النص المفهرس

صفحات 141-160

١١١- (التّصَاوِيرُ) - حديث رقم ٥٣٥٧
١٤١ ===
للحاجة. (ومنها): جواز لبس القطيفة، وهي كساء له خَمْلٌ، كما تقدّم. (ومنها): إباحة
العلم من الحرير، وقد تقدّم حديث عمر رَّ في جوازه مقدار أربع أصابع، في ٩٢/
٥٣١٥ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٣٥٦- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنِ الْقَاسِمِ، يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ فِي بَئِي ثَوْبٌ،
فِيهِ تَصَاوِيرُ، فَجَعَلْتُهُ إِلَى سَهَوَةٍ فِي الْبَيْتِ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ، يُصَلِي إِلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ:
(يَا عَائِشَةُ أَخْرِيهِ عَنِي، فَتَزَعْتُهُ، فَجَعَلْتُهُ وَسَائِدَ))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا
غير مرّة. و((خالد)): هو ابن الحارث الْهُجَيميّ.
وقولها: ((إلى سهوة)): بفتح المهملة، وسكون الهاء: بيتٌ صغيرٌ، منحدرٌ في
الأرض قليلًا، شبيه بالْمِخدَع، والخزانة، وقيل: كالصّفّة تكون بين يدي البيت، وقيل:
شبية بالرفّ، أو الطاق يوضَع فيه الشيء. قاله في ((النهاية)) ٤٣٠/٢.
والحديث متّفق عليه، وقد تقدم في ((كتاب القبلة)) ٧٦١/١٢ سندًا ومتنا، ومضى
هناك شرحه مفضّلًا، وكذا بيان مسائله، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٣٥٧- (أَخْبَرَنَا وَهْبُ بْنُ بَيَانٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو، قَالَ:
حَدَّثَنَا بُكَيْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ، أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّا
نَصَبَتْ سِتْرًا، فِيهِ تَصَاوِيرُ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ، فَتَزَعَهُ، فَقَطَعَتْهُ وِسَادَتَيْنٍ، قَالَ رَجُلٌ
فِي الْمَجْلِسِ حِينَئِذٍ، يُقَالُ لَهُ: رَبِيعَةُ بْنُ عَطَاءٍ: أَنَا سَمِعْتُ أَبَا مُحَمَّدٍ - يَعْنِي الْقَاسِمَ - عَنْ
عَائِشَةَ، قَالَّتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ، يَرْتَفِقُ عَلَيْهِمَا).
رجال هذا الإسناد : سبعة :
١ - (وهب بن بيان) أبو عبد الله الواسطيّ، نزيل مصر، ثقة عابدٌ [١٠] ١٣٩٩/٢٠.
٢- (ابن وهب) هو عبد اللَّه المصريّ الفقيه الحافظ، ثقة عابد [٩] ٩/٩.
٣- (عمرو) بن الحارث بن يعقوب المصريّ، ثقة ثبت [٧] ٧٩/٦٣.
٤- (بُكير) بن عبد الله بن الأشجّ المدنيّ، نزيل مصر الثقة [٥] ١٣٥/ ٢١١.
٥- (عبد الرحمن بن القاسم) أبو محمد المدنيّ، ثقة ثبت فاضل [٦] ١٦٦/١٢٠.
٦- (أبوه) القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت فاضل، من
كبار [٣] ١٦٦/١٢٠ .
٧- (عائشة) رضي اللَّه تعالى عنها ٥/٥ ، واللَّه تعالى أعلم.

١٤٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو، وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، من
عبد الرحمن، والباقون مصريون، وبُكير مدنيّ، مصريّ. (ومنها): أن فيه أحد الفقهاء
السبعة، وهو القاسم، وفيه رواية الابن، عن أبيه، عن عمّته. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَائِشَةَ) رضي اللَّه تعالى عنها (أَنَّهَا نَصَبَتْ سِتْرًا، فِيهِ تَصَاوِيرُ) أي تماثيل (فَدَخَلَ
رَسُولُ اللّهِ بِهِ) بيتها (فَتَزَعَهُ) أي ذلك الستر (فَقَطَعَتْهُ وِسَادَتَيْنٍ) أي قطعت ذلك الستر،
وجعلته وسادتين، وهي تثنية وسادة بكسر الواو: وهي الْمِخَدّة، والجمع وسادات،
ووَسَائد، والوِساد بغير هاء: كلُّ ما يُتوسّد به، من قُماش، وتُراب، وغير ذلك،
والجمع وُسُدٌّ، مثلُ كتاب وكُتُب، ويقال: الوِساد لغة في الوسادة. قاله في ((المصباح))
(قَالَ رَجُلٌ فِي الْمَجْلِسِ حِينَئِذٍ) أي وقت تحديث عبد الرحمن بن القاسم بهذا الحديث
عن أبيه، ففي رواية مسلم عن هارون بن معروف، عن ابن وهب: ((فقال رجل في
المجلس حينئذ، يقال له: ربيعة بن عطاء، مولى بني زهرة: أفما سمعت أبا محمد،
يذكر عن عائشة قالت: فكان رسول اللّه وَله يرتفق بهما؟ قال ابن القاسم: لا، قال:
لكنّي قد سمعته، یرید القاسم بن محمد».
(يُقَالُ لَهُ: رَبِيعَةُ بْنُ عَطَاءٍ) الزهريّ مولاهم المدنيّ، ويقال: إنه ربيعة بن عطاء بن
يعقوب، مولى ابن سباع، قاله ابن حبّان في ((الثقات))، رَوَى عن القاسم بن محمد.
وعنه بُكير بن الأشجّ. قال الآجريّ، عن أبي داود: ربيعة بن عطاء حدّث عنه العمري
الصغير معروفٌ. وقال النسائيّ: ثقة. وقال ابن حبّان في ((الثقات)): روى عن عروة بن
محمد، وعنه يحيى بن سعيد الأنصاريّ. وقال البخاريّ في ((التاريخ الكبير))، وتبعه أبو
حاتم الرازيّ في كونه مولى ابن سباع. تفرّد به مسلم، والنسائيّ بهذا الحديث فقط.
وفي ((التقريب)): ثقة من السادسة.
وجملة ((يقال له)) في محلّ نصب حال من ((رجل))، أو في محل رفع صفة له، ومقول
((قال)) قوله: (أَنَا سَمِعْتُ أَبَا مُحَمَّدٍ - يَعْنِي الْقَاسِمَ) بن محمد والد عبد الرحمن (عَنْ
عَائِشَةَ) رضي اللَّه تعالى عنها، أنها (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ لَّهِ، يَرْتَفِقُ عَلَيْهِمَا) أي
يتكىء على الوسادتين اللتين عملتهما عائشة رضي اللّه تعالى عنها مما قُطع من ذلك
الستر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه
التكلان .

١٤٣
١١٢- (ذِكْرُ أَشَدِّ الناس عذاباً) - حديث رقم ٥٣٥٨
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥٣٥٧/١١١ - وفي («الكبرى» ١٠٩٩٧٧٦. وأخرجه (م) في ((اللباس))
٢١٠٧ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم
الوكيل.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم التصاوير، وهو
تحريم استعماله. (ومنها): جواز الستارة للحاجة. (ومنها): إزالة المنكر بيده، حيث إنه
وَلة قطع الستر بيده الشريفة، وقد أخرج مسلم، والمصنّف من حديث أبي سعيد
الخدريّ رَّ ، قال:
سمعت رسول اللَّه وَ ل يقول: ((من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع
فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)). (ومنها): جواز استعمال
الثياب التي فيها الصور، إذا غُيّرت عن هيئتها، أو كانت ممتهنةً، توطأ بالأقدام، كما
سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
١١٢- (ذِكْرُ أَشَدِ النَّاسِ عَذَابًا)
٥٣٥٨- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِهِ،
عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ بِّهِ مِنْ سَفَرٍ، وَقَدْ سَتَرْتُ بِقِرَامٍ عَلَى سَهْوَةٍ لِي، فِيهِ
تَصَاوِيرُ، فَتَزَعَهُ، وَقَالَ: ((أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَّ الْقِيَامَةِ، الَّذِينَ يُضَّاهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/١.
٢- (سفيان) بن عيينة الإمام الحجة الثبت [٨] ١/١ . والباقون تقدموا في السند

١٤٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
الماضي. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبغلانيّ، وسفيان،
فمكيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَائِشَةَ) رضي اللَّه تعالى عنها، أنها (قَالَتْ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ وَّ مِنْ سَفَرٍ) في
رواية البيهقيّ أنها غزوة تبوك، وفي رواية أخرى لأبي داود، والنسائيّ: ((غزوة تبوك، أو
خيبر)) بالشكّ. قاله في ((الفتح)) ٥٨٦/١١ (وَقَدْ سَتَرْتُ بِقِرَام) بكسر القاف، وتخفيف
الراء: هو سترٌ فيه رقمٌ، ونقشّ. وقيل: ثوب من صوف، ملون، يُفرش في الهودج، أو
يُغَطَّى به (عَلَى سَهْوَةٍ لِي) بفتح السين المهملة، وسكون الهاء: هي صُفّة من جانب
البيت. وقيل: الكوّة. وقيل: الرفّ. وقيل: أربعة أعواد، أو ثلاثة يُعارَض بعضها
ببعض، يوضع عليها شيء من الأمتعة، وقيل: غير ذلك، وقد تقدّم بعضه قريبًا، وتقدّم
أيضًا مستوفَى في ((الصلاة)) ١٢/ ٧٦١.
(فِيهِ تَصَاوِيرُ) وفي رواية البخاريّ: ((فيه تماثيل))، وهو بمعناه (فَتَزَعَهُ) وفي الرواية
التالية: ((ثم هتكه))، وهو بمعناه، وفي الرواية المتقدّمة من طريق عروة: ((فقال: يا
عائشة، أخْريه عنّي، فنزعته)) (وَقَالَ) وَلَّ (أَشَدُّ النَّاسِ) مبتدأ، خبره الموصول الآتي
(عَذَابًا) منصوب على التمييز (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ظرف لـ((عذابًا)» (الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ) أي
يشابهون اللّه تعالى في خلقه، ويعارضون بما يعملون من الصور، فالباء بمعنى ((في))،
قال الفيّوميّ: ضاهأه مضاهاةً مهموزٌ: عارضه، وباراه، ويجوز التخفيف، فيقال:
ضاهيته مضاهاةً، وقُرىء بهما، وهي مشاكلة الشيء بالشيء. انتهى.
فقوله: ((أشدّ الناس)) على تقدير معنى ((من))؛ لأنه لا يكون أشدّ من فرعون، ونحوه،
ويؤيّد ذلك ما وقع عند مسلم، من طريق أبي معاوية، عن الأعمش: ((إن من أشدّ الناس
عذابًا)) بـ((من)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان،
وعليه التكلان .
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته :
حديث عائشة رضي الله تعالى عنها هذا متفقٌ عليه.

١٤٥
١١٢- (ذکرُ اُشَدِ النَّاس عذابا) - حديث رقم ٥٣٥٨
=
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥٣٥٨/١١٢ و٥٣٥٩ - وفي ((الكبرى)) ٩٧٨٠/١٠٩. وأخرجه (خ)
في ((اللباس)) ٥٩٥٤ و٥٩٥٦ و((الأدب)) ٦١٠٩ و((الاعتصام بالكتاب والسنة)) ٧٣٣٩ (م)
في ((اللباس)) ٢١٠٧ . وفوائده تقدّمت قريبًا.
(المسألة الثالثة): في أقوال أهل العلم في كون المصورين أشدّ الناس عذابًا :
قال النوويّ رحمه اللّه تعالى في ((شرح مسلم)): قيل: هو محمول على من فعل
الصورة لتُعبد، وهو صانع الأصنام، ونحوها، فهذا كافر، وهو أشدّ الناس عذابًا.
وقيل: هو فيمن قصد المعنى الذي في الحديث، من مضاهاة خلق اللّه تعالى، واعتقد
ذلك، فهذا كافر، له من أشدّ العذاب ما للكفّار، ويزيد عذابه بزيادة قبح كفره، فأما من
لم يقصد بها العبادة، ولا المضاهاة، فهو فاسقٌ، صحاب ذنب كبير، ولا يكفر كسائر
المعاصي. انتهى ((شرح مسلم)) ١٤ / ٩١ .
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: ما حاصله: مقتضى قوله: ((أشدّ الناس)) أن لا يكون
في النار أحد يزيد عذابه على المصوّرين، وهذا يعارضه مواضع أخر، منها قوله تعالى:
﴿َدْخِلُوْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦]، وقوله ◌َّر: ((أشدّ الناس عذابًا يوم
القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه))(١) وقوله: ((أشدّ الناس عذابًا يوم القيامة إمام ضلالة))(٢)
ومثله كثير، ووجه التوفيق أن الناس الذين أُضيف إليهم أشدّ لا يُراد بهم كلّ نوع من
الناس، بل بعضهم المشاركون في ذلك المعنى المتوعّد عليه بالعذاب، ففرعون أشدّ
الناس المدّعين للإلهيّة عذابًا، ومن يُقتَدَى به في ضلالة كفره أشدّ ممن يُقتَدَى به في
ضلالة بدعة، ومن صوّر صور ذوات الأرواح أشدّ عذابا ممن يُصوّر ما ليس بذي روح،
إن تنزّلنا على قول من رأى تحريم تصوير ما ليس بذي روح، وهو مجاهد، وإن لم نتنزّل
عليه، فيجوز أن يُعنَى بالمصوّرين الذين يصوّرون الأصنام للعبادة، كما كانت الجاهليّة
تفعل، وكما تفعل النصارى، فإن عذابهم يكون أشدّ ممن يصوّرها لا للعبادة، وهكذا
يعتبر هذا الباب. والله تعالى أعلم. انتهى («المفهم)) ٤٣٠/٥-٤٣١.
وقال في ((الفتح)) ١١/ ٥٨٢ - ٥٨٣: وقد استُشكل كون المصور أشد الناس عذابا،
(١) أخرجه الطبرانيّ في ((المعجم الصغير)) ١/ ١٨٢-١٨٣ والبيهقيّ في ((الشعب)) ١٧٧٨ وهو ضعيفٌ
جدّا، انظر ((ضعيف الجامع الصغير)) للشيخ الألبانيّ رحمه الله تعالى ص١٢٤ رقم ٨٦٨ .
(٢) أخرجه أحمد٣/ ٢٢ والترمذيّ ١٣٢٩ من حديث أبي سعيد الخدريّ رَّ بلفظ: ((أشدّ الناس
عذابًا يوم القيامة إمام جائر))، وفي سنده عطيّة العوفيّ، وهو ضعيف، لكن قال الشيخ الألباني
رحمه اللَّه تعالى في ((صحيح الجامع الصغير)) ٢٣٢/١ رقم ١٠٠١ : حسن.

١٤٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
مع قوله تعالى: ﴿أَدْخِلُواْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ اٌلْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦]، فإنه يقتضي أن يكون
المصور أشد عذابا من آل فرعون.
وأجاب الطبري، بأن المراد هنا مَن يُصَوّر ما يُعبد من دون الله، وهو عارف بذلك،
قاصد له، فإنه يكفر بذلك، فلا يبعد أن يدخل مدخل آل فرعون، وأما من لا يقصد
ذلك، فإنه يكون عاصيا بتصويره فقط .
وأجاب غيره بأن الرواية بإثبات ((من)) ثابتة، وبحذفها محمولة عليها، وإذا كان من
يفعل التصوير من أشد الناس عذابا، كان مشتركا مع غيره، وليس في الآية ما يقتضي
اختصاص آل فرعون بأشد العذاب، بل هم في العذاب الأشد، فكذلك غيرهم يجوز أن
يكون في العذاب الأشد، وقوّى الطحاوي ذلك، بما أخرجه من وجه آخر، عن ابن
مسعود رَّه رفعه: ((إن أشد الناس عذابا يوم القيامة، رجل قتل نبيا، أو قتله نبي،
وإمام ضلالة، وممثل من الممثلين))، وكذا أخرجه أحمد، وأخرج الطحاوي أيضا من
حديث عائشة، مرفوعا: ((أشد الناس عذابا يوم القيامة رجل هجا رجلا، فهجا القبيلة
بأسرها))، قال الطحاوي: فكل واحد من هؤلاء يشترك مع الآخر في شدة العذاب.
وقال أبو الوليد ابن رشد في ((مختصر مشكل الطحاوي)): ما حاصله: إن الوعيد بهذه
الصيغة، إن ورد في حق كافر فلا إشكال فيه؛ لأنه يكون مشتركا في ذلك مع آل
فرعون، ویکون فيه دلالة على عظم کفر المذكور، وإن ورد في حق عاص، فیکون أشد
عذابا من غيره من العصاة، ويكون ذلك دالا على عظم المعصية المذكورة.
وأجاب القرطبي في ((المفهم)) بأن الناس الذين أضيف إليهم ((أَشَدُّ)) لا يراد بهم كل
الناس، بل بعضهم، وهم من يشارك في المعنى المتوعد عليه بالعذاب، ففرعون أشد
الناس الذين ادعوا الإلهية عذابا، ومن يُقتَدَى به في ضلالة كفره أشد عذابا، ممن يُقتَدَى
به في ضلالة فسقه، ومن صور صورة ذات روح للعبادة، أشد عذابا ممن يصورها لا
للعبادة .
[واستشكل]: ظاهر الحديث أيضا بإبليس، وبابن آدم الذي سَنّ القتل.
[وأجيب]: بأنه في إبليس واضح، ويجاب بأن المراد بالناس، من يُنسب إلى آدم،
وأما في ابن آدم، فأجيب بأن الثابت في حقه أن عليه مثل أوزار من يقتل ظلما، ولا
يمتنع أن يشاركه في مثل تعذيبه من ابتدأ الزنا مثلا، فإن عليه مثل أوزار من يزني بعده؛
لأنه أول من سن ذلك، ولعل عدد الزناة أكثر من القاتلين.
قال النووي: قال العلماء: تصوير صورة الحيوان حرام شديد التحريم، وهو من
الكبائر؛ لأنه متوعد عليه بهذا الوعيد الشديد، وسواء صنعه لما يمتهن، أم لغيره،

١٤٧
١١٢ - (ذِكْرُ أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا) - حديث رقم ٥٣٥٨
فصنعه حرام بكل حال، وسواء كان في ثوب، أو بساط، أو درهم، أو دينار، أو فلس،
أو إناء، أو حائط، أو غيرها.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: [إن قيل]: هذا الذي قالوه يستلزم تحريم ما سبق
ترجيحه من جواز استعمال الصور المستثنيات في الحديث، كالذي تمتهن بالوطء
بالأقدام مثلاً.
[قلنا]: حكم التصوير غير حكم استعمال الصور، فالتصوير حرام مطلقًا، واستعمال
المستثنيات من الصور جائز، فيجوز لمن وجد صورة من المستثنيات أن يستعملها؛
الأحاديث الصحاح التي تقدّمت، ولا يجوز له أن يصورها؛ للوعيد المذكور في
أحاديث الباب، والبابين بعده.
والحاصل أن الأحاديث التي فيها الاستثناء إنما تفيد جواز استعمال الصور، لا جواز
التصوير. فليُتنبّه، فإنه من مزالّ الأقدام. والله تعالى أعلم بالصواب.
قال: فأما تصوير ما ليس فيه صورة حيوان، فليس بحرام.
قال الحافظ: ويؤيد التعميم فيما له ظل، وفيما لا ظل له، ما أخرجه أحمد، من
حديث علي رَّه: أن النبي وَّرَ، قال: ((أيكم ينطلق إلى المدينة، فلا يدع بها وثنا إلا
كسره، ولا صورة إلا لطخها))- أي طمسها -... الحديث، وفيه: ((من عاد إلى صنعة
شيء من هذا، فقد كفر بما أنزل على محمد (وَلّه)).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الحديث الذي استدلّ به الحافظ على التعميم
حديث ضعيفٌ؛ لأن في سنده رجل يقال له: أبو محمد الهذليّ، وهو مجهول، وفي
حديثه اضطراب أيضًا، والله تعالى أعلم.
وقال الخطابي: إنما عظمت عقوبة المصور؛ لأن الصور كانت تُعبد من دون اللَّه،
ولأن النظر إليها يَفتن، وبعض النفوس إليها تميل، قال: والمراد بالصور هنا التماثيل
التي لها روح. وقيل: يفرق بين العذاب والعقاب، فالعذاب يطلق على ما يؤلم، من
قول، أو فعل، كالعتب، والإنكار، والعقابُ يختص بالفعل، فلا يلزم من كون المصور
أشد الناس عذابا، أن يكون أشد الناس عقوبة، هكذا ذكره الشريف المرتضى في
((الغرر)).
وتُعُقّب بالآية المشار إليها، وعليها انبنى الإشكال، ولم يكن هو عَرَّج عليها، فلهذا
ارتضى التفرقة. والله أعلم.
واستَدَلّ به أبو علي الفارسي في ((التذكرة)) على تكفير المشبهة، فحمل الحديث
عليهم، وأنهم المراد بقوله: ((المصورون)) أي الذين يعتقدون أن لله صورة.

١٤٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
وتُعُقّب بالحديث الذي جاء بلفظ: ((إن الذين يصنعون هذه الصور، يعذبون))،
وبحديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها بلفظ: ((إن أصحاب هذه الصور يعذبون))، وغیر
ذلك، ولو سُلّم له استدلاله، لم يرد عليه الإشكال المقدم ذكره.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الذي قاله الفارسيّ من تكفير من اعتقد أن لله
صورة مذهب باطلٌ، فقد ثبت إطلاق الصورة للَّه تعالى في الأحاديث الصحيحة،
كالحديث الطويل في الشفاعة المتفق عليه، وفيه: «فيأتيهم الجبّار بصورة غير صورته
التي رأوه فيها ... ))، وغير ذلك، فالواجب على المسلم أن يعتقد اتصاف اللَّه سبحانه
وتعالى بما وصف به نفسه على الوجه الذي أراده، من غير تشبيه، ولا تمثيل، ومن غير
تأويل، ولا تعطيل، فتبصّر بالإنصاف، ولا تتحيّر بالاعتساف، واللَّه تعالى الهادي إلى
سواء السبيل.
وخص بعضهم الوعيد الشديد بمن صَوّر قاصدا أن يضاهي، فإنه يصير بذلك القصد
كافرا، وقد تقدّم حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها في الباب الماضي بلفظ: ((أشد
الناس عذابا الذين يضاهون بخلق اللَّه تعالى))، وأما من عداه فيحرم عليه، ويأثم لكن
إثمه دون إثم المضاهي. وأشد منه من يصور ما يُعبد من دون اللَّه كما تقدّم، وذكر
القرطبي أن أهل الجاهلية كانوا يعملون الأصنام من كل شيء، حتى إن بعضهم عمل
صنمه من عجوة، ثم جاع، فأكله. انتهى ((فتح)) ٥٨٢/١١-٥٨٣. ببعض تصرّف.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٣٥٩- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَقُتَنِبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَنَّهُ
سَمِعَ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ، يُخْبِرُ عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَِّيِّ بَّهِ، قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ
وَِّ، وَقَدْ سَتَرْتُ بِقِرَام فِيهِ تَمَاثِيلُ، فَلَمَّا رَآهُ تَلَوَّنَ وَجْهُهُ، ثُمَّ هَتَكَهُ بِيَدِهِ، وَقَالَ: ((إِنَّ أَشَدَّ
النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَّةِ، الَّذِينَ يُشَبَّهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ)).
قَال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا
غير مرّة. و((سفيان)): هو ابن عيينة.
وقولها: ((فيه تماثيل)) بمعنى تصاوير، كما في الرواية الماضية، وقال في ((الفتح)):
بمثناة، ثم مثلثة: جمع تِمثال، وهو الشيء المصوّر، أعمّ من أن يكون شاخصًا، أو
يكون نقشًا، أو دهانًا، أو نسجًا في ثوب. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد عرفت فيما سبق من الأدلة أن النهي فيما عدا ما
كان رقمًا في ثوب، أو ممتهنّا، أو مقطوع الرأس، فإنها جائزة الاستعمال، فتنبّه. والله
تعالى أعلم.

١٤٩ =
١١٣- (ذِكْرُ مَا يُكَلَُّ أَصْحَابُ الصَّوَرِ ... - حديث رقم ٥٣٦٠
وقولها: ((تلوّن)): أي تغيّر غضبًا للّه تعالى. وقولها: ((ثم هتكه)): أي نزعه.
والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق فيما قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب)).
١١٣- (ذِكْرُ مَا يُكَلَّفُ أَضحَابُ
الصُوَرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قوله: ((ما يُكلّف)) ما)» مصدريّة حرفيّة، والفعل مبنيّ
للمفعول: أي ذكر تكليف أصحاب الصور بنفخ الروح فيها يوم القيامة. والله تعالى
أعلم بالصوابِ.
٥٣٦٠- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ- وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ- قَالَ: حَدَّثَنَا
سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ ابْنٍ عَبَّاسٍ، أَتَاهُ رَجُلٌ
مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ، فَقَالَ: إِنِّي أُصَوَّرُ هَذِهِ التَّصَاوِيرَ، فَمَا تَقُولُ فِيهَا؟ فَقَالَ: ادْنُهُ ادْنُهُ،
سَمِعْتُ مُحَمَّدًا وَّهِ، يَقُولُ: ((مَنْ صَوَّرَ صُورَةً فِي الدُّنْيَا، كُلْفَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا
الرُّوحَ، وَلَيْسَ بِنَافِخِهِ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (عمرو بن عليّ) الفلاس الصيرفيّ البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٤/٤.
٢- (خالد بن الحارث) بن عبيد الْهُجيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٤٢/
٤٧ .
٣- (سعيد بن أبي عروبة) مِهْران اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ، ثقة حافظ،
كثير التدليس، واختلط [٦] ٣٧/٣٤ .
٤- (النضر بن أنس بن مالك الأنصاريّ، أبو مالك البصريّ، ثقة [٣] مات سنة
بضع ومائة ٢/ ٣٣٩٣ .
٥- (ابن عبّاس) عبد الله البحر رضي اللَّه تعالى عنهما٢٧/ ٣١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم

:
١٥٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات البصريين. (ومنها): أن شيخه أحد مشايخ
الأئمة الستة الذين رووا عنهم بدون واسطة، وقد تقدموا غير مرّة. (ومنها): أن فيه ابن
عباس رضي اللّه تعالى عنهما من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (١٦٩٦)
حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ) بن مالك، أنه (قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي اللّه
تعالى عنهما، وفي رواية البخاريّ من طريق عبد الأعلى، عن سعيد بن أبي عروبة،
قال: سمعت النضر بن أنس بن مالك، يحدّث قتادة، قال: كنت عند ابن عبّاس، وهم
يسألونه، ولا يذكر النبيّ وَّل، حتّى سُئل
قال في ((الفتح)): كان سعيد بن أبي عروبة كثير الملازمة لقتادة، فاتفق أن قتادة
والنضر بن أنس اجتمعا، فحدث النضر قتادةَ فسمعه سعيد، وهو معه. ووقع في رواية
المستملي وغيره: ((يحدثه قتادة))، والضمير للحديث، و((قتادةَ)) بالنصب على
المفعولية، والفاعل النضر، وضبطه بعضهم بالرفع، على أن الضمير للنضر، وفاعل
((يحدث)) قتادة، وهو خطأ؛ لأنه لا يلائم قوله: ((سمعت النضر))، ولأن قتادة لم يسمع
من ابن عباس، ولا حضر عنده، وقد وقع التصريح عند البخاري بأن سعيدا سمع من
النضر هذا الحديث الواحد. ووقع في رواية خالد بن الحارث، عن سعيد، عن قتادة،
عن النضر بن أنس، أخرجها الإسماعيلي، وقوله: ((عن قتادة)) من المزيد في متصل
الأسانيد، فإن كان خالد حفظه، احتمل أن يكون سعيد كان سمعه من قتادة، عن
النضر، ثم لقي النضر، فسمعه منه، فكان يحدثه به على الوجهين، وقد حدث به قتادة،
عن النضر، من غير طريق سعيد، أخرجها الإسماعيلي، من رواية هشام الدستوائي،
عن قتادة .
وقوله: ((وهم يسألونه، ولا يذكر النبي (وَلّ): أي يُجيبهم عما يسألونه بالفتوى، من
غير أن يذكر الدليل من السنة، وقد وقع بيان ذلك عند الإسماعيلي، من رواية ابن أبي
عدي، عن سعيد، ولفظه: ((فجعلوا يستفتونه، ويُفتيهم، ولم يذكر فيما يفتيهم النبيَّ
بَالتر. انتهى ((فتح)) ٥٩٥/١١.
(أَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ) زاد في رواية: ((أُراه نَجَار)) (فَقَالَ: إِنِّي أُصَوِّرُ هَذِهِ
التَّصَاوِيرَ، فَمَا تَقُولُ فِيهَا؟) وفي رواية: ((فقال: إني أُصَوِّر هذه التصاوير، فما تأمرني؟،
وفي رواية: ((قال: كنت عند ابن عباس، إذ أتاه رجل، فقال: يا أبا عباس، إني إنسان،
إنما معيشتي من صنعة يدي)) (فَقَّالَ) ابن عبّاس رضي اللَّه تعالى عنهما (اذْنُه اذْنُه) أمر

١٥١
١١٣- (ذِكْرُ مَا يُكَلَُّ أَصْحَابُ الصُّوَرِ ... - حديث رقم ٥٣٦٠
بالدّنُوّ من دنا يدنو دُنُوّا من باب قعد، وإنما أمره بالدنوّ؛ ليكون أوقع في زجره،
والتكرار للتأكيد، والهاء للسكت، وهي ساكنة، قال في ((الخلاصة)):
وَقِفْ بِهَا السَّكْتِ عَلَى الْفِعْلِ الْمُعَلُّ بِحَذْفِ آخِرٍ كَـ« أَعْطِ مَنْ سَأَلْ))
كَايَعِ)) مَجْزُومَا فَرَاعِ مَا رَعَوْا
وَلَيْسَ حَتْمًا فِي سِوَى مَا كَاع)) أَوْ
(سَمِعْتُ مُحَمَّدًا ◌َِّ، يَقُولُ: «مَنْ صوّرَ صُورَةً) أي صورة ذي روح، بدليل ما سيأتي
من قوله، كما في رواية مسلم: ((إن كنت لا بدّ فاعلًا، فاصنع الشجر، وما لا نفس له))
(فِي الدُّنْيَا) قال في ((الفتح)): كذا أطلقه، وظاهره التعميم، فيتناول صورة ما لا روح
فيه، لكن الذي فَهِم ابن عباس من بقية الحديث التخصيصُ بصورة ذوات الأرواح من
قوله: ((كُلّف أن ينفخ فيها الروح))، فاستثنى ما لا روح فيه، كالشجر (كُلّفَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ) وفي رواية سعيد بن أبي الحسن عند البخاريّ: ((فإن الله يعذبه،
حتى ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ فيها أبدا))، واستعمال ((حتى)) هنا نظير استعمالها في
قوله تعالى: ﴿حَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ الآية [الأعراف: ٤٠]، وكذا قولهم: لا
أفعل كذا حتى يشيب الغراب.
قال الکرماني رحمه الله تعالی: ظاهره أنه من تكلیف ما لا يطاق، وليس كذلك،
وإنما القصد طول تعذيبه، وإظهار عجزه عما كان تعاطاه، ومبالغة في توبيخه، وبيان
قبح فعله.
وقوله: (وَلَيْسَ بِنَافِخِهِ)) أي لا يمكنه ذلك، فيكون معذبا دائما، وفي حديث ابن عمر
رضي اللّه تعالى عنهما: ((أنه يقال للمصورين: أحيوا ما خلقتم))، وأنه أمر تعجيز.
[وقد استُشكل]: هذا الوعيد في حق المسلم، فإن وعيد القاتل عمدا ينقطع عند أهل
السنة مع ورود تخليده، بحمل التخليد على مدة مديدة، وهذا الوعيد أشد منه؛ لأنه مغيا
بما لا يمكن، وهو نفخ الروح، فلا يصح أن يُحمل على أن المراد أنه يعذب زمانا
طويلا، ثم يتخلص.
[والجواب]: أنه يتعين تأويل الحديث على أن المراد به الزجر الشديد، بالوعيد
بعقاب الكافر؛ ليكون أبلغ في الارتداع، وظاهره غير مراد، وهذا في حق العاصي
بذلك، وأما من فعله مُسْتَحِلّا، فلا إشكال فيه. قاله في ((الفتح)) ١١/ ٥٩٥-٥٩٦ .
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما هذا متّفقٌ عليه.

١٥٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥٣٦٠/١١٣ و٥٣٦١ - وفي ((الكبرى)) ١٠٩/ ٩٧٨٢ و٩٧٨٣ .
وأخرجه (خ) في ((البيوع)) ٢٢٢٥ و(اللباس)) ٥٩٦٣ و((التعبير)) ٧٠٤٢ (م) في ((اللباس
والزينة)) ٢١١٠ و٢١١١ و٢١١٢ (د) في (الأدب)) ٥٠٢٤ (ت) في ((اللباس)) ١٧٥١
(أحمد) في ((مسند بني هاشم)) ١٨٦٩ و٢١٦٣ و٢٢١٤ و٢٢٦٢ و٢٣٨٤. والله تعالى
أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان ما يُعذّب به أصحاب
الصور من نفخ الروح يوم القيامة. (ومنها): أنه استُدِلّ به على أن أفعال العباد مخلوقة
لله تعالى؛ للحوق الوعيد بمن تشبه بالخالق، فدل على أن غير اللَّه ليس بخالق حقيقة.
وقد أجاب بعضهم بأن الوعيد وقع على خلق الجواهر. ورُدّ بأن الوعيد لاحق باعتبار
الشكل والهيئة، وليس ذلك بجوهر، وأما استثناء غير ذي الروح، فورد مورد الرخصة.
(ومنها): أن في قوله: ((كُلّف يوم القيامة)) رَدٌّ على من زعم أن الآخرة ليست بدار
تكلیف .
[وأجيب]: بأن المراد بالنفي أنها ليست بدار تكليف، بعمل يترتب عليه ثواب، أو
عقاب، وأما مثل هذا التكليف، فليس بممتنع؛ لأنه نفسه عذاب، وهو نظير الحديث
الآخر: ((من قَتَل نفسه بحديدة، فحديدته في يده، یجأ بها نفسه يوم القيامة))، فالتكليف
بالعمل في الدنيا حسن، على مصطلح أهل علم الكلام، بخلاف هذا التكليف الذي هو
عذاب .
(ومنها): أنه استُدِلّ به على جواز التكليف بما لا يطاق.
والجواب ما تقدم، وأيضا فنفخ الروح في الجماد، قد ورد معجزة للنبي بَّ، فهو
یمکن، وإن كان في وقوعه خرق عادة.
والحق أنه خطاب تعجيز، لا تكليف، كما تقدم. والله أعلم.
(ومنها): أنه استُدِلّ به على جواز تصوير ما لا روح له، من شجر، أو شمس، أو
قمر، ونقل الشيخ أبو محمد الجويني وجها بالمنع؛ لأن من الكفار من عبدها.
قال الحافظ: ولا يلزم من تعذيب من يُصَوّر ما فيه روح بما ذكر، تجويز تصوير ما لا
روح فيه، فإن عموم قوله: ((الذين يضاهون بخلق الله))، وقوله: ((ومن أظلم ممن ذهب
يخلق کخلقي)، يتناول ما فیہ روح، وما لا روح فيه، فإن خص ما فيه روح بالمعنى،
من جهة أنه مما لم تجر عادة الآدميين بصنعته، وجرت عادتهم بغرس الأشجار مثلا،

١١٣- (ذِكْرُ مَا يُكَلِّفُ أَصْحَابُ الصُّوَرِ ... - حديث رقم ٥٣٦١
١٥٣
امتنع ذلك في مثل تصوير الشمس والقمر، ويتأكد المنع بما عُبد من دون اللَّه، فإنه
يضاهي صورة الأصنام التي هي الأصل، في منع التصوير، وقد قید مجاهد صاحب ابن
عباس جواز تصوير الشجر بما لا يثمر، وأما ما يثمر فألحقه بما له روح.
قال القاضي عياض: لم يقله أحد غير مجاهد، ورده الطحاوي بأن الصورة لما
أبيحت بعد قطع رأسها، التي لو قطعت من ذي الروح لما عاش، دل ذلك على إباحة ما
لا روح له أصلا.
قال الحافظ: وقضيته أن تجويز تصوير ما له روح بجميع أعضائه إلا الرأس فيه نظر لا
يخفى، وأظن مجاهدا سمع حديث أبي هريرة ◌َّه، ففيه: «فليخلقوا ذَرَّةً، وليخلقوا
شعيرةً))، فإن في ذكر الذرة إشارة إلى ما له روح، وفي ذكر الشعيرة إشارة إلى ما يَنْبُت
مما يؤكل، وأما ما لا روح فيه، ولا يثمر فلا تقع الإشارة إليه، ويقابل هذا التشديد ما
حكاه أبو محمد الجويني، أن نسج الصورة في الثوب لا يمتنع؛ لأنه قد يُلبَس، وطرده
المتولي في التصوير على الأرض، ونحوها، وصحح النووي تحريم جميع ذلك، قال
النووي: ويُستثنى من جواز تصوير ما له ظل، ومن اتخاذه لُعَب البنات؛ لما ورد من
الرخصة في ذلك. ذكره في ((الفتح)) ٥٩٦/١١ -٥٩٧.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: استثناء اتخاذ لُعَب البنات محلّ نظر، فإن النصّ جاء
بترخيص استعمالها، لا باتخاذها، فتأمّل الفرق بينهما. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٣٦١- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَیُوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَِّ: ((مَنْ صَوَّرَ صُورَةً، عُذْبَ حَتَّى يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ، وَلَيْسَ بِنَافِخِ
فیھا))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا
غير مرّة. و((حمّاد)): هو ابن زيد. و((أيوب)): هو السختيانيّ. و((عكرمة)): هو مولى ابن
عبّاس.
وقوله: ((عُذّب حتى ينفخ الخ)): قال السنديّ رحمه الله تعالى: قد جعل غاية عذابه
نفخ الروح، وأخبر أنه ليس بنافخ، فيلزم أن يكون معذّبًا دائمًا، وهذا في حقّ من كفر
بالتصوير، بأن يصوّر مستحلًا، أو لِتُعبد، أو يكون كافرًا في الأصل، وأما غيره، وهو
العاصي بفعل ذلك، غير مستحلّ له، ولا قاصد أن تُعبد، فيُعذّبُ إن لم يعف اللَّه تعالى
عنه عذابًا يستحقّه، ثم يخلص منه، أو المراد به الزجر، والتشديد، والتغليظ؛ ليكون
أبلغ في الارتداع، وظاهره غیر مراد. انتهى.
١

١٥٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قد تقدّم تمام البحث في ذلك في الحديث الماضي،
فلا تنس. والله تعالى وليّ التوفيق.
والحديث أخرجه البخاريّ في ((التعبير)) ٧٠٤٢ مطوّلًا (د) في ((الأدب)) ٥٠٢٤ مطوّلًا
(ت) في ((اللباس)) ١٧٥١ وفي ((الرؤيا)) ٢٢٣٨ (ق) في ((تعبير الرؤيا)) ٣٩١٦. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٣٦٢- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ،
عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ: (مَنْ صَوَّرَ صُورَةً، كُلِّفَ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ، أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ، وَلَيْسَ بِنَافِخٍ))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجالَ هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا
غير مرّة. و((عمرو بن عليّ)): هو الفلاس. و((عفّان)): هو ابن مسلم الصفّار الحافظ
الثبت. و((همّام)): هو ابن يحيى الْعَوْذيّ.
والسند مسلسلٌ بثقات البصريين، غير عكرمة، وأبي هريرة تنظّ فمدنيّان، وفيه أبو
هريرة رَزمي أكثر الصحابة رواية للحديث، روى (٥٣٧٤).
والحديث صحيحٌ، وهو بهذا السند من أفراد المصنف رحمه اللَّه تعالى، أخرجه
هنا - ٥٣٦٢/١١٣- وفي ((الكبرى)) ٩٧٨٤/١٠٩. وأخرجه (أحمد) في ((باقي مسند
المكثرين)» ١٠١٧١ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا،
ونعم الوكيل .
٥٣٦٣- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّدٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ
النَّبِيِّ وَِّ، قَالَ: ((إِنَّ أَضْحَابَ هَذِهِ الصَّوَرِ الَّذِينَ يَصْنَعُونَها، يُعَذَّبُوَّنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يُقَالُ
لَهُمْ: أَخْيُوا مَا خَلَقْتُمْ))).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا
غير مرّة. و((حماد))، و((أيوب)) هما المذكوران في السند السابق قبل سند.
وقوله: ((يقال لهم: أحيوا ما خلقتم)): أي صوّرتم، فالخلق هنا بمعنى التصوير،
وأمرهم بذلك أمر تعجيز، ويستفاد منه صفة تعذيب المصوّر، وهو أن يكلّف نفخ الروح
في الصورة التي صوّرها، وهو لا يقدر على ذلك، فيستمرّ تعذيبه. وتمام شرح الحديث
سبق قريبًا، وفيه مسألتان:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:

١٥٥ =
١١٣- (ذِكْرُ مَا يُكَلُِّ أَصْحَابُ الصُّوَرِ ... - حديث رقم ٥٣٦٥
أخرجه هنا-٥٣٦٣/١١٣ - وفي ((الكبرى)) ٩٧٨٧/١٠٩. وأخرجه (خ) في
((اللباس)) ٥٩٥١ و((التوحيد)) ٧٥٥٨ (م) في ((اللباس والزينة)) ٢١٠٨ (أحمد) في ((مسند
المكثرين)» ٤٤٦١ و٤٦٩٣ و٤٧٧٧ و٥١٤٦ ٥٧٣٣ و ٦٠٤٨ و٦٢٠٥ و٦٢٢٦ . والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٣٦٤ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ، زَوْج
النَّبِّ ◌َِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَّهِ قَالَ: ((إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصَّوَرِ، يُعَذَّبُونَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيُقَالُ
لَهُمْ: أَخْيُوا مَا خَلَقْتُمْ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا
غير مرّة. و((الليث)): هو ابن سعد. و((نافع)): هو مولى ابن عمر. و((القاسم)): هو ابن
محمد بن أبي بكر الصدّيق، وشرح الحديث يُعلم مما سبق، وفيه مسألتان:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عائشة رضي اللَّه تعالى عنها هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥٣٦٤/١١٣ و٥٣٦٥ - وفي ((الكبرى)) ٩٧٨٩/١٠٩ و٩٧٩٠ .
وأخرجه (خ) في (البيوع)) ٢١٠٥ و((بدء الخلق)) ٣٢٢٤ و((النكاح)) ٥١٨١ و((اللباس))
٥٩٥٧ و٥٩٦١ و((التوحيد)» ٧٥٥٧ (م) في ((اللباس والزينة)) ٢١٠٧ (ق) في ((التجارات))
٢١٥١ (أحمد) في ((باقي مسند الأنصار)) ٢٥٥٥٩ (الموطأ) في ((الجامع)) ١٨٠٣. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٣٦٥- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سِمَاكِ، عَنِ الْقَّاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ،
عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ نَّهِ، أَنَّا قَالَتْ: ((إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الَّذِينَ
يُضَاهُونَ اللَّهَ فِي خَلْقِهِ))).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا
غير مرّة. و((أبو عوانة)): هو الوضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ. و((سماك)): هو
ابن حرب، أبو المغيرة الكوفيّ.
والحديث موقوف، وقد صحّ مرفوعًا في الروايات السابقة، وهو من أفراد المصنّف
رحمه الله تعالى، أخرجه هنا-٥٣٦٥/١١٣ - وفي ((الكبرى)) ٩٧٩٠/١٠٩. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).

١٥٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
١١٤ - (ذِكْرُ أَشَدِ النَّاسِ عَذَابًا)
٥٣٦٦- (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِم
ح وَأَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَخْتِى بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، قَالَ: حَدَّثَنَا
إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيًّا، قَالَ: حَدْثَنَا حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ صُبَيِحٍ، عَنْ
مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ،
الْمُصَوِّرُونَ))، وَقَالَ أَحْمَدُ: ((الْمُصَوْرِينَ))).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((أحمد بن حرب)): هو الطائيّ الموصليّ، صدوقٌ
[١٠] من أفراد المصنّف. و((محمد بن يحيى بن محمد)): هو الْحزّانيّ الكلبيّ لقبه لؤلُؤْ
ثقة صاحب حديث [١١] من أفراد المصنّف أيضًا. و((أبو معاوية)): هو محمد بن خازم
الضرير الكوفيّ. و((محمد بن الصبّاح)): هو أبو جعفر الدُّولابيّ البغداديّ الثقة الحافظ
[١٠].
و ((إسماعيل بن زكريّا)) بن مرّة الْخُلْقانيّ- بضمّ المعجمة، وسكون اللام، بعدها
قاف-الأسديّ، أبو زكريّا الكوفيّ الملقّب شَقُوصا- بفتح المعجمة، وضمّ القاف
الخفيفة، وبالمهملة- صدوقٌ، يُخطىء قليلًا [٨].
رَوَى عن أبي بردة بن أبي موسى، وعاصم الأحول، والأعمش، وإسماعيل بن أبي
خالد، وأبي إسحاق الشيباني، وطلحة بن يحيى، ومالك بن مغول، وغيرهم. وعنه
سعيد بن منصور، وأبو الربيع الزهراني، ومحمد بن الصياح الدُّولابي، ومحمد بن بكار
ابن الريان، ولُوين، وعِدّة.
قال الفضل بن زياد: سألت أحمد عن أبي شهاب، وإسماعيل بن زكريا؟ فقال:
كلاهما ثقة. وقال أبو داود عنه: ما کان به بأس. وقال ابن معين: ليس به بأس. وقال
في موضع آخر: صالح الحديث، قيل له: أفحجة هو؟ قال: الحجة شيء آخر. وقال
أبو الحسن الميموني، عن أحمد: أما الأحاديث المشهورة التي يرويها، فهو فيها مقارب
الحديث، صالح، ولكن ليس ينشرح الصدر له، ليس يعرف هكذا، يريد بالطلب.
وعن يحيى بن معين: ضعيف الحديث. وقال الدارمي، عن ابن معين: يحيى يعني ابن
أبي زائدة- أحب إليّ من إسماعيل. وقال الدُّوري، وابن أبي خيثمة: ثقة. وقال
النسائي: أرجو أن لا يكون به بأس. وقال ابن خراش: صدوق. وقال أبو حاتم:
صالح، وحديثه مقارب. وقال ابن حبان في ((الثقات)): رَوَى عن يحيى بن سعيد
سبـ

١٥٧=
١١٤ - (ذِكْرُ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا) - حديث رقم ٥٣٦٦
الأنصاري. وقال الليث بن عَبْدة، عن ابن معين: ضعيف. وقال أحمد بن ثابت، أبو
يحيى: عن أحمد بن حنبل: ضعيف. وقال محمد بن الصياح: كتب عنّي ابنُ معين
حديثَ الْخُلْقاني. وقال العجلي: كوفي ضعيف الحديث. وقال الآجري، عن أبي
داود: ثقة. وقال النسائي في ((الجرح والتعديل)): ليس بالقوي. وقال ابن عدي:
ولإسماعيل من الحديث صدر صالح، وهو حسن الحديث، يُكتَب حديثه. وقال
العقيلي: حدثنا محمد بن أحمد، ثنا إبراهيم بن الجنيد، ثنا أحمد بن الوليد بن أبان،
حدثني حسين بن حسن، حدثني خالي، إبراهيم: سمعت إسماعيل الخلقاني، يقول:
الذي نادى من جانب الطور عبده عليّ بن أبي طالب، قال: وسمعته يقول: هو الأول،
والآخر، علي بن أبي طالب.
قال الحافظ: وقرأت بخط الذهبي: هذا السند مظلم، ولم يصح عن الخلقاني هذا
الكلام، فإن هذا كلام زندیق. انتهى.
قال ابن سعد وغيره: مات في أول سنة (١٧٣) وقال أبو الأحوص البغوي: مات
سنة (٧٤). روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
و(حُصين بن عبد الرحمن)): هو السلميّ، أبو الهذيل الكوفيّ، ثقة تغيّر حفظه في
الآخر [٥].
و((مسلم بن صُبيح))- بضم الصاد المهملة، مصغّرًا -: هو أبو الضُّحى الكوفيّ العطّار
الثقة الفاضل [٤]. و((عبد الله)): هو ابن مسعود تَظ.
وقوله: ((المصوّرن)) بالرفع على أن اسم ((إنّ)) ضمير الشأن، مقدّرًا: أي إنه،
و((المصوّرون)) مبتدأ مؤخّر، و((من أشدّ الناس)) خبر مقدّم، والجملة في موضع رفع خبر
((إنّ)) .
وقوله: ((وقال أحمد: المصوّرين)): أي قال شيخه الأول، وهو أحمد بن حرب في
روايته: ((المصوّرين)) بالنصب على أنه اسم ((إنّ)) مؤخّرًا، و((من أشدّ الناس)) خبرها
مقدّمًا. وتمام شرح الحديث سبق قريبًا. وفيه مسألتان:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد الله بن مسعود رَّه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥٣٦٦/١١٤ - وفي «الكبرى» ٩٧٩٤/١٠٩ و٩٧٩٥. وأخرجه (خ)
في ((اللباس)) ٥٩٥٠ (م) في ((اللباس والزينة)) ٢١٠٩ (أحمد) في ((مسند المكثرين))
٣٥٤٧ و٤٠٤٠. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا،

١٥٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
ونعم الوكيل.
٥٣٦٧ - (أَخْبَرَنَا هَنَّاهُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: اسْتَأْذَنَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامِ عَلَّى النَّبِيِّ وَِّ، فَقَالَ: ((ادْخُلْ))، فَقَالَ:
كَيْفَ أَدْخُلُ، وَفِي بَيْتِكَ سِتْرٌ فِيهِ تَصَاوِيرُ؟، فَإِمَّا أَنْ تُقْطَعَ رُءُوسُهَا، أَوْ تُجْعَلَ بِسَاطًا
يُوطَأُ، فَإِنَّا مَعْشَرَ الْمَلَائِكَةِ، لَا نَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ تَصَاوِيرُ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (هنّاد بن السّريّ) بن مصعب التميميّ، أبو السريّ الكوفيّ، ثقة [١٠]٢٥/٢٣.
٢- (أبو بكر) بن عيّاش بن سالم الأسديّ مولاهم الكوفيّ المقرىء الْحَّاط، مشهور
بكنيته، والأصحّ أنها اسمه، وقيل: محمد، وقيل: شعبة، وقيل: غير ذلك، ثقة عابد،
إلا أنه لما كبر ساء حفظه، وكتابه صحيح [٧] ٩٨/ ١٢٧ .
٣- (أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعيّ الكوفيّ، ثقة عابد، يدلّس، واختلط
بآخره [٣] ٤٢/٣٨ .
٤- (مجاهد) بن جبر المخزوميّ مولاهم، أبو الحجاج المكيّ، ثقة ثبت إمام [٣]
٣١/٢٧ .
٥- (أبو هريرة) رضي اللّه تعالى عنه١/١ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير مجاهد، فمكيّ، وأبي هريرة
رَزّه، فمدنيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة ◌َظته أحفظ
من روى الحديث في دهره. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َظُثيه ، وفي رواية أبي داود، من طريق يونس بن أبي إسحاق، عن
أبي إسحاق، عن مجاهد، ((قال: أخبرنا أبو هريرة رَظّه، قال: قال رسول اللّه والتى:
أتاني جبريل، فقال لي: أتيتك البارحة، فلم يمنعني أن أكون دخلت إلا أنه كان على
الباب تماثيل ... )) الحديث (قَالَ) أي أبو هريرة تَّه، آخذًا عن النبيّ وَّه كما
أوضحته رواية أبي داود المذكورة (اسْتَأْذَنَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامِ عَلَى النَّبِيِّ وَّ) أي في
دخول بيته بََّ (فَقَالَ) وَ (ادْخُلْ) بهمزة الوصل، أمر بالدخول (فَقَّالَ) جبريلَالسَّلامُ
(كَيْفَ أَدْخُلُ، وَفِي بَيْتِكَ سِتْرٌ) بكسر، فسكون، وفي رواية أبي داود: ((قرام ستر))،

١١٤- (ذِكْرُ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا) - حديث رقم ٥٣٦٧
١٥٩ ==
بكسر القاف، وتخفيف الراء، والتنوين، فيكون ((ستر)) بالرفع بدلًا من ((قرام))، ورُوي
بحذف التنوين، والإضافة، وهو الستر الرقيق من صوف، ذو ألوان. قاله في ((عون
المعبود» ١٤٢/١١ (فِيهِ تَصَاوِيرُ) وفي رواية أبي داود: (فيه تماثيل))، وهو جمع تِمثال
بكسر أوله، وهو بمعنى التصاوير، والمراد بها صورة الحيوان (فَإِمَّا أَنْ تُقْطَعَ رُءُوسُهَا)
ببناء الفعل للمفعول، وفي رواية أبي داود: «فمر برأس التمثال الذي في البيت يُقطع،
فيصير كهيئة الشجرة)).
(أَوْ تُجْعَلَ بِسَاطًا يُوطَأُ) بالبناء للمفعول أيضًا، وفي رواية أبي داود: ((ومر بالستر،
فليُقطَّع، فيُجعل منه وسادتين منبوذتين(١) توطآن، ومر بالكلب، فليُخرج، ففعل رسول
اللّهِ وَ له، وإذا الكلب لحسن، أو حسين، كان تحت نَضَد لهم، فأمر به، فأَخرِج)). قال
أبو داود: والنضَد: شيء توضع عليه الثياب، شبه السرير. انتهى.
قال الخطابيّ: فيه دليلٌ على أن الصورة إذا غُيّرت بأن يُقطع رأسها، أو تُحلّ أوصالها
حتى يُغيّر هيئتها عمّا كانت عليه، لم يكن بها بعد ذلك بأس. انتهى ((معالم السنن)) ٦/
٨٢ .
وقال القاريّ: والمراد بقطع الستر التوصّل إلى جعله وسادتين، كما هو ظاهر من
الحديث، فيفيد جواز استعمال ما فيه الصورة بنحو الوسادة، والفراش، والبساط.
انتھی .
(فَإِنَّا مَعْشَرَ الْمَلَائِكَةِ) بنصب ((معشر)) على الاختصاص، كما قال في ((الخلاصة)):
الاخْتِصَاصُ كَنِدَاءِ دُونَ ((يَا)) كَـ«أَّا الْفَتَى)) بِإِثْرِ (ارْجُونِيَا))
كَمِثْلِ «نَحْنُ الْعُرْبَ أَسْخَى مَنْ بَذَلْ
وَقَدْ يُرَى ذَا دُونَ أَيَّ تِلْوَ ((أَلْ))
(لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ تَصَاوِيرُ) يعني التصاوير الباقية على هيئتها، دون تغيير لها، كما بيّنه
قوله: («فإما أن تُقطع الخ)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
(١) هكذا نسخ أبي داود بالياء، والظاهر أنه ((وسادتان)) بالألف على أنه نائب فاعل ((يُجعل))، فالله
تعالى أعلم .

١٦٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
أخرجه هنا-١١٤/ ٥٣٦٧- وفي ((الكبرى)) ٩٧٩٣/١٠٩. وأخرجه (د) في
((اللباس)) ٤١٥٨ (ت) في ((الأدب)) ٢٨٠٦ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ٧٩٨٥
و٨٠١٨ و٨٨٢٠ و٩٨٣٧. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)) .
١١٥- (اللُّحْفُ)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((اللُّحُفُ)) - بضمّتين: جمع لِحاف، بكسر اللام: وهو
كلُّ ثوب يُتغطّى به، ككتاب وكُتُب، وأما الملحفة بكسر الميم: فهي الْمُلاءَةُ التي
تلتحف بها المرأة. أفاده الفيّوميّ. والله تعالى أعلم بالصواب.
٥٣٦٨- (أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ قَرْعَةَ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حَبِيبٍ، وَمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ
أَشْعَثَ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ
اللّهِ وَلِّ، لَا يُصَلِّي فِي لُحُفِنَا، قَالَ سُفْيَانُ: مَلَّاحِفِنَا).
رجال هذا الإسناد : سبعة :
١- (الحسن بن قَزَعة) الهاشميّ مولاهم البصريّ، صدوق [١٠] ١٧٣١/٤٧.
٢- (سفيان بن حبيب) البزاز، أبو محمد البصريّ، ثقة [٩] ٦٧/ ٨٢.
٣- (معتمر بن سليمان) التيميّ، أبو محمد البصريّ الملقّب بالطفيل، ثقة، من كبار
[٩] ١٠/١٠ .
٤- (أشعث) بن عبد الملك الْحُمْرانيّ، أبو هانىء البصريّ، ثقة فقيه [٦] ١٢٩/
١٩١ .
٥- (محمد بن سيرين) الأنصاريّ مولاهم، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت عابد [٣]
٤٦/ ٥٧ .
٦- (عبد الله بن شقيق) الْعُقَيليّ البصريّ، ثقة، فيه نصبٌ [٣]١٥٤٤/١٧.
٧- (عائشة) أم المؤمنين رضي اللّه تعالى عنها٥/٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم