النص المفهرس
صفحات 261-280
= ٢٦١ = ١٢- (تَأْوِيلُ قَوْلِ اللَّه عز وجل: ﴿ ... وَمَن-الحديث رقم ٥٤٠٢ سوى اللَّه بين جميعهم في الحكم عليهم في التوراة، ﴿فَأُوْلَبِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، يقول: هؤلاء الذين لم يحكموا بما أنزل الله في كتابه، ولكن بدلوا وغيروا حكمه، وكتموا الحق الذي أنزله في كتابه، ﴿هُمُ الْكَفِرُونَ﴾، يقول: هم الذين ستروا الحق الذي كان عليهم كشفُهُ وتبيينه وغطوه عن الناس، وأظهروا لهم غيره، وقضوا به لسحت أخذوه منهم عليه. انتهى(١). وسيأتي مزيد بسط في اختلاف العلماء في معنى الآية في المسألة الثانية، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب. ٥٤٠٢- (أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا(٢) الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَتْ مُلُوك بَعْدَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةِ وَالسَّلامُ، بَدَّلُوا الْتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ، وَكَانَ فِيهِمْ مُؤْمِنُونَ، يَقْرَءُونَ التَّوْرَاةَ، قِيلَ لِمُلُوكِهِمْ: مَا نَجِدُ شَتْمًا أَشَدَّ مِنْ شَتْمِ يَشْتِمُونَّا هَؤُلَاءِ، إِنَّهُمْ يَقْرَءُونَ: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَّبِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، وَهَؤُلَاءٍ الْآيَاتِ، مَعَ مَا يَعِيبُونَّا بِهِ فِي أَعْمَالِنَا فِي قِرَاءَتِهِمْ، فَادْعُهُمْ فَلْيَقْرَءُوا كَمَا نَقْرَأُ، وَلْيُؤْمِنُوا كَمَا آمَنَّا، فَدَعَاهُمْ، فَجَمَعَهُمْ، وَعَرَضَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلَ، أَوْ يَتْرُكُوا قِرَاءَةَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، إِلَّا مَا بَدَّلُوا مِنْهَا، فَقَالُوا: مَا تُرِيدُونَ إِلَى ذَلِكَ، دَعُونَا، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمُ: ابْتُوا لَّنَا أَسْطُوَاتَةَ، ثُمَّ ارْفَعُونَا إِلَيْهَا، ثُمَّ أَعْطُونَا شَيْئًا، نَرْفَعُ بِهِ طَعَامَنَا وَشَرَابَنَا، فَلَا تَرِدُ عَلَيْكُمْ، وَقَالَتْ طَائِقَةٌ مِنْهُمْ: دَعُونَا نَسِيحُ فِي الْأَرْضِ، وَنَهِيمُ، وَتَشْرَبُ كَمَا يَشْرَبُ الْوَحْشُ، فَإِنْ قَدَرْتُمْ عَلَيْنَا فِي أَرْضِكُمْ فَاقْتُلُونَا، وَقَالَتْ طَّائِفَةٌ مِنْهُمْ: ابْنُوا لَنَا دُورًا فِي الْفَيَافِي، وَنَحْتَفِرُ اْآبَارَ، وَتَحْتَرِثُ الْبُقُولَ، فَلَافَرِدُ عَلَيْكُمْ، وَلَا ثَمُرُّ بِكُمْ، وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْقَبَائِلِ، إِلَّا وَلَهُ حَمِيمٌ فِيهِمْ، قَالَ: فَفَعَلُوا ذَلِكَ، فَأَنْزَّلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَرَهْبَاِيَّةُ أَبْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَهَا عَلَيْهِمْ إِلَّ أَبْتِغَّةُ رِضْوَنِ اَللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧]، وَالْآخَرُونَ قَالُوا: تَتَعَبَّدُ كَمَا تَعَبِّدَ فُلَانٌ، وَنَسِيحُ كَمَا سَاحَ فُلَانٌ، وَتَّخِذُ دُورًا كَمَا الَّخَذَ فُلَانٌ، وَهُمْ عَلَى شِرْكِهِمْ، لَا عِلْمَ لَهُمْ بِإِيمَانِ الَّذِينَ اقْتَدَوْا بِهِ، فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ النَِّيَّ وَّةِ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ، انْحَطَّ رَجُلٌ مِنْ صَوْمَعَتِهِ، وَجَاءَ سَائِحْ مِنْ سِيَاحَتِهِ، وَصَاحِبُ الدَّيْرِ مِنْ دَيْرِهِ، فَمَنُوا بِهِ، وَصَدَّقُوهُ، فَقَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ، يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ،﴾ [الحديد: ٢٨]: أَجْرَيْنِ: بِإِيمَانِهِمْ بِعِيسَى وَبِالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، وَبِإِيمَانِمْ بِمُحَمَّدٍ لَّهَ وَتَصْدِيقِهِمْ، قَالَ: ﴿وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ رِهِ.﴾ (١) ((تفير ابن جرير)) ٢٤٥/١٠. (٢) وفي نسخة: ((أخبرنا)). ٢٦٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَاب الْقُضَاةِ [الحديد: ٢٨]: الْقُرْآنَ، وَاتْبَاعَهُمُ النَّبِيِّ نَِّ، قَالَ: ﴿لِّثَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِنَبِ﴾ يَتَشَبَّهُونَ بِكُمْ، ﴿أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ مِّن فَضْلِ اَللَّهِ﴾ الْآيَةَ [الحديد: ٢٧-٢٩]). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (الحسين بن حُريث) أبو عَمّار الخزاعيّ مولاهم المروزيّ ثقة [١٠] ٥٢/٤٤. ٢- (الفضل بن موسى) السِّينانيّ المروزيّ، ثقة ثبت، ربما أغرب، من كبار [٩] ١٠٠/٨٣. ٣- (سفيان بن سعيد) الثوريّ الكوفيّ الإمام الحجة الثبت المشهور [٧] ٣٧/٣٣ . ٤- (عطاء بن السائب) أبو محمد، أو أبو السائب الثقفيّ الكوفيّ، صدوقٌ اختلط [٥] ٢٤٣/١٥٢ . ٥- (سعيد بن جبير) الأسديّ مولاهم الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٤٣٦/٢٨. ٦ - (ابن عباس) عبد اللَّه البحر الحبر رضي الله تعالى عنهما ٢٧/ ٣١ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح وعطاء، وإن كان اختلط إلا أن سفيان روى عنه قبل اختلاطه، وأخرج له البخاري متابعة. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين من سفيان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٩٦) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي اللَّه تعالى عنهما، أنه (قَالَ: كَانَتْ مُلُوٌ بَعْدَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ الصَّلَاَةِ وَالسَّلَامُ، بَدَّلُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ) أي غيّروا ما فيهما من الأحكام التي لا توافق هواهم (وَكَانَ فِيهِمْ) أي في جملة أولئك الملوك المبدلين، وقومهم قوم (مُؤْمِنُونَ) بالله تعالى، وبما أنزل على نبيهم (يَقْرَءُونَ التَّوْرَاةَ) أي والإنجيل بدليل ما يأتي من قوله: ((أو يتركوا قراءة التوراة والإنجيل)) (قِيلَ لِمُلُوكِهِمْ: مَا نَجِدُ شَتْمًا أَشَدَّ مِنْ شَتْم يَشْتِمُونًا هَؤُلَاءٍ) يحتمل أن يكون بتشديد النون، وأصله: ((يشتموننا))، فأدغمت نون الرفع في نون الضمير، ويحتمل أن يكون بتخفيفها بحذف إحداهما، وجملة ((يشتمونا)) في محلّ جرّ صفة ((((شتم)) بتقدير العائد: أي يشتموناه، والضمير المقدّر يكون مفعولا مطلقًا، ثم الكلام من باب («أكلوني البراغيث)»، فاسم الإشارة فاعل والواو حرف دال على الجماعة، كما قال في ((الخلاصة)) : = ٢٦٣ ١٢- (تَأْوِيلُ قَوْلِ الله عز وجل: ﴿ ... وَمَن-الحدیث رقم ٥٤٠٢ وَقَدْ يُقَالُ سَعِدَا وَسَعِدُوا وَالْفِعْلُ لِلظَّاهِرِ بَعْدُ مُسْتَدُ أو الواو هو الفاعل، واسم الإشارة بدل عنه، كما قيل في قوله عز وجل: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ الآية [الأنبياء: ٣]. (إِنَّهِمْ يَقْرَءُونَ: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَتَّبِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]) أي هذا النصّ، فقوله: ((﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم﴾ الخ)) مفعول به ((يقرؤون)) محكيّ (وَهَؤُلَاءِ الْآيَاتِ) قال السنديّ رحمه الله تعالى: هو مبتدأ خبره محذوفٌ: أي من أشدّ الشتم. انتھی . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ويحتمل أن يكون معطوفا على ما قبله، والإشارة إلى الآيتين اللتين بعد هذه، وإطلاق الجمع على الاثنين شائع، بل المختار أن أقل الجمع اثنان: أي ويقرؤون هؤلاء الآيات: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَكَ هُمُ اُلْظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]، ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَوْلَكَ هُمُ الْفَسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧] مَعَ مَا يَعِيبُونًّا) بتشديد النون أيضًا، ویجوز تخفيفها بحذف إحداهما (بِهِ فِي أَعْمَالِنَا فِي قِرَاءَتِهِمْ) أي من تركهم العمل بما أنزل إليهم من ربّهم (فَادْعُهُمْ فَلْيَقْرَءُوا كَمَا نَقْرَأُ) أي من المحرّف (وَلْيُؤْمِنُوا كَمَا آمَنَّا) أي بما حرّفوه، وبدّلوه، وقالوا زورًا وبهتانًا: إنه من عند الله، وما هو من عند اللَّه، كما قال اللَّه عز وجل: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْثُبُونَ الْكِتَبَ بِأَيْدِهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ، ثَمَنًا قَلِيلًا فَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَثَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٩]، وقال: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَغَرِيقًا يَلْوُنَ أَلْسِنَتَهُم بِآلْكِنَبٍ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَبِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَبٍ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ الَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٨] (فَدَعَاهُمْ) ذلك المك (فَجَمَعَهُمْ) في مكان واحد (وَعَرَضَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلَ، أَوْ يَتْرُكُوا قِرَاءَةَ النَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ) بجزم ((يَترُكوا)) عطفًا على القتل؛ لأنه اسم خالص، أي غير مقصود به معنى الفعل، كما قوله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّ وَحْيًّا أَوْ مِن وَرَآٍ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ الآية [الشورى: ٥١]، وكما في قول الشاعر: وَلُبْسُ عَبَاءَةٍ وَقَرَّ عَيْنِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ لُبْسِ الشُّفُوفِ قال في ((الخلاصة)): وَإِنْ عَلَى اسْمِ خَالِصِ فِعْلٌ عُطِفْ تَخْصِبُهُ (أَنْ)) ثَابِتًا أَوْ مُنْحَذِفْ أي عرض عليهم أن يقبلوا القتل، أو الترك (إِلَّ مَا بَدَّلُوا) بتشديد الدال المهملة: أي غيّروا (مِنْهَا) أي من كلّ من الكتابين، فإفراد الضمير باعتبار المذكور (فَقَالُوا) أي المؤمنون الذي جُمعوا، وعُرض عليهم الخيار المذكور (مَا تُرِيدُونَ إِلَى ذَلِكَ) ((ما) ٢٦٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَاب الْقُضَاةِ استفهاميّة: أي أيّ شيء تريدون، مائلين إلى ما تقولون، ويحتمل أن تكون ((إلى)) بمعنى ((من)): أي أَيَّ شي تريدون مما ذكرتم، والمراد أنكم لا تستفدون من الذي طلبتوه لنا، فإننا نبتعد منكم، ولا ينالكم منا أذى فـ(دَعُونَا) أي اتركونا على ما نحن عليه، ثم تفرّقوا في كيفية الانفصال، والابتعاد عنهم (فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمُ) أي من المؤمنين (ابْتُوا لَنَا أُسْطُوَانَةً) قال الفيّوميّ: الأسطوانة بضم الهمزة والطاء: السارية، والنون عند الخليل أصل، فوزنها أُفْعُوالة، وعند بعضهم زائدة، والواو أصلٌ، فوزنها أَفْعُلانة، والجمع أساطين، وأُسْطُوانات على لفظ الواحد، والمراد به هنا أن يُبنى لهم مكان مرتفع من الأرض يسكنونه، ويعتزلون فيه، ولا يختلطون بالناس (ثُمَّ ارفَعُونَا إِلَيْهَا، ثُمَّ أَعْطُونَا شَيْئًا، نَرْفَعُ بِهِ طَعَامَنَا وَشَرَابَتَا، فَلَافَرِدُ عَلَيْكُمْ) من الورود، أي حتّى تروا قراءتنا شتمًا لكم (وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ: دَعُونَا نَسِيحُ) بفتح أوله، من السياحة، من باب باع: أي نسير (فِي الْأَرْضِ، وَنِيمُ) بفتح أوله بوزن ما قبله، يقال: هام في وجهه يهيم: خرج على وجهه لا يدري أين يتوجّه، فهو هائمٌ إن سلك طريقًا مسلوكًا، فإن سلك طريقًا غير مسلوك، فهو راكبُ التعاسيف. قاله في ((المصباح)) (وَنَشْرَبُ كَمَا يَشْرَبُ الْوَخْشُ) أي من البحار، والأنهار والسيول (فَإِنْ قَدَرْتُمْ عَلَيْتَا فِي أَرْضِكُمْ فَاقْتُلُونَا،) مشارطة لهم على أنهم إن خالفوا ما ذكروا، وجاءوا إليهم، فقد نقضوا عهدهم، فلهم قتلهم (وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمُ: ابْتُوا لَنَا دُورًا) بالضمّ: جمع دار (فِي الْفَيَافِي) بالفتح: جمع فَيْفٍ بوزن بيت، قال في ((القاموس)): الْفَيْفُ: المكان المستوي، أو المفازة لا ماء فيها، كالفَيْفَاة، والْفَيْفَاء، جمعه أفيافٌ، وقُيُوفٌ، وفَيَافٍ. انتهى (وَنَحْتَفِرُ الْآَبَارَ، وَنَحْتَرِثُ الْبُقُولَ) هكذا النسخ ((ونحتفر)) بالواو، فيكون عطفًا على مقدّر: أي نسكنها، ونحتفر، والاحتفار: افتعال من الحفر للمبالغة، والبقول بالضمّ جمع بَقْل بفتح، فسكون: هو كلُّ نبات اخضرّت به الأرض. قاله في ((المصباح)) (فَلَافَرِدُ عَلَيْكُمْ) من الورود: أي لا نجيء إلى أرضكم (وَلَّا نَمُرُّ بِكُمْ، وَلَيْسَ أَحَدٍ مِنَ الْقَبَائِلِ) التي حرّفت الكتابين، وطلبت من المؤمنين أن يرتدّوا، أو يقتلوهم (إِلَّا وَلَهُ حَمِيمٌ) بوزن قريب، ومعناه (فِيهِمْ) أي في أولئك المؤمنين (قَالَ: فَفَعَلُوا ذَلِكَ) أي ففعل الملك، وأعوانه لهؤلاء المؤمنين ما طلبوا منهم، من بناء الأسطوانة، والسياحة في الأرض، وبناء الدور في الفيافي، ولم يضطرّوهم إلى أن يرتدوا عن دينهم؛ لأجل كونهم ذوي قرابة فيهم (فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً) قال النسفيّ رحمه الله: هي ترهّبهم في الجبال، فازّين من الفتنة في الدين، مخلصين أنفسهم للعبادة، وهي الفعلة المنسوبة إلى الرَّهْبَان، وهو الخائف، فَعلان، من رَهِب، كخشيان من خشي، وانتصابها بفعل مضمر يفسّره الظاهر: تقديره: وابتدعوا رهبانية ٠٫٠ ٢٦٥ ١٢ - (تَأْوِيلُ قَوْلِ اللهِ عز وجل: ﴿ ... وَمَن- الحديث رقم ٥٤٠٢ (ابْتَدَعُوهَا) أي أخرجوها من عند أنفسهم، ونذروها (مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ) ما فرضنا تلك الرهبانية عليهم. وقال ابن كثير: أي ما شرعناها، وإنما هم التزموها من تلقاء أنفسهم (إِلَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ) استثناء منقطع: أي ولكنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله. قاله النسفيّ. وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: فيه قولان: [أحدهما]: أنهم قصدوا بذلك رضوان اللّه، قاله سعيد بن جُبير، وقتادة. [والآخر]: ما كتبنا عليهم ذلك، إنما كتبنا عليهم ابتغاء رضوان اللَّه. انتهى (فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ أي فما قاموا بما التزموا حقّ القيام، وهذا ذمّ لهم من وجهين: [أحدهما]: الابتداع في دين اللَّه ما لم يأمر به الله تعالى. [والثاني]: في عدم قيامهم بما التزموه مما زعموا أنه قربة يقرّبهم إلى اللَّه عز وجل. انتهى تفسير ابن كثير ٣٣٨/٤ (وَالْآخَرُونَ) غير هؤلاء الذين خيرهم الملك بين القِتل والارتداد (قَالُوا: نَتَعَبَّدُ كَمَا تَعَبَّدَ فُلَانٌ، وَنَسِيحُ كَمَا سَاحَ فُلَانٌ، وَنَتَّخِذُ دُورًا كَمَا التَّخَذَ فُلَانٌ) يعنون الذين طلبوا من الملك أن يُعفيهم، ويتركهم على دينهم شريطة أن ينعزلوا منهم (وَهُمْ عَلَى شِرْكِهِمْ) أي وهؤلاء الآخرون لا يزالون على دينهم من الشرك؛ جهلا منهم، كما بينه بقوله (لَا عِلْمَ لَهُمْ بِإِيمَانِ الَّذِينَ اقْتَدَوْا بِهِ) يعني أنهم اقتدوا بهم في مجرّد الانعزال من الناس، ولزوم الجبال، والفيافي، لا في إيمانهم، وعبادتهم (فَلَمًّا بَعَثَ اللَّهُ النَّبِيَّ ◌َِّ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ) أي من هولاء المتعبّدين (إِلَّا قَلِيلٌ، انْحَطَ رَجُلٌ مِنْ صَوْمَعَتِهِ) بفتح، فسكون: متعبّد النصار، جمعها صوامع، قال في ((اللسان)): الصومعة من البناء سمّيت صومعةً لتلطيف أعلاها، والصومعة: مَنّار الراهب، قال سيبويه: هو من الأصمع يعني المحدّد الطرَف المنضمّ. انتهى. وقال في ((المصباح)): الصّمَعُ: لُصُوق الأذنين، وصِغَرهما، وهو مصدرُ صَمِعت الأذن من باب تَعِبَ، وكلُّ منضمٌ، فهو متصمِّعٌ، ومن ذلك اشتُقّ صومعة النصارى. انتهى. (وَجَاءَ سَائِحْ مِنْ سِيَاحَتِهِ، وَصَاحِبُ الدَّيْرِ مِنْ دَيْرِهِ) ((الدَّيْر)) بفتح، فسكون: هو خان النصارى، جمعه أديار. أفاده في (القاموس)). وقال في ((المصباح)): الدَّيرُ للنصارى معروفٌ، والجمع دُيُورَةٌ، مثلُ بَعْلٍ وبُعُولة. انتهى (فَآمَنُوا بِهِ) أي بالنبِيّ وَِّ (وَصَدَّقُوهُ، فَقَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿يَا أَيَّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) الخطاب لأهل الكتاب (اتَّقُوا اللَّهَ، وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ) محمد نَّهِ (يُؤْتِكُمْ) اللَّه تعالى (كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ) وقوله: (أَجْرَيْنِ: بِإِيمَانِمْ بِعِيسَى وَبِالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، وَبِإِيمَانِمْ بِمُحَمَّدٍ وَل﴿ وَتَصْدِيقِهِمْ) تفسير من ابن عبّاس رضي اللَّه تعالى عنهما للكفلين (قَالَ: ﴿يَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾: الْقُرْآنَ، وَاتْبَاعَهُمُ الشَّبِيِّ نَّهِ، قَالَ: ﴿لَِّلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾) متعلّق بمحذوف: أي أعلمكم بذلك، أو فعل بكم ذلك. وقال الإمام ابن جرير رحمه الله تعالى في ((تفسيره)) ٢١٣/٢٣-٢٣٤: ٢٦٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَاب الْقُضَاةِ يقول الله تعالى للمؤمنين به وبمحمد ويله من أهل الكتاب: يفعل بكم ربّكم هذا لكي يعلم أهل الكتاب أنهم لا يقدرون على شيء من فضل الله الذي آتاكم، وخصكم به؛ لأنهم كانوا يرون أن اللَّه قد فضلهم على جميع الخلق، فأعلمهم الله تعالى أنه قد آتى أمة محمد 38 من الفضل والكرامة ما لم يؤتهم، وأن أهل الكتاب حسدوا المؤمنين لما نزل قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ﴾ الآية، فقال عزّ وجلّ: فعلت ذلك ليعلم أهل الكتاب أنهم لا يقدرون على شيء من فضل الله. انتهى كلام ابن جرير رحمه الله تعالی. وقال أيضًا: وقيل: ﴿لِّئَلَا يَعْلَمَ﴾ إنما هو ليعلم، وذُكر أن ذلك في قراءة عبد الله: ((لكي يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون))؛ لأن العرب تجعل ((لا)) صلة في كلّ كلام دخل في أوله، أو آخره جحد غير مصرّح، كقوله في الجحد السابق الذي لم يُصرّح به: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَّ﴾، وقوله: ﴿وَمَا يُشْعِزَّكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَآءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، وقوله: ﴿وَحَرَمُ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْتَهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾. انتهى. وقوله: (يَتَشَبَّهُونَ بِكُمْ) هكذا لفظ ((المجتبى))، ولفظ ((الكبرى)) في ((التفسير)): ((الذين يتشبّهون بكم)) بزيادة موصول. قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الذي يظهر لي من معنى التشبّه هنا أنه تشبههم في دعوى الإيمان، وذلك أنهم يقولون: نحن منؤمنون كما آمنتم، فيكون لنا أجر كأجركم، ويوضّح ذلك ما ذُكر في سبب نزول الآية، وذلك أنه لما سمع من لم يؤمن من أهل الكتاب قوله تعالى: ﴿أؤلئك يؤتون أجرهم مرّتين﴾ قالوا للمسلمين: أمّا من آمن منا بكتابكم، فله أجره مرّتين؛ لإيمانه بكتابنا وكتابكم، ومن لم يؤمن بكتابكم، فله أجرٌ كأجركم، فبأيّ شيءٍ فُضّلتم علينا، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿لِثَلَا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَبِ﴾ الآية(١). ووقع في ((تفسير ابن جرير الطبريّ)) ٢١٤/٢٣: ((الذين يتسمّعون))، فإن صحّت هذه اللفظة، فالمعنى عليها واضح، ف(يتسمّعون)) من التسمّع مبالغة في السماع، يعني الذين يسمعون هذه الآية عند نزولها للمسلمين. وقوله: (﴿أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ مِّن فَضْلِ اَللَّهِ﴾ الْآيَةَ [الحديد: ٢٧-٢٩] ) قال البيضاويّ: والمعنى أنهم لا ينالون شيئًا مما ذُكر من فضله، ولا يتمكنون من نيله؛ لأنهم لم يؤمنوا برسوله، وهو مشروط بالإيمان به. أو لا يقدرون على شيء من فضل الله فضلاً عن أن يتصرّفوا في أعظمه، وهو النبوّة، فيخصّوا بها من أرادوا، ويؤيده قوله: (١) انظر ((تفسير الخازن)) ٧ /٤٠-٤١. ٢٦٧ ١٢ - (تَأْوِيلُ قَوْلِ اللهِ عز وجل: ﴿ ... وَمَن-الحديث رقم ٥٤٠٢ ﴿وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ الآية (١)، والجملة معطوفة على ﴿أَلَّا يَقْدِرُونَ﴾ الآية .. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما هذا موقوف صحيح، تفرّد به المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا-١٢/ ٥٤٠٢- وفي ((الكبرى)) ٥٩٤١/١٢. والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في اختلاف أهل العلم في المراد بالكفر في قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ﴾: قال الإمام ابن جرير الطبريّ رحمه الله تعالى في ((تفسيره)): قد اختلف أهل التأويل في تأويل الكفر في هذا الموضع، فقال بعضهم: عَنَى به اليهود الذين حرفوا كتاب الله، وبذلوا حكمه، ثم أخرج بسنده عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما، عن النبيِ وَّرَ في قوله: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ﴾، ﴿وَمَنْ لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اَللّهُ فَأُوْلَكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ﴿وَمَن لَّْ يَحْكُم بِمَا أَنَزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ﴾ في الكافرين كلها)). وأخرج عن أبي صالح أنه قال: الثلاث الآيات التي في المائدة ﴿وَمَنْ لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنْزَلَ اَللَّهُ فَأُوْلَبِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ﴾، ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ﴿فَأُوْلَيْكَ هُمُ اُلْفَسِقُونَ﴾ ليس في أهل الإسلام منها شيء هي في الكفار. وعن الضحاك نحوه، وكذا عن أبي مِجْلز. وأخرج عن أبي البختريّ، قال: سأل رجل حذيفة عن هؤلاء الآيات: ﴿وَمَنْ لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اَللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ﴾، ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ﴾؟ قال: فقيل ذلك في بني إسرائيل؟ قال: نعم الإخوة لكم بنو إسرائيل، إن كانت لهم كل مُرّة، ولكم كل حُلْوة كَلّا واللّه لتسلكن طريقهم قِدَى الشراك(٢). وعن عكرمة قال: هؤلاء الآيات في أهل الكتاب. ونحوه عن قتادة . قال: وقال بعضهم: عنى بالكافرين أهل الإسلام، وبالظالمين اليهود، وبالفاسقين النصارى . ثم أخرج ذلك بطرق عن الشعبيّ. (١) راجع ((حاشية الجمل)) في تفسير ((سورة الحديد)) ٢٩٨/٤. (٢) بكسر القاف، وتخفيف الدال مقصورًا: القدر: أي قدر الشراك، والشراك سير النعل . ٢٦٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَاب الْقُضَاةِ قال: وقال آخرون: بل ◌ُنِي بذلك کفردون کفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق. ثم أخرج ذلك عن عطاء، وعن طاوس قال: ليس بكفر ينقل عن الملة. وأخرج عن طاوس، قال: قال رجل لابن عباس في هذه الآيات: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اَللَّهُ﴾ فمن فعل هذا فقد كفر، قال ابن عباس: إذا فعل ذلك فهو به كفر، وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر وبكذا وكذا. وقال آخرون: بل نزلت هذه الآيات في أهل الكتاب، وهي مراد بها جميع الناس، مسلموهم وكفارهم. وممن قال بذلك إبراهيم النخعي، قال: نزلت هذه الآيات في بني إسرائيل، ورضي لهذه الأمة بها. وقال الحسن البصريّ: نزلت في اليهود، وهي علينا واجبة . وعن علقمة ومسروق أنهما سألا ابن مسعود عن الرشوة؟ فقال: من السحت، فقالا: أفي الحكم؟ قال: ذاك الكفر، ثم تلا هذه الآية ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اَللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ اُلْكَفِرُونَ﴾ . قال: وقال آخرون: معنى ذلك ومن لم يحكم بما أنزل الله جاحدا به، فأما الظلم والفسق فهو للمقر به. ثم أخرج بسنده عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: من جحد ما أنزل الله فقد كفر، ومن أقر به ولم يحكم، فهو ظالم فاسق. قال الطبريّ رحمه الله تعالى: وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب قول من قال: نزلت هذه الآيات في كفار أهل الكتاب؛ لأن ما قبلها وما بعدها من الآيات ففيهم نزلت، وهم المعنيون بها، وهذه الآيات سياق الخبر عنهم، فكونها خبرا عنهم أولى. فإن قال قائل: فإن اللّه تعالى قد عم بالخبر بذلك عن جميع من لم يحكم بما أنزل الله، فكيف جعلته خاصا؟. قيل: إن الله تعالى عم بالخبر بذلك عن قوم كانوا بحكم اللّه الذي حكم به في كتابه جاحدین، فأخبر عنهم أنهم بترکهم الحكم على سبيل ما تركوه كافرون، وكذلك القول في كل من لم يحكم بما أنزل اللَّه جاحدا به هو باللّه كافر، كما قال ابن عباس؛ لأنه بجحوده حكم الله بعد علمه أنه أنزله في كتابه نظير جحوده نبوة نبيه بعد علمه أنه نبي. انتهى ملخّص كلام ابن جرير رحمه اللَّه تعالى(١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي رجحه ابن جرير رحمه الله تعالى هو الحقّ عندي، وحاصله أن الآيات نزلت في أهل الكتاب؛ لدلالة السياق على ذلك، ولكنها (١) راجع ((تفسير ابن جرير)) ٢٤٥/١٠-٣٥٨ تحقيق محمود محمد شاكر . ١ ١٣ - (الْحُكْمُ بِالظَّاهِرِ) - حديث رقم ٥٤٠٣ ٢٦٩ تشمل هذه الأمة إذا سلكت سبيلهم بتركها الحكم بما أنزل الله جحودًا وعنادًا، لا ظلمًا وفسقًا. والله تعالى أعلم. وقال ابن أبي العزّ في شرح ((العقيدة الطحاويّة)): ما خلاصته: الحكم بغير ما أنزل اللَّه قد يكون كفرًا ينقل عن الملّة، وقد يكون معصية كبيرة، أو صغيرة، ويكون كفرًا مجازيّا، وذلك بحسب حال الحاكم، فإنه إن اعتقد أن الحكم بما أنزل الله غير واجب، وأنه مُخَيَّرٌ فيه، أو استهان به مع تيقّنه أنه حكم اللَّه، فهذا كفر أكبر (١)، وإن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله، وعلمه في هذه الواقعة، وعدل عنه مع اعترافه بأنه مستحقّ للعقوبة، فهذا عاص، ويسمّى كافرًا كفرًا مجازيًا، أو كفرًا أصغر، وإن جهل حكم الله فيها، مع بذل جهده، واستفراغ وسعه في معرفة الحكم، وأخطأه، فهذا مخطىء، له أجرٌ على اجتهاده، وخطؤه مغفور. انتهى كلام ابن أبي العزّ رحمه الله تعالى(٢)، وهو تحقيق نفيسٌ جدًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). ١٣- (الْحُكْمُ بِالظَّاهِرِ) ٥٤٠٣- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْتَى، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُزْوَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ زَيْتَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمّ سَلَمَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وِهِ قَالَ: ((إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيٍّ، وَإِنَّمَا أَنَا بَشَرَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقُّ أَخِيهِ شَيْئًا، فَلَا يَأْخُذْهُ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُهُ بِهِ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ))). (١) علّق العلامة الشيخ أحمد شاكر رحمه اللّه تعالى هنا ما نصّه: وهذا مثل ما ابتلي به الذين درسوا القوانين الأوربيّة من رجال الأمم الإسلاميّة، ونسائها أيضًا الذين أشربوا في قلوبهم حبّها، والشغف بها، والذبّ عنها، وحكموا بها، وأذاعوها بما ربّوا من تربية أساسها صنع المبشرين الهدّامين أعداء الإسلام، ومنهم من يصرّح، ومنهم من يتوارى، ويكادون يكونون سواء، فإنا لله وإنا إليه راجعون. انتهى. كلامه. هامش ((شرح الطحاوية)) ص ٣٢٤ . (٢) راجع ((شرح العقيدة الطحاوية)) ص٣٢٣-٣٢٤ تخريج الشيخ الألبانيّ رحمه الله تعالى الطبعة الثامنة . = ٢٧٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَابِ الْقُضَاةِ رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (عمرو بن عليّ) الفلّاس البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٤/٤. ٢- (يحيى) بن سعيد القطّان البصريّ، ثقة ثبت حجة [٩] ٤/٤. ٣- (هشام بن عروة) بن الزبير، أبو المنذر المدنيّ، ثقة فقيه، ربما دلس [٥] ٤٩/ ٦١ . ٤- (أبوه) عروة بن الزبير بن العوام المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٤٤/٤٠. ٥- (زينب بنت أبي سلمة) عبد بن عبد الأسد المخزوميّة، ربيبة النبيّ وَل ماتت سنة (٧٣) وتقدّمت ترجمتها في ١٨٢/١٢٣. ٦- (أمّ سلمة) هند بنت أبي أمية المخزوميّة، أم المؤمنين رضي اللَّه تعالى عنها، تقدّمت ترجمتها في ١٨٢/١٢٣ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، سوى شيخه، وشيخ شيخه، فبصريان. (ومنها): أن فيه رواية صحابيّة، عن صحابيّة، وتابعيّ عن تابعيّ، والبنت عن أمها، والابن عن أبيه، وفيه أن شيخ المصنّف هو أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ زَيْتَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ) رضي اللَّه تعالى عنهما، وفي رواية البخاريّ: ((من طريق ابن شهاب، قال: أخبرني عروة بن الزبير، أن زينب ابنة أبي سلمة أخبرته، أن أم سلمة زوج النبيّ ◌ِ لّ أخبرتها)) (عَنْ أُمُّ سَلَمَةَ) رضي اللَّه تعالى عنها (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ قَالَ: (إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ) وفي رواية للبخاريّ من طريق صالح بن كيسان، عن الزهريّ: ((أنه سمع خُصومةً بباب حجرته، فخرج إليهم، فقال: إنما أنا بشر ... )). وفي رواية شعيب، عن الزهري: ((سمع جلبة خصام)): و((الجلبة))- بفتح الجيم واللام -: اختلاط الأصوات. ووقع في رواية يونس عند مسلم: ((جَلَبَة خَصْم))- بفتح الخاء وسكون الصاد- وهو اسم مصدر يستوي فيه الواحد والجمع والمثنى، مذكرا ومؤنثا، ويجوز جمعه وتثنيته، كما في رواية (خُصُوم))، وكما في قوله تعالى: ﴿هذان خصمان﴾، ولمسلم من طريق معمر، عن هشام: (لَجَبَةً))- بتقديم اللام على الجيم - وهي لغة فيها. قال الحافظ رحمه الله تعالى: فأما الخصوم فلم أقف على تعيينهم، ووقع التصريح ٢٧١ = ١٣- (الحُكْمُ بِالظَّاهِر) - حديث رقم ٥٤٠٣ بأنهما كانا اثنين، في رواية عبد الله بن رافع، عن أم سلمة، عند أبي داود، ولفظه: ((أتى رسول اللَّه وَ ل رجلان يختصمان))، وأما الخصومة، فبين في رواية عبد الله بن رافع، أنها كانت ((في مواريث لهما»، وفي لفظ عنده: ((في مواريث، وأشياء قد درست)). وقوله: «بباب حجرته)) في روایة شعیب، ویونس عند مسلم: ((عند بابه))، والحجرة المذكورة: هي منزل أم سلمة، ووقع عند مسلم في رواية معمر: ((بباب أم سلمة)). قاله في ((الفتح)) ٧٩/١٥ . (وَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ) ((البشر)): الخلق، يُطلق على الجماعة والواحد، بمعنى أنه منهم، والمراد أنه مشارك للبشر في أصل الخلقة، ولو زاد عليهم بالمزايا التي اختصّ بها في ذاته، وصفاته، والحصر هنا مجازي؛ لأنه يختص بالعلم الباطن، ويسمى قصر قلب؛ لأنه أتى به ردًا على من زعم أنّ من كان رسولًا، فإنه يعلم كل غيب، حتى لا يخفى عليه المظلوم. قاله في ((الفتح)) ٧٩/١٥ . وقال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه اللّه تعالى: قوله وَلّ: ((إنما أنا بشرّ)): تنبيه على أن أصل البشرية عدم العلم بالغيب، وبما يخفى من البواطن، إلا من أطلعه اللَّه تعالى على شيء من ذلك، وعلى جواز الغلط والسهو عليهم، إلا من عصمه الله تعالى من ذلك، وقد كان اللَّه تعالى قادرًا أن يُطلع نبيّه بَّر على بواطن كلّ من يتخاصم إليه، فيحكم بخفيّ ذلك، ويُخبر به، كما اتّفق له في مواضع، كقصّة حاطب بن أبي بلتعة، وحديث فَضالة بن عُمير، وذلك أنه أراد قتل النبيّ وَّر، وهو يطوف بالبيت، قال: فلما دنوت منه، قال: ((أفضالةُ؟))، قلت: نعم، قال: ((ما كنت تحدّث به نفسك؟))، قلت: لا شيء، فضحك، وأخبرني بذلك، واستغفر لي، ووضع يده على صدري، فسكن قلبي(١) . وغير ذلك من الوقائع التي أخبر بها، فوُجدت كما أخبر، وكما اتّفق ذلك للخضر عليََّلُ في قصّة السفينة، والغلام، والجدار، لكن إنما كان ذلك للأنبياء من جملة كراماتهم، ومعجزاتهم، ولم يجعل اللَّه ذلك طريقًا عامًا، ولا قاعدة كلَّةً، لا لهم، ولا لغيرهم؛ لاستمرار العادة بأنّ ذلك لا يقع من غير الأنبياء(٢)، ولأن وقوع ذلك من الأنبياء نادرٌ(٣)، وتلك سنّة الله، ولن تجد لسنة الله تبديلًا. (١) ذكره ابن هشام في ((السيرة)) ٤١٧/٢ وابن كثير في ((البداية والنهاية)) ٣٠٨/٤. (٢) هذا غير مسلم، فإنه يقع لغير الأنبياء من الصالحين؛ كرامة لهم، كما هو مسطور في كتب السنّة، فإنها طافحة بذلك، فتنبه . (٣) فيه نظر، فإنه وقوع المعجزات الأنبياء عليهم السلام ليس من النوادر، بل هو أكثر من أن يُحصر، فتنبه . ٢٧٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَاب الْقُضَاةِ قال القرطبيّ: وقد شاهدت بعض الممخرقين، وسمعنا منهم أنهم يُعرضون عن القواعد الشرعيّة، ويحكمون بالخواطر القلبيّة، ويقول: الشاهد المتّصل بي أعدل من الشاهد المنفصل عنّي، وهذه مخرقةٌ أبرزتها زندقة، يُقتَل صاحبها، ولا يُستتاب من غير شكّ، ولا ارتياب. وهذا خير البشر النبيّ وَليل يقول في مثل هذا الموطن: ((إنما أنا بشر))، معترفًا بالقصور عن إدراك المغيّات، وعاملًا بما نصبه الله تعالى له من الأيمان والبيّنات. انتهى كلام القرطبيّ- ((المفهم)) ١٥٣/٥-١٥٤. (وَلَعَلَّ) بمعنى ((عسى)) (بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَغْضٍ) أي أفطن لها، وأعرف بها، أو أقدر على بيان مقصوده، وأبين كلامًا، قال ابن الأثير: اللخنُ: الميل عن جهات الاستقامة، يقال: لَحَنَ في كلامه: إذا مال عن صحيح المنطق. وأراد: إن بعضكم يكون أعرف بالحجة، وأفطن لها من غيره. ويقال: لَحَنتُ لفلان: إذا قلتَ له قولًا يفهمه عنك، ويخفى على غيره؛ لأنك تُميله بالتورية عن الواضح المفهوم، ومنه لَحِنَ الرجل، فهو لَحِنْ، من تعب: إذا فهم، وفطِنَ لما لا يَفْطَنُ له غيره. انتهى ((النهاية)) ٤/ ٢٤١ . وقال الفيّوميّ: اللحَنُ- بفتحين -: الفِطنة، وهو مصدر، من باب تعب، والفاعل لَحِنٌ، ويتعدّى بالهمزة، فيقال: ألحنته عنّي، فلَحِن: أي أفطنته، ففطِن، وهو سُرعة الفهم، وهو ألحن من زيد: أي أسبق فهما منه. انتهى. وقال في ((القاموس)): ولحن له: قال له قولًا يفهمه عنه، ويخفى على غيره، ولحَنَ إليه: مال، وألحنه القول: أفهمه إيّاه، فلَحِنه، كسمِعه، وجعَله: فهمه، ولَحِنَ كفرح: فَطِنَ لحجّته، وانتبه. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: يفهم مما سبق أن اللَّحَنَ بمعنى الفِطنة للحجة بالكسر من باب تعب، وأما بمعنى الفهم، فهو من بابي سمع، وجعل، وقد ذكر القرطبيّ في ((المفهم)) ٥/ ١٥٥ جواز فتح الماضي وكسره إذا كان بمعنى الفطنة، وفيه نظرٌ، فتنبه. والله تعالى أعلم. وقد جاء هذا اللفظ مفسّرًا في رواية للبخاريّ، حيث قال: ((فلعلّ بعضكم أن يكون أبلغ من بعض)): أي أكثر بلاغةً، وإيضاحًا لحجته. زاد في رواية البخاريّ: ((فأحسب أنه صادقٌ، فأقضي له بذلك)). وقوله: ((فأحسب أنه صادق)): هذا يؤذن أن في الكلام حذفا تقديره: وهو في الباطن كاذب، وفي رواية معمر: ((فأظنه صادقا))، وقوله: ((فأقضي له بذلك))، في رواية أبي داود من طريق الثوري: ((فأقضي له عليه على نحوٍ مما أسمع))، ومثله في رواية أبي معاوية، وفي رواية عبد الله بن رافع: ((إني انما أقضي بينكم برأيي، فيما لم يُنزل علي فيه)). ٢٧٣ = ١٣ - (الْحُكْمُ بِالظَّاهِر) - حديث رقم ٥٤٠٣ (فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقُّ أَخِيهِ) أي خصمه، فهو أخوّة بالمعنى الأعمّ، وهو الجنس؛ لأن المسلم، والذمي، والمعاهد، والمرتد، في هذا الحكم سواء، فهو مُطّرد في الأخ من النسب، ومن الرضاع، وفي الدين، وغير ذلك، ويحتمل أن يكون تخصيص الأخوة بالذكر من باب التهييج، وفي رواية البخاريّ: ((بحق مسلم)). (شَيْئًا) هكذا بالنصب، وكأنه ضمن ((قضيت)) معنى ((أعطيت))، وفي رواية مالك، ومعمر: ((فمن قضيت له بشيء من حق أخيه))، ووقع عند أبي داود بلفظ: ((فمن قضيت له من حق أخيه بشيء، فلا يأخذه))، وفي رواية عبد الله بن رافع، عند الطحاوي، والدارقطني: ((فمن قضيت له بقضية، أراها يقطع بها قطعة ظلما، فإنما يقطع له بها قطعة من نار إسطامًا، يأتي بها في عنقه يوم القيامة))، و((الإسطام)) - بكسر الهمزة، وسكون السين المهملة، والطاء المهملة -: قطعة فكأنها للتأكيد. أفاده في ((الفتح)). (فَلَا يَأْخُذْهُ) أي لكونه حرامًا، يستحقّ به العقاب، كما بيّنه بقوله (فَإِنَّمَا أَقْطَعُهُ بِهِ) أي أقطع له بسببه، فالكلام من باب الحذف والإيصال (قِطْعَةً مِنَ النَّارِ) ولفظ البخاريّ: ((فإنما هي قطعة من النار))، وقوله: ((فانما هي)): الضمير للحالة، أو القصة. وقوله: ((قطعة من النار)): أي الذي قضيت له به بحسب الظاهر، إذا كان في الباطن لا يستحقه، فهو عليه حرام، يئول به إلى النار. وقوله: ((قطعة من النار)): تمثيل يُفهم منه شدة التعذيب على من يتعاطاه، فهو من مجاز التشبيه، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِ بُطُونِهِمْ نَارًا ﴾ [النساء: ١٠]. زاد في رواية البخاريّ من طريق صالح، عن ابن شهاب: ((فليأخذها، أو ليتركها)»، وفي رواية يونس: ((فليحملها، أو ليذرها»، وفي رواية مالك، عن هشام: ((فلا يأخذه؛ فإنما أقطع له قطعة من النار)). قال الدارقطني: هشام، وإن كان ثقة، لكن الزهري أحفظ منه، وحكاه الدارقطني عن شيخه أبي بكر النيسابوري. قال الحافظ: ورواية الزهري ترجع إلى رواية هشام، فإن الأمر فيه للتهديد، لا لحقيقة التخيير، بل هو كقوله: ﴿فَمَنْ شََّ فَلْيُؤْمِن وَمَنْ شَآءَ فَلْيَكْفُرَّ﴾ [الكهف: ٢٩]. قال ابن التين: هو خطاب للمقضي له، ومعناه: أنه أعلم من نفسه، هل هو مُحِقّ، أو مبطل، فإن كان محقا فليأخذ، وإن كان مبطلا فليترك، فإن الحكم لا ينقل الأصل عما كان عليه. [تنبيه]: زاد عبد الله بن رافع، في آخر الحديث: ((فبكى الرجلان، وقال كل منهما حقي لك، فقال لهما النبي وَّرَ: أَمّا إذا فعلتما، فاقتسما، وتَوْخّيا الحق، ثم استهما، ثم تحاللا)). ذكره في ((الفتح)) ٨٠/١٥. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع ٢٧٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَاب الْقُضَاةِ والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أمّ سلمة رضي اللَّه تعالى عنها هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٥٤٠٣/١٣ و ٥٤٢٤/٣٣ - وفي («الكبرى» ٥٩٥٦/١٧ و٥٩٨٤/٣٧ . وأخرجه (خ) في ((المظالم والغصب)) ٢٤٥٨ و((الشهادات)) ٢٦٨٠ و((الحيل)) ٦٩٦٧ و(الأحكام)) ٧١٦٩ و٧١٨١ (م) في ((الأقضية)) ١٧١٣ (د) في ((الأقضية)) ٣٥٨٣ (ت) في ((الأحكام)) ١٣٣٩ (ق) في ((الأحكام)) ٢٣١٧ (أحمد) في ((باقي مسند الأنصار)) ٢٥١٤٢ و٢٥٩٥٢ و٢٦٠٧٨ و٢٦٠٨٦ و٢٦١٧٧ (الموطأ) في ((الأقضية)) ١٤٢٤. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان أن حكم الحاكم على الظاهر، لا على باطن الأمور، فلا يُحلّ، حراما، ولا يحرم حلالًا، قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى -لَمّا ذكر هذا الحديث -: فيه دلالة على أن الأمة إنما كلفوا القضاء على الظاهر، وفيه أن قضاء القاضي لا يحرم حلالا، ولا يحل حراما. انتهى. (ومنها): إثم من خاصم في باطل، حتى استحق به في الظاهر شيئا هو في الباطن حرام عليه. (ومنها): أن من ادعى مالًا، ولم يكن له بينة، فحلف المدعَى عليه، وحكم الحاكم ببراءة الحالف، أنه لا يبرأ في الباطن، وأن المدعي لو أقام بينة بعد ذلك، تُنافي دعواه سمعت، وبطل الحكم. (ومنها): أن من احتال لأمر باطل بوجه من وجوه الحيل، حتى يصير حقًا في الظاهر، ويُحكّم له به، أنه لا يحل له تناوله في الباطن، ولا يرتفع عنه الإثم بالحكم. (ومنها): أن المجتهد قد يخطىء، فَيُرَدُّ به على من زعم أن كل مجتهد مصيب. (ومنها): أن المجتهد إذا أخطأ لا يلحقه إثم، بل يؤجر كما سبق في حديث أبي هريرة رَزي، مرفوعًا: ((إذا حكم الحاكم، فاجتهد، فأصاب، فله أجران، وإذا اجتهد، فأخطأ، فله أجر)). (ومنها): أنه ◌َلو كان يقضي بالاجتهاد فيما لم ينزل عليه فيه شيء، وخالف في ذلك قوم، وهذا الحديث من أصرح ما يُحتَجُّ به عليهم. (ومنها): أنه ربما أداه اجتهاده الى أمر، فيحكم به، ويكون في الباطن بخلاف ذلك، لكن مثل ذلك لو وقع، لم يُقَرَّ عليه ◌َّ؛ لثبوت عصمته. واحتج من منع مطلقا بأنه لو جاز وقوع الخطأ في حكمه، للزم أمر المكلفين ٢٧٥ = ١٣ - (الْحُكْمُ بِالظَّاهِر) - حديث رقم ٥٤٠٣ بالخطأ؛ لثبوت الأمر باتباعه في جميع أحكامه، حتى قال تعالى: ﴿فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية [النساء: ٦٥]، وبأن الإجماع معصوم من الخطأ، فالرسول ول# أولى بذلك؛ لعلو رتبته. [والجواب]: عن الأول: أن الأمر إذا استلزم إيقاع الخطإ، لا محذور فيه؛ لأنه موجود في حق المقلدين، فإنهم مأمورن باتباع المفتي والحاكم، ولو جاز عليه الخطأ. [والجواب]: عن الثاني أن الملازمة مردودة، فإن الإجماع إذا فُرض وجوده دلّ على أن مُستَنَدهم ما جاء عن الرسول وَّر، فرجع الاتباع إلى الرسول بَّر، لا إلى نفس الإجماع، والحديث حجة لمن أثبت أنه قد يحكم بالشيء في الظاهر، ويكون الأمر في الباطن بخلافه، ولا مانع من ذلك، إذ لا يلزم منه محال عقلا، ولا نقلا. وأجاب من منع بأن الحديث، يتعلّق بالحكومات الواقعة، في فصل الخصومات، المبنية على الإقرار، أو البينة، ولا مانع من وقوع ذلك فيها، ومع ذلك فلا يُقَرّ على الخطإ، وإنما الممتنعة أن يقع فيه الخطأ أن يُخبِر عن أمر بأن الحكم الشرعي فيه كذا، ويكون ذلك ناشئا عن اجتهاده، فإنه لا يكون إلا حقًّا؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْمَوَى﴾ الآية [النجم: ٣]. [وأجيب]: بأن ذلك يستلزم الحكم الشرعي، فيعود الإشكال، كما كان، ومن حجج من أجاز ذلك قوله وَله: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم»، فیحکم بإسلام من تلفظ بالشهادتين، ولو كان في نفس الأمر يعتقد خلاف ذلك. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي ترجيح القول بثبوت الاجتهاد له وَالت، لوضوح الأدلة المذكور، ولكنه لا يقرّ على خطئه، ولا ينافي ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ اَلْهَوَ﴾ الآية [النجم: ٣]؛ لأن ذلك إذا أخبر عن اللَّه سبحانه وتعالى، لا عن اجتهاداته . والحكمة في ذلك مع أنه كان يمكن اطلاعه ويشير بالوحي على كل حكومة، أنه لما كان مُشَرِّعًا، كان يحكم بما شُرع للمكلفين، ويعتمده الحكام بعده، ومن ثَمَّ قال: ((إنما أنا بشر)): أي في الحكم بمثل ما كُلّفوا به. قال الحافظ: وإلى هذه النكتة أشار البخاريّ بإيراده حديث عائشة رضي الله تعالى عنها في قصة ابن وليدة زَمْعَة، حيث حكم وَّر بالولد لعبد بن زمعة، وألحقه بزمعة، ثم لَمّا رأى شبهه بعتبة أمر سودة أن تحتجب منه؛ احتياطا، ومثله قوله في قصة المتلاعنين، لما وَضَعت التي لوعنت، ولدا يشبه الذي رُميت به: ((لولا الأيمان لكان لي ولها شأن)»، = ٢٧٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَاب الْقُضَاةِ فأشار البخاري إلى انه والحكم في ابن وليدة زمعة بالظاهر، ولو كان في نفس الأمر ليس من زمعة، ولا يسمى ذلك خطأ في الاجتهاد، ولا هو من موارد الاختلاف في ذلك، وسبقه إلى ذلك الشافعي، فإنه لَمّا تكلم على حديث الباب قال: وفيه أن الحكم بين الناس يقع على ما يُسمع من الخصمين بما لفظوا به، وإن كان يمكن أن يكون في قلوبهم غير ذلك، وأنه لا يُقضَى على أحد بغير ما لَفَظ به، فمن فعل ذلك فقد خالف كتاب اللّه، وسنة نبيه وَّهار، قال: ومثل هذا قضاؤه لعبد بن زمعة بابن الوليدة، فلما رأى الشبه بينا بعتبة، قال: «احتجبي منه یا سودة)). انتھی. قال الحافظ: ولعل السر في قوله: ((إنما أنا بشر)) امتثال قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَّأَ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف: ١١٠]: أي في إجراء الأحكام على الظاهر، الذي يَستوي فيه جميع المكلفين، فأمر أن يحكم بمثل ما أمروا أن يحكموا به؛ ليتم الاقتداء به، وتطيب نفوس العباد للانقياد إلى الأحكام الظاهرة، من غير نظر إلى الباطن. والحاصل أن هنا مقامين: [أحدهما]: طريق الحكم، وهو الذي كُلِّف المجتهد بالتبصر فيه، وبه يتعلق الخطأ والصواب، وفيه البحث. [والآخر]: ما يُبطنه الخصم، ولا يطلع عليه إلا الله، ومن شاء من رسله، فلم يقع التكليف به. (ومنها): استُدِلَّ بالحديث لمن قال: إن الحاكم لا يحكم بعلمه، بدليل الحصر في قوله: ((إنما أقضي له بما أسمع))، وسيأتي البحث عنه في الباب التالي، إن شاء الله تعالى. (ومنها): أن التعمق في البلاغة بحيث يحصل اقتدار صاحبها على تزيين الباطن في صورة الحق، وعكسه مذموم، فإن المراد بقوله: ((أبلغ)): أي أكثر بلاغةً، ولو كان ذلك في التوصل إلى الحق لم يذمّ، وإنما يُذمّ من ذلك ما يُتوصل به إلى الباطل في صورة الحق، فالبلاغة إذن لا تُذمّ لذاتها، وإنما تذم بحسب التعلق الذي يمدح بسببه، وهي في حد ذاتها ممدوحة، وهذا كما يذم صاحبها إذا طرأ عليه بسببها الإعجاب، وتحقير غيره، ممن لم يصل إلى درجته، ولا سيما إن كان الغير من أهل الصلاح، فإن البلاغة إنما تذم من هذه الحيثية، بحسب ما ينشأ عنها من الأمور الخارجية عنها، ولا فرق في ذلك بين البلاغة، وغيرها، بل كل فتنة توصل الى المطلوب محمودة في حد ذاتها، وقد تذم، أو تمدح بحسب متعلقها. [تنبيه]: اختلف في تعريف البلاغة، فقيل: أن يبلغ بعبارة لسانه، كنه ما في قلبه. وقيل: إيصال المعنى إلى الغير بأحسن لفظ. وقيل: الإيجاز مع الإفهام، والتصرف من غير إضمار. وقيل: قليل لا يبهم، وكثير لا يسأم. وقيل: إجمال اللفظ، واتساع المعنى. وقيل: تقليل اللفظ، وتكثير المعنى. وقيل: حسن الإيجاز مع إصابة المعنى. ٢٧٧ ١٣- (الحُكْمُ بالظّاهِر) - حديث رقم ٥٤٠٣ وقيل: سهولة اللفظ مع البديهة. وقيل: لمحة دالة، أو كلمة تكشف عن البغية. وقيل: الإيجاز من غير عجز، والاطناب من غير خطأ. وقيل: النطق في موضعه، والسكوت في موضعه. وقيل: معرفة الفصل والوصل. وقيل: الكلام الدال أوله على آخره وعكسه. وهذا كله عن المتقدمين. وعَرَّف أهل المعاني والبيان البلاغة: بأنها مطابقة الكلام لمقتضى الحال والفصاحة(١)، وهي خلوه عن التعقيد. وقالوا: المراد بالمطابقة ما يحتاج إليه المتكلم، بحسب تفاوت المقامات، کالتأکید وحذفه، والحذف وعدمه، أو الإيجاز والإسهاب، ونحو ذلك. والله أعلم. (ومنها): الرد على من حكم بما يقع في خاطره، من غير استناد إلى أمر خارجي، من بينة ونحوها، واحتج بأن الشاهد المتصل به، أقوى من المنفصل عنه. ووجه الرد عليه كونه وَلير، أعلى في ذلك من غيره مطلقا، ومع ذلك فقد دل حديثه هذا على أنه إنما يحكم بالظاهر في الأمور العامة، فلو كان المدعَى صحيحا لكان الرسول أحق بذلك، فإنه أعلم أنه تجري الأحكام على ظاهرها، ولو كان يمكن أن اللَّه يطلعه على غيب كل قضية، وسبب ذلك أن تشريع الأحكام واقع على يده، فكأنه أراد تعليم غيره من الحكام أن يعتمدوا ذلك، نعم لو شهدت البينة مثلا بخلاف ما يعلمه علما حسيا بمشاهدة، أو سماع يقينيا، أو ظنيا راجحا، لم يجز له أن يحكم بما قامت به البينة، ونقل بعضهم الاتفاق، وإن وقع الاختلاف في القضاء بالعلم، كما سيأتي قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): أن في الحديث أيضا موعظةَ الإمام الخصومَ؛ ليعتمدوا الحق، والعمل بالنظر الراجح، وبناء الحكم عليه، وهو أمر إجماعي للحاكم والمفتي. قاله في ((الفتح)) ٨٤/١٥. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة) في بيان أن حكم الحاكم لا يُحلّ حرامًا، ولا يُحرّم حلالًا مطلقًا: قال الموفّق رحمه الله تعالى: حكم الحاكم لا يزيل الشيء عن صفته، في قول جمهور العلماء، منهم: مالك، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وداود، ومحمد ابن الحسن. وقال أبو حنيفة: إذا حكم الحاكم بعقد، أو فسخ أو طلاق، نفذ حكمه ظاهرا وباطنا، فلو أن رجلين تعمدا الشهادة على رجل، أنه طلق امرأته، فقبلهما القاضي بظاهر عدالتهما، ففرق بين الزوجين، لجاز لأحد الشاهدين نكاحها، بعد انقضاء عدتها، وهو عالم بتعمده الكذب، ولو أن رجلا ادّعى نكاح امرأة، وهو يَعلم أنه (١) هكذا نسخة ((الفتح)) ٨٤/١٥ ولعل الأولى: ((مع الفصاحة)). ٢٧٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَابِ الْقُضَاةِ كاذب، وأقام شاهدي زور، فحكم الحاكم، حلّت له بذلك، وصارت زوجته، قال ابن المنذر: وتفرد أبو حنيفة، فقال: لو استأجرت امرأة شاهدین شهدا لها بطلاق زوجها، وهما يعلمان كذبهما، وتزويرهما، فحكم الحاكم بطلاقها لحل لها أن تتزوج، وحَلْ لأحد الشاهدين نكاحها، واحتج بما رُوي عن علي رضي الله عنه، أن رجلا اذعى على امرأة نكاحها، فرفعها إلى علي رضي الله عنه، فشهد له شاهدان بذلك، فقضى بينهما بالزوجية، فقالت: والله ما تزوجني يا أمير المؤمنين، اعقد بيننا عقدا حتى أحل له، فقال: ((شاهداك زوّجاك))(١)، فدل على أن النكاح ثبت بحكمه، ولأن اللعان ينفسخ به النكاح، وإن كان أحدهما كاذبا، فالحكم أولى. قال: ولنا قول النبي وَله: ((إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إليّ، ولعل بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحوٍ ما أسمع منه، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه، فلا يأخذ منه شيئا، فإنما أقطع له قطعة من النار))، متفقٌ عليه، وهذا يدخل فیه ما إذا ادعى أنه اشتری منه شيئا، فحکم له، ولأنه حکم بشهادة زور، فلا يحل له ما كان محرما عليه، كالمال المطلق، وأما الخبر عن علي رَزيه، إن صح(٢) فلا حجة لهم فيه؛ لأنه أضاف التزويج إلى الشاهدين، لا إلى حكمه، ولم يجبها إلى التزويج؛ لأن فيه طعنا على الشهود، فأما اللعان فإنما حصلت الفرقة به، لا بصدق الزوج، ولهذا لو قامت البينة به، لم ينفسخ النكاح. إذا ثبت هذا فإذا شهد على امرأة بنكاح، وحکم به الحاكم، ولم تكن زوجته، فإنها لا تحل له، ويلزمها في الظاهر، وعليها أن تمتنع ما أمكنها، فإن أكرهها عليه، فالإثم عليه دونها، وإن وطئها الرجل، فقال أصحابنا، وبعض الشافعية: عليه الحد؛ لأنه وطئها، وهو يعلم أنها أجنبية، وقيل: لا حد عليه؛ لأنه وطء مختلف في حله، فيكون ذلك شبهة، وليس لها أن تتزوج غيره، وقال أصحاب الشافعي: تحل لزوج ثان، غير أنها ممنوعة منه في الحكم، وقال القاضي: يصح النكاح. ولنا أن هذا يفضي إلى الجمع بين الوطء للمرأة من اثنين: أحدهما يطؤها بحكم الظاهر، والآخر بحكم الباطن، وهذا فساد، فلا يشرع، ولأنها منكوحة لهذا الذي قامت له البينة في قول بعض الأئمة، فلم يجز تزويجها لغيره، كالمتزوجة بغير ولي، وحكى أبو الخطاب عن أحمد، رواية أخرى مثل مذهب أبي حنيفة، في أن حكم الحاكم يزيل الفسوخ والعقود، والأول هو المذهب. انتهى ((المغني)) ١٤/ ٣٧-٣٩. (١) هذا لا يصحّ عن عليّ تَّ، كما سيأتي قريبًا. (٢) سيأتي أنه لا يصح هذا عن عليّ ◌َّه . ٢٧٩ ١٣ - (الْحُكْمُ بِالظَّاهِر) - حديث رقم ٥٤٠٣ وقال في ((الفتح)): قال الطحاوي: ذهب قوم إلى ان الحكم بتمليك مال، أو إزالة ملك، أو إثبات نكاح، أو فرقة، أو نحو ذلك، إن كان في الباطن كما هو في الظاهر، نفذ على ما حكم به، وإن كان في الباطن، على خلاف ما استند إليه الحاكم، من الشهادة، أو غيرها، لم يكن الحكم موجبا للتمليك، ولا الإزالة، ولا النكاح، ولا الطلاق، ولا غيرها، وهو قول الجمهور، ومعهم أبو يوسف. وذهب آخرون إلى أن الحكم إن كان في مال، وكان الأمر في الباطن، بخلاف ما استند إليه الحاكم من الظاهر، لم يكن ذلك موجبا لحله، للمحكوم له، وإن كان في نكاح، أو طلاق، فإنه ينفذ باطنا وظاهرا، وحملوا حديث الباب، على ما ورد فيه، وهو المال، واحتجوا لما عَدَاه بقصة المتلاعنين، فإنه ◌َّ فَرّق بين المتلاعنين مع احتمال أن يكون الرجل، قد صَدَق فيما رماها به، قال: فيؤخذ من هذا أن كل قضاء، ليس فيه تمليك مال أنه على الظاهر، ولو كان الباطن بخلافه، وأنّ حكم الحاكم يُحدِث في ذلك التحريم والتحليل، بخلاف الأموال. وتعقب بأن الفرقة في اللعان، إنما وقعت عقوبةً للعلم بأن أحدهما كاذب، وهو أصل برأسه، فلا یقاس علیه. وأجاب غيره من الحنفية، بأن ظاهر الحديث يدل على أن ذلك مخصوص، بما يتعلق بسماع كلام الخصم، حيث لا بينة هناك، ولا يمين، وليس النزاع فيه، وإنما النزاع في الحكم المرتب على الشهادة، وبأن ((مَنْ)) في قوله: ((فمن قضيت له)) شرطية، وهي لا تستلزم الوقوع، فيكون مِنْ فَرْضٍ ما لم يقع، وهو جائز فيما تعلق به غَرَضٌ، وهو هنا محتمل لأن يكون للتهديد والزجر، عن الإقدام على أخذ أموال الناس باللسَن، والإبلاغ في الخصومة، وهو وإن جاز أن يستلزم عدم نفوذ الحكم باطنا، في العقود والفسوخ، لكنه لم يُسَق لذلك، فلا يكون فيه حجة لمن منع، و بأن الاحتجاج به، يستلزم أنه وَ﴿ يُقَرُّ على الخطإ؛ لأنه لا يكون ما قضى به قطعة من النار، إلا إذا استمر الخطأ، وإلا فمتى فُرِض أنه يطلع عليه، فإنه يجب أن يُبطِل ذلك الحكم، ويَرُدّ الحق لمستحقه، وظاهر الحديث يخالف ذلك، فإما أن يسقط الاحتجاج به، ويُؤَوّل على ما تقدم، وإما أن يستلزم استمرار التقرير على الخطإ، وهو باطل. والجواب عن الأول أنه خلاف الظاهر، وكذا الثاني، والجواب عن الثالث أن الخطأ الذي لا يُقَرّ عليه هو الحكم الذي صدر عن اجتهاد فيما لم يوح إليه فيه، وليس النزاع فيه، وإنما النزاع في الحكم الصادر منه بناء على شهادة زور، أو يمين فاجرة، فلا يسمى خطأ؛ للاتفاق على وجوب العمل بالشهادة، وبالأيمان، وإلا لكان الكثير من الأحكام ==== ٢٨٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَابِ الْقُضَاةِ يسمى خطأ، وليس كذلك، كما تقدمت الإشارة إليه في حديث: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله))، وحديث: ((إني لم أُومر بالتنقيب عن قلوب الناس))، وعلى هذا فالحجة من الحديث ظاهرة، في شمول الخبر الأموال، والعقود، والفسوخ. والله أعلم. ومن ثَمّ قال الشافعي: إنه لا فرق في دعوى حل الزوجة لمن أقام بتزويجها بشاهدي زور، وهو يعلم بكذبهما، وبين من ادّعى على حُرّ أنه في ملكه، وأقام بذلك شاهدي زور، وهو يعلم حريته، فإذا حَكّم له الحاكم بأنه ملکه، لم يحل له أن يسترقّه بالإجماع. قال النووي: والقول بأن حكم الحاكم يُحِلّ ظاهرا وباطنا مخالف لهذا الحديث الصحيح، وللإجماع السابق على قائله، ولقاعدةٍ أجمع العلماء عليها، ووافقهم القائل المذكور، وهو أن الأبضاع أولى بالاحتياط من الأموال. وقال ابن العربي: إن كان حاكما نَفَذ على المحكوم له، أو عليه، وإن كان مفتيا لم يحل، فإن كان المفتي له مجتهدا، يرى بخلاف ما أفتاه به، لم يجز، وإلا جاز. والله اعلم، قال: ويستفاد من قوله: ((وتَوَخّيا الحقّ)) جواز الإبراء من المجهول؛ لأن التوخي لا يكون في المعلوم. وقال القرطبي: شنعوا على من قال ذلك قديما وحديثا؛ لمخالفة الحديث الصحيح، ولأن فيه صيانة المال، وابتذال الفروج، وهي أحق أن يحتاط لها وتصان. واحتج بعض الحنفية بما جاء عن عليّ رَظمي أن رجلا خطب امرأة فأبت، فادعى أنه تزوجها، وأقام شاهدين، فقالت المرأة: إنهما شهدا بالزور، فزوجني أنت منه، فقد رضيت، فقال: ((شاهداك زوجاك))، وأمضى عليها النكاح. وتُعُقّب بأنه لم يثبت عن علي رَّه ، واحتج المذكور من حيث النظر، بأن الحاكم قضى بحجة شرعية، فيما له ولاية الإنشاء فيه، فجعل الإنشاء تحرزا عن الحرام، والحديث صريح في المال، وليس النزاع فيه، فإن القاضي لا يملك دفع مال زيد إلى عمرو، ويملك إنشاء العقود والفسوخ، فإنه يملك بيع أمة زيد مثلا من عمرو، حال خوف الهلاك للحفظ، وحال الغيبة، ويملك إنشاء النكاح على الصغيرة، والفرقة على العنين، فيجعل الحكم إنشاء؛ احترازا عن الحرام، ولأنه لو لم ينفذ باطنا، فلو حكم بالطلاق لبقي حلالا للزوج الأول باطنا، وللثاني ظاهرا، فلو ابتلى الثاني مثل ما ابتلى الأول، حَلّت الثالث، وهكذا فتحل لجمع متعدد في زمن واحد، ولا يخفى فحشه، بخلاف ما إذا قلنا بنفاذه باطنا، فإنها لا تحل إلا لواحد. انتهى. وتُعُقّب بأن الجمهور إنما قالوا في هذا: تحرم على الثاني مثلا، إذا عَلِيم أن الحكم