النص المفهرس
صفحات 201-220
٢- (الإمامُ العادل) - حدیث رقم ٥٣٨٢ ٢٠١ == ٢- (الإِمَامُ الْعَادِلُ) ٥٣٨٢- (أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا(١) عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ خُبیب ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَقْصٍ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ، قَالَ: ((سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يُّوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَادِلٌ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ فِي خَلَاءِ، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، وَرَجُلٌ كَانَ قَلْبُهُ مُعَلَّقًا فِي الْمَسْجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ، ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ إِلَى نَفْسِهَا، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ، فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا صَنَعَتْ يَمِينُهُ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (سويد بن نصر) بن سويد، أبو الفضل المروزيّ الملقّب شاه، راوية ابن المبارك، ثقة [١٠] ٥٥/٤٥ . ٢- (عبد الله) بن المبارك المذكور في الباب الماضي. ٣- (عبيد اللّه) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقة ثبت فقيه، قدّمه أحمد بن صالح على مالك في نافع، وقدّمه ابن معين في القاسم، عن عائشة على الزهري، عن عروة، عنها [٥] ١٥/ ١٥ . ٤- (خبيب بن عبد الرحمن) - بضم الخاء المعجمة، مصغّرا- ابن يساف الأنصاريّ، أبو الحارث المدنيّ، ثقة [٤] ١٠/ ٦٤٠ وهو خال عبيد اللَّه الراوي عنه. ٥- (حفص بن عاصم) بن عمر بن الخطّاب العمريّ المدنيّ، ثقة [٣] ٨٦٧/٦٠، وهو جدّ عبيد الله المذكور لأبيه. ٦- (أبو هريرة) رضي اللّه تعالى عنه ١/١ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين. (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه، وعبد اللَّه، فمروزيّان. (ومنها): أن فيه رواية الراوي، عن خاله، عن جدّه، وفيه رواية ثلاثة من التابعين، بعضهم من بعض: عبيد (١) وفي نسخة: ((أخبرنا)). ٢٠٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَاب الْقُضَاةِ اللَّه، عن خُبيب، عن حفص. (ومنها): أن فيه أبا هريرة ◌َّه، أكثر الصحابة رواية للحديث، روى (٥٣٧٤) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) تَّ قال في ((الفتح)): لم تختلف الرواة عن عبيد اللّه في ذلك، ورواه مالك في ((الموطإ)) عن خُبيب، فقال: عن أبي سعيد، أو أبي هريرة على الشك، ورواه أبو قرة، عن مالك بواو العطف، فجعله عنهما، وتابعه مصعب الزبيري، وشَذّا في ذلك عن أصحاب مالك، والظاهر أن عبيد اللّه حفظه؛ لكونه لم يشك فيه، ولكونه من رواية خاله، وجده، والله أعلم. انتهى. [تنبيه]: قال الحافظ رحمه الله تعالى: لم نجد هذا الحديث من وجه من الوجوه، إلا عن أبي هريرة رَّه ، إلا ما وقع عند مالك من التردد هل هو عنه، أو عن أبي سعيد، كما قدمناه قبلُ، ولم نجده عن أبي هريرة، إلا من رواية حفص، ولا عن حفص إلا من رواية خبيب، نعم أخرجه البيهقي في ((الشعب)) من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة رَّهِ، والراوي له عن سهيل عبدُ الله بن عامر الأسلمي، وهو ضعيف، لكنه ليس بمتروك، وحديثه حسن في المتابعات، ووافق في قوله: ((تصدق بيمينه))، وكذا أخرجه سعيد بن منصور، من حديث سلمان الفارسي رنُّه بإسناد حسن موقوفا عليه، لكن حكمه الرفع، وفي ((مسند أحمد)) من حديث أنس رَّه بإسناد حسن مرفوعا: ((إن الملائكة قالت: يا رب هل من خلقك شيء أشدُّ من الجبال؟ قال: نعم الحديد، قالت: فهل أشد من الحديد؟ قال: نعم النار، قالت: فهل أشد من النار؟ قال: نعم الماء، قالت: فهل أشد من الماء؟ قال: نعم الريح، قالت: فهل أشد من الريح؟ قال: نعم ابن آدم، يتصدق بيمينه، فيخفيها عن شماله)). انتهى ((فتح)) ٣٦٥/٢- ٣٦٦ . (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وِ، قَالَ: ((سَبْعَةٌ) ظاهره اختصاص المذكورين بالثواب المذكور، ووجّهه الكرماني بما مُحَصَّله أن الطاعة إما أن تكون بين العبد وبين الرب، أو بينه وبين الخلق، فالأولى باللسان، وهو الذكر، أو بالقلب، وهو المعلق بالمسجد، أو بالبدن، وهو الناشئ في العبادة، والثاني عام، وهو العادل، أو خاص بالقلب، وهو التحاب، أو بالمال، وهو الصدقة، أو بالبدن، وهو العفة، قال الحافظ: وقد نظم السبعة العلامة أبو شامة، عبد الرحمن بن إسماعيل، فيما أنشدناه أبو إسحاق التنوخي إذنا، عن أبي الهدى أحمد بن أبي شامة، عن أبيه سماعا من لفظه، قال [من الطويل]: وَقَالَ النَّبِيُّ الْمُصْطَفَى إِنَّ سَبْعَةً يُظِلُّهُمُ اللَّهُ الْكَرِيمُ بِظِلْهِ ٢٠٣ = ٢- (الإِمامُ العادل) - حديث رقم ٥٣٨٢ مُحِبٍّ عَفِيفٌ نَاشِئٌ مُتَصَدُقْ وَبَاكِ مُصَلِّ وَالإِمَامُ بِعَذْلِهِ ووقع في ((صحيح مسلم))، من حديث أبي الْيَسَرِ مرفوعا: ((من أنظر معسرا، أو وضع له، أظله اللَّه في ظله يوم لا ظل إلا ظله))، وهاتان الخصلتان غير السبعة الماضية، فدل على أن العدد المذكور لا مفهوم له، قال الحافظ: وقد ألقيت هذه المسألة على العالم، شمس الدين بن عطاء الرازي، المعروف بالهروى، لَمّا قَدِمَ القاهرة، وادَّعى أنه يحفظ ((صحيح مسلم))، فسألته بحضرة الملك المؤيد عن هذا، وعن غيره، فما استحضر في ذلك شيئا، ثم تتبعت بعد ذلك الأحاديث الواردة، في مثل ذلك، فزادت على عشر خصال، وقد انتقيت منها سبعة، وردت بأسانيد جياد، ونظمتها في بيتين، تذييلا على بيتي أبي شامة، وهما: وَزِدْ سَبْعَةَ إِظْلَالَ غَازٍ وَعَوْنَهُ وَإِنْظَارَ ذِي عُسْرٍ وَتَخْفِيفَ حَمْلِهِ وَتَاجِرُ صِدْقٍ فِي الْمَقَالِ وَفِعْلِهِ وَإِرْفَادَ ذِي غُزْمٍ وَعَوْنَ مُكَانَبٍ فأما إظلال الغازي، فرواه ابن حِبّان وغيره، من حديث عمر رَّه، وأما عون المجاهد، فرواه أحمد، والحاكم، من حديث سهل بن حُنيف تَّه ، وأما إنظار المعسر، والوضيعة عنه، ففي ((صحيح مسلم)) كما ذكرنا، وأما إرفاد الغارم، وعون المكاتب، فرواهما أحمد، والحاكم، من حديث سهل بن حُنيف المذكور رَّ ، وأما التاجر الصدوق، فرواه البغوي في ((شرح السنة)) من حديث سلمان رَّه، وأبو القاسم التيمي، من حديث أنس رَّه . والله تعالى أعلم. قال الحافظ: ونظمته مرة أخرى، فقلت في السبعة الثانية: وَتَحْسِينُ خُلْقِ مَعْ إِعَائَةِ غَارِمِ خَفِيفُ يَدٍ حَتَّى مُكَاتَبُ أَهْلِهِ وحديث تحسين الخلق أخرجه الطبراني، من حديث أبي هريرة رَظّه بإسناد ضعيف، ثم تتبعت ذلك، فجمعت سبعة أخرى، ونظمتها في بيتين آخرين، وهما: وَزِذْ سَبْعَةٌ حُزْنٌ وَمَشْيٌّ لِمَسْجِدٍ وَكُرْهُ وُضُوءٍ ثُمَّ مُطْعِمُ فَضْلِهِ وَتَاجِرُ صِدْقٍ فِي الْمَقَالِ وَفِعْلِهِ وَآَخِذُ حَقْ بَاذِلٌ ثُمَّ كَافِلُ ثم تتبعت ذلك، فجمعت سبعة أخرى، ولكن أحاديثها ضعيفة، وقلت في آخر البيت : تَرْبَعُ بِهِ السَّبْعَاتِ مِنْ فَيْضِ فَضْلِهِ وقد أوردت الجميع في ((الأمالي))، وقد أفردته في جزء سميته ((معرفة الخصال، الموصلة إلى الظلال)). انتهى ((فتح)) ٣٦١/٢ -٣٦٢. ٢٠٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَابِ الْقُضَاةِ [تنبيه]: ذِكْرُ الرجال في هذا الحديث، لا مفهوم له، بل يشترك النساء معهم فيما ذكر، إلا إن كان المراد بالإمام العادل الإمامة العظمى، وإلا فيمكن دخول المرأة حيث تكون ذات عيال، فتعدل فيهم، وتخرج خصلة ملازمة المسجد؛ لأن صلاة المرأة في بيتها أفضل من المسجد، وما عدا ذلك فالمشاركة حاصلة لهن، حتى الرجل الذي دعته المرأة، فإنه يتصور في امرأة دعاها ملك جميل مثلا، فامتنعت خوفا من اللَّه تعالى، مع حاجتها، أو شاب جميل دعاه ملك إلى أن يزوجه ابنته مثلا، فخشي أن يرتكب منه الفاحشة، فامتنع مع حاجته إليه. قاله في ((الفتح)) ٣٦٦/٢ -٣٦٧. (يُظِلُّهُمُ) بضمَ أوله، من الإظلال (اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُهُ) (يوم)) الثاني بدل من الأول، ولفظ البخاريّ: ((يظلّهم اللَّه في ظلّه يوم لا ظلّ إلا ظلّه)» وقوله: ((في ظلّه)) قال عياض: إضافة الظلّ إلى اللَّه تعالى إضافة ملك، وكلّ ظلّ فهو ملكه، كذا قال، وكان حقّه أن يقول: إضافة تشريف؛ ليحصل امتياز هذا على غيره، كما قيل للكعبة: بيت اللّه، مع أن المساجد كلها ملكه. وقيل: المراد بظله كرامته، وحمايته، كما يقال: فلان في ظل الملك، وهو قول عيسى بن دينار، وقَوّاه عياض. وقيل: المراد ظل عرشه، ويدل عليه حديث سلمان رګ عند سعيد بن منصور، بإسناد حسن: ((سبعة يظلهم اللّه في ظل عرشه ... )) فذكر الحديث، وإذا كان المراد ظل العرش، استلزم ما ذُكر من كونهم في كنف اللَّه، وكرامته، من غير عكس، فهو أرجح، وبه جزم القرطبي. قال الحافظ: ويؤيده أيضا تقييد ذلك بيوم القيامة، كما صرح به ابن المبارك في روايته عن عبيد الله بن عمر- يعني حديث الباب- وهو عند البخاريّ في ((كتاب الحدود)»، وبهذا يندفع قول من قال: المراد ظل طوبى، أو ظل الجنة؛ لأن ظلهما إنما يحصل لهم بعد الاستقرار في الجنة، ثم إِنَّ ذلك مشترك لجميع من يدخلها، والسياق يدل على امتياز أصحاب الخصال المذكورة، فيرجح أن المراد ظل العرش، وروى الترمذي وحسنه، من حديث أبي سعيد، مرفوعا: ((أحب الناس إلى الله يوم القيامة، وأقربهم منه مجلسا، إمام عادل)). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قد تبيّن مما ذُكر أن الصحيح كون المراد بقوله: ((إلا ظلّه)) ظل العرش؛ لأن خير ما فُسّر به الوارد هو الوارد، كما أشار إليه السيوطيّ في (ألفية الحديث)) بقوله: وَخَيْرُهُ مَا جَاءَ مِنْ طَرِيقِ اوْ عَنِ الصَحَابِيِّ وَرَاوٍ قَدْ حَكَوْا الأول: (إِمَامٌ عَادِلٌ) ولفظ البخاريّ: ((الإمام العادل)) بالتعريف، وهو اسم فاعل من ٢٠٥ ٢- (الإمامُ العادل) - حديث رقم ٥٣٨٢ العدل، وذكر ابن عبد البر، أن بعض الرواة عن مالك، رواه بلفظ: ((العدل))، قال: وهو أبلغ؛ لأنه جعل المسمى نفسه عدلا، والمراد به صاحب الولاية العظمى، ويلتحق به كل من وَلِيَ شيئا من أمور المسلمين، فعدل فيه، ويؤيده رواية مسلم، من حديث عبد الله بن عمرو، رفعه: ((إن المقسطين عند الله على منابر، من نور عن يمين الرحمن، الذين يعدلون في حكمهم، وأهليهم، وما وَلُوا))، وأحسن ما فُسِّر به العادل: أنه الذي يَتَبع أمر الله بوضع كل شيء في موضعه، من غير إفراط، ولا تفريط، وقدمه في الذكر؛ لعموم النفع به. (وَ) الثاني (شَابٌّ) خَصَّ الشاب؛ لكونه مظنة غلبة الشهوة؛ لما فيه من قوة الباعث على متابعة الهوى، فإن ملازمة العبادة، مع ذلك أشدُّ، وأدل على غلبة التقوى (نَشَأَ) أي نبت، وابتدأ، أي لم يكن له صبوة، وهو الذي قال فيه في الحديث الآخر: ((يعجب ربّك من صبيّ، ليست له صَبْوة))(١)، رواه أحمد ١٥١/٤ وإنما كان ذلك لغلبة التقوى التي بسببها ارتفعت الصبوة. انتهى ((المفهم)) ٧٥/٣. (فِي عِبَادَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ) ولفظ البخاريّ: ((في عبادة ربه))، وفي رواية الإمام أحمد، عن يحيى القطان: ((بعبادة اللَّه))، وهي رواية مسلم، وهما بمعنى، زاد حماد بن زيد، عن عبيد الله بن عمر: ((حتى توفي على ذلك))، أخرجه الجوزقي، وفي حديث سلمان رَّه: ((أفنى شبابه، ونشاطه في عبادة اللَّه)). (وَ) الثالث (رَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ) أي بقلبه من التذكر، أو بلسانه من الذكر (فِي خَلَاٍ) بفتح الخاء المعجمة، والمدّ: المكان الخالي. ولفظ البخاريّ: ((ورجلٌ ذكر اللَّه خاليًا))، قال في ((المفهم)): يعني خاليًا من الخلق. وقال في ((الفتح)): خاليا: أي من الخلق؛ لأنه يكون حينئذ أبعد من الرياء، والمراد خاليا من الالتفات إلى غير اللَّه تعالى، ولو كان في ملأ، ويؤيّده رواية البيهقيّ: ((ذكر اللَّه بين يديه))، ويؤيّد الأول رواية ابن المبارك(٢)، وحماد بن زيد: ((ذكر اللَّه في خلا)): أي في موضع خال، وهي أصحّ. انتهى. (فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ) أي فاضت الدموع من عينيه، وأسند الفيض إلى العين مبالغةً، كأنها هي التي فاضت، قال القرطبي: وفيض العين بكاؤها وهو على حَسَبِ حال الذاكر، وبحسب ما يكشف له، من أوصافه تعالى، فإن انكشف له غضبه، فبكاؤه عن خوف، وإن انكشف له جماله وجلاله، فبكاؤه عن محبّة وشوق، وهكذا يتلوّن بتلوّن ما يذكر من الأسماء والصفات. انتهى ((المفهم)) ٧٧/٣ . (١) رواه أحمد في ((مسنده)) ١٥١/٤ وفي إسناد ابن لهيعة، وهو ضعيف . (٢) رواية ابن المبارك هي التي ساقها المصنّف هنا . ٢٠٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَاب الْقُضَاةِ قال الحافظ: قد خص في بعض الروايات بالأول، ففي رواية حماد بن زيد عند الجوزقي: ((ففاضت عيناه من خشية الله))، ونحوه في رواية البيهقي، ويشهد له ما رواه الحاكم من حديث أنس بنزيمه ، مرفوعا: ((من ذكر الله، ففاضت عيناه من خشية الله، حتى يصيب الأرض من دموعه، لم يعذب يوم القيامة)). (وَ) الرابع (رَجُلٌ كَانَ قَلْبُهُ مُعَلَّقًا فِي الْمَسْجِدِ) أي يحبّ الكون فيها للصلاة، والذكر، وقراءة القرآن، وهذا إنما يكون ممن استغرقه حبّ الصلاة، والمحافظة عليها، وشُغِف بها. قاله في ((المفهم)) ٧٦/٣. ولفظ ((الصحيحين)): ((ورجلٌ قلبه مُعَلَّق في المساجد))، قال في ((الفتح)): وظاهره أنه من التعليق، كأنه شبهه بالشيء المعلق في المسجد، كالقنديل مثلا؛ إشارة إلى طول الملازمة بقلبه، وإن كان جسده خارجا عنه، ويدل عليه رواية الجوزقي: ((كأنما قلبه معلق في المسجد))، ويحتمل أن يكون من العَلاقة، وهي شدة الحب، ويدل عليه رواية أحمد: ((معلق بالمساجد))، وكذا رواية سلمان: ((من حبها))، ولفظ الحموي والمستملي: ((مُتَعَلْق)) بزيادة مثناة بعد المیم، وکسر اللام، زاد سلمان ((من حبها»، وزاد مالك «إذا خرج منه حتی یعود إليه)). (وَ) الخامس (رَجُلَانِ تَحَابًا) بتشديد الباء، وأصله تحابيا: أي اشتركا في جنس المحبة، وأحب كل منهما الآخر حقیقة، لا إظهارا فقط، ووقع في رواية حماد بن زيد: ((ورجلان قال كل منهما للآخر: إني أحبك في الله، فصدرا على ذلك))، ونحوه في حدیث سلمان. (فِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ) أي لأجل اللَّه عز وجل، لا لغرض دنيويّ، وكلمة ((في)) سببيّة. زاد في رواية الشيخين: ((اجتمعا على ذلك، وتفرقا عليه)»، في رواية لمسلم: ((اجتمعا عليه)): أي على الحب المذكور، والمراد أنهما داما على المحبة الدينية، ولم يقطعاها بعارض دنيوى، سواء اجتمعا حقيقة، أم لا، حتى فرق بينهما الموت. قاله في ((الفتح)). وقال القرطبيّ: أي داما على المحبّة الصادقة الدينيّة المبرأة عن الأغراض الدنيويّة، ولم يقطعاها بعارض في حال اجتماعهما، ولا حال افتراقهما. انتهى. ووقع في الجمع للحميدى: ((اجتمعا على خير))، قال الحافظ: ولم أر ذلك في شيء من نسخ ((الصحيحين))، ولا غيرهما من ((المستخرجات))، وهي عندي تحريف. [تنبيه]: عُدّت هذه الخصلة واحدة، مع أن متعاطيها اثنان؛ لأن المحبة لا تتم إلا باثنين، أو لما كان المتحابان بمعنى واحد، كان عد أحدهما مغنيا عن عد الآخر؛ لأن الغرض عد الخصال، لا عد جميع من اتصف بها. ٢٠٧ = ٢- (الإِمامُ العادل) - حديث رقم ٥٣٨٢ (وَ) السادس (رَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ، ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمالٍ) ((المنصب))- بكسر الصاد المهملة :: الأصل، أو الشرف، وفي رواية مالك: ((دعته ذات حسب))، وهو يطلق على الأصل، وعلى المال أيضا، وقد وصفها بأكمل الأوصاف، التي جرت العادة بمزيد الرغبة لمن تحصل فيه، وهو المنصب الذي يستلزمه الجاه والمال، مع الجمال، وقل من يجتمع ذلك فيها من النساء. قاله في ((الفتح)). وقال النوويّ: وخصّ ذات الجمال؛ لكثرة الرغبة فيها، وعسر حصولها، وهي جامعة للمنصب والجمال، لا سيما وهي إلى نفسها مع جمالها المنصب والجمال من أكمل المراتب، وأعظم الطاعات، فرتّب الله تعالى عليه أن يُظلّه، وذات المنصب هي ذات الحسب، والنسب الشريف. انتهى ((شرح مسلم)) ٧/ ١٢٢. (إِلَى نَفْسِهَا) وفي رواية البيهقى في «الشعب»، من طريق أبي صالح، عن أبى هريرة: ((فعرضت نفسها عليه))، والظاهر أنها دعته إلى الفاحشة، وبه جزم القرطبي، ولم يحك غيره، وقال بعضهم: يحتمل أن تكون دعته إلى التزوج بها، فخاف أن يشتغل عن العبادة بالافتتان بها، أو خاف أن لا يقوم بحقها؛ لشغله بالعبادة عن التكسب بما يليق بها، والأول أظهر، ويؤيده وجود الكناية في قوله: ((إلى نفسها))، ولو كان المراد التزويج لصرح به، والصبر عن الموصوفة بما ذُكر من أكمل المراتب؛ لكثرة الرغبة في مثلها، وعسر تحصيلها، لا سيما وقد أغنت من مشاق التوصل إليها بمراودة ونحوها. قاله في ((الفتح)). وقال النوويّ: ومعنى قوله: ((دعته)): أي دعته إلى الزنا بها، هذا هو الصواب في معناه، وذكر القاضي فيه احتمالين: أصحّهما هذا والثاني: أنه يحتمل أنها دعته لنكاحها، فخاف العجز عن القيام بحقّها، أو أن الخوف من اللَّه تعالى شغله عن لذّات الدنيا، وشهواتها. انتهى ((شرح مسلم)) ١٢٢/٧ ((كتاب الزكاة)). (فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ) زاد في رواية كريمة للبخاريّ: ((فقال: إني أخاف اللَّه رب العالمين)) والظاهر أنه يقول ذلك بلسانه، إما ليزجرها عن الفاحشة، أو ليعتذر إليها، ويحتمل أن يقوله بقلبه. قال القرطبي رحمه الله تعالى: وقول المدعوّ في مثل هذا: ((إني أخاف الله))، وامتناعه لذلك دليلٌ على عظيم معرفته باللّه تعالى، وشدّة خوفه من عقابه، ومتين تقواه، وحيائه من اللّه تعالى، وهذا هو المقام اليوسفيّ. انتهى ((المفهم)) ٧٦/٣. (وَ) السابع (رَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ) نَكْرها ليشمل كل ما يُتصدق به من قليل، وكثير، وظاهره أيضا يشمل المندوبة والمفروضة، لكن نقل النووي عن العلماء، أن إظهار ٢٠٨ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَاب الْقُضَاةِ المفروضة أولى من إخفائها. قاله في ((الفتح)). وقال القرطبيّ: هذه صدقة التطوّع في قول ابن عبّاس، وأكثر العلماء، وهو حضّ على الإخلاص في الأعمال، والتستّر بها، ويستوي في ذلك جميع أعمال البرّ التطوّعيّة، فأما الفرائض، فالأولى إشاعتها، وإظهارها؛ لتنحفظ قواعد الدين، ويجتمع الناس على العمل بها، فلا يضيع منها شيء، ويظهر بإظهارها جمال دين الإسلام، وتُعْلَم حدوده، وأحكامه، والإخلاص واجبٌ في جميع القُرَب، والرياء مفسدٌ لها. انتهى ((المفهم)) ٧٦/٣. (فَأَخْفَاهَا، حَتَّى لَا تَعْلَمَ) يجوز فيه الرفع، والنصب، على تقدير كونه حالًا، أو مستقبلًا، لأن (حتّى)) إذا وقع المضارع بعدها، فإن كان مستقبلًا، كقولك: سرتُ حتى أدخلُ البلد، وكان قولك قبل الدخول وجب رفعه، وإن قلته، وأنت داخل، أو بعد الدخول، وقصدت به حكاية تلك الحال وجب نصبه، وإلى ذلك أشار ابن مالك في (الخلاصة) حيث قال: وَتِلْوَ ((حَتَّى)) حَالَّاً اوْ مُؤَوَّلَا بِهِ ارْفَعَنَّ وَانْصِبِ الْمُسْتَقْبَلَا و((تعلم)) يحتمل الوجهين، فلذا جاز فيه وجهان. (شِمَالُهُ) مرفوع على الفاعليّة، وقوله: (مَا صَنَعَتْ يَمِينُهُ) منصوب على المفعوليّة، وإنما ذكر اليمين، والشمال؛ للمبالغة في الإخفاء، والإسرار بالصدقة، وضرب المثل بهما لقرب اليمين من الشمال، ولملازمتهما، ومعناه: لو قُدّرت الشمال رجلاً متيقظًا لَمَا عَلِمَ صدقة اليمين لمبالغته في الإخفاء. وقيل: المراد مَن على شماله من الناس. قاله العينيّ في ((العمدة)) ٣٥٣/٤ . وقال القرطبيّ: هذا مبالغة في إخفاء الصدقة، وقد سمعنا من بعض المشايخ أن ذلك أن يتصدّق على الضعيف في صورة المشتري منه، فيدفع له درهمًا مثلًا في شيء يُساوي نصف درهم، فالصورة مبايعة، والحقيقة صدقة، وهو اعتبارٌ حسن. انتهى ((المفهم)) ٧٧/٣ . وقال في ((الفتح)): المقصود منه المبالغة في إخفاء الصدقة، بحيث إن شماله مع قربها من يمينه، وتلازمهما لو تصور أنها تعلم لَمَا علمت ما فعلت اليمين؛ لشدة إخفائها، فهو على هذا من مجاز التشبيه، ويؤيده رواية حماد بن زيد عند الجوزقي: ((تصدق بصدقة، كأنما أخفى يمينه من شماله)). ويحتمل أن يكون من مجاز الحذف، والتقدير: حتى لا يعلم ملك شماله، وأَبعَدَ من زَعَمَ أن المراد بشماله نفسه، وأنه من تسمية الكل باسم الجزء، فإنه ينحل إلى أن نفسه لا تعلم ما تنفق نفسه. وقيل: هو من مجاز الحذف، والمراد بشماله مَنْ على شماله من الناس، كأنه قال مجاور شماله. وقيل: المراد أنه لا ٢٠٩ _ ٢- (الإمامُ العادل) - حديث رقم ٥٣٨٢ يرائى بصدقته، فلا يكتبها كاتب الشمال. وحكى القرطبي عن بعض مشايخه أن معناه أن يتصدق على الضعيف المكتسب في صورة الشراء لترويج سلعته أو رفع قيمتها واستحسنه، وفيه نظر، إن كان أراد أن هذه الصورة مراد الحديث خاصة، وإن أراد أن هذا من صور الصدقة المخفية فمسلم. والله أعلم. انتهى ((فتح)) ٣٦٦/٢. [تنبيه]: وقع في رواية لمسلم ((حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله))، وهو وهم، سيأتي بيانه في المسألة الرابعة، إن شاء اللّه تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة تَظّه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٢/ ٥٣٨٢- وفي ((الكبرى)) ٥٩٢١/٣. وأخرجه (خ) في ((الأذان)) ٦٦٠ و(الزكاة)) ١٤٢٣ و((الرقاق)) ٦٤٧٩ و((الحدود)) ٦٨٠٦ (م) في ((الزكاة)) ١٠٣١ (ت) في ((الزهد)» ٢٣٩١ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)» ٩٣٧٣ (الموطأ) في ((الجامع)» ١٧٧٧. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه اللّه تعالى، وهو بيان فضل الإمام العادل. (ومنها): فضل من سلم من الذنوب، واشتغل بطاعة ربّه طول عمره. (ومنها): الحثّ على التحابّ في اللَّه عز وجل، وبيان عظيم فضله، وهو من المهمّات، فإن الحبّ في اللَّه، والبغض في الله من الإيمان، وهو بحمد الله تعالى كثير، يوفّق له أكثر الناس، أو من وُفْق له. قاله النوويّ. (ومنها): فضل صدقة السرّ، قال الله عز وجل: ﴿وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا اُلْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١]. (ومنها): فضلية البكاء من خشية الله سبحانه وتعالى، وفضل طاعة السرّ؛ لكمال الإخلاص فيها. (ومنها): فضيلة ملازمة المسجد للصلاة فيها مع الجماعة؛ لأن المسجد بيت الله، وحقيق على المزور أن يكرم زائره، فكيف بأكرم الأكرمين. (ومنها): فضيلة الخوف من الله سبحانه وتعالى، قال الله عز وجل: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ، وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْمُوَّ (٣٥) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤٠-٤١]، وقال عز وجل: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِهِ جََّانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]. (ومنها): فضيلة ذكر الله عز وجل في الخلوات، مع فيضان الدمع من عينيه، فقد أخرج أحمد، والترمذيّ، والنسائيّ، والحاکم بإسناد صحيح، من حديث ٢١٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَابِ الْقُضَاةِ أبي هريرة رَّ، مرفوعًا: ((لا يلج النار رجلٌ بكى من خشية الله، حتى يعود اللبن في الضرع، ولا يجتمع غبار في سبيل اللَّه، ودخان جهنّم في منخري مسلم أبدًا». وبالجملة فالحديث عظيم الفائدة، جسيم العائدة، قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: هذا الحديث جدير بأن يُنْعَم فيه النظر، ويُستخرج ما فيه من اللطائف، والعِبَر، والله الموقّق الملهم. انتهى ((المفهم)) ٧٧/٣. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف الرواية في قوله: ((حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه))، كما هو عند الشیخین: قال في ((الفتح)): هكذا وقع في معظم الروايات في هذا الحديث في البخاري وغيره، ووقع في ((صحيح مسلم)) مقلوبا: ((حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله))، وهو نوع من أنواع علوم الحديث، أغفله ابن الصلاح، وإن كان أفرد نوع المقلوب، لكنه قصره على ما يقع في الإسناد، ونبه عليه شيخنا- يعني البلقينيّ- في ((محاسن الاصطلاح))، ومثل له بحديث: ((إن ابن أم مكتوم يؤذن بليل))، وقد قدمنا الكلام عليه في ((كتاب الأذان))، وقال شيخنا: ينبغي أن يسمى هذا النوع المعكوس. انتهى. قال الحافظ: والأولى تسميته مقلوبا، فيكون المقلوب تارة في الإسناد، وتارة في المتن كما قالوه في المدرج سواء، وقد سماه بعض من تقدم مقلوبا، قال عياض: هكذا في جميع النسخ التي وصلت إلينا من ((صحيح مسلم))، وهو مقلوب، والصواب الأول، وهو وجه الكلام؛ لأن السنة المعهودة في الصدقة إعطاؤها باليمين، وقد ترجم عليه البخاري في ((الزكاة))- ((باب الصدقة باليمين))، قال: ويشبه أن يكون الوهم فيه ممن دون مسلم، بدليل قوله في رواية مالك، لَمّا أوردها عقب رواية عبد الله بن عمر، فقال بمثل حديث عبيد الله، فلو كانت بينهما مخالفة لبينها، كما نبه على الزيادة في قوله: ((ورجل قلبه معلق بالمسجد، إذا خرج منه حتى يعود إليه)). انتهى. قال الحافظ: وليس الوهم فيه ممن دون مسلم، ولا منه، بل هو من شيخه، أو من شیخ شیخه یحیی القطان، فإن مسلما أخرجه، عن زهير بن حرب، وابن نمير كلاهما عن يحيى، وأشعر سياقه بأن اللفظ لزهير، وكذا أخرجه أبو يعلى في ((مسنده)) عن زهير، وأخرجه الجوزقى في ((مستخرجه)) عن أبي حامد بن الشرقي، عن عبد الرحمن ابن بشر بن الحكم، عن يحيى القطان كذلك، وعَقْبَه بأن قال: سمعت أبا حامد بن الشرقي يقول: يحيى القطان عندنا واهم في هذا، إنما هو: ((حتى لا تعلم شماله ما تنفق یمینه)) . ٢١١ ٣- (الإصابةُ فِي الْحُكْم) - حديث رقم ٥٣٨٣ قال الحافظ: والجزم بكون يحيى هو الواهم فيه نظر؛ لأن الإمام أحمد، قد رواه عنه على الصواب، وكذلك أخرجه البخاري هنا، عن محمد بن بشار، وفي ((الزكاة)) عن مسدد، وكذا أخرجه الإسماعيلي، من طريق يعقوب الدَّوْرقي، وحفص بن عمر، وكلهم عن يحيى، وكأن أبا حامد لَمّا رأى عبد الرحمن، قد تابع زهيرا، ترجح عنده أن الوهم من يحيى، وهو محتمل بأن يكون منه لَمّا حدث به هذين خاصة، مع احتمال أن يكون الوهم منهما تواردا عليه. وقد تكلف بعض المتأخرين توجيه هذه الرواية المقلوبة، وليس بجيد؛ لأن المخرج مُتّحد، ولم يختلف فیه علی عبيد الله بن عمر، شیخ یحیی فیه، ولا علی شیخه خبيب، ولا علی مالك رفیق عبيد الله بن عمر فیه. وأما استدلال عياض على أن الوهم فيه ممن دون مسلم بقوله في رواية مالك: مثل عبيد الله، فقد عكسه غيره، فواخذ مسلما بقوله: مثل عبيد اللَّه؛ لكونهما ليستا متساويتين، والذي يظهر أن مسلما لا يقصر لفظ المثل على المساوى في جميع اللفظ والترتيب، بل هو في المعظم، إذا تساويا في المعنى، والمعنى المقصود من هذا الموضع، إنما هو إخفاء الصدقة. والله أعلم. انتهى ((فتح)) ٣٦٥/٢. ((كتاب الأذان)) وهو بحث نفيس. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)) . ٣- (الإِصَابَةُ فِي الْحُكْم) أي باب ذكر الحديث الدّالّ على فضل الإصابة في الحكم. و ((الحكم))- بضمّ، فسكون: القضاء، وأصله: المنع، يقال: حكمتُ عليه بكذا: إذا منعته من خلافه، فلم يَقدِر على الخروج من ذلك، وحكمتُ بين القوم: فصلت بينهم، فأنا حاكمن، وحَكَم- بفتحتين-، والجمع: حُكّام، وحُكامون. أفاده في ((المصباح)). وقال في ((الفتح)) ٣/١٥: الحكم الشرعيّ عند الأصوليين: خطاب الله تعالى المتعلّق بأفعال المكلّفين بالاقتضاء، أو التخيير، ومادة الحكم من الإحكام، وهو الإتقان للشيء، ومنعه من العيب. انتهى. ٢١٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَابِ الْقُضَاةِ قال الجامع عفا الله تعالى عنه: آثر المصنف رحمه الله تعالى في هذه الترجمة الإصابة في الحكم فقط؛ لأنها التي لها ثبت الأجر، بخلاف الخطإ، فإنه لا أجر فيه، وإنما الأجر في الاجتهاد، وقد ترجم الإمام البخاريّ رحمه اللّه تعالى في ((صحيحه)) بما يشمل الحالين، نظرًا لكون الخطإ مغفورًا، فقال: ((باب أجر الحاكم، إذا اجتهد فأصاب، أو أخطأ)))): قال في ((الفتح)) ٢٥٧/١٥-٢٥٨: يشير به إلى أنه لا يلزم من رد حكمه، أو فتواه إذا اجتهد فأخطأ، أن يأثم بذلك، بل إذا بذل وسعه أَجِر، فإن أصاب ضوعف أجره، لكن لو أقدم فحكم، أو أفتى بغير علم، لحقه الإثم، كما تقدمت الإشارة اليه، قال ابن المنذر: وانما يؤجر الحاكم إذا أخطأ، إذا كان عالما بالاجتهاد فاجتهد، وأما إذا لم يكن عالما فلا، واستدل بحديث: ((القضاة ثلاثة)) وفيه: ((وقاض قضى بغير حق فهو في النار، وقاض قضى، وهو لا يعلم فهو في النار))، وهو حديث أخرجه أصحاب (السنن))، عن بريدة ت بألفاظ مختلفة، قال الحافظ: وقد جمعت طرقه في جزء مفرد، ويؤيد حديث الباب ما وقع في قصة سليمان في حكم داود عليهما الصلاة والسلام في أصحاب الحرث. وقال الخطابي في ((معالم السنن)): إنما يؤجر المجتهد إذا كان جامعا لآلة الاجتهاد، فهو الذي نعذره بالخطإ، بخلاف المتكلف فيخاف عليه الإثم، وإنما يؤجر العالم؛ لأن اجتهاده في طلب الحق عبادة، هذا إذا أصاب، وأما إذا أخطأ فلا يؤجر على الخطإ، بل يوضع عنه الإثم فقط، كذا قال، وكأنه يرى أن قوله: ((فله أجر واحد» مجاز عن وضع الإثم. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب. ٥٣٨٣- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا(١) مَعْمَرٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ يَخْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْم، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ، فَاجْتَهَدُ، فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانٍ، وَإِذَا اجْتَهَدَ، فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ))). ١- (إسحاق بن منصور) الكوسج المروزيّ، ثقة ثبت [١١] ٨٨/٧٢ . ٢- (عبد الرّزاق) بن همّام الصنعانيّ، ثقة حافظ، عمي في آخره، فتغير حفظه، وكان يتشيّع [٩] ٦١ / ٧٧ . ٣- (معمر) بن راشد، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقة ثبت [٧] ١٠/١٠. (١) وفي نسخة: ((أخبرنا)). ٢١٣ ٣- (الإصابةُ فِي الْحُكْم) - حديث رقم ٥٣٨٣ ٤- (سفيان) بن سعيد الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقة ثبت [٧] ٣٧/٣٣ . ٥- (يحيى بن سعيد) بن قيس الأنصاريّ المدنيّ القاضي الفقيه، ثقة ثبت [٥] ٢٢/ ٢٣ . ٦- (أبو بَكْرِ بن مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْن حَزْم) الأنصاريّ النجاريّ المدنيّ القاضي، اسمه كنيته، وقيل: غير ذلك، ثقة عابد [٥] ١٦٣/١٢٨ . [تنبيه]: وقع في نسخ ((المجتبى)): ((أبو بكر محمد بن عمرو بن حزم)) بإسقاط لفظة ((ابن)) بين ((أبي بكر)) وبين ((محمد))، وهو غلط، والصواب إثباتها، وقد أُلحقت في النسخة الهندية بخط مغاير لخطّ الأصل، وهو الصواب، كما ذكرناه آنفًا. والله تعالى أعلم. ٧- (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الفقيه المدنيّ، ثقة ثبت [٣] ١/١. ٨- (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه ١/١ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من ثمانيّات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من يحيى بن سعيد. (ومنها): أن فيه ثلاثة من ثقات التابعين المدنيّين، يروي بعضهم عن بعض: يحيى، عن أبي بكر، عن أبي سلمة، وفيه أبو بكر، وأبو سلمة، وأبو هريرة ممن اشتهر بكنيته، حتى قيل في الأولين، لا اسم لهما غير الكنية، وفيه أبو سلمة أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة على بعض الأقوال، وفيه أبو هريرة تظنّ أكثر من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَِِّ، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ) أي أراد أن یحکم. قال القرطبيّ رحمه اللّه تعالى: كذا وقع هذا اللفظ في ((كتاب مسلم)): ((إذا حكم، فاجتهد))، فبدأ بالحكم قبل الاجتهاد، والأمر بالعكس، فإن الاجتهاد مقدّم على الحكم؛ إذ لا يجوز الحكم قبل الاجتهاد بالإجماع، ووجه مساق هذا اللفظ أن قوله: (إذا حكم)): معناه: إذا أراد أن يحكم، فعند ذلك يجتهد في النازلة، ويُفيد هذا صحّة ما قاله الأصوليّون: إن المجتهد يجب عليه أن يُجدّد نظرًا عند وقوع النازلة، ولا يعتمد على اجتهاده المتقدّم؛ لإمكان أن يظهر له ثانيًا خلاف ما ظهر له أوّلًا، اللَّهمّ إلا أن ٢١٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَابِ الْقُضَاةِ يكون ذاكرًا لأركان اجتهاده، مائلاً إليه، فلا يحتاج إلى استئناف نظر في إمارة أخرى. انتهى. ((المفهم)) ١٦٦/٥-١٦٧. وقال في ((الفتح)) ٢٥٨/١٥ بعد أن ذكر كلام القرطبيّ: ويحتمل أن تكون الفاء تفسريّة، لا تعقيبيّةً. انتهى. (فَاجْتَهَدَ) أي بذل وسعه وطاقته في طلب الحقّ؛ ليبلغ مجهوده، ويَصِل إلى نهايته، والجهد بالضمّ في الحجاز، وبالفتح في غيرهم: الوسع والطاقة. وقيل: المضموم: الطاقة، والمفتوح المشقّة، والجهد بالفتح، لا غير: النهاية، والغاية، وهو مصدرٌ من جهد في الأمر جَهْدًا، من باب نفع: إذا طلب حتى بلغ غايته في الطلب، وجهده الأمرُ والمرضُ جهدًا أيضًا: إذا بلغ منه المشقّة. قاله الفيّوميّ. (فَأَصَابَ) أي صادف ما في نفس الأمر من حكم الله تعالى، يقال: أصاب بغيته إصابةً: نالها، وأصاب السهمُ إصابةً: وصل الغرَضَ، وفيه لغتان أُخريان: إحداهما: صابه صوبًا، من باب قال، والثانية: يصيبهِ صَيْبًا، من باب باع. (فَلَهُ أَجْرَانٍ) أي أجر الاجتهاد، وأجر الإصابة (وَإِذَا اجْتَهَدَ، فَأَخْطَأَ) أي ظنّ أن الحقّ في جهة، فصادف أن الذي في نفس الأمر بخلاف ذلك (فَلَهُ أَجْرٌ) أي أجر اجتهاده فقط. وقال القرطبيّ: قوله: ((فأصاب)): أي حكم، فأصاب وجه الحكم، وهو أن يحكم بالحقّ لمستحقّه في نفس الأمر عند الله تعالى، فهذا يكون له أجر بحسب اجتهاده، وأجر بسبب إصابة ما هو المقصود لنفسه، والخطأ الذي يناقض هذا هو أن يجتهد في حجج الخصمين، فيظنّ أن الحقّ لأحدهما، وذلك بحسب ما سمع من كلامه وحجته، فيقضي له، وليس كذلك عند اللَّه تعالى، فهذا له أجر اجتهاده خاصّةً؛ إذ لا إصابة، وهذا المعنى هو الذي أراده النبيّ وَّل بقوله: ((فلعلّ بعضكم أن يكون ألحن بحجّته من بعض، فأقضي له على حسب ما أسمع))، وفي الأخرى: ((فأحسب أنه صادق، فأقضي له))، وهذا في الحاكم بين الخصوم واضحٌ؛ لأن هناك حقًّا معيّنًا عند الله تعالى، تنازعه الخصمان؛ لأن أحد الخصمين مُبطلٌ قطعًا؛ لأنهما تقاسما الصدق والكذب، فمتى صدق أحدهما كذب الآخر، والحاكم إنما يجتهد في تعيين الحقّ، فقد يصيبه، وقد يُخطئه، وعلى هذا فلا ينبغي أن يُختَلَف هنا في أن المصيب واحدٌ، وأن الحقّ في طرف واحد، وإنما ينبغي أن يختصّ الخلاف بالمجتهد في استخراج الأحكام من أدلة الشريعة؛ بناءً على الخلاف في أن النوازل غير المنصوص عليها، هل للّه تعالى فيها أحكام معيّنة، أم لا؟، وللمسألة غور، وفيها أبحاث، استوفيناها في كتابنا في الأصول. انتهى كلام القرطبيّ ((المفهم)) ١٦٧/٥. [تنبيه]: ذُكر لحديث الباب سببٌ، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله ٢١٥ = ٣- (الإصابةُ فِي الْحُكْم) - حديث رقم ٥٣٨٣ تعالى عنهما، عن أبيه، قال: جاء رجلان إلى رسول اللّه وَ له يختصمان، فقال لعمرو: ((اقض بينهما يا عمرو))، قال: أنت أولى بذلك مني يا رسول الله، قال: ((وإن كان))، قال: ((فإذا قضيتُ بينهما فمالي))، فذكر نحوه، لكن قال في الإصابة: ((فلك عشر حسنات))، وعن عقبة بن عامر تعظمفيه نحوه بغير قصة بلفظ: ((فلك عشرة أجور))، وفي سند كل منهما ضعف. أفاده في ((الفتح)) ٢٥٨/١٥ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة وظفيه هذا متفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٥٣٨٣/٣- وفي ((الكبرى)) ٥٩٢٠/٣. وأخرجه (خ) في ((الاعتصام بالكتاب والسنّة)) ٧٣٥٢ (م) في ((الأقضية)) ١٧١٦ (د) في ((الأقضية)) ٣٥٧٤ و((الأدب)) ٤٩٥٥ (ت) في ((الأحكام)) ١٣٢٦ (ق) في ((الأحكام)) ٢٣١٤ (أحمد) في ((مسند الشاميين)) ١٧٣٢٠ و١٧٣٦٠ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه اللّه تعالى، وهو بيان فضل الإصابة في الحكم، وهو أنه يستحقّ أجرين، أجرًا على اجتهاده، وأجرًا على إصابته الحقّ. (ومنها): ما قاله النوويّ في ((شرح مسلم)) ١٤/١٢: قال العلماء: أجمع المسلمون على أن هذا الحديث في حاكم عالم أهل للحكم، فإن أصاب فله أجر باجتهاده، وأجر بإصابته، وإن أخطأ فله أجر باجتهاده، وفي الحديث محذوف، تقديره: إذا أراد الحاكم فاجتهد، قالوا فأما من ليس بأهل للحكم، فلا يحل له الحكم، فإن حكم فلا أجر له، بل هو آثم، ولا ينفذ حكمه، سواء وافق الحق أم لا؛ لأن إصابته اتفاقيّة، ليست صادرة عن أصل شرعي، فهو عاص في جميع أحكامه، سواء وافق الصواب أم لا، وهي مردودة كلها، ولا يُعذَر في شئ من ذلك، وقد جاء في الحديث في ((السنن)): ((القضاة ثلاثة: قاض في الجنة، واثنان في النار: قاض عرف الحق، فقضى به، فهو في الجنة، وقاض عرف الحق فقضى بخلافه، فهو في النار، وقاض قضى على جهل، فهو في النار)). (ومنها): ما قال ابن العربيّ رحمه اللّه تعالى: عندي في هذا الحديث فائدة زائدة حاموا عليها، فلم يسقوا، وهي: أن الأجر على العمل القاصر على العامل واحد، والأجر على العمل المتعدي يضاعف، فإنه يؤجر في نفسه، وينجر له كل ما يتعلق بغيره ٢١٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَاب الْقُضَاةِ من جنسه، فإذا قضى بالحق، وأعطاه لمستحقه، ثبت له أجر اجتهاده، وجرى له مثل أجر مستحق الحق، فلو كان أحد الخصمين ألحن بحجته من الآخر، فقضى له والحق في نفس الأمر لغيره، كان له أجر الاجتهاد فقط، ولا يؤاخذ بإعطاء الحق لغير مستحقه؛ لأنه لم يتعمد ذلك، بل وزر المحكوم له قاصر عليه، ولا يخفى أن محل ذلك أن يبذل وسعه في الاجتهاد، وهو من أهله، وإلا فقد يلحق به الوزر، إن أخَلّ بذلك. انتهى كلام ابن العربيّ بزيادة من كلام الحافظ في ((الفتح)) ٢٦٠ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في بيان شروط المجتهد: قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: يشترط في القاضي ثلاثة شروط: [أحدها]: الكمال وهو نوعان: كمال الأحكام، وكمال الخلقة: أما كمال الأحكام فيعتبر في أربعة أشياء: أن يكون بالغا عاقلا حرا ذكرا، وحكي عن ابن جرير أنه لا تشترط الذكورية، لأن المرأة يجوز أن تكون مفتية، فيجوز أن تكون قاضية، وقال أبو حنيفة: يجوز أن تكون قاضية في غير الحدود؛ لأنه يجوز أن تكون شاهدة فيه، ولنا قول النبي وَلفيه: ((ما أفلح قوم وَلَّوا أمرهم امرأة))، ولأن القاضي يحضره محافل الخصوم والرجال، ويحتاج فيه إلى كمال الرأي، وتمام العقل والفطنة، والمرأة ناقصة العقل قليلة الرأي، ليست أهلا للحضور في محافل الرجال، ولا تقبل شهادتها، ولو كان معها ألف امرأة مثلها، ما لم يكن معهن رجل، وقد نبه الله تعالى على ضلالهن ونسيانهن، بقوله تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَثُهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢] ولا تصلح للإمامة العظمى، ولا لتولية البلدان، ولهذا لم يُوَلّ النبي ◌َّ، ولا أحد من خلفائه، ولا من بعدهم امرأة قضاء، ولا ولاية بلد فيما بلغنا، ولو جاز ذلك لم يخل منه جميع الزمان غالبا. وأما كمال الخلقة: فأن يكون متكلما، سميعا، بصيرًا؛ لأن الأخرس لا يمكنه النطق بالحكم، ولا يفهم جميع الناس إشارته، والأصم لا يسمع قول الخصمين، والأعمى لا يعرف المدعي من المدعى عليه، والمقر له من المقر، والشاهد من المشهود له. وقال بعض أصحاب الشافعي: يجوز أن يكون أعمى؛ لأن شعيبافِى الَّلامُ كان أعمى، ولهم في الأخرس الذي تفهم إشارته وجهان. ولنا أن هذه الحواس تؤثر في الشهادة، فيمنع فقدها ولاية القضاء كالسمع، وهذا لأن منصب الشهادة دون منصب القضاء، والشاهد يشهد في أشياء يسيرة، يحتاج إليها فيها، وربما أحاط بحقيقة علمها، والقاضي ولايته عامة، ويحكم في قضايا الناس عامة، فإذا لم يقبل منه الشهادة، فالقضاء أولى، وما ٢١٧ ٣- (الإِصَابةُ فِي الْحُكْم) - حديث رقم ٥٣٨٣ ذكروه عن شعيب ◌َ لَّثْلُ فلا نسلم فيه فإنه لم يثبت أنه كان أعمى، ولو ثبت فيه ذلك، فلا يلزم ههنا، فإن شعيبا عليه السلام كان من آمن معه من الناس قليلا، وربما لا يحتاجون إلى حكم بينهم؛ لقلتهم، وتناصفهم فلا يكون حجة في مسألتنا. [الشرط الثاني]: العدالة فلا يجوز تولية فاسق، ولا من فيه نقص يمنع الشهادة، وحُكي عن الأصم أنه قال: يجوز أن يكون القاضي فاسقا؛ لما رُوي عن النبي وَّ أنه قال: ((سيكون بعدي أمراء، يؤخرون الصلاة عن أوقاتها، فصلوها لوقتها، واجعلوا صلاتکم معهم سبحة)). ولنا قول الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَّبَلٍ فَتَبَيِّواْ﴾ [الحجرات: ٦]، فأمر بالتبين عند قول الفاسق، ولا يجوز أن يكون الحاكم ممن لا يقبل قوله، ويجب التبين عند حكمه، ولأن الفاسق لا يجوز أن يكون شاهدا، فلئلا يكون قاضيا أولى، فأما الخبر فأخبر بوقوع كونهم أمراء، لا بمشروعيته، والنزاع في صحة توليته، لا في وجودها . [الشرط الثالث]: أن يكون من أهل الاجتهاد، وبهذا قال مالك، والشافعي، وبعض الحنفية، وقال بعضهم: يجوز أن يكون عاميا، فيحكم بالتقليد؛ لأن الغرض منه فصل الخصائم، فإذا أمكنه ذلك بالتقليد جاز، كما يحكم بقول المقوّمين. ولنا قول الله تعالى: ﴿وَأَنِ أَعْكُمْ بَيْنَهُم بِمَّ أَنَزَلَ اَللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] ولم يقل بالتقليد، وقال: ﴿لِتَحْكُمَ بَيِّنَ النَّاسِ بِمَآ أَرَنِكَ اَللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥]، وقال: ﴿فَإِن تَنَزَعْثُمْ فِ شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، ورَوَى بُريدة، عن رسول اللّه وَ ل أنه قال: ((القضاة ثلاثة: اثنان في النار، وواحد في الجنة: رجل علم الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار، ورجل جار في الحكم فهو في النار))، حديث صحيح، رواه أبو داود، وابن ماجه، والعامي يقضي على جهل، ولأن الحكم آكد من الفتيا؛ لأنه فتيا وإلزام، ثم المفتي لا يجوز أن يكون عاميا مقلدا فالحكم أولى. [فإن قيل]: فالمفتي يجوز أن يخبر بما سمع. [قلنا]: نعم إلا أنه لا يكون مفتيا في تلك الحال، وإنما هو مخبر، فيحتاج أن يخبر عن رجل بعينه، من أهل الاجتهاد، فيكون معمولا بخبره، لا بفتياه، ويخالف قول معرفته المقولين؛ لأن ذلك لا يمكن الحاكم معرفته بنفسه، بخلاف الحكم. إذا ثبت هذا فمن شرط الاجتهاد معرفة ستة أشياء: الكتاب، والسنة، والإجماع، والاختلاف، والقياس، ولسان العرب: أما الكتاب فيحتاج أن يعرف منه عشر أشياء: الخاص والعام، والمطلق والمقيد، ٢١٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَابِ الْقُضَاةِ والمحكم والمتشابه، والمجمل والمفسر، والناسخ والمنسوخ، في الآيات المتعلقة بالأحكام، وذلك نحو خمسمائة، ولا يلزمه معرفة سائر القرآن. أما السنة فيحتاج إلى معرفته ما يتعلق منها بالأحكام، دون سائر الأخبار، من ذكر الجنة والنار والرقائق، ويحتاج أن يعرف منها ما يعرف من الكتاب، ويزيد معرفة التواتر والآحاد، والمرسل والمتصل، والمسند والمنقطع، والصحيح والضعيف، ويحتاج إلى معرفة ما أجمع عليه وما اختلف فيه، ومعرفة القياس وشروطه، وأنواعه، وكيفية استنباطه الأحكام، ومعرفة لسان العرب فيما يتعلق بما ذكرنا؛ ليتعرف به استنباط الأحكام من أصناف علوم الكتاب والسنة، وقد نص أحمد على اشتراط ذلك للفتيا والحكم في معناه. [فإن قيل]: هذه شروط لا تجتمع فكيف يجوز اشتراطها؟. [قلنا]: ليس من شرطه أن يكون محيطا بهذه العلوم إحاطة تجمع أقصاها، وإنما يحتاج إلى أن يعرف من ذلك ما يتعلق بالأحكام، من الكتاب والسنة ولسان العرب، ولا أن يحيط بجميع الأخبار الواردة في هذا، فقد كان أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنهما خليفتا رسول اللّه وَله، ووزيراه، وخير الناس بعده في حال إمامتهما يُسأن لان عن الحكم فلا يعرفان ما فيه من السنة، يَسألا الناس فيُخْبَران، فسئل أبو بكر عن ميراث الجدة، فقال مالك في كتاب اللّه شيء، ولا أعلم لك في سنة رسول اللّه وَلير شيئا، ولكن ارجعي حتى أسأل الناس، ثم قام، فقال: أنشد الله من يعلم قضاء رسول اللَّه وَّر في الجدة، فقام المغيرة بن شعبة، فقال: أشهد أن رسول اللَّه وَالتي أعطاها السدس. وسأل عمر عن إملاص المرأة، فأخبره المغيرة بن شعبة، أن النبي بَّر قضى فيه بغرة. ولا يشترط معرفة المسائل التي فرعها المجتهدون في كتبهم، فإن هذه فروع فَرّعها الفقهاء بعد حيازة منصب الاجتهاد، فلا تكون شرطا له، وهو سابق عليها، وليس من شرط الاجتهاد في مسألة أن يكون مجتهدا في كل المسائل، بل من عرف أدلة مسألة، وما يتعلق بها فهو مجتهد فيها، وإن جهل غيرها كمن يعرف الفرائض وأصولها، ليس من شرط اجتهاده فيها معرفته بالبيع، ولذلك ما من إمام إلا وقد توقف في مسائل، وقيل: من يجيب في كل مسألة فهو مجنون، وإذا ترك العالم ((لا أدري)) أصيبت مقاتله. وحُكي أن مالكا سئل عن أربعين مسألة، فقال في ست وثلاثين منها: لا أدري، ولم يُخرِجه ذلك عن كونه مجتهدا، وإنما المعتبر أصول هذه الأمور، وهو مجموع مدون في فروع الفقه وأصوله، فمن عرف ذلك، ورزق فهمه، كان مجتهدا، له الفتيا، وولاية الحكم إذا وليه، والله أعلم. انتهى («المغني)) ١٢/١٤-١٦ وهو بحث نفيس جدًّا. والله تعالى أعلم. ٢١٩= ٣- (الإِصَّابةُ فِي الْحُكْم) - حديث رقم ٥٣٨٣ قال الشوكانيّ رحمه الله تعالى: قال أبو علي الكرابيسي، صاحب الشافعي، في ((كتاب أدب القضاء)) له: لا أعلم بين العلماء ممن سلف خلافا، أن أحق الناس أن يقضي بین المسلمین من بان فضله، وصدقه، وعلمه، وورعه، وأن یکون عارفا بکتاب اللَّه، عالما بأكثر أحكامه، عالما بسنن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حافظا لأكثرها، وكذا أقوال الصحابة، عالما بالوفاق والخلاف، وأقوال فقهاء التابعين، يَعرف الصحيح من السقيم يتتبع النوازل من الكتاب، فإن لم يجد ففي السنة، فإن لم يجد عَمِل بما اتفق عليه الصحابة، فإن اختلفوا فما وجده أشبه بالقرآن، ثم بالسنة، ثم بفتوى أكابر الصحابة عمل به، ويكون كثير المذاكرة مع أهل العلم، والمشاورة لهم، مع فضل، وورع، ويكون حافظا للسانه ونطقه وفرجه، فهما لكلام الخصوم، ثم لا بد أن يكون عاقلا، مائلا عن الهوى، ثم قال: وهذا وإن كنا نعلم أنه ليس على وجه الأرض أحد يجمع هذه الصفات، ولكن يجب أن يُطلب من أهل كل زمان أكملهم وأفضلهم. وقال المهلب: لا يكفي في استحباب القضاء أن يرى نفسه أهلا لذلك، بل أن يراه الناس أهلا له. وقال ابن حبيب، عن مالك: لا بد أن يكون القاضي عالما عاقلا، قال ابن حبيب: فإن لم يكن عِلمٌ فعقل وورع؛ لأنه بالورع يقف، وبالعقل يسأل، وهو إذا طلب العلم وجده، فإذا طلب العقل لم يجده. انتهى. وتعقّبه الشوكانيّ، قائلًا: ماذا يصنع الجاهل العاقل عند ورود مشكلات المسائل، وغاية ما يفيده العقل التوقف عند كل خصومة ترد عليه، وملازمة سؤال أهل العلم عنها، والأخذ بأقوالهم، مع عدم المعرفة لحقها من باطلها، وما بهذا أمر الله عباده، فإنه أمر الحاكم أن يحكم بالحق، وبالعدل، وبالقسط، وبما أنزل، ومن أين لمثل هذا العاقل العاطل عن حلية الدلائل، أن يعرف حقية هذه الأمور؟ بل من أين له أن يتعقل الحجة إذا جاءته من كتاب أو سنة، حتى يحكم بمدلولها؟ ثم قد عُرف اختلاف طبقات أهل العلم في الكمال والقصور، والإنصاف والاعتساف، والتثبت والاستعجال، والطيش والوقار، والتعويل على الدليل، والقنوع بالتقليد، فمن أين لهذا الجاهل العاقل معرفة العالي من السافل، حتى يأخذ عنه أحكامه، وينيط به حَلَّه وإبرامه؟ فهذا شيء لا يُعرف بالعقل، باتفاق العقلاء، فما حالُ هذا القاضي إلا كحال من قال فيه من قال: كَبَهِيمَةٍ عَمْيَاءَ تَادَ زِمَامَهَا أَعْمَى عَلَى عِوَجِ الطَّرِيقَ الْخَائِرِ انتهى («نيل الأوطار)) ٢٧٦/٨-٢٧٧. وهو تحقيق حسن جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في هل كلّ مجتهد مصيبٌ؟: ٢٢٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَاب الْقُضَاةِ قال النوويّ رحمه اللّه تعالى في ((شرح مسلم)) ١٤/١٢: اختلف العلماء في أن كل مجتهد مصيب أم المصيب واحد؟ وهو من وافق الحكم الذي عند الله تعالى، والآخر مخطئ، لا إثم عليه؛ لعذره، والأصح عند الشافعي وأصحابه أن المصیب واحد، وقد احتجت الطائفتان بهذا الحديث، أما الأولون القائلون كل مجتهد مصيب، فقالوا: قد جُعِل للمجتهد أجرٌ، فلولا إصابته لم يكن له أجر، وأما الآخرون، فقالوا سماه مخطئا، ولو كان مصيبا لم يسمه مخطئا، وأما الأجر فإنه حصل له على تعبه في الاجتهاد، قال الأولون: إنما سماه مخطئا؛ لأنه محمول على من أخطأ النص، أو اجتهد فيما لا يسوغ فيه الاجتهاد، كالمجمع عليه وغيره، وهذا الاختلاف إنما هو في الاجتهاد في الفروع، فأما أصول التوحيد فالمصيب فيها واحد، بإجماع من يُعْتَدّ به، ولم يخالف إلا عبد الله ابن الحسن العنبريّ، وداود الظاهري، فصوبا المجتهدين في ذلك أيضا، قال العلماء: الظاهر أنهما أراد المجتهدين من المسلمين، دون الكفار. والله أعلم. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى. وقال أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى: تعلق بهذا الحديث من قال: إن الحق في جهة واحدة؛ للتصريح بتخطئة واحد لا بعينه، قال: وهي نازلة في الخلاف عظيمة. وقال المازري رحمه الله تعالى: تمسك به كل من الطائفتين: من قال: إن الحق في طرفين، ومن قال: إن كل مجتهد مصيب، أما الأولى: فلأنه لو كان كل مصيبا، لم يطلق على أحدهما الخطأ؛ لاستحالة النقيضين في حالة واحدة، وأما المصوبة، فاحتجوا بأنه وَّلهر، جعل له أجرًا، فلو كان لم يصب لم يؤجر، وأجابوا عن إطلاق الخطإ في الخبر على مَن ذَهِل عن النص، أو اجتهد فيما لا يسوغ الاجتهاد فيه، من القطعيات فيما خالف الإجماع، فإن مثل هذا إن اتفق له الخطأ فيه فُسخ حكمه وفتواه، ولو اجتهد بالإجماع، وهو الذي يصح عليه إطلاق الخطأ، وأما من اجتهد في قضية، ليس فيها نص، ولا إجماع، فلا يطلق عليه الخطأ، وأطال المازري في تقرير ذلك، والانتصار له، وختم كلامه بأن قال: إن من قال: إن الحق في طرفين، هو قول أكثر أهل التحقيق، من الفقهاء، والمتكلمين، وهو مروي عن الأئمة الأربعة، وإن حُكي عن كل منهم اختلاف فيه. قال الحافظ رحمه الله تعالى: والمعروف عن الشافعي رحمه الله تعالى الأول. انتھی ((فتح)) ٢٥٩/١٥. وإلى هذه المسألة أشار السيوطيّ رحمه الله تعالى في ((الكوكب الساطع))، حيث قال :