النص المفهرس

صفحات 301-320

١٨- (ذِكْرُ ما یبقی للحاكم اَنْ يَجْتنبه) - حديث رقم ٥٤٠٨
٣٠١ ==
(إِلَى) ولده (عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، وَهُوَ قَاضِي سِجِسْتَانَ) جملة حالية،
و(سجستان))- بكسر المهملة والجيم، على الصحيح، بعدهما مثناة ساكنة- وهي إلى
جهة الهند، بينها وبين كِزمان مائة فرسخ، منها أربعون فرسخا مفازة، ليس فيها ماء،
وينسب إليها سجستاني، وسِجزتي- بزاي بدل السين الثانية والتاء- وهو على غير
قياس، و((سجستان)) لا تصرف للعلمية والعجمية، أو زيادة الألف والنون. قال ابن سعد
في ((الطبقات)): كان زياد في ولايته على العراق قَرَّب أولاد أخيه لأمه، أبي بكرة،
وشَرَّفهم، وأقطعهم، ووَلَّى عبيد الله بن أبي بكرة سجستان، قال: ومات أبو بكرة في
ولاية زياد. (أَنْ لَا تَحَكُمَ) وفي رواية البخاريّ: ((أن لا تقضي)) (بَيْنَ اثْنَيْنِ، وَأَنْتَ
غَضْبَانُ، فَإِنِّي) الفاء للتعليل: أي لأني (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ شَهِ، يَقُولُ: ((لَا) يحتمل أن
تكون ناهيةً، والفعل بعدها مجزوم بها، ويحتمل أن تكون نافية، والفعل مرفوع، والنفي
بمعنى النهي (يَحْكُمْ أَحَدٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ، وَهُوَ غَضْبَانُ))) وفي رواية البخاريّ: ((لا يقضين
حَكَمْ بين اثنين، وهو غضبان))، وفي رواية الشافعي، عن سفيان بن عيينة، عن عبد
الملك بن عمير بسنده: ((لا يقضي القاضي، أو لا يحكم الحاكم بين اثنين، وهو
غضبان))، ولم يذكر القصة.
والْحَكَم - بفتحتين -: هو الحاكم، وقد يطلق على القَيِّم بما يسند إليه. قال
المهلب: سبب هذا النهي أن الحكم حالة الغضب قد يتجاوز بالحاكم إلى غير الحق
فمنع، وبذلك قال فقهاء الأمصار. وقال ابن دقيق العيد: فيه النهي عن الحكم حالة
الغضب؛ لما يحصل بسببه من التغير الذي يَختَلّ به النظر، فلا يحصل استيفاء الحكم
على الوجه، قال: وعَدّاه الفقهاء بهذا المعنى إلى كل ما يحصل به تغير الفكر، كالجوع
والعطش المفرطين، وغلبة النعاس، وسائر ما يتعلق به القلب، تعلقا يَشغله عن استيفاء
النظر، وهو قياس مظنة على مظنة، وكأن الحكمة في الاقتصار على ذكر الغضب؛
لاستيلائه على النفس، وصعوبة مقاومته، بخلاف غيره. وقد أخرج البيهقي بسند
ضعيف، عن أبي سعيد رفعه: ((لا يقض القاضي إلا وهو شبعان، ريان)). وقول الشيخ:
وهو قياس مظنة على مظنة صحيح، وهو استنباط معنى دل عليه النص، فإنه لَمّا نُهِيَ عن
الحكم حالة الغضب، فُهم منه أن الحكم لا يكون إلا في حالة استقامة الفكر، فكانت
علة النهي المعنى المشترك، وهو تغير الفكر، والوصف بالغضب يسمى علة، بمعنى أنه
مشتمل عليه، فألحق به ما في معناه كالجائع، قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى في
((الأم): أكره للحاكم أن يحكم، وهو جائع، أو تَعِبٌ، أو مشغول القلب، فإن ذلك
يغير القلب. قاله في ((الفتح)) ٣٥/١٥. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع

٣٠٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَاب الْقُضَاةِ
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي بكرة تَّه هذا متفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥٤٠٨/١٨ و٥٤٢٣/٣٢ - وفي ((الكبرى)) ٥٩٦٢/٢٣ ٥٩٨٣/٣٦ .
وأخرجه (خ) في ((الأحكام)) ٧١٥٨ (م) في ((الأقضية)) ١٧١٧ (د) في ((الأقضية)) ٣٥٨٩
(ت) في ((الأحكام)) ١٣٣٤ (ق) في ((الأحكام)) ٣٣١٦ (أحمد) في ((مسند البصريين))
١٩٨٦٦ و١٩٨٨٠ و١٩٩٥٤ و١٩٩٩٩ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه اللّه تعالى، وهو بيان ما ينبغي للحاكم أن
يجتنبه، وهو الغضب، وكلّ ما أشبهه في اختلال الفكر، وتشويش النظر. (ومنها): أن
الكتابة بالحديث كالسماع من الشيخ، في وجوب العمل، وأما في الرواية فمنع منها قوم
إذا تجردت عن الإجازة، والمشهور الجواز، نعم الصحيح عند الأداء أن لا يُطلق
الإخبار، بل يقول: كتب إليّ، أو كاتبني، أو أخبرني في كتابه، وإلى ذلك أشار
السيوطيّ في ((ألفية الحديث))، حيث قال:
يَغِيبُ أَوْ يَخضُرُ أَوْ يَأْذَنُ أَنْ
خَامِسُهَا كِتَابَةُ الشَّيْخِ لِمَنْ
فَهْيَ كَمَنْ نَاوَلَ حَيْثُ امْتَازَا
يُكْتَبَ عَنْهُ فَمَتَى أَجَازَا
صِحَّتُهَا بَلْ وَإِجَازَةَ رَجَخْ
أَوْ لَا فَقِيلَ لَا تَصِحُ وَالأَصَحُ
كَاتِبِهِ وَشَاهِدًا بَغْضْ شَرَطْ
وَيَكْتَفِي الْمَكْتُوبُ أَنْ يَعْرِفَ خَطُ
كِتَابَةً وَالْمُطْلِقِينَ وَهْنٍ
ثُمَّ لْيَقُلْ ((حَدَّثَنِي)) ((أَخْبَرَنِي))
(ومنها): أن فيه ذكرَ الحكم مع دليله في التعليم، ويجيىء مثله في الفتوى. (ومنها):
شفقة الأب على ولده، وإعلامه بما ينفعه، وتحذيره من الوقوع فيما يُنكّر. (ومنها): نشر
العلم للعمل به، والاقتداء، وإن لم يُسأل العالم عنه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في أقوال أهل العلم في حكم الحاكم في حال الغضب، ونحوه:
قال الموفّق رحمه الله تعالى: لا خلاف بين أهل العلم فيما علمناه، في أن القاضي
لا ينبغي له أن يقضي، وهو غضبان، كَرِه ذلك شُريح، وعمر بن عبد العزيز، وأبو

٣٠٣
١٨ - (ذِكْرُ مَا يَتْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يَجْتِبة) - حديث رقم ٥٤٠٨
حنيفة، والشافعي، وكتب أبو بكرة إلى عُبيد الله بن أبي بكرة، وهو قاض بسجستان:
أن لا تحكم بين اثنين، وأنت غضبان، فإني سمعت رسول اللّه وَالله يقول: ((لا يحكم
أحد بين اثنين، وهو غضبان))، متفق عليه، وكتب عمر رضي الله عنه إلى أبي موسى:
((إياك والغضب، والقلق، والضجر، والتأذي بالناس، والتنكر لهم عند الخصومة، فإذا
رأيت الخصم يتعمد الظلم، فأوجع رأسه))، ولأنه إذا غضب تغير عقله، ولم يستوف
رأيه وفكره، وفي معنى الغضب كُلُّ ما شغل فكره، من الجوع المفرط، والعطش
الشديد، والوجع المزعج، ومدافعة أحد الأخبثين، وشدة النعاس، والهم والغم،
والحزن والفرح، فهذه كلها تمنع الحاكم؛ لأنها تمنع حضور القلب، واستيفاء الفكر
الذي يُتوصّل به إلى إصابة الحق في الغالب، فهي في معنى الغضب المنصوص عليه،
فتجري مجراه. انتهى ((المغني)) ٢٥/١٤. وهو بحث نفيس. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم هل ينفذ حكم الحاكم حالة الغضب، أم
لا؟ :
قال في ((المغني)) ٢٥/١٤-٢٦: فإن حكم في الغضب، أو ما شاكله، فحُكي عن
القاضي أنه لا ينفذ قضاؤه؛ لأنه منهي عنه، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه. وقال في
((المجرد): ينفذ قضاؤه، وهو مذهب الشافعي؛ لما رُوي أن النبي ◌َّر اختصم إليه
الزبير، ورجل من الأنصار، في شِرَاج الْحَرّة، فقال النبي وَلّ للزبير: ((اسق، ثم أرسل
الماء إلى جارك))، فقال الأنصاري: آن كان ابن عمتك؟ فغضب رسول اللّه وَلّره وقال
للزبير: اسق، ثم احبس الماء حتى يبلغ الجدر))، متفق عليه، فحكم في حال غضبه.
وقيل: إنما يمنع الغضب الحاكمّ إذا كان قبل أن يتضح له الحكم في المسألة، فأما إن
اتضح الحكم، ثم عرض الغضب لم يمنعه؛ لأن الحق قد استبان قبل الغضب، فلا يؤثر
الغضب فیه. انتھی.
وقال في ((الفتح)) ٣٦/١٥: لو خالف، فحكم في حال الغضب صح، إن صادف
الحق مع الكراهة، هذا قول الجمهور، وقد تقدم أنه بَاللّ، قضى للزبير بشراح الحرة،
بعد أن أغضبه خصم الزبير، لكن لا حجة فيه لرفع الكراهة عن غيره؛ لعصمته وَلآ، فلا
يقول في الغضب إلا كما يقول في الرضى، قال النووي في حديث اللقطة: فيه جواز
الفتوى في حال الغضب، وكذلك الحكم وينفذ، ولكنه مع الكراهة في حقنا، ولا يكره
في حقه ◌َّ؛ لأنه لا يُخاف عليه في الغضب ما يخاف على غيره، وأبعد من قال:
يُحمل على أنه تكلم في الحكم قبل وصوله في الغضب إلى تغير الفكر. ويؤخذ من

٣٠٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَاب الْقُضَاةِ
الإطلاق أنه لا فرق بين مراتب الغضب، ولا أسبابه، وكذا أطلقه الجمهور، وفصّل إمام
الحرمين، والبغوي، فقيدا الكراهية بما إذا كان الغضب لغير اللَّه، واستغرب الروياني
هذا التفصيل، واستبعده غيره؛ لمخالفته لظواهر الحديث، وللمعنى الذي لأجله نهي
عن الحكم حال الغضب.
وقال بعض الحنابلة: لا ينفذ الحكم في حال الغضب؛ لثبوت النهي عنه، والنهي
يقتضي الفساد. وفصل بعضهم بين أن يكون الغضب طرأ عليه بعد أن استبان له الحكم
فلا يؤثر، وإلا فهو محل الخلاف، وهو تفصيل معتبر.
وقال ابن المنير أدخل البخاري حديث أبي بكرة الدالّ على المنع، ثم حديث أبي
مسعود(١) الدالّ على الجواز؛ تنبيهًا منه على طريق الجمع، بأن يُجعل الجواز خاصا
بالنبي وَلهو؛ لوجود العصمة في حقه، والأمن من التعدي، أو أن غضبه إنما كان للحق،
فمن كان في مثل حاله جاز، وإلا مُنع، وهو كما قيل في شهادة العدوّ: إن كانت دنيوية
رُدّت، وإن كانت دينية لم تُرَدّ، قاله ابن دقيق العيد وغيره. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الأرجح قول من قال: لا ينفذ حکمه إن حکم
في حال الغضب؛ لأن النهي للتحريم، وهو يقتضي الفساد، ولا يقاس بالنبيّ وَّ غيره
في ذلك، كما ذهب إليه المصنّف في الباب التالي؛ لأنه غضبه ◌َّلإر كرضاه، بخلاف
غيره، قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: ولا يُعارض هذا الحديث بحكم النبيّ ◌َّ للزبير
بإمساك الماء إلى أن يبلغ الجدر، وقد غضب من قول الأنصاريّ: أن كان ابن عمّتك؟؛
لأن النبيّ وَّر معصوم من الهوى، والباطل، والخطأ في غضبه ورضاه، وصحّته
ومرضه، ولذلك قال: ((اكتبوا عنّي في الغضب والرضا))(٢)، ولذلك نفذت أحكامه،
وعُمل بحديثه الصادر في حال شدّة مرضه، ونزعه، كما نفذ في حال صحّته ونشاطه.
انتهى («المفهم)) ١٧٠/٥-١٧١.
والحاصل أن الأرجح كون النهي في حديث الباب للتحريم، وأن حكم الحاكم في
(١) يعني حديثه في قصّة معاذ رَّ في تطويله الصلاة، فغضب عليه النبيّ وَّر، وقد تقدّم في ((كتاب
الصلاة)) .
(٢) حديث صحيح، أخرجه أحمد ١٦٢/٢ وأبو داود (٣٦٤٦) بإسناد صحيح، عن عبد الله بن
عمرو، قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول اللّه ◌َل﴿، أريد حفظه، فنهتني قريش،
وقالوا: أتكتب كل شيء تسمعه، ورسول اللَّه وَل﴿ بشر، يتكلم في الغضب والرضا، فأمسكت
عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول اللَّه وص له، فأومأً بإصبعه إلى فيه، فقال: ((اكتب فوالذي نفسي
بیده ما يخرج منه إلا حق)).

١٩- (الرُّخْصَةُ لِلْحَاكِمِ الأَمِين أَنْ ... - حديث رقم ٥٤٠٩
=
٣٠٥ :
حال غضبه لا ينفذ، ولا يقاس غير النبيّ وَّر به؛ للفرق الظاهر، كما سلف آنفًا. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب».
١٩- (الرُّخْصَةُ لِلْحَاكِمِ الأَمِينِ أَنْ
يَحْكُمَ، وَهُوَ غَضَّبَانُ)
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: غرض المصنّف بهذا ترجيح مذهب الجمهور في
جواز حكم الحاكم في حال غضبه، وأنه ينفذ مع الكراهة، لكن قد تبيّن لك في الباب
الماضي أن الأرجح هو القول بعدم نفوذه؛ لما تقدّم من الأدلّة، فتبصّر. واللَّه تعالى
أعلم بالصواب.
٥٤٠٩- (أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، قَالَ:
أَخْبَرَنِ يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ غَزْوَةَ بَنَ الزُّبَيْرِ، حَدَّثَهُ أَنَّ
عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، حَدَّثَهُ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، أَنَّهُ خَاصَّمَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ، قَدْ شَهِدَ
بَذْرًا، مَعَ رَسُولِ اللهِ وَلهَ فِي شِرَاجِ الْحَرَّةِ، كَانَا يَسْقِيَانِ بِهِ كِلَاهُمَا النَّخْلَ، فَقَالَ
الْأَنْصَارِيُّ: سَرِّح الْمَاءَ يَمُرُّ عَلَيْهِ، فَأَبِّىَ عَلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِهِ: ((اسْقِ يَا زُبَيْرُ، ثُمَّ
أَرْسِلِ الْمَاءَ إِلَى جَارِكَ)»، فَغَضِبَ الْأَنْصَارِيُّ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ؟
فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ وَِّ، ثُمَّ قَالَ: ((يَا زُبَيْرُ اسْقِ، ثُمَّ احْبِسِ الْمَاءَ، حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى
الْجَدْرِ))، فَاسْتَوْفَى رَسُولُ اللَّهِ وَهِ لِلِزُّبَيْرِ حَقَّهُ، وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ وَِّ، قَبْلَ ذَلِكَ أَشَارَ
عَلَى الزُّبَيْرِ، بِرَأْي فِيهِ السَّعَةُ لَهُ وَلِلْأَنْصَارِيُّ، فَلَمَّا أَخْفَظَ رَسُولَ اللَّهِ وَ الْأَنْصَارِيُّ،
اسْتَوْفَى لِلْزُّبَيْرِ حَقُّهُ، فِي صَرِيحِ الْحُكْمِ، قَالَ الزُّبَيْرُ: لَا أَحْسَبُ هَذِهِ الْآَيَّةَ أَنْزِلَتْ، إِلَّا فِي
ذَلِكَ: ﴿فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونٌَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥]،
وَأَحَدُهُمَا يَزِيدُ عَلَى صَاحِبِهِ فِي الْقِصَّةِ).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١- (يونس بن عبد الأعلى) الصدفيّ، أبو موسى المصريّ، ثقة، من صغار [١٠]
٤٤٩/١ .

٣٠٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَابِ الْقُضَاةِ
٢- (الحارث بن مسكين) بن محمد القاضي المصريّ، ثقة فقيه [١٠] ٩/٩.
٣- (ابن وهب) عبد اللَّه المصريّ الحافظ، ثقة فقيه [٩] ٩/٩.
٤- (يونس بن يزيد) بن أبي النّجَاد، أبو يزيد الأيليّ، ثقة، من كبار [٧] ٩/٩.
٥- (الليث بن سعد) الإمام الحجة الفقيه المصريّ [٧] ٣٥/٣١.
٦- (ابن شهاب) الزهريّ المذكور في الباب الماضي.
٧- (عروة بن الزبير) بن العوّم المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣] ٤٤/٤٠.
٨- (عبد الله بن الزبير) بن العوّام الأسديّ رضي اللّه تعالى عنه١٨٩/ ١١٦١.
٩- (الزبير بن العوام) بن خويلد بن أسد القرشيّ الأسديّ، قتل سنة (٣٦) بعد
منصرفه من وقعة الجمل، تقدم في ٣٨٢/٤٤ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيّات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح، غير شيخه الحارث. (ومنها): أنه مسلسل بثقات المدنيين من ابن شهاب،
ومن قبله مصريون. (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ عن صحابيّ، وتابعي عن تابعيّ،
ورواية الراوي عن أخيه عن أبيهما، وفيه أحد الفقهاء السبعة، عروة، وفيه أن عبد الله
ابن الزبير أول مولود للمهاجرين بعد الهجرة، وقد فرح به المسلمون؛ لأن المنافقين
كان يتحدّثون بأن اليهود سحرتهم، فلا يولد لهم ولد، فأبطل اللَّه تعالى زعمهم الباطل
بولادته رَّيه، وفيه الزبير ◌َّه أحد العشرة المبشرين بالجنة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ (أَنَّ عُزْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ، حَدَّثَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ
الزُّبَيْرِ، حَدَّثَهُ) قالَ في ((الفتح)): هذا هو المشهور من رواية الليث بن سعد، عن ابن
شهاب، وقد رواه ابن وهب، عن الليث، ويونس جميعا، عن ابن شهاب أن عروة
حدثه، عن أخيه عبد الله بن الزبير، عن الزبير بن العوام، أخرجه النسائي- يعني هذا
الحديث- وابن الجارود، والإسماعيلي، وكأن ابن وهب حمل رواية الليث على رواية
يونس، وإلا فرواية الليث ليس فيها ذكر الزبير، والله أعلم. وأخرجه البخاريّ في
((الصلح)) من طريق شعيب، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن الزبير بغير ذكر
عبد الله، وقد أخرجه في الباب الذي يليه من طريق معمر، عن ابن شهاب، عن عروة
مرسلًا، وأعاده في ((التفسير)) من وجه آخر عن معمر، وكذا أخرجه الطبري من طريق
عبد الرحمن بن إسحاق، حدثنا ابن شهاب، وأخرجه البخاريّ من رواية ابن جريج

١٩ - (الرُّخْصَةُ لِلْحَاكِمِ الأَمِين أنْ ... - حديث رقم ٥٤٠٩
٣٠٧=
كذلك بالإرسال، لكن أخرجه الإسماعيلي من وجه آخر عن ابن جريج، كرواية شعيب
التي ليس فيها عن عبد اللّه، وذكر الدارقطني في ((العلل)) أن ابن أبي عتيق، وعمر بن
سعد، وافقا شعيبا، وابن جريج على قولهما: ((عروة عن الزبير))، قال: وكذلك قال
أحمد بن صالح، وحرملة عن ابن وهب، قال: وكذلك قال شبيب بن سعيد، عن
يونس، قال: وهو المحفوظ.
قال الحافظ: وإنما صححه البخاري مع هذا الاختلاف؛ اعتمادًا على صحة سماع
عروة من أبيه، وعلى صحة سماع عبد الله بن الزبير من النبي ◌َّر، فكيفما دار فهو على
ثقة، ثم الحديث ورد في شيء يتعلق بالزبير، فداعية ولده متوفرة على ضبطه، وقد
وافقه مسلم على تصحيح طريق الليث، التي ليس فيها ذكر الزبير، وزعم الحميدي في
((جمعه)) أن الشيخين أخرجاه من طريق عروة، عن أخيه عبد الله، عن أبيه، وليس كما
قال، فإنه بهذا السياق في رواية يونس المذكورة، ولم يخرجها من أصحاب الكتب الستة
إلا النسائي، وأشار إليها الترمذي خاصة. وقد جاءت هذه القصة من وجه آخر،
أخرجها الطبري، والطبراني، من حديث أم سلمة، وهي عند الزهري أيضا، من مرسل
سعيد بن المسيب، كما سيأتي بيانه. انتهى ((فتح)) ٣٠٧/٥-٣٠٨ .
(عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ) رضي اللَّه تعالى عنه (أَنَّهُ خَاصَمَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ، قَدْ شَهِدَ
بَدْرَا، مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَلَه) الظرف متعلّق بـ((شهد)). وفي رواية عبد الرحمن بن إسحاق،
عن الزهري عند الطبري، في هذا الحديث: أنه من بني أمية بن زيد، وهم بطن من
الأوس، ووقع في رواية يزيد بن خالد، عن الليث، عن الزهري، عند ابن المقري في
((معجمه)) في هذا الحديث أن اسمه حميد، قال أبو موسى المديني في ((ذيل الصحابة)):
لهذا الحديث طرق، لا أعلم في شيء منها ذكر حميد، إلا في هذا الطريق. انتهى.
وليس في البدريين من الأنصار من اسمه حميد. وحَكَى ابن بشكوال في ((مبهماته)) عن
شيخه أبي الحسن بن مغيث، أنه ثابت بن قيس بن شَمّاس، قال: ولم يأت على ذلك
بشاهد، قال الحافظ: وليس ثابت بدريا. وحَكى الواحدي أنه ثعلبة بن حاطب
الأنصاري، الذي نزل فيه قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُم ◌َنْ عَهَدَ اللَّهَ﴾ الآية [التوبة: ٧٥] ولم
يذكر مستنده، وليس بدريا أيضا، نعم ذكر ابن إسحاق في البدريين ثعلبة بن حاطب وهو
من بني أمية بن زيد، قال الحافظ: وهو عندي غير الذي قبله؛ لأن هذا ذكر ابن الكلبي
أنه استُشهد بأحد، وذاك عاش إلى خلافة عثمان. وحكى الواحدي أيضا، وشيخه
الثعلبي، والمهدوي أنه حاطب بن أبي بلتعة.
وتُعُقب بأن حاطبا وإن كان بدريا، لكنه من المهاجرين، لكن مستند ذلك ما أخرجه

٣٠٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَاب الْقُضَاةِ
ابن أبي حاتم، من طريق سعيد بن عبد العزيز، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب،
في قوله تعالى: ﴿فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية
[النساء: ٦٥]، قال: ((نزلت في الزبير بن العوّام، وحاطب بن أبي بلتعة، اختصما في
ماء ... )) الحديث، وإسناده قوي مع إرساله، فإن كان سعيد بن المسيب سمعه من
الزبير، فيكون موصولًا، وعلى هذا فيؤول قوله: ((من الأنصار)» على إرادة المعنى
الأعم، كما وقع ذلك في حق غير واحد، كعبد الله بن حذافة. وأما قول الكرماني بأن
حاطبا كان حليفا للأنصار، ففيه نظر. وأما قوله: ((من بني أمية بن زيد)» فلعله كان
مسكنه هناك كعمر، كما تقدم. وذكر الثعلبي بغير سند أن الزبير وحاطبا لَمّا خرجا مَرّا
بالمقداد قال: لمن كان القضاء؟ فقال حاطب: قضى لابن عمته، ولوى شدقه، ففطن له
يهودي، فقال: قاتل اللَّه هؤلاء يشهدون أنه رسول الله، ويتهمونه، وفي صحة هذا
نظر، ويترشح بأن حاطبا كان حليفا لآل الزبير بن العوام من بني أسد، وكأنه كان
مجاورا للزبير. والله أعلم. وأما قول الداودي، وأبي إسحاق الزجاج، وغيرهما: إن
خصم الزبير كان منافقا، فقد وجهه القرطبي بأن قول من قال: إنه كان من الأنصار،
يعني نسبا لا دينا، قال: وهذا هو الظاهر من حاله، ويحتمل أنه لم يكن منافقا، ولكن
أصدر ذلك منه بادرة النفس كما وقع لغيره ممن صحت توبته، وقوّى هذا شارح
(المصابيح)) التوربشتي، ووَهَى ما عداه، وقال: لم تجر عادة السلف بوصف المنافقين
بصفة النصرة، التي هي المدح، ولو شاركهم في النسب، قال: بل هي زلة من الشيطان
تمكن به منها عند الغضب، وليس ذلك بمستنكر من غير المعصوم، في تلك الحالة.
انتهى. وقد قال الداودي بعد جزمه بأنه كان منافقا: وقيل: كان بدريا، فإن صح فقد
وقع ذلك قبل شهودها؛ لانتفاء النفاق عمن شهدها. انتهى. وقد عرفت أنه لا ملازمة
بين صدور هذه القضية منه، وبين النفاق. وقال ابن التين: إن كان بدریا فمعنى قوله:
﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [النساء: ٦٥] لا يستكملون الإيمان. والله أعلم. قاله في ((الفتح)) ٥٪
٣٠٨-٣٠٩ .
وقال القرطبيّ: قيل: إن هذا الرجل كان من الأنصار نسبًا، ولم يكن منهم نصرة
ودينًا، بل كان منافقًا؛ لِمَا صدر عنه من تهمة رسول اللَّه ◌َ له بالجور في الأحكام لأجل
قرابته، ولأنه لم يرض بحكمه، ولأن اللَّه تعالى قد أنزل فيه: ﴿فَلاَّ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ
حَتَّى يُحَكْمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية [النساء: ٦٥] هذا هو الظاهر من حاله.
ويحتمل أنه لم يكن منافقًا، ولكن أصدر منه ذلك بادرة نفس، وزلّة شيطان، كما قد
اتّفق لحاطب بن أبي بَلْتعة، ولحسّان، ومِسطح، وحمنة في قضيّة الإفك، وغيرهم ممن

۔
١٩ - (الرُّخْصَةُ لِلْحَاكِمِ الأَمِين أَنْ ... - حديث رقم ٥٤٠٩
٣٠٩
بدرت منهم بوادر شيطانيّة، وأهواء نفسانيّة، لكن لُطِف بهم حتى رجعوا عن الزلّة،
وصحّت لهم التوبة، ولم يؤاخذوا بالْحَوْبة. انتهى ((المفهم)) ١٥٣/٦ -١٥٤.
(فِي شِرَاجِ الْحَرَّةِ) -بكسر المعجمة، وبالجيم -: جمع شَرْج -بفتح أوله، وسكون
الراء - مثل بَخَّر وبِحَار، ويجمع على شروج أيضا، وحكى ابن دُريد شَرَج - بفتح الراء-
وقال القرطبي: جمع شَرِجَة، والمراد بها هنا مسيل الماء إلى النخل والشجر، وإنما
أضيفت إلى ((الحرة)) لكونها فيها، و((الحرة)) موضع معروف بالمدينة، تقدم ذكرها، وهي
في خمسة مواضع، المشهور منها اثنتان: حَرّة واقم، وحرة ليلى. وقال الداودي: هو
نهر عند الحرة بالمدينة، فأغرب، وليس بالمدينة نهر. قال أبو عبيد: كان بالمدينة
واديان، يسيلان بماء المطر، فيتنافس الناس فيه، فقضى رسول اللَّه وَ له للأعلى،
فالأعلى.
(كَانَا يَسْقِيَانِ بِهِ) هكذا في هذه الرواية، وفي الرواية الآتية ٥٤١٨/٢٧: (بها))
والضمير للشراج، وإنما ذكّره في الرواية الأولى باعتبار الماء (كِلَاهُمَا النَّخْلَ، فَقَالَ
الْأَنْصَارِيُّ) للزبير ◌َّ (سَرِّح الْمَاءَ) بتشديد الراء أمر من التسريح: أي أطلقه، وإنما
قال له ذلك؛ لأن الماء كان يمر بأرض الزبير قبل أرض الأنصاري، فيحبسه لإكمال
سقي أرضه، ثم يرسله إلى أرض جاره، فالتمس منه الأنصاري تعجيل ذلك، فامتنع
(يَمُرُّ عَلَيْهِ) أي على زرعه، أو بستانه (فَأَبَّى عَلَيْهِ) أي امتنع الزبير أن يسرّح الماء له (فَقَّالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((اسْقِ يَا زُبَيْرُ) بهمزة وصل من الثلاثي، وحكى ابن التين أنه بهمزة قطع
من الرباعي، تقول: سقى، وأسقى، قال الله تعالى: ﴿وَسَقَنْهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا لَهُورًا﴾
[الإنسان: ٢١]، وقال: ﴿لَأَسْقَيْنَهُم مَّةَ غَدَقًا﴾ الآية [الجنّ: ١٦]، زاد ابن جريج في
روايته عند البخاريّ: ((فأمره بالمعروف)»، وهي جملة معترضة من كلام الراوي، وقد
أوضحه ما يأتي من قوله: ((وكان رسول اللَّه ◌َله قبل ذلك قد أشار على الزبير برأي فيه
السعة له وللانصاري))، وضبطه الكرماني: ((فَأَمِّرَّه)» هنا بكسر الميم، وتشديد الراء،
على أنه فعل أمر من الإمرار، وهو محتمل.
وقال الخطابي: معناه أمره بالعادة المعروفة، التي جرت بينهم في مقدار الشرب.
انتهى. ويحتمل أن يكون المراد أمره بالقصد، والأمر الوسط؛ مراعاةً للجوار، وهو
ظاهر في أنه وسر أمره أولا أن يسامح ببعض حقه، على سبيل الصلح، وبهذا ترجم
الإمام البخاري في ((كتاب الصلح)): ((إذا أشار الإمام بالمصلحة))، فلما لم يَرْضَ
الأنصاري بذلك، استقصی الحكم، وحکم به.
وحکی الخطابي أن فيه دليلا على جواز فسخ الحاكم حکمه، قال: لأنه كان له في

٣١٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَاب الْقُضَاةِ
الأصل أن يحكم بأي الأمرين شاء، فقدم الأسهل؛ إيثارًا لحسن الجوار، فلما جهل
الخصم موضع حقه، رجع عن حكمه الأول، وحكم بالثاني؛ ليكون ذلك أبلغ في
زجره .
وتعقب بأنه لم يثبت الحكم أولا، کما تقدم بيانه، قال: وقيل: بل الحكم كان ما أمر به
أولا، فلما لم يقبل الخصم ذلك، عاقبه بما حكم عليه به ثانيا، على ما بدر منه، وكان ذلك
لما كانت العقوبة بالأموال. انتهى. وقد وافق ابنُ الصباغ من الشافعية على هذا الأخير. قال
الحافظ : وفيه نظر، وسیاق طرق الحديث يأبى ذلك كما ترى، لا سيما قوله: ((واستوفى
للزبير حقه، في صريح الحكم))، فمجموع الطرق دالّ على أنه أمر الزبير أولا أن يترك بعض
حقه، وثانيا أن يستوفي جميع حقه. انتهى. ((فتح)) ٣١٣/٥.
وقال القرطبيّ في ((المفهم)) ٦/ ١٥٤: والمخاصمة إنما كانت في السقي بالماء الذي
يسيل فيها، وكان الزبير يتقدّم شَربه على شَرب الأنصاريّ، فكان الزبير يُمسك الماء
لحاجته، فطلب الأنصاريّ أن يُسرّحه له قبل استيفاء حاجته، فلما ترافعا إلى النبيّ وَل
سلك النبيّ وَّر معهما مسلك الصلح، فقال له: ((اسق يا زبير))، (ثُمَّ أَرْسِلِ الْمَاءَ إِلَى
جَارِكَ))) أي تساهل في سقيك، وعجّل في إرسال الماء إلى جارك، يحُضّه على
المسامحة والتيسير (فَغَضِبَ الْأَنْصَارِيُّ) لما سمع بهذا، ولم يرض به، لأنه كان يريد أن
لا يُمسك الماء أصلًا، وعند ذلك نطق بالكلمة الجائرة، المهلكة الفاقرة (وَقَالَ: يَا
رَسُولَ اللَّهِ، أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ؟) بفتح همزة «أن»، وهي للتعليل، کأنه قال: حکمتَ له
بالتقديم؛ لأجل أنه ابن عمتك، وكانت أم الزبير، صفيةُ بنتَ عبد المطلب، وقال
البيضاوي: يحذف حرف الجر من ((أن)) كثيرًا؛ تخفيفا، والتقدير: لأن كان، أو بأن
كان، ونحوه: ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ [القلم: ١٤]: أي لا تُطِعْه لأجل ذلك، وحكى
القرطبي تبعا لعياض أن همزة ((أن)) ممدودة، قال: لأنه استفهام على جهة إنكار: أي
أتحكم له عليّ لأجل أنه قرابتك؟. قال الحافظ: ولم يقع لنا في الرواية مَدّ، لكن يجوز
حذف همزة الاستفهام، وحكى الكرماني: ((إن كان)) بكسر الهمزة على أنها شرطية،
والجواب محذوف، ولا أعرف هذه الرواية، نعم وقع في رواية عبد الرحمن بن
إسحاق، فقال: ((اعدل يا رسول الله، وإن كان ابن عمتك))، والظاهر ((إن)) هذه بالكسر
و((ابن)) بالنصب على الخبرية، ووقع عند البخاريّ، في رواية معمر: ((إنه ابن عمتك))،
قال ابن مالك: يجوز في ((أنه)) بفتح الهمزة وكسرها؛ لأنها وقعت بعد كلام تامّ، معلل
بمضمون ما صدر بها، فإذا كسرت قُدّر ما قبلها بالفاء، وإذا فتحت قُدّر ما قبلها باللام،
وبعضهم يقدر بعد الكلام المصدر بالمكسورة مثل ما قبلها مقرونا بالفاء، فيقول في قوله

١٩ - (الرُّخْصَةُ لِلْحَاكِمِ الأَمِين أَنْ ... - حديث رقم ٥٤٠٩
٣١١
مثلا: اضربه إنه مسيء: اضربه إنه مسيء فاضربه، ومن شواهده: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ الزِّنَّ إِنَّهُ
كَانَ فَاحِشَةً﴾ الآية [الإسراء: ٣٢]، ولم يقرأ هنا إلا بالكسر، وإن جاز الفتح في
العربية، وقد ثبت الوجهان في قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّمُ هُوَ أَلْبَرُّ
الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨] قرأ نافع، والكسائي أنه بالفتح، والباقون بالكسر. أفاده في
((الفتح)) ٣١٠/٥ .
(ف) عند ذلك (تَلَوَّنَ) أي تغير (وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ وَ ﴿) وهو كناية عن الغضب، والتألّم
من كلمته، زاد عبد الرحمن بن إسحاق في روايته: ((حتى عرفنا أن قد ساءه ما قال)) (ثُمَّ)
إنه بعد ذلك حكم للزبير باستيفاء حقّه، فـ(قَالَ) وَرِ (((يَا زُبَيْرُ اسْقٍ) يحتمل وصل
الهمزة، وقطعها، كما سبق بيانه (ثُمَّ اخْبِسِ الْمَاءَ) أمر من الحبس: أي أمسك الماء في
بستانك، ولا ترسله (حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْجَذَّرِ) أي إلى أن يصير الماء إلى الجدر، وهو-
بفتح الجيم، وسكون الدال المهملة -: هو الْمُسَنّة، وهو: ما وُضع بين شَرَبات النخل،
كالجدار. وقيل: المراد الحواجز التي تحبس الماء، وجزم به السهيلي. ويُروىَ ((الجدُر)»
بضم الدال، حكاه أبو موسى، وهو جمع جدار. وقال ابن التين: ضبط في أكثر الروايات
بفتح الدال، وفي بعضها بالسكون، وهو الذي في اللغة، وهو أصل الحائط. وقال
القرطبي: لم يقع في الرواية إلا بالسكون، والمعنى: أن يصل الماء إلى أصول النخل
والشجر، وتأخذ منه حقها، قال: ویُروی بکسر الجيم، وهو الجدار، والمراد به جدران
الشربات، التي في أصول النخل، فإنها تُرفع حتى تصير شِبْه الجدار، و((الشَّرَبات))
بمعجمة، وفتحات -: هي الْحُفَرُ التي تُحُفَر في أصول النخل. وحكى الخطابي ((الْجَذْر))
-بسكون الذال المعجمة- وهو جذر الحساب، والمعنى: حتى يبلغ تمام الشرب.
زاد في رواية للبخاريّ من طريق ابن جريج: «فقال لي ابن شهاب: فقدرت الأنصار
والناس قول النبيّ وَّر: اسق، ثم احبس، حتى يرجع إلى الجدر، وكان ذلك إلى
الكعبين)): يعني أنهم لما رأوا أن الجدر يختلف بالطول والقصر، قاسوا ما وقعت فيه
القصة، فوجدوه يبلغ الكعبين، فجعلوا ذلك معيارا لاستحقاق الأول فالأول، والمراد
بالأول هنا من يكون مبدأ الماء من ناحيته، وقال بعض المتأخرين من الشافعية: المراد
به من لم يتقدمه أحد في الغراس بطريق الإحياء، والذي یلیه من أحیا بعده، وهلم جرّا،
قال: وظاهر الخبر أن الأول من يكون أقرب إلى مجرى الماء، وليس هو المراد. وقال
ابن التين: الجمهور على أن الحكم أن يمسك إلى الكعبين، وخصه ابن كنانة بالنخل
والشجر، قال: وأما الزروع فإلى الشّرَاك. وقال الطبري: الأراضي مختلفة، فيُمسّك
لكل أرض ما يكفيها؛ لأن الذي في قصة الزبير واقعة عين. واختلف أصحاب مالك:

٢٠٠
٣١٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَابِ الْقُضَاةِ
هل يرسل الأول بعد استيفائه جميع الماء، أو يرسل منه ما زاد على الكعبين، والأول
أظهر، ومحله إذا لم يبق له به حاجة. والله أعلم.
وقد وقع في مرسل عبد الله بن أبي بكر في ((الموطإ)): أن رسول اللَّه ◌َ لإل قضى في
مَسِيل مَهْزُور، ومُذَينب أن يُمسَك حتى يبلغ الكعبين، ثم يُرسل الأعلى على الأسفل)).
و ((مهزور))- بفتح أوله، وسكون الهاء، وضم الزاي، وسكون الواو، بعدها راء-
و((مُذينب))- بذال معجمة، ونون، بالتصغير -: واديان معروفان بالمدينة، وله إسناد
موصول في ((غرائب مالك)) للدارقطني، من حديث عائشة، وصححه الحاكم، وأخرجه
أبو داود، وابن ماجه، والطبري، من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده
وإسناد كل منهما حسن، وأخرج عبد الرزاق هذا الحديث المرسل، بإسناد آخر
موصول، ثم روى عن معمر، عن الزهري، قال: نظرنا في قوله: ((احبس الماء حتى
يبلغ الجدر))، فكان ذلك إلى الكعبين. انتهى. وقد روى البيهقي من رواية ابن المبارك،
عن معمر، قال: سمعت غير الزهري يقول: نظروا في قوله: ((حتى يرجع إلى الجدر))،
فكان ذلك إلى الكعبين، وكأن معمرا سمع ذلك من ابن جريج، فأرسله في رواية عبد
الرزاق، وقد بين ابن جريج أنه سمعه من الزهري. ووقع في زاوية عبد الرحمن بن
إسحاق: ((احبس الماء إلى الجدر، أو إلى الكعبين))، وهو شك منه، والصواب ما رواه
ابن جريج. وذكر الشاشي من الشافعية، أن معنى قوله: ((إلى الجدر)): أي إلى الكعبين،
وكأنه أشار إلى هذا التقدير، وإلا فليس الجدر مرادفا للكعب. قاله في ((الفتح)) ٥٪
٣١٣-٣١٤ .
(فَاسْتَوْفَى) وفي رواية للبخاريّ: ((فاستوعى)): وهو بمعنى استوفى، من الوعي كأنه
جمعه له في وعائه (رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ لِلْزُّبَيْرِ حَقَّهُ) أي من تلك الشراج (وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ
وَلِهِ، قَبْلَ ذَلِكَ) أي قبل أن يستوفي له حقّه (أَشَارَ عَلَى الزُّبَيْرِ) ◌َّه (بِرَأْي فِيهِ السَّعَةُ لَهُ
وَلِلْأَنْصَارِيَّ) حيث أمره أوّلًا بالمسامحة والإيثار بأن يسقي شيئًا يسيرًا، ثم يرسله إلى
جاره، فلما قال الأنصاريّ ما قال، وجهِل موضع حقّه أمرهِ بأن يأخذ تمام حقّه،
ويستوفيه، فإنه أصلح له، وفي الزجر أبلغ، كما قال: (فَلَمَّا أَحْفَظَ) بالحاء المهملة،
والظاء المشالة: أي أغضبه، قال في ((القاموس)): الْحِفْظة، والْحَفِيظة: الْحَمِيّة،
والغضب، وأحفظه: أغضبه، فاحتفظ، أو لا يكون إلا بكلام قبيح. انتهى (رَسُولَ اللَّهِ
وَ﴿ِ الْأَنْصَارِيُّ) فاعل مؤخّر، و((رسول)) مفعول مقدّم (اسْتَوْفَى) وَِّ (لِزُّبَيْرِ حَقَّهُ، فِي
صَرِيحِ الْحُكْم) من إضافة الصفة للموصوف: أي بالحكم الخالص الذي لا تنازل فيه،
مثل ماكان في الحالة الأولى.

١٩- (الرُّخْصَةُ لِلْحَاكِمِ الأَمِين أَنْ ... - حديث رقم ٥٤٠٩
=
٣١٣
قال الخطابي هذه الزيادة - يعني قوله: ((فلما أحفظ الخ)): يشبه أن تكون من كلام
الزهري، وكانت عادته أن يصل بالحديث من كلامه ما يظهر له، من معنى الشرح
والبيان. قال الحافظ: لكن الأصل في الحدیث أن یکون حکمه کله واحدا، حتى يرد ما
يبين ذلك، ولا يثبت الإدراج بالاحتمال. قال الخطابي، وغيره: وإنما حكم وَّ على
الأنصاري في حال غضبه، مع نهيه أن يحكم الحاكم وهو غضبان؛ لأن النهي معلل بما
يُخاف على الحاكم من الخطأ والغلط، والنبي ◌َ التر مأمون؛ لعصمته من ذلك حال
السخط . انتهى.
(قَالَ الزُّبَيْرُ) ◌َِّ (لَا أَحْسَبُ هَذِهِ الْآيَةَ أُنْزِلَتْ، إِلَّا فِي ذَلِكَ) وفي الرواية الآتية ٢٧/
٥٤١٨: ((فقال الزبير: إني لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك)). وفي رواية البخاري:
((فقال الزبير: والله إني لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك)). وقوله: ﴿﴿فَلَ وَرَبِّكَ لَا
يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾) الآية بدل من ((هذه الآية)) منصوب محكيّ
لقصد لفظه، أوخبر لمحذوف: أي هي ﴿فَلَ وَرَبِّكَ﴾ الآية. زاد في رواية شعيب عند
البخاريّ: ((إلى قوله: ﴿َسَلِيمًا﴾. ووقع في رواية بن جريج: ((فقال الزبير: والله إن
هذه الآية أنزلت في ذلك))، وفي رواية عبد الرحمن بن إسحاق: ((ونزلت: ﴿فَلَ
وَرَيِّكَ﴾ الآية، والراجح رواية الأكثر، وأن الزبير كان لا يجزم بذلك، لكن وقع في
رواية أم سلمة، عند الطبري، والطبراني الجزم بذلك، وأنها نزلت في قصة الزبير
وخصمه، وكذا في مرسل سعيد بن المسيب الذي تقدمت الإشارة إليه، وجزم مجاهد،
والشعبي، بأن الآية إنما نزلت فيمن نزلت فيه الآية التي قبلها، وهي قوله تعالى: ﴿أَلَمّ
تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُواْ
إِلَى اُلِّاغُوتِ﴾ الآية [النساء: ٦٠]، فروى إسحاق بن راهويه في ((تفسيره)) بإسناد صحيح
عن الشعبي، قال: كان بين رجل من اليهود، ورجل من المنافقين خصومة، فدعا
اليهودي المنافق إلى النبي والتر؛ لأنه على علم أنه لا يقبل الرشوة، ودعا المنافق
اليهودي إلى حكامهم؛ لأنه علم أنهم يأخذونها، فأنزل الله هذه الآيات، إلى قوله:
﴿وَيُسَلِّمُواْ تَسَلِيمًا﴾، وأخرجه ابن أبي حاتم، من طريق ابن أبي نجيح، عن مجاهد
نحوه. وروى الطبري بإسناد صحیح، عن ابن عباس: أن حاکم الیھود یومئذ کان أبا
برزة الأسلميّ، قبل أن يُسلم، ويصحب، ورَوَى بإسناد لآخر صحيح إلى مجاهد، أنه
كعب بن الأشرف. وقد روى الكلبي في ((تفسيره))، عن أبي صالح، عن ابن عباس،
قال: نزلت هذه الآية في رجل من المنافقين، كان بينه وبين يهودي خصومة، فقال
اليهودي: انطلق بنا إلى محمد، وقال المنافق: بل نأتي كعب بن الأشرف، فذكر

٣١٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَاب الْقُضَاةِ
القصة، وفيه: أن عمر قتل المنافق، وأن ذلك سبب نزول هذه الآيات، وتسمية عمر
الفاروق، وهذا الإسناد، وإن كان ضعيفا، لكن تَقَوَّى بطريق مجاهد، ولا يضره
الاختلاف؛ لإمكان التعدد. وأفاد الواحدي بإسناد صحيح، عن سعيد، عن قتادة: أن
اسم الأنصاري المذكور قيس. ورجح الطبري في ((تفسيره))، وعزاه إلى أهل التأويل في
(تهذيبه)): أن سبب نزولها هذه القصة؛ ليتسق نظام الآيات كلها في سبب واحد، قال:
ولم يعرض بينها ما يقتضي خلاف ذلك، ثم قال: ولا مانع أن تكون قصة الزبير
وخصمه، وقعت في أثناء ذلك، فيتناولها عموم الآية. والله أعلم. قاله في ((الفتح)) ٥٪
٣١١ .
وقوله: (وَأَحَدُهُمَا يَزِيدُ عَلَى صَاحِبِهِ فِي الْقِصَّةِ) يعني أن شيخيه: يونس، والحارث
أخبراه بهذا الحديث كلّه، لكن في رواية كلّ منهما من الزيادة ما ليس في الآخر، ولا
يضرّ عدم معرفة ما زاده كلّ منهما بانفراده؛ لكونهما ثقتين، وإنما يضرّ ذلك لو كان
أحدهما ثقة، والآخر ضعيفًا، كما بُسط بحثه في كتب مصطلح الحديث. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث الزبير بن العوّام وَّه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥٤٠٩/١٩ و٥٤١٨/٢٧- وفي ((الكبرى)) ٢٤/ ٥٩٦٣ و٥٩٧٧/٣١ .
وأخرجه (خ) في ((المساقاة)) ٢٣٦٠ و٢٣٦١ و٢٣٦٣ و((الصلح)) ٢٧٠٨ و(التفسير))
٤٥٨٥ (م) في ((الفضائل)) ٢٣٥٧ (د) في ((الأقضية)) ٣٦٣٧ (ت) في ((الأحكام)) ١٣٦٣
(ق) في ((المقدّمة)) ١٥ و((الأحكام)) ٢٤٨٠ (أحمد) في مسند العشرة)) ١٤٢٢. والله
تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان الرخصة للحاكم الأمين أن
يحكم، وهو غضبان، وقد علمت أن الأرجح في ذلك عدم الرخصة؛ لأن ذلك خاصّ
بالنبيّ وَلّر، دون غيره؛ لأنه معصوم في حالة الغضب، كحالة الرضا. قال القرطبيّ
رحمه الله تعالى: [فإن قيل]: كيف حكم النبيّ وَّر للزبير على الأنصاريّ في حال
غضبه، وقد قال ◌َّ: ((لا يقضي القاضي، وهو غضبان)»؟.
[فالجواب]: أنا قدّمنا أن هذا معلّل بما يُخاف على القاضي من التشويش المؤذي به

=
٣١٥
٢٠- (حُكْمُ الحاکِم فِي دَارِهِ) - حديث رقم ٥٤١٠
إلى الغلط في الحكم، والخطأ فيه، والنبيّ وَّ معصوم من الخطأ في التبليغ والأحكام،
بدليل العقل الدالّ على صدقه فيما يبلّغه عن اللَّه تعالى، وفي أحكامه، ولذلك قالوا:
أنكتب عنك في الرضا والغضب؟ قال: ((نعم))، فدلّ على أن المراد بالحديث من يجوز
عليه الخطأ من القضاة، فلم يدخل النبيّ ◌َّ في ذلك العموم. انتهى ((المفهم)) ٦/ ١٥٥.
(ومنها): أن من سبق إلى شيء من مياه الأودية والسيول، التي لا تُملك، فهو أحق
به، لكن ليس له إذا استغنى أن يحبس الماء عن الذي يليه. (ومنها): أن الأولى بالماء
الجاري الأول، فالأول، حتى يستوفي حاجته، وهذا ما لم يكن أصله ملكًا للأسفل،
مختصًا به، فليس للأعلى أن يشرب منه شيئًا، وإن كان يمرّ عليه. (ومنها): أن القدر
الذي يستحقّ الأعلى من الماء كفايته، وغاية ذلك أن يبلغ الماء إلى الكعبين. (ومنها):
أن للحاكم أن يشير بالصلح بين الخصمين، ويأمر به، ويرشد إليه، ولا يُلزمه به، إلا إذا
رضي. (ومنها): أن الحاكم يستوفي لصاحب الحق حقه، إذا لم يتراضيا، وأن يحكم
بالحق لمن توجه له، ولو لم يسأله صاحب الحق. (ومنها): ما قاله القرطبيّ: أن فيه
الاكتفاءَ من الخصوم بما يُفهَم عنه مقصودهم، وأن لا يكلّفوا النصّ على الدعاوي، ولا
تحديد المدّعى فيه، ولا حصره بجميع صفاته، كما قد تنطّع في ذلك قُضاة الشافعيّة.
(ومنها): توبيخ من جفا على الحاكم، ومعاقبته. (ومنها): أنه يستدل به على أن للإمام
أن يعفو عن التعزير المتعلق به، لكن محل ذلك ما لم يؤد إلى هتك حرمة الشرع،
والاستهانة بالأحكام، وإنما لم يعاقب النبي وَّ صاحب القصة؛ لِمَا كان عليه من تأليف
الناس، كما قال في حق كثير من المنافقين: ((لا يتحدث الناس أن محمدا وَلا يقتل
أصحابه))، قال القرطبي: فلو صدر مثل هذا من أحد في حق النبي وَّ، أو في حق
شريعته، لقتل قتلة زنديق، ونقل النووي نحوه عن العلماء. ذكره في (المفهم)» ٦/
١٥٦-١٥٧. و(الفتح)) ٣١٣/٥ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)) .
٢٠- (حُكْمُ الْحَاكِم فِي دَارِهِ)
٥٤١٠- (أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا يُونُسُ، عَنِ
الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ أَبِهِ، أَنَّهُ تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ، دَيْنًا كَانَ عَلَيْهِ،

٣١٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَابِ الْقُضَاةِ
فَارْتَفَعَتْ أَضْوَاتُهُمَا، حَتَّى سَمِعَهُمَا رَسُولُ اللّهِ وَلِّ، وَهُوَ فِي بَيْتِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا، فَكَشَفَ
سِتْرَ حُجْرَتِهِ، فَنَادَى: ((يَا كَعْبُ))، قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلِ، قَالَ: ((ضَعْ مِنْ دَيْنِكَ
هَذَا))، وَأَوْمَأَ إِلَى الشَّطْرِ، قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ، قَالَ: ((قُمْ، فَاقْضِهِ))).
رجال هذا الإسناد : ستة:
١- (أبو داود) سليمان بن سيف بن يحيى الطائيّ مولاهم الْحَرّانيْ، ثقة حافظ [١١]
١٣٦/١٠٣ من أفراد المصنّف.
٢- (عثمان بن عمر) بن فارس: هو العبديّ البصريّ، بخاريّ الأصل، ثقة [٩]
١١١٨/١٥١.
٣- (يونس) بن يزيد المذكور في الباب الماضي.
٤- (الزهري) محمد بن مسلم المذكور في البا الماضي أيضًا.
٥- (عبد اللَّه بن كعب) بن مالك الأنصاريّ المدنيّ ثقة [٢] ٧٣١/٣٨.
٦- (أبوه) كعب بن مالك بن أبي كعب الأنصاريّ السَّلَميّ المدنيّ الصحابيّ
المشهور، وهو أحد الثلاثة الذين خُلّفوا، مات ◌َّه في خلافة عليّ رَّه تقدّم في
٧٣١/٣٨ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، وهو ثقة حافظ. (ومنها): أنه مسلسل
بالمدنيين من الزهريّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والابن عن أبيه.
(ومنها): أن صحابيّه هو أحد الثلاثة الذين نزلت فيهم آية: ﴿ وَعَلَىَ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ﴾
الآية [التوبة: ١١٨]، رُوي له ثمانون حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ) يقال: له رؤية، مات سنة (٧) أو (٨٩) (عَنْ أَبِيهِ) كعب بن
مالك رضي اللّه تعالى عنه (أَنَّهُ تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَذْرَدٍ) أي طالب أن يقضيه، وهو بفتح
الحاء المهملة، وسكون الدال المهملة، وفتح الراء، ثم دال مهملة- قال الجوهريّ
وغيره: لم يأت من الأسماء على ((فعلع)) بتكرير العين غير حدرد. وهو عبد الله بن أبي
حدرد، واسمه سلامة، وقيل: عُبيد بن عُمير بن أبي سلامة بن سعد بن شيبان بن
الحارث بن قيس بن هوازن بن أسلم بن أفصى الأسلميّ، أبو محمد، له ولأبيه صحة،
وقال ابن منده: لا خلاف في صحبته. وقال ابن سعد: أول مشاهده الحديبية، ثم

٣١٧
٢٠- (حکمُ الحاکِم فِی دارِهِ) - حدیث رقم ٥٤١٠
خيبر، مات سنة (٧١) عن (٨١) سنة. أفاده في ((الإصابة)) ٦/ ٥٢-٥٤ (دَيْنَا كَانَ عَلَيْهِ)
وفي رواية الطبرانيّ أنه كان أوقيّتين (فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا) وكان ذلك في المسجد النبويّ
(حَتَّى سَمِعَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ، وَهُوَ فِي بَيْتِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا) أي من حجرته، وفي رواية
الأعرج الآتية في ٥٤١٦/٢٥: ((فمرّ بهما رسول اللَّه وَلِّ)) وظاهر الروايتين التخالف،
وجمع بعضهم بينهما باحتمال أن يكون مرّ بهما أوّلًا، ثم إن كعبًا أشخص خصمه
للمحاكمة، فسمعهما النبيّ وَلّ أيضًا، وهو في بيته. قال الحافظ: وفيه بعد؛ لأن في
الطريقين أنه وَ لّ أشار إلى كعب بالوضيعة، وأمر غريمه بالقضاء، فلو كان أمره بذلك
تقدّم لهما لما احتاج إلى الإعادة، والأولى فيما يظهر لي أن يُحمّل المرور على أمر
معنويّ، لا حسّيّ. انتهى (فَكَشَفَ سِتْرَ حُجْرَتِهِ) وفي رواية البخاريّ: ((سِجف
حجرته)): وهو بكسر المهملة، وسكون الجيم، وحكي فتح أوله، وهو الستر، وقيل:
أحد طرفي الستر الفروج (فَتَادَى: ((يَا كَعْبُ))، قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلِ، قَالَ:
(ضَعْ مِنْ دَيْئِكَ هَذَا))، وَأَوْمَأَ) أي أشار (إِلَى الشَّطْرِ) أي النصف، وفي رواية الأعرج
الآتية: ((فقال: يا كعب، فأشار بيده، كأنه يريد النصف، فأخذ نصفًا مما عليه، وترك
نصفًا)) (قَالَ) كعبٌ (قَدْ فَعَلْتُ) وفي رواية البخاريّ: ((لقد فعلت))، وفيها مبالغة في
امتثال الأمر (قَالَ) وَ لابن أبي حدرد (قُمْ، فَاقْضِهِ) فيه إشارة إلى أنه لا يُجمع بين
الوضيعة والتأجيل. وقال القرطبيّ: قوله: ((قم، فاقضه)): أمر على جهة الوجوب؛ لأن
ربّ الدين لَمّا أطاع بوضع ما وَضَعَ تعيّن على الْمِذْيان أن يقوم بما بقي عليه؛ لئلا يُجمع
على ربّ الدين وضيعةٌ ومَطْلٌ، وهكذا ينبغي أن يُبَتّ الأمرُ بين المتصالحين، فلا يُترك
بينهما عُلقةٌ ما أمكن. انتهى ((المفهم)) ٤٣٠/٤. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث كعب بن مالك رضي اللَّه تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢٠/ ٥٤١٠ و٥٤١٦/٢٥ - وفي («الكبرى)) ٥٩٦٥/٢٥ و٥٩٧٤/٢٩ .
وأخرجه (خ) في ((الصلاة)) ٤٥٧ و((الخصومات)) ٢٤١٨ و٢٤٢٤ و ((الصلح)) ٢٧٠٦
و٢٧١٠ (م) في ((المساقاة)) ١٥٥٨ (د) في ((الأقضية)) ٣٥٩٥ (ق) في ((الأحكام)) ٢٤٢٩
((أحمد) في ((مسند القبائل)) ٢٦٦٣٢ و٢٦٦٣٦ (الدارميّ) في ((البيوع)) ٢٤٧٤. والله
تعالى أعلم.

٣١٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَاب الْقُضَاةِ
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان جواز حكم الحاكم في
داره، وهذا إذا لم يؤدّ إلى تضرّر الناس بضيق المكان، أو نحوه، وإلا فعليه أن يحكم
في محلّ واسع. (ومنها): جواز رفع الصوت في المسجد، وهو كذلك، وقد بوّب
الإمام البخاريّ في ((صحيحه)) ((باب رفع الصوت في المسجد))، ثم أخرج بسنده عن
السائب بن يزيد، قال كنت قائما في المسجد، فحصبني رجل، فنظرت، فإذا عمر بن
الخطاب، فقال: اذهب فأتني بهذين، فجئته بهما، قال: من أنتما؟ أو من أين أنتما؟
قالا: من أهل الطائف، قال: لو كنتما من أهل البلد، لأوجعتكما، ترفعان أصواتكما
في مسجد رسول اللّه وَ لّ؟. ثم أخرج حديث كعب بن مالك المذكور في الباب، قال
في ((الفتح)): أشار بالترجمة إلى الخلاف في ذلك، فقد كرهه مالك مطلقًا، سواء كان في
العلم، أم في غيره، وفرّق غيره بين ما يتعلّق بغرض دنيويّ، أو نفع دنيويّ، وبين ما لا
فائدة فيه، وساق حديث عمر الدال على المنع، وحديث كعب الدال على عدمه، إشارة
منه إلى أن المنع فيما لا منفعة فيه، وعدمه فيما تُلجىء الضرورة إليه. ووردت أحاديث
في النهي عن رفع الصوت في المساجد، لكنها ضعيفة، أخرج ابن ماجه بعضها، فكأن
المصنّف أشار إليها.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: وعلى تقدير صحتها تحمل على ما إذا كان الصوت
متفاحشًا، وفي غير مصلحة، وأحاديث الإباحة على ما كان للمصلحة.
وقال في ((الفتح)) أيضًا في موضع آخر: قال المهلّب: لو كان رفع الصوت في
المسجد لا يجوز لما تركهما النبيّ وَله، ولبيّن لهما ذلك. قال الحافظ: ولمن منع أن
يقول: لعله تقدّم النهي عن ذلك، فاكتفى به، واقتصر على التوصّل بالطريق المؤدّية إلى
ترك ذلك بالصلح المقتضي لترك المخاصمة الموجبة لرفع الصوت. انتهى.
(ومنها): أن الإشارة بمنزلة الكلام إذا فُهمت؛ لأنها دالّة على الكلام، كالحروف
والأصوات، فتصحّ شهادة الأخرس، ويمينه، ولعانه، وعُقُوده، إذا فُهم ذلك عنه.
(ومنها): استحباب الشفاعة إلى صاحب الحقّ. (ومنها): إشارة الحاكم بالصلح بين
المتخاصمين، على جهة الإرشاد، وهنا وقع الصلح على الإقرار، وهو متّفق على
جوازه، وأما الصلح عن الإنكار فأجازه أبو حنيفة، ومالك، وهو قول الحسن، وقال
الشافعيّ: هو باطل، وبه قال ابن أبي ليلى. (ومنها): قبول الشفاعة في غير معصية.
(ومنها): جواز المخاصمة في المسجد في الحقوق، والمطالبة بالديون. (ومنها):
جواز ملازمة الغريم، والتقاضي منه. (ومنها): إرخاء الستر على الباب للحاجة. والله

٣١٩ =
٢٠- (حُكْمُ الحاکم فِي دَارِهِ) - حديث رقم ٥٤١٠
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في القضاء في المسجد:
قال في ((الفتح)): قال ابن بطال رحمه اللّه تعالى: استَحَبّ القضاء في المسجد طائفةٌ،
وقال مالك: هو الأمر القديم؛ لأنه يصل إلى القاضي فيه المرأة والضعيف، وإذا كان
في منزله، لم يصل إليه الناس؛ لإ مكان الاحتجاب، قال: وبه قال أحمد، وإسحاق.
وكرهت ذلك طائفة، وكتب عمر بن عبد العزيز إلى القاسم بن عبد الرحمن، أن لا
تقضي في المسجد، فإنه يأتيك الحائض، والمشرك. وقال الشافعي: أحب إليّ أن
يقضى في غير المسجد لذلك. وقال الكرابيسي: كره بعضهم الحكم في المسجد؛ من
أجل أنه قد يكون الحكم بين مسلم ومشرك، فيدخل المشرك المسجد، قال: ودخول
المشرك المسجد مكروه، ولكن الحكم بينهم لم يزل من صنيع السلف، في مسجد
رسول اللّه وَ ل# وغيره، ثم ساق في ذلك آثارا كثيرة، قال ابن بطال: وحديث سهل بن
سعد- يعني حديثه في المتلاعنين- حجة للجواز، وإن كان الأولى صيانة المسجد، وقد
قال مالك: كان من مضى يجلسون في رحاب المسجد، إما في موضع الجنائز، وإما
في رحبة دار مروان، قال: وإني لاستحب ذلك في الأمصار؛ ليصل إليه اليهودي،
والنصراني، والحائض، والضعيف، وهو أقرب إلى التواضع. وقال ابن المنير: الرحبة
المسجد حكم المسجد، إلا إن كانت منفصلة عنه، والذي يظهر أنها كانت منفصلة عنه،
ويمكن أن يكون جلوس القاضي في الرحبة المتصلة، وقيام الخصوم خارجا عنها، أو
في الرحبة المتصلة، وكأن التابعي المذكور يرى أن الرحبة لا تُعطَى حكم المسجد، ولو
اتصلت بالمسجد، وهو خلاف مشهور، فقد وقع للشافعية في حكم رحبة المسجد
اختلاف في التعريف، مع اتفاقهم على صحة صلاة من في الرحبة المتصلة بالمسجد،
بصلاة من في المسجد، قال: والفرق بين الحريم والرحبة، أن لكل مسجد حریما،
وليس لكل مسجد رحبة، فالمسجد الذي يكون أمامه قطعة من البقعة، هي الرحبة،
وهي التي لها حكم المسجد، والحريم هو الذي يحيط بهذه الرحبة، وبالمسجد، وإن
کان سور المسجد محيطا بجميع البقعة، فهو مسجد بلا رحبة، ولکن له حریم کالدور.
انتهى ملخصا .
وسكت عما إذا بنى صاحب المسجد قطعة منفصلة عن المسجد، هل هي رحبة
تعطى حكم المسجد، وعما إذا كان في الحائط القبلي من المسجد رحاب، بحيث لا
تصح صلاة من صلى فيها خلف إمام المسجد، هل تعطى حكم المسجد، والذي يظهر
أن كلا منهما يُعطى حكم المسجد، فتصح الصلاة في الأولى، ويصح الاعتكاف في

٣٢٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَابِ الْقُضَاةِ
الثانية، وقد يفرق حكم الرحبة من المسجد، في جواز اللغط ونحوه فيها، بخلاف
المسجد، مع إعطائها حكم المسجد في الصلاة فيها، فقد أخرج مالك في ((الموطأ)) من
طريق سالم بن عبد الله بن عمر، قال: بنى عمر إلى جانب المسجد رحبة، فسماها
البطحاء، فكان يقول: من أراد أن يلغط، أو يُنشد شعرا، أو يرفع صوتا، فليخرج إلى
هذه الرحبة. انتهى ((فتح)) ٥٨/١٥.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الذي يظهر لي أن الحكم في المسجد جائز، كما
ثبت عن النبيّ وَّهر، لكن إذا كان هناك شيء يتنافى مع حرمة المسجد، ككون أحد
الخصمين حائضًا، أو جنبًا، أو ليس مسلمًا، خرج إلى خارج المسجد، فحكم هناك،
والأولى من ذلك كله أن يتّخذ مكانا ظاهرًا يصلح لكل الناس، كما هو المعمول به في
زماننا هذا، وقبله بدهور. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)».
٢١- (الاسْتِعْدَاءُ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((الاستعداء)) مصدر استعدى، قال الفيّوميّ رحمه الله
تعالى: استعديت الأمير على الظالم: طلبت منه النصرة، فأعداني عليه: أعانني،
ونصرني، فالاستعداء: طلب التقوية، والنصرة، والاسم: الْعَذْوَى بالفتح. قال ابن
فارس: الْعَذْوَى: طلبك إلى وال لِيُعْديك على من ظلمك: أي ينتقم منه باعتدائه عليه،
والفقهاء يقولون: مسافةُ العدوى، وكأنهم استعاروها من هذه الْعَذْوَى؛ لأن صاحبها
يَصِل فيها الذهاب والعود بعذو واحد؛ لما فيه من القوّة والجلادة. انتهى. والله تعالى
أعلم بالصواب.
٥٤١١- (أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مَنْصُورِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُبَشِّرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
رَزِينِ، قَالَ: حَدْثَنَا سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، جَعْفَرِ بْنِ إِيَاسٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ
شُرَخْبِيلَ، قَالَ: قَدِمْتُ مَعَ عُمُومَتِي الْمَدِينَةَ، فَدَخَلْتْ حَائِطًا مِنْ حِيطَانِهَا، فَفَرَكْتُ مِنْ
سُنْلِهِ، فَجَاءَ صَاحِبُ الْخَائِطِ، فَأَخَذَ كِسَائِي، وَضَرَبَنِي، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ أَسْتَغْدِي
عَلَيْهِ، فَأَرْسَلَ إِلَى الرَّجُلِ، فَجَاءُوا بِهِ، فَقَالَ: ((مَا حَمَّلَكَ عَلَى هَذَا؟)) فَقَالَ: يَا رَسُولَ
اللَّهِ، إِنّهُ دَخَلَ حَائِطِي، فَأَخَذَ مِنْ سُنَبْلِهِ فَفَرَكَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((مَا عَلَّمْتَهُ إِذْ كَانَ
جَاهِلًا، وَلَا أَطْعَمْتَهُ إِذْ كَانَ جَائِعًا، ارْدُدْ عَلَيْهِ حِسَاءَهُ))، وَأَمَرَ لِي رَسُولُ اللَّهِ لَّهِ بِوَسْقٍ،