النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١ ==
٩٠- (التَّشْدِيدُ فِي لُبْسِ الْحَرِيرِ، وَأَنَّ ... - حديث رقم ٥٣٠٨
الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ،
وصحابيّ، عن صحابيّ، والابن عن أبيه. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ يَحْيِى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ) أنه (قَالَ: حَدَّثَنِي عِمْرَانُ بْنُ حِطَّانَ، أَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللّهِ بْنَ
عَبَّاسٍ) رضي اللَّه تعالى عنهما (عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ) أي عن حكم لبسه.
[تنبيه]: رواية المصنّف رحمه الله تعالى هذه من طريق حرب بن شدّاد، عن يحيى
ابن أبي كثير صريحة في أن سؤال عمران أوّلًا كان لابن عبّاس، فدله على عائشة، وهي
مخالفة لرواية البخاريّ من طريق عليّ بن المبارك، عن يحيى، ونصّها: ((عن عمران بن
حطان، قال: سألت عائشة عن الحرير؟، فقالت: انت ابن عبّاس، فسله، قال:
فسألته؟ فقال: سل ابن عمر ... )) الحديث.
ففيها أن سؤال عمران أولا كان لعائشة، وقد علّق البخاريّ رواية حرب هذه في
((صحيحه)) عقب رواية عليّ بن المبارك، فقال: وقال عبد الله بن رجاء: حدثنا حرب،
عن يحيى، حدثني عمران ... وقصّ الحديث. انتهى. فقال في ((الفتح)) بعد أن ذكر أن
النسائيّ وصله: ما نصّه: وقد ذكر الدارقطنيّ أن هذا اللفظ في حديث عمر خطأ، ولعلّ
البخاريّ لم يسق اللفظ لهذا المعنى. انتهى.
فيظهر مما ذكر أن رواية البخاريّ هي الراجحة. والله تعالى أعلم.
(فَقَالَ: سَلْ عَائِشَةَ) رضي اللَّه تعالى عنها (فَسَأَلَتُ عَائِشَةَ؟ قَالَتْ: سَلْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ
عُمَرَ) رضي اللَّه تعالى عنهما (فَسَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ) فيه أنه ينبغي للعالم إذا سُئل عن مسألة،
وغيره أعلم بها منه أن يدلّ السائل عليه؛ لأنه من باب النصيحة (فَقَالَ) ابن عمر (حَدَّثَنِي
أَبُو خَفْصٍ) يعني أباه عمر بن الخطّاب ◌َّ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وََّ، قَالَ: ((مَنْ لَبِسَ
الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا، فَلَا خَلَاقَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ) زاد في رواية البخاريّ من طريق علي بن
المبارك، عن يحيى بن أبي كثير: ((فقلتُ: صدق، وما كذب أبو حفص على رسول الله
وَالر. وقوله: ((فلا خلاق له الخ)): قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: الخلاق قيل فيه:
الحظّ، والنصيب، والقدر، ويعني بذلك أنه لباس الكفّار والمشركين في الدنيا، وهم
الذين لا حظّ لهم في الآخرة. انتهى. ((المفهم)) ٣٨٦/٥ .
وقال النوويّ رحمه اللّه تعالى: قيل: معنى من لا خلاق له: من لا نصيب له في
الآخرة. وقيل: من لا حرمة له. وقيل: من لا دين له، فعلى الأول يكون محمولًا على
الكفّار، وعلى القولين الأخيرين يتناول المسلم، والكافر. انتهى ((شرح مسلم)) ٣٨/١٤
. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

٤٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عمر رَيّ هذا أخرجه البخاريّ.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥٣٠٧/٩٠- وفي (الكبرى)) ٩٦٢٣/٨٦. وأخرجه (خ) في ((اللباس))
٥٨٣٥. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٣٠٩- (أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ سَلْم، قَالَ: أَنْبَأَنَا النَّضْرُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ،
عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَبِشْرِ بْنِ الْمُخْتَفِزِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِِّ، قَالَ: ((إِنَّمَا
يَلْبَسُ الْحَرِيرَ مَنْ لَا خَلَّاقَ لَهُ»).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((سليمان بن سُليم)): هو الْهَدَاديّ، أبو داود
المصاحفيّ البلخيّ، ثقة [١١]. و((النضر)): هو ابن شُميل. و((بكر بن عبد الله)): هو
المزنيّ البصريّ.
و((بشر بن الْمُخْتَفِزِ))- بمهملة، وآخره زاي- البصريّ، مجهول(١) [٣].
رَوَى عن عبد الله بن عمر، في لبس الحرير، وعنه قتادة مقرونا بيكر بن عبد الله، قاله
شعبة عن قتادة، وقال همام عنه: عن بشر بن عائذ، وحكى البخاري في ((التاريخ)) عن
مجاهد، قال: استعمل عمر بن الخطاب بشر بن المحتفز على السُّوس، قال البخاري: بشر
قديم الموت، لا يشبه أن قتادة أدركه. وقال أبو زرعة: لا أعرفه، إلا في هذا الحديث.
وقال الحاكم في ((تاريخ نيسابور)): المحتفز بن أوس بن الضرير بن زياد، والد بشر بن
المحتفز له صحبة، كانا بخراسان في جيش عبد الرحمن بن سمرة، وساق في ترجمته من
طريق عيسى ابن عبيد الكندي، عن الحسين بن عثمان بن بشر بن المحتفز بن أوس المزني،
عن أبيه عثمان، عن بشر، عن جده، أنه بايع رسول اللّه وَ ل تحت الشجرة. وذكره ابن حبان
في ((الثقات)): وقال: هو بشر بن المحتفز بن أوس بن زياد بن أسحم بن ربيعة بن عدي بن
ثعلبة بن ذويب بن سعد. انتهى. تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما هذا صحيح؛
لشواهده، فإن أحاديث الباب تشهد له، وهو من أفراد المصنف رحمه الله تعالى أخرجه هنا
٥٣٠٩/٩٠- وفي («الكبرى» ٩٦٢٤/٨٦. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
(١) وقول صاحب ((التقريب)): ((صدوق)) فيه نظر لا يخفى؛ لأنه تفرد بالرواية عنه قتادة، ولا يعرف إلا بهذا
الحديث، ولم يوثقه سوى ابن حبان على عادته في توثيق المجاهيل، فتأمل. والله تعالى أعلم.

=
٤٣
٩٠- (التَّشْدِيدُ فِي لُبْسِ الْحَرِيرِ، وَأَنَّ ... - حديث رقم ٥٣١٠
٥٣١٠- (أَخْبَرَنِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، سَنَّةَ سَبْعٍ وَمِائَتَيْنِ،
قَالَ: حَدَّثَنَا الصَّعْقُ بْنُ حَزْنٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَلِيِّ الْبَارِقِيّ، قَالَ: أَتَتْنِي امْرَأَةٌ تَسْتَفْتِينِي،
فَقُلْتُ لَهَا: هَذَا ابْنُ عُمَرَ، فَاتَّبَعَتْهُ تَسْأَلُهُ، وَاتَّبَعْتُهَا أَسْمَعُ مَا يَقُولُ، قَالَتْ: أَقْتِنِي فِي
الْحَرِيرِ، قَالَ: ((ََّى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ وِ)).
قَالَ الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((إبراهيم بن يعقوب)): هو الجوزجانيّ الحافظ.
و((أبو النعمان)): هو محمد بن الفضل الملقّب بعارم الثقة الثبت.
وقوله: ((سنة سبع ومائتين)) منصوب على الظرفيّة، متعلّقٌ بـ((حدّثنا)).
و ((الصعق بن حزن))- بفتح المهملة، وسكون الزاي- ابن قيس البكريّ، أبو عبد الله
البصريّ، صدوقٌ بِهِم، وكان زاهدًا [٧].
رَوَى عن الحسن البصري، ومطر الوراق، وقتادة، وأبي جمرة الضبعي، والقاسم بن
مطيب العجلي، وغيرهم. وعنه ابن المبارك، ويونس بن محمد، وأبو أسامة، ویزید بن
هارون، وعارم، وموسى بن إسماعيل، وشيان بن فَرُّوخ، وغيرهم. قال إسحاق بن
منصور، عن ابن معين: ليس به بأس. وقال الدُّوري، عن ابن معين: ثقة. وكذا قال
أبو زرعة، وأبو داود، والنسائي، وقال أبو حاتم: ما به بأس. وقال الآجري، عن أبي
داود: قُرّة فوقه. وقال محمد بن الحسين بن أبي الحُنَين: حدثنا عارم، عن الصعق،
وكانوا يرونه من الأبدال. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال موسى بن إسماعيل: ثنا
الصعق، وكان صدوقا. وقال يعقوب بن سفيان: صالح الحديث. وقال العجلي: ثقة.
وقال الدار قطني: ليس بالقوي.
روى له البخاري في ((الأدب المفرد))، ومسلم، وأبو داود في ((المراسيل))،
والمصنّف، وله عنده هذا الحديث، وفي ((كتاب الأشربة)) ٥٦٠٣/٢٣ حديث: ((كتب
عمر بن عبد العزيز إلى عديّ بن أرطاة كلُّ مسكر حرام)).
و ((عليّ البارقيّ)): هو عليّ بن عبد اللّه البارقيّ الأزديّ، أبو عبد الله بن أبي الوليد،
صدوقٌ، ربّما أخطأ [٣] ١٦٦٦/٢٦.
وقوله: ((نهى عنه رسول اللّه وَلي)): تقدّم أن ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما ممن
يرى تحريم الحرير على النساء، كابن الزبير رضي الله تعالى عنهما، لكن الجمهور على
أنه حلال لهنّ، وهو الحقّ؛ لما سبق من الأحاديث الصحيحة الدالّة على ذلك. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما هذا صحيح،
وهو من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا ٩٠/ ٥٣١٠- وفي ((الكبرى)) ٨٦/

٤٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزُّينَةِ
٩٦٢٥. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)».
٩١- (ذِكْرُ النَّهْي عَنِ الثْيَابِ الْقَسِيَّةِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((الْقَسِّيّة)) -بفتح القاف، وتشديد المهملة، بعدها ياء
نسبة- وذكر أبو عبيد في ((غريب الحديث)) أن أهل الحديث يقولونه بكسر القاف، وأهل
مصر يفتحونها، وهي نسبة إلى بلد، يقال لها: القس رأيتها، ولم يعرفها الأصمعي،
وكذا قال الأكثر: هي نسبة للقس قرية بمصر، منهم الطبري، وابن سيده، وقال
الحازمي: هي من بلاد الساحل. وقال المهلب: هي على ساحل مصر، وهي حصن
بالقرب من الفَرَما، من جهة الشام، وكذا وقع في حديث ابن وهب أنها تلي الفرما،
و((الفرما))- بالفاء وراء مفتوحة. وقال النووي: هي بقرب تِنِيس، وهو متقارب، وحكى
أبو عبيد الهروي، عن شَمِر اللغوي أنها بالزاي، لا بالسين، نسبة إلى القز وهو الحرير،
فأبدلت الزاي سينا. وحكى ابن الأثير في ((النهاية)) أن القس الذي نسب إليه هو
الصّقيع، سمي بذلك لبياضه، وهو والذي قَبْلَهُ كلام من لم يعرف القَسَّ القرية. قاله في
((الفتح)) ٤٧٣/١١. والله تعالى أعلم بالصواب.
٥٣١١- (أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَخِوَصِ، عَنْ أَشْعَثَ بْنٍ أَبِي
الشَّغْثَاءِ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنِ الْبِرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: ((أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ بِسَبْعِ،
وَنَّانَا عَنْ سَبْعٍ، ثَّانَا عَنْ خَوَاتِيمَ الذَّهَبِ، وَعَنْ آنِيَةِ الْفِضَّةِ، وَعَنِ الْمَيَائِرِ، وَالْقَسْئَّةِ،
وَالْإِسْتَبْرَقِ، وَالدِّيَاجِ، وَالْحَرِيرِ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((سُلَيْمَانُ بْنُ مَنْصُورٍ)): هو الْبَلْخيّ البزاز الدُّهني
الْجَرميّ، لقبه زَرْغَنْده، لا بأس به [١٠] ٧٥/٧٠ من أفراد المصنّف. و((أبو
الأحوص)): هو سلّام بن سُليم الحنفيّ مولاهم الكوفيّ ثقة متقنّ، صاحب حديث [٧]
٩٦/٧٩. و((أشعث بن أبي الشعثاء)): هو المحاربيّ الكوفيّ، ثقة [٦] ١١٢/٩٠ واسم
أبي الشَّعْثَاءِ سليم بن الأسود. و((معاوية بن سُويد)): هو ابن مُقَرّن المزنيّ، أبو سعيد
الكوفيّ، ثقة [٣] ١٩٣٩/٥٢.
وقوله: ((المياثر)): جمع ميثرة بالكسر، مِفْعلة من الوَثارة، يقال: وتُر الشيءُ، فهو

٤٥
٩٢- (الرُّخْصَةُ فِي لُبْسِ الْحَرِيرِ) - حديث رقم ٥٣١٢
وَثِيرٌ: وَطيء ليّنٌ، وهي من مراكب العجم تُعمل من حرير، أو ديباج))، وتقدّم الكلام
عليها مستوفّى في ((كتاب الجنائز)) ١٩٣٩/٥٢.
وقوله: ((نهانا عن سبع الخ)): لم يسق المأمورات هنا، بل اقتصر على ذكر المنهيّات
اقتصارًا على الأهم المناسب للباب، وقد ساق الحديث بتمامه في ((كتاب الجنائز))،
ولفظه: ((أمرنا رسول اللَّه وَله بسبع، ونهانا عن سبع: أمرنا بعيادة المريض، وتشميت
العاطس، وإبرار القسم، ونُصرة المظلوم، وإفشاء السلام، وإجابة الداعي، واتّباع
الجنائز، ونهانا عن خواتيم الذهب، وعن آنية الفضة، وعن المياثير، والْقَسّيّة،
والإستبرق، والحرير، والديباج)).
وقوله: ((و((القَسّة)): قيل: هي ثياب مُضلّعة: أي فيها خطوط عريضة، كالأضلاع،
فيها حرير، وفيها أمثال الأَترُنج، وقيل: غير ذلك، وقد تقدّم بعض ذلك في أول
الباب.
وقوله: ((والإستبرق)): بكسر الهمزة: غليظ الحرير، فارسيّ معرّب. وقوله:
((والديباج)) بكسر الدال، أفصح من فتحها: هي الثياب المتّخذة من الإبريسم، وهو
الحرير، فعطف الحرير على الإستبرق، والديباج من عطف العامّ على الخاصّ.
والحديث متفقٌ عليه، وقد تقدم في ((كتاب الجنائز)) ٥٢/ ١٩٣٩، وتقدّم شرحه،
وبيان مسائله هناك، وفي ٥١٦٧/٤٣ فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب» .
٩٢- (الرُّخْصَةُ فِي لُبْسِ الْحَرِيرِ)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: المراد لبسه عند الضرورة، كما يؤخذ من حديث
أنس رَّ، أو ما كان قليلًا، كما يؤخذ من حديث عمر رَنثه . والله تعالى أعلم
بالصواب.
٥٣١٢- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، قَالَ: حَدَّثَنَا
سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ: ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ، أَرْخَصَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ،
وَالزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، فِي قُمُصٍ حَرِيرٍ، مِنْ حِكَّةٍ كَانَتْ بِهِمَا))).

٤٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (إسحاق بن إبراهيم) المعروف بابن راهويه المروزيّ الحافظ الحجة [١٠] ٢/٢.
٢- (عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق السبيعي الكوفيّ، ثقة مأمون [٨] ٨/٨.
٣- (سعيد) بن أبي عروبة مِهْران اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ، ثقة ثبت،
اختلط بآخره، ويدلّس، أثبت الناس في قتادة [٦] ٣٨/٣٤.
٤ - (قتادة) بن دعامة السدوسيّ، أبو الخطاب البصريّ، ثقة ثبت يُدلّس [٤] ٣٤/٣٠.
٥- (أنس) بن مالك رضي الله تعالى عنه٦/٦ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين، غير شيخه، فمروزيّ.
(ومنها): أن فيه أنسًا وَظمثله من المكثرين السبعة، ومن المعمرين من الصحابة رضي الله
تعالى عنهم، عاش فوق مائة، وهو آخر من مات منهم بالبصرة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَنَس) بن مالك رضي اللَّه تعالى عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِّ، أَرْخَصَ) أي سهّل،
يقال: رخّص الشرع لنا في كذا ترخيصًا، وأرخص إرخاصًا: إذا يسّره، وسهّله. قاله في
((المصباح) (لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَالزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ) وَ (فِي قُمُصِ حَرِيرٍ) أي في
لبسه (مِنْ حِكَّةٍ كَانَتْ بِهِمَا) ((من)) تعليليّةٌ؛ لأجل حكّة كانت بهما.
و(الحكّة))- بالكسر: الْجَرَبُ. قاله في ((القاموس)). وفي ((المصباح)): داء يكون
بالجسد، وفي كتب الطبّ: هي خِلْطٌ رَقيقٌ، بُرَقِيٍّ، يحدُث تحت الجلد، ولا يحدُث
منه مِدَةٌ، بل شيء كالنخالة، وهوسريع الزوال. وفي رواية أنهما شكوا إلى رسول الله
وَل ﴿ القمل، فرخّص لهما في قميص الحرير، في غَزاة لهما.
قال السنديّ: والظاهر أن الحكّة هي علّة الرخصة، وقد جاء أن الواقعة كانت في
السفر، لكن السفر اتفاقيّ، لا دخل له في العلة، ويحتمل أن العلّة مجموعهما، أو كلّ
واحد منهما، وكأن من جوّز للحرب رأى أن العلّة كلّ منهما. والله تعالى أعلم. انتهى.
قال في ((الفتح)): ذكر البخاريّ حديث أنس ◌َّيه في الرخصة للزبير وعبد الرحمن
ابن عوف، في قميص الحرير من خمسة طرق، ففي رواية سعيد بن أبي عروبة، عن
قتادة: ((من حكة كانت بهما))، وكذا قال شعبة في أحد الطريقين، وفي رواية همام، عن
قتادة في أحد الطريقين: ((يعني القمل))، ورجح ابن التين الرواية التي فيه ((الحكة))،

٤٧
٩٢- (الرّخْصَةُ فِي لُبْس الحریر) - حديث رقم ٥٣١٢
وقال: لعل أحد الرواة تأولها فأخطأ. وجمع الداودي باحتمال أن يكون إحدى العلتين
بأحد الرجلين. وقال ابن العربي: قد ورد أنه أرخص لكل منهما، فالإفراد يقتضي أن
لكل حكّة. قال الحافظ: ويمكن الجمع بأن الحكة حصلت من القمل، فنسبت العلة
تارة إلى السبب، وتارة إلى سبب السبب. ووقع في رواية محمد بن بشار، عن غندر:
((رخص، أو أرخص))، كذا بالشك، وقد أخرجه أحمد عن غندر بلفظ: ((رخص رسول
اللَّهِ وَ لّ، وكذا قال وكيع عن شعبة.
قال: وجعل الطبري جوازه في الغزو، مستنبطا من جوازه للحكة، فقال: دلت
الرخصة في لبسه بسبب الحكة، أن من قصد بلبسه ما هو أعظم، من أذى الحكّة، كدفع
سلاح العدو، ونحو ذلك، فإنه يجوز.
قال: ثم المشهور عن القائلين بالجواز، أنه لا يختص بالسفر، وعن بعض الشافعية
يختص. وقال القرطبي الحديث حجة على من منع، إلا أن يدعي الخصوصية بالزبير
وعبد الرحمن، ولا تصح تلك الدعوى.
وقد جنح إلى ذلك عمر رضي الله عنه، فروى ابن عساكر من طريق ابن عوف(١)،
عن ابن سيرين، أن عمر رأى على خالد بن الوليد، قميص حرير، فقال: ما هذا؟ فذكر
له خالد قصة عبد الرحمن بن عوف، فقال: وأنت مثل عبد الرحمن؟، أو لك مثل ما
لعبد الرحمن؟ ثم أمر من حضره فمزقوه، رجاله ثقات، إلا أن فيه انقطاعا. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أنس رضي اللَّه تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٩٢ / ٥٣١٢ و٥٣١٣ - وفي («الكبرى» ٩٦٣٥/٨٧ و٩٦٣٦. وأخرجه
(خ) في ((الجهاد والسير)) ٢٩١٩ و٢٩٢٠ و٢٩٢٢ و((اللباس)) ٥٨٣٩ (م) في ((اللباس))
٢٠٧٦ (د) في ((اللباس)) ٤٠٥٦ (ت) في ((اللباس)) ١٧٢٢ (ق) في ((اللباس)) ٣٥٩٢
(أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ١١٨٢١ و١١٨٧٩ و١٢٥٨٠ و١٣٢٢٨ و١٣٤٧٣ .
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان الرخصة في لبس الحرير
(١) هكذا نسخة ((الفتح))، ولعل الصواب ((عوف)) بإسقاط لفظة ((ابن))، وهو عوف الأعرابيّ.

٤٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
للضرورة، وسيأتي اختلاف العلماء في ذلك في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى.
(ومنها): سماحة الشريعة، وسهولتها، حيث تراعي حاجات المكلّفين، فمهما اتّفق لهم
ضرر يُلجؤهم إلى ارتكاب المحظور تُوَسّع عليهم، وتُبيح ذلك المحظور؛ رفقًا بهم، قال
الله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَّا حَرَّمَ عَلَّكُمْ إِلَّا مَا آَضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهٌ﴾ الآية [الأنعام: ١١٩].
(ومنها): أن فيه بيان خاصية الحرير، حيث إنه يدفع أذى القمل، وضرر الحكّة.
وقال في ((الفتح)): ووقع في كلام النووي تبعا لغيره، أن الحكمة في لبس الحرير
للحكة؛ لما فيه من البرودة. وتُعُقّب بأن الحرير حارّ، فالصواب أن الحكمة فيه لخاصة
فيه؛ لدفع ما تنشأ عنه الحكة كالقمل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في لبس الحرير للضرورة:
قد اختلف السلف في لباسه، فمنع مالك، وأبو حنيفة مطلقا، وقال الشافعي، وأبو
يوسف: بالجواز للضرورة، وحكى ابن حبيب، عن ابن الماجشون، أنه يستحب في
الحرب، وقال المهلب: لباسه في الحرب؛ لإرهاب العدو، وهو مثل الرخصة في
الاختيال في الحرب. قاله في ((الفتح)) ١٩٩/٦ - ٢٠٠ في ((كتاب الجهاد)).
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: ترخيص النبيّ وَ لّ لعبد الرحمن، والزبير في لباس
الحرير للحكّة، أو للقمل يدلّ على جواز ذلك للضرورة، وبه قال جماعة من أهل العلم،
وبعض أصحاب مالك، وأما مالك: فمنعه في الوجهين، والحديث واضح الحجة
عليه، إلا أن يدّعي الخصوصيّة بهما، ولا يصح، أو لعلّ الحديث لم يبلغه. انتهى
((المفهم)) ٣٩٨/٥.
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: هذا الحديث صريحٌ في الدلالة لمذهب الشافعيّ،
وموافقيه أنه يجوز لبس الحرير للرجل، إذا كانت به حكّة؛ لما فيه من البرودة(١)، وكذلك
للقمل، وما في معنى ذلك. وقال مالك: لا يجوز، وهذا الحديث دليلٌ لجواز لبس الحرير
عند الضرورة، كمن فاجأته الحرب، ولم يجد غيره. قال: والصحيح عند أصحابنا،
والذي قطع به جماهيرهم أنه يجوز لبس الحرير للحكّة، ونحوها في السفر، والحضر جميعًا.
وقال بعض أصحابنا: يختصّ بالسفر، وهوضعيف. انتهى ((شرح مسلم)) ١٤ / ٥٢-٥٣.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أن ما ذهب إليه الجمهور من جواز
لبس الحرير للضرورة هو الحقّ؛ لقوّة دليله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
(١) قد عرفت فيما مر آنفًا أنه حارّ، لا بارد، فتنبه.

٤٩
٩٢- (الرَّخْصَةُ فِي لُبْس الْحَرِير) - حديث رقم ٥٣١٤
٥٣١٣- (أَخْبَرَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ،
عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِِّ، رَخَّصَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ وَالزُّبَيْرِ، فِي قُمُصٍ حَرِيرٍ، كَانَتْ بِهِمَا
يَغْنِي لِحِكَةٍ).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا
غير مرّة.
و((نصر بن عليّ)): هو: الجهضميّ البصريّ، الثقة الثبت، أحد مشايخ الأئمة الستة،
دون واسطة [١٠]. و((خالد)): هو ابن الحارث الْهُجيميّ البصريّ الثقة الثبت [٨].
قلت: الظاهر أن نصّ الحديث: ((رخّص لعبد الرحمن، والزبير في قميص حرير
كانت بهما))، ليس فيه لفظة: ((لحكة))، فأراد بعض الرواة أن يوضّح أن الكلام فيه
محذوفٌ، وهو كلمة ((لحكّة))، إذ لا يستقيم الكلام بدونه، فبيّن ذلك بقوله: يعني
لحكة.
والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه فيما قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٣١٤- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيّ، عَنْ أَبِي
عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، قَالَ: كُنَّا مَعَ عُثْبَةَ بْنِ فَرْقَدٍ، فَجَاءَ كِتَابُ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِ، قَالَ:
((لَا يَلْبَسُ الْحَرِيرَ، إِلَّا مَنْ لَيْسَ لَهُ مِنْهُ شَيْءٍ فِي الْآخِرَةِ، إِلَّ هَكَذَا))، وَقَالَ أَبُو عُثْمَانَ
بِضْبَعَيْهِ اللَّتَيْنِ تَلِيَانِ الْإِبَامَ، فَرَأَيْتُهُمَا أَزْرَارَ الطَّيَالِسَةِ، حَتَّى رَأَيْتُ الطَّيَالِسَةَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه المذکور قريبًا.
٢- (جرير) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبيّ الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقة
صحيح الكتاب [٨] ٢/٢ .
٣- (سليمان) بن طرخان التيميّ، أبو المعتمر البصريّ، ثقة عابد [٤] ١٠٧/٨٧.
٤- (أبو عثمان النهديّ) عبد الرحمن بن ملّ- بتثليث الميم، وتشديد اللام- ابن
عمرو الكوفيّ، مشهور بكنيته، مخضرم، ثقة ثبتٌ، من كبار [٢] مات سنة (٩٥)
وقيل: بعدها، وعاش (١٣٠) سنة، وقيل: أكثر ١١/ ٦٤١ .
٥- (عُتبة بن فَرْقَد) صحابيّ مشهور، سُمّي أبوه باسم النجم، واسم جدّه يربوع بن
حبيب بن مالك السلميّ، ويقال: إن يربوع هو فرقد، وإنه لقب له، وكان عتبة أميرًا لعُمَر
في فتوح بلاد الجزيرة. قاله في ((الفتح)) ٤٦٤/١١. وتقدّمت ترجمته في ٢١٠٧/٥ .
وعمر بن الخطاب تظنّه تقدّم قريبًا. والله تعالى أعلم.

٥٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ مخضرم. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ) -بفتح النون، وسكون الهاء -: نسبة إلى نهد بن زيد بن ليث
ابن سود بن أسلم بن الحاف بن قُضاعة، قاله في ((اللباب)) ٣٣٦/٣ أنه (قَالَ: كُنَّا مَعَ
عُثْبَةَ بْنِ فَرْقَدٍ) رضي اللَّه تعالى عنه (فَجَاءَ كِتَابُ عُمَرَ) بن الخطّاب ◌َّه . قال في
(الفتح)): كذا قال أكثر أصحاب قتادة، وشذّ عمر بن عامر، فقال: عن أبي عثمان، عن
عثمان، فذكر المرفوع، أخرجه البزار، وأشار إلى تفرّده به، فلو كان ضابطًا لقلنا:
سمعه أبو عثمان من كتاب عمر، ثم سمعه من عثمان بن عفّان، لكن طرق الحديث تدلّ
على أنه عن عمر، لا عن عثمان، وقد ذكره أصحاب ((الأطراف)) في ترجمة أبي عثمان،
عن عمر، وفيه نظر؛ لأن المقصود بالكتابة إليه هو عتبة بن فرقد، وأبو عثمان سمع
الكتاب يُقرأ، فإما أن تكون روايته له عن عمر بطريق الوجادة، وإما أن يكون بواسطة
المكتوب إليه، وهو عتبة بن فرقد، ولم يذكروه في رواية أبي عثمان، عن عتبة. وقد نبّه
الدار قطنيّ على أن هذا الحديث أصلٌ في جواز الرواية بالكتابة عند الشيخين، قال ذلك
بعد أن استدركه عليهما، وفي ذلك رجوع منه عن الاستدراك عليهما. انتهى ((فتح)) ١١/
٤٦٤ . وسيأتي كلام النوويّ قريبًا، إن شاء الله تعالى.
[تنبيه]: زاد في ((الكبرى)) من رواية قتادة، عن أبي عثمان، وهي عند الشيخين:
((ونحن بأذربيجان))، قال النوويّ: هي إقليم معروفٌ، وراء العراق، وفي ضبطها
وجهان مشهوران: [أشهرهما]: وأفصحهما، وقول الأكثرين: أذربيجان- بفتح الهمزة،
بغير مدّة، وإسكان الذال، وفتح الراء، وكسر الباء. قال صاحب ((المطالع))، وآخرون:
هذا هو المشهور. [والثاني]: مدّ الهمزة، وفتح الذال، والراء، وكسر الباء. وحكى
صاحب ((المشارق))، و((المطالع)) أن جماعة فتحوا الباء على هذا الثاني، والمشهور
كسرها. انتهى ((شرح مسلم)) ١٤ / ٤٥-٤٦ .
وقال في (الفتح)): وذكر المعافَى في ((تاريخ ((الموصل)) أن عُتبة هو الذي افتتح
أذربيجان سنة ثمان عشرة. وروى شعبة، عن حُصين بن عبد الرحمن السُّلميّ، عن أم
عاصم امرأة عتبة: ((أن عتبة غزا مع رسول اللَّه وَّر غزوتين))، وأما قول المعافى: إنه
شهد خيبر، وقسم له رسول اللَّه ◌َ لجر منها، فلم يُوافَق على ذلك، وإنما أول مشاهده
حنينٌ. وروينا في ((المعجم الصغير)) للطبرانيّ من طريق أم عاصم، امرأة عتبة، عن

٥١
٩٢- (الرُّخْصَةُ فِي لبس الحرير) - حديث رقم ٥٣١٤
عتبة، قال: أخذني الشر على عهد رسول اللّه وَلهر، فأمرني، فتجرّدت، فوضع يده على
بطني، وظهري، فعبق بي الطيب من يومئذ، قالت: أم عاصم: كنّا عنده أربع نسوة،
فكنّا نجتهد في الطيب، وما كان هو يمسّه، وإنه كان لأطينا ريحًا. انتهى.
(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِالْ﴿) وفي رواية مسلم من طريق عاصم الأحول، عن أبي عثمان،
قال: كتب إلينا عمر، ونحن بأذربيجان، يا عتبة بن فرقد، إنه ليس من كدّك، ولا من
كدّ أبيك، ولا من كدّ أمك، فأشبع المسلمين في رحالهم مما تشبع منه في رحلك،
وإياكم، والتنعم، وزيّ أهل الشرك، ولبوس الحرير، فإن رسول اللّه وَ له نهى عن لبوس
الحرير . .. )) الحديث؟.
قال النوويّ: رحمه الله تعالى: ومقصود عمر رَّ حثهم على خشونة العيش،
وصلابتهم في ذلك، ومحافظتهم على طريقة العرب في ذلك. انتهى.
وفي رواية الإسماعيليّ فيه من طريق علي بن الجعد، عن شعبة بعد قوله: مع عتبة
ابن فرقد زيادةُ: ((أما بعد، فاتزروا، وارتَدُوا، وانتعلوا، وألقوا الخفاف، والسراويلات،
وعليكم بلباس أبيكم إسماعيل الََّل، وإياكم والتنعم، وزيّ العجم، وعليكم
بالشمس، فإنها حمّام العرب، وتمعددوا، واخشوشنوا، واخلولقوا، واقطعوا الركب،
وانزوا نزوًا، وارموا الأغراض، فإن رسول اللّه وَالخير ... )) الحديث.
وبيّن أبو عوانة في ((صحيحه)) من وجه آخر سبب قول عمر ذلك، فعنده في أوله: ((أن
عتبة بن فرقد بعث إلى عمر مع غلام له بسلال فيها خَبِيص (١)، عليها اللبود، فلما رآه عمر
وَوفيه قال: أيشبع المسلمون في رحالهم من هذا؟ قال: لا، فقال عمر: لا أريده، وكتب
إلى عتبة: إنه ليس من كدّك ... )) الحديث. ذكره في ((الفتح)) ١١/ ٤٦٥.
(قَالَ: ((لَا يَلْبَسُ الْحَرِيرَ، إِلَّا مَنْ لَيْسَ لَهُ مِنْهُ شَيْءٌ فِي الْآخِرَةِ) أي من يُحرم لبس
الحرير فيها (إِلَّا هَكَذَا))، وَقَالَ) أي أشار، ففيه إطلاق القول على الفعل مجازًا (أَبُو
عُثْمَانَ) النهدي (بِإِصْبَعَيْهِ) بكسر الهمزة، وفتح الموحّدة، أفصح من ضم الهمزة،
وفتحها، مع تثليث الموحّدة (اللَّتَيْنِ تَلِيَّانِ الْإِبْهَامَ) وفي رواية البخاريّ: ((وأشار أبو
عثمان بإصبعيه المسبّحة، والوسطى)) (فَرَأَيْتُهُمَا أَزْرَارَ الطَّيَالِسَةِ) ببناء الفعل للفاعل،
وذكر النوويّ في ((شرح مسلم)) أنه بضم الراء، وكسر الهمزة، أي مبنيًّا للمفعول. قال
السنديّ: قوله: فرأيتهما أزرار الطيالسة: أي رأيت أنهما إشارة إلى أزرار الطيالسة،
فيجوز أن يكون الزّرّان من الحرير (حَتَّى رَأَيْتُ الطَّيَالِسَةَ) فعلمت بذلك أن المراد
(١) ((الخبيص)): المعمول من التمر والسمن. قاله في ((القاموس)).

٥٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
الإشارة إلى أعلام الطيالسة، والحاصل أنه تحقّق عنده بعد ذلك أن المراد جواز قدر
الإصبَعين للأعلام، بعد أن اشتبه عليه أوّلًا. انتهى.
وقال القرطبيّ: ((الأزرار)): جمع زِرّ بتقديم الزاي: ما يُزرّر به الثوب بعضه على
بعض، والمراد به هنا أطراف الطيالسة. و((الطيالسة)): جمع طيلسان، وهو الثوب الذي
له علمٌ، وقد يكون كساءً، وكان للطيالسة التي رآها أعلام حرير في أطرافها. قال
الحافظ: وقد أغفل صاحب ((المشارق))، و(النهاية)) في مادة ط ل س ذكر الطيالسة،
وكأنهما تركا ذلك لشهرته، لكن المعهود الآن ليس على الصفة المذكورة، وقد قال
عياض في ((شرح مسلم)): المراد بأزرار الطيالسة أطرافها. ووقع في حديث أسماء بنت
أبي بكر عند مسلم أنها أخرجت جبّة طيالسة كسروانيّة، فقالت: هذه جبّة رسول الله
وَلتر، وهذا يدلّ على أن المراد بالطيالسة في هذا الحديث ما يُلبَس، فيشمل الجسد، لا
المعهود الآن. قاله في ((الفتح)) ٤٦٦/١١-٤٦٧. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عمر رضي اللّه تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥٣١٤/٩٢ و٥٣١٥ - وفي (الكبرى)) ٩٦٢٦/٨٧ و٩٦٢٧ و٩٦٢٨
و٩٦٢٩ و٩٦٣٠ و٩٦٣١ و٩٦٣٢ و٩٦٣٣ و٩٦٣٤. وأخرجه (خ) في ((اللباس))
٥٨٢٨ و٥٨٢٩ و٥٨٣٠ (م) في ((اللباس)) ٢٠٦٧ (د) في ((اللباس)) ٤٠٤٢ (ق) في
((الجهاد)) ٢٨٢٠ و((اللباس)) ٣٥٩٣. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان الرخصة في لبس الحرير
قدر إصبَعَين. (ومنها): أن في هذا الحديث، وأمثاله بيانًا واضحًا لمن قال: يحرم على
الرجال لبس الحرير؛ للوعيد المذكور. (ومنها): أن فيه حجةً لمن أجاز لبس العلم من
الحرير، إذا كان في الثوب، وخصه بالقدر المذكور، وهو إصبعان، كما في هذا
الحديث، أو أربع، كما في الحديث التالي، وهذا هو الأصح عند الشافعية. (ومنها):
أن فيه حجة على من أجاز العلم في الثوب مطلقا، ولو زاد على أربعة أصابع، وهو
منقول عن بعض المالكية. (ومنها): أن فيه حجةً على من منع العلم في الثوب مطلقا،
وهو ثابت عن الحسن، وابن سيرين، وغيرهما، لكن يَحْتَمِل أن يكونوا منعوه ورعًا،

٩٢ - (الرُّخْصَةُ فِي لُبْسِ الْحَرِير) - حديث رقم ٥٣١٤
٥٣ ===
وإلا فالحديث حجة عليهم، فلعلهم لم يبلغهم، قال النووي: وقد نُقل مثلُ ذلك عن
مالك، وهو مذهب مردود، وكذا مذهب من أجاز بغير تقدير. والله أعلم. (ومنها):
أنه استُدِلّ به على جواز لبس الثوب الْمُطَرَّز بالحرير، وهو ما جُعل عليه طراز حرير
مرکب، وكذلك الْمُطْرَف، وهو ما سُجفت أطرافه بسجف من حریر بالتقدير المذكور،
وقد يكون التطريز في نفس الثوب، بعد النسج. (ومنها): أنه استُدِلّ به أيضا على جواز
لبس الثوب الذي يخالطه من الحرير مقدار العلم، سواء كان ذلك القدر مجموعا، أو
مفرقا، وهو قوي. ذكره في ((الفتح)) ١١/ ٤٧٠-٤٧١.
(المسألة الرابعة): في قوله: ((جاءنا كتاب عمر ◌َّه)) دلالة على أنهم كانوا يعملون
بالمكاتبة، وقد سبق أن الدارقطنيّ نبه على أن هذا الحديث أصل في جواز الرواية
بالكتابة عند الشيخين، قال ذلك بعد أن استدرك عليهما، وفي ذلك رجوع منه عن
الاستدراك عليهما. أفاده في ((الفتح)) ١١ / ٤٦٤.
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: هذا الحديث مما استدركه الدار قطنيّ(١) على
البخاريّ ومسلم، وقال: هذا الحديث لم يسمعه أبو عثمان من عمر رَّه ، بل أخبر
عن كتاب عمر، وهذا الاستدراك باطلٌ، فإن الصحيح الذي عليه جماهير المحدثين،
ومحقّقوا الفقهاء، والأصوليين جواز العمل بالكتاب، وروايته عن الكاتب، سواء قال
في الكتاب أذنت له في رواية هذا عنّي، أو أجزتك روايته عنّي، أو لم يقُل شيئًا، وقد
أكثر البخاريّ، ومسلم، وسائر المحدّثين، والمصنّفين في تصانيفهم من الاحتجاج
بالمكاتبة، فيقول الراوي منهم، وممن قبلهم كتب إليّ فلان كذا، أو كتب إليّ فلان،
قال: حدّثنا فلان، أو أخبرني فلان مكاتبةً، والمراد به هذا الذي نحن فيه، وذلك
معمول به عندهم، معدود في المتّصل لإشعاره بمعنى الإجازة، وزاد السمعانيّ، فقال:
هي أقوى من الإجازة، ودليلهم في المسألة الأحاديث الصحيحة المشهورة أن رسول
اللَّهِ وَله، كان يكتب إلى عُمّاله، ونوابه، وأمرائه، ويفعلون ما فيها، وكذلك الخلفاء،
ومن ذلك كتاب عمر رَّ هذا، فإنه كتبه إلى جيشه، وفيه خلائق من الصحابة، فدلّ
على حصول الاتفاق منه، وممن عنده في المدينة، ومن في الجيش على العمل
بالكتاب. والله أعلم.
وأما قول أبي عثمان كتب إلينا عمر، فهكذا ينبغي للراوي بالمكاتبة أن يقول: كتب
إليّ فلان، قال: حدّثنا، أو أخبرنا فلانٌ، مكاتبةً، أو في كتابه، أو فيما كتب به إليّ،
(١) ما سبق عن (الفتح)) ظاهر في أن الدارقطنيّ رجع عن استدراكه عليهما، فلعلّ النوويّ ما رأى
كلامه، والله تعالى أعلم .

٥٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
ونحو هذا، ولا يجوز أن يطلق قوله: حدّثنا، ولا أخبرنا، هذا هو الصحيح، وجوّزه
طائفة من متقدّمي أهل الحديث، وكبارهم، منهم منصور، والليث، وغيرهما. والله
أعلم. انتهى ((شرح مسلم)) ٤٥/١٤. وإلى هذا أشار الحافظ السيوطيّ رحمه الله تعالى
في ((ألفیة الحدیث»، حیث قال:
يَغِيبُ أَوْ يَخضُرُ أَوْ يَأْذَنُ أَنْ
خَامِسُهَا كِتَابَةُ الشَّيْخِ لِمَنْ
فَهْيَ كَمَنْ نَاوَلَ حَيْثُ امْتَازًا
يُكْتَّبَ عَنْهُ فَمَثَى أَجَازَا
صِحَّتُهَا بَلْ وَإِجَازَةَ رَجَخْ
أَوْ لَا فَقِيلَ لَا تَصِحُ وَالأَصَحْ
كَاتِبِهِ وَشَاهِدًا بَغْضّ شَرَطْ
وَيَكْتَفِي الْمَكْتُوبُ أَنْ يَعْرِفَ خَطْ
كِتَابَةٌ وَالْمُطْلِقِينَ وَهْنٍ
ثُمَّ لْيَقُلْ حَدَّثَنِي أَخْبَرَنِي
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٣١٥- (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَخْلَدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ
وَبَرَةَ، عَنِ الشَّغْبِيِّ، عَنْ سُوَيِدِ بْنِ غَفَلَةَ حِ وَ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ
اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ، عَنْ
عُمَرَ، أَنَّهُ لَمْ يُرَخِّصْ فِي الدِّيَاجِ، إِلَّا مَوْضِعَ أَرْبَعِ أَصَابِعَ).
رجال هذا الإسناد: اثنا عشر:
١- (عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن الْمُسْتَام، أبو عمرو الحرّانيّ، إمام مسجدها، ثقة
[١١] ٢٢ /٩٣ .
٢ - (أحمد بن سليمان) بن عبد الملك، أبو الحسين الرُّهاويّ، ثقة حافظ [١١]٤٢/٣٨.
٣- (مخلد) بن يزيد القرشيّ الْحَرّانيّ، صدوقٌ، له أوهام، من كبار [٩]٢٢٢/١٤١.
٤- (عبيد اللَّه) بن موسى بن أبي المختار باذام الْعَبْسيّ الكوفيّ، ثقة، كان يتشيّع،
قال أبو حاتم: كان أثبت في إسرائيل من أبي نُعيم، واستُصغر في سفيان الثوريّ [٩]
١٣٢٦/٧٢ .
٥- (إسرائيل) بن يونس بن أبي إسحاق السبيعيّ، أبو يوسف الكوفيّ، ثقة [٧] ٧٥/
١٠٠٦ .
٦- (مسعر) بن كِدام بن ظُهير الهلاليّ، أبو سلمة الكوفيّ الثقة الثبت الفاضل [٧]
٨/٨.
٧- (أبو حَصِين)- بفتح الحاء، وكسر الصاد المهملتين- عثمان بن عاصم بن حَصِین
الأسديّ الكوفيّ، ثقة ثبت سنّيّ، وربّما دلّس [٤] ١٥٢/١٠٢.

٩٢- (الرُّخْصَةُ فِي لُبْسِ الْحَرِير) - حديث رقم ٥٣١٥
٨- (وَبَرة) بفتحات- ابن عبد الرحمن الْمُسْلِيّ، أبو خُزيمة، أو أبو العبّاس الكوفيّ،
ثقة [٤] ٥ / ١٤٥٧.
٩- (الشعبيّ) عامر بن شَرَاحيل الهمدانيّ، أبو عمرو الكوفي، ثقة ثبت فقيه [٣]
٦٦ / ٨٢ .
١٠ - (إبراهيم) بن يزيد بن قيس النخعيّ، أبو عمران الكوفي، ثقة فقیه یرسل كثيرًا
[٥] ٣٣/٢٩ .
١١- (سُويد بن غَفَلة)- بفتح المعجمة، والفاء- أبو أميّة الجعفيّ الكوفيّ، مخضرم
ثقة، من كبار التابعين، قدم المدينة یوم دُفن النبيّ ێے، وکان مسلمًا في حیاته، ثم نزل
الكوفة، ومات سنة (٨٠) وله (١٣٠) سنة ١٦٨٦/٦٣. والصحابيّ نَظّه تقدم في السند
الماضي. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح، غير شيخيه، فإنهما من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخيه
أيضًا، فالأول حرّانيّ، والثاني رُهاويّ. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم
عن بعض: وبرة، عن الشعبيّ، عن سُويد، وكذا أبو حَصِين، عن إبراهيم، عن سُوید.
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عُمَرَ) بن الخطّابِ رَُّ (أَنَّهُ لَمْ يُرَخّص) بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير عمر رَّه
(فِي الدِّيَاجِ) أي في لبس الحرير (إِلَّا مَوْضِعَ أَرْبَعِ أَصَابِعَ) وفي رواية أبي عثمان الماضية أن
المستثنى قدر إصبعين فقط، ووقع عند أبي داود من طريق حمّاد سلمة، عن عاصم الأحول
في هذا الحديث: ((أن النبيّ وَّ نهى عن الحرير إلا ما كان هكذا وهكذا، إصبعين، وثلاثة،
وأربعة)). ولمسلم، والمصنّف في ((الكبرى)) من طريق سُويد بن غَفَلَة: أن عمر خطب
بالجابية،، فقال: ((نهى رسول اللّه وَ ل عن لبس الحرير إلا موضع إصبعين، أو ثلاثة، أو
أربعة))، و((أو)) هنا للتنويع والتخيير. وقد أخرجه ابن أبي شيبة من هذا الوجه بلفظ: ((إن
الحرير لا يصلح منه إلا هكذا، وهكذا، وهكذا)) يعني إصبعين، وثلاثًا، وأربعًا. وجنح
الحليميّ إلى أن المراد بما وقع في رواية مسلم أن يكون في كلّ قدر إصبعين، وهو تأويل
بعيد من سياق الحديث. أفاده في ((الفتح)) ١١/ ٤٦٧. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

٥٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عمر رضي اللَّه تعالى عنه هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٩٢ / ٥٣١٥ - وفي ٨٧ / ٩٦٣٤ . وأخرجه (م) في ((اللباس)) ٢٠٦٧
(ت) في ((اللباس)) ١٧٢١ .
(المسألة الثالثة): في الاختلاف الواقع في هذا الحديث :
(اعلم): أنه وقع اختلاف في هذا الحديث رفعًا ووقفًا، وقد بيّنه المصنف رحمه الله
تعالى في «الكبرى» ٥/ ٤٧٤ فقال:
((ما رُخْص فيه للرجال من لبس الحرير)):
٩٦٢٦ - أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال: أنا جرير، عن عاصم، عن أبي عثمان، عن
عمر قال: ((إياكم ولباس الحرير، فإن رسول اللّه وَله، نهى عن لباس الحرير، إلا
هكذا، ورفع إصبعيه السبابة والوسطى)).
٩٦٢٧ - أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنا جرير عن سليمان التيمي، عن أبي
عثمان النهدي، قال: كنا مع عتبة بن فرقد(١) فجاء كتاب عمر، أن رسول اللَّه وَّل،
قال: ((لا يلبس الحرير إلا من ليس له منه في الآخرة شيء، إلا هكذا))، وقال أبو عثمان
بإصبعيه اللتين تليان الإبهام، فرأيتهما أزرار الطيالسة، حتى رأيت الطيالسة.
٩٦٢٨ -أخبرنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد، قال: ثنا شعبة، عن قتادة، قال:
سمعت أبا عثمان، قال: جاءنا كتاب عمر، ونحن بأذربيجان، أن رسول اللّه ◌َلقتله نهى
عن الحرير، إلا هكذا إصبعين.
٩٦٢٩ - أخبرنا عمرو بن علي، ثنا معاذ بن هشام، قال: حدثني أبي، عن قتادة،
عن أبي عثمان، عن عمر، قال: نهائي نبي اللَّه وَلّ، عن لبس الحرير، إلا موضع
إصبعين.
٩٦٣٠ - أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنا معاذ بن هشام، قال: ثنا أبي، عن
قتادة، عن عامر الشعبي، عن سويد بن غفلة، أن عمر خطب بالجابية، فقال: نهى
رسول اللَّه وَ له، عن لبس الحرير، إلا موضع إصبعين، أو ثلاثة، أو أربعة.
وقفه داود بن أبي هند، وإسماعيل، ووَبَرَة:
(١) وقع في ((النسخة: ((عتبة بن يزيد))، والصواب ((ابن فرقد)).

=
٥٧
٩٢- (الرُّخْصَةُ فِي لُبْس الْحَرِير) - حديث رقم ٥٣١٥
٩٦٣١ -أخبرنا أحمد بن سليمان، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: ثنا داود، عن
عامر، عن سويد بن غفلة، أن عمر قال: ((لا تلبسوا الحرير، إلا ما كان هكذا وهكذا))،
قال يزيد: لا أدري كيف قال؟.
٩٦٣٢ - أخبرنا محمود بن غيلان، قال: أنا الفضل يعني ابن موسى - عن
إسماعيل، عن عامر، عن سُويد بن غفلة، قال: قال عمر: البسوا من الحرير هكذا
وهكذا، إصبعين، أو ثلاثة، أو أربعة.
٩٦٣٣ - أخبرنا عبد الحميد بن محمد، قال: ثنا مخلد، قال: ثنا مسعر، عن وبرة،
عن الشعبي، عن سويد بن غفلة قال: قال عمر: ((لا يحل، أو لا ينبغي من الحرير، إلا
هكذا وهكذا، إصبعين عرضا، أو ثلاثة، أو أربعة، في لفاف، أو زرار(١) .
تابعه إبراهيم النخعي على ذلك:
٩٦٣٤ -وأخبرنا أحمد بن سليمان، قال: ثنا عبيد اللَّه بن موسى، قال: أنا
إسرائيل، عن أبي حَصِين، عن إبراهيم، عن سُويد بن غَفَلة، عن عمر، أنه لم يُرَخّص
في الديباج إلى موضع أربعة أصابع. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حاصل ما بينه المصنّف رحمه الله تعالى في هذه
الرويات من الاختلاف أن عاصمًا الأحول، وسليمان التيميّ، وقتادة رووه عن أبي
عثمان النهديّ، عن عمر رَبّه ، مرفوعًا، وكذلك رفعه قتادة عن الشعبيّ، عن سويد بن
غفلة، ورواه داود بن أبي هند، وإسماعيل بن أبي خالد، ووَبَرَة بن عبد الرحمن،
ثلاثتهم عن الشعبيّ، عن سويد بن غَفَلة، عن عمر تَظُ، موقوفًا، وكذلك رواه
إبراهيم النخعيّ، عن سُويد، عن عمر تَظُّه موقوفًا.
لكن الاختلاف هذا لا يضرّ بصحة الحديث؛ لأن الحكم لمن رفع، ولذا اتفقا
الشيخان بإخراج الحديث مرفوعًا ترجيحًا له، ويحمل مثل هذا على أنَّ المرفوع مرويّ
عمر ◌َّه، والموقوف فتواه، فلا تنافي بينهما، فكان رَظّم تارة يرويه عن النبيّ مَلآ،
وتارة يفتي به الناس، ومثل هذا كثير، في كتب السنّة. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنيب)).
(١) هكذا النسخة، ولعلّه ((إزار))، فليُحرّر.

٥٨
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
٩٣- (لُيْسِ الْحُلَلِ)
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هو -بضم الحاء المهملة، وفتح اللام -: جمع حُلّة،
كغُرْفة وغُرَف، وهي بُرُود اليمن، ولا تسمّى حُلّة، إلا ثوبين من جنس واحد. قاله في
((النهاية)) ٤٣٢/١. والله تعالى أعلم بالصواب.
٥٣١٦- (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي
إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيِّ نَّهِ، وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ، مُتَرَجِّلَا، لَمْ أَرَ قَبْلَهُ،
وَلَا بَعْدَهُ أَحَدًا، هُوَ أَجَلُ مِنْهُ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا
غير مرّة. و((يعقوب بن إبراهيم)): هو الدّورقيّ. و(هُشيمٌ)): هو ابن بشير. و((أبو
إسحاق)): هو عمرو بن عبد الله السبيعيّ.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم في٩/ ٥٠٦٢ ومضى شرحه، وبيان مسائله هناك،
وبقي الكلام في مسألتين من المسائل المعتلّقة به:
(المسألة الأولى): قد ذكر المصنف رحمه الله تعالى في ((الكبرى)) ٤٧٦/٥
الاختلاف الواقع في هذا الحديث، فساق طريق شعبة، عن أبي إسحاق التي أوردها
هنا، ثم قال: خالفه أشعث بن سَوّار، رواه عن أبي إسحاق، عن جابر بن سمرة:
٩٦٤٠ - أخبرنا هناد بن السري، عن عَبْثَر، عن أشعث بن سَوّار، كوفي، عن أبي
إسحاق، عن جابر بن سمرة، قال: رأيت النبي ◌َّر، في ليلة في حلة حمراء(١) فجعلت
أنظر إليه وإلى القمر، فلهو أجمل عندي من القمر.
قال لنا أبو عبد الرحمن: هذا خطأ، والصواب الذي قبله، وأشعث ضعيف.
يعني أن الصواب رواية شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء تَظّه. ثم قال:
٩٦٤١ -أخبرنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن عون
ابن أبي جحيفة، عن أبيه: أن رسول اللَّه وَلخير، خرج في حلة حمراء، فركز عَنَزَة، يصلي
إليها، يمرّ من ورائها الكلب، والمرأة، والحمار. انتهى.
و((عبد الرحمن)): هو ابن مهديّ. و((سفيان)): هو الثوريّ. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) هكذا النسخة، والظاهر أنه تصحيف من ((قَمْراء)»، والله تعالى أعلم.

٩٣- (لُبْسِ الْحُللَ) - حديث رقم ٥٣١٦
=
٥٩ :
(المسألة الثانية): في اختلاف أهل العلم في لبس الأحمر:
قد اختلف السلف، في لبس الثوب الأحمر، على سبعة أقوال: [الأول]: الجواز
مطلقا، جاء عن علي، وطلحة، وعبد الله بن جعفر، والبراء، وغير واحد من الصحابة
،، وعن سعيد بن المسيب، والنخعي، والشعبي، وأبي قلابة، وأبي وائل، وطائفة
من التابعين رحمهم الله تعالى.
[القول الثاني]: المنع مطلقا؛ لحديث عبد الله بن عمرو رضي اللّه تعالى عنهما، قال:
(مرّ على النبيّ وَّرَ رجل، وعليه ثوبان أحمران، فسلّم عليه، فلم يردّ النبيّ ◌َّ))، رواه
أبو داود، والترمذيّ، وحسّنه، والبزار، وقال: لا نعلمه إلا بهذا الإسناد، وفي إسناده
أبو يحيى القّات، قال المنذريّ: لا يُحتجّ بحديثه، وقال في ((الفتح)): هو حديث ضعيف
الإسناد، وإن وقع في نسخ الترمذيّ: أنه حسن. وَلِما أخرجه ابن ماجه من حديث ابن
عمر، رضي الله تعالى عنهما: ((نهى رسول اللَّه وَّر عن الْمُفَدَّم))، وهو بالفاء، وتشدید
الدال -: وهو المشبع بالعصفر، فسره في الحديث. وعن عمر: أنه كان إذا رأى على الرجل
ثوبا معصفرا جذبه، وقال: دعوا هذا للنساء، أخرجه الطبري. وأخرج ابن أبي شيبة من
مرسل الحسن: ((الحمرة من زينة الشيطان، والشيطان يحب الحمرة))، وصله أبو علي بن
السكن، وأبو محمد بن عدي، ومن طريق البيهقي(١) في ((الشعب))، من رواية أبي بكر
الْهُذَلي، وهو ضعيف، عن الحسن، عن رافع بن يزيد الثقفي، رفعه: ((إن الشيطان يحب
الحمرة، وإياكم والحمرة، وكل ثوب ذي شهرة))، وأخرجه ابن منده، وأدخل في رواية له
بين الحسن ورافع رجلا، فالحديث ضعيف، وبالغ الجوزقاني، فقال: إنه باطل. قال
الحافظ: وقد وقفت على كتاب الجوزقاني المذكور، وترجمه بـ«الأباطيل))، وهو بخط ابن
الجوزي، وقد تبعه على ما ذكر في أكثر كتابه في ((الموضوعات))، لكنه لم يوافقه على هذا
الحديث، فإنه ما ذكره في ((الموضوعات))، فأصاب.
وعن رافع بن خديج رئٹے ، قال خرجنا مع رسول الله آلټ في سفر، فرأی علی رواحلنا
أكسية، فيها خطوط عِهْن حُمْر، فقال: ((ألا أرى هذه الحمرة قد غلبتكم))، قال: فقمنا
سِراعا فنزعناها، حتى نفر بعض إبلنا، أخرجه أبو داود، وفي سنده روا لم يسم.
وعن امرأة من بني أسد قالت: كنت عند زينب، أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها، ونحن
نصبغ ثيابالها بِمَغَرة، إذطلع النبي ◌َّلير، فلما رأى المغرةرجع، فلما رأتذلكزینب، غسلت
ثيابها، ووارت كل حمرة، فجاء فدخل، أخرجه أبو داود، وفي سنده ضعف.
(١) هكذا نسخة ((الفتح))، والظاهر أن الصواب: ومن طريقه البيهقي. فليحرر.
--

٦٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
[القول الثالث]: يكره لبس الثوب المتشبع بالحمرة، دون ما کان صبغه خفيفا، جاء
ذلك عن عطاء، وطاوس، ومجاهد، وكأن الحجة فيه حديث ابن عمر المذكور قريبا في
((الْمُفَدّم)) .
[القول الرابع]: يكره لبس الأحمر مطلقا؛ لقصد الزينة والشهرة، ويجوز في البيوت
والمهنة، جاء ذلك عن ابن عباس، وقد تقدم قول مالك في ((باب التزعفر)).
[القول الخامس]: يجوز لبس ما كان صبغ غزله، ثم نُسج، ويمنع ما صبغ بعد
النسج، جنح إلى ذلك الخطابي، واحتج بأن الحلة الواردة في الأخبار الواردة، في لبسه
وَّر الحلة الحمراء، إحدى حلل اليمن، وكذلك البرد الأحمر، وبرود اليمن يصبغ
غزلها، ثم ینسج.
[القول السادس]: اختصاص النهي بما يُصبغ بالمعصفر؛ لورود النهي عنه، ولا يمنع
ما صبغ بغيره من الأصباغ، ويعكُر عليه حديث المغيرة المتقدم.
[القول السابع]: تخصيص المنع بالثوب الذي يُصبغ كله، وأما ما فيه لون آخر غير
الأحمر، من بياض وسواد، وغيرهما فلا، وعلى ذلك تحمل الأحاديث الواردة في الحلة
الحمراء، فإن الحلل اليمانية، غالبا تكون ذات خطوط حمر وغيرها. قال ابن القيم:
كان بعض العلماء يلبس ثوبا مشبعا بالحمرة، يزعم أنه يتبع السنة، وهو غلط، فإن الحلة
الحمراء من برود اليمن، والبرد لا يصبغ أحمر صرفا، كذا قال.
وقال الطبري بعد أن ذكر غالب هذه الأقوال: الذي أراه جواز لبس الثياب المصبغة،
بكل لون إلا أني لا أحب لبس ما كان مشبعا بالحمرة، ولا لبس الأحمر مطلقا ظاهرًا،
فوق الثياب، لكونه ليس من لباس أهل المروءة في زماننا، فإن مراعاة زِيّ الزمان من
المروءة، ما لم يكن إثما، وفي مخالفة الزي ضرب من الشهرة، وهذا یمکن أن يلخص
منه قول ثامن.
ثم قال الحافظ: والتحقيق في هذا المقام، أن النهي عن لبس الأحمر، إن كان من
أجل أنه لبس الكفار، فالقول فيه كالقول في الميثرة الحمراء، وإن كان من أجل أنه زِيّ
النساء، فهو راجع إلى الزجر عن التشبه بالنساء، فيكون النهي عنه لا لذاته، وإن كان من
أجل الشهرة، أو خرم المروءة، فيمنع حيث يقع ذلك، وإلا فَيَقْوَى ما ذهب إليه مالك
من التفرقة بين المحافل والبيوت. أفاده في ((الفتح)) ٤٨٩/١١ -٤٩٠.
وقال العلامة الشوكانيّ رحمه الله تعالى في شرح حديث البراء بن عازب رضي الله
تعالى عنهما، المذكور في الباب بلفظ: ((كان رسول الله مربوعا، بعيد ما بين المنكبين،
له شعر يبلغ شحمة أذنيه، رأيته في حلة حمراء، لم أر شيئا قط أحسن منه))، متفق عليه.