النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
٩٩- (لُبْسُ الأقبية) - حديث رقم ٥٣٢٦
=
يقول في شيء من حديثه: ((سمعت))، ولم أُخبّر أن أحدًا يزعم أنه سمع من الصحابة.
انتهى .
فالذي يظهر أن رواية أبي قلابة، عن سمرة هي الراجحة؛ لأن سماع أبي قلابة عن
سمرة ثابت، كما في ((تهذيب التهذيب)) ٢/ ٣٤٠. فليُتأمل. والله تعالى أعلم.
والحديث صحيحٌ، وقد تقدّم في ((كتاب الجنائز)× ١٨٩٦/٣٨. ومضى شرحه،
وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٣٢٥- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ سَمُرَةَ،
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ: ((عَلَيْكُمْ بِالْبَيَاضِ مِنَ الثّيَّابِ، فَلْيَلْبَسْهَا أَحْيَاؤُكُمْ، وَكَفُّوا فِيهَا
مَوْتَاكُمْ، فَإِنَّا مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكُمْ))).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا
أيضًا. و((حماد)): هو ابن زيد.
والحديث صحيح، كما سبق بيانه في الحديث الذي قبله. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنيب)).
٩٩- (لُبْسُ الأَقْبِيَةِ)
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: (الأقبية)) -بالفتح: جمع قَبَاء بالمدّ- قال الفيوميّ:
والقباء عربيّ، والجمع أقبيةٌ، وكأنه مشتقّ من قبوتُ الحرف أَقْبُوه قَبْوًا: إذا ضممته.
انتھی .
وقال الإمام البخاريّ رحمه اللّه تعالى في ((صحيحه)): ((باب القباء، وفَرُوج حریر،
وهو القباء، ويقال: هو الذي له شِقّ من خلفه)). انتهى.
قال في ((الفتح)) ٤٤٤/١١: قوله: ((القباء))- بفتح القاف، وبالموحدة، ممدود،
فارسي، مُعَرَّب، وقيل: عربي، واشتقاقه من القَبْوٍ: وهو الضم.
وقوله: (وفَرُّوج حرير))- بفتح الفاء، وتشديد الراء المضمومة، وآخره جيم -.
وقوله: ((وهو القباء)): ووقع كذلك مُفَسَّرا في بعض طرق الحديث، كما سأبينه

٨٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
وقوله: ((ويقال: هو الذي له شق من خلفه))، أي فهو قباء مخصوص، وبهذا جزم أبو
عبيد، ومن تبعه من أصحاب الغريب؛ نظرا لاشتقاقه، وقال ابن فارس: هو قميص
الصبي الصغير، وقال القرطبي: القباء، والفروج كلاهما ثوب ضيق الكمين، والوسط
مشقوق من خلف، يُلبَس في السفر والحرب؛ لأنه أعون على الحركة. انتهى. والله
تعالى أعلم بالصواب.
٥٣٢٦ - (أَخْبَرَنَا قُتِبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ الْمِسْوَرِ ابْنِ
مَخْرَمَةَ، قَالَ: قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ أَقْبِيَّةٌ، وَلَمْ يُعْطِ مَخْرَمَةَ شَيْئًا، فَقَالَ مَخْرَمَةُ: يَا بُنَيَّ انْطَلِقْ
بِنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَِّ، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، قَالَ: ادْخُلْ، فَادْعُهُ لِي، قَالَ: فَدَعَوْتُهُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ،
وَعَلَيْهِ قِبَاءٌ مِنْهَا، فَقَالَ: ((خَبَّأْتُ هَذَا لَكَ))، فَتَظَرَ إِلَيْهِ، فَِسَهُ مَخْرَمَةُ).
رجال هذا الإسناد: أربعة :
١- (قتيبة بن سعيد) المذكور في الباب الماضي.
٢- (الليث) بن سعد الفهميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقة ثبت إمام [٧] ٣٥/٣١.
٣- (ابن أبي مليكة) هو عبد الله بن عبيد الله بن عبد الله بن أبي مليكة زهير بن عبد
الله بن جُدعان التيميّ المكيّ، ثقة فقيه، أدرك ثلاثين من أصحاب النبيّ وَلاير [٣] ١٠١/
١٣٢ .
٤- (الْمِسْوَر بن مخرمة) الزهريّ، أبو عبد الرحمن الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي
اللَّه تعالى عنهما، مات سنة (٦٤)، وتقدّمت ترجمته في ٩٣٦/٣٧. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من رباعيات المصنف رحمه الله تعالى، وهو (٢٥٤) من رباعيات
الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه مصريين، وهما:
شيخه، والليث، ومكيّ، وهو ابن أبي مليكة، ومدنيّ، وهو المسور وَّه. والله
تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) في رواية أحمد، عن أبي النضر هاشم، عن الليث، حدثني عبد
اللّه بن عبيد الله بن أبي مليكة (عَنِ الْمِسْوَرِ) بكسر الميم، وسكون السين المهملة،
وفتح الواو (ابْنِ مَخْرَمَةَ) بفتح الميم، وسكون الخاء المعجمة، وفتح الراء- الصحابي
ابن الصحابيّ رضي الله تعالى عنهما.
[تنبيه]: قوله: ((عن المسور بن مَخْرَمة الخ)): هكذا أسنده الليث بن سعد، وتابعه

٨٣
٩٩- (لُبُسُ الأقبية) - حديث رقم ٥٣٢٦
حاتم بن وردان، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة، كما عند البخاريّ في ((الشهادات))،
وأرسله حماد بن زيد، كما عنده أيضًا في ((الخمس))، وتابعه ابن عليّة، كما عنده أيضًا
في ((الأدب))، كلاهما عن أيوب، وقد رجّح الإمام البخاريّ رحمه اللّه تعالى
الموصول؛ لحفظ من وصله. أفاده في ((الفتح)) ٣٥٣/٦ في ((كتاب فرض الخمس))،
و٤٤٤/١١ ((كتاب اللباس)).
(قَالَ: قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ أَقْبِيَةً) وفي رواية حاتم المذكورة: ((قَدِمت على النبيّ وَّل
أقبيةٌ))، وفي رواية حماد: ((أهديت للنبيّ وَل أقبية من ديباج، مزرورة بالذهب، فقسمها
في ناس من أصحابه)).
(وَلَمْ يُعْطِ مَخْرَمَةَ شَيْئًا) أي في حال تلك القسمة، وإلا فقد وقع في رواية حماد بن
زيد، عند البخاريّ متصلا بقوله: ((من أصحابه، وعزل منها واحدا لمخرمة)).
ومخرمة هو والد المسور وهو ابن نوفل الزهري، كان من رؤساء قريش، ومن
العارفين بالنسب، وأنصاب الحرم، وتأخر إسلامه إلى الفتح، وشهد حنينا، وأُعطي من
تلك الغنيمة مع المؤلفة، ومات سنة أربع وخمسين، وهو ابن مائة وخمس عشرة سنة،
ذكره ابن سعد. قاله في ((الفتح)) ٤٤٤/١١ .
وفي ((الإصابة)) ٦/ ٥٠: ٧٨٤٥ -مخرمة بن نوفل بن أُهيب بن عبد مناف بن زُهرة
ابن كلاب، أبو صفوان، وأبو المسور الزهري، أمه رُقيقة بنت أبي صيفي بن هاشم بن
عبد مناف بن زهرة بن كلاب، وهو والد المسور بن مخرمة الصحابي المشهور، قال
الزبير بن بكار: كان من مسلمة الفتح، وكانت له سن عالية، وعلم بالنسب، فكان
يؤخذ عنه النسب. وزاد ابن سعد: وكان عالما بأنصاب الحرم، فبعثه عمر، هو وسعيد
ابن يربوع، وأزهر بن عبد عوف، وحويطب بن عبد العزى، فجددوها، وذكر أن عثمان
بعثهم أيضا، وأخرج الزبير بن بكار، من حديث ابن عباس: أن جبريل عليه السلام أَرى
إبراهيم عليه السلام، أنصاب الحرم، فنصبها، ثم جددها إسماعيل غلَلا، ثم جددها
قصي بن كلاب، ثم جددها النبي وَّر، ثم بعث عمر الأربعة المذكورين، فجددوها،
وفي سنده عبد العزيز بن عمران، وفيه ضعف. انتهى المقصود من ((الإصابة)) ٦/ ٥٠.
(فَقَالَ مَخْرَمَةُ: يَا بُنَّيَّ) بضم أوله: تصغير ((ابن)) (انْطَلِقْ بِنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَلَّ) وفي
رواية حاتم: ((عسى أن يُعطينا منها شيئًا)) (فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، قَالَ: ادْخُلْ، فَادْعُهُ لِي) في
رواية حاتم: ((فقام أبي على الباب، فتكلم، فعرف النبي ◌َّر صوته))، قال ابن التين:
لعل خروج النبي ◌َّ، عند سماع صوت مخرمة، صادف دخول المسور إليه.
(قَالَ: فَدَعَوْتُهُ) أي النبيّ ◌َهِ (فَخَرَجَ إِلَيْهِ) أي إلى مخرمة (وَعَلَيْهِ قِيَاءٌ مِنْهَا) جملة في

٨٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
محلّ نصب على الحال.
ثم إن ظاهره استعمالُ الحرير، قيل: ويجوز أن يكون قبل النهي، ويحتمل أن يكون
المراد أنه نشره على أكتافه؛ ليراه مخرمة كُلُّه، ولم يقصد لبسه، ولا يتعين- كما قال
الحافظ- كونه على أكتافه، بل يكفي أن يكون منشورا على يديه، فيكون قوله: ((عليه))
من إطلاق الكل على البعض، وقد وقع في رواية حاتم: «فخرج، ومعه قباء، وهو يريه
محاسنه))، وفي رواية حماد: «فتلقاه به، واستقبله بأزراره)).
(فَقَالَ) ◌َِّ (خَبَّأْتُ هَذَا لَكَ) وفي رواية حاتم، تكرار ذلك، زاد في رواية حماد: ((يا
أبا المسور)»، هكذا دعاه أبا المسور، وكأنه على سبيل التأنيس له، ذكر ولده الذي جاء
صحبته، وإلا فكنيته في الأصل أبا صفوان، وهو أكبر أولاده، ذكر ذلك ابن سعد.
(فَتَظَرَ إِلَيْهِ، فَلَبِسَهُ مَخْرَمَةُ) هكذا رواية المصنّف رحمه الله تعالى، فيكون كلٌّ من
((نظر))، و(لبس)) قد تنازعا في ((مخرمة))، على الفاعلية، وفي رواية البخاريّ: ((فنظر إليه
مخرمة، فقال: رضي مخرمة))، قال في ((الفتح)): زاد في رواية هاشم: ((فأعطاه إياه))،
وجزم الداودي أن قوله: ((رضي مخرمة)) من كلام النبي وَّر على جهة الاستفهام: أي
هل رضيت؟ وقال ابن التين: يحتمل أن يكون من قول مخرمة، قال الحافظ: وهو
المتبادر للذهن. وزاد حماد في آخر الحديث: ((وكان في خلقه شدة)). والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث المسور بن مخرمة رضي اللّه تعالى عنهما هذا متفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥٣٢٦/٩٩- وفي ((الكبرى)) ٩٦٦٣/٩٥ . وأخرجه (خ) في ((الهبة))
٢٥٩٩ و((الشهادات)) ٢٦٥٧ و((فرض الخمس)) ٣١٢٧ و((اللباس)) ٥٨٠٠ و((الأدب))
٦١٣٢ (م) في ((الزكاة)) ١٠٥٨ (د) في ((اللباس)) ٤٠٢٨ (ت) ((الأدب)). ٢٨١٨ والله
تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه اللّه تعالى، وهو بيان جواز لبس الأقبية.
(ومنها): استئلاف من كان سيّء الأخلاق بالعطية، والكلام الطيب، كما فعل النبيّ وَله
مع مخرمة، حيث كان في خلقه شدّة. (ومنها): أن فيه الاكتفاءَ في الهبة بالقبض.
(ومنها): أن البخاريّ ◌َّه استدلّ به على جواز شهادة الأعمى؛ لأن النبي ◌ََّ، عَرَف

٨٥ ===
١٠٠- (لُسُ السّراوِيل) - حديث رقم ٥٣٢٧
صوت مخرمة، فاعتمد على معرفته به، وخرج إليه، ومعه القباء الذي خبأه له.
(ومنها): أن بعض المالكية استنبط منه جواز الشهادة على الخط. وتُعُقّب بأن الخطوط
تشتبه أكثر مما تشتبه الأصوات. (ومنها): أن فيه ردًا على من زعم أن المسور لا صحبة
له. قاله في ((الفتح)) ٤٤٥/١١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
١٠٠ - (لُبْسُ السَّرَاوِيلِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((السراويل)): فارسيّ مُعرّبٌ، يذكّر، ويؤنث، ولم
يَعرف الأصمعيّ فيها إلا التأنيث، قال قيس بن عُبادة:
أَرَدْتُ لِكَيْمَا يَعْلَمَ النَّاسُ أَنَّا سَرَاوِيلُ قَيْسٍ وَالْوُفُودُ شُهُودُ
سَرَاوِيلُ عَادِيِّ نَمَتْهُ ثَمُودُ
وَأَنْ لَا يَقُولُوا غَابَ قَيْسٌ وَهَذِهِ
قال ابن سِيده: بلغنا أن قيسًا طاول رُوميًا بين يدي معاوية، أو غيره من الأمراء،
فتجرّد قيسٌ من سراويله، وألقاها إلى الروميّ، ففَضِلَت عنه، فعل ذلك بين يدي
معاوية، فقال هذين البيتين، يعتذر من إلقاء سراويله في المشهد المجموع. وقال
الليث: ((السروايل)): أعجميّة، أُعربت، وأُنّثت، والجمع سراويلات. قال سيبويه: ولا
يُكسّر؛ لأنه لو كُسّر لم يرجع إلا إلى لفظ الواحد، فتُرك، وقد قيل: سراويل جمعٌ
واحدته سِرْوالٌ، قال:
عَلَيْهِ مِنَ اللُّؤْمِ سِزْوَالَةٌ فَلَيْسَ يَرِقُّ لِمُسْتَغْطِفٍ
وقال سيبويه: سراويل واحدة، وهي أعجميّة أُعربت، فأشبهت من كلامهم ما لا
ينصرف في معرفة، ولا نكرة، قال: وإن سمّيت بها رجلًا لم تصرفها، وكذلك إن
حَقْرتها- أي صغّرتها- اسم رجل؛ لأنها مؤنّثة على أكثر من ثلاثة أحرف، مثلُ عناق.
أفاده في ((لسان العرب».
وإلى ذلك أشار ابن مالك في ((الخلاصة))، حيث قال بعد ذكر صيغتي منتهى
الجموع :
شَبَةُ اقْتَضَى عُمُومَ الْمَتْعِ
وَلِسَرَاوِيلَ بَهِذَا الْجَمْعِ

٨٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
والله تعالى أعلم بالصواب.
٥٣٢٧- (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرو
بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ سَمِعَ النَِّيَّ ◌َّهِ، يَقُولُ بِعَرَفَاتٍ، فَقَالَ:
(مَّنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا فَلْيَلْبَسِ السَّرَاوِيلَ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنٍ))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا
غير مرّة. و((محمد)): هو ابن جعفر المعروف بغندر. و((جابر بن زيد)): هو أبو الشعثاء
الأزديّ البصريّ الثقة الفقيه [٣]. والسند مسلسل بثقات البصريين، غير عمرو بن دينار،
فإنه مكيّ، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
والحديث متّفقٌ عليه، وتقدّم في ((كتاب الحجّ)) ٢٦٧١/٣٢ وقد استوفيت شرحه،
وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد. واستدلال المصنّف رحمه الله تعالى على ما ترجم
له هنا واضحة، حيث أمر النبيّ وَلّ المحرم الذي لا يجد الإزار أن يلبس السراويل، فدلّ
على أنه من الثياب التي يجوز لبسها. لكن الحديث مقيّد بالمحرم، إذا لم يجد إزارًا،
وقد أجاد في ((الكبرى)) ٥/ ٤٨٢ حيث ترجم بقوله:
((السراويل)):
٩٦٧٠- أخبرنا يعقوب بن إبراهيم، عن عبد الرحمن، عن سفيان، عن سماك، عن
سويد بن قيس، قال: جلبت أنا ومَخْرَفة العبدي بَزًا من هَجَر، فأتانا رسول اللَّه وَيته
ونحن بمنى، ووزان يزن بالأجر، فاشترى منا سراويلا، فقال للوزان: ((زِنْ، وأَزْجِخ)).
((عبد الرحمن)): هو ابن مهديّ. و((سفيان)): هو الثوريّ. و((سماك)): هو ابن حرب.
والحديث صحيح، وقد تقدّم في ((المجتبى)) في ((كتاب البيوع)) ٥٤/ ٤٥٩٤ .
٠١
٩٦٧١ - أخبرنا محمود بن غيلان، قال: ثنا أبو داود، قال: أنا شعبة، عن سماك،
قال: سمعت أبا صفوان، يقول: بعت من رسول اللَّه وَله رِجْلا من سراويل، قبل
الهجرة بثلاثة دراهم، فوزن لي، فأرجح لي.
٩٦٧٢- أخبرنا محمد بن المثنى، ومحمد بن بشار، عن محمد، قال: ثنا شعبة،
عن سماك بن حرب، قال: سمعت مالكا أبا صفوان بن عميرة، قال: بعت من رسول
اللّهِ وَ لّ رجل سراويل، قبل الهجرة، فأرجح لي.
والحديث صحيح، وقد تقدّم في ((المجتبى)) في ((البيوع)) أيضًا ٤٥٩٥/٥٤ .
٩٦٧٣ -أخبرني إبراهيم بن يعقوب، قال: حدثني سهل بن حماد، وأبو عَتّاب
الدلال، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا سماك بن حرب، قال: سمعت مالكا أبا صفوان،
يقول: أتيت مكة، ورسول اللّه وَل بها، فاشترى مني رجل سراويل، فوزن، فأرجح.

١٠١- (التَّغْلِيظُ فِي جَرّ الإزارِ) - حديث رقم ٥٣٢٨
٨٧
ثم ساق حديث ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما المذكور في الباب، ثم قال:
(لبس السراويل لمن لم يجد الإزار))
٩٦٧٥ - أخبرني عمرو بن منصور، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن عمرو
ابن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، عن النبي ◌َّر، قال: «من لم يجد إزارا،
فليلبس سراويل، ومن لم يجد نعلين، فليلبس خفين)). انتهى. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
١٠١- (التَّغْلِيظُ فِي جَرِّ الإِزَارِ)
٥٣٢٨- (أَخْبَرَنَا وَهْبُ بْنُ بَيَانٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِ يُونُسُ، عَنِ
ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ سَالِمًا أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ، قَالَ: ((بَيْنَا
رَجَّلْ يَجُزَّ إِزَارَهُ مِنَ الْخُيَلَاءِ، خُسِفَ بِهِ، فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِي الْأَرْضِ إِلَى بَوْمِ الْقِيَامَةِ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (وهب بن بيان) أبو عبد الله الواسطيّ، نزيل مصر، ثقة عابد [١٠] ١٣٩٩/٢٠.
٢- (ابن وهب) عبد الله المصريّ، ثقة حافظ عابد [٩] ٩/٩.
٣- (يونس) بن يزيد الأيليّ، أبو يزيد، ثقة [٧] ٩/٩.
٤ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهريّ الإمام الحجة الثبت [٤] ١/١ .
٥- (سالم) بن عبد الله بن عمر المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت عابد [٤٩٠/٢٣.
٦- (عبد الله بن عمر) بن الخطّاب رضي اللّه تعالى عنهما١٢/١٢. والله تعالى
أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو، وأبو داود. (ومنها): أن نصفه الأول
مسلسل بثقات المصريين، والثاني بثقات المدنيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن
تابعيّ، والابن عن أبيه. (ومنها): أن فيه سالمًا أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال.
والله تعالى أعلم.

٨٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
شرح الحديث
عن سالم بن عبد الله رحمه اللَّه تعالى (أَنَّ) أباه (عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ) بن الخطّاب رضي
اللَّه تعالى عنهما (حَدَّثَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِ، قَالَ: ((بَيْنَا) وفي نسخة: ((بينما)) (رَجُلٌ)
زاد مسلم في حديث أبي هريرة تظلّ من طريق أبي رافع عنه: «ممن كان قبلكم»، وقد
أخرجه أحمد من حديث أبي سعيد، وأبو يعلى من حديث أنس، وفي روايتهما أيضا:
((ممن كان قبلكم))، وبذلك جزم النووي، وأما ما أخرجه أبو يعلى من طريق كريب،
قال: كنت أقود ابن عباس، فقال: حدثني العباس، قال: ((بينا أنا مع رسول اللَّه ◌َّر،
إذ أقبل رجل يتبختر بين ثوبين ... )) الحديث، فهو ظاهر في أنه وقع في زمن النبي ◌َلقر،
فسنده ضعيف، والأول صحيح. ويحتمل التعدد، أو الجمع بأن المراد من كان قبل
المخاطبين بذلك، كأبي هريرة، فقد أخرج أبو بكر بن أبي شيبة، وأبو يعلى، وأصله
عند أحمد، ومسلم: ((أن رجلا من قريش أتى أبا هريرة، في حلة يتبختر فيها، فقال: يا
أبا هريرة، إنك تكثر الحديث، فهل سمعته يقول في حلتي هذه: شيئا؟ فقال: والله
إنكم لتؤذوننا، ولولا ما أخذ اللَّه على أهل الكتاب ليبيننه للناس، ولا يكتمونه، ما
حدثتكم بشيء، سمعت ... )) فذكر الحديث، وقال في آخره: ((فوالله ما أدري لعله
كان من قومك)). وذكر السهيلي في ((مبهمات القرآن)) في ((سورة والصافات)) عن الطبري
أن اسم الرجل المذكور الهيزن، وأنه من أعراب فارس، وهذا أخرجه الطبري في
((التاريخ)) من طريق ابن جريج، عن شعيب الجياني. وجزم الكلاباذي في ((معاني
الأخبار)) بأنه قارون، وكذا ذكر الجوهري في ((الصحاح))، وكأن المستند في ذلك ما
أخرجه الحارث بن أبي أسامة، من حديث أبي هريرة، وابن عباس، بسند ضعيف جدا،
قالا: خطبنا رسول اللّه وَله، فذكر الحديث الطويل، وفيه: ((ومن لبس ثوبا، فاختال
فيه، خُسف به من شفير جهنم، فيتجلجل فيها؛ لأن قارون لبس حلة، فاختال فيها،
فخسف به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة)). وروى الطبري في ((التاريخ)) من
طريق سعيد ابن أبي عروبة، عن قتادة، قال: ذُكر لنا أنه يُخسف بقارون كل يوم قامة،
وأنه يتجلجل فيما لا يبلغ قعرها إلى يوم القيامة)).
(يَجُرُّ إِزَارَهُ) قال في ((الفتح)): الاقتصار على الإزار، لا يدفع وجود الرداء، وإنما
خص الإزار بالذكر؛ لأنه هو الذي يظهر به الخيلاء غالبا. انتهى.
وفي حديث أبي هريرة تظمثُه: ((يمشي في حلة))، والحلة ثوبان أحدهما فوق الآخر،
وقيل: إزار ورداء، وهو الأشهر، ووقع في رواية الأعرج وهمام جميعا عن أبي هريرة،
عند مسلم: ((بينما رجل يتبختر في برديه)). وفي حديث أبي سعيد، عند أحمد، وأنس

=
٨٩
١٠١- (التَّغْلِيظُ فِي جَرِّ الإزارِ) - حديث رقم ٥٣٢٨
عند أبي يعلى: ((خرج في بردين، يختال فيهما)).
(مِنَ الْخُيَلَاءِ) ((من)) تعليليّة: أي لأجل الخيلاء، وهو بضمّ الخاء المعجمة، وتخفيف
المثناة التحتيّة، والمدّ -: الكبر، والإعجاب بالنفس، ومنه سُمّيت الخيل؛ لاختيالها،
وهو إعجابها بنفسها مَرَحًا. وقال النوويّ: قال العلماء: الخيلاء بالمدّ، والْمَخِيلة،
والْبَطَرُ، والكِبرُ، والزهو، والتبختر كلها بمعنّى واحد، وهو حرام، ويقال: خال الرجل
خالًا، واختال اختيالًا: إذا تكبّر، وهو رجل خال: أي متكبّرٌ، وصاحب خال: أي
صاحب كبر. انتهى ((شرح مسلم)) ١٤ / ٦١.
وقال القرطبيّ: المشهور في ((الخيلاء)) بضم الخاء، وقد قيلت بكسرها. انتهى
((المفهم)) ٤٠٥/٥ .
وفي حديث أبي هريرة تَظمي عند البخاريّ: (تُعجبه نفسه))، وفي رواية: ((فأعجبته
څمته، وبُرداء)).
قال القرطبي: إعجاب المرء بنفسه، هو ملاحظته لها بعين الكمال، مع نسيان نعمة
اللّه، فإن احتقر غيره مع ذلك، فهو الكبر المذموم. انتهى.
(خُسِفَ بِهِ) بالبناء للمفعول، يقال: خَسَفَ المكانُ خَسْفًا، من باب ضرب، وخُسُوفًا
أيضًا: غار في الأرض، وخسفه الله يتعدّى، ولا يتعدّى. قاله الفيّوميّ.
وفي حديث أبي هريرة تنمي: ((إذ خسف الله به))، وفي رواية: ((فخسف اللَّه به
الأرض))، والأول أظهر في سرعة وقوع ذلك به.
(فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِي الْأَرْضِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ))) وفي رواية الربيع بن مسلم، عند مسلم:
((فهو يتجلجل في الأرض حتى تقوم الساعة))، ومثله في رواية أبي رافع، ووقع في رواية
همام، عن أبي هريرة، عند أحمد: ((حتى يوم القيامة)).
و((التجلجل))- بجيمين -: التحرك، وقيل: الجلجلة الحركة مع صوت، وقال ابن
دُريد: كل شيء خلطت بعضه ببعض، فقد جلجلته، وقال ابن فارس: التجلجل: أن
يسوخ في الأرض، مع اضطراب شديد، ويندفع من شق إلى شق.
فالمعنى يتجلجل في الأرض: أي ينزل فيها مضطربا، متدافعا. وحكى عياض أنه
رُوي ((يَتَجَلَّل)) بجيم واحدة، ولام ثقيلة، وهو بمعنى يتغطى: أي تُغطّيه الأرضُ.
وحكى عن بعض الروايات أيضا: ((يتخلخل)) بخاءين معجمتين، واستبعدها، إلا أن
يكون من قولهم: خلخلت العظم: إذا أخذت ما عليه من اللحم. وجاء في غير
((الصحيحين)): ((يتحلحل)) بحاءين مهملتين. قال الحافظ: والكل تصحيف إلا الأول.
ومقتضى هذا الحديث أن الأرض لا تأكل جسد هذا الرجل، فيمكن أن يُلغَز به،

٩٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
فيقال: كافر لا يبلى جسده بعد الموت. قاله في ((الفتح)) ١١/ ٤٣٣. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد الله بن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما هذا أخرجه البخاريّ.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥٣٢٨/١٠١- وفي ((الكبرى)) ٩٦٧٦/١٠٠. وأخرجه (خ) في
((أحاديث الأنبياء)) ٣٤٨٥ و((اللباس)) ٥٧٩٠ (أحمد) في ((مسند المكثرين)) ٥٣١٨.
والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان تغليظ الوعيد في جرّ
الإزار. (ومنها): تحريم جرّ الإزار تحت الكعبين، ولولم يكن بقصد الخيلاء؛ للأحاديث
الدالة عليه، كحديث أبي هريرة تَظّ الآتي قريبًا، مرفوعًا: ((ما تحت الكعبين ففي
النار)). (ومنها): تحريم الخيلاء؛ لأنه من صفات أهل النار، لما أخرجه الشيخان في
(صحيحيهما)) من حديث حارثة بن وهب الخزاعي تظمثله، قال: سمعت النبي ◌َّر،
يقول: ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف، مُتَضَعُّف، لو أقسم على اللَّه لأبره، ألا
أخبركم بأهل النار؟ كل عُتُلّ، جَوّاظ، مستكبر)). (ومنها): أن الله سبحانه وتعالى
يعاقب المختال بخسف به، فهو ينزل إلى قعر الأض إلى يوم القيامة، وهذا وعيد
شديد! (ومنها): جواز الخسف في هذه الأمة؛ لأنه ◌َ* ما ذكر ذلك إلا لتحذير أمته أن
يصيبها ما أصاب الأمم السابقة.
(ومنها): ما قاله في ((الفتح)) ٤٣١/١١- ٤٣٢: يُستنبط من سياق الأحاديث، أن
التقييد بالجر خرج للغالب، وأن البطر، والتبختر مذموم، ولو لمن شَمَّر ثوبه، والذي
يجتمع من الأدلة أن من قصد بالملبوس الحسن إظهار نعمة الله عليه، مستحضرا لها،
شاكرا عليها، غير محتقر لمن ليس له مثله، لا يضره ما لبس من المباحات، ولو كان
في غاية النفاسة، ففي ((صحيح مسلم)) عن ابن مسعود رَمّه، أن رسول اللَّه وَ لِّ قال:
((لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر))، فقال رجل: إن الرجل يحب أن
یکون ثوبه حسنا، ونعله حسنة؟، فقال: ((إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بَطَر الحق،
وغَمْطُ الناس)). وقوله: ((وغمط))- بفتح المعجمة، وسكون الميم، ثم مهلمة -:
الاحتقار.

٩١
١٠١- (التَّغْلِيظُ فِي جَرُ الإزار) - حديث رقم ٥٣٢٨
وأما ما أخرجه الطبري، من حديث علي ◌َّه: إن الرجل يعجبه أن يكون شراك
نعله أجود، من شراك صاحبه، فيدخل في قوله تعالى: ﴿ِلْكَ الذَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْمَلُهَا لِلَّذِينَ
لَا يُرِيدُونَ عُلُوَا فِ اُلْأَرْضِ﴾ الآية [القصص: ٨٣]، فقد جمع الطبري بينه، وبين حديث ابن
مسعود تَّ بأن حديث علي تَّ محمول على من أحب ذلك؛ ليتعظم به على
صاحبه، لا من أحب ذلك؛ ابتهاجا بنعمة اللّه عليه، فقد أخرج الترمذي، وحسّنه، من
رواية عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، رفعه: ((إن الله يحب أن يَرَى أثر نعمته
على عبده))، وله شاهد عند أبي يعلى، من حديث أبي سعيد تعظيم . وأخرج النسائي
(٥٢٢٥)، وأبو داود، وصححه ابن حبان، والحاكم، من حديث أبي الأحوص، عوف
بن مالك الجشمي، عن أبيه، أن النبي وَّ، قال له- ورآه رَثّ الثياب -: ((إذا آتاك الله ما
لَا، فَلْيُرَ أثره عليك))، أي بأن يلبس ثيابا تليق بحاله، من النفاسة والنظافة؛ ليعرفه
المحتاجون للطلب منه، مع مراعاة القصد، وترك الإسراف؛ جمعا بين الأدلة.
[تكملة]: الرجل الذي أبهم في حديث ابن مسعود رَظّه هو سَوَاد بن عمرو
الأنصاري تَّ ، وأخرجه الطبري من طريقه، ووقع ذلك لجماعة غيره. قاله في
((الفتح)) ٤٣٢/١١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الإسبال تحت الكعبين:
قال في ((الفتح)): في هذه الأحاديث أن إسبال الإزار للخيلاء كبيرة، وأما الإسبال
لغير الخيلاء، فظاهر الأحاديث تحريمه أيضا، ولكن استُدلّ بالتقييد في هذه الأحاديث
بالخيلاء، على أن الإطلاق في الزجر الوارد في ذم الإسبال، محمول على المقيد هنا،
فلا يحرم الجر والاسبال، إذا سلم من الخيلاء، قال ابن عبد البر: مفهومه أن الجر لغير
الخيلاء لا يلحقه الوعيد، إلا أنّ جر القميص وغيره من الثياب مذموم، على كل حال.
وقال النووي: لا يجوز الإسبال تحت الكعبين للخيلاء، فإن كان لغيرها فهو مكروه،
وهكذا نص الشافعي على الفرق بين الجر للخيلاء، ولغير الخيلاء، قال: والمستحب
أن يكون الإزار إلى نصف الساق، والجائز بلا كراهية ما تحته إلى الكعبين، وما نزل عن
الكعبين ممنوع، منع تحريم إن كان للخيلاء، وإلا فمنع تنزيه؛ لأن الأحاديث الواردة في
الزجر عن الإسبال مطلقة، فيجب تقيدها بالإسبال للخيلاء. انتهى.
والنص الذي أشار إليه ذكره البويطي في ((مختصره)) عن الشافعي، قال: لا يجوز السدل
في الصلاة، ولا في غيرها للخيلاء، ولغيرها خفيف؛ لقول النبي ◌َّةٍ لأبي بكر(١). انتهى.
(١) يعني قوله: ((لَسْتَ منهم)).

٩٢
-
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
وقوله: ((خفيف)) ليس صريحا في نفي التحريم، بل هو محمول على أن ذلك بالنسبة
للجر خيلاء، فأما لغير الخيلاء فيختلف الحال، فإن كان الثوب على قدر لا بسه، لكنه
يسدله فهذا لا يظهر فيه تحريم، ولا سيما إن كان عن غير قصد، كالذي وقع لأبي بكر
رَيّ، وان كان الثوب زائدا على قدر لابسه، فهذا قد يتجه المنع فيه، من جهة
الإسراف، فينتهي إلى التحريم، وقد يتجه المنع فيه من جهة التشبه بالنساء، وهو أمكن
فيه من الأول. وقد صحح الحاكم من حديث أبي هريرة تَظّم: ((أن رسول اللّه وَتِ،
لعن الرجل يلبس لِيْسة المرأة)). وقد يتجه المنع فيه من جهة أن لابسه لا يأمن من تعلق
النجاسة به، وإلى ذلك يشير الحديث الذي أخرجه الترمذي في ((الشمائل))، والنسائي،
من طريق أشعث بن أبي الشعثاء - وأسم أبيه سليم المحاربي - عن عمته - واسمها رُهْم
بضم الراء، وسكون الهاء، وهي بنت الأسود بن حنظلة- عن عمها- واسمه عبيد بن
خالد- قال: كنت أمشي، وعلي بُرد أجره، فقال لي رجل: ((ارفع ثوبك، فإنه أنقى،
وأبقى))، فنظرت، فإذا هو النبي وَلّر، فقلت: إنما هي بردة ملحاء، فقال: ((أما لك فيّ
أسوة؟)) قال: فنظرت، فإذا إزاره إلى أنصاف ساقيه، وسنده قبلها جيد.
وقوله: ((ملحاء))- بفتح الميم، وبمهملة قبلها سكون، ممدودة: أي فيها خطوط
سود، وبيض.
وفي قصة قتل عمر رَّه أنه قال الشاب الذي دخل عليه: ((ارفع ثوبك، فإنه أنقى
لثوبك، وأتقى لربك)).
ويتجه المنع أيضا في الإسبال من جهة أخرى، وهي كونه مظنة الخيلاء.
قال ابن العربي رحمه الله تعالى: لا يجوز للرجل أن يجاوز بثوبه كعبه، ويقول: لا
أجره خيلاء؛ لأن النهي قد تناوله لفظا، ولا يجوز لمن تناوله اللفظ حكما، أن يقول:
لا أمتثله؛ لأن تلك العلة ليست فيّ؛ فإنها دعوى غير مسلمة، بل إطالته ذيله دالة على
تكبره. انتهى ملخصا.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن العربيّ رحمه اللّه تعالى هو عين
التحقيق، الذي لا يستقيم غيره مع هذه النصوص الظاهرة في التحريم، وحاصله أن
الإسبال يستلزم جر الثوب، وجر الثوب يستلزم الخيلاء، ولولم يقصد اللابس الخيلاء،
فيحرم عليه؛ كما دلّت على ذلك ظواهر النصوص الواردة في النهي عن الإسبال.
ويؤيده ما أخرجه أحمد بن منيع، من وجه آخر، عن ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما
في أثناء حديث رفعه: (وإياك وجرَّ الإزار، فإن جر الإزار من المخيلة))، وأخرج
الطبراني من حديث أبي أمامة تنظيم: بينما نحن مع رسول اللّه ◌َله، إذ لحقنا عمرو بن

٩٣
١٠١- (التَّغْلِيظُ فِي جَرّ الإزار) - حديث رقم ٥٣٢٨
زُرارة الأنصاري، في حلة إزار ورداء، قد أسبل، فجعل رسول اللَّه ◌َل يأخذ بناحية
ثوبه، ويتواضع لله، ويقول: عبدك وابن عبدك وأمتك، حتى سمعها عمرو، فقال: يا
رسول اللَّه، إني حَمْشُ الساقين(١)، فقال: يا عمرو، إن الله قد أحسن كل شيء خلقه،
يا عمرو، إن الله لا يحب المسبل ... )) الحديث، وأخرجه أحمد من حديث عمرو
نفسه، لكن قال في روايته، عن عمرو بن فلان، وأخرجه الطبراني أيضا، فقال: عن
عمرو بن زرارة، وفيه: ((وضرب رسول اللّه وَ له، بأربع أصابع تحت ركبة عمرو، فقال:
يا عمرو هذا موضع الإزار، ثم ضرب بأربع أصابع، تحت الأربع، فقال: يا عمرو هذا
موضع الإزار ... )) الحديث، ورجاله ثقات، وظاهره أن عمرا المذكور، لم يقصد
بإسباله الخيلاء، وقد منعه من ذلك؛ لكونه مظنة. وأخرج الطبراني، من حديث الشريد
الثقفي، قال: أبصر النبي وَلّ رجلا، قد أسبل إزاره، فقال: ((ارفع إزارك))، فقال: إني
أحنف تَصطكّ ركبتاي، فقال: ((ارفع إزارك، فكل خلق الله حسن))، أخرجه مسدد،
وأبو بكر بن أبي شيبة، من طرق عن رجل من ثقيف، لم يُسم، وفي آخره: ((ذاك أقبح
مما بساقك)).
وأما ما أخرجه ابن أبي شيبة، عن ابن مسعود ◌َّه بسند جيد أنه كان يُسبل إزاره،
فقيل له في ذلك؟ فقال: إني حَمْشُ الساقين، فهو محمول على أنه أسبله زيادة على
المستحب، وهو أن يكون إلى نصف الساق، ولا يظن به أنه جاوز به الكعبين، والتعليل
يرشد إليه، ومع ذلك فلعله لم تبلغه قصة عمرو بن زرارة. والله أعلم.
وأحرج النسائي في ((الکبری)) ٤٨٨/٥، وابن ماجه، وصححه ابن حبان، من حديث
المغيرة بن شعبة ري: رأيت رسول اللّه وَ ل#، أخذ برداء سفيان بن سهيل، وهو
يقول: ((يا سفيان لا تسبل، فإن الله لا يحب المسبلين)). قاله في ((الفتح)) ٤٣٦/١١-
٤٣٧ .
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قد تلخّص مما ذُكر من الأدلة أن جرّ الإزار تحت
الكعبين حرام، ولو لم يكن بقصد الخيلاء؛ لأنه وَ لير جعله من المخيلة، وأما إذا كان
بقصد الخيلاء، فهو أشدّ تحريمًا، وله الوعيد المذكور في حديث الباب، وأما ما تقدّم
من قول النوويّ: إنه مكروه تنزيها، فلا يخفى ضعفه، فتبصّر.
ومما يؤيّد أن الجر المذكور محرّم مطلقًا فهم أم سلمة رضي الله تعالى عنها، كما
سيأتي في ٥٣٣٨/١٠٥ - حينما سمعت من النبيّ وَ لاّ قوله: ((من جرّ ثوبه من الخيلاء لم
(١) (حَمْشُ الساقين)) بفتح الحاء المهملة، وسكون الميم، وزان فَلْس: أي دقيقهما.

٩٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
ينظر الله إليه)) قالت: فكيف تصنع النساء بذيولهنّ؟، قال: ((يرخينه شبرًا ... ))
الحدیث.
قال في ((الفتح)): يستفاد من هذا الفهم- يعني فهم أم سلمة هذا- التعقبُ على من
قال: إن الأحاديث المطلقة في الزجر عن الإسبال، مقيدة بالأحاديث الأخرى المصرحة
بمن فعله خيلاء، قال النووي: ظواهر الأحاديث في تقييدها بالجر خيلاء، يقتضي أن
التحريم مختص بالخيلاء.
ووجه التعقب أنه لو كان كذلك، لما كان في استفسار أم سلمة، عن حكم النساء في
جر ذيولهن معنى، بل فهمت الزجر عن الإسبال مطلقا، سواء كان عن مَخِيلة أم لا،
فسألت عن حكم النساء في ذلك؛ لاحتياجهن إلى الإسبال، من أجل ستر العورة؛ لأن
جميع قدمها عورة، فبَيَّن لها أن حكمهن في ذلك خارج عن حكم الرجال في هذا المعنى
فقط، وقد نقل عياض الإجماع على أن المنع في حق الرجال دون النساء، ومراده منع
الإسبال؛ لتقريره وَله أم سلمة على فهمها، إلا أنه بين لها أنه عام مخصوص؛ لتفرقته
في الجواب بين الرجال والنساء في الإسبال، وتبيينه القدر الذي يمنع ما بعده في
حقهن، كما بيَّن ذلك في حق الرجال. انتهى.
وخلاصة القول في هذه المسألة أن الإسبال محرّم مطلقًا، سواء كان خيلاء، وهو
أشد تحريما، أم لا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا،
ونعم الوكيل.
٥٣٢٩- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعِ حِ وَأَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ
مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللّهِ وَهِ: (مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ)) أَوْ قَالَ: ((إِنَّ الَّذِي يَجُرُّ ثَوْبَهُ مِّنَ الْخُيَلَاءِ، لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ»).
رجال هذا الإسناد: سبعة :
١- (قتيبة بن سعيد) المذكور قبل باب.
٢- (الليث) بن سعد المذكور قبل باب أيضًا.
٣- (إسماعيل) بن مسعود الجحدريّ البصريّ، ثقة [١٠] ٤٢ /٤٧.
٤ - (بشر) بن المفضّل بن لاحق الرقاشيّ البصريّ، ثقة ثبت عابد [٨] ٨٢/٦٦.
٥- (عبيد الله) بن عمر العمريّ المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٥] ١٥/١٥.
٦ - (نافع) مولى ابن عمر المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣] ١٢/١٢ .
٧- (عبدالله) بن عمر بن الخطاب رضي اللَّه تعالى عنهما١٢/ ١٢. والله تعالى أعلم.

٩٥
١٠١ - (التَّغْلِيظُ فِي جَرِّ الإزار) - حديث رقم ٥٣٢٩
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من رباعيات المصنف رحمه اللّه تعالى بالنسبة للسند الأول، وهو
(٢٥٥) من رباعيات الكتاب، ومن خماسياته بالنسبة للسند الثاني. (ومنها): أن رجاله
كلهم رجال الصحيح، غير شيخه إسماعيل بن مسعود، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه
مسلسل بالمدنيين من عبيد الله. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ: عبيد الله، عن
نافع. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) بن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((مَنْ
جَرَّ ثَوْبَهُ) (من)) يتناول الرجال والنساء في الوعيد المذكور، على هذا الفعل
المخصوص، فقد فَهِمَت ذلك أم سلمة رضي الله عنها، كما في حديثها الآتي بعد ثلاثة .
أبواب، من طريق أيوب، عن نافع، عن ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما متصلا بحديثه
المذكور في الباب: فقالت أم سلمة: فكيف تصنع النساء بذيولهن؟ فقال: ((يرخين
شبرا ... )) الحديث (أَوْ) للشكّ من الراوي (قَالَ: ((إِنَّ الَّذِي يَجُرُّ ثَوْبَهُ مِنَ الْخُيَلَاءِ، لَمْ
يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ) أي ومن نظر اللَّه تعالى إليه يرحمه، ففيه إثبات صفة النظر للّه تعالى على
ما يليق بجلاله سبحانه وتعالى، وقال في ((الفتح)): قوله: ((لا ينظر الله)): أي لا يرحمه،
فالنظر إذا أضيف إلى اللَّه كان مجازًا، وإذا أضيف إلى المخلوق، كان كناية، ويحتمل
أن يكون المراد: لا ينظر الله إليه نظر رحمة، وقال شيخنا- يعني الحافظ العراقيّ- في
((شرح الترمذي)): عبر عن المعنى الكائن عند النظر بالنظر؛ لأن من نظر إلى متواضع
رحمه، ومن نظر إلى متكبر مقته، فالرحمة والمقت متسببان عن النظر، وقال الكرماني:
نسبة النظر لمن يجوز عليه النظر كناية؛ لأن من اعتدّ بالشخص التفت إليه، ثم كثُر حتى
صار عبارة عن الإحسان، وإن لم يكن هناك نظر، ولمن لا يجوز عليه حقيقة النظر،
وهو تقليب الحدقة، والله منزه عن ذلك، فهو بمعنى الإحسان، مجاز عما وقع في حق
غيره كناية. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ذكره الكرمانيّ، والعراقيّ والحافظ من
تفسير النظر بالرحمة تفسير باللازم، وهو مخالف لما أطبق عليه المحدثون من السلف
الصالحين، من إثبات الصفات لله سبحانه وتعالى على ظواهرها، من غير تشبيه، ولا
تمثيل، ومن غير تأويل، ولا تعطيل، لكن هؤلاء هكذا عادتهم في أحاديث الصفات،
مع أنهم من أكابر المحدّثين، يرغبون عن مذهب المحدّثين، ويسلكون فيها مسلك
المتكلّمين، وما أدّاهم إلى هذا التأويل المتكلّف به إلا تشبيه الغائب بالشاهد، فإنهم لما

٩٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
اعتقدوا أن النظر في المخلوق لا يحصل إلا بتقليب الحدقة، قالوا: هذا محال على الله
تعالى، نعم هو محالٌ، ولكن من الذي قال لكم: إنه لا يحصل النظر إلا بهذا؟ أليس
الله تعالى مباينا لخلقه في ذاته وصفاته؟، فهو سبحانه وتعالى له الأسماء الحسنى،
والصفات العُلَى، فالواجب علينا أن نعتقد أنه سبحانه وتعالى ينظر إلى عباده نظرًا حقيقيًا
كما يليق بجلاله، ولا يلزمنا أن نعرف حقيقة نظره، إذ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ
السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، فكما أننا نثبت له ذاتًا، لا تشبه ذوات مخلوقه،
كذلك نثبت له ما أثبت لنفسه من الصفات حقيقةً، لا مجازًا؛ لأن المجاز لا يصار إليه
إلا عند تعذّر الحقيقة، ولم تتعذّر هنا، وأيضًا المعنى المجازيّ الذي أولوا به يلزم منه
التشبيه، فإن الرحمة هي رقة القلب، التي تقتضي العطف على المرحوم، وهذا فيه من
التشبيه نظير ما وقع في معنى النظر بلا فرق، فتأمل بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد،
فإنه حجة البليد، وملجأ العنيد.
وقال في ((الفتح)) أيضًا: ويؤيد ما ذُكر من حمل النظر على الرحمة، أو المقت ما
أخرجه الطبراني، وأصله في أبي داود، من حديث أبي جُرَيّ: ((أن رجلا ممن كان
قبلكم، لبس بردة، فتبختر فيها، فنظر اللَّه إليه، فمقته، فأمر الأرض فأخذته ... ))
الحديث. انتهى.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الذي ادعاه من تأييد الحمل المذكور فيه نظرٌ لا
يخفى، فإنه أثبت لله سبحانه وتعالى النظر، ثم بين ما ترتّب على ذلك، وهو المقت،
وما بعده، ولا تعرّض فيه للحمل المذكور، فتأمل بإنصاف، ولا تتحيّر بالاعتساف،
والله سبحانه وتعالى الهادي إلى سواء السبيل. اللَّهم أرنا الحقّ حقًّا، وارزقنا اتّباعه،
وأرنا الباطل باطلا، وارزقنا اجتنابه، آمين.
وقوله: (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) إنما خصّ يوم القيامة إشارة إلى أنه محل تمام النعم، بخلاف
الدنيا، فإن نعمها مهما كثُرت تنقطع بما يتجدد من الحوادث. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد الله بن عمر رضي اللّه تعالى عنهما هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥٣٢٩ و٥٣٣٠ و٥٣٣٦/١٠٤ و٥٣٣٧ ٥٣٣٨/١٠٥- وأخرجه (خ)
في ((المناقب)) ٢٦٦٥ و((اللباس)) ٥٧٨٣ و٥٧٨٤ و٥٧٩١ (م) في ((اللباس)) ٢٠٨٥ (د)

٩٧
١٠١- (التَّغْلِيظُ فِي جَرِّ الإزار) - حديث رقم ٥٣٣٠
في ((اللباس)) ٤٠٨٥ و٤٠٩٤ (ت) في ((اللباس)) ١٧٣٠ (ق) في ((اللباس)) ٣٥٦٩
(أحمد) في ((مسند المكثرين)) ٤٤٧٥ و٤٥٥٣ و٤٩٩٤ و ٥٠١٨ و٥٠٣٥ . والله تعالى
أعلم بالصوابِ، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٣٣٠- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ
مُحَارِبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَّرَ، يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِهِ، قَالَ: ((مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ مِنْ
مَخِيلَةٍ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَنْظُرْ إِلَيْهِ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا
غير مرّة. و((خالد)): هو ابن الحارث الْهُجيميّ البصريّ الثقة الثبت [٨]. و((محارب))-
بصيغة اسم الفاعل -: هو ابن دثار السدوسيّ الثقة الإمام الزاهد [٤]. وكان محارب قد
ولي قضاء الكوفة، قال عبد الله بن إدريس الأودي، عن أبيه: رأيت الحكم، وحمادا
في مجلس قضائه. وقال سماك بن حرب: كان أهل الجاهلية، إذا كان في الرجل ست
خضال سَوَّدوه: الحلم، والعقل، والسخاء، والشجاعة، والبيان، والتواضع، ولا
يَكْمُلْنَ في الإسلام إلا بالعفاف، وقد اجتمعن في هذا الرجل- يعني محارب بن دثار.
ذكره في ((الفتح)) ١١/ ٤٣٤.
وقوله: ((من مخيلة)): ((من)) فيه للتعليل، و((الْمَخِيلة))- بفتح الميم، وكسر الخاء
المعجمة -: الكبر، كالخيلاء.
والحديث متّفقٌ عليه، ولفظ البخاريّ من طريق شبابة بن سَوّار، قال: حدثنا شعبة،
قال: لقيت محارب بن دثار، على فرس، وهو يأتي مكانه الذي يقضي فيه، فسألته عن
هذا الحديث، فحدثني، فقال: سمعت عبدالله بن عمر رضي الله عنهما يقول: قال
رسول اللّه وَالر: ((من جر ثوبه مخيلة، لم ينظر الله إليه يوم القيامة))، فقلت لمحارب:
أذكر إزاره؟ قال: ما خص إزارا، ولا قميصا.
وسبب سؤال شعبة عن الإزار، أن أكثر الطرق جاءت بلفظ ((الإزار))، وجواب
محارب حاصله أن التعبير بالثوب، يشمل الإزار وغيره، وقد جاء التصريح بما اقتضاه
ذلك، فقد أخرج أصحاب السنن، إلا الترمذي، واستغربه ابن أبي شيبة، من طريق عبد
العزيز بن أبي رَوّاد، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن النبي وَّرِ، قال:
((الإسبال في الإزار، والقميص، والعمامة، من جر منها شيئا خيلاء ... )) الحديث،
وسيأتي للمصنّف بعد بابين، ويأتي تمام البحث فيه هناك، إن شاء الله تعالى. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).

٩٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
١٠٢- (مَوْضِعُ الإِزَارِ)
٥٣٣١ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ، عَنْ جَرِيرٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ،
عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ مُسْلِمٍ بْنِ نُذَيْرِ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ تَّهِ: ((مَوْضِعُ
الْإِزَارِ إِلَى أَنْصَافِ السَّاقَيْنِ، وَاَلْعَضَلَّةِ، فَإِنْ أَبَيْتَ فَأَسْفَلَ، فَإِنْ أَبَيْتَ فَمِنْ وَرَاءِ السَّاقِ،
وَلَا حَقَّ لِلْكَعْبَيْنِ فِي الْإِزَارِ))، وَاللَّفْظُ لِمُحَمَّدٍ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١- (إسحاق بن إبراهيم) الحنظليّ المروزيّ المعروف بابن راهويه الإمام الحجة
الثبت [١٠] ٢/٢.
٢- (محمد بن قُدَامة) بن أعين الهاشميّ مولاهم الْمِصْيصيّ، ثقة [١٠]٢١٤/١٣٧.
٣- (جرير) بن عبد الحميد الضبيّ الكوفي، نزيل الريّ وقاضيها، ثقة ثبت [٩] ٢/٢.
٤ - (الأعمش) سليمان بن مِهْران الكوفيّ، ثقة فقيه ورع، لكنه يدلّس [٥] ١٨/١٧.
٥- (أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله بن زيد السبيعيّ الهمدنيّ الكوفيّ، ثقة عابد،
اختلط بآخره [٣] ٣٨/ ٤٢ .
٦- (مسلم بن نُذير)- بالنون، مصغّرًا، ويقال: ابن يزيد، ويقال: مسلم بن نُذير بن
يزيد بن شِبْل بن حيّان السعديّ، أبو نذير، ويقال: أبو يزيد، ويقال: أبو عياض
الكوفيّ، وهو ابن عمّ عُتَّ بن ضَمْرَة السعديّ، صدوق(١) [٣].
رَوَى عن حُذيفة، وعليّ بن أبي طالب رضي اللَّه تعالى عنهما. وعنه أبو إسحاق
السبيعيّ، وزياد بن فيّاض، والعبّاس بن ذَرِيح، وعيّاش العامريّ على خلاف فيهما، وأبو
الأحوص الْجُشَميّ. قال ابن أبي حاتم: سُئل أبي عن أبي عِيَاض، صاحب عليّ، فقال:
لا بأس به. وقال الآجريّ: سألت أبا داود، عن اسم أبي صادق، فقال: مسلم ابن يزيد.
وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وقال ابن سعد في الأول: هو من أهل الكوفة، كان قليل
الحديث، ويذكرون أنه كان يقول بالرجعة. انتهى. أخرج ه البخاريّ في ((الأدب
المفرد)»، والمصنّف، والترمذيّ، وابن ماجه، وله عندهم هذا الحديث فقط.
٧- (حُذيفة) بن اليمان، واسم اليمان حُسيل -مصغّرًا- أوحِسْل -بكسر، فسكون-
(١) وقول صاحب ((التقريب)): مقبول فيه نظر؛ لأنه روى عنه جماعة، وقال أبو حاتم: لا بأس به،
ووثقه ابن حبان، وقال والذهبي في («الكاشف)»: صالح، فمثل هذا ينبغي أن يقال فيه: صدوق
فتأمل والله تعالى أعلم.

٩٩
١٠٢ - (مَوْضِعُ الإزارِ) - حديث رقم ٥٣٣١
العبسيّ الصحابيّ الشهير ابن الصحابيّ رضي اللَّه تعالى عنهما، حليف الأنصار، مات
في أول خلافة عليّ رَّه سنة (٣٦هـ) وتقدّم في ٢/٢ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير شيخه ابن قدامة، فقد تفرّد به هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل
بالكوفين من الأعمش. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض:
الأعمش، عن أبي إسحاق، عن مسلم بن نُذير. (ومنها): أنَّ صحابيّه ◌َي كان
صاحب سرّ رسول اللّه وَ له، فقد ثبت في ((صحيح مسلم)): أنه وَلقر أعلمه بما كان، وما
يكون إلى أن تقوم الساعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ حُذَيْفَةَ) بن اليمان رضي الله تعالى عنهما، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِ: ((مَوْضِعُ
الْإِزَارِ) أي الموضع المحبوب للإزار، والمراد به إزار الرجل، إِذ المرأة ليست مثله في
ذلك، كما سيأتي بعد بابين (إِلَى أَنْصَافِ السَّاقَيْنِ) قال السنديّ: الظاهر ((أنصاف الساقين))
بدون ((إلى))؛ لتكون محمولًا على الموضع، فلعلّ التقدير: موضع الإزار موضع أن يكون
الإزار إلى أنصاف الساقين، ثم حُذف ما حُذف لدلالة المذكور عليه. انتهى.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا التقدير الذي ذكره السنديّ غير واضح المعنى،
بل المعنى الذي يظهر: موضع الإزار المحبوب شرعًا من وسط الرجل إلى نصف
ساقه، وإنما لم يذكر ابتداءه؛ لكونه معلومًا لا يقع فيه محذورٌ، وإنما يقع المذكور من
جهة نهايته، فبيّنه. والله تعالى أعلم.
(وَالْعَضَلَةِ) بفتحات: هي كلُّ لحم صلبة مكتنزة في البدن، ومنه عضلة الساق، وهو
المراد هنا (فَإِنْ أَبَيْتَ) الاتّزار إِلى الموضع المذكور، بل أردت الزيادة عليه (فَأَسْفَلَ) أي فزد
إلى أسفل نصف الساق (فَإِنْ أَبَيْتَ) إلا الزيادة (فَمِنْ وَرَاءِ السَّاقِ) أي إلى نهاية الساق (وَلَّا
حَقَّ لِلْكَغْبَيْنِ فِي الْإزَارِ) أي لا حقٌ للكعبين أن تسترهما بإزارك، فإن ذلك هو الإسبال
الممنوع، وفيه أن الكعبين هما الحدان لجواز تطويل الإزار، فإذا جاوز ذلك فقد دخل في
الإسبال المنهي عنه، وقد تقدم أنه محرّم على الراجح، وإن لم یکن معه خيلاء، فإن كان مع
الخيلاء، فهو أشدّ تحريمًا، وفيه الوعيد الشديد المذكور في أحاديث الباب السابق.
وقوله: (وَاللَّفْظُ لِمُحَمَّدٍ) يعني أن لفظ هذا الحديث لشيخه محمد بن قُدامة، وأما
شيخه إسحاق، فرواه بالمعنى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،

١٠٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث حُذيفة رضي اللَّه تعالى عنه هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥٣٣١/١٠٢ - وفي ((الكبرى)) ٩٦٨٢/١٠١. وأخرجه (ت) في ((اللباس))
١٧٨٣ (ق) في ((اللباس)) ٣٥٧٢. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
١٠٣- ﴿مَا تُحْتَ الْكَغْبَيْنِ مِنَ الإِزَارِ)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على حكم ما تحت
الكعبين من الإزار.
وقد ترجم الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في ((صحيحه)) بقوله: (( باب ما أسفل من
الكعبين فهو في النار)).
قال في ((الفتح)): كذا أطلق في الترجمة، لم يقيده بالإزار كما في الخبر؛ إشارة إلى
التعميم في الإزار، والقميص، وغيرهما، وكأنه أشار إلى لفظ حديث أبي سعيد، وقد
أخرجه مالك، وأبو داود، والنسائي- في ((الكبرى)) ٩٧١٤- وابن ماجه، وصححه أبو
عوانة، وابن حبان، كلهم من طريق العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، عن أبيه، عن
أبي سعيد، ورجاله رجال مسلم، وكأنه أعرض عنه؛ لاختلاف فيه، وقع على العلاء،
وعلى أبيه، فرواه أكثر أصحاب العلاء عنه هكذا، وخالفهم زيد بن أبي أنيسة، فقال:
((عن العلاء، عن نعيم المجمر، عن ابن عمر))، أخرجه الطبراني، ورواه محمد بن
عمرو، ومحمد بن إبراهيم التيمي، جميعا عن عبد الرحمن بن يعقوب، عن أبي هريرة،
أخرجه النسائي، وصحح الطريقين النسائي، ورجح الدارقطني الأول، وأخرج أبو
داود، والنسائي- في ((الكبرى)) ٩٦٩١، وصححه الحاكم، من حديث أبي جُرّيّ-
بالجيم والراء، مصغرًا- واسمه جابر بن سُليم رفعه، قال في أثناء حديث مرفوع:
((وارفع إزارك إلى نصف الساق، فان أبيت فإلى الكعبين، وإياك وإسبال الإزار، فإنه من