النص المفهرس
صفحات 221-240
٣- (الإصابةُ فِي الحُكْم) - حديث رقم ٥٣٨٣ ٢٢١ = عَقْلِيَّةٍ وَمُثْكِرُ الإِسْلَامِ وَاحِدٌ الْمُصِيبُ فِي أَخْكَامِ وَقَدْ رَأَى الْجَاحِظُ ثُمَّ الْعَثْبَرِي مُخْطٍ أَثِيمٌّ كَافِرْ لَمْ يُعْذَرِ لَا إِثْمَ فِي الْعَقْلِيّ ثُمَّ الْمُنْتَقَى وَقِيلَ زَادَ الْعَنْبَرِي كُلِّ مُصِيبْ إِنْ يَكُ مُسْلِمًا وَقِيلَ مُطْلَقَا وَفِي الَّتِي لَا قَاطِعْ فِيهَا مُصِيبْ وَالْبَازِ وَالشَّيْخِ وَبَاقِلَّانِي كُلِّ لِذِي صَاحِبَي الثُّغْمَانِ فَذَانِ قَالَا إِنَّ حُكْمَ اللَّهِ وَالأَوَّلُونَ ثَمَّ أَمْرٌ لَوْ حَكَمْ أَصَابَ لَا حُكْمًا وَلَا انْتِهَاءَ وَالأَكْثَرُونَ وَاحِدٌ وَفِيهِ أَمَارَةٌ وَقِيلَ لَا وَالْمُعْتَمَذْ تَابِعُ ظَنْهِ بِلَ اشْتِبَاهِ كَانَ بِهِ مَنْ لَمْ يُصَادِقْهُ اتَّسَمْ بَلِ اجْتِهَادًا فِيهِ وَابْتِدَاءَ لِلَّهِ حُكْمْ قَبْلَهُ عَلَيْهِ كُلْفَ أَنْ يُصِيبَهُ مَنِ اجْتَهَذْ بَلْ أَجْرُهُ لِقَصْدِهِ مُتْحَتِمُ وَأَنَّ مَنْ أَخْطَأَهُ لَا يَأْثَمُ مَخْ قَاطِعٍ وَقِيلَ بِالنَّزَاعِ وَإِنْ يُقَصِّزْ فَعَلَيْهِ اتُّفِقَا وَفَزْدُ الْمُصِيبُ بِالإِجَاعِ وَنَفْيُ إِثْم مُخْطِئٍ ذُو الانْتِقَا قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الأرجح ما ذهب إليه الأكثرون، وهو ما دلّ عليه ظاهر الحديث من أن المصيب واحد، وأن الآخر المخطىء معذور مأجور بأجر واحد؛ الاجتهاده. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في الاجتهاد، والمجتهد على ما ذُكر في كتب أصول الفقه: الاجتهاد: لغةً بذل الجهد فيما فيه كُلْفة، وهو مأخوذ من جهاد النفس، وكدّها في طلب المراد، وفي الاصطلاح: بذل الفقيه الوسع لتحصيل ظنّ بحكم، قاله في ((جمع الجوامع))، زاد ابن الحاجب: والمراد ببذل الوسع بذل تمام الطاقة في النظر في الأدلّة بحيث تُحسّ النفس بالعجز عن الزيادة، وإلى هذا التعريف أشار في ((الكوكب الساطع)) بقوله : بَذْلُ الْفَقِيهِ الْوُسْعَ فِي تُحْصِيلٍ ظَنُّ بِالأخْكَامِ مِنَ الدَّلِيلِ فخرج بذل غير الفقيه، وبذل الفقيه لتحصيل قطع بحكم عقليّ. والمراد بالفقيه هنا المتهيّء للفقه مجازًا شائعًا، ويكون بما يُحصّله فقيهًا حقيقةً. والمجتهد: هو الفقيه، وشرطوا له أن يكون بالغًا عاقلا، فقيه النفس: أي شديد ٢٢٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَابِ الْقُضَاةِ الفهم بالطبع لمقاصد الكلام، بحيث يكون له قدرة على التصرّف؛ لأن غيره لا يتأتى له الاستنباط المقصود بالاجتهاد، عارفًا بالدليل العقليّ، وهو البراءة الأصليّة، وبأنا مكلّفون بالتمسّك به ما لم يرد ناقل عنه، متوسّطًا في معرفة الآلات من اللغة،، والنحو إعرابًا وتصريفًا، وأصول الفقه، والمعاني، والبيان؛ لتوقّف الاسنباط عليها، وأن يعرف من الكتاب والسنّة ما يتعلّق بالأحكام، ولا يشترط حفظها، وقال السبكيّ: لا يكفي في المجتهد التوسط في العلوم المذكورة، بل لا بدّ أن تكون هذه العلوم ملكة له، ويكون مع ذلك قد أحاط بمعظم قواعد الشرع، وما رسها بحيث اكتسب قوّةً، يفهم بها مقاصد الشرع، قال: وأن يعرف مواقع الإجماع، كي لا يخرقه بالمخالفة، فخرقه حرام، وقال الشيخ وليّ الدين: ولا يشترط حفظها، بل يكفي معرفته بأن ما أفتى به ليس مخالفًا للإجماع، إما بأن يعلم موافقته لعالم، أو يظنّ أن تلك الواقعة حادثة لم يَسبق لأهل الأعصار المتقدّمة فيها كلام، وأن يعرف أسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، والأحاديث الصحيحة من الضعيفة، والمتواتر من الآحاد، وحال الرواة جرحًا وتعديلا، ومراتب الجرح والتعديل، ويكتفي في هذا وما قبله بالكتب المصنّفة في ذلك، والرجوع إلى أئمة هذا الشأن، ولا يشترط معرفة تفاريع الفقه، ولا معرفة علم الكلام، ولا الحرية، ولا الذكورة، قيل: ولا العدالة. وبالجملة فالاجتهاد مرتبة صعبة المنال، عزيزة الإدراك، لا يناولها إلا من يسّر الله سبحانه وتعالى عليه أسبابها، ولا ينبغي أن يدّعيه كلّ من انتسب إلى العلم، بل الواجب على من لم يتّصف بصفة الاجتهاد أن يقف عند حدّه، وهو أن يسأل العلماء، كما قال عز وجل: ﴿فَتْشَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُتُمْ لَا تَعْلَمُونٌ﴾ [النحل: ٤٣] و [الأنبياء: ٧]، ومع هذا فليس الاجتهاد محصورًا في فئة معيّنة، ولا في عصر معيّن، كما سيأتي تحقيقه قريبًا، إن شاء الله تعالى، وإلى ما تقدّم من شروط المجتهد أشار في ((الكوكب الساطع)) حیث قال: الْبَالِغِ الْعَاقِلِ وَالْعَقْلَ احْدُدِ ثُمَّ الْفَقِيهُ اسْمُ عَلَى الْمُجْتَهِدِ وَقِيلَ الادْرَاكُ وَقِيلَ مَا انْتَهَى مَلَكَةٌ يُذْرَكُ مَعْلُومٌ بِهَا يَنْفِي الْقِيَاسَ لَوْ جَلِيًّا قَدْ رَأَوْا إِلَى الضَّرُورِيِّ فَقِيهُ النَّفْسِ لَؤْ حَلَّ مِنَ الآلَاتِ وُسْطَى رُتَبِةْ يَذْرِي دَلِيلَ الْعَقْلِ وَالتَّكْلِيفَ بِه وَمِنْ أَصُولِ الْفِقْهِ وَالْبَيَانِ تُخِصّ الاحْكَامَ بِدُونِ حِفْظِ ذِي مِنْ لُغَةٍ وَالنَّخْوِ وَالْمَعَانِي وَمِنْ كِتَابٍ وَالأَحَادِيثِ الَّتِي ٢٢٣ ٣- (الإصابةُ فِي الحکم) - حديث رقم ٥٣٨٣ وَحَقَّقَ السُّبْكِيُّ أَنَّ الْمُجْتَهِدْ مَنْ هَذِهِ مَلَكَةٌ لَهُ وَقَذْ حَتَّى ارْتَقَى لِلْفَهْمِ لِلْمَقَاصِدِ أَحَاطَ بِالْمُغْظَمِ مِنْ قَوَاعِدِ وَلْيُعْتَبَزْ قَالَ لِفِعْلِ الاجْتِهَاذْ أَنْ يَعْرِفَ الإِجَمَاعَ كَيْ لَا يَخْرِقَهْ وَنَاسِخَ الْكُلِّ وَمَنْسُوخَا وَمَا لَا كَوْنِهِ وَصْفًا غَدَا فِي الشَّخْصِ بَاذْ وَسَبَبَ الثُّزُولِ قُلْتُ أَطْلَقَةْ صُحِّحَ وَالأَحَادَ مَعْ ضِدِهِمَا الآنَ بِالرُّجُوعِ لِلْمُصَنَّفِ وَحَالَ رَاوِي سُنَّةٍ وَتَكْتَفِي وَلَا الذُّكُورَةُ وَلَا الْعَدَالَةُ لَا الْفِقْهُ وَالْكَلَامُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالْبَحْثَ عَنْ مُعَارِضٍ فَلْيَقْتَفِي وَاللَّفْظِ هَلْ مَعْهُ قَرِيئَةٌ تَفِي والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في تقسيمهم المجتهد إلى قسمين: قال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: المجتهد ضربان: [أحدهما]: المجتهد المطلق، وهو المستقلّ باستنباط الأحكام من أدلّتها، فهذا لا شكّ في أنه مجتهد مأجور، كما قدّمناه، لكنه يعِزّ وجوده، بل قد انعدم في هذه الأزمان، فلو لم ينفذ إلا حكم من كان كذلك، لتعطّلت الأحكام، وضاعت الحقوق. [وثانيهما]: مجتهد في مذهب إمام، وهذا غالب قُضاة العدل في هذا الزمان، وشرط هذا أن يُحقّق أصول إمامه، وأدلّته، ويُنزل أحكامه عليها فيما لم يجده منصوصًا من مذهبه، وأما ما وجده منصوصًا، فإن لم يختلف قول إمامه عمل على ذلك النصّ، وقد كُفي مؤنة البحث، والأولى به تعرّف وجه ذلك الحكم. قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا التعرّف ليس بأولى، وإنما الأولى بل الواجب عليه ما دام أهلًا للنظر في الأدلّة أن ينظر فيها حتى يظهر له وجه الحكم، فلا يجوز له أن يكتفي بمجرّد التقليد، فتبصّر. والله تعالى أعلم. قال: وأما إذا اختلف قول إمامه، فهناك يجب عليه البحث في تعيين الأولى من القولين على أصول إمامه، واختلف أصحابنا فيمن يحفظ أقوالَ إمامه فقط، هل يصلح للحكم عند الضرورة أولا؟ على قولين، فمن أجاز شرط فيه أنه لا يخرج عن نصوص إمامه، أو نصوص من فهم عن إمامه، فإذا تعارض عنده الأقوال لم يحكم بشيء منه أصلًا حتى يسأل عن الأرجح من له أهليّة الترجيح، ولا يحكم بنظره أصلًا، إذ لا نظر له، ومتی فعل شيئًا من ذلك كان حكمه منقوضًا، وقوله مردودًا. وقد كان أهل الأندلس يرجّحون الأقوال بالناقلين لها من غير نظر في توجيه شيء منها، فيقولون: إن قول ابن ٢٢٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَاب الْقُضَاةِ القاسم، ونقله أولى من نقل غيره، وقوله؛ بناءً على أن ابن القاسم اقتصر على مالك، ولم يتفقّه بغيره، ولطول ملازمته له، فإن لم نجد لابن القاسم قولًا كان قول أشهب أولى من قول ابن عبد الحكم؛ لأنه أخذ عن الشافعيّ، فخلّط، وهكذا، وقد بلغني أنهم كانوا بالأندلس يشترطون على القضاة في سجلاتهم مراعاة ذلك الترتيب. قال القرطبيّ: وهذه رتبة لا أخس منها؛ إذ صاحبها معزول عن رتبة الفقهاء، ومنخرطٌ في زمرة الأغبياء، إذ لا يفهم معاني الأقوال، ولا يعرف فصل ما بين الحلال والحرام، فحقّ هذا ألا يتعاطى منصب الأحكام، فإنه من جملة العوامّ، والمشهور أنه لا يُستقضى مَن عرِي عن الاجتهاد المذكور، ولذلك قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب: ولا يُستقضى إلا فقيه من أهل الاجتهاد، وهذا محمول على ما تقدّم. والله تعالى أعلم. والاجتهاد المعنيّ في هذا الباب هو: بذل الوسع في طلب الحكم الشرعيّ في النوازل على ما قلناه. انتهى كلام القرطبيّ -)»المفهم)) ١٦٨/٥-١٦٩ قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الذي نقله القرطبيّ عن الأندلسيين قولٌ ظاهر البطلان، كما أشار إليه القرطبيّ في تعقّبه المذكور، فقد أجاد، وأحسن. والله تعالى أعلم. وقد قسم النوويّ في ((شرح المهذب)) ١/ ٧٥-٧٧ المفتين إلى قسمين: مستقلّ، وغير مستقلّ، ثم ذكر شرط المستقلّ، وهو المجتهد المطلق، ثم قال: [القسم الثاني]: المفتي الذي ليس بمستقلّ، ومن دهر طويل عُدم المفتي المستقلّ، وصارت الفتوى إلى المنتسبين إلى المذاهب المتبوعة، وللمفتي المنتسب أربعة أحوال: [أحدها]: أن لا يكون مقلّدًا لإمامه، لا في المذهب، ولا في دليله؛ لاتصافه بصفة المستقلّ، وإنما يُنسب إليه لسلوكه طريقه في الاجتهاد. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: يا للعجب ما فائدة عدّ مثل هذا من المنتسبين؟، أفما يحسن أن يقال: هو مجتهد مستقلّ، له آراؤه مثل الإمام الذي تفقّه عليه، وتخرّج من مدرسته، فما المانع من هذا؟ حتى يقال له: إنه منتسب إلى مذهب فلان، إن هذا لهو العجب العجاب. ثم قال: [الحالة الثانية]: أن يكون مجتهدًا مقيّدًا في مذهب إمامه، مستقلًا بتقرير أصوله بالدليل، غير أنه لا يتجاوز في أدلّته أصول إمامه وقواعده، وشرطه كونه عالمًا بالفقه وأصوله، وأدلّة الأحكام تفصيلاً، بصيرًا بمسالك الأقيسة والمعاني، تامّ الارتياض في التخريج والاستنباط، قيّمًا بإلحاق ما ليس منصوصًا عليه لإمامه بأصوله، ولا يَعرَى عن شوب تقليد له، لإخلاله ببعض أدوات المستقلّ، بأن يُخلّ بالحديث، أو العربيّة، ٢٢٥ ٣- (الإصابةُ فِي الحُكْم) - حديث رقم ٥٣٨٣ وكثيرًا ما أخلّ بهما المقيّد، ثم يتّخذ نصوص إمامه أصولًا يستنبط منها، كفعل المستقل بنصوص الشرع، وربّما اكتفى في الحكم بدليل إمامه، ولا يبحث عن معارض كفعل المستقلّ في النصوص، وهذه صفة أصحابنا أصحاب الوجوه إلى آخر كلامه. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله النوويّ فيه نظرٌ من وجوه: [الأول]: قولهم: فقد المجتهد المستقلّ من دهر طويل قول لا برهان له، وهو نظير قول بعضهم: إن شرائط المجتهد التي ذكروها في هذا الباب لم توجد منذ أن نشأ الإسلام إلى الآن إلا في الأئمة الأربعة، وهو كلام يكذّبه الواقع في كلّ عصر ومصر، فقد وُجد ممن يتّصف بمثل أوصافهم، كثيرون ممن عاصرهم، أو سبقهم، أو تأخر عنهم، وإنما ميزتهم أن أتباعهم أكثر من غيرهم. [الثاني]: أن الشروط التي ذكرها النوويّ للمجتهد المقيّد هي الشروط المذكورة للمطلق إلا التي استثناها أخيرًا، وهي موجودة بكثرة في كثير من الأعصار عند كثير من أهل العلم. [الثالث]: قوله: لا يتجاوز في أدلّته أصول إمامه قول لا يخفى فساده، فإن من كان بهذه الرتبة لا يجوز له أن يقلّد أحدًا، دون شكّ، ولا ريب؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال في محكم كتابه: ﴿فَسَتَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] و [الأنبياء: ٧] فقد قسم الناس إلى قسمين: عالم، وجاهل، فأما العالم فواجبه العمل بعلمه، لا بعلم غيره، وأما الجاهل فواجبه أن يسأل أهل العلم، فيعمل بما أفتوه به، وهذا الشخص الذي وصفه النوويّ بهذه الأوصاف العلية لا أحد ممن له وعيّ يقول: إنه من القسم الثاني، فوجب كونه من القسم الأول، فلا يجوز له أن يقلّد أحدًا غيره، بل يجب عليه العمل بعلمه . [الرابع]: أن هذا التقسيم الذي ذكروه للمجتهد ليس قولَ أحد من علماء السلف، لا الإمام الشافعيّ، ولا غيره من الأئمة، بل كانوا ينهون تلاميذهم الذين جعلهم المتأخرون مجتهدين في المذهب، كالمزنيّ، وغيره أن يقلّدوهم، كما هو معروف في سيرهم، وتراجمهم رحمهم الله تعالى. [الخامس]: أن هذا الكلام مناقض لما ثبت في أصول الفقه من تعريف التقليد بأنه الأخذ بقول الغير من غير معرفة دليله، فإن من الواضح أن من وصفه النوويّ بهذه الصفات قد عرف أدلّة إمامه منطوقها، ومفهومها، واستطاع أن يستخرج من منصوصها ما لم ينصّ عليه إمامه، فكيف يسمّى هذا مقلّدا، هيهات هيهات. [السادس]: أن من توفّرت فيه هذه الصفات التي ذكرها النوويّ للمقيّد حسب زعمه ٢٢٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَاب الْقُضَاةِ لو اجتهد بدراسة النصوص من الكتاب والسنة، مراعيًا ما يُراعيه في دراسة نصوص إمامه كما ذكره النوويّ في كلامه السابق، باذلا جهده كلّ البذل، لاستطاع أن يستنبط الأحكام منها، بل الآيات القرآنيّة، والأحاديث النبويّة أسهل على مثله بكثير من كلام الأئمة، وهذا لا يُنكره إلا مقلّد جامد، أو متعصّب معاند. والحاصل أن هذه المزاعم مجرّد خيال، لا رَوَاج لها في سوق التحقيق، بل هي آراء متناقضة، ينقض بعضها بعضًا، كما أشرنا إليه آنفًا، وعوائق صادة عن إعمال ما آتى الله تعالى بعض عباده من الفهم، والعلم في استنباط الأحكام من كتاب الله سبحانه وتعالى، ومن سنة نبيه وَلّر، وصرف لهمته إلى الاشتغال برأي فلان، وفلان، وتزهيد لكثير ممن له قريحة صافية، وهمّة عالية عن الانتفاع بنصوص الكتاب والسنة. وبالجملة فالعلم مواهب من الله تعالى، ولا تقف مواهبه سبحانه وتعالى عند أحد، ولا يحدّها زمان، ولا يقيّدها مكان، ﴿يُؤْتِ الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوِىَ خَيْرًا كَثِيراً وَمَا يَذَّكَرُ إِلََّ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ﴾ [البقرة: ٢٦٩] ﴿وَاللَّهُ يَخْنَصُ بِرَحْمَتِهِ، مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة: ١٠٥]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): في بيان الاختلاف، هل يجوز خلوّ العصر عن المجتهدين، أم لا؟، وهي مكمّلة للبحث المذكور في المسألة السابقة: ولقد أجاد الشوكانيّ رحمه الله تعالى في كتابه ((إرشاد الفحول)) حيث نقل أقوال العلماء في ذلك، مع المناقشة لها، فقال: ذهب جمع إلى أنه لا يجوز خلوّ الزمان عن مجتهد، قائم بحجج الله، يبين للناس ما نُزّل إليهم، قال بعضهم: ولا بدّ أن يكون في كلّ قطر من يقوم به الكفاية؛ لأن الاجتهاد من فروض الكفايات. قال ابن الصلاح: الذي رأيته في كلام الأئمة يُشعر بأنه لا يتأتّى فرض الكفاية بالمجتهد المقيّد، قال: والظاهر أنه لا يتأتّى في الفتوى. وقال بعضهم: الاجتهاد في حقّ العلماء على ثلاثة أضرب: فرض عين، وفرض كفاية، وندب: فالأول: على حالين: اجتهاد في حقّ نفسه عند نزول الحادثة. والثاني: اجتهاد فيما تعيّن عليه الحكم فيه، فإن ضاق فرض الحادثة كان على الفور، وإلا كان على التراخي. والثاني: على حالين: أحدهما: إذا نزلت بالمستفتي حادثة، فاستفتى أحد العلماء، توجّه الفرض على جميعهم، وأخصّهم بمعرفتها من خُصّ بالسؤال عنها، فإن أجاب هو أو غيره سقط الفرض، وإلا أثموا جميعًا. والثاني: أن يتردّد الحكم بين قاضيين مشتركين في النظر، فيكون فرض الاجتهاد مشتركًا بينهما، فأيهما تفرّد بالحكم فيه سقط فرضه ! ٢٢٧ ٣- (الإصابةُ فِي الْحُكْم) - حديث رقم ٥٣٨٣ عنها. والثالث: على حالين: أحدهما: فيما يَجتهد فيه العالم من غير النوازل، يسبق إلى معرفة حكمه قبل نزوله. والثاني: أن يستفتيه قبل نزولها. انتهى. ولا يخفاك أن القول بكون الاجتهاد فرضًا يستلزم عدم خلوّ الزمان عن مجتهد، ويدلّ على ذلك ما صحّ عنه وَلَّ من قوله: ((لا تزال طائفة من أمّتي على الحقّ، ظاهرين حتى تقوم الساعة)). متفقٌ عليه. وقد حكى الزركشيّ في ((البحر)) عن الأكثرين أنه يجوز خلوّ العصر عن المجتهد، وبه جزم صاحب ((المحصول)). قال الرافعيّ: الخلق كالمتّفقين على أنه لا مجتهد اليوم. قال الزركشيّ: ولعله أخذه من كلام الإمام الرازيّ، أو من قول الغزاليّ في ((الوسيط)): قد خلا العصر عن المجتهد المستقلّ. قال الزركشيّ: ونقلُ الاتفاق عجيب، والمسألة خلافية بيننا وبين الحنابلة، وساعدهم بعض أئمتنا، والحقّ أن الفقيه الفطن للقياس كالمجتهد في حقّ العاميّ، لا الناقل فقط. وقالت الحنابلة: لا يجوز خلوّ العصر عن مجتهد، وبه جزم الأستاذ أبو إسحاق، والزبيريّ(١)، ونسبه أبو إسحاق إلى الفقهاء، قال: ومعناه: أن اللَّه تعالى لو أخلى زمانًا من قائم بحجة زال التكليف، إذ التكليف لا يثبت إلا بالحجة الظاهرة، وإذا زال التكليف بطلت الشريعة. قال الزبيريّ: لن تخلو الأرض من قائم بالحجة في كلّ وقت ودهر وزمان، وذلك قليل في كثير، فأما أن يكون غير موجود كما قال الخصم، فليس بصواب؛ لأنه لو عُدم الفقهاء لم تقم الفرائض كلّها، ولو عطّلت الفرائض كلها لحلّت النقمة بالخلق، كما جاء في الخبر: ((لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس)). رواه مسلم. ونحن نعوذ بالله أن نؤخر مع الأشرار. انتهى. قال ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: هذا هو المختار عندنا، لكن إلى الحدّ الذي ينتقض به القواعد، بسبب زوال الدنيا في آخر الزمان. وقال في ((شرح خطبة الإلمام)): والأرض لا تخلو من قائم لله بالحجة، والأمة الشريفة لا بدّ لها من سالك إلى الحقّ على واضح الحجة، إلى أن يأتي أمر الله في أشراط الساعة الكبرى. انتهى. وما قاله الغزاليّ رحمه الله تعالى من أنه قد خلا العصر عن المجتهد، قد سبقه إلى القول به القفّال، ولكنه ناقض ذلك، فقال: إنه ليس بمقلّد للشافعيّ، وإنما وافق رأيه رأيه، كما حكى ذلك عنه الزركشيّ، وقال: قول هؤلاء القائلين بخلوّ العصر عن المجتهد مما يُقضَى منه العجب، فإنهم إن قالوا ذلك باعتبار المعاصرين لهم، فقد عاصر (١) هو الزبير بن أحمد بن سليمان بن عبد اللَّه الأزديّ الإمام أبو عبد الله الزبيريّ، من أئمة المذهب الشافعيّ الحافظين له، وكان عارفا بالأدب، خبيرًا بالأنساب، له مصنّفات، منها ((الكافي)) و ((الهداية))، توفّي سنة (٣١٧هـ). انظر ((طبقات الشافعية)) ٢٩٥/٣. ٢٢٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَاب الْقُضَاةِ القفّال، والغزاليّ، والرازيّ، والرافعيّ من الأئمة القائمين بعلوم الاجتهاد على الوفاء والكمال جماعة منهم، ومن كان له إلمام بعلم التاريخ، واطّلاع على أحوال علماء الإسلام في كلّ عصر لا يخفى عليه مثل هذا، بل قد جاء بعدهم من أهل العلم من جمع اللَّه له من العلوم فوق ما اعتبره أهل العلم في الاجتهاد. وإن قالوا ذلك، لا بهذا الاعتبار، بل باعتبار أن اللَّه عز وجل رفع ما تفضّل به على من قبل هولاء من هذه الأمة من كمال الفهم، وقوّة الإدراك، والاستعداد للمعارف، فهذه دعوى من أبطل الباطلات، بل هي جهالة من الجهالات. وإن كان ذلك باعتبار تيسّر العلم لمن قبل هؤلاء المنكرين، وصعوبته عليهم، وعلى أهل عصورهم، فهذه أيضًا دعوى باطلة، فإنه لا يخفى على من له أدنى فهم أن الاجتهاد قد يسّره الله للمتأخّرين تيسيرًا لم يكن للسابقين؛ لأن التفاسير للكتاب العزيز قد دوّنت، وصارت في الكثرة إلى حدّ لا يمكن حصره، والسنة المطهّرة قد دُوّنت، وتكلّم الأئمة على التفسير، والترجيح، والتصحيح، والتجريح بما هو زيادة على ما يحتاج إليه المجتهد، وقد كان السلف الصالح، ومن قبل هؤلاء المنكرين يرحل للحديث الواحد من قطر إلى قطر، فالاجتهاد على المتأخرين أيسر، وأسهل من الاجتهاد على المتقدّمين، ولا يخالف في هذا من له فهم صحيح، وعقلٌ سويّ. وإذا أمعنت النظر وجدت هؤلاء المنكرين، إنما أوتوا من قبل أنفسهم، فإنهم لما عكفوا على التقليد، واشتغلوا بغير علم الكتاب والسنة، حكموا على غيرهم بما وقعوا فيه، واستصعبوا ما سهّله الله تعالى على من رزقه العلم والفهم، وأفاض على قلبه أنواع علوم الكتاب والسنّة، ولَمّا كان هؤلاء الذين صرّحوا بعدم وجود المجتهدين شافعيّة، فها نحن نوضّح لك من وُجد من الشافعيّة بعد عصرهم ممن لا يخالف مخالف في أنه جمع أضعاف علوم الاجتهاد، فمنهم ابن عبد السلام، وتلميذه ابن دقيق العيد، ثم تلميذه ابن سيّد الناس، ثم تلميذه زين الدين العراقيّ، ثم تلميذه ابن حجر العسقلانيّ، ثم تلميذه السيوطيّ، فهؤلاء ستة أعلام، كلّ واحد منهم تلميذ من قبله، قد بلغوا من المعارف العلميّة ما يعرفه من يعرف مصنّفاتهم حقّ معرفتها، وكلّ واحد منهم إمام كبير في الكتاب والسنّة، محيط بعلوم الاجتهاد، إحاطةً متضاعفة، عالم بعلوم خارجة عنها. ثم في المعاصرين لهؤلاء كثير من المماثلين لهم، وجاء بعدهم من لا يقصر عن بلوغ مراتبهم، والتعداد لبعضهم، فضلًا عن كلّهم يحتاج إلى بسط طويل. وقد قال الزركشيّ في ((البحر المحيط)) ٢٠٩/٦: ما لفظه: ولم يختلف اثنان في أن ابن عبد السلام بلغ رتبة الاجتهاد، وكذلك ابن دقيق العيد. انتهى. ٢٢٩ = ٣- (الإِصَابةُ فِي الْحُكْم) - حديث رقم ٥٣٨٣ وحكاية هذا الإجماع من هذا الشافعيّ يكفي في مقابلة حكاية الاتفاق من ذلك الشافعيّ الرافعيّ. وبالجملة فتطويل البحث في مثل هذا لا يأتي بكثير فائدة، فإن أمره أوضح من كلّ واضح، وليس ما يقوله من كان من أُسراء التقليد بلازم لمن فتح اللّه عليه أبواب المعارف، ورزقه من العلم ما يخرُج به عن تقليد الرجال، وما هذه بأوّل فاقرة جاء بها المقلّدون، ولا هي بأول مقالة قالها المقصّرون، ومن حصر فضل الله تعالى على بعض خلقه، وقصر فهم هذه الشريعة المطهّرة على من تقدّم عصره، فقد تجرّأ على الله عز وجل، ثم على شريعته الموضوعة لكلّ عباده، ثم على عباده الذين تعبّدهم اللَّه تعالى بالكتاب والسنّة . ويا للَّه العجب من مقالات هي جهالات وضلالات، فإن هذه المقالة تستلزم رفع التعبّد بالكتاب والسنّة، وأنه لم يبق إلا تقليد الرجال الذين هم متعبّدون بالكتاب والسنّة، كتعبّد من جاء بعدهم على حدّ سواء، فإن كان التعبّد بالكتاب والسنّة مختصًا بمن كانوا في العصور السابقة، ولم يبق لهؤلاء إلا التقليد لمن تقدّمهم، ولا يتمكّنون من معرفة أحكام الله من كتاب الله عز وجل، وسنة رسوله و لإر فما الدليل على هذه التفرقة الباطلة، والمقالة الزائفة، وهل النسخ إلا هذا، ﴿سُبْحَتَكَ هَذَا بُهْتَنُ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦]. انتهى كلام الشوكانيّ رحمه الله تعالى في كتابه النفيس ((إرشاد الفحول إلى تحقيق الحقّ من علم الأصول)) ٣٠٤/٢ -٣١٠ بتحقيق د/ شعبان محمد إسماعيل وهو كلام نفيس، وبحث أنيس. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا التحقيق الذي أفاض به الإمام المحقق الشوكاني رحمه الله تعالى هو الحق الحقيق بالقبول، وما خالفه هو التهور المخذول، فعليك باتباع الحق، وإن قلّ أصحابه، واجتناب الباطل، وإن كثر أحزابه، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل، اللهم أرنا الحق حق وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا، وارزقنا اجتنابه، آمين. وإلى الاختلاف في خلوّ العصر عن مجتهد أشار السيوطيّ رحمه اللَّه تعالى في «الکو کب الساطع» حيث قال: وَمُطْلَقًا يَمْنَعُ قَوْمُ أَحْمَدٍ جَازَ خُلُوُ الْعَضْرِ عَنْ مُجْتَهِدٍ وَابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ لَا إِنْ أَتَتِ أَشْرَاطُهَا وَالْمُرْتَضَى لَمْ يَثْبُتِ والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ٢٣٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَاب الْقُضَاةِ ٤- (بَابُ تَرْكِ اسْتِعْمَالِ مَنْ يَخْرِصُ عَلَى الْقَضَاءِ) ٥٣٨٤- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْب، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ ابْنُ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِ عُمَيْسٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: أَثَانِي نَاسٌ مِنَ الْأَشْعَرِيِّينَ، فَقَالُوا: اذْهَبَ مّعَنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَ لَّهِ فَإِنَّ لَنَا حَاجَةً، فَذَهَبْتُ مَعَهُمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اسْتَعِنْ بِنَا فِي عَمَلِكَ، قَالَ أَبُو مُوسَى: فَاعْتَذَرْتُ مِمَّا قَالُوا، وَأَخْبَرْتُ أَنِّي لَّا أَدْرِي مَا حَاجَتُهُمْ؟ فَصَدَّقَنِي، وَعَذَرَنِي، فَقَالَ: ((إِنَّا لَا نَسْتَعِينُ فِي عَمَلِنَا بِمَنْ سَأَلَنَا»). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((عمرو بن منصور)): هو النسائيّ الحافظ الثقة [١٠] من أفراد المصنّف ((وسليمان بن حرب)): هو الأزديّ الواشحيّ البصريّ الثقة الإمام الحافظ [٩]. و((عمر بن عليّ)): هو ابن عطاء بن مُقَدَّم البصريّ، واسطيّ الأصل، ثقة يدلّس تدليس التسوية [٨]. و((أبو عميس)): هو عتبة بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود المسعوديّ الكوفيّ، ثقة [٧]. و((سعيد بن أبي بردة)): هو الأشعريّ الكوفيّ، ثقة ثبت [٥]. و((أبوه)): هو عامر، وقيل: الحارث بن عبد الله بن قيس، وقيل: اسمه كنيته [٣]. ورجال هذا السند رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، كما مرّ آنفًا، وفيه رواية ابن الابن عن أبيه، عن جدّه، ورواية تابعيّ، عن تابعيّ. والله تعالى أعلم. وقوله: ((استعن بنا في عملك)): أي استعملنا في بعض الولايات المتعلّقة بك. وقوله: ((فاعتذرت مما قالوا)): أي أقمت العذر عن مجيئي مع هؤلاء الذين يسألون ما لا يحبه النبيّ وَّر. وقوله: ((فعذرني)) من باب ضرب: أي قبل عذري. وفي رواية: ((قال: ما تقول يا أبا موسى؟، قال: قلت: والذي بعثك بالحقّ ما أطلعاني على ما في أنفسهما، وما شعرتُ أنهما يطلبان العمل)). قال القرطبيّ: قوله وَلجر: ((ما تقول يا أبا موسى؟)) استفهام استعلام عمّا عنده من إرادته العمل، أو من معونته لهما على استدعهما العمل، فأجابه بما يقتضي أنه لم يكن عنده إرادة ذلك، ولا خبر من إرادة الرجلين، فلمّا تحقّق النبيّ وَلّ ذلك ولّاه العمل؛ إِذْ لم يسأله، ولا حَرَصَ عليه، ومنعه الرجلين؛ لحرصهما، وسؤالهما على ما تقرّر آنفًا من أن الحريص عليها مخذول، والكاره لها مُعَان، ومما جرى من الكلام بهذا المعنى ٤- (بَأَبُ تَرْكِ اسْتِعْمَالِ مَنْ ... - حدیث رقم ٥٣٨٥ ٢٣١ = مجرى الْمَثَل: الحرصُ على الأمانة، دليلُ الخيانة. انتهى ((المفهم)) ٤/ ١٧ . وقوله: ((إنا لا نستعين في عملنا بمن سألنا)) هذا محلّ الترجمة، فإنه صريح في عدم تولية من حرص على القضاء؛ لأن العمل فيه تعبّ في الدنيا، وخوفٌ في الآخرة، ولا يرضى به، ولا يطلبه عادةً إلا من اتخذه سببًا لنيل الدنيا، ومثله لا يستحقّ لذلك. والحديث متفقٌ عليه، وقد تقدّم في «الطهارة» ٤/٤ وتقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٥٣٨٥- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَىِ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسّا، يُحَدِّثُ عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ، جَاءَ رَسُولَ اللّهِ وَ لِهِ، فَقَالَ: أَلَا تَسْتَعْمِلُنِي كَمَا اسْتَعْمَّلْتَ فُلَانًا، قَالَ: ((إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثْرَةَ، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (محمد بن عبد الأعلى) الصنعانيّ البصريّ، ثقة [١٠] ٥/٥. ٢- (خالد) بن الحارث الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٤٧/٤٢. ٣- (شعبة) بن الحجاج البصريّ الإمام الحجة الثبت [٧] ٢٧/٢٤ . ٤- (قنادة) بن دعامة السدوسيّ البصريّ، ثقة ثبت يدلّس [٤] ٣٤/٣٠. ٥- (أنس) بن مالك الصحابيّ الشهير رضي اللّه تعالى عنه٦/٦. ٦- (أُسيد بن حُضير) بن سِمَاك بن عَتِيك الأنصاريّ الأشهليّ، أبو يحيى الصحابيّ الشهير، مات سنة (٢٠) أو (٢١) تقدّم في ٩٦/ ٤٦٨١. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين. (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ عن صحابيّ. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة السدوسيّ، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسّا) أي ابن مالك ◌َّهِ (يُحَدِّثُ عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ) - بتصغير الاسمين - رضي اللَّه تعالى عنه، زاد مسلم: ((وقد رواه يحيى بن سعيد، وهشام بن زيد، عن أنس)) بدون ذكر أَسيد بن حُضير، لكن باختصار القصّة التي هنا، وذكر كلٌّ منهما قصّة أخرى غير هذه، ووقع لهذا الحديث ٢٣٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَاب الْقُضَاةِ قصّة أخرى من آخر، فأخرج الشافعيّ من رواية محمد بن إبراهيم التيميّ إلى أُسيد بن حُضير: ((طلب من النبيّ بَ لّ لأهل بيتين من الأنصار، فأمر لكلّ بيت بوسق من تمر، وشطر من شعير، فقال أُسيد: يا رسول الله، جزاك الله عنا خيرًا، فقال: ((وأنتم فجزاكم اللَّه خير، يا معشر الأنصار، وإنكم لأعفّةٌ صُبْرٌ، وإنكم ستلقون بعدي أثرةً ... )) الحديث، وقوله: ((إنكم لأعِفّة صُبْرٌ))، أخرجه الترمذيّ، والحاكم من وجه آخر، عن أنس، عن أبي طلحة، وسنده ضعيف. قاله في ((الفتح)) ٧/ ٤٩٣ (كتاب مناقب الأنصار)) (أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ) قال الحافظ: لم أقف على اسمه، زاد مسلم في روايته: ((فخلا برسول اللَّه وَلَه)) (جَاءَ رَسُولَ اللَّهِ بِ، فَقَالَ: أَلَا تَسْتَعْمِلُنِي) أي تجعلني عاملًا على الصدقة، أو على بلد (كَمَا اسْتَعْمَلْتَ فُلَانًا) قال الحافظ: لم أقف على اسمه، لكن ذكرت في ((المقدّمة)) أن السائل أُسيد بن حُضير، والمستعمل عمرو بن العاص، ولا أدري الآن من أين نقلته. انتهى ((فتح)) ٧/ ٤٩٢-٤٩٣ رقم ٣٧٩٢. (قَالَ: إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً) بفتح الهمزة، والمثلّثة، أو بضمّ الهمزة، وسكون المثلّثة، وأشار بذلك إلى أن الأمر يصير في غيرهم، فيختصّون دونهم بالأموال، وكان الأمر كما وصف بَّر، وهو معدود فيما أخبر به من الأمور الآتية، فوقع كما قال (فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ) أي حوض النبيّ وَّ يوم القيامة، والسرّ في جوابه ◌َِّ عن طلب الرجل الولاية بقوله: ((ستلقون بعدي أثرة الخ)) إرادة نفي ظنّه أنه آثر الذي ولّاه عليه، فبيّن له أن ذلك لا يقع في زمانه، وأنه لم يخصّه بذلك لذاته، بل لعموم مصلحة المسلمين، وأن الاستئثار للحظّ الدنيويّ إنما يقع بعده، وأمرهم عند وقوع ذلك بالصبر. قاله في ((الفتح)) ٤٩٨/١٤ ((كتاب الفتن)) رقم ٧٠٥٧ . وقال السنديّ: قوله: ((إنكم سلقون بعدي أثرة)): أي إن الأمراء بعدُ يفضّلون عليكم غيركم، يُريد: أنك ظننت هذا القدر أثرة، وليس كذلك، ولكن الأثرة ما يكون بعدي، والمطلوب فيه منكم الصبر، فكيف تصبر إذا لم تقدر أن تصبر على هذا القدر، فعليك بالصبر به حتى تقدر على الصبر فيما بعدُ، والحاصل أنه رآه مستعجلًا، فأرشده إلى الصبر على الإطلاق بألطف وجه. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أُسيد بن حُضَير ◌َّ هذا متفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: ٥- (النَّهْيُ عَنْ مَسْألَةِ الإمارةِ) - حديث رقم ٥٣٨٦ ٢٣٣= أخرجه هنا- ٥٣٨٥/٤- وفي ((الكبرى)) ٥٩٣٣/٧. وأخرجه (خ) في ((المناقب)) ٣٧٩٢ و((الفتن)) ٧٠٥٧ (م) في ((الإمارة)) ١٨٤٥ (ت) في ((الفتن)) ٢١٨٩ (أحمد) في (مسند الكوفيين)) ١٨٦١٣ و١٨٦١٥. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بیان ترك استعمال من یحرص على القضاء. (ومنها): أن فيه منقبة عظيمة للأنصار، حيث مَدَحَهُم النبيّ وَلِّ بأنهم أَعفّةٌ صُبْرٌ. (ومنها): أن فيه علمًا من أعلام النبوة، حيث أخبر أنه ستكون بعده أثرة، وقد وقع ذلك، كما أخبر وَله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). ٥- (النَّهْيُ عَنْ مَسْأَلَةِ الإِمَارَةِ) ٥٣٨٦- (أَخْبَرَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ ح وَأَنْبَأَنَا(١) عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْتِى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحِمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ : (لَا تَسْأَّلِ الْإِمَارَةَ، فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وَكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا))). رجال هذا الإسناد: ثمانية : ١- ()) مجاهد بن موسى) الْخُوَارزميّ الْخُتَّليّ، نزيل بغداد، ثقة [١٠] ١٠٢/٨٥ ٢- (عمرو بن عليّ) الفلاس البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٤/٤. ٣- (يحيى) بن سعيد القطّان البصريّ، ثقة ثبت حجة [٩] ٩/٤. ٤- (إسماعيل) بن إبراهيم ابن عُليّة البصريّ، ثقة ثبت [٨] ١٩/١٨. ٥- (يونس) بن عُبيد بن دينار العبديّ، أبو عبيد البصريّ، ثقة ثبت فاضل ورع [٥] ١٠٩/٨٨ ٦- (ابن عون) عبد الله، أبو عون البصريّ، ثقة ثبت فاضل [٥] ٣٣/٢٩. - (١) وفي نسخة: ((أخبرنا)). ٢٣٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَاب الْقُضَاةِ ٧- (الحسن) بن أبي الحسن، أبو سعيد البصريّ، ثقة فقيه فاضل يدلس ويرسل [٣] ٣٦/٣٢ . ٨- (عبد الرحمن بن سَمُرة) بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف، وقيل: غير ذلك، أبو سعيد، صحابيّ، من مسلمة الفتح، وقيل: كان اسمه قبل الإسلام عبد كُلال -بضم أوله، والتخفيف- وقد شهد فتوح العراق، وكان فتح سِجِستان على يديه، أرسله عبد الله بن عامر، أمير البصرة لعثمان على السريّة، ففتحها، وفتح غيرها، وقال ابن سعد: مات سنة (٥٠)، وقيل: بعدها بسنة، وقد تقدّمت ترجمته في ٢/ ١٤٦٠. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من ثمانيّات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين، غير شيخه الأول، فخُوَارَزْمَيّ، ثم بغداديّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ) رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وٍَّ: (لَا) ناهية، ولذا جُزم الفعل بعدها، وكسره للالتقاء الساكنين (تَسْأَلِ الْإِمَارَةَ) بالكسر: أي لا تطلب الولاية، قال في ((الفتح)): وفي رواية يونس بن عُبيد، عن الحسن بلفظ: ((لا تمنّيَنّ)) بصيغة النهي عن التمنّي، مؤكّدا بالنون الثقيلة، والنهي عن التمنّي أبلغ من النهي عن الطلب. انتهى (فَإِنَّكَ) الفاء للتعليل، أي لأنك (إِنْ أَعْطِيتَهَا) بالبناء للمفعول، وضمير المخاطب (عَنْ مَسْأَلَةٍ) أي لأجل سؤال، وطلب لها، فـ(عن)) بمعنى اللام، كما قوله عز وجل: ﴿وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ الآية [هود: ٥٣]، ويحتمل أن تكون بمعنى (بعدُ))، كما في قوله عز وجل: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَّقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ الآية [الانشقاق: ١٩]: أي حالة بعد حالة، وقول الشاعر [من الرجز]: وَمَنْهَلٍ وَرَدَتُهُ عَنْ مَنْهَلٍ قَفْرٍ بِهِ الأَعْطَانُ لَمْ تُسَهَّلٍ (وُكِلْتَ إِلَيْهَا) بالبناء للمفعول: يقال: وكلته إلى نفسه، من باب وعد وُكُولًا: لم أقم بأمره، ولم أعنه، قاله الفيّوميّ. والمعنى أنك إذا أُعطيت الإمارة بسؤال وكلت إليها، وهو كناية عن عدم العون من الله تعالى في معرفة الحقّ، والتوفيق للعمل به، وذلك لأنه حيث اجترأ على السؤال، فقد اعتمد على نفسه، فلا يستحقّ العون. قاله السنديّ . ٥- (النَّهْيُ عَنْ مَسْأَلَةَ الإِمارةِ) - حديث رقم ٥٣٨٦ ٢٣٥ = وقال في ((الفتح)): قوله: وُكلت إليها -بضم الواو، وكسر الكاف، مخففا، ومشددًا، وسكون اللام- ومعنى المخفف: أي صرف إليها ومن وُكل الى نفسه هلك، ومنه في الدعاء: ((ولا تكلني إلى نفسي))، ووگل أمره إلى فلان: صرفه إليه، ووَكَّله بالتشديد -: استحفظه، ومعنى الحديث: أن من طلب الإمارة، فأعطيها تُركت إعانته عليها، من أجل حرصه. (وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا) ببناء الفعلين للمفعول أيضًا: أي أعانك الله تعالى، وألهمك الحقّ، حتى تسعد في الدنيا والآخرة. [فإن قلت]: يعارض هذا في الظاهر ما أخرجه أبو داود، عن أبي هريرة تظلّه، رفعه: ((من طلب قضاء المسلمين حتى يناله، ثم غلب عدله جوره فله الجنة، ومن غلب جوره عدله فله النار))، فكيف تجمع بينهما؟. [قلت]: يُجمع بينهما- کما قال في «الفتح»- بأنه لا يلزم من کونه لا يُعان بسبب طلبه أن لا يحصل منه العدل إذا وَلي، أو يُحمل الطلب هنا على القصد، وهناك على التولية، وقد تقدم من حديث أبي موسى رَزيه: ((إنا لا نُوَلّي مَنْ حَرَص))، ولذلك عبر في مقابله بالإعانة، فإن من لم يكن له من اللَّه عون على عمله، لا يكون فيه كفاية لذلك العمل، فلا ينبغي أن يجاب سؤاله، ومن المعلوم أن كل ولاية لا تخلو من المشقة، فمن لم يكن له من الله إعانة، تَوَرّط فیما دخل فيه، وخسر دنياه وعقباه، فمن كان ذا عقل لم يتعرض للطلب أصلا، بل إذا كان كافيا، وأعطيها من غير مسألة فقد وعده الصادق بالإعانة، ولا يخفى ما في ذلك من الفضل. قال المهلب: جاء تفسير الإعانة عليها في حديث بلال بن مرداس، عن خيثمة، عن أنس ◌َّه، رفعه: ((من طلب القضاء، واستعان عليه بالشفعاء، وُكِل إلى نفسه، ومن أُكره عليه أَنزل اللَّه عليه ملكا يُسَدِّدُه))، أخرجه ابن المنذر، وكذا أخرجه الترمذي من طريق أبي عوانة، عن عبد الأعلى الثعلبي، وأخرجه هو وأبو داود، وابن ماجه، من طريق أبي عوانة، ومن طريق إسرائيل، عن عبد الأعلى، فأسقط خيثمة من السند، قال الترمذي: ورواية أبي عوانة أصح، وقال في رواية أبي عوانة: حديث حسن غريب، وأخرجه الحاكم من طريق إسرائيل، وصححه، وتُعقب بأن ابن معين لَيْن خيثمة، وضعف عبد الأعلى، وكذا قال الجمهور في عبد الأعلى: ليس بقوي. قال المهلب: وفي معنى الإكراه عليه أن يُدعَى إليه، فلا يرى نفسه أهلا لذلك؛ هيبة له، وخوفا من الوقوع في المحذور، فإنه يعان عليه، إذا دخل فيه، ويُسَدَّد، والأصل فيه أن من تواضع لله رفعه الله. وقال ابن التين: هو محمول على الغالب، وإلا فقد قال يوسف عَلََّلهُ: ﴿أَجْعَلْنِى عَلَى خَزَآبِنِ اَلْأَرْضِّ﴾ [يوسف: ٥٥]، وقال سليمانَالسَّلامُ: ٢٣٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَاب الْقُضَاةِ ﴿﴿وَهَبْ لِ مُلْكًا﴾ [ص: ٣٥]، قال: ويحتمل ان يكون في غير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. قاله في ((الفتح)) ١٩/١٥-٢٠. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد الرحمن بن سَمُرة رَّ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٥٣٨٦/٥- وأخرجه (خ) في ((الأيمان والنذور)) ٦٦٢٢ و((كفّارات الأيمان)) ٦٧٢٢ و((الأحكام)) ٧١٤٦ و٧١٤٧ (م) في ((الأيمان)) ١٦٥٢ و١٦٥٣ (د) في ((الخراج)) ٢٩٢٩ (ت) في ((النذور والأيمان)) ١٥٢٩ (أحمد) في ((مسند البصريين)) ٢٠٠٩٥ (الدارميّ) في ((النذور)) ٢٢٤١. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان النهي عن مسألة الإمارة. (ومنها): أن طلب ما يتعلق بالحكم مكروه، فيدخل في الامارة القضاء، والحسبة، ونحو ذلك، وأن من حَرَص على ذلك لا يعان. (ومنها): ما قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى: ظاهر قوله: ((لا تسأل الإمارة)) التحريم، وعلى هذا يدلّ قوله: ((إنا والله لا نولّي على هذا العمل أحدًا يسأله، أو حرص عليه))، وسببه أن سؤالها، والحرص عليها مع العلم بكثرة آفاتها، وصُعوبة التخلّص منها دليلٌ على أنه يطلبها لنفسه، ولأغراضه، ومن كان هكذا أوشك أن تغلب عليه نفسه، فيهلك، وهذا معنى قوله: ((وُكل إليها))، ومن أباها؛ لعلمه بآفاتها، ولخوفه من التقصير في حقوقها، وفرّ منها، ثم ابتلي بها، فيُرجَى له ألا تغلب عليه نفسه؛ للخوف الغالب عليه، فيتخلّص من آفاتها، وهذا معنى قوله: ((أُعين عليها)»، وهذا كلّه محمول على ما إذا كان هناك جماعة ممن يقوم بها، ويَصلح لها، فأما لو لم يكن هناك ممن يصلح لها إلا واحد لتعيّن ذلك عليه، ووجب أن يتولاها، ويسأل ذلك، ويُخبر بصفاته التي يستحقّ بها من العلم، والكفاية، وغير ذلك، كما قال يوسف،فَلَّلهُ: ﴿قَالَ أَجْعَلْنِ عَلَى خَزَّآيِنِ الْأَرْضِ إِ حَفِيظُ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥]. انتهى («المفهم)) ١٦/٤. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٥٣٨٧- (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِّ نَِّ، قَالَ: ((إِنَّكُمْ سَتَخْرِصُونَ عَلَى الْإِمَارَةِ، وَإِنَّا ٦- (اسْتِعْمَالُ الشّعَرَاءِ) - حديث رقم ٥٣٨٨ - ٢٣٧ = سَتَكُونُ نَدَامَةٌ وَحَسْرَةَ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَنِعْمَتِ الْمُرْضِعَةُ، وَبِثْسَتِ الْفَاطِمَةُ))). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((محمد بن آدم بن سليمان)): هو الجهنيّ المصّيصيّ. و ((ابن المبارك)): هو عبد الله. و((ابن أبي ذئب)): هو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة ابن الحارث بن أبي ذئب المدنيّ. و((المقبريّ)): هو سعيد بن أبي سعيد المدنيّ. وقوله: ((ستكون ندامة)): أي بعد الموت لمن لم يعمل فيها بما ينبغي. وقوله: ((فنعمت المرضعة)): أي في الدنيا؛ لما فيها من حصول الجاه، والمال، ونفاذ الكلمة، وتحصيل اللذّات الحسّيّة والوهميّة حال حصولها. وقوله: ((وبئست الفاطمة)): أي بعد الموت؛ لأنه يصير إلى المحاسبة على ذلك، فهو كالذي يفطم قبل أن يستغني، فيكون في ذلك هلاكه والحديث أخرجه البخاريّ، وقد تقدّم في «البيعة)» ٤٢١٣/٣٩ سندًا ومتنا، ومضى تمام شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). ٦- (اسْتِعْمَالُ الشُّعَرَاءِ) ولفظ ((الكبرى)): ((استعمال الشعراء المأمونين على الحكم)). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: لم يظهر لي وجه استدلال المصنّف رحمه الله تعالى بحديث الباب على هذه الترجمة، فإني لم أر أحدًا ذكر القعقاع بن معبد، ولا الأقرع بن حابس من الشعراء، فإن ثبت ذلك، وإلا فلا مطابقة بين الترجمة والحديث المذكور تحتها، فالله تعالى أعلم بالصواب. ٥٣٨٨- (أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجْ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ قَدِمَ رَكْبَ مِنْ بَنِي تَمِيِّم، عَلَى النَِّيِّ ◌َِّ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمْرِ الْقَعْقَاعَ بْنَ مَعْبَدٍ، وَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: بَلْ أَمْرِّ الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ، فَتَمَارَيَا، حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا، فَنَزَلَتْ فِي ذَلِكَ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُقَدِّمُواْ بَيْنَّ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، حَتَّى انْقَضَتِ الْآيَةُ، ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَّرَاً لَّهُمْ﴾ [الحجرات ١ - ٥]. = ٢٣٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَاب الْقُضَاةِ رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (الحسن بن محمد) بن الصباح الزعفرانيّ، أبو عليّ البغداديّ الثقة الحافظ، صاحب الشافعيّ، وقد شاركه في الطبقة الثانية من شيوخه [١٠] ٤٢٧/٢١. ٢- (حجاج) بن محمد الأعور، أبو محمد المصّيصيّ، ترمذيّ الأصل، ثقةثبت، اختلط في آخره لما قدم بغداد [٩] ٣٢/٢٨ . ٣- (ابن جريج) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقة فقيه فاضل، يدلس ويرسل [٦] ٣٢/٢٨. ٤- (ابن أبي مليكة) عبد الله بن عبيد الله بن عبد الله بن أبي مليكة: زهير بن عبد الله بن جدعان المكيّ الثقة الفقيه [٣] ١٣٢/١٠١. ٥- (عبد الله بن الزبير) بن العوّام القرشيّ الأسديّ الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي الله تعالى عنهما ١٨٩/ ١١٦١ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين، غير شيخه، فبغداديّ، وحجاج، فمصّيصيّ. (ومنها): أن صحابيّه أول مولود للمهاجرين، وفرح المسلمون بولادته، حيث إن المنافقين قالوا: إنهم لا يولد لهم؛ لأن اليهود سحرتهم، فأبطل اللّه تعالى تلك المزاعم بولادته. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ) رضي اللَّه تعالى عنهما، أنه (أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ قَدِمَ) بكسر الدال، من باب تعب (رَكْبٌ) -بفتح، فسكون -: جمع راكب، كصاحب وصحب، ويُجمع أيضًا على رُكْبان- بضم، فسكون -: أي جماعة راكبة، ولفظ ((الكبرى)): ((قدم الركب من بني تميم))، وفي رواية أحمد: ((وفد بني تميم) (مِنْ بَنِي تَمِيم) بفتح، فكسر قبيلة مشهورة، وكان قُدومهم سنة تسع من الهجرة، بعد أن أوقع عُيينة بن حصن ببني العنبر، وهم بطنٌ من تميم، ذكر ذلك أبو الحسن المدائنيّ. قاله في ((الفتح)) ٥٦٦/٨. (عَلَى النَّبِيِّ) وفي نسخة: ((على رسول اللّه)) (وََّ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ) الصدّيقِ رَّ (أَمْرِ الْقَعْفَاعَ بْنَ مَعْبَدٍ) بن زرارة بن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم التميميّ الدارميّ، قال الكلبيّ في ((الجامع)): كان يقال له: تيّار الفرات؛ لجوده، قال الحافظ: وله ذكر في غزوة الحنين، أورده البغويّ في ((الصحابة)) بإسناد صحيح)). انتهى. ووقع عند الترمذيّ من ٢٣٩ ٦- (اسْتِعْمَالُ الشُّعَرَاءِ) - حديث رقم ٥٣٨٨ رواية مؤمّل بن إسماعيل، عن نافع بن عمر بلفظ: ((إن الأقرع بن حابس قَدِمَ على النبيّ وَله، فقال أبو بكر: يا رسول اللَّه استعمله على قومه، فقال: عمر: لا تستعمله يا رسول الله ... )) الحديث، وهذا يخالف رواية ابن جريج هذه، وروايته أثبت من مؤمّل بن إسماعيل؛ لأنه وإن كان ثقة، إلا أنه سيّء الحفظ، فقد وصفه غیر واحد بذلك، بل قال البخاريّ: منكر الحديث، فلا تعارض روايته رواية ابن جريج. والله تعالى أعلم. (وَقَالَ عُمَرُ) بن الخطّابِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: بَلْ أَمْرِ الْأَفْرَعَ بْنَ حَابِسٍ) زاد في رواية للبخاريّ: ((أخي بني مجاشع))، والأقرع لقبه، واسمه فيما نقل ابن دُريد: فِراس بن حابس بن عِقَال- بكسر المهملة، وتخفيف القاف- ابن محمد بن سُفيان بن مجاشع بن عبد الله بن دارم التميميّ الدارميّ، وكانت وفاة الأقراع بن حابس في خلافة عثمان رَ ◌ّهِ. (فَتَمَارَيًا) أي تجادل أبو بكر وعمر رضي اللّه تعالى عنهما في تعيين من هو الأولى بذلك (حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُمَا) وفي رواية البخاريّ من طريق نافع بن عمر، عن ابن أبي مليكة: ((قال: كاد الْخَيّران أن يهلكا، أبا بكر وعمر رضي اللّه تعالى عنهما، رفعا أصواتهما عند النبيّ وَ لّ حين قَدِم عليه ركبُ بني تميم، فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس، أخي بني مُجاشع، وأشار الآخر برجل آخر (١)، قال نافع: لا أحفظ اسمه، فقال أبو بكر لعمر: ما أردت إلا خلافي، قال: ما أردت خلافك، فارتفعت أصواتهما في ذلك)) (فَنَزَّلَتْ فِي ذَلِكَ) وفي رواية نافع المذكورة: ((فأنزل اللَّه)) (﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَ نُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِه﴾، حَتَّى انْقَضَتِ الْآيَةُ، ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ﴾ [الحجرات: ١-٥]) قال في ((الفتح)): وقد استُشكل ذلك، قال ابن عطيّة رحمه الله: الصحيح أن سبب نزول هذا الكلام جُفاة الأعراب. قال الحافظ رحمه اللَّه تعالى: لا يُعارض ذلك هذا الحديث، فإن الذي يتعلّق بقصّة الشيخين في تخالفهما في التأمير هو أول السورة: ﴿لَا تُقَدِّمُواْ﴾، ولكن لَمّا اتّصل بها قوله: ﴿لَا تَرْفَعُواْ﴾ تمسّك عمر منها بخفض صوته، وجُفاة الأعراب الذين نزلت فيهم هم من بني تميم، والذي يختصّ بهم قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ الْمُجُزَتِ﴾ [الحجرات: ٤]، قال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: ((أن رجلًا جاء إلى النبيّ وَّر من وراء الحجرات، فقال: يا محمد إن مدحي زين، وإن شتمي شين، فقال النبيّ وَالر: ((ذاك الله عز وجل))، ونزلت، ولا مانع أن تنزل الآية لأسباب تتقدّمها، فلا يُعدل للترجيح مع ظهور الجمع، وصحّة الطرق. قاله في ((الفتح)) ٩/ ٥٦٧ . (١) هو القعقاع بن معد المذكور في رواية المصنّف هنا، من طريق ابن جريج، عن ابن أبي مليكة . ٢٤٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَاب الْقُضَاةِ [تنبيه]: زاد في رواية البخاريّ من طريق نافع بن عمر المتقدّمة: ((فما كان عمر يُسمع رسول اللَّه وسل﴿ بعد هذه الآية حتّى يستفهمه))، وعنده في ((الاعتصام)) من رواية وكيع: ((فكان عمر بعد ذلك إذا حدّث النبيّ ◌َلټ بحديث حدثه كأخي السِّرّار، لم يسمعه حتى يستفهمه))، وقد أخرج المنذر من طريق محمد بن عمرو بن علقمة أن أبا بكر الصّدّيق قال مثل ذلك للنبيّ وَّر، وهذا مرسل، وقد أخرجه الحاكم موصولًا من حديث أبي هريرة رَّه نحوه، وأخرجه ابن مردويه من طريق طارق بن شهاب، عن أبي بكر، قال: لَمّا نزلت: ﴿لَا تَّرْفَعُواْ أَصْوَتَّكُمْ﴾ الآية [الحجرات: ٢]، قال أبو بكر، قلت: يا رسول اللَّه آليتُ أن لا أُكلّمك إلا كأخي السرار)). قاله في ((الفتح)) ٩/ ٥٦٧-٥٦٨ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد الله بن الزبير رضي اللّه تعالى عنهما هذا أخرجه البخاريّ. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٥٣٨٨/٦- وفي ((الكبرى)) ٥٩٣٦/٨. وأخرجه (خ) في ((المغازي)) ٤٣٦٧ و((التفسير)) ٤٨٤٥ و٤٨٤٧ و((الاعتصام بالكتاب والسنة)) ٧٣٠٢ (ت) في ((التفسير)) ٣٢٦٦ (أحمد) في ((مسند المدنيين)) ١٥٧٠٠ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): بيان سبب نزول هذا الآية الكريمة. (ومنها): أن الخطأ يحصل أحيانًا من أعيان الأفاضل، فقد حصل الخصام بين خيري من هما أفضل بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهو أبو بكر وعمر رضي اللَّه تعالى عنهما. (ومنها): فضل هذين الإمامين حيث طبقا عليهما بعد نزول الآية الكريمة ما اقتضته من عدم رفع الصوت بين يدي النبيّ وَلّر، فلم يرفعا بعد ذلك أصواتهما، ولا كلّما إلا خفية، بحيث إنه كان يستفهمهما. (ومنها): أن الآية الكريمة فيها بيان عظيم منزلة النبيّ وَلخير، وما يجب له من الاحترام، فلا يجوز لأحد أن يتقدّم بين يديه، ولا أن يرفع صوته حتى لا يتأذّى بذلك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)).