلآ،
والصاع خمسة أرطال ثلث، والوسق على هذا الحساب مائة وستون مَنّا، والوسق ثلاثة
أقفزة، وحكى بعضهم الكسر لغة، وجمعه أوساق، مثلُ حِمْل وأحمال. انتهى (أَوْ نِصْفٍ
وَسْقٍ) شكّ من الراوي، وفي رواية أبي داود: ((وأعطاني وسقًا، أونصف وسق من
طعام)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه
التكلان .
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته :
حديث عباد بن شُرَحبيل رضي اللَّه تعالى عنه هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢١/ ٥٤١١- وأخرجه (د) في ((الجهاد)) ٢٦٣٠ (ق) في ((التجارات))
٢٢٩٨ (أحمد) في ((مسند الشاميين)) ١٧٠٦٧. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان مشروعيّة الاستعداء، وهو
طلب النصرة. (ومنها): العذر بالجهل؛ لأنه ◌َ ليل سكت عما فعله الرجل من فرك
السنبل، بل عنّف صاحب البستان على تقصيره في حقّه. (ومنها): أنه يفيد جواز أكل

٣٢٣ =
٢١- (الاسْتِعْداء) - حديث رقم ٥٤١١
مال غيره الفاضل عن حاجته لمن كان جائعًا مضطرًا؛ لأنه يجب على المسلم أن يُطعمه
إذا رآه جائعًا، فإذا لم يكن صاحب الطعام حاضرًا، وتضرر إن لم يأكل منه، جاز أن
يأكل من غير استئذان؛ لأن له حقًّا في إنقاذ مهجته بذلك الطعام. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الاستعداء:
قال الموفّق رحمه اللّه تعالى: وإذا استعدى رجل على رجل إلى الحاكم، ففيه
روايتان: [إحداهما]: أنه يلزمه أن يُعديه، ويستدعي خصمه، سواء علم بينهما معاملة،
أو لم يعلم، وسواء كان المستعدي ممن يعامل المستعدى عليه، أو لا يعامله، كالفقير
يدعي على ذي ثروة وهيئة، نص على هذا في رواية الأثرم، في الرجل يستعدي على
الحاكم أنه يحضره ويستحلفه، وهذا اختيار أبي بكر، ومذهب أبي حنيفة، والشافعي؛
لأن في تركه تضييعا للحقوق، وإقرارا للظلم، فإنه قد يثبت له الحق على من هو أرفع
منه بغصب، أو يشتري منه شيئا، ولا یوفیه، أو يودعه شيئا، أو يعيره إياه، فلا يرده، ولا
تُعلم بينهما معاملة، فإذا لم يُعدَ عليه سقط حقه، وهذا أعظم ضررا من حضور مجلس
الحاكم، فإنه لا نقيصة فيه، وقد حضر عمر، وأُبَيّ عند زيد، وحضر هو وآخر عند
شُريح، وحضر علي عند شريح، وحضر المنصور عند رجل من ولد طلحة بن عبيد
الله.
[والرواية الثانية]: لا يستدعيه إلا أن يعلم بينهما معاملة، ويتبين أن لِمَا ادعاه أصلًا،
رُوي ذلك عن علي رضي الله عنه، وهو مذهب مالك؛ لأن في إعدائه على كل أحد
تبذيل أهل المروءات، وإهانة لذوي الهيئات، فإنه لا يشاء أحد أن يبذلهم عند الحاكم
إلا فعل، وربما فعل هذا من لا حق له؛ ليفتدي المدعي عليه من حضوره، وشَرٌّ خصمه
بطائفة من ماله، والأولى أولى؛ لأن ضرر تضييع الحق أعظم من هذا، وللمستعدَى
عليه أن يوكل من يقوم مقامه، إن كره الحضور، وإن كان المستدعى عليه امرأة نَظَرت
فإن كانت بَرْزَة، وهي التي تبرز لقضاء حوائجها، فحكمها حكم الرجل، وإن كانت
مُخَدَّرة، وهي التي لا تبرز لقضاء حوائجها، أُمرت بالتوكيل، فإن توجهت اليمين
عليها، بَعَثَ الحاكم أمينا معه شاهدان، فيستحلفها بحضرتهما، فإن أقرت شهدا عليها،
وذكر القاضي أن الحاكم يبعث من يقضي بينها وبين خصمها في دارها، وهو مذهب
الشافعي؛ لأن النبي وَّرِ قال: ((واغْدُ يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها))،
فبعث إليها، ولم يستدعها، وإذا حضروا عندها كان بينها وبينهم ستر، تتكلم من ورائه،
فإن اعترفت للمدعي أنها خصمه، حكم بينهما، وإن أنكرت ذلك جيء بشاهدين من

٣٢٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَاب الْقُضَاةِ
ذوي رحمها، يشهدان أنها المدَّعَى عليها، ثم يحكم بينهما، فإن لم تكن له بينة التحفت
بجلبابها، وأُخرجت من وراء الستر لموضع الحاجة، وما ذكرناه أولى إن شاء اللَّه؛ لأنه
أستر لها، وإذا كانت خَفِرَة منعها الحياء من النطق بحجتها، والتعبير عن نفسها، سيما
مع جهلها بالحجة، وقلة معرفتها بالشرع وحججه. انتهى ((المغني)) ٣٩/١٤ -٤٠.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: القول الأول، وهو مشروعيّة الاستعداء هو
الصواب؛ لحديث الباب؛ فإن النبيّ وَ ﴿ لَمّا استعداه عبّاد بن شَراحيل رَّ على
صاحب الحائط أجابه، فأرسل إليه، فجاء، فأخذ له حقّه. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: إن استعدى على الحاكم المعزول لم يُعدِهِ، حتى يعرف ما يدعيه، فيسأله
عنه، صيانة للقاضي عن الامتهان، فإن ذَكّر أنه يدعي عليه حقا من دين، أو غصب
أعداه، وحكم بينهما، كغير القاضي، وكذلك إن ادعى أنه أخذ منه رشوة على الحكم؛
لأن أخذ الرشوة عليه لا يجوز، فهي كالغصب، وإن ادعى عليه الجور في الحكم،
وكان للمدعي بينة أحضره، وحكم بالبيئة، وإن لم يكن معه بينة ففيه وجهان:
[أحدهما]: لا يُحضِره؛ لأن في إحضاره وسؤاله امتهانا له، وأعداءُ القاضي كثير، وإذا
فعل هذا معه لم يؤمن ألا يدخل في القضاء أحد؛ خوفا من عاقبته. [والثاني]: يُحضره
لجواز أن يعترف، فإن حضر واعترف حكم عليه، وإن أنكر فالقول قوله، من غير
يمين؛ لأن قول القاضي مقبول بعد العزل كما يقبل في ولايته، وإن ادعى عليه أنه قتل
ابنه ظلما، فهل يستحضره من غير بينة فيه وجهان: فإن أحضره فاعترف حكم عليه،
وإلا فالقول قوله. وإن ادعى أنه أخرج عينا من يده بغير حق، فالقول قول الحاكم من
غير يمين، ويقبل قوله للمحكوم له بها. قاله في ((المغني)) ١٤/ ٤٢ . وهو بحث نفيس
. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).

٣٢٥ =
٢٢- (صَوْنُ النساءِ عنْ مَجْلِس الحُكْم) - حديث رقم ٥٤١٢
٢٢- (صَوْنُ النِّسَاءِ عَنْ مَجْلِسٍ
الْحُكْم)
٥٤١٢- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: أَنْبَنَا (١) عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ مَالِكِ،
عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْبَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدِ الْجُهَنِيّ،
أََّمَا أَخْبَرَاهُ أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: اقْضٍ بَيْتَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ،
وَقَالَ الْآخَرُ، وَهُوَ أَفْقَّهُهُمَا: أَجَلِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأُذَنْ لِي فِي أَنْ أَتَكَلَّمَ، قَالَ: إِنَّ ابْنِي كَانَ
عَسِيفًا عَلَى هَذَا، فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ، فَأَخِبَرُونِي أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ، فَاقْتَدَيْتُ بِمِائَةٍ شَاةٍ، وَبِجَارِيَّةٍ
لي، ثُمَّ إِنِّي سَأَلْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ، فَأَخْبَرُونِي أَنَّمَا عَلَى ابْنِي جَلْدُ مِائَةٍ، وَتَغْرِيبُ عَامِ، وَإِنَّمَا
الرَّجْمُ عَلَى امْرَأَتِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِهِ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَأَقْضِيَنَّ بَيْتَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ،
أَمَّا غَنَّمُكَ وَجَارِيَتُكَ فَرَدِّ إِلَيْكَ))، وَجَلَدَ ابْنَهُ مِائَةً، وَغَرَّبَهُ عَامًا، وَأَمَرَ أَنَيْسًا، أَنْ يَأْتِيَ امْرَأَةَ
الْآخَرِ، ((فَإِنِ اعْتَرَفَتْ، فَارْجُهَا))، فَاعْتَرَفَتْ، فَرَجَّهَا).
رجال هذا الإسناد : سبعة:
١- (محمد بن سلمة) المراديّ الْجَمَليّ، أبو الحارث المصريّ، ثقة ثبتٌ [١١] ١٩/
٢٠ .
٢- (عبد الرحمن بن القاسم) الْعُتَقيّ المصريّ الثقة الفقيه، صاحب مالك، من كبار
[١٠] ٢٠/١٩ .
٣- (مالك) بن أنس، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبتين [٧] ٧/ ٧.
٤- (ابن شهاب) محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن الحارث بن زهرة
ابن كلاب القرشيّ، أبو بكر الفقيه الحافظ المتّفق على جلالته، وإتقانه، من رءوس
[٤] ١/ ١ .
٥- (عبيد اللّه بن عبد الله بن عتبة) بن مسعود الْهُذليّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ الثقة
الفقيه الثبت [٣]٥٦/٤٥
٦- (أبو هريرة) رضي اللّه تعالى عنه١/ ١.
٧- (زيد بن خالد الجهنيّ) المدنيّ الصحابيّ المشهور، مات رَّه بالكوفة سنة
(٦٨) أو (٧٠) وله (٨٥) سنة، تقدّم في ٧٥٦/٨. والله تعالى أعلم.
(١) وفي نسخة: ((أخبرنا)).

٣٢٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَاب الْقُضَاةِ
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بثقات المدنيين من مالك، فمن فوقه، ومحمد
ابن سلمة، وعبد الرحمن بن القاسم مصريان (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ،
وفيه أحد الفقهاء السبعة، عبيد الله، وفيه أبو هريرة رضيّ أكثر من روى الحديث في
دهره، روى (٥٣٧٤) من الأحاديث. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدِ الْجُهَنِيَّ) وفي رواية البخاريّ: ((أنه سمع أبا هريرة،
وزيد بن خالد))، زاد في رواية ابن عيينة الآتية بعد هذا: ((وشِبْل))، قال في ((الفتح)): في
رواية الحميدي عن زيد بن خالد الجهني، وأبي هريرة، وشبل، وكذا قال أحمد، وقتيبة
عند النسائي، وهشام بن عمار، وأبو بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن الصباح، عند ابن
ماجه، وعمرو بن علي، وعبد الجبار بن العلاء، والوليد بن شجاع، وأبو خيثمة،
ويعقوب الدَّوْرَقي، وإبراهيم بن سعيد الجوهري، عند الإسماعيلي، وآخرون عن
سفيان، وأخرجه الترمذي عن نصر بن علي، وغير واحد عن سفيان، ولفظه: ((سمعت
من أبي هريرة، وزيد بن خالد، وشبل، لأنهم كانوا عند النبي ◌َّ))، قال الترمذي: هذا
وَهَمّ من سفيان، وإنما رُوي عن الزهري بهذا السند، حديث: ((إذا زنت الأمة ... ))،
فذكر فيه شبلا، ورُوي حديث الباب بهذا السند، ليس فيه شبل، فوهم سفيان في تسويته
بين الحديثين. قال الحافظ: وسقط ذكر ((شبل)) من رواية ((الصحيحين)) من طريقه لهذا
الحديث، وكذا أخرجاه من طُرُق عن الزهري منها: عن مالك، والليث، وصالح بن
كيسان، وللبخاري من رواية ابن أبي ذئب، وشعيب بن أبي حمزة، ولمسلم من رواية
يونس بن يزيد، ومعمر، كلهم عن الزهري، ليس فيه شبل، قال الترمذي: وشبل لا
صحبة له، والصحيح ما رَوَى الزبيدي، ويونس، وابن أخي الزهري، فقالوا: ((عن
الزهري، عن عبيد الله، عن شبل بن خالد، عن عبد الله بن مالك الأوسي، عن النبي
وَلجر في الأمة إذا زنت)). قال الحافظ: ورواية الزُّبيدي عند النسائي، وكذا أخرجه من
رواية يونس، عن الزهري، وليس هو في الكتب الستة من هذا الوجه، إلا عند النسائي،
وليس فيه كنت عند النبي ◌َّر.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قال المصنّف في ((الكبرى)) ٤٧٧/٣-٤٧٨: بعد أن
ساقه من رواية ابن عيينة: ما نصه: قال أبو عبد الرحمن: لا نعلم أحدًا تابع سفيان على
قوله: ((وشبل))، رواه مالك، عن الزهريّ، عن عبيد الله، عن أبي هريرة، وزيد بن

٢٢ - (صَوْنُ النِّسَاءِ عَنْ مَجْلِس الْحُكْم) - حديث رقم ٥٤١٢
٣٢٧
خالد، وروه بُكير بن الأشجّ، عن عمرو بن شعيب، عن الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد
الله، عن أبي هريرة فقط، وحديث مالك، وعمرو بن شعيب أولى بالصواب من قول
ابن عيينة: ((وشبل)). انتهى.
(أَتُّمَا أَخْبَرَاهُ أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ اللّهِ وَله) وفي رواية ابن عيينة التالية: ((كنا
عند النبيّ ◌َِّ، فقام إليه رجلٌ، فقال: أنشدك بالله إلا ما قضيت بيننا بكتاب الله))، وفي
رواية شعيب: ((بينما نحن عند النبيّ وَّر))، وفي رواية بن أبي ذئب: ((وهو جالس في
المسجد)»، وفي رواية: ((أن رجلا من الأعراب جاء إلى النبي ◌َّ-، وهو جالس))، وفي
رواية: ((إذا قام رجل من الأعراب)).
وقوله: ((أنشدك الله))- بفتح أوله، ونون ساكنة، وضم الشين المعجمة -: أي أسألك
باللّه، وضمن ((أنشدك)) معنى أَذَكِّرك، فحذف الباء: أي أذكرك، رافعا نشيدتي: أي
صوتي، هذا أصله، ثم استعمل في كل مطلوب مؤكد، ولو لم يكن هناك رفع صوت،
وبهذا التقریر یندفع إیراد من استشكل رفع الرجل صوته، عند النبي ◌ُّلژ مع النھي عنه،
ثم أجاب عنه بأنه لم يبلغه النهي؛ لكونه أعرابيا، أو النهي لمن يرفع حيث يتكلم النبي
وَّ على ظاهر الآية. وذكر أبو علي الفارسي أن بعضهم رواه بضم الهمزة، وكسر
المعجمة، وغلطه.
(فَقَالَ أَحَدُهُمَا: اقْضٍ بَيْتَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ) وفي رواية سفيان التالية: (( إلا ما قضيت بيننا
بكتاب الله))، وفي رواية بحذف ((ما))، وفي رواية الليث: ((إلا قضيت لي بكتاب الله))،
قيل: فيه استعمال الفعل بعد الاستثناء بتأويل المصدر، وإن لم يكن فيه حرف
مصدري؛ لضرورة افتقار المعنى إليه، وهو من المواضع التي يقع فيها الفعل موقع
الاسم، ويراد به النفي المحصور فيه المفعول، والمعنى هنا: لا أسألك إلا القضاء
بكتاب الله. ويحتمل أن تكون ((إلا)) جواب القسم؛ لما فيها من معنى الحصر،
وتقديره: أسألك بالله، لا تفعل شيئا إلا القضاء، فالتأكيد إنما وقع لعدم التشاغل بغيره،
لا لأن لقوله: ((بكتاب الله)) مفهوما، وبهذا يندفع إيراد من استشكل، فقال: لم يكن
النبي ◌َّ يحكم إلا بكتاب الله، فما فائدة السؤال والتأكيد في ذلك، ثم أجاب بأن ذلك
من جُفاة الأعراب.
والمراد بكتاب الله ما حكم به، وكتب على عباده. وقيل: المراد القرآن، وهو
المتبادر، وقال ابن دقيق العيد: الأول أولى؛ لأن الرجم والتغريب ليسا مذكورين في
القرآن، إلا بواسطة أمر الله باتباع رسوله وَله. قيل: وفيما قال نظر؛ لاحتمال أن يكون
المراد ما تضمنه قوله تعالى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥] فبين النبي وَلِّ أن

٣٢٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَاب الْقُضَاةِ
السبيل جلد البكر ونفيه، ورجم الثيب.
وفيه أن هذا أيضا بواسطة التبيين. ويحتمل أن يراد بكتاب اللَّه الآية التي نسخت
تلاوتها، وهي: ((الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما))، وبهذا أجاب البيضاوي، ويبقي
عليه التغريب. وقيل: المراد بكتاب الله ما فيه من النهي عن أكل المال بالباطل؛ لأن
خصمه كان أخذ منه الغنم، والوليدة بغير حق، فلذلك قال: الغنم والوليدة رد عليك.
والذي يترجح أن المراد بكتاب الله، ما يتعلق بجميع أفراد القصة، مما وقع به
الجواب الآتي ذكره، والعلم عند الله تعالى. قاله في ((الفتح)) ١٠١/١٤-١٠٢ ((كتاب
الحدود)) رقم ٦٨٢٧ .
(وَقَالَ الْآَخَرُ، وَهُوَ أَفْقَهُهُمَا) وفي رواية سفيان التالية: ((فقام خصمه، وكان أفقه
منه))، قال الحافظ العراقيّ في ((شرح الترمذي)): يحتمل أن يكون الراوي كان عارفا
بهما، قبل أن يتحاكما، فوصف الثاني بأنه أفقه من الأول، إما مطلقا، وإما في هذه
القصة الخاصة، أو استدل بحسن أدبه في استئذانه، وترك رفع صوته، إن كان الأول
رفعه، وتأكيده السؤال على فقهه، وقد ورد: ((أن حسن السؤال نصف العلم))، وأورده
ابن السني في كتاب ((رياضة المتعلمين)) حديثا مرفوعا، بسند ضعيف.
(أَجَلْ) كنعم وزنًا ومعنّى (يَا رَسُولَ اللَّهِ) وفي رواية سفيان: ((فقال: اقض بيننا بكتاب
اللَّه))، وفي رواية الليث: ((فقال: نعم، فاقض))، وفي رواية ابن أبي ذئب، وشعيب:
((فقال: صدق اقض له يا رسول اللَّه بكتاب الله)).
(وَأُذَنْ لِي فِي أَنْ أَتَكَلَّمَ) وفي رواية: ((حتى أقول))، زاد في رواية سفيان: ((قال:
قل))، وفي رواية محمد بن يوسف: ((فقال النبيّ وَلّر: قل))، وفي رواية مالك: ((قال:
تكلّم)) (قَالَ) ظاهر السياق أن القائل هو الثاني، وجزم الكرماني بأن القائل هو الأول،
واستند في ذلك لما وقع عند البخاريّ في (كتاب الصلح)) عن آدم، عن ابن أبي ذئب:
((فقال الأعرابي: إن ابني)) بعد قوله في أول الحديث: ((جاء أعرابي))، وفيه: ((فقال
خصمه))، قال الحافظ: وهذه الزيادة شاذة، والمحفوظ ما في سائر الطرق، كما في
رواية سفيان في هذا الباب، وكذا وقع في ((الشروط)) عن عاصم بن علي، عن ابن أبي
ذئب، موافقا للجماعة، ولفظه: ((فقال: صدق اقض له يا رسول اللَّه بكتاب الله، إن
ابني الخ، فالاختلاف فيه على ابن أبي ذئب، وقد وافق آدم أبو بكر الحنفي، عند أبي
نعيم في ((المستخرج))، ووافق عاصما يزيد بن هارون عند الإسماعيلي. انتهى.
(إِنَّ انني) وفي رواية عند البخاريّ: ((إن ابني هذا»، قال في ((الفتح)): وفيه أن الابن کان
حاضرا، فأشار إليه، وخلا معظم الروايات عن هذه الإشارة. انتهى (كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا)

=
٣٢٩
٢٢ - (صَوْنُ النِّسَاءِ عَنْ مَجْلِسِ الْحُكْم) - حديث رقم ٥٤١٢
هذه الإشارة لخصم المتكلم، وهو زوج المرأة، زاد شعيب في روايته: ((والعسيف
الأجير))، وهذا التفسير مدرج في الخبر، وكأنه من قول الزهري؛ لما عُرف من عادته أنه
كان يُدخل كثيرا من التفسير في أثناء الحديث، كما بيّه الحافظ في مقدمة كتابه في
المدرج، وقد فصله مالك، فوقع في سياقه: ((كان عسيفا على هذا))، قال مالك:
والعسيف الأجير، وحذفها سائر الرواة.
و((العسيف))- بمهملتين -: كالأجير وزنًا ومعنَى، والجمع عُسَفاء، كأُجَراء، ويطلق
أيضا على الخادم، وعلى العبد، وعلى السائل، وقيل: يطلق على من يُستهان به،
وفسره عبد الملك بن حبيب بالغلام الذي لم يحتلم، وإن ثبت ذلك فإطلاقه على
صاحب هذه القصة، باعتبار حاله في ابتداء الاستئجار. ووقع في رواية للنسائي في
((الكبرى)) (٧١٩٣) تعيين كونه أجيرا، ولفظه من طريق عمرو بن شعيب، عن ابن
شهاب: ((كان ابني أجيرا لامرأته))، وسُمي الأجير عسيفا؛ لأن المستأجر يعسفه في
العمل، والعسف الجور، أو هو بمعنى الفاعل؛ لكونه يعسف الأرض بالتردد فيها،
يقال: عسف الليل عسفا: إذا أكثر السير فيه، ويطلق العسف أيضا على الكفاية،
والأجير يكفي المستأجر الأمر الذي أقامه فيه.
وقوله: ((على هذا)): ضَمَّنَ على معنى ((عند)) بدليل رواية عمرو بن شعيب، وفي
رواية محمد بن يوسف: ((عسيفا في أهل هذا))، وكأن الرجل استخدمه فيما تحتاج إليه
امرأته من الأمور، فكان ذلك سببًا لما وقع له معها.
(فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ، فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ، فَاقْتَدَيْتُ) وفي رواية سفيان: ((فزنى
بامرأته، فافتديت))، قال في ((الفتح)): وقد ذكر علي بن المديني، رواية في آخره هنا:
((أن سفيان كان يشك في هذه الزيادة))، فربما تركها، وغالب الرواة عنه كأحمد، ومحمد
ابن يوسف، وابن أبي شيبة، لم يذكروها، وثبتت عند مالك، والليث، وابن أبي ذئب،
وشعيب، وعمرو بن شعيب، ووقع في رواية آدم: ((فقالوا لي: على ابنك الرجم))، وفي
رواية الحميدي: ((فأخبرتُ)) بضم الهمزة على البناء للمجهول، وفي رواية أبي بكر
الحنفي: ((فقال لي)) بالأفراد، وكذا عند أبي عوانة، من رواية ابن وهب، عن يونس،
عن ابن شهاب، فإن ثبتت، فالضمير في قوله: ((فافتديت منه)) لخصمه، وكأنهم ظنوا أن
ذلك حق له، يستحق أن يعفو عنه على مال يأخذه، وهذا ظن باطل، ووقع في رواية
عمرو بن شعيب: ((فسألت من لا يعلم، فأخبروني أن على ابني الرجم، فافتديت منه)).
(بِمِائَةِ شَاةٍ، وَبِجَارِيَةٍ لي) وفي رواية سفيان: ((بمائة شاة، وخادم))، والمراد بالخادم:
الجارية المعدة للخدمة، كما بيّنته الرواية الأولى، وفي رواية ابن أبي ذئب، وشعيب:

=
٣٣٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَابِ الْقُضَاةِ
((بمائة من الغنم، ووليدة))، والوليدة في الأصل الطفلة، والجمع الولائد، وتطلق على
الجارية، والأمة، وإن كانت كبيرة.
(ثُمَّ إِّي سَأَلْتُ أَهْلَ الْعِلْم) وفي رواية سفيان: ((فسألت رجالًا من أهل العلم))، وفي
رواية معمر: ((ثم أخبرني أهل العلم))، وفي رواية عمرو بن شعيب: ((ثم سألت من
يعلم)). قال الحافظ: لم أقف على أسمائهم، ولا على عددهم، ولا على اسم
الخصمين، ولا الابن، ولا المرأة. (فَأَخْبَرُونِي) وفي رواية ابن أبي ذئب: ((فزعموا))
(أَنَّمَا عَلَى ابْنِي جَلْدُ مِائَةٍ) قال في ((الفتح)): بالإضافة للأكثر، وقرأه بعضهم بتنوين
((جلدٌ)) مرفوعًا، وتنوين ((مائةً)) منصوبًا على التمييز، ولم يثبت رواية. انتهى. (وَتَغْرِيبُ
عَام) أي إبعاده عن وطنه (وَإِنَّمَا الرَّجْمُ عَلَى امْرَأَتِهِ) وفي رواية سفيان: ((وعلى امرأة هذا
الرَجم))، وفي رواية عمرو بن شعيب: ((فأخبروني أن ليس على ابني الرجم)» (فَقَالَ رَسُولُ
اللَّهِ وَهِ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) وفي رواية مالك: ((أما والذي)) (لَأَقْضِيَنَّ) بتشديد النون
للتأكيد (بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ) وفي رواية عمرو بن شعيب: ((بالحق))، وهي تُرَجِّح أول
الاحتمالات الماضي ذكرها (أَمَّا غَنَمُكَ وَجَارِيَتُكَ فَرَدِّ إِلَيْكَ) وفي نسخة: ((عليك))، وفي
رواية سفيان: ((المائة شاة، والخادم ردّ)): أي مردود، من إطلاق لفظ المصدر على اسم
المفعول، كقولهم: ((ثوب نسج)): أي منسوج، ووقع في رواية صالح بن كيسان: ((أما
الوليدة والغنم فردها))، وفي رواية عمرو بن شعيب: ((أما ما أعطيته، فرد عليك))، قال
في ((الفتح)): فإن كان الضمير في ((أعطيته)) لخصمه تأيدت الرواية الماضية، وإن كان
للعطاء فلا .
(وَجَلَدَ ابْنَهُ مِائَةً، وَغَرَّبَهُ عَامًا) هذا ظاهر في أن الذي صدر حينئذ، كان حكما، لا
فتوى، بخلاف رواية سفيان ومن وافقه بلفظ: ((وعلى ابنك جلد مائة، وتغريب عام)).
قال النووي رحمه الله تعالى: هو محمول على أنه ولير عَلِم أن الابن كان بكرا، وأنه
اعترف بالزنا، ويحتمل أن يكون أضمر اعترافه، والتقدير: ((وعلى ابنك إن اعترف))،
والأول أليق، فإنه كان في مقام الحكم، فلو كان في مقام الإفتاء، لم یکن فيه إشكال؛
لأن التقدير: إن كان زنى، وهو بكر، وقرينة اعترافه حضوره مع أبيه، وسكوته عما
نسبه إليه، وأما العلم بكونه بكرا، فوقع صريحا من كلام أبيه، في رواية عمرو بن
شعيب، ولفظه: ((كان ابني أجيرا لامرأة هذا، وابني لم يحصن)).
(وَأَمَرَ أَتَيْسًا) -بنون، ومهملة، مصغرًا- (أَنْ يَأْتِيَ امْرَأَةَ الْآخَرِ) وهكذا في رواية
يونس، وصالح بن كيسان، وفي رواية سفيان: ((واغد يا أنيس على امرأة هذا»، زاد
محمد بن يوسف: ((فاسألها))، قال ابن السكن في ((كتاب الصحابة)): لا أدري من هو؟

٢٢- (صَوْنُ النِّسَاءِ عَنْ مَجْلِس الْحُكْم) - حديث رقم ٥٤١٢
٣٣١ -
ولا وجدت له رواية، ولا ذكرًا، إلا في هذا الحديث. وقال ابن عبد البر: هو ابن
الضحاك الأسلمي، وقيل: ابن مرثد، وقيل: ابن أبي مرثد، وزيفوا الأخير بأن أنيس بن
أبي مرثد صحابي مشهور، وهو غَنَوي بالغين المعجمة، والنون- لا أسلمي، وهو
بفتحتين- لا التصغير، وغلط من زعم أيضا أنه أنس بن مالك، وصُغّر كما صُغّر في
رواية أخرى عند مسلم؛ لأنه أنصاريّ، لا أسلمي. ووقع في رواية شعيب، وابن أبي
ذئب: ((وأما أنت يا أنيس- لرجل من أسلم- فاغد))، وفي رواية معمر: ((ثم قال الرجل
من أسلم، يقال له: أنيس: قم يا أنيس، فسل امرأة هذا))، وهذا يدل على أن المراد
بالغدو الذهاب والتوجه، كما يُطلق الرواح على ذلك، وليس المراد حقيقة الغدو، وهو
التأخير إلى أول النهار، كما لا يراد بالرواح التوجه نصف النهار، وقد حَكَى عياض أن
بعضهم استدل به على جواز تأخير إقامة الحد، عند ضيق الوقت، واستضعفه بأنه ليس
في الخبر أن ذلك كان في آخر النهار.
(فَإِنِ اعْتَرَفَتْ، فَارْجُهَا) وفي رواية يونس: ((وأمر أنيسا الأسلمي أن يرجم امرأة
الآخر، إن اعترفت)) (فَاعْتَرَفَتْ، فَرَجَهَا) وفي رواية سفيان: ((فغدا عليها، فاعترفت،
فرجمها))، وكذا للأكثر، ووقع في رواية الليث: ((فاعترفت، فأمر بها رسول اللّه وَلته ،
فرجمت))، واختصره ابن أبي ذئب، فقال: ((فغدا عليها، فرجمها))، ونحوه في رواية
صالح بن كيسان، وفي رواية عمرو بن شعيب: ((وأما امرأة هذا، فترجم))، ورواية الليث
أتمها؛ لأنها تُشعر بأن أنيسا أعاد جوابها على النبي وَّر، فأمر حينئذ برجمها، ويحتمل أن
يكون المراد أَمرَهُ الأول المعلق على اعترافها، فيتحد مع رواية الأكثر، وهو أولى. قاله
في ((الفتح)) ١٠٥/١٤. ((كتاب الحدود)) رقم ٦٨٢٧. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة، وزيد بن خالد الْجُهنيّ رضي اللَّه تعالى عنهما هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥٤١٢/٢٢ و ٥٤١٣ - وفي ((الكبرى)) ٥٩٦٨/٢٨ و٥٩٧١ و٥٩٧٢
و((الرجم)) ٧١٩٠ و٧١٩١٧١٩٢٧١٩٣. وأخرجه (خ) في ((الوكالة)) ٢٣١٥ و((الصلح))
٢٦٩٦ و((الشروط)) ٢٧٢٥ و(الأيمان والنذور)) ٦٦٣٣ و((الحدود)) ٦٨٢٨ و٦٨٣٦
و ٦٨٤٣ و٦٨٦٠ و((الأحكام)) ٧١٩٥ (م) في ((الحدود)) ١٦٩٨ (د) في ((الحدود)) ٤٤٤٥
(ت) في ((الحدود)) ١٤٣٢ (ق) في ((الحدود)) ٢٥٤٩ (أحمد) في ((مسند الشاميين))

٣٣٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَاب الْقُضَاةِ
١٦٥٩٠ (الموطأ) في ((الحدود)) ١٥٥٦. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان صون النساء عن مجلس
الحكم، حيث إنه ◌َلهو أمر أنيسًا وَّه أن يغدو إلى المرأة، ويسألها، فإن اعترفت
رجمها، ولم يُلزمها حضور مجلس الحكم. قال في ((الفتح)) ١٠٦/١٤: فيه أن الْمُخَذَّرَة
التي لا تعتاد البروز، لا تكلف الحضور لمجلس الحكم، بل يجوز أن يرسل إليها من
یحکم لها وعلیها. انتهى.
(ومنها): الرجوع إلى كتاب اللّه نصا، أو استنباطا. (ومنها): جواز القسم على
الأمر؛ لتأكيده، والحلف بغير استحلاف. (ومنها): حسن خلق النبي ◌َّر، وحلمه على
من يخاطبه بما الأَوْلَى خلافه، وأن من تأسى به من الحكام في ذلك يحمد، كمن لا
ينزعج لقول الخصم مثلا: احكم بيننا بالحق، وقال البيضاوي: إنما تواردا على سؤال
الحكم بكتاب اللّه، مع أنهما يعلمان أنه والتر لا يحكم إلا بحكم اللَّه؛ ليحكم بينهما
بالحق الصرف، لا بالمصالحة، ولا الأخذ بالأرفق؛ لأن للحاكم أن يفعل ذلك برضا
الخصمين. (ومنها): أن حسن الأدب في مخاطبة الكبير، يقتضي التقديم في
الخصومة، ولو كان المذكور مسبوقا. (ومنها): أن للإمام أن يأذن لمن شاء من
الخصمين في الدعوى، إذا جاءا معا، وأمكن أن كلا منهما يَدّعِي. (ومنها): استحباب
استئذان المدعي، والمستفتي الحاكم، والعالم في الكلام، ويتأكد ذلك إذا ظن أن له
عذرا. (ومنها): أن من أقر بالحد، وجب على الإمام إقامته عليه، ولو لم يعترف
مشاركه في ذلك. (ومنها): أن من قذف غيره لا يقام عليه الحد، إلا إن طلبه
المقذوف، خلافا لابن أبي ليلى، فإنه قال: يجب ولو لم يطلب المقذوف. وتعقّبه
الحافظ: بأن محل الخلاف، إذا كان المقذوف حاضرا، وأما إذا كان غائبا كهذا،
فالظاهر أن التأخير لاستكشاف الحال، فإن ثبت في حق المقذوف، فلا حد على
القاذف، كما في هذه القصة، وقد قال النووي تبعا لغيره: إن سبب بعث النبي ◌َّر أنيسا
للمرأة؛ ليُعلمها بالقذف المذكور؛ لتطالب بحد قاذفها، إن أنكرت، قال: هكذا أوله
العلماء من أصحابنا وغيرهم، ولا بد منه؛ لأن ظاهره أنه بعث يطلب إقامة حد الزنا،
وهو غير مراد؛ لأن حد الزنا لا يحتاط له بالتجسس، والتنقيب عنه، بل يستحب تلقين
المقِرّ به ليرجع، كما تقدم في قصة ماعز، وكأن لقوله: «فإن اعترفت))، مقابلا: أي وإن
أنكرت، فأعلمها أن لها طلب حد القذف، فحُذف لوجود الاحتمال، فلو أنكرت،
وطلبت لأُجيبت. وقد أخرج أبو داود، والنسائي من طريق سعيد بن المسيب، عن ابن

- ٢٢ - (صَوْنُ النِّسَاءِ عَنْ مَجْلِسِ الْحُكْم) - حديث رقم ٥٤١٢
٣٣٣ =
عباس: ((أن رجلا أقر بأنه زنى بامرأة، فجلده النبي وَّر مائة، ثم سأل المرأة، فقالت:
كذب، فجلده حد الفرية ثمانين))، وقد سكت عليه أبو داود، وصححه الحاكم،
واستنكره النسائي.
(ومنها): أن السائل يذكر كل ما وقع في القصة؛ لاحتمال أن يَفهَم المفتي، أو
الحاكم من ذلك، ما يَستدل به على خصوص الحكم في المسألة؛ لقول السائل: ((إن
ابني كان عسيفا على هذا»، وهو إنما جاء يسأل عن حكم الزنا، والسر في ذلك أنه أراد
أن يقيم لابنه معذرةً مّا، وأنه لم يكن مشهورا بالعَهْر، ولم يَهْجُم على المرأة مثلًا، ولا
استكرهها، وإنما وقع له ذلك لطول الملازمة المقتضية لمزيد التأنيس، والإدلال،
فيستفاد منه الحثّ على إبعاد الأجنبي من الأجنبية، مهما أمكن؛ لأن العشرة قد تفضي
إلى الفساد، ويتسور بها الشيطان إلى الإفساد.
(ومنها): جواز استفتاء المفضول مع وجود الفاضل، والرَّدّ على من منع التابعي أن
يفتي مع وجود الصحابي مثلا. (ومنها): جواز الاكتفاء في الحكم بالأمر الناشيء عن
الظن، مع القدرة على اليقين، لكن إذا اختلفوا على المستفتي يرجع إلى ما يفيد القطع،
وإن كان في ذلك العصر الشريف من يفتي بالظن الذي لم ينشأ عن أصل، ويحتمل أن
يكون وقع ذلك من المنافقين، أو مَن قَرُب عهده بالجاهلية، فأقدم على ذلك. (ومنها):
أن الصحابة كانوا يفتون في عهد النبي ◌َّ، وفي بلده، وقد عقد محمد بن سعد في
((الطبقات)) بابا لذلك، وأخرج بأسانيد فيها الواقدي، أن منهم: أبا بكر، وعمر،
وعثمان، وعليا، وعبد الرحمن بن عوف، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن
ثابت
[تنبيه]: من كان مشهورًا بالفتوى من الصحابة ، سبعة: عمر بن الخطّاب، وابنه
۵۵ے،
عبد الله بن عمر، وعليّ، وابن عباس، وعائشة، وابن مسعود، وزيد بن ثابت
قال ابن حزم رحمه الله تعالى: يمكن أن يُجمع من فتيا كلّ منهم مجلّد ضخم، وإليهم
أشار الحافظ السيوطيّ رحمه الله تعالى في ((ألفية الحديث))، حيث قال:
وَالْبَخْرُ أَوْفَاهُمْ فَتَاوَى وَعُمَزْ وَتَجْلُهُ وَزَوْجَةُ الْهَادِي الأَبْرُ
ثُمَّ ابْنُ مَسْعُودٍ وَزَيْدٌ وَعَلِي وَيَعْدَهُمْ عِشْرُونَ لَا تُقَلْلِ
وبعد هؤلاء من كان قليل الفتوى منهم، وهم عشرون: أبو بكر، وعثمان، وأبو
موسى الأشعريّ، ومعاذ بن جبل، وسعد بن أبي وقّاص، وأبو هريرة، وأنس بن
مالك، وعبد الله بن عمرو، وسلمان الفارسيّ، وجابر بن عبد اللَّه، وأبو سعيد
الخدريّ، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وعمران بن حُصين، وأبو بكرة،

٣٣٤
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَابِ الْقُضَاةِ
وعبادة بن الصامت، ومعاوية، وابن الزبير، وأم سلمة به . قال ابن حزم رحمه الله
تعالی: یمکن أن يُجمع من فتوی کلّ منهم جزء صغير
وقد نظمت هؤلاء العشرين، فقلت:
سَلْمَانُ جَابِرٌ مُعَاذُ الأَكْيَسُ
صِدْقُهُمْ عُثْمَانُ سَعْدٌ أَنَسٌ
أَبُو هُرَيْرَةَ بِلِي عُبَادَةٌ
وَالأَشْعَرِيُّ وَالزُّبَيْرُ طَلْحَةٌ
نَجْلُ حُصَيْنٍ وَنُفَيعْ حَبَّذَا
وَنْجْلُ عَمْرٍ وَابْنُ عَوْفٍ وَكَذَا
وَابْنُ الزُّبَيْرِ هُمْ حَلِيفُو الْمَكْرَمَةْ
سَعْدٌ مُعَاوِيَةُ أُمُّ سَلَمَةْ
فَهَؤُلَاءِ مَرْجِعُ الأَنَّامِ فِي عَضْرِهِمْ لِمُعْضِلِ الأَحْكَامِ
(ومنها): أن الحكم المبني على الظن، يُنقض بما يُفيد القطع. (ومنها): أن الحد لا
يَقبل الفداء، وهو مجمع عليه في الزنا، والسرقة، والحرابة، وشرب المسكر، واختُلف
في القذف، والصحيح أنه كغيره، وإنما يجري الفداء في البدن، كالقصاص في النفس
والأطراف. (ومنها): أن الصلح المبني على غير الشرع، يُرّد، ويعاد المال المأخوذ
فيه .
قال ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: وبذلك يتبين ضعف عذر من اعتذر من الفقهاء
عن بعض العقود الفاسدة، بأن المتعاوضين تراضيا، وأَذِن كل منهما للآخر في
التصرف، والحق أن الأذن في التصرف مقيد بالعقود الصحيحة. انتهى.
(ومنها): جواز الإستنابة في إقامة الحد. (ومنها): أنه استُدِلّ به على وجوب
الإعذار، والاكتفاء فيه بواحد، وأجاب عياض، باحتمال أن يكون ذلك ثبت عند النبي
وَلا بشهادة هذين الرجلين، كذا قال، والذي تُقبل شهادته من الثلاثة والد العسيف فقط،
وأما العسيف، والزوج فلا، وغفل بعض من تبع القاضي، فقال: لا بد من هذا الحمل،
وإلا لزم الاكتفاء بشهادة واحد في الإقرار بالزنا، ولا قائل به، ويمكن الانفصال عن
هذا، بأن أُنيسا بُعث حاكما، فاستوفى شروط الحكم، ثم استأذن في رجمها، فأذن له في
رجمها، وكيف يُتصور من الصورة المذكورة إقامة الشهادة عليها، من غير تقدم دعوى
عليها، ولا على وكيلها، مع حضورها في البلد، غير متوارية، إلا أن يقال: إنها شهادة
حِسْبة، ويجاب بأنه لم يقع هناك صيغة الشهادة المشروطة في ذلك. (ومنها): أنه
استُدِلّ به على جواز الحكم بإقرار الجاني، من غير ضبط بشهادة عليه، ولكنها واقعة
عين، فيحتمل أن يكون أنيس أشهد قبل رجمها، قال عياض: احتج قوم بجواز حكم
الحاكم في الحدود وغيرها، بما أقر به الخصم عنده، وهو أحد قولي الشافعي، وبه قال

٢٢- (صَوْنُ النِّسَاءِ عَنْ مَجْلِس الْحُكْم) - حديث رقم ٥٤١٣
٣٣٥
أبو ثور، وأبى ذلك الجمهور، والخلاف في غير الحدود أقوى، قال: وقصة أنيس
يطرقها احتمال معنى الإعذار كما مضى، وأن قوله: ((فارجُها)) أي بعد إعلامي، أو أنه
فَوَّض الأمر اليه، فإذا اعترفت بحضرة من يثبت ذلك بقولهم تحكم، وقد دل قوله:
(( فأمر بها رسول اللَّه وَّه فرُجمت، أن النبي ◌ََّ، هو الذي حكم فيها بعدَ أن أعلمه
أنيس باعترافها، كذا قال، والذي يظهر أن أنيسا لَمّا اعترفت أعلم النبي ◌َّ، وبالغ في
الاستثبات، مع كونه كان عَلّق له رجمها على اعترافها.
(ومنها): أنه استدل به على أن حضور الإمام الرجم ليس شرطا. وتُعُقّب باحتمال أن
أنيسا كان حاكما، وقد حضر، بل باشر الرجم؛ لظاهر قوله: ((فرجمها)). (ومنها): أن فيه
تركَ الجمع بين الجلد والتغريب. (ومنها): أن فيه الاكتفاءَ بالاعتراف بالمرة الواحدة؛
لأنه لم يُنقل أن المرأة تكرر اعترافها، والاكتفاء بالرجم من غير جلد؛ لأنه لم يُنقل في
قصتها أيضا، وفيه نظر؛ لأن الفعل لا عموم له، فالترك أولى. (ومنها): أن فيه جوازَ
استئجار الحر، وجواز إجازة الأب ولده الصغير لمن يستخدمه، إذا احتاج لذلك.
(ومنها): أنه استُدلّ به على صحة دعوة الأب لمحجوره، ولو كان بالغا؛ لكون الولد
كان حاضرا، ولم يتكلم إلا أبوه. وتُعُقّب باحتمال أن يكون وكيله، أو لأن التداعي لم
يقع إلا بسبب المال الذي وقع به الفداء، فكأن والد العسيف ادعى على زوج المرأة بما
أخذه منه، إما لنفسه، وإما لامرأته بسبب ذلك حين أعلمه أهل العلم، بأن ذلك الصلح
فاسد؛ ليستعيده منه، سواء كان من ماله، أو من مال ولده، فأمره النبي وَل برد ذلك
إليه، وأما ما وقع في القصة من الحد، فباعتراف العسيف، ثم المرأة. (ومنها): أن حال
الزانيين إذا اختلفا، أقيم على كل واحد حده؛ لأن العسيف جُلِدَ، والمرأة رُجمت، فكذا
لو كان أحدهما حرا، والآخر رقيقا، وكذا لو زنى بالغ بصبية، أو عاقل بمجنونة حُدّ
البالغ والعاقل دونهما، وكذا عكسه. (ومنها): أن من قذف ولده لا يحد له؛ لأن الرجل
قال: إن ابني زنى، ولم يثبت عليه حد القذف. أفاده في ((الفتح)) ١٤/ ١٠٥-١٠٧.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٤١٣ - (أَخْبَرَنَا قُتَنِبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ، وَشِبْلٍ، قَالُوا: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ◌َِّ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ،
فَقَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ، إِلَّا مَا قَضَيْتَ بَيْنَا بِكِتَابِ اللَّهِ، فَقَامَ خَصْمُهُ، وَكَانَ أَفْقَهَ مِنْهُ، فَقَالَ:
صَدَقَ، اقْضٍ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ، قَالَ: ((قُلْ))،َ قَالَ: إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا، فَزَنَى
بِامْرَأَتِهِ، فَاقْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمِائَةٍ شَاةٍ وَخَادِمٍ، وَكَأَنَّهُ أُخْبِرَ أَنَّ عَلَى ابْنِهِ الرَّجْمَ، فَاقْتَدَى مِنْهُ، ثُمَّ
سَأَلْتُ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عَلَى ابْنِي جَلْدَ مِائَةٍ، وَتَغْرِيبَ عَامِ، فَقَالَ لَهُ

٣٣٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَاب الْقُضَاةِ
رَسُولُ اللَّهِ وَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، أَمَّا الْمِائَةُ
شَاةٍ وَالْخَادِمُ، فَرَدِّ عَلَيْكَ، وَعَلَّى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ، وَتَغْرِيَبُ عَامِ، اغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةٍ
هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ، فَارْجُهَا))، فَغَدَا عَلَيْهَا، فَاعْتَرَفَتْ، فَرَجَّهَاً).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((سفيان)): هو ابن عيينة. وقوله: ((وشبل)): تقدّم أن
هذا وهَمّ من سفيان، وليس لشبل ذكر في هذا الحديث، وإنما هو في حديث آخر في
الأمة إذا زنت، وشبل هو ابن الضحاك الأسلميّ، وقيل: ابن مرثد، قال النووي:
والأول هو الصحيح المشهور.
وقوله: ((قال: قل)): أي قال النبيّ وَّلّ للرجل لَما استأذنه أن يتكلّم: ((قل)): أي تكلّم
بما تريد أن تسأل عنه.
وقوله: ((أن على ابني جلدَ مائة، وتغريبَ عام)): بنصب ((جلدَ))، و((تغريب)) على
أنهما اسما ((أن)) مؤخّرين. وقوله: ((وعلى ابنك جلدُ مائة، وتغريب عام)) بالرفع على أنه
مبتدأ وخبر.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق تمام شرحه، وبيان مسائله في الذي قبله. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
٢٣- (تَوْجِيهُ الْحَاكِمِ إِلَى مَنْ أُخَبِرَ
أَنَّهُ زَنَیَ)
((قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: ((أُخبر)) بالبناء للمفعول، يعني أن الإمام إذا
ذُكر له أن شخصًا زنى ينبغي له أن يرسل إليه، والغرض من الإرسال تبيين الحقّ
للمدّعى عليه، حتى يطالب بحدّ القذف إن أنكر ذلك، وليس المراد إثبات الزنا عليه،
والتجسس في ذلك؛ لأن على الحاكم إذا اعترف إليه شخص بالزنا أن يلقّنه ما يدفع به
عن نفسه، كما قال النبيّ وَلهوالماعز بن مالك رضي: ((لعلك قبلت، لعلك لمست ... ))
الحديث، ولهذا أول العلماء إرساله والر للمرأة التي تقدّمت في الباب الماضي بأنه
لإعلامها بأن هذا الرجل قذفها بابنه، وأن لها حدّ القذف إن أنكرت هي عليه. والله
تعالى أعلم بالصواب.

٢٣- (تَوْجِيهُ الْحَاكِم إِلَى مَنْ أُخَبِرَ أُنَّهُ زنى) - حديث رقم ٥٤١٤
٣٣٧
٥٤١٤- (أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الْكَزْمَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ، قَالَ: حَدَّثَنَا
حَمَّادٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْتِى، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ بْنِ حُنَيْفٍ، أَنَّ النَّبِيِّ ◌َهِ، أَتِيَ بِامْرَأَةٍ
قَدْ زَنَتْ، فَقَالَ: ((مِمَّنْ؟))، قَالَتْ: مِنَ الْمُفْعَدِ الَّذِي فِي خَائِطِ سَعْدٍ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ، فَأَتِيَ
بِهِ مَحْمُولًا، فَوُضِعَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَاعْتَرَفَ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ لِ لّهِ بِإِثْكَالٍ فَضَرَبَهُ، وَرَحِمَهُ
لِزَمَانَتِهِ، وَخَفَّفَ عَنْهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الْكَرْمَانِيُّ) أبو عليّ، نزيل طَرَسُوس، لا بأس به، إلا في
حديث مسدّد، قاله المصنّف، وهو من أفراده [١٢] ١٨/ ٤١٨٢ .
٢ - (أَبُو الرَّبِيع) سليمان بن داود الزهرانيّ العتكيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقة [١٠]
٢١٤٧/١٩ ٠
٣- (حمّاد) بن زيد بن درهم الجهضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثبت فقيه، من
كبار [٨] ٣/٣ .
٤- (يحيى) بن سعيد بن قيس الأنصاريّ، أبو سعيد المدنيّ القاضي، ثقة ثبت [٥]
٢٣/٢٢.
٥- ((أَبو أُمَامَةَ) أسعد بْنِ سَهْلٍ بْنِ حُنَيْفٍ- مصغّرًا- الأنصاريّ المشهور بكنيته،
معدود في الصحابة؛ لرؤيته، ولم يسمع من النبيّ وَّر، مات سنة (١٠٠) وله (٩٢)
سنة. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير شيخه، فمن أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من يحيين
وشيخه طَرَسُوسِيّ، والباقيان بصريان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، عن أبي
أمامة، فإنه تابعيّ رواية، وإن كان صحابيّا رؤيةً، فالحديث مرسلٌ، كما سيأتي بيانه.
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي أُمَامَةَ) أسعد (بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ) مصغّرًا الأنصاريّ ◌َّه (أَنَّ النَّبِيِّ ◌َهِ،
أُتِّيَّ) بالبناء للمفعول (بِامْرَأَةٍ قَدْ زَنَثَ) وفي رواية ((الكبرى)) من طريق أبي حازم، عن أبي
أمامة بن سهل: ((قال: جيء رسول اللّه ◌َ له بجارية حبلى، فقيل لها: من أحبلك؟ ... ))
الحديث (فَقَّالَ) وَلِّ (مِمَّنْ؟) ((من)) استفهامية، والجارّ والمجرور خبر لمحذوف: أي

٣٣٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَاب الْقُضَاةِ
ممن الزنا؟، أو ممن الحبل، وهذا أولى لما مرّ آنفًا من رواية أبي حازم (قَالَتْ: مِنَ
الْمُقْعَدِ) أي هو من الرجل المقعد، بصيغة اسم المفعول، يقال: أقعد الرجل بالبناء
للمفعول: أصابه داء في جسده، فلا يستطيع الحركة للمشي، فهو مُقْعَدٌ، وهو الزَّمِنُ
أيضًا. قاله في ((المصباح)) (الَّذِي فِي حَائِطِ سَغدٍ) أي ابن عبادة، ففي رواية ((الكبرى))
٤/ ٣١٢- من طريق سفيان، عن يحيى بن سعيد، أنه سمع أبا أمامة بن سهل يقول:
((كان رجلٌ عند جوار سعد بن عبادة، مقعد ... )) الحديث، ومن طريق الزهريّ، عن
أبي أمامة، قال: مرِض رجل منهم حتى عاد جلدًا على عظم، فدخلت عليه جارية
تعوده، فوقع عليها، فضاق صدرًا بخطيئته، فقال لقوم يعودونه: سلوا لي رسول الله
وَّة، فإني قد وقعت على امرأة حراما، فليُقم عليّ الحدّ، وليُطهّرني، فذكروا ذلك
لرسول اللَّه وَلتر، ثم قالوا: لو حُمل إليك لتحطّمت عظامه، ولو ضُرب لمات، فقال:
(خذوا مائة شمروخ، فاضربوه به ضربةً واحدة)) (فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ) الظاهر أن هذا الإرسال
مثل الإرسال المتقدّم في قصّة المرأة المذكورة الباب الماضي، حيث قيل: إن سبب
بعث النبيّ وَّ إليها؛ ليُعلمها بالقذف المذكور؛ لتطالب بحدّ قاذفها إن أنكرت (فَأَتِيَ بِهِ
مَحْمُولًا) أي لعدم استطاعته المشي لشدة مرضه (فَوُضِعَ بَيْنَ يَدَيْهِ) وَِّ (فَاعْتَرَفَ) بأنه
زنى بها (فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ إِلَّهِ بِإِثْكَالٍ) بكسر الهمزة، وسكون الثاء المثلثة، بعدها كاف،
ثم لام: وهو عذق النخلة بما فيه من الشماريخ (فَضَرَبَهُ) بذلك الإثكال ضربة واحدة
(وَرَحِمَهُ لِزَمَانَتِهِ) أي ترك جلده مائة؛ رحمةً به؛ لشدّة مرضه، ولأنه لو جُلد لمات
(وَخَفَّفَ عَنْهُ) بضربه مرّة واحدة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي أمامة بن سهل رضي اللَّه تعالى عنهما هذا مرسلٌ صحيح، وقد روي
موصولًا عن أبي أمامة بن سهل، عن سعيد بن سعد بن عبادة ، وقد استوفى طرقه
المصنف رحمه الله تعالى في ((الكبرى)) ٣١١/٤-٣١٤ - وقال في آخره: قال أبو عبد
الرحمن: أجودها حديث أبي أمامة مرسلٌ. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحدیث -وإن كان الأرجح إرساله- لکنه یعتضد بما
رواه مسلم في (صحيحه))، من حديث عليّ رَظ فيه أنه قال: إن أمة لرسول اللَّه ◌ِاله
زنت، فأمرني أن أجلدها، فإذا هي حديثة عهد بنفاس، فخشيت إن أنا جلدتها أن
أقتلها، فذكرت ذلك لرسول اللّه وَّله، فقال: ((أحسنت)). والله تعالى أعلم.

٢٣- (تَوْجِيهُ الْحَاكِمِ إِلَى مَنْ أُخَبِرَ أنَّهُ زنى) - حديث رقم ٥٤١٤
٣٣٩
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له:
أخرجه هنا-٥٤١٤/٢٣ - وفي ((الكبرى)) في ((الرجم)) ٧٣٠١/٣٨ ٧٣٠٢ و ٧٣٠٣
و ٧٣٠٤ و٧٣٠٥ و٧٣٠٦ و٧٣٠٧ و ٧٣٠٨ و٧٣٠٩/٣٩ و٧٣١٠ .
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه اللّه تعالى، وهو بيان مشروعيّة توجيه الحاكم
إلى من أُخبر عنه أنه زنى. (ومنها): وجوب إقامة الحدّ على المريض. (ومنها): أن حدّ
المريض يختلف عن حدّ الصحيح، حيث يُكتفى بضربه مرّة واحدة بإثكال ونحوه.
(ومنها): ثبوت الزنا بالإقرار مرّة واحدة، حيث لم يثبت في هذا الحديث، ولا في
الحديث الماضي في الباب السابق أنه وَ ل أمر بتكرار الإقرار، وقال أبو حنيفة رحمه الله
تعالى: لا بد من أربع مرّات كالشهود، مستدلا بحديث ماعز تنميه ، وقد مضى تمام
البحث في ذلك في موضعه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
· (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في إقامة الحدّ على المريض:
قال في ((المغني)) ٣٢٩/١٢: والمريض على ضربين: [أحدهما]: يرجى برؤه، فقال
أصحابنا يقام عليه الحدّ، ولا يؤخر كما قال أبو بكر في النفساء، وهذا قول إسحاق، وأبي
ثور؛ لأن عمر رضي الله عنه أقام الحد على قُدامة بن مظعون في مرضه، ولم يؤخر ما
أوجبه الله بغير حجة، قال القاضي: وظاهر قول الخرقي تأخيره؛ لقوله فيمن يجب عليه
الحد: وهو صحيح عاقل، وهذا قول أبي حنيفة، ومالك، والشافعي؛ لحديث علي رضي
الله عنه في التي هي حديثة عهد بنفاس، وما ذكرناه من المعنى، وأما حديث عمر رَّه في
جلد قدامة، فإنه يحتمل أنه كان مرضا خفيفا، لا يمنع من إقامة الحد على الكمال، ولهذا لم
ينقل عنه أنه خفف عنه في السوط، وإنما اختار له سوطا وسطا، كالذي يضرب به
الصحيح، ثم إن فعل النبي ◌َّر يقدم على فعل عمر، مع أنه اختيار علي وفعله، وكذلك
الحكم في تأخيره؛ لأجل الحر والبرد المفرط.
[الضرب الثاني]: المريض الذي لا يرجى برؤه، فهذا يقام عليه في الحال، ولا
يؤخر، بسوط يؤمن معه التلف، كالقضيب الصغير، وشِمْراخ النخل، فإن خيف عليه
من ذلك جمع ضِغْتْ فيه مائة شمراخ، فضرب به ضربة واحدة، وبهذا قال الشافعي،
وأنكر مالك هذا، وقال: قد قال اللَّه تعالى: ﴿فَجْلِدُواْ كُلَّ وَحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةً جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]
وهذا جلدة واحدة.
قال: ولنا ما رَوَى أبو أمامة بن سهل بن حنيف، عن بعض أصحاب النبي وَلّى: ((أن
رجلا منهم اشتكى، حتى ضَنِي، فدخلت عليه امرأة، فَهَشّ لها، فوقع بها، فسئل له

٣٤٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَاب الْقُضَاةِ
رسول اللَّه وَلتر، فأمر رسول اللَّه ◌َ له أن يأخذوا مائة شمراخ، فيضربوه ضربة واحدة))،
رواه أبو داود، والنسائي، وقال ابن المنذر: في إسناده مقال- أي لأن الأرجح إرساله-
ولأنه لا يخلو من أن يُقام الحد على ما ذكرنا، أو لا یقام أصلا، أو یضرب ضربا كاملا،
لا يجوز تركه بالكلية؛ لأنه يخالف الكتاب والسنة، ولا يجوز جلده جلدا تاما؛ لأنه
يفضي إلى إتلافه، فتعين ما ذكرناه، وقولهم: هذا جلدة واحدة، يجوز أن يقام ذلك في
حال العذر مقام مائة، كما قال اللَّه تعالى، في حق أيوب،فَلَّلُ: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْنًا فَأَضْرِب
بِهِ وَلَا تَحْتَثْ إِنَّا وَجَدْنَهُ﴾ الآية [ص: ٤٤]، وهذا أولى من ترك حده بالكلية، أو قتله مما
لا يوجب القتل. انتهى («المغني)» ٣٢٩/١٢-٣٣١.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه الأولون من وجوب حدّه حالًا بضربة
واحدة؛ حفظًا على حياته هو الأرجح عندي؛ لحديث الباب، وحديث الباب، وإن كان
الأصح إرساله، لكنه اعتضد بما رواه مسلم في ((صحيحه)) من حديث عليّ تَّه، كما
أسلفناه آنفًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)) .
٢٤- (مَسِيرُ الْحَاكِم إِلَى رَعِيَتِّهِ
لِلصُّلْحِ بَيْتَهَمْ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدالّ على استحباب ذهاب الإمام إلى رعيته إذ وقع بينهم
اختلاف للإصلاح بينهم، فالمسير بالسين المهملة: بمعنى السير، وفي نسخة: ((مصير))
بالصاد المهملة، من الصيرورة.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: محلّ الشاهد من الحديث قوله: ((فَذَهَبَ النَّبِيُّ ◌َِّ؛
لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ))، وقد ترجم الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في ((صحيحه)) بنحو من ذلك،
حيث قال: باب الإمام يأتي قومًا، فيُصلح بينهم))، ثم أرد نفس حديث الباب. قال ابن
المنير رحمه الله تعالى: فقه الترجمة التنبيه على جواز مباشرة الحاكم الصلح بين الخصوم،
ولا يُعدّ ذلك تصحيفًا في الحكم، وعلى جواز ذهاب الحاكم إلى موضع الخُصُوم للفصل
بينهم، إما عند عِظم الخطب، وإما ليكشف ما لا يُحاط بعلمه إلا بالمعاينة، ولا يُعدّ ذلك