النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
٩٣ - (لُيْس الْحُللَ) - حديث رقم ٥٣١٦
قال: وفي الباب عن أبي جحيفة، عند البخاري وغيره: ((أنه رأى النبي ◌َّرِ خرج في
حلة حمراء، مشمرًا، صلى إلى العنزة بالناس ركعتين)). وعن عامر المزني عند أبي
داو، بإسناد فيه اختلاف، قال: رأيت رسول اللَّه بمنى، وهو يخطب على بغلة، وعليه
برد أحمر، وعليٍّ تَِّ أمامه يُعَبّر عنه))، قال في ((البدر المنير)): وإسناده حسن.
وأخرج البيهقي عن جابر تظن أنه كان له ثوب أحمر، يلبسه في العيدين والجمعة.
ورَوَى ابن خزيمة في ((صحيحه)) نحوه بدون ذكر الأحمر.
والحديث احتج به من قال: بجواز لبس الأحمر، وهم الشافعية، والمالكية،
وغيرهم. وذهبت العترة، والحنفية إلى كراهة ذلك، واحتجوا بحديث عبد الله بن
عمرو قال: ((مر على النبي وَله رجل عليه ثوبان أحمران، فسلم، فلم يرد النبي ◌َّه)).
رواه الترمذي، وأبو داود، وقال: معناه عند أهل الحديث: أنه كره المعصفر، وقال:
ورأوا أن ما صبغ بالحمرة من مَدَر، أو غيره فلا بأس، به إذا لم يكن معصفرا.
الحدیث قال الترمذي: إنه حسن غريب من هذا الوجه انتهى. وفي إسناده أبو يحيى
القتات، وقد اختلف في اسمه، فقيل: عبد الرحمن بن دینار، وقيل: زازان، وقيل:
عمران، وقيل: مسلم، وقيل: زياد، وقيل: يزيد. قال المنذري: وهو كوفي لا يحتج
بحديثه، وقال أبو بكر البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يُروَى بهذا اللفظ، إلا عن عبد الله
ابن عمرو، ولا نعلم له طريقا، إلا هذا الطريق، ولا نعلم رواه عن إسرائيل إلا إسحاق
ابن منصور، قال الحافظ في ((الفتح)): هو حديث ضعيف الإسناد، وإن وقع في نسخ
الترمذي : إنه حسن.
وأجاب المبيحون عنه، بأنه لا ينهض للاستدلال به، في مقابلة الأحاديث القاضية
بالإباحة؛ لما فيه من المقال، وبأنه واقعة عين، فيحتمل أن يكون ترك الرد عليه بسبب
آخر، وحمله البيهقي على ما صُبغ بعد النسج، لا ما صبغ غزلا، ثم نسج، فلا كراهة
فيه .
واحتجوا أيضا بالأحاديث الواردة في تحريم المصبوغ بالعصفر، قالوا: لأن العصفر
يصبغ صباغا أحمر، وهي أخص من الدعوى، وقد عرّفناك أن الحق، أن ذلك النوع من
الأحمر لا یحل لبسه.
ومن أدلتهم حديث رافع بن خَدِيج رَّه عند أبي داود، قال: خرجنا مع رسول اللَّه
في سفر، فرأى على رواحلنا، وعلى إبلنا أكسية فيها خيوط عِهْن أحمر، فقال: ((ألا
أرى هذه الحمرة قد علتكم))، فقمنا سراعا؛ لقول رسول اللَّه، فأخذنا الأكسية،
فنزعناها عنها، وهذا الحديث لا تقوم به حجة؛ لأن في إسناده رجلا مجهولًا .

-٦٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
ومن أدلتهم حديث أن امرأة من بني أسد، قالت: كنت يوما عند زينب، امرأة
رسول اللَّه وَله، ونحن نصبغ ثيابها بمَغَرَةٍ- والمغرة صباغ أحمر- قالت: فبينا نحن
كذلك، إذ طلع علينا رسول اللَّهِ وَ لير، فلما رأى المغرة رجع، فلما رأت ذلك زينب،
علمت أنه قد كره ما فعلت، وأخذت فغسلت ثيابها، ووارت كل حمرة، ثم إن رسول
اللَّه رجع، فاطلع، فلما لم ير شيئا دخل ... الحديث، أخرجه أبو داود، وفي إسناده
إسماعيل بن عياش، وابنه، وفيهما مقال مشهور.
وهذه الأدلة غاية ما فيها، لو سُلّمت صحتها، وعدم وجدان معارض لها الكراهة، لا
التحريم، فكيف وهي غير صالحة للاحتجاج بها؛ لما في أسانيدها من المقال الذي
ذكرنا، ومعارَضَةٌ بتلك الأحاديث الصحيحة.
نعم من أقوى حججهم ما في ((صحيح البخاري)) من النهي عن المياثر الحمر،
وكذلك ما في سنن أبي داود، والنسائي، وابن ماجه، والترمذي، من حديث علي
وَّه قال: ((نهاني رسول الله عن لبس القسي، والميثرة الحمراء))، ولكنه لا يخفى
عليك، أن هذا الدليل أخص من الدعوى، وغاية ما في ذلك تحريم الميثرة الحمراء، فما
الدليل على تحريم ما عداها، مع ثبوت لبس النبي وَلّ له مرات؟.
ومن أصرح أدلتهم، حديث رافع بن برد، أو رافع بن خديج، كما قال ابن قانع،
مرفوعا، بلفظ: ((إن الشيطان يحب الحمرة، فإياكم والحمرة، وكل ثوب ذي شهرة)»،
أخرجه الحاكم في ((الكنى))، وأبو نعيم في ((المعرفة))، وابن قانع، وابن السكن، وابن
منده، وابن عدي، ويشهد له ما أخرجه الطبراني، عن عمران بن حصين، مرفوعا،
بلفظ: ((إياكم والحمرة، فإنها أحب الزينة إلى الشيطان))، وأخرج نحوه عبد الرزاق، من
حديث الحسن مرسلا، وهذا إن صح، كان أنص أدلتهم على المنع، ولكنك قد عرفت
لبسه للحلة الحمراء في غیر مرة، ویبعد منه أن يلبس ما حذرنا من لبسه، معللا ذلك بأن
الشيطان يحب الحمرة، ولا يصح أن يقال ههنا: فعله لا يعارض القول الخاص بنا، كما
صرح بذلك أئمة الأصول؛ لأن تلك العلة مشعرة بعدم اختصاص الخطاب بنا، إذ تجنب
ما يلابسه الشيطان، هو أحق الناس به.
[فإن قلت]: فما الراجح إن صح ذلك الحديث؟.
[قلت]: قد تقرر في الأصول أن النبي وَل﴿ إذا فعل فعلا، لم يصاحبه دليل خاص،
يدل على التأسي به فيه، كان مخصصا له عن عموم القول الشامل له، بطريق الظهور،
فيكون على هذا لبس الأحمر مختصا به، ولكن ذلك الحدیث غير صالح للاحتجاج به،
كما صرح بذلك الحافظ، وجزم بضعفه؛ لأنه من رواية أبي بكر الْهُذَلِيّ، وقد بالغ

٦٣
٩٤- (لُبْسُ الْحِبَرَةِ) - حديث رقم ٥٣١٧
الجوزقاني، فقال باطل، فالواجب البقاء على البراءة الأصلية، المعتضدة بأفعاله الثابتة
في ((الصحيح))، لا سيما مع ثبوت لبسه لذلك، بعد حجة الوداع، ولم يلبث بعدها إلا
أياما يسيرة.
وقد زعم ابن القيم أن الحلة الحمراء، بردان يمانيان، منسوجان بخطوط حمر، مع
الأسود، وغَلَّط من قال: إنها كانت حمراء بحتا، قال: وهي معروفة بهذا الاسم. ولا
يخفاك أن الصحابي قد وصفها بأنها حمراء، وهو من أهل اللسان، والواجب الحمل
على المعنى الحقيقي، وهو الحمراء البحت -والمصير إلى المجاز، أعني كون بعضها
أحمر دون بعض- لا يحمل ذلك الوصف عليه، إلا لموجب، فإن أراد أن ذلك معنى
الحلة الحمراء لغة، فليس في كتب اللغة ما يشهد لذلك، وإن أراد أن ذلك حقيقة شرعية
فيها، فالحقائق الشرعية لا تثبت بمجرد الدعوى، والواجب حمل مقالة ذلك الصحابي
على لغة العرب؛ لأنها لسانه ولسان قومه. فإن قال: إنما فسرها بذلك التفسير؛ للجمع
بين الأدلة، فمع كون كلامه آبيا عن ذلك؛ لتصريحه بتغليط من قال: إنها الحمراء
البحث، لا مُلجىء إليه، لإمكان الجمع بدونه كما ذكرنا، مع أن حمله الحلة الحمراء
على ما ذكر، ينافي ما احتج به في أثناء كلامه، من إنكاره على القوم الذين رأى على
رواحلهم أكسية فيها خطوط حمر، وفيه دليل على كراهية ما فيه الخطوط، وتلك الحلة
كذلك بتأويله. انتهى ((نيل الأوطار)) ٢/ ١٨٤ -١٨٦.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الأرجح عندي ما ذهب إليه الشافعيّة، والمالكية،
وبعض أهل العلم من جواز لبس الأحمر، إلا ما ورد النصّ الصحيح بتحريمه، كالميثرة
الحمراء، فيحرم، وأما غير ما ورد به النصّ، فجائزٌ لبسه، الأحاديث الصحيحة الكثيرة
من كونه والقر لبس الحلة الحمراء، والأحاديث التي أوردها المانعون لا تصخ، كما سبق
لك بيان ذلك، وعلى تقدير صحّتها، فيُحمل النهي فيها على التنزيه؛ جمعًا بين الأدلّة.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
٩٤- (لُبْسُ الْحِبَرَةِ)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((الْحِبَرَة)) -بكسر الحاء المهملة، وفتح الموحّدة،
بوزن عِنَبَة -: ثوبٌ يمانيّ، من قطن، أو كتّان، مُخطّطٌ، يقال: بردّ حِبَرٌ، على

٦٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
الوصف، وبُرْدُ حِبَرِ على الإضافة، والجمع حِبَرٌ، وحِبَرَاتٌ، مثلُ عِنَبِ، وعِنَبات، قال
الأزهريّ: ليس حِبّرةٌ موضعًا، أو شيئًا معلومًا، إنما هو وَشْيّ معلومٌ، أُضيف الثوب
إليه، كما قيل: ثوبُ قِرْمِزِ بالإضافة، والقِرْمِزُ صبغُهُ، فَأَضيف الثوب إلى الوَشي،
والصّبْغِ للتوضيح. قاله الفيّوميّ.
وفي ((اللسان): ما يفيد أن الحبرة بكسر، ففتح، أو بفتحات، وهي ضرب من برد
اليمن، مُتَمَّر. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب.
٥٣١٧- (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي،
عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: ((كَانَ أَحَبُّ الثِّيَابِ إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ وَهِ اَلْحِبَرَةَ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (عبيد الله بن سعيد) أبو قُدامة السرخسيّ، ثقة ثبت سنّيّ [١٠] ١٥/١٥.
٢- (معاذ بن هشام) الدستوائيّ البصريّ، وقد سكن اليمن، صدوقٌ، ربّما وَهِم [٩]
٣٤/٣٠ .
٣- (أبوه) هشام بن أبي عبد اللَّه سَنْبَر كجعفر - الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقة
ثبت، وقد رُميّ بالقدر، من كبار [٧] ٣٤/٣٠.
٤- (قتادة) بن دعامة السدوسيّ، أبو الخطاب البصريّ، ثقة ثبت مدلّس [٤] ٣٠/
٣٤ .
٥- (أنس) بن مالك رضي اللَّه تعالى عنه٦/٦. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين، غير شيخه، فسرخسيّ.
(ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. (ومنها): أن فيه أنسّا رَظّ أحد المكثرين السبعة،
روى (٢٢٨٦) وهو آخر من مات بالبصرة من الصحابة ، مات سنة (٢) وقيل:
(٩٣)، وقد جاوز مائة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَنَس) بن مالك رضي اللّه تعالى عنه، وفي رواية للبخاريّ من طريق همام، عن
قتادة، عن أنس، قال: قلت له: أيُّ الثياب كان أحبّ إلى النبيّ وَّرَ؟ قال: الحبرة. قال
الحافظ رحمه الله تعالى: هذه الرواية تضمّنت السلامة من تدليس قتادة. (قَالَ: ((كَانَ
أَحَبُّ الثَّابِ إِلَى نَبِيِّ اللّهِلَّهِ الْحِبْرَةَ) بكسر، ففتح، أو بفتحات: قال القرطبيّ رحمه

٦٥
٩٤- (لُبْسُ الْحِبَرَةِ) - حديث رقم ٥٣١٧
اللَّه تعالى: هي ثياب مُخطّطةٌ، يؤتى بها من اليمن، وسُمّيت بالحِبَرة؛ لأنها محبّرةٌ: أي
مزيّنةٌ، والتحبير: التزيين. انتهى ((المفهم)) ٤٠١/٥-٤٠٢.
وقال في ((الفتح)) ٤٥٣/١١: قال الجوهريّ: الحبرة بوزن عِنَبة برد يمان. وقال
الهرويّ: مَوْشيّة مخطّطة. وقال الداوديّ: لونها أخضر؛ لأنها لباس أهل الجنّة. كذا
قال. وقال ابن بطّال: هي من بُرود اليمن تُصنع من قطن، وكانت أشرف الثياب
عندهم. انتهى. وأخرج البخاريّ رحمه الله تعالى في ((صحيحه)) من طريق الزهريّ،
عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، أن عائشة رضي اللّه تعالى عنها أخبرته أن
رسول اللّه وَ لهحين تُوفّي، سُجْي بُزد حِبَرة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أنس رضي اللّه تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٩٤/ ٥٣١٧ - وفي ((الكبرى)) ٩٦٤٦/٩١. وأخرجه (خ) في ((اللباس))
٥٨١٢ و٥٨١٣ (م) في ((اللباس)) ٢٠٧٩ (د) في ((اللباس)) ٤٠٦٠ (ت) في ((اللباس))
١٧٨٧ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ١١٩٦٩ و١٢٤٩٤ و١٣٦٩٤.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان استحباب لبس الحِبَرة.
(ومنها): جواز لبس المخطّط، قال النوويّ رحمه الله تعالى: وهو مجمع عليه. انتهى.
وأخرج الإمام أحمد رحمه اللّه تعالى من طريق الحسن البصريّ: أن عمر بن الخطّاب
رَّهِ أراد أن ينهى عن حُلَل الحبرة؛ لأنها تُصبغ بالبول، فقال له أَبِيّ ◌َظنّه: ليس ذلك
لك، فقد لبسهنّ النبيّ وَّل، ولبسناهنّ في عهده. وفيه انقطاع؛ لأن الحسن لم يسمع
من عمر رَمّ. قاله في ((الفتح)) ٤٥٣/١١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
٠٠

٦٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
٩٥- (ذِكْرُ النَّھْي عَنْ لُبْسِ
الْمُعَصْفَرِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((الْمُعَصْفر)): اسم مفعول، من عَصْفَرتُ الثوب: إذا
صبغته بالْعُصْفُر، وهو نبتْ معروف. أفاده في ((المصباح))، وفي ((اللسان)): الْعُصفر هذا
الذي يُصبغ به منه رِيفيّ، ومنه برّيّ، وكلاهما نبتٌ بأرض العرب. انتهى. والله تعالى
أعلم بالصواب.
٥٣١٨- (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ - وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ قَالَ:
حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّ خَالِدَ بْنَ مَعْدَانَ، أَخْبَرَهُ
أَنَّ جُبَيْرَ بْنَ نُفَيْرِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو أَخَرَهُ، أَنَّهُ رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ وَّةِ، وَعَلَيْهِ
ثَوْبَانِ مُعَصْفَرَانٍ، فَقَالَ: هَذِهِ ثِيَابُ الْكُفَّارِ، فَلَا تَلْبَسْهَا))).
رجال هذا الإسناد: ثمانية :
١- (إسماعيل بن مسعود) الجحدريّ، أبو مسعود البصريّ، ثقة [١٠] ٤٧/٤٢.
٢- (خالد بن الحارث) الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٤٧/٤٢.
٣- (هشام) الدستوائيّ المذكور في الباب الماضي.
٤- (یحیی بن أبي کثیر) الطائيّ مولاهم، أبو نصر اليماميّ، ثقة ثبت، یدلس ویرسل
[٥] ٢٤/٢٣ .
٥- (محمد بن إبراهيم) بن الحارث التيميّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقة له أفراد [٤]
٦٠ / ٧٥ .
٦- (خالد بن معدان) الكلاعيّ، أبو عبد اللَّه الحمصيّ، ثقة عابد يرسل كثيرًا [٣]
٦٨٨/١ .
٧- (جُبير بن نُفير) بن مالك بن عامر الحضرميّ الحمصيّ، ثقة مضرم فاضل [٢]
٥٠/ ٦٢ .
٨- (عبد الله بن عمرو) بن العاص رضي اللَّه تعالى عنهما ١١١/٨٩. والله تعالى
أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من ثمانيات المصنف رحمه الله تعالى فهو سند نازل. (ومنها): أن رجاله

-
٩٥- (ذِكْرُ النَّهْي عَنْ لِبْسِ المُعَصْفَرَ) - حديث رقم ٥٣١٨
٦٧
كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين
إلى هشام. (ومنها): أن فيه أربعة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: يحيى بن أبي كثير،
عن محمد بن إبراهيم، عن خالد بن معدان، عن جُبير بن نُفير. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن جُبير بن نُفير رحمه اللَّه تعالى (أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو) بن العاص رضي اللّه تعالى
عنهما (أَخْبَرَهُ) أي أخبر جبيرًا (أَنَّهُ رَآهُ رَسُولُ اللّهِ بِ، وَعَلَيْهِ ثَوْبَانٍ مُعَصْفَرَانٍ) جملة في
محلّ نصب على الحال من المفعول (فَقَالَ) وَ (هَذِهِ ثِيَّابُ الْكُفَّارِ، فَلَا تَلْبَسْهَا) قال
القرطبيّ رحمه الله تعالى: هذا يدلّ على أن علّة النهي من لباسهما التشبه بالكفّار.
انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه
التكلان .
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد الله بن عمرو رضي اللَّه تعالى عنهما هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥٣١٨/٩٥ و٥٣١٩ - وفي ((الكبرى)) ٩٦٤٧/٩٢ و٩٦٤٨ . وأخرجه
(م) في (اللباس)) ٢٠٧٧ (أحمد) في ((مسند المكثرين)) ٦٤٧٧ و٦٥٠٠ و٦٧٨٢ و٦٨٩٢
و ٦٩٣٣ .
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في لبس المعصفر:
قال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه اللّه تعالى: وقد اختلف العلماء في جواز لبس
المعصفر، فرُوي كراهته عن ابن عمر، وأجازه جماعة من الصحابة، والتابعين،
والفقهاء، وهو قول مالك، والشافعيّ، وكره ما اشتدّت حمرته عطاء، وطاوس، وأباحا
ما خفّ منها، وفرّق بعضهم بين أن يُمتهن، فيجوز، أو يُلبس، فيكره، وهو قول ابن
عبّاس، والطبريّ، وكره بعض أهل العلم جميع ألوان الحمرة، وقد صح عن النبيّ وَّل
أنه لبس حلّة حمراء، وقد لبس النبيّ وَّر ما صُبغ بالصفرة على ما جاء عن ابن عمر، فلا
وجه لكراهة الحمرة مطلقًا، وإنما المكروه للرجال المعصفر، والمزعفر؛ لنهي النبيّ
وَلجم عن ذلك للرجال. وكره المعصفر بعض أهل العلم مطلقًا، وأجازه مالكٌ تمسّكًا
بحديث ابن عمر المتقدّم. وقد حمل بعضهم النهي على الْمُخرِم. قال القرطبيّ: وهذا
فيه بُعدٌ؛ لأن النساء والرجال ممنوعون من التطيّب في الإحرام، فلا معنى لتخصيصه

- ٦٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
بالرجال، وإنما علّة الكراهة في ذلك أنه صبغ النساء، وطيب النساء، وقد قال مخلية:
(طيب الرجال ما ظهر ريحه، وخَفي لونه، وطيب النساء ما ظهر لونه، وخفي
ريحه))(١). والله تعالى أعلم. انتهى ((المفهم)) ٣٩٩/٦ -٤٠٠.
وقال النوويّ رحمه الله تعالى في ((شرح مسلم ١٤ / ٥٤: اختلف العلماء في الثياب
المعصفرة، وهى المصبوغة بعُصفُر، فأباحها جمهور العلماء، من الصحابة والتابعين،
ومن بعدهم، وبه قال الشافعيّ، وأبو حنيفة، ومالك، لكنه قال: غيرها أفضل منها،
وفى رواية عنه أنه أجاز لبسها في البيوت، وأفنية الدور، وكرهه في المحافل،
والأسواق، ونحوها. وقال جماعة من العلماء: هو مكروه كراهة تنزيه، وحملوا النهى
على هذا؛ لأنه ثبت أن النبيّ وَلّر لبس حلة حمراء، وفى ((الصحيحين)) عن ابن عمر
رضى الله عنهما قال: رأيت النبى وَله يصبغ بالصفرة. وقال الخطابى: النهى منصرف
إلى ما صُبغ من الثياب بعد النسج، فأما ما صُبغ غزله ثم نسج، فليس بداخل في النهى،
وحمل بعض العلماء النهى هنا على الْمُحرِم بالحج أو العمرة؛ ليكون موافقا لحديث ابن
عمر رضى الله عنهما نُهي المحرم أن يلبس ثوبا مسه ورس، أو زعفران، وأما البيهقى
رحمه اللّه عنه، فأتقن المسألة، فقال في كتابه ((معرفة السنن)): نهى الشافعى الرجل عن
المزعفر، وأباح المعصفر، قال الشافعى: وإنما رخصت في المعصفر؛ لأني لم أجد
أحدا يحكي عن النبى وَّر النهي عنه، إلا ما قال عليّ رضى الله عنه: نهاني، ولا أقول:
نهاكم، قال البيهقيّ: وقد جاءت أحاديث تدل على النهي على العموم، ثم ذكر حديث
عبدالله بن عمروبن العاص هذا الذي ذكره مسلم، ثم أحاديث أَخَر، ثم قال: لو بلغت
هذه الأحاديث الشافعيّ، لقال بها إن شاء الله- ثم ذكر بإسناده ما صح عن الشافعيّ، أنه
قال: إذا كان حديث النبي وَلّ خلاف قولي، فاعملو بالحديث، ودعوا قولي، وفي
رواية فهو مذهبي، قال البيهقيّ: قال الشافعيّ: وأنهى الرجل الحلال بكل حال أن
يتزعفر، قال: وآمره إذا تزعفر أن يغسله، قال البيهقيّ: فتبع السنة في المزعفر،
فمتابعتها في المعصفر أولى، قال: وقد كره المعصفر بعض السلف، وبه قال أبوعبدالله
الْحَليميّ من أصحابنا، ورخص فيه جماعة، والسنة أولى بالاتباع. والله أعلم. انتهى
کلام النووي رحمه الله تعالى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الذي يظهر لي أن القول بتحريم لبس المعصفر
للرجال هو الصواب؛ لصحة الأحاديث بذلك، وأما حديث ابن عمر رضي الله تعالى
(١) تقدّم أنه حديث صحيح، أخرجه المصنّف ٥١١٩/٣٢ والترمذيّ رقم ٢٧٨٨.

٦٩
٩٥- (ذِكْرُ النَّهْي عَنْ لِبْسِ المُعَصْفَرِ) - حديث رقم ٥٣١٩
عنهما أنه وَّ كان يحبّ الصفرة، ويصبغ بالصفرة، فلا يسلتزم أن يكون معصفرًا. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٣١٩- (أَخْبَرَنِ حَاجِبُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنِ ابْنِ أَبِيِ رَوَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْج،
عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ عَمْرٍو، أَنَّهُ أَتَى النَّبِيِّ نَّهِ، وَعَلَيْهِ ثَوْبَّانِ
مُعَصْفَرَانٍ، فَغَضِبَ النَّبِيِّ نَّهِ، وَقَالَ: (اذْهَبَ، فَاطِّرَحْهُمَا عَنْكَ))،، قَالَ: أَيْنَ يَا رَسُولَ
اللَّهِ؟ قَالَ: ((فِي النَّارِ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (حاجب بن سُليمان) أبو سعيد الْمَنْبِجيّ، مولى بني شيبان، صدوقٌ بِهِمْ [١٠]
٦٣٤/٧ .
٢- (ابن أبي رَوّاد) هو عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رَوّاد المكيّ، صدوقٌ
يخطىء، وكان مرجئا، أفرط ابن حبّان، فقال: متروك [٩] ٢٩١٠/١٢٧.
٣- (ابن جريج) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأمويّ مولاهم المكيّ الثقة
الفاضل الفقيه، وكان يدلّس، ويُرسل [٦] ٣٢/٢٨ .
٤- (ابن طاوس) عبد اللَّه، أبو محمد اليمانيّ، ثقة فاضل عابد [٦] ٥١٤/١١.
٥- (أبوه) طاوس بن كيسان الحميريّ مولاهم، أبو عبد الرحمن اليمانيّ، ثقة فقيه
فاضل [٣] ٣١/٢٧. والصحابيّ تقدّم في السند الماضي. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين، غير
شيخه، وفيه رواية الابن عن أبيه. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) بن العاص رضي اللّه تعالى عنهما المذكور في الحديث
الماضي (أَنَّهُ أَتَى النَّبِيِّ وَّهِ، وَعَلَيْهِ ثَوْبَانِ مُعَصْفَرَانٍ) أي مصبوغان بالعُصفُر، والجملة في
محلّ نصب على الحال من الفاعل (فَغَضِبَ النَِّيُّ نَّ) أي لكونه لبس ثوبين معصفرين
(وَقَالَ: ((اذْهَبْ، فَاطْرَخْهُمَا عَنْكَ) أي ارم الثوبين عنك؛ لكونهما مما لا يجوز لبسهما
لك (قَالَ) عبد اللَّه ◌َّه (أَيْنَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟) أي في أيّ مكان أطرحهما؟ (قَالَ) وَلِّلـ
(فِي النَّارِ) أي اطرحهما في النار. وفي رواية مسلم من طريق سليمان الأحول، عن
طاوس، عن عبد الله بن عمرو، قال: رأى النبيّ وَّر، عليّ ثوبين، معصفرين، فقال:

==
٧٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
((أأُمّك أمرتك بهذا؟)) قلت: أغسلهما؟ قال: بل أحرقهما.
قوله وَالغير: ((أأمك أمرتك بهذا؟)): معناه أن هذا من لباس النساء، وزِيهن، وأخلاقهن،
وأما الأمر بإحراقهما، فقيل: هو عقوبة، وتغليظ لزجره، وزجر غيره عن مثل هذا الفعل،
وهذا نظير أمرتلك المرأة التي لعنت الناقة بإرسلها، وأمر أصحاب بريرة ببيعها، وأنكر
عليهم اشتراط الولاء، ونحو ذلك، والله أعلم. انتهى ((شرح مسلم)) ١٤/ ٥٥-٥٦ .
وأخرج أحمد، وأبو داود بإسناد صحيح، من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن
جده، قال: هبطنا مع رسول اللّه وَلِّ من ثنية، فالتفت إليّ، وعلي رَيْطَة (١) مُضَرَّجة(٢)
بالعُصفُر، فقال: ((ما هذه الريطة عليك؟))، فعرفت ما كره، فأتيت أهلي، وهم
يسجُرون(٣) تنورا لهم، فقذفتها فيه، ثم أتيته من الغد، فقال: ((يا عبد اللّه، ما فعلت
الريطة؟)) فأخبرته، فقال: ((ألا كسوتها بعض أهلك(٤)، فإنه لا بأس به للنساء)). والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد الله بن عمرو رضي اللَّه تعالى عنهما هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥٣١٩/٩٥- وفي ((الكبرى)) ٩٦٤٨/٩٢. وأخرجه (م) في ((اللباس))
٢٠٧٧ (أحمد) في ((مسند المكثرين)) ٦٤٧٧ و٦٥٠٠ و٦٧٨٢ و٦٨٩٢ و٦٩٣٣. والله
تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان النهي عن لبس المعصفر.
قال الشوكانيّ رحمه الله تعالى: وقد استدل بهذا الحديث من قال بتحريم لبس الثوب
المصبوغ بعصفر وهم العترة، واستدلوا أيضا على ذلك بحديث ابن عمرو، وحديث
علي المذكورين بعد هذا وغيرهما، وسيأتي بعض ذلك.
(١) قوله: ((ريطة)) - بفتح الراء المهملة، وسكون المثناة تحتُ، ثم طاء مهملة - ويقال: رائطة، قال
المنذري: جاءت الرواية بهما، وهي كل مُلاءة منسوجة بنسج واحد . وقيل: كل ثوب رقيق
لين، والجمع رَيْط، ورِيَاط .
(٢) وقوله: ((مُضَرّجة)) - بفتح الراء المشددة -: أي ملطخة.
(٣) قوله: ((يَسجُرون)) : أي يوقدون .
(٤) قوله: ((بعض أهلك)): يعني زوجته، أو بعض نساء محارمه، وأقاربه.

٩٥ - (ذِكْرُ النَّهْي عَنْ لُبْسِ الْمُعَصْفَرَ) - حديث رقم ٥٣١٩
٧١
وذهب جمهور العلماء من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم، وبه قال الشافعي، وأبو
حنيفة، ومالك إلى الإباحة، كذا قال ابن رسلان في ((شرح السنن))، قال: وقال جماعة
من العلماء بالكراهة للتنزيه، وحملوا النهي على هذا؛ لما في ((الصحيحين)) من حديث
ابن عمر، قال: ((رأيت رسول الله يصبغ بالصفرة))، زاد في رواية أبي داود، والنسائي:
«وقد کان یصبغ بها ثيابه کلها)).
وقال الخطابي: النهي منصرف إلى ما صبغ من الثياب، وكأنه نظر إلى ما في
((الصحيحين)) من ذكر مطلق الصبغ بالصفرة، فقصره على صبغ اللحية، دون الثياب،
وجعل النهي متوجها إلى الثياب، ولم يلتفت إلى تلك الزيادة المصرحة بأنه كان يصبغ
ثيابه بالصفرة.
ويمكن الجمع بأن الصفرة التي كان يصبغ بها رسول اللّه، غير صفرة العصفر المنهي
عنه، ويؤيد ذلك حديث ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما: ((أن النبي كان يصبغ
بالزعفران» .
وقد أجاب من لم يقل بالتحريم، عن حديث ابن عمرو المذكور في الباب، وحديثه
الذي بعده، بأنه لا يلزم من نهيه له نهي سائر الأمة، وكذلك أجاب عن حديث علي
الآتي بأن ظاهر قوله: ((نهاني)) أن ذلك مختص به، ولهذا ثبت في رواية عنه أنه قال:
((ولا أقول: نهاكم)).
وهذا الجواب ينبني على الخلاف المشهور بين أهل الأصول في حكمه وَلخير على
الواحد من الأمة، هل يكون حكما على بقيتهم أو لا، والحق الأول، فيكون نهيه لعلي
وعبد اللَّه نهيا لجميع الأمة.
ولا يعارضه صبغه بالصفرة، على تسليم أنها من العصفر؛ لما تقرر في الأصول من أن فعله
الخالي عن دليل التأسي الخاص، لا يعارض قوله الخاص بأمته، فالراجح تحريم الثياب
المعصفرة، والعصفرُ وإن كان يصبغ صبغا أحمر، كما قال ابن القيم، فلا معارضة بينه وبين ما
ثبت في «الصحيحين)) من أنه كان يلبس حلة حمراء؛ لأن النهي في هذه الأحاديث يتوجه إلى
نوع خاص من الحمرة، وهي الحمرة الحاصلة عن صباغ العصفر، وسيأتي ما حكاه الترمذي
عن أهل الحديث بمعنى هذا. انتهى ((نيل الأوطار)) ١٨١/٢- ١٨٢.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: عندي أن الأرجح القول بتحريم لبس المعصفر على
الرجال، كما سبق قريبًا، ولا يستلزم ذلك تحريم المصبوغ بالصفرة؛ لما ذكر من أن
ذلك جائز بحديث ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما المتّفق عليه، فتبصّر.
(ومنها): أن في حديث عبد الله بن عمرو رضي اللّه تعالى عنهما المتقدّم عند

٧٢
E
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
أحمد، وأبي داود دليلًا على جواز لبس المعصفر للنساء. (ومنها): الإنكار على إحراق
الثوب المنتفع به لبعض الناس، دون بعض؛ لأنه من إضاعة المال المنهي عنها، ولكنه
يعارض هذا حديثه المذكور في الباب، فقد أمره النبيّ وَّ بالإحراق.
وقد جمع بعضهم بين الروايتين، بأنه أمر أولا بإحراقهما ندبا، ثم لما أحرقهما قال له
النبي وَّشير: ((لو كسوتهما بعض أهلك))، إعلاما له بأن هذا كان كافيا لو فعله، وأن الأمر
للندب .
قال الشوكانيّ: ولا يخفى ما في هذا من التكلف الذي عنه مندوحة؛ لأن القضية لم
تكن واحدة، حتى يُجمع بين الروايتين بمثل هذا، بل هما قضيتان مختلفتان، وغايته أنه
في إحدى القضيتين غَلّظ عليه، وعاقبه، فأمره بإحراقهما، ولعل هذه المرة التي أمره
فيها بالإحراق، كانت بعد تلك المرة التي أخبره فيها بأن ذلك غير واجب، وهذا وإن
كان بعيدا من جهة أن صاحب القصة يبعد أن يقع منه اللبس للمعصفر مرة أخرى، بعد
أن سمع فيه ما سمع في المرة الأولى، ولكنه دون البعد الذي في الجمع الأول؛ لأن
احتمال النسيان، وكذا احتمال عروض شبهة، توجب الظن بعدم التحريم، ولا سيما
وقد وقعت منه المعاتبة على الإحراق.
قال القاضي عياض: أمرُه بإحراقهما من باب التغليظ والعقوبة. انتهى ((نيل الأوطار))
١٨٢/٢- ١٨٣ .
(ومنها): أنه احتج بن من يرى جواز المعاقبة بالمال، ولكن الراجح عدم جوازه إلا
فيما ورد به النصّ، وقد تقدّم تمام البحث فيه في ((كتاب الزكاة))، فارجع إليه تستفد.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٣٢٠- (أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّدٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، أَنَّ
إِبْرَاهِيمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ عَلِيًّا يَقُولُ: (نَّانِ رَسُولُ
اللّهِ وَهَ، عَنْ خَاتَم الذَّهَبِ، وَعَنْ لَبُوسِ الْقَسِّيِّ، وَالْمُعَصْفَرِ، وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَأَنَا
راکِع»).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا
غير مرّة. و((عيسى بن حمّاد)): هو أبو موسى المصريّ، الملقّب زُغْبة، ثقة [١٠].
والسند مسلسلٌ بثقات المصريين إلى إبراهيم، ومنه مدنيّون.
وقوله: ((لبوس القسيّ)): بفتح اللام -: أي ما يُلبس من القسّيّ، قال في ((القاموس)):
اللََّاسُ، واللَّبُوسُ، واللّْسُ بالكسر، والْمَلْبَسُ، كمَقْعَد، ومِنْبَر: ما يُلبس. انتهى.
وتقدّم معنى ((القَسّيّ))، و((الْمُعصفَر))، ومناسبة الحديث للباب واضحة، حيث إن فيه

٧٣
٩٧ - (لُبْسُ الْبُرُودِ) - حديث رقم ٥٣٢٢
النهي عن لبس المعصفر.
والحديث أخرجه مسلم، وقد تقدّم في ((كتاب الصلاة)) ١٠٤١/٩٧. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب».
٩٦- (لَبْسُ الْخُضْرِ مِنَ الثَّابِ)
٥٣٢١- (أَخْبَرَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو نُوحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ
حَازِمٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ إِيَادِ بْنِ لَقِيطٍ، عَنْ أَبِّ رِمْثَةَ، قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا
رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ، وَعَلَيْهِ ثَوْبَانٍ أَخّضَرَانٍ).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((العبّاس بن محمد)): هو الدُّوريّ، أبو الفضل
البغداديّ، خُوَارَزْميّ الأصل، ثقة حافظ، من كبار [١١] ١٣٥/١٠٢. وأبو نوح)): هو
عبد الرحمن بن غَزْوان المعروف بقُرَاد الضبيّ، ثقة له أفراد [٩] ٥٢٦٦/٧٥. و((عبد
الملك بن عُمير)): هو الفرّسيّ الكوفيّ، ثقة فقيه، تغير حفظه، وربما دلّس [٣] ٤١/
٩٤٧ . و((إياد بن لقيط)): هو السدوسيّ، ثقة [٤]. و((أبو رِمئة)): قيل: اسمه رفاعة بن
يَثْربيّ، ويقال: عكسه، ويقال: عمارة بن يثربيّ، وقيل: غير ذلك، صحابيّ مات
بإفرقية .
والحديث صحيحٌ، وتقدّم في ((صلاة العيدين)) ١٦/ ١٥٧٢ . وتقدّم شرحه، وبيان
مسائله هناك، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
٩٧ - (لُبْسُ الْبُرُودِ)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هو: جمع بُردة بضم الموحّدة، وسكون الراء، بعدها

٧٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
مهملة -: قال الجوهريّ: كساء أسود، مربّع، فيه صور، تلبسه الأعراب. قاله في
((الفتح)) ١١/ ٤٥٢ . والله تعالى أعلم بالصواب.
٥٣٢٢- (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، عَنْ يَخْتِى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ،
قَالَ: حَدَّثَنَا قَيْسٌ، عَنْ خَّابِ بْنِ الْأَرَتْ، قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَ لِهِ، وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ
بُرْدَةً لَهُ، فِي ظِلُّ الْكَعْبَةِ، فَقُّلْنَا: ((أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا، أَلَا تَدْعُو اللّهَ لَنَا))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (يعقوب بن إبراهيم) الدَّورقيّ، أبو يوسف البغداديّ، ثقة حافظ [١٠] ٢٢/٢١.
٢- (محمد بن المثنى) الْعَنَزيّ، أبو موسى البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٨٠/٦٤.
٣- (يحيى) بن سعيد القطّان، أبو سعيد البصريّ، ثقة ثبت حجة [٩] ٤/٤.
٤- (إسماعيل) بن أبي خالد البجليّ الأحمسيّ مولاهم الكوفيّ، ثقة ثبت [٤] ١٣/
٤٧١ .
٥- (قيس) بن أبي حازم البجليّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقة مخضرم [٢] ٩٥٤/٤٦.
٦- (خبّاب بن الأرت) التميميّ، أبو عبد الله، الصحابيّ الشهير، من السابقين
الأولين، وكان يُعذّب في اللَّه، وشهد بدرًا، ثم نزل الكوفة، ومات بها تَظ سنة
(٣٧هـ) وتقدّمت ترجمته في ((كتاب المواقيت)) ٢/ ٤٩٧. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين من إسماعيل. (ومنها): أن فيه رواية
تابعي عن تابعيّ (ومنها): أن شيخيه من التسعة الذين يروي عنهم الجماعة بلا واسطة.
(ومنها): أن قيسًا هو التابعيّ الذي انفرد بالرواية عن العشرة المبشرين بالجنّة رضي الله
تعالى عنهم، فلا يوجد من التابعين روى عنهم جميعًا غيره. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ خَبَّابِ) بموحدتين الأولى مثقّلة (ابْنِ الْأَرَتُ) بفتح الهمزة، والراء، وتشديد
المثنّاة الفوقيّة- رضي الله تعالى عنه، أنه (قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ نَّهِ، وَهُوَ
مُتَوَسِّدٌ) أي متكىء (بُرْدَةً لَهُ) بضم الموحدة، وسكون الراء: كساء صغير، مربّع،
ويقال: كساء أسود صغير. قاله في ((المصباح))، وفي ((القاموس)): البُرْد بالضمّ: ثوب
مُخطّط، جمعه أبراد، وبُرُودٌ، وأكسية يُلتحف بها، الواحدة بهاء. انتهى والجملة في
محل نصب على الحال. (فِي ظِلُ الْكَعْبَةِ، فَقُلْنَا: ((أَلَا) بفتح الهمزة، وتخفيف اللام:

٧٥
٩٧ - (لُبْسُ البُرُودِ) - حديث رقم ٥٣٢٢
هي هنا للعرض، وهو طلب الشيء بلين، بخلاف التحضيض، فإنه طلبه بحث،
وتختصّ ((ألا)) هذه بالجملة الفعليّة، نحو قوله عز وجل: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اَللَّهُ لَكُمُّ﴾
الآية [النور: ٢٢]، وقوله: ﴿أَلَا تُقَيِّلُونَ قَوْمًا نَّكَثُواْ أَيْمَنَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ١٣]،
ومنه هذا الحديث، ومنه عند الخليل قول الشاعر [من الوافر]:
أَلَا رَجُلًا جَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا يَدُلُّ عَلَى مُحَصِّلَةٍ تَبِيتُ
والتقدير: ألا تُرُونني رجلًا هذه صفته.
(تَسْتَنْصِرُ لَنَا) أي تطلب لنا النصر على أعدائنا المشركين (أَلَا تَدْعُو اللَّهَ لَنَا) بالنصر.
والحديث مختصر، وقد ساقه البخاريّ رحمه الله تعالى في ((صحيحه)) مطوّلًا، فقال:
٣٦١٢ - حدثني محمد بن المثنى، حدثنا يحيى، عن إسماعيل، حدثنا قيس، عن
خباب بن الأرت، قال: شكونا إلى رسول اللَّه ◌َلّ، وهو متوسد بردة له، في ظل
الكعبة، قلنا له: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو اللَّه لنا، قال: كان الرجل فيمن قبلكم يُحفَر
له في الأرض، فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار، فيوضع على رأسه، فيشق باثنتين، وما
يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه، من عظم أو عصب، وما
يصده ذلك عن دينه، واللَّه ليَتِمَّنْ هذا الأمرُ، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى
حضرموت، لا يخاف إلا الله، أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون)).
وفي رواية له من طريق سفيان بن عيينة، عن بيان بن بشر، وإسماعيل بن خالد،
كلاهما عن قيس، قال: سمعت خبابا يقول: أتيت النبي ◌َّ، وهو متوسد بردة، وهو
في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدة، فقلت: يا رسول الله، ألا تدعو الله،
فقعد، وهو محمر وجهه، فقال: ((لقد كان من قبلكم، ليُمْشَط بمشاط الحديد ما دون
عظامه، من لحم أو عصب ... )) الحديث.
وقوله: ((من صنعاء الخ)) يحتمل أن يريد صنعاء اليمن، وبينها وبين حضرموت من
اليمن أيضًا مسافةٌ بعيدةً، نحو خمسة أيام. ويحتمل أن يريد صنعاء الشام، والمسافة
بينهما أبعد بكثير، والأول أقرب، قال ياقوت: هي قرية على باب دمشق، عند باب
الفراديس، تتصل بالعقيبة. قال الحافظ: وسُمّيت باسم من نزلها من أهل صنعاء اليمن.
قاله في ((الفتح)) ٣٢٦/٧. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث خبّاب بن الأرتّ رضي اللّه تعالى عنه هذا أخرجه البخاريّ.

٧٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥٣٢٢/٩٧- وفي ((الكبرى)) ٩٦٥٨/٩٤. وأخرجه (خ) في ((المناقب))
٣٦١٢ و٣٨٥٢ و((الإكراه)) ٦٩٤٣ (د) في ((الجهاد)) ٢٦٤٩ (أحمد) في ((مسند القبائل))
٢٦٦٧ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان جواز لبس البرود.
(ومنها): جواز الاتكاء. (ومنها): الصبر على مقساة الشدائد في الدعوة إلى الله تعالى.
(ومنها): البشارة بالنصر والعزّ لمن صبر على دينه. (ومنها): أن فيه علمًا من أعلام
النبوة، فإنه وَلَّ أخبر بأنه سيتمّ اللّه تعالى هذا الدين، ويكون المؤمنون آمنين، لا
يخافون أعداءهم، وقد وقع ذلك كذلك بعد موته وَ له. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٣٢٣- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا يَعْقُوبُ، عَنْ أَبِي حَازِمِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ،
قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ بِبُرْدَةٍ، قَالَ سَهْلٌ: هَلْ تَدْرُونَ مَا الْبُرْدَةُ؟ قَالُوا: نَعَمْ، هَذِهِ الشَّمْلَةُ،
مَنْسُوجٌ فِي حَاشِيَتِهَا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي نَسَجْتُ هَذِهِ بِيَدِي، أَكْسُوكَهَا، فَأَخَذَهَا
رَسُولُ اللَّهِ بِهِ، مُخْتَاجًا إِلَيْهَا، فَخَرَجَ إِلَيْنَا، وَإِنَّا لَإِزَارُهُ).
رجال هذا الإسناد: أربعة :
١- (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/١.
٢- (يعقوب) بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد القاريّ المدنيّ، نزيل الإسكندريّة،
حليف بني زُهرة، ثقة [٨] ٧٣٩/٤٥.
٣- (أبو حازم) سلمة بن دينار التمار الأعرج المدني، ثقة عابد [٥] ٤٤/٤٠.
٤- (سهل بن سعد) بن مالك بن خالد الأنصاريّ الخزرجيّ الساعديّ، أبو العبّاس،
الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي الله تعالى عنهما، مات تظ سنة (٨٨) وقيل: بعدها،
وقد جاوز المائة. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من رباعيات المصنف رحمه الله تعالى، وهو (٢٥٣) من رباعيّات الكتاب.
(ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بثقات المدنيين، غير
شيخه، والظاهر أنه دخلها. (ومنها): أن صحابيّه آخر من مات من الصحابة بالمدينة، وهو
من المعمّرين، فقد جاوز عمره المائة، كما سبق آنفًا، وقيل: آخر من مات بها السائب بن
يزيد وظلّه مات سنة (٩١) وقيل: قبل ذلك. والله تعالى أعلم.

٧٧
=
٩٧- (لُسُ البُرُودِ) - حديث رقم ٥٣٢٣
شرح الحديث
(عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) الساعديّ رضي اللَّه تعالى عنهما، أنه (قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ) لا
يعرف اسمها، قاله في ((الفتح)) (بِبُرْدَةٍ، قَالَ سَهْلٌ) رَّهِ (هَلْ تَدْرُونَ مَا الْبُرْدَةُ؟، قَالُوا:
نَعَمْ، هَذِهِ الشَّمْلَةُ) بفتح، فسكون: كساء صغير يُؤتر به، والجمع شَمَلات، مثلُ سَجْدة
وسَجَدات، وشِمال أيضًا، مثلُ كلبة وكلاب. وقال في ((الفتح)): في تفسير البردة
بالشملة تجوّز؛ لأن البردة كساء، والشملة ما يُشتَمَل به، فهي أعم، لكن لما كان أكثر
اشتمالهم بها، أطلقوا عليها اسمها (مَنْسُوجٌ فِي حَاشِيَتِهَا) قال الداودي: يعني أنها لم
تُقطع من ثوب، فتكون بلا حاشیه، وقال غيره: حاشية الثوب: هدبه، فكأنه قال : إنها
جديدة لم يقطع هدبها، ولم تُلبَس بعدُ، وقال القزاز: حاشيتا الثوب: ناحيتاه اللتان في
طرفهما الهدب.
(فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي نَسَجْتُ) من باب ضرب: أي صنعت (هَذِهِ) الشملة
(بِيَدِي، أَكْسُوكَهَا، فَأَخَذَهَا رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ، مُخْتَاجًا إِلَيْهَا) كأنهم عرفوا ذلك بقرينة
حال، أو تقدم قول صريح (فَخَرَجَ إِلَيْتَا، وَإِنَّا لَإِزَارُهُ) وفي رواية ابن ماجه، عن هشام
بن عمار، عن عبد العزيز: ((فخرج إلينا فيها))، وفي رواية هشام بن سعد، عن أبي
حازم، عند الطبراني: (فاتزر بها، ثم خرج)).
[تنبيه]: هذا الحديث مختصر، وتمامه، كما عند البخاريّ رحمه اللّه تعالى في
((صحيحه)): ((فحسّنها فلان، فقال: اكسنيها، ما أحسنها، قال القوم: ما أحسنت،
لبسها النبيّ وَِّ مُحتاجًا إليها، ثم سألته، وعلمت أنه لا يرد، قال: إني والله ما سألته
لألبسها، إنما سألته لتكون كفني، قال: سهلٌ: فكانت كفنه)). انتهى.
وينبغي لي أن أذكر شرحه تكميلًا للفائدة، قال في ((الفتح)):
((قوله)): ((فحسنها فلان، فقال اكسنيها، ما أحسنها)»: كذا في جميع الروايات هنا
بالمهملتين، من التحسين، وللمصنف في ((اللباس)) من طريق يعقوب بن عبد الرحمن،
عن أبي حازم: ((فجَسّها)) بالجيم بغير نون، وكذا للطبراني، والإسماعيلي، من طريق
أخرى عن أبي حازم.
وقوله: «فلان)»: أفاد المحب الطبري في ((الأحكام)) له: أنه عبد الرحمن بن عوف،
وعزاه للطبراني، قال الحافظ: ولم أره في ((المعجم الكبير))، لا في مسند سهل، ولا
عبد الرحمن، ونقله شيخنا ابن الملقن، عن المحب في ((شرح العمدة))، وكذا قال لنا
شيخنا الحافظ، أبو الحسن الهيثمي: إنه وقف عليه، لكن لم يستحضر مكانه، ووقع
ليشخنا ابن الملقن في ((شرح التنبيه)): أنه سهل بن سعد، وهو غلط، فكأنه التبس على

٧٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
شيخنا اسم القائل باسم الراوي، نعم أخرج الطبراني الحديث المذكور، عن أحمد بن
عبد الرحمن بن يسار، عن قتيبة بن سعيد، عن يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبي
حازم، عن سهل، وقال في آخره: قال قتيبة: هو سعد بن أبي وقاص. انتهى. وقد
أخرجه البخاري في ((اللباس))، والنسائي في ((الزينة)) عن قتيبة، ولم يذكرا عنه ذلك،
وقد رواه ابن ماجه بسنده المتقدم، وقال فيه: «فجاء فلان، رجل سماه يومئذ))، وهو
دال على أن الراوي كان ربما سماه، ووقع في رواية أخرى للطبراني، من طريق زمعة بن
صالح، عن أبي حازم، أن السائل المذكور أعرابي، فلو لم يكن زمعة ضعيفا، لانتفى
أن يكون هو عبد الرحمن بن عوف، أو سعد بن أبي وقاص، أو يقال تعددت القصة،
على ما فيه من بعد. والله أعلم.
وقوله: ((ما أحسنها)): بنصب النون، و((ما)) للتعجب، وفي رواية ابن ماجه،
والطبراني من هذا الوجه، قال: ((نعم، فلما دخل طواها، وأرسل بها إليه))، وهو
للبخاريّ في ((اللباس)) من طريق يعقوب بن عبد الرحمن، بلفظ: ((فقال: نعم، فجلس
ما شاء الله في المجلس، ثم رجع، فطواها، ثم أرسل بها إليه)).
وقوله: ((قال القوم: ما أحسنت)): ((ما)): نافيه، وقد وقعت تسمية المعاتب له من
الصحابة، في طريق هشام بن سعد المذكورة، ولفظه: ((قال سهل: فقلت للرجل: لم
سألته، وقد رأيت حاجته إليها؟ فقال: رأيت ما رأيتم، ولكن أردت أن أخبأها، حتى
أكفن فيها)). وقوله: ((أنه لا يرد»: كذا وقع هنا بحذف المفعول، وثبت في رواية ابن
ماجه بلفظ: ((لا يرد سائلا))، ونحوه في رواية يعقوب عند البخاريّ في ((البيوع»، وفي
رواية أبي غسان في ((الأدب)): ((لا يسأل شيئا فيمنعه)).
وقوله: ((ما سألته لألبسها)): في رواية أبي غسان: ((فقال: رجوت بركتها، حين
لبسها النبي ◌َّ))، وأفاد الطبراني في رواية زمعة بن صالح: ((أن النبي ◌ِّر، أمر أن يصنع
له غيرها، فمات قبل أن تفرغ)». انتهى ((فتح)) ٤٨٦٤٨٨/٣. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث سهل بن سعد رضي اللّه تعالى عنه هذا أخرجه البخاريّ.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥٣٢٣/٩٧ - وفي ((الكبرى)) ٩٦٥٩/٩٤. وأخرجه (خ) في ((الجنائز))
١٢٧٧ و((البيوع)) ٢٠٩٢ و(اللباس)) ٥٨١٠ و((الأدب)) ٦٠٣٦ (ق) في ((اللباس)) ٣٥٥٥

=
٩٨- (الأمَّرُ بِلُبْسِ البِيض مِنَ النَّاب) - حديث رقم ٥٣٢٤
٧٩
(أحمد) في ((باقي الأنصار)) ٢٢٣١٨. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان جواز لبس البرود.
(ومنها): حسن خلق النبي بَلّره وسعة جوده. (ومنها): استحباب قبوله الهدية.
(ومنها): ما استنبطه المهلب منه، وهو جواز ترك مكافأة الفقير على هديته. وتُعُقْب بأنه
ليس ذلك بظاهر منه، فإن المكافأة كانت عادة النبي والقر مستمرة، فلا يلزم من السكوت
عنها هنا، أن لا يكون فعلها، بل ليس في سياق هذا الحديث الجزم بكون ذلك كان
هدية، فيحتمل أن تكون عرضتها عليه؛ ليشتريها منها. (ومنها): جواز الاعتماد على
القرائن، ولو تجردت، لقولهم: ((فأخذها محتاجا إليها))، وفيه نظر؛ لاحتمال أن يكون
سبق لهم منه قول، يدل على ذلك، كما تقدم. (ومنها): الترغيب في المصنوع بالنسبة
إلى صانعه، إذا كان ماهرا، ويحتمل أن تكون أرادت بنسبته إليها، إزالة ما يخشى من
التدليس. (ومنها): جواز استحسان الإنسان ما يراه على غيره، من الملابس، وغيرها،
إما لِيُعَرِّفه قدرها، وإما لِيُعَرِّض له بطلبه منه، حيث يسوغ له ذلك. (ومنها): أنّ فيه
مشروعية الإنكار عند مخالفة الأدب ظاهرا، وإن لم يبلغ المنكر درجة التحريم.
(ومنها): التبرك بآثار النبيّ وَله. (ومنها): ما قاله ابن بطال: فيه جواز إعداد الشيء قبل
وقت الحاجة إليه، قال: وقد حفر جماعة من الصالحين قبورهم قبل الموت. وتعقبه
الزين ابن المنير: بأن ذلك لم يقع من أحد من الصحابة، قال: ولو كان مستحبا لكثر
فيهم. وقال بعض الشافعية: ينبغي لمن أَعَدَّ شيئا من ذلك، أن يجتهد في تحصيله من
جهة يثق بحلها، أو من أثر من يعتقد فيه الصلاح والبركه. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
٩٨- (الأَمْرُ بِلُبْسِ الْبِيضِ مِنَ
الثّاب)
٥٣٢٤- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَحْتِى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ
أَبِي عَرُوبَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ، عَنْ سَمُرَةَ، عَنِ النَّبِّ ◌َّ،

٨٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
قَالَ: ((الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمُ الْبَيَاضَ، فَإِنَّا أَظْهَرُ، وَأَطْيَبُ، وَكَفْنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ))، قَالَ يَخْتِى:
لَمْ أَكْتُبُهُ، قُلْتُ: لِمَ؟ قَالَ: اسْتَغْتَيْتُ بِحَدِيثٍ مَيْعُونِ بْنِ أَبِي شَبِيبٍ، عَنْ سَمُرَةَ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم
تقدّموا. و((عمرو بن عليّ)): هو الفلّاس. و((يحيى بن سعيد)): هو القطّان. و((أيوب)):
هو ابن أبي تميمة السختيانيّ البصريّ. و((أبو قلابة)): هو عبد الله بن زيد بن عمرو *
الجرميّ البصريّ. و((أبو الْمُهَلَّب)): هو عمرو، أو عبد الرحمن بن معاوية، أو ابن
عمرو، وقيل: النضر، وقيل: معاوية، ثقة [٢].
وقوله: ((فإنها أطهر وأطيب)): أي لأنه يلوح فيها أدنى وسخ، فيُزال، بخلاف سائر
الألوان.
وقوله: ((قَالَ يَخْبَى) أي ابن سعيد القطان (لَمْ أَكْتُبُهُ) أي لم أكتب هذا الحديث بهذا
السند قال عمرو بن عليّ (قُلْتُ: لِمَ؟) أي لِمَ لَمْ تكتبه؟ (قَالَ: اسْتَغْنَيْتُ بِحَدِيثِ مَيْمُونِ
بْنِ أَبِي شَبِيبٍ) الرَّبَعيّ، أبي نصر الكوفيّ، صدوقٌ، كثير الإرسال [٣] ٢٢٢٤/٤٣ (عَنْ
سَمُرَةَ) بن جندب رَّه يعني أنه استغنى عن كتابة هذا الحديث من طريق سعيد بن أبي
عروبة، عن أيوب بكتابة حدیث ميمون بن أبي شبيب، وحديث میمون لم يذكره هنا،
وإنما أخرجه في ((الكبرى)) ٤٧٧/٥ قال:
٩٦٤٢ - أخبرنا أبو الأشعث، أحمد بن المقدام العجلي، عن يزيد بن زريع، قال:
ثنا سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ميمون بن أبي شبيب، عن سمرة بن
جندب: أن رسول اللَّه وَ له، قال: ((البسوا الثياب البياض، وكفنوا فيها أمواتكم، فإنها
أطيب وأطهر)).
٩٦٤٣ -أخبرنا علي بن حجر، قال: ثنا إسماعيل -يعني ابن علية - وعبيد الله بن
عمرو الرَّقّيّ، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن سمرة بن جندب، قال: قال رسول الله
وَالر: ((عليكم بثياب البياض، ليلبسها أحياؤكم، وكفنوا فيها موتاكم، فإنها من خير
ثیابکم)). ثم أورد رواية حماد بن زيد الآتية بعد هذا.
والظاهر أن يحيى بن سعيد يرى ترجيح رواية ميمون بن أبي شبيب على رواية أبي
الْمُهلّب؛ لوقوع الاختلاف فيها، فقد رواه إسماعيل ابن عليّة، وعُبيد الله بن عمرو
الرّقْيّ، وحماد بن زيد، ثلاتهم عن أيوب، عن أبي قلابة، عن سمرة، وخالفهم سعيد
ابن أبي عروبة، فرواه عن أيوب، عن أبي قلابة، عن عمه أبي المهلّب، عن سمرة.
لكن لم يظهر لي وجه ترجيح رواية ميمون؛ إذ الظاهر أن رواية هؤلاء الثلاثة أرجح،
ولا سيما وقد قال عمرو بن عليّ الفلاس- كما في ((تهذيب التهذيب)) ١٩٨/٤: وليس