النص المفهرس
صفحات 181-200
١٢١ - (النَّهْيُ عَنِ الْجُلُوُسِ عَلَى الْمَيَاثِيرِ ... - حديث رقم ٥٣٧٨ ١٨١ ٩٨١٤/١١٥. وأخرجه (د) في ((الجهاد)) ٢٥٨٤. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب». ١٢١- (التَّهْيُ عَنِ الْجُلُّوسِ عَلَى الْمَيَاثِيرِ مِنَ الأَرْجُوَانِ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((المياثير)): جمع ميثرة بكسر الميم، وسكون التحتانيّة، وفتح المثلّثة، بعدها راء، ثم هاء، ولا همز فيها، وأصلها من الوثارة، أو الوثرة بكسر الواو، وسكون المثلّثة، والوثيرة: هي الفراش، وامرأة وثيرة: كثيرة اللحم. وقال في ((الفتح)) ٤٩٠/١١-٤٩١ في ((باب الميثرة الحمراء)»: ما: نصّه: وأما المياثر فهي جمع ميثرة، تقدم ضبطها في ((باب لبس القَسّيّ))، وقد أخرج أحمد، والنسائي، وأصله عند أبي داود، بسند صحيح، عن علي رَثُ، قال: ((نُهيّ عن المياثر الأرجوان))، هكذا عندهم بلفظ ((نُيَ)) على البناء للمجهول، وهو محمول على الرفع، وقد أخرج أحمد، وأصحاب السنن، وصححه ابن حبان، من طريق هُبّيرة بن يَرِيم - بتحتانية أوله، وزن عظيم- عن علي ◌َّ قال: ((نهاني رسول اللَّه ◌َلّره عن خاتم الذهب، وعن لبس القسي، والميثرة الحمراء)). قال أبو عبيد: المياثر الحمر التي جاء النهي عنها، كانت من مراكب العجم، من ديباج وحرير. وقال الطبري: هي وعاء يُوضع على سرج الفرس، أو رَخْل البعير من الأرجوان. وحكى في ((المشارق)) قولًا أنها سروج من ديباج، وقولا: أنها أغشية للسروج، من حرير، وقولًا: أنها تشبه الْمِخَدّة تُحُشَى بقطن، أو ريش يجعلها الراكب تحته، وهذا يوافق تفسير الطبري، والأقوال الثلاثة يحتمل أن لا تكون متخالفة، بل الميثرة تطلق على كل منها، وتفسير أبي عبيد يحتمل الثاني، والثالث، وعلى كل تقدير فالميثرة، وإن كانت من حرير، فالنهي فيها كالنهي عن الجلوس على الحرير، وقد تقدم القول فيه، ولكن تقییدها بالأحمر، أخص من مطلق الحریر، فیمتنع إن كانت حریرا، ويتأكد المنع إن كانت مع ذلك حمراء، وإن كانت من غير حرير، فالنهي فيها للزجر عن ١٨٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ التشبه بالأعاجم. قال ابن بطال: كلام الطبري يقتضي التسوية في المنع، من الركوب عليه، سواء كانت من حرير، أم من غيره، فكان النهي عنها إذا لم يكن من حرير للتشبه، أو للسرف، أو التزين، وبحسب ذلك تفصيل الكراهة بين التحريم والتنزيه، وأما تقييدها بالحمرة، فمن يَحمِل المطلق على المقيد، وهم الأكثر، يخص المنع بما كان أحمر. انتهى المقصود من ((الفتح)) ٤٩٠/١١-٤٩١. والله تعالى أعلم بالصواب. ٥٣٧٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ إِذْرِيسَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَاصِمَ بْنَ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ: ((قُلٍ: اللَّهُمَّ سَدِذْنِي، وَاهْدِنِي، وَتَّانِي عَنِ الْجُلُوسِ عَلَى الْمَيَائِرِ، وَالْمَيَائِرُ قَسِيٍّ، كَانَتْ تَصْنَعُهُ النِّسَاءُ لِيُعُولَتِهِنَّ عَلَى الرَّحْلِ، كَالْقَطَّائِفِ مِنَ الْأُرْجُوَانِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١- (محمد بن العلاء) أبو كريب الهمدانيّ الكوفيّ، ثقة حافظ [١٠] ١١٧/٩٥ . ٢- (ابن إدريس) هو عبد الله الأوديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقة فقيه عابد [٨] ٨٥٪ ١٠٢ . ٣- (عاصم بن كليب) بن شهاب الجرميّ الكوفيّ، صدوق رُمي بالإرجاء [٥] ١١/ ٨٨٩ . ٤- (أبو بردة) بن أبي موسى الأشعريّ، قيل: اسمه عامر، وقيل: الحارث، وقيل: اسمه كنيته، ثقة [٣] ٣/٣. ٥- (عليّ) بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه٧٤/ ٩١ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بثقات الكوفيين. (ومنها): أن شيخه هو أحد المشايخ الذين يروي عنهم الجماعة دون واسطة. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن صحابيّه أحد الخلفاء الراشدين الربعة، والعشرة المبشرين بالجنّة، وابن عم الرسول بَّه، وزوج ابنته رضي اللّه تعالى عنهم أجمعين. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَلِيّ) بن أبي طالب رَثُ، أنه (قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((قُلِ: اللَّهُمَّ سَدِّذنِي) وفي الرواية السابقة في ٥٢١٢/٥٢ من طريق سفيان، عن عاصم بن كُلَيْب: ((یا عليّ سل اللّه الهدى، والسداد))، و((الهدى بالضمّ، والقصر: الهداية، والسداد بفتح ١٨٣ == ١٢١ - (النَّهْيُ عَنِ الْجُلُوسِ عَلَى الْمَيَاثِير ... - حديث رقم ٥٣٧٨ السين المهملة: وهو الصواب من القول، والفعل، وأما السِّداد بالكسر، فهو ما تُسدّ به القارورة، وغيرها، وسِداد الثغر بالكسر من ذلك، واختلفوا في سداد من عَوَز لما يُرْمَق به العيش، وتُسَدّ به الْخَلَّة، فقال ابن السّكّيت، والفارابيّ، وتبعه الجوهريّ بالفتح والكسر، واقتصر الأكثرون على الكسر، منهم ابن قتيبة، وثعلب، والأزهريّ؛ لأنه مستعار من سِداد القارورة، فلا يُغيّر. وزاد جماعة، فقالوا: الفتح لحنّ. وعن النضر بن شُميل: سِداد من عَوَز: إذا لم يكن تامًا، ولا يجوز فتحه. ونقل في ((البارع)) عن الأصمعيّ: سِداد من عَوَزٍ بالكسر، ولا يقال بالفتح، ومعناه: إن أعوز الأمر كلَّهُ، ففي هذا ما يَسُدُّ بعض الأمر. انتهى ((المصباح)). وقد نظم شيخنا عبد الباسط بن محمد المناسيّ رحمه اللَّه تعالى الفرق المذكور بقوله : وَمَا بِهِ يُسَدُّ شَيْءٌ ثَابِتُ إِنَّ السِّدَادَ كَكِتَابٍ بُلْغَةُ أَمَّا الَّذِي بِالْفَتْحِ كَالسَّحَابٍ فَقَصْدُ دِينٍ وَسَبِيلِ الْبَابِ واختصره رحمه الله تعالى في بيت واحد، فقال: سِدَادُكَ الْمَكْسُورُ سِيئًا بُلْغَتُكْ وَمَا بِمَعْنَى الْقَصْدِ فِيهَا فَتْحَتُكْ (وَاهْدِنِي، وَنَّانِي عَنِ الْجُلُوسِ عَلَى الْمَيَائِرِ، وَالْمَيَائِرُ قَسِيٌّ) بفتح القاف، وتشديد السين المهملة، بعدها ياء نسبة، وذكر أبو عبيد في ((غريب الحديث)) أن أهل الحديث يقولونه بكسر القاف، وأهل مصر يفتحونها، وهي نسبة إلى بلد يقال لها: القَسّ، وحُكي عن شَمِر اللغويّ أنها بالزاي، لا بالسين: نسبة إلى القزّ، وهو الحرير، فأبدلت الزاي سيئًا (كَانَتْ تَصْنَعُهُ النِّسَاءُ لِيُعُولَتِهِنَّ) بالضمّ جمع بعل، وهو الزوج، يقال: بَعَلَ يبعُلُ، من باب قتل بُعُولةً: إذا تزوّج، والمرأة بَعْلٌ أيضًا، وقد يقال فيها: بعلة بالهاء، كما يقال: زوجة؛ تحقيقًا للتأنيث. قاله الفيّوميّ (عَلَى الرَّخلِ) أي للوضع على الرحل، بفتح، فسكون: هو مَرْكَبٌ للبعير، كالراحُول، جمعه أَرْحُلٌ، ورِحالٌ، ومسكنك، وما تستصحبه من الأَنَّاث. قاله في ((القاموس))، والأول هو المراد هنا (كَالْقَطَائِفِ) بالفتح: جمع قطيفة: هي كساء له خَمْلٌ (مِنَ الْأُرْجُوَانِ) -بضم الهمزة والجيم، بينهما راء ساكنة، ثم واو خفيفة- وحكى عياض، ثم القرطبي، فتح الهمزة، وأنكره النووي، وصوب أن الضم هو المعروف في كتب الحديث، واللغة، والغريب. واختلفوا في المراد به، فقيل: هو صبغ أحمر شديد الحمرة، وهو نَوْر شجر من أحسن الألوان. وقيل: الصوف الأحمر. وقيل: كل شيء أحمر، فهو أرجوان، ويقال ثوب أرجوان، وقطيفة أرجوان، وحكى السيرافي أحمر أرجوان، فكأنه وصف للمبالغة ١٨٤ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزُّينَةِ في الحمرة، كما يقال، أبيض يقق، وأصفر فاقع. واختلفوا هل الكلمة عربية، أو مُعَرَّبة . فإن قلنا باختصاص النهي بالأحمر من المياثر، فالمعنى في النهي عنها ما في غيرها كما تقدم، وإن قلنا: لا يختص بالأحمر، فالمعنى بالنهي عنها ما فيه من الترفُّه، وقد يعتادها الشخص، فتُعوزه، فيشق عليه تركها، فيكون النهي نهي إرشاد؛ لمصلحة دنيوية، وإن قلنا: النهي عنها من أجل التشبه بالأعاجم، فهو لمصلحة دينية، لكن كان ذلك شعارهم حينئذ، وهم كفار، ثم لما لم يصر الآن يختص بشعارهم، زال ذلك المعنى، فتزول الكراهة، والله أعلم. انتهى ما في ((الفتح)). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا التفصيل الذي ذكره في ((الفتح)) فيه نظر لا يخفى، بل الظاهر أن النهي على إطلاقه، كما هو ظاهر النصّ. والله تعالى أعلم. [تنبيه]: تفسير القسيّ المذكور لعليّ ◌َظّه، كما بيّنه مسلم في ((صحيحه))، وعلّقه البخاريّ، فقال: وقال عاصم، عن أبي بردة، قال: قلت لعليّ: ما القسّيّة؟ قال: ثياب أتتنا من الشام، أو من مصر، مضلّعَة، فيها حرير، وفيها أمثال الأُتْرُنْج، والميثرة: كانت النساء تصنعه لبعولتهنّ، مثل القطائف، يَصُفّونها. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. والحديث أخرجه مسلم، وقد تقدّم تخريجه في ٥٢١١/٥٢ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)». ١٢٢ - (الْجُلُوسُ عَلَى الْكَرَاسِيِّ) قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هو -بفتح الكاف، وتشديد الياء، وتُخُفّف -: جمع كرسيّ بضم الكاف، وتكسر قليلًا. والله تعالى أعلم بالصواب. ٥٣٧٩- (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو رِفَاعَةَ: انْتَهَيْتُ إِلَى رَسُولِ اللّهِ بِهِ، وَهُوَ يَخْطُبُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَجُلٌ غَرِيبٌ، جَاءَ يَسْأَلُ عَنْ دِينِهِ، لَا يَدْرِي مَا دِينُهُ؟ فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ، وَتَرَكَ خُطْبَتَهُ، حَتَّى انْتَهَى إِلَيَّ، فَأَتِيَ بِكُرْسِيٍّ، خِلْتُ قَوَائِمَهُ حَدِيدًا، فَقَعَدَ عَلَيْهِ ١٢٢- (الجُلُوسُ عَلَى الگراسِيّ) - حديث رقم ٥٣٧٩ ١٨٥= رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ فَجَعَلَ يُعَلِّمُنِي مِمَّا عَلَّمَهُ اللَّهُ، ثُمَّ أَتَى خُطْبَتَهُ، فَأَتَمَّهَا). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (يعقوب بن إبراهيم) الدّضوْرَقيّ، أبو يوسف البغداديّ، ثقة حافظ [١٠] ٢١/ ٢٢ . ٢- (عبد الرحمن) بن مهديّ أبو سعيد البصريّ، ثقة ثبت حجة [٩] ٤٩/٤٢. ٣- (سليمان بن المغيرة) القيسيّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقة [٧] ٦١٦/٥٣. ٤- (حميد بن هلال) العدويّ، أبو نصر البصريّ، ثقة فقيه [٣] ٤/٤. ٥- (أبو رفاعة) العدوي، قيل: اسمه تميم بن أسد. وقيل: ابن أسيد. وقيل: اسمه عبد الله بن الحارث بن عبد الحارث بن أسد بن عدي بن جندل -وفي نسخة جرول- ابن عامر بن مالك بن تميم بن الدول بن حسل بن عدي بن عبد مناة بن أَذبن طابخة بن إلیاس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. روی عن النبي پژ. وعنه حمید بن هلال، وصِلَة بن أَشْيم العدويان البصريان. قال ابن عبدالبر: كان من فضلاء الصحابة يعدّ في أهل البصرة، قُتل بكابُل سنة أربع وأربعين، قال الدار قطنيّ: تميم بن أَسِيد بالفتح، وقال غيره بالضمّ، فالله أعلم. وقال خليفة بن خياط: سنة أربع وأربعين فتح ابنُ عامر كابلَ، وقُتل بها أبو قتادة العدوي، ويقال: إن الذي قُتل أبو رفاعة العدوي. روى له البخاري في ((الأدب المفرد))، ومسلم، والمصنّف، له عندهم هذا الحديث فقط. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات البصريين، غير شيخه، فبغداديّ. (ومنها): أن صحابيّه من المقلّين من الرواية، فليس له غير هذا الحديث. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ) العدويّ البصريّ، أنه (قَالَ: قَالَ أَبُو رِفَاعَةَ) العدويّ الصحابيّ رَ عليه (انْتَهَيْتُ إِلَّى رَسُولِ اللَّهِ وَ﴾ أي وصلت إلى مجلسه نَّهِ (وَهُوَ يَخْطُبُ) جملة حاليّة، قال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه اللّه تعالى: يحتمل أن تكون تلك الخطبة للجمعة، أولغيرها، إذ قد كان النبيّ وَل يجمع الناس لغير الجمعة عند نزول النوازل، فيخطبهم، ويعظهم. انتهى ((المفهم)) ٥١٤/٢ . ١٨٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَجُلٌ غَرِيبٌ) فعيل بمعنى فاعل، قال في ((المصباح)): غرُب الشخص بالضم، من باب شَرُف غرابة: بَعُد عن وطنه، فهو غريبٌ، فعيل بمعن فاعل، وجمعه غُرباء (جَاءَ يَسْأَلُ عَنْ دِينِهِ) أي أمور دينه، وتفاصيلها (لَا يَدْرِي مَا دِينُهُ؟) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: استلطافٌ في السؤال، واستخراجْ حسَنْ للتعليم؛ لأنه لَمّا أخبره بذلك تعيّن عليه أن يُعلّمه، وأيضًا، فإن هذا الرجل الغريب الذي جاء سائلاً عن دينه هو من النوع الذي قال فيه النبيّ وَّر: ((إن أُناسًا يأتونكم من أقطار الأرض يطلبون العلم، فاستوصوا بهم خيرًا))(١). فإنه و لو كان لا يأمر بشيء إلا كان أوّل آخذ به، وإذا نَّى عن شيء كان أوّل تارك له. انتهى. (فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ، وَتَرَكَ خُطْبَتَهُ) إنما فعل ذلك لتعيّنه عليه في الحال، ولخوف الفوت، ولأنه لا يناقض ما كان فيه من الخطبة، ومشيه بَله، وقربه منه في تلك الحال مبادرة لاغتنام الفرصة، وإظهار التّهَمُّم بشأن السائل. قاله في ((المفهم)) ٥١٥/٢ . (حَتَّى انْتَهَى إِلَيَّ) أي وصل إلى المكان الذي جلست فيه (فَأَتِيَ) بالبناء للمفعول (بِكُرْسِيٌّ) بضمّ الكاف، أشهر من كسرها، والجمع الكراسيّ مثقّل أيضًا، وقد يُخفّف، قال ابن السّكّيت في ((باب ما يُشدّد)): وكلُّ ما كان واحده مشدّدًا، شَدَّدتَ جمعه، وإن شئتَ خفّفت. أفاده الفيّوميّ (خِلْتُ قَوَائِمَهُ حَدِيدًا) أي ظننتُ أن قوائم ذلك الكرسيّ كانت حديدًا، و((خِلْتُ))- بكسر الخاء المعجمة-، من أخوات ((ظَنّ))، يقال: خال الرجل الشيءَ يَخالُهُ خَيلًا، من باب نال: ظنّه، وخاله يَخِيله من باب باع لغةٌ، وفي المضارع للمتكلّم يقال: إِخاله بكسر الهمزة على غير قياس، وهو أكثر استعمالًا، وبنو أسد يفتحون على القياس. قاله الفيوميّ. [تنبيه]: قوله: ((خِلتُ)) هكذا رواية المصنّف رحمه الله تعالى، وهي واضحة، ووقع في رواية مسلم رحمه اللّه تعالى بلفظ ((حسبت))، قال النوويّ رحمه اللّه تعالى في (شرحه)): هكذا هو في جميع النسخ ((حسبت، ورواه ابن أبي خيثمة في غير ((صحيح مسلم)): ((خلت)) بكسر الخاء، وسكون اللام، وهو بمعنى ((حسبت))، قال القاضي: ووقع في نسخة ابن الحذاء ((خشب)) بالخاء، والشين المعجمتين. وفي كتاب ابن قُتيبة ((خلب)) بضم الخاء، وآخره باء موحّدة، وفسّروه بالليف، وكلاهما تصحيف، والصواب ((حسبت)) بمعنى ظننت، كما هو في نسخ مسلم، وغيره من الكتب المعتمدة. انتهى ((شرح مسلم)» ١٦٥/٦. - (١) رواه الترمذيّ (٢٦٥٠) وابن ماجه (٢٤٧) من حديث أبي سعيد الخدريّ تَنَّه وهو ضعيف؛ لأن في إسناده أبا هارون العبدريّ، ضعيف باتفاق . ١٢٢ - (الْجُلُوسُ عَلَى الحراسِيّ) - حديث رقم ٥٣٧٩ ١٨٧ == وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: قوله: ((حسبت قوائمه حديدًا)): هكذا صحيح الرواية، وذكره ابن قتيبة، وقال: ((بكرسيّ خُلْب)) قال: والخلب: الليف، وهو تصحيف منه، وإنما هو ((خِلْتُ)) كما رواه ابن أبي شيبة، وهو بمعنى ((حسبت)) الذي رواه مسلم. ووقع في نسخة ابن الحذاء: ((بكرسيّ خشب))، وهو أيضًا تصحيف، وصوابه ما قدّمناه، وقد فسّره حميد في كتاب ابن أبي شيبة، فقال: أراه كان من عُود أسود، فحسبه من حديد. قلت: وأظنّ أن هذا الكرسيّ هو المنبر، ويعني به أنه نُقل عن موضعه المعتاد إلى موضع السائل؛ ليجلس عليه النبيّ وَطر. انتهى ((المفهم)) ٥١٥/٢. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: كون الكرسيّ هذا هو المنبر النبويّ غير ظاهر، فليُتأمّل. والله تعالى أعلم. (فَقَعَدَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ وَ ه) إنما قعد ◌َّـ على الكرسيّ ليسمع الباقون كلامه، ويروا شَخْصَه الكريمِ وَ ل﴿ ﴿فَجَعَلَ يُعَلِّمُنِي مِمَّا عَلَّمَهُ اللَّهُ) أي من الأحكام الشرعيّة التي يجهلها (ثُمَّ أَتَى خُطْبَتَهُ) أي محلّ خطبته، وهو المنبر المعروف (فَأَتَمَّهَا) أي أتمّ الخطبة التي بدأ بها، وفي رواية مسلم: ((فأتمّ آخرها»، قال القرطبيّ: أي لَمّا فرغ من تعليم الرجل رجع إلى أسلوب خطبته المتقدّم، لا يقال: إن هذا الفعل منه وَّر قطعٌ للخطبة لِمَا قرّرناه من أن تعليم العلم، والأمر، والنهي في الخطبة لا يكون قاطعًا للخطبة، والجمهور على أن الكلام في الخطبة لأمر يحدُث لا يفسدها. وحكى الخطّابيّ عن بعض العلماء أن الخطيب إذا تكلّم في الخطبة أعادها. انتهى ((المفهم)) ٥١٥/٢ . قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا القول الذي عزاه الخطّابيّ لبعض العلماء من إعادة الخطبة بسبب الكلام قول ضعيفٌ، منابذ للسنّة الصحيحة، كحديث الباب، وحديث قصّة سُليك الغطفانيّ وَّه حيث قال له وَ له عن ركعتي تحية المسجد، وأمره بهما، إلى غير ذلك. وكذا قول النوويّ في ((شرحه)) ١٦٤/٦: يحتمل أن تكون هذه الخطبة التي كان النبيّ وَاليه فيها خطبة أمر غير الجمعة، ولهذا قطعها بهذا الفصل الطويل. ويحتمل أنها كانت الجمعة، واستأنفها. ويحتمل أنه لم يحصل فصل طويل. ويحتمل أن كلامه لهذا الغريب كان متعلّقًا بالخطبة، فيكون منها، ولا يضرّ المشي في أثنائها. انتهى. فكلّ هذه الاحتمالات مما لا ينبني على دليل، فأين النصّ، أو الإجماع الذي يمنع الخطيب للجمعة من الكلام للحاجة، مثل التعليم، أو غيره، ومن أين اشتراط عدم الفصل أثناء الخطبة بكلام ونحوه، ومن الغريب قوله: ((واستأنفها)) مع أن نصّ ((صحيح مسلم)): ((فأتمّ آخرها))، إن هذا لشيء عُجاب؟، وقد تقدم تحقيق هذا كلّه في ((كتاب ١٨٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ الجمعة))، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي رفاعة رضي اللَّه تعالى عنه هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٥٣٧٩/١٢٢ - وفي ((الكبرى)) ٩٨٢٦/١١٨. وأخرجه (م) في ((الجمعة)) ٨٧٦ (أحمد) في ((مسند البصريين)) ٢٠٢٢٩. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان جواز الجلوس على الكراسيّ. (ومنها): استحباب تلطّف السائل في عبارته، وسؤاله العالم. (ومنها): أن فيه تواضعَ النبيّ وَّل، ورفقه بالمسلمين، وشفقته عليهم، وخفض جناحه لهم، كما وصفه الله سبحانه وتعالى حيث قال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنْتُمْ حَرِيصُ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]. (ومنها): المبادرة إلى جواب المستفتي، وتقديم أهمّ الأمور، فأهمّها، ولعله كان سائلاً عن الإيمان، وقواعده المهمّة، وقد اتّفق العلماء على أن من جاء يسأل عن الإيمان، وكيفيّة الدخول في الإسلام وجب إجابته، وتعلميه على الفور. قاله النوويّ رحمه اللّه تعالى في ((شرحه على صحيح مسلم)) ١٦٥/٦. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ١٢٣ - (التَّاذُ الْقِبَابِ الْحُمْرِ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((القِبَاب)) -بكسر القاف: جمع قُبّة بضمها، و((الحمر)) بضم، فسكون: جمع حمراء، كما قال في ((الخلاصة)): فُعْلٌ لِنَحوِ أَحْمَرٍ وَحَمْرًا وَفِعْلَةٌ ◌ْعًا بِنَقْلٍ يُذْرَى والله تعالى أعلم بالصواب. ١٨٩ ١٢٣ - (اتّخَذُ القِبَاب الْحُمْرِ) - حديث رقم ٥٣٨٠ ٥٣٨٠- (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنِ سَلَّامِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْأَزْرَقُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيَّ جُحَيْفَةَ، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَِّيِّ ◌َِهـ بِالْبَطْحَاءِ، وَهُوَ فِي قُبَّةٍ حَمْرَاءَ،َ وَعِنْدَهُ أُنَاسٌ، يَسِيرُ، فَجَاءَهُ بِلَالٌ، فَأَذَّنَ، فَجَعَلَ يُتْبِعُ فَاهُ، هَاهُنَا وَهَاهُنَا)(١) . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنِ سَلَام))- بتشديد اللام: هو أبو القاسم البغداديّ، ثم الطرسوسيّ، وقد يُنسب لجدّه، لا بأس به [١١] من أفراد المصنّف، وأبي داود. و((إِسْحَاقُ الْأَزْرَقُ)): هو ابن يوسف بن مِرداس المخزوميّ الواسطيّ، ثقة [٩]. و((سُفْيَانُ)): هو الثوريّ. و ((عون بن أبي جُحيفة)): هو السُّوائيّ الكوفيّ، ثقة [٤]. و((أبو جحيفة)): هو وهب ابن عبد اللَّه السُّوائيّ، ويقال: اسم أبيه وهب أيضًا، الصحابيّ المشهور، ويقال له: وهب الخير، وصحب عليّا رَّه، ومات سنة (٧٤). والله تعالى أعلم. وقوله: ((بالبطحاء)»: هو تأنيث الأبطح، وهو كلّ مكان مُتَّسِع، والمراد به هنا بطحاء مكة، وهو المحصّب. وقوله: ((في قبة حمراء)): هذا هو محلّ الترجمة، حيث دلّ على جواز استعمال القباب الحمر. وقوله: ((وعنده أناسٌ يسير)): قال السنديّ رحمه الله تعالى في ((شرحه)) ٢٢٠/٨: قوله: ((يسير)): أي يريد السير إلى المدينة، لا أنه كان سائرًا في تلك الحالة. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا على جعل ((يسير)) فعلًا مضارعًا من السير، والذي يظهر لي أن ((يسير)) ليس فعلا مضارعًا، وإنما هو (فَعِيل)) من اليُسر كقليل وزنًا ومعنّى، يقال: يَسُر الشيءُ، مثلُ قرُب: قلّ، فهو يسير. قاله في ((المصباح))، وهو صفة [((أناس))، وفعيل بمعنى فاعل يستوى فيه المفرد، والمثنّى، والمجموع كالمصدر، مثل قوله تعالى: ﴿وَالْمَلَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤]، وكقول الشاعر: تَبِيرٌ بَنُو لِهِبٍ فَلَا تَكُ مُلْغِيَا مَقَالَةَ لِهِبِيٍّ إِذَا الطَّيْرُ مَرَّتِ ف(خبير)) خبر مقدّم لقوله: ((بنو لهب))(٢). وكقوله : (١) يوجد في النسخة الهندية هنا: ما نصّه: تمّ ((كتاب الزينة)) من ((كتاب المجتبى)). (٢) هذا مذهب البصريين، وأما الكوفيون فيُعربون ((خبير)) مبدءًا، و((بنو لهب)) فاعلًا سدّ مسد الخبر. راجع ((شرح ابن عقيل)) على ((خلاصة)) ابن مالك، مع حاشية الخضريّ في ((باب الابتداء)) ١/ ١٢٦ . ١٩٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَاب الْقُضَاةِ هُنَّ صَدِيقٌ لِلَّذِي لَمْ يَشِبٍ والمعنى هنا أنه كان عند النبيّ ◌َلو ناس قليل، لكن إن ثبتت الرواية على الوجه الذي ذكره السنديّ، لزم اتّباعه، فتنبه. والله تعالى أعلم. وقوله: ((يتبع فاه الخ)): بضم أوله من الإتباع: أي يجعل فاه تابعًا للجهتين في الحيعلتين. وفي نسخة: ((يَتْتَبَّع)) . والحديث متفقٌ عليه، وقد تقدّم في ((كتاب الأذان)) ١٣ / ٦٤٣ وقد استوفيت شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه، تزدد علمًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب . ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). ٤٨- (كِتَابُ آدَاب الْقُضَاةِ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وقع في نسخة: ((كتاب أدب القضاة)) بإفراد ((أدب)). قال السنديّ رحمه اللّه تعالى: هكذا في كثير من النسخ، ثم ((كتاب الاستعاذة))، ثم ((كتاب الأشربة))، وفي بعضها ههنا: ((كتاب الأشربة))، ثم ((كتاب آداب القضاة))، ثم كتاب الاستعاذة)). انتهى ((شرح السنديّ)) ٢٢١/٨. وتقدّم معنى الكتاب في ((كتاب الصلاة))، وأما ((الآداب)): فجمع ((أدب)) بفتحتین، قال الفيّوميّ رحمه اللَّه تعالى: أَدَبْتُهُ أَذبًا، من باب ضرب: علّمته رياضة النفس، ومحاسن الأخلاق. قال أبو زيد الأنصاريّ: الأدب يقع على كلّ رياضة محمودة، يتخرّج بها الإنسان في فضيلة من الفضائل. وقال الأزهريّ نحوه، فالأدب اسمٌ لذلك، والجمع آداب، مثلُ سبب وأسباب، وأذبته تأديبًا مبالغةٌ وتكثيرٌ، ومنه قيل: أذبته تأديبًا: إذا عاقبته على إسائته؛ لأنه سبب يدعو إلى حقيقة الأدب. انتهى. وقال في ((الفتح)): الأدب: استعمال ما يُحمد قولا وفعلا. وعبّر بعضهم عنه بأنه الأخذ بمكارم الأخلاق. وقيل: الوقوف مع المستحسنات. وقيل: هو تعظيم من فوقك، والرفق بمن دونك. وقيل: إنه مأخوذ من المأدبة، وهي الدعوة إلى الطعام، سُمّي بذلك؛ لأنه يُدعى إليه. قاله في ((الفتح)) ٣/١٢. ((كتاب الأدب)). و((القُضاة)) بالضمّ: جمع قاض، من قضى بين الخصمين، وعليهما: إذا حكم. ١٩١ ==== ٤٨- (كِتَبُ آدَبِ القُضَاةِ) مسائل تتعلّق بالقضاء: (المسألة الأولى): قال الموفّق رحمه اللَّه تعالى: الأصل في القضاء، ومشروعيته الكتاب، والسنة، والإجماع، أما الكتاب فقول اللَّه تعالى: ﴿يَدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةً فِى اُلْأَرْضِ فَأَحْكُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحِّ وَلَا تَِّعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [سورة ص: ٢٦]، وقول اللَّه تعالى: ﴿وَأَنِ اعْكُمْ بَيْنَهُم بِمَآ أَنَزَلَ اللَّهُ﴾ الآية [المائدة: ٤٩]، وقوله: ﴿وَإِذَا دُعُوَاْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، لِيَحْكُمَ بَيَهُمْ﴾ الآية [النور: ٤٨]، وقوله تعالى: ﴿فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]. وأما السنة، فما رَوَى عمرو بن العاص رضي اللَّه تعالى عنهما، عن النبي وَلّ أنه قال: ((إذا اجتهد الحاكم، فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر))، متفق عليه، في آي، وأخبارٍ سوى ذلك كثيرة، وأجمع المسلمون على مشروعية نصب القضاء، والحكم بين الناس. انتهى ((المغني) ٥/١٤. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية): قال الموفّق رحمه الله تعالى أيضًا: إن القضاء من فروض الكفايات؛ لأن أمر الناس لا يستقيم بدونه، فكان واجبا عليهم كالجهاد، والإمامة، قال أحمد: رحمه اللّه تعالى: لا بد للناس من حاكم، أتذهب حقوق الناس، وفيه فضل عظيم لمن قوي على القيام به، وأداء الحق فيه، ولذلك جعل الله فيه أجرا مع الخطاء وأسقط عنه حكم الخطإ، ولأن فيه أمرا بالمعروف، ونصرة المظلوم، وأداء الحق إلى مستحقه، وردّا للظالم عن ظلمه، وإصلاحا بين الناس، وتخليصا لبعضهم من بعض، وذلك من أبواب القُرَب، ولذلك تولاه النبي وَ لتِ، والأنبياء قبله، فكانوا يحكمون لأممهم، وبعث عليا إلى اليمن قاضيا، وبعث أيضا معاذا قاضيا، وقد رُوي عن ابن مسعود رَّ أنه قال: ((لأن أجلس قاضيا بين اثنين، أحب إلي من عبادة سبعين سنة))، وعن عقبة بن عامر رَّه قال: جاء خصمان يختصمان إلى رسول اللّه وَله، فقال: ((اقض بينهما))، قلت: أنت أولى بذلك، قال: وإن كان، قلت علام أقضي؟ قال: ((اقض فإن أصبت فلك عشرة أجور، وإن أخطأت فلك أجر واحد»، رواه سعيد في ((سننه)). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: لكن في سنده - كما قال في ((الفتح)) -. ضعف، فتنبّه. والله تعالى أعلم. قال: وفيه خطر عظيم، ووزر كبير، لمن لم يؤد الحق فيه، ولذلك كان السلف رحمة اللَّه عليهم يمتنعون منه أشد الامتناع، ويخشون على أنفسهم خطره، قال خاقان ابن عبد اللّه: أُريدَ أبو قلابة على قضاء البصرة، فهرب إلى اليمامة، فأريد على قضائها، ١٩٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَاب الْقُضَاةِ فهرب إلى الشام، فأريد على قضائها، وقيل: ليس ههنا غيرك، قال: فأنزلوا الأمر على ما قلتم، فإنما مثلي مثل سابح وقع في البحر، فسبح يومه، فانطلق، ثم سبح اليوم الثاني فمضى أيضا، فلما كان اليوم الثالث فترت يداه. وكان يقال: أعلم الناس بالقضاء أشدهم له کراهة، ولعظم خطره قال النبي ێ: ((من جُعل قاضیا فقد ذبح بغیر سکین))، قال الترمذي: هذا حديث حسن. وقيل في هذا الحديث: إنه لم يخرج مخرج الذم للقضاء، وإنما وصفه بالمشقة، فكأن من وليه قد حمل على مشقة كمشقة الذبح. انتهى ((المغني)) ١٤ / ٥-٧. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): الناس في القضاء على ثلاثة أضرب: [الأول]: من لا يجوز له الدخول فيه، وهو من لا يحسنه، ولم تجتمع فيه شروطه، فقد رُوي عن النبي وَلّ أنه قال: ((القضاة ثلاثة ... )) ذكر منهم رجلا قضى بين الناس بجهل، فهو في النار، ولأن من لا يحسنه لا يقدر على العدل فيه، فيأخذُ الحق من مستحقه، فيدفعه إلى غيره. [الثاني]: من يجوز له، ولا يجب عليه، وهو من كان من أهل العدالة والاجتهاد، ويوجد غيره مثله، فله أن يلي القضاء بحكم حاله، وصلاحيته ولا يجب عليه؛ لأنه لم يتعين له، وظاهر كلام أحمد أنه لا يستحب له الدخول فيه؛ لما فيه من الخطر والغرر، وفي تركه من السلامة، ولما ورد فيه من التشديد والذم، ولأن طريقة السلف الامتناع منه والتوقي، وقد أراد عثمان رضي الله عنه تولية ابن عمر القضاء فأباه، وقال أبو عبد اللَّه بن حامد، إن كان رجلا خاملا لا يُرجع إليه في الأحكام، ولا يُعرَف، فالأولى له توليه؛ لِيُرجَع إليه في الأحكام، ويقوم به الحق، وينتفع به المسلمون، وإن كان مشهورا في الناس بالعلم، يرجع إليه في تعليم العلم والفتوى، فالأولى الاشتغال بذلك؛ لما فيه من النفع مع الأمن من الغرر، ونحو هذا قال أصحاب الشافعي، وقالوا أيضا: إذا كان ذا حاجة، وله في القضاء رزق، فالأولى له الاشتغال به، فيكون أولى من سائر المكاسب؛ لأنه قربة وطاعة، وعلى كل حال فإنه يكره للإنسان طلبه، والسعي في تحصيله؛ لأن أنسا رَّ رَوَى عن النبي وَالر أنه قال: ((من ابتغى القضاء، وسأل فيه شفعاء، وكل إلى نفسه، ومن أکره علیه أنزل الله علیه ملكا يسدده))، قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وقال النبي ◌َّ لعبد الرحمن بن سمرة: ((يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها عن مسألة، وُكلت إليها، وإن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها)). متفق عليه. [الثالث]: من يجب عليه، وهو من يصلح للقضاء، ولا يوجد سواه، فهذا يتعين عليه؛ لأنه فرض كفاية، لا يقدر على القيام به غيره، فيتعين عليه، كغسل الميت ٤٨- (كِتَابُ آدَبِ الْقُضَاةِ) ١٩٣ == وتکفینه، وقد نُقل عن أحمد رحمه الله تعالی ما يدل على أنه لا یتعین علیه، فإنه سئل هل يأثم القاضي إذا لم يوجد غيره؟ قال: لا يأثم، فهذا يحتمل أنه يحمل على ظاهره في أنه لا يجب عليه؛ لما فيه من الخطر بنفسه، فلا يلزمه الإضرار بنفسه لنفع غيره، ولذلك امتنع أبو قلابة منه، وقد قيل له: ليس غيرك، ويحتمل أن يُحمَل على من لم يمكنه القيام بالواجب لظلم السلطان أو غيره، فإن أحمد قال: لا بد للناس من حاكم، أتذهب حقوق الناس؟. ذكره في ((المغني)) ٧/١٤-٩. وهو بحث نفيس جدًّا والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): قال الموفّق رحمه اللّه تعالى: يجوز للقاضي أخذ الرزق على القضاء، ورخص فيه شُريح، وابن سيرين، والشافعي، وأكثر أهل العلم، ورُوي عن عمر رضي الله عنه أنه استعمل زيد بن ثابت على القضاء، وفرض له رزقا، ورَزَق شريحا في كل شهر مائة درهم، وبعث إلى الكوفة عمارا، وعثمان بن حنيف، وابن مسعود، ورزقهم كل يوم شاة، نصفها لعمار، ونصفها لابن مسعود وعثمان، وكان ابن مسعود قاضيهم، ومعلمهم، وكتب إلى معاذ بن جبل، وأبي عبيدة حين بعثهما إلى الشام، أن انظرا رجالا من صالحي مَن قِبَلكم، فاستعملوهم على القضاء، وأوسعوا عليهم، وارزقوهم واكفوهم من مال الله. وقال أبو الخطاب: يجوزل له أخذ الرزق مع الحاجة، فأما مع عدمها فعلى وجهين، وقال أحمد: ما يعجبني أن يأخذ على القضاء أجرًا، وإن كان فبقدر شغله، مثل ولي اليتيم، وكان ابن مسعود والحسن يكرهان الأجر على القضاء، وكان مسروق، وعبد الرحمن بن القاسم بن عبد الرحمن لا يأخذان عليه أجرًا، وقالا: لا نأخذ أجرا على أن نعدل بين اثنين. وقال أصحاب الشافعي: إن لم يكن متعينا جاز له أخذ الرزق عليه، وإن تعين لم يجز إلا مع الحاجة، قال ابن قدامة: والصحيح جواز أخذ الرزق عليه بكل حال، لأن أبا بكر رضي الله عنه لَمّا ولي الخلافة، فرضوا له الرزق كل يوم درهيمن، ولما ذكرناه من أن عمر رزق زيدا وشريحا وابن مسعود، وأمر بفرض الرزق لمن تولى من القضاة، ولأن بالناس حاجة إليه، ولو لم يجز فرض الرزق لتعطل، وضاعت الحقوق، فأما الإستئجار عليه فلا يجوز، قال عمر رضي الله عنه: لا ينبغي لقاضي المسلمين أن يأخذ على القضاء أجرًا، وهذا مذهب الشافعي، ولا نعلم فيه خلافًا، وذلك لأنه قربة يختص فاعله أن يكون من أهل القرية، فأشبه الصلاة، ولأنه لا يعمله الإنسان عن غيره، وإنما يقع عن نفسه، فأشبه الصلاة، ولأنه عمل غير معلوم، فإن لم يكن للقاضي رزق، فقال ١٩٤ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَابِ الْقُضَاةِ للخصمين: لا أقضي بينكما حتى تجعلا لي رزقا عليه جاز، ويحتمل أن لا يجوز. انتهى ((المغني)) ٩/١٤-١٠. وهو بحث نفيس جدًّا والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): قال الموفق رحمه الله تعالى أيضًا: إذا كان الإمام في بلد فعليه أن يبعث القضاة إلى الأمصار غير بلده، فإن النبي ◌َّلو بعث عليا قاضيا إلى اليمن، وبعث معاذ بن جبل إلى اليمن أيضا، وقال له: ((بم تحكم؟)) قال: بكتاب الله تعالى، قال: ((فإن لم تجد؟)) قال: فبسنة رسول اللَّه وَله، قال: ((فإن لم تجد؟)) قال: أجتهد رأيي، قال: ((الحمد لله الذي وفق رسول رسول اللّه وَّوَ لما يرضي رسول اللَّه ◌َ)). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الحديث في سنده مجهول، على أن بعضهم صححه؛ لشهرته، وتلقّي الناس له بالقبول. والله تعالى أعلم. قال: وبعث عمر شريحا على قضاء الكوفة، وكعب بن سوار على قضاء البصرة، وكتب إلى أبي عبيدة ومعاذ يأمرهما بتولية القضاء في الشام؛ لأن أهل كل بلد يحتاجون إلى القاضي، ولا يمكنهم المصير إلى بلد الإمام، ومن أمكنه ذلك شق عليه، فوجب إغناؤهم عنه. انتهى ((المغني) ١٤/ ١٠-١١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): إذا أراد الإمام تولية قاض، فإن كان له خبرة بالناس، ويعرف من يصلح للقضاء ولاه، وإن لم يعرف ذلك سأل أهل المعرفة بالناس، واسترشدهم على من يصلح، وإن ذكر له رجل لا يعرفه أحضره وسأله، وإن عرف عدالته، وإلا بحث عن عدالته، فإذا عرفها ولاه، ويكتب له عهدا يأمره فيه بتقوى الله، والتثبت في القضاء، ومشاورة أهل العلم، وتصفح أحوال الشهود، وتأمل الشهادات، وتعاهد اليتامى، وحفظ أموالهم، وأموال الوقوف، وغير ذلك، مما يحتاج إلى مراعاته، ثم إن كان البلد الذي ولاه قضاءه بعيدا، لا يستفيض إليه الخبر بما يكون في بلد الإمام، أحضر شاهدین عدلين، وقرأ عليهما العهد، أو أقرأه غيره بحضرته، وأشهدهما على توليته ليمضيا معه إلى بلد ولايته، فيقيما له الشهادة، ويقول لهما: اشهدا على أني قد وليته قضاء البلد الفلاني، وتقدمت إليه بما اشتمل هذا العهد عليه، وإن كان البلد قريبا من بلد الإمام، يستفيض إليه ما يجري في بلد الإمام، مثل أن يكون بينهما خمسة أيام، أو ما دونها، جاز أن يكتفي بالإستفاضة، دون الشهادة؛ لأن الولاية تثبت بالاستفاضة، وبهذا قال الشافعي، إلا أن عنده في ثبوت الولاية بالإستفاضة في البلد القريب وجهين، وقال أصحاب أبي حنيفة: تثبت بالاستفاضة، ولم يفصلوا بين القريب والبعيد؛ لأن النبي وَلاقه ولَّى عليا، ومعاذا قضاء الیمن، وهو بعيد من غير شهادة، وولّى الولاة في البلدان -- ١٩٥ = ٤٨- (كِتَبُ آدَبِ الْقُضَاةِ) البعيدة، وفوض إليهم الولاية والقضاء، ولم يشهد، وكذلك خلفاؤه، ولم ينقل منهم الإشهاد على توليه القضاء مع بعد بلدانهم. واحتجّ الأولون بأن القضاء لا يثبت إلا بأحد الأمرين، وقد تعذرت الإستفاضة في البلد البعيد؛ لعدم وصولها إليه، فتعين الإشهاد، ولا نسلم أن النبي وَ طلال لم يشهد على توليته، فإن الظاهر أنه لم يبعث واليا إلا ومعه جماعة، فالظاهر أنه أشهدهم، وعدم نقله لا يلزم منه عدم فعله، وقد قام دليله فتعين وجوده. انتهى («المغني)) ١١/١٤-١٢. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي ما قاله الحنفيّة أظهر؛ لأنه الظاهر، وما ذكره هؤلاء احتمالٌ، والظاهر لا يُترك بالاحتمال. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): أنه ينبغي أن يكون الحاكم قويا، من غير عُنف، لينا من غير ضعف، لا يطمع القوي في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله، ويكون حليما، متأنيا، ذا فطنة وتيقظ، لا يُؤتَى من غفلة، ولا يُخْدَع لغِرّة، صحيح السمع والبصر، عالما بلغات أهل ولايته، عفيفا ورعا نزها بعيدا عن الطمع، صدوق اللَّهجة، ذا رأي ومشورة، لكلامه لين إذا قرب، وهيبة إذا أوعد، ووفاء إذا وعد، ولا يكون جبارا، ولا عسوفا، فيقطع ذا الحجة عن حجته. قال علي رضي الله عنه: ((لا ينبغي أن يكون القاضي قاضيا حتى تكون فيه خمس خصال: عفيف، حليم، عالم بما كان قبله، يستشير ذوي الألباب، لا يخاف في الله لومة لائم)). وعن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى قال: ((ينبغي للقاضي أن تجتمع فيه سبع خلال: إن فاتته واحدة كانت فيه وَضْمة: العقل، والفقه، والورع، والنزاهة، والصرامة، والعلم بالسنن والحكم))، ورواه سعيد، وفيه: (يكونُ فهما، حليما، عفيفا، صلبا سآلا عما لا يعلم))، وفي رواية ((محتملا للأئمة، ولا يكون ضعيفا مَهِينا؛ لأن ذلك يبسط المتخاصمين إلى التهاتر، والتشاتم بين يديه))، قال عمر رضي الله عنه: لأعزلن فلانا عن القضاء، ولأستعملن رجلا إذا رآه الفاجر فَرِقَه. وله أن ينتهر الخصم إذا التوى، ويصيح عليه، وإن استحق التعزير عزّره بما يرى من أدب، أو حبس، وإن افتات عليه بأن يقول: حكمت علي بغير الحق، أو ارتشيت فله تأديبه، وله أن يعفو، وإن بدأ المنكر باليمين قطعها عليه، وقال: البينة على خصمك، فإن عاد عزّره إن رأى، وأمثال ذلك مما فيه إساءة الأدب فله معابة فاعله، وله العفو. قاله في ((المغني)) ١٧/١٤ -١٨ وهو بحث نفيس جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثامنة): قال الموفّق رحمه الله تعالى: الحاكم إذا حضرته قضية تبين له - ١٩٦ E شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَاب الْقُضَاةِ حكمها في كتاب الله تعالى، أو سنة رسوله، أو إجماع، أو قياس جلي حكم، ولم يحتج إلى رأي غيره؛ لقول رسول اللّه وَ لّ لمعاذ، حين بعثه إلى اليمن: ((بم تحكم؟)) قال: بكتاب الله، قال: ((فإن لم تجد؟)) قال: بسنة رسول اللّه وَ لّ، قال: ((فإن لم تجد)) قال: أجتهد برأيي، قال: ((الحمد لله الذي وفق رسول رسول اللّه وَ ليل لما يرضي رسول الله (وَ)(١)، فإن احتاج إلى الاجتهاد استُحب له أن يشاور؛ لقول الله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْنِ﴾ الآية [آل عمران: ١٥٩] قال الحسن: إن كان رسول اللَّه ◌ِوَ لّ لغنيا عن مشاورتهم، وإنما أراد أن يستن بذلك الحكام بعده، وقد شاور النبي ◌َّ أصحابه في أسارى بدر، وفي مصالحة الكفار يوم الخندق، وفي لقاء الكفار يوم بدر. ورُوي ما كان أحد أكثر مشاورة لأصحابه من رسول اللَّه وَلتر، وشاورأبو بكر الناس في ميراث الجدة، وعمر في دية الجنين، وشاور الصحابة في حد الخمر. وروي أن عمر كان يكون عنده جماعة من أصحاب رسول اللَّه وَله، منهم عثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، إذا نزل به الأمر شاورهم فيه، ولا مخالف في استحباب ذلك، قال أحمد: لما ولي سعْدُ بن إبراهيم قضاء المدينة، كان يجلس بين القاسم وسالم يشاورهما، وولي محارب بن دثار قضاء الكوفة، فكان يجلس بين الحكم وحماد يشاورهما، ما أحسن هذا لو كان الحكام يفعلونه، يشاورون وينتظرون، ولأنه قد ينتبه بالمشاورة، ويتذكر ما نسيه بالمذاكرة، ولأن الإحاطة بجميع العلوم متعذرة، وقد ينتبه لإصابة الحق، ومعرفة الحادثة من هو دون القاضي، فکیف بمن يساویه، أو یزید علیه، فقد رُوي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه جاءته الجدتان، فورث أم الأم، وأسقط أم الأب، فقال له عبد الرحمن بن سهل: يا خليفة رسول اللَّه وَله، لقد أسقطت التي لو ماتت ورثها، ووَرّئتَ التي لو ماتت لم يرثها، فرجع أبو بكر، فأشرك بينهما. ورَوَى عمر بن شَبّة عن الشعبي أن كعب بن سوّار كان جالسا عند عمر، فجاءته امرأة، فقالت يا أمير المؤمنين، ما رأيت رجلا قط أفضل من زوجي، والله إنه ليبيت ليله قائما، ويظل نهاره صائما، في اليوم الحار، ما يُفطر، فاستغفر لها، وأثنى عليها، وقال مثلك أُنْتَى الخير، قال: واستحيت المرأة فقامت راجعة، فقال كعب: يا أمير المؤمنين هلا أعديت المرأة على زوجها، قال: وما شَكَت؟، قال: شكت زوجها أشد الشكاية، قال: أَوَ ذاك أرادت؟ قال: نعم، قال: رُدُّوا عليّ المرأة، فقال: لا بأس بالحق أن تقوليه، إن هذا زعم أنك جئت تشكين زوجك، أنه يجتنب فراشك، قالت: أجل، إني امرأة شابة، (١) تقدّم أنه ضعيف الإسناد، وإن صححه بعض العلماء لشهرته . ١- (فضل الحاكم العادل في حكمه) - حديث رقم ٥٣٨١ ١٩٧ = وإني لأبتغي ما يبتغي النساء، فأرسل إلى زوجها، فجاء، فقال لكعب: اقض بينهما، قال: أمير المؤمنين أحق أن يقضي بينهما، قال: عزمت عليك لتقضين بينهما، فإنك فهمت من أمرها ما لم أفهم، قال: فإني أرى كأنها عليها ثلاث نسوة، هي رابعتهن، فأقضي له بثلاثة أيام بلياليهن، يتعبد فيهن، ولها يوم وليلة، فقال عمر والله ما رأيك الأول، أعجب إلي من الآخر، اذهب فأنتَ قاض على البصرة. إذا ثبت هذا، فإنه يشاور أهل العلم والأمانة؛ لأن من ليس كذلك فلا قول له في الحادثة، ولا يُسكن إلى قوله، قال سفيان: وليكن أهل مشورتك أهل التقوى، وأهل الأمانة، ويشاور الموافقين والمخالفين، ويسألهم عن حجتهم؛ ليبين له الحق. والمشاورة ههنا لاستخراج الأدلة، ويعرفُ الحق بالاجتهاد، ولا يجوز أن يقلد غيره، ويحكم بقول سواه، سواء ظهر له الحق فخالفه غيره فيه، أو لم يظهر له شيء، وسواء ضاق الوقت، أو لم يضق، وكذلك ليس للمفتي الفتيا بالتقليد، وبهذا قال الشافعي، وأبو يوسف، ومحمد، وقال أبو حنيفة: إذا كان الحاكم من أهل الإجتهاد جاز له ترك رأيه لرأي من هو أفقه منه عنده، إذا صار إليه، فهو ضرب من الاجتهاد، ولأنه يعتقد أنه أعرف منه بطريق الاجتهاد. وحجة الأولين أنه من أهل الاجتهاد، فلم يجز له تقليد غيره، كما لو كان مثله كالمجتهدين في القبلة، وما ذكره ليس بصحيح، فإن من هو أفقه منه، يجوز عليه الخطأ، فإذا اعتقد أن ما قاله خطأ، لم يجز له أن يعمل به، وإن كان لم يَبِنْ له الحق، فلا يجوز له أن يحكم بما يجوز أن يَبِين له خطؤه إذا اجتهد. قاله في ((المغني)) ١٤/ ٢٦-٢٩ . وهو بحث نفيس، وتحقيق أنيس. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١- (فضل الحاكم العادل في حكمه(١) ) ٥٣٨١- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِوحٍ وَأَنْبَأَنًا (٢) مُحَمَّدُ ابْنُ آدَمَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ (١) وفي نسخة: ((في حكم)). (٢) وفي نسخة: ((أخبرنا)). ۔۔۔ = ١٩٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَاب الْقُضَاةِ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، عَنِ النَِّيِّ نَِّ، قَالَ: ((إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، عَلَى يَمِينِ الرَّحْمَنِ، الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ، وَأَهْلِيهِمْ، وَمَا وَلُوا))، قَالَ مُحَمَّدٌ فِي حَدِيثِهِ: ((وَكِلْتَا يَدَّيْهِ يَمِينٌ))). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١- (قتيبة بن سعيد) الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/١. ٢- (محمد بن آدم بن سليمان) الجهنيّ المصّيصيّ، صدوقٌ [١٠] ١١٥/٩٣. ٣- (سفيان) بن عيينة المكيّ الحجة الثبت [٨] ١/١. ٤- (ابن المبارك) عبد الله الحنظليّ الثقة الثبت المشهور [٨] ٣٦/٣٢. ٥- (عمرو بن دينار) الجمحيّ الأثرم المكيّ، ثقة ثبت [٤] ١١٢ /١٥٤. ٦- (عمرو بن أوس) الثقفيّ الطائفيّ، تابعيّ كبير [٢] ووهم من ذكره في الصحابة ١٧ / ٦٥٣ . ٧- (عبد الله بن عمرو بن العاص) بن وائل السهميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي الله تعالى عنهما٨٩/ ١١١. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى بالنسبة للسند الأول، ومن سداسياته بالنسبة للثاني. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيحن غير شيخه الثاني، فقد تفرد به هو وأبو داود. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ: عمرو، عن عمرو، وهو من رواية الأقران، فإن كليهما من الطبقة الرابعة. (ومنها): أن صحابيه من العبادلة الأربعة، ومن الفقهاء المشهورين بالفتوى من الصحابة رضي اللَّه تعالى عنهم. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) رضي اللَّه تعالى عنهما (عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ، قَالَ: ((إِنَّ الْمُقْسِطِينَ) جمع مقسط: اسم فاعل من أقسط رباعيّا: إذا عدل، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَقْسِطُوَاْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩]، وأما قسط ثلاثياً، فهو بمعنى جار، واسم الفاعل منه قاسط، ومنه قوله عز وجل: ﴿وَأَمَّا الْقَسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجنّ: ١٥] وقد فسّر المقسطين في آخر الحديث، فقال: ((الذين يَعدِلون في حكمهم، وأهلهم، وما وَلُوا)) (عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَتَابِرَ مِنْ نُورٍ) ((المنابر: جمع منبر بكسر الميم، وإنما كسرت؛ تشبيهًا له بالآلة، وسُمّي بذلك لارتفاعه، يقال: نبر الجرح، وانتبر: أي ١- (فضل الحاكم العادل في حكمه) - حديث رقم ٥٣٨١ ١٩٩ === ارتفع، وانتفخ، قال القرطبيّ: ويعني به مجلسًا رفيعا، يتلألأ نورًا، ويحتمل أن يكون عبّر به عن المنزلة الرفيعة المحمودة، ولذلك قال: ((عن يمين الرحمن)). انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لا داعي للاحتمال الذي ذكره، بل الظاهر من معنى الحديث معنى صحيح، لا يحتاج إلى العدول عنه، فإن الله سبحانه وتعالى يكرمهم يوم القيامة بالجلوس على المنابر من نور؛ ليراهم الخلق، ويُعتَرَفَ بفضلهم، وعلوّ شأنهم عند ربهم، ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُ بِرَحْمَتِهِ، مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة: ١٠٥]. (عَلَى يَمِينِ الرَّحْمَنِ) قال القرطبيّ: قال ابن عرفة يقال: أتاه عن يمين: إذا أتاه من الجهة المحمودة. وقال المفسّرون في قوله تعالى: ﴿وَأَضْحَبُ اَلْيَمِينِ مَآ أَصْحَبُ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٢٧] أي أصحاب المنزلة الرفيعة. وقيل: غير هذا في الآية. وقد شهد العقل والنقل أن الله تعالى منزه عن مماثلة الأجسام، وعن الجوارح المركّبة من الأعصاب والعظام، وما جاء في الشريعة مما يوهم شيئًا من ذلك، فهو توسّعْ، واستعارة حسب عادات مخاطباتهم الجارية على ذلك، إلى آخر ما ذكره القرطبيّ في تأويل معنى اليمين. قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الذي طول به القرطبيّ كلامه في تأويل معنى اليمين غير صحيح، فإن اليمين بمعنى الجارحة لا يتوهّم عاقل أنها المقصودة في إطلاق اليمين لله سبحانه وتعالى، فإن من اعتقد أن لله سبحانه وتعالى ذاتًا، لا تُشبه الذوات، فكذلك يعتقد أن له صفات لا تشبه الصفات، فكما لا يعتقد أن ذاته مركبة من لحم، وعظم، ونحو ذلك، كذلك لا يعتقد أن يمينه سبحانه وتعالى جارحة مركبة من لحم، وعظم، وعصب، ونحوه، بلا فرق، وقد تقدّم لنا غير مرّة أن مذهب سلف الأمة، من الصحابة، والتابعين لهم بإحسان، وأهل الحديث قاطبة إثبات جميع الصفات التي وردت في القرآن الكريم، والأحاديث الصحيحة، على ظاهرها، منزّهين اللَّه تعالى عن مشابهة خلقه له، إثباتًا بلا تمثيل، وتنزيها بلا تعطيل، فاسلك سبيلهم، فإنه الصراط المستقيم، والله سبحانه وتعالى الهادي إلى سواء السبيل. وقوله: (الَّذِينَ) خبر لمحذوف: أي هم الذين (يَعْدِلُونَ) بكسر الدال، من العدل: وهو القصد في الأمور، وهو خلاف الجور، يقال: عَدَلَ في أمره عَذْلًا، من باب ضرب، وعدل على القوم عَدْلًا أيضًا. قاله في ((المصباح)) (فِي حُكْمِهِمْ) أي في الحكم الذي يحكمون به للناس، أو عليهم (وَأَهْلِيهِمْ) بالجرّ عطفًا على ما قبله: أي يعدِلون في أهليهم، بمعنى أنهم يقمون تجاههم بما أوجب الله تعالى عليهم فيهم، في قوله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ قُوَاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيَكُمْ نَارًا﴾ الآية [التحريم: ٦]، فيعلمونهم دينهم، ٢٠٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ آدَابِ الْقُضَاةِ ويقومون بالإنفاق عليهم (وَمَا وَلُوا))) بفتح الواو، وضمّ اللام المخفّفة، أصله وَلِيُوا بكسر الام، وضمّ الياء، بوزن علموا، فنقلت ضمة الياء إلى اللام بعد سلب حركتها؛ للاستثقال، ثم حذفت الياء للالتقاء الساكنين. ومعنى: ((ولوا)) أي كانت لهم عليه ولاية، وعطفه على ما قبله من عطف العامّ على الخاصّ. (قَالَ مُحَمَّدٌ) هو ابن آدم بن سليمان، شيخه الثاني (فِي حَدِيثِهِ) أي في روايته لهذا الحديث (وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ) جملة من مبتدأ وخبر في محلّ نصب مقول ((قال محمد)). يعني أنه زاد على رواية قتيبة قوله: ((وكلتا يديه يمين)). وإنما قال ذلك: تحرّزًا من توهم نقص وضعفٍ فيما أضافه إلى الحقّ سبحانه وتعالى، وذلك أنه لمّا كانت اليمين تقابلها الشمال، وهي في المتعارف أنقص رتبة، وأضعف حركة، وأثقل لفظًا، فأزال توهم مثل هذا في حقّ اللّه تعالى، فقال: ((وكلتا يديه يمين)): أي كلّ ما نُسب إليه سبحانه وتعالى ميمون مبارك، لا نقص، يُتوهّم فيه، ولا قصور. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي اللَّه تعالى عنهما هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٥٣٨١/١- وفي ((الكبرى)) ٥٩١٦/١. وأخرجه (م) في ((الإمارة)) ١٨٢٧ (أحمد) في ((مسند المكثرين)) ٦٤٤٩ و٦٤٥٦ و٦٨٥٨. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان فضل الحاكم العادل في حكمه. (ومنها): فضل العدل في الأهل والأولاد، وذلك بالقيام بما يحتاجون إليه من أمور دينهم ودنياهم، وتعليمهم ما ينفعهم، وزجرهم عما يضرّ بهم دينًا، ودنيا. (ومنها): إثبات صفة اليمين لله سبحانه وتعالى على ما يليق بجلاله، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)) . .. ....- ----