النص المفهرس

صفحات 1-20

شرح
سُبْ النَّائي
المُسَمَّى
ذَخِيرَةُ الْعُقْبَى فِي شَرْح المُجَتَّبَى
لجامِعِهِ الفَقَيْرِ إِى مَوْلَهِ الفَنِيّ القَدِيْ
مُّ بِ الشّيخ العَّ ◌َ عَ بْ آَمْ بُوَ الْأُوْنِى الْوَلَِّّ
المُرّسُ بَدَارُ الحَديثُ الخيريَّة بمكّة المكرّمة
عَفَا اللّه عَنْه وَعَنْ وَالَيَّه آمِينْ
الجزء التاسع والثلاثون
aے
مَكتب تنسيق وُمْرِ يج وتحقيق
زخص اعلاموقم ٢٥٢٤٠
توزيع
٠٫٠

شرح
سُبْ النَّائي

٨٠٤٥
جميع الحقوق محفُوظُّة
الطّبَعَّة الأولى
١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣م
وَازْلال بُوسِ للنشروَ التّريخ
المملكة العَربيّة السّعوديّة - مكّة المكرّمة - المكتب الرئيسي التشعيم
صَبُ: ٤١٤٥- (تلفاكس ٥٢١١٥٧٦ - حوال ٠٥٥٥٤١٠٢٦)

بسم الله الرحمن الرحيم

-
٨٣- (ذِكْرُ النَّهْي عَنْ لُبْسِ السِّيَرَاءِ) - حديث رقم ٥٢٩٧
٨٣- (ذِكْرُ النَّهي عَنْ لُبْسِ السِّيَرَاءِ)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((السِّيَرَاءُ)) -بكسر السين المهملة، وفتح المثنّة
التحتانيّة، وبالمدّ -: ضربٌ من البرود، فيه خطوط صُفْرٌ. قاله الفيّوميّ.
واستدلال المصنف رحمه الله تعالى بحديث الباب على ما ترجم له ظاهر؛ لأنه
صريح في تحريم لبس حلّة السيراء. والله تعالى أعلم بالصواب.
٥٢٩٧- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا
عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، أَنَّهُ رَأَى حُلََّ سِيَرَاءَ، تُبَاعُ
عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ،َ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوِ اشْتَرَيْتَ هَذَا لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَلِلْوَقْدِ إِذَا
قَدِمُوا عَلَيْكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِ: ((إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ، مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ»، قَالَ:
فَأَتِيَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ، بَعْدُ مِنْهَا بِحُلَلٍ، فَكَسَانِي مِنْهَا حُلَّةً، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ
كَسَوْتَنِيهَا، وَقَدْ قُلْتَ فِيهَا: مَا قُلْتَ؟ قَالَ النَِّيُّ ◌َِّ: ((لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا، إِنَّمَا كَسَوْتُكُهَا
لِتَكْسُوَهَا، أَوْ لِتَبِيعَهَا))، فَكَسَاهَا عُمَرُ أَخَا لَهُ مِنْ أُمِّهِ، مُشْرِكًا).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا
غير مرّة. و((إسحاق بن منصور)): هو الكوسج الحافظ الثبت [١١]. و((عُبيد اللَّه)): هو
ابن عمر العمريّ الفقيه الحجة [٥].
وقوله: ((حُلّة سيراء)): قال ابن الأثير رحمه اللَّه تعالى: ((السِّيَراءُ)): بكسر السين،
وفتح الياء، والمدّ: نوع من البرود، يُخالطه حرير، كالسيور، فهو فِعَلاءُ، من السَّيْرِ:
القَدِّ. هكذا يُروَى على الصفة، وقال بعض المتأخّرين: إنما هو حلّةَ سِيَراءَ على
الإضافة، واحتجّ بأن سيبويه قال: لم يأت فِعَلاءُ صفةً، ولكن اسمًا، وشرح السِّيَراءَ
بالحرير الصافي، ومعناه: حُلّةَ حرير. انتهى ((النهاية)) ٤٣٣/٢.
وقوله: ((من لا خلاق له)): أي لا نصيب له في لبس حرير الجنة، كما جاء التصريح
به. قال السنديّ رحمه الله تعالى: ويمكن تحقّق ذلك مع الدخول في الجنّة بأن يصرف
الله تعالى الاشتهاء عنه، فلا ينافيه قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِىّ أَنفُسُكُمْ﴾ الآية
[فُصّلت: ٣١]، بل هذا لازم في الجنّة، وإلا لاشتهى كلّ أحد درجة نبيّنا وَِّ. والله
تعالى أعلم. انتهى ((شرح السنديّ)) ٨/ ١٩٧ .
وقوله: ((فكساني)»: أي فأعطاني.

٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم في ((كتاب الجمعة)) ١١/ ١٣٨٢ شرحه، وبيان
مسائله، فارجع إليه تزدد علمًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب .
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
٨٤- (ذِكْرُ الرُّخْصَةِ لِلنِّسَاءِ فِي لَبْسٍ
الْسِيَرَاءِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: إنما خصّ المصنف رحمه الله تعالى لبس السيراء،
وإن كان لبس الحرير مطلقًا جائزًا للنساء؛ لمقابلة الباب الماضي، حيث إنه خاصّ
بالسيراء .
وقد ترجم الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في ((صحيحه)) بأعم من هذا، فقال:
(باب الحرير للنساء))، ثم ساق تحته حديث عليّ، وأنس رضي الله تعالى عنهما،
المذكورين في الباب، وحديث عمر رَّ المذكور في الباب الماضي.
قال في ((الفتح)): قوله: ((باب الحرير للنساء)»، كأنه لم يثبت عنده الحديثان
المشهوران، في تخصيص النهي بالرجال صريحا، فاكتفى بما يدل على ذلك، وقد
أخرج أحمد، وأصحاب السنن، وصححه ابن حبان، والحاكم، من حديث علي
وَخيم: أن النبيِ وَلّره، أخذ حريرا وذهبا، فقال: «هذان حرامان على ذكور أمتي، حِلُّ
الإناثهم))، وأخرج أبو داود، والنسائي، وصححه الترمذي، والحاكم، من حديث أبي
موسى الأشعريّ ◌َث ، وأعله ابن حبان وغيره بالانقطاع، وأن راويه سعيد بن أبي
هند، لم يسمع من أبي موسى رَظي ، وأخرج أحمد، والطحاوي، وصححه، من
حديث مَسْلَمَة بن مُخَلَّد، أنه قال لعقبة ابن عامر رضي الله تعالى عنهما: قم فحدث بما
سمعت من رسول اللّه وَله، فقال: سمعته يقول: ((الذهب والحرير حرام على ذكور
أمتي، حِلٌّ لإناثهم)».
قال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة: إن قلنا: إن تخصيص النهي للرجال لحكمة،
فالذي يظهر أنه سبحانه وتعالى، علم قِلّة صبرهن عن التزين، فلطف بهن في إباحته،

٧
٨٤- (ذِكْرُ الرُّخْصَةِ لِلنَّسَاءِ فِي لُبْس السیَراءِ) - حديث رقم ٥٢٩٨
ولأن تزيينهن غالبا إنما هو للأزواج، وقد ورد أن حسن التبعل من الإيمان(١)،
قال: ويستنبط من هذا أن الفحل، لا يصلح له أن يبالغ في استعمال الملذوذات؛
لكون ذلك من صفات الإناث. انتهى ((فتح)) ٤٧٨/١١. والله تعالى أعلم
بالصواب.
٥٢٩٨- (أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: رَأَيْتُ عَلَى زَيْتَبَ بِنْتِ النَّبِيِّ ◌َِّ، قَمِيصَ حَرِيرٍ سِيَرَاءَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (الحسين بن حُريث) الخزاعيّ مولاهم، أبو عمّار المروزيّ، ثقة [١٠] ٤٤/ ٥٢.
٢- (عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق السبيعيّ الكوفيّ، ثقة مأمون [٨] ٨/٨.
٣- (معمر) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقة ثبت [٧]
١٠ / ١٠ .
٤- (الزهري) محمد بن مسلم الإمام الحجة الشهير [٤] ١/١ .
٥- (أنس بن مالك رضي اللّه تعالى عنه٦/٦. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه أنسًا رضي اللّه تعالى عنه من المكثرين السبعة، وآخر
من مات من الصحابة بالبصرة، وقد سبق هذا غير مرّة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَنَس) بن مالك رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: رَأَيْتُ عَلَى زَيْتَبَ بِنْتِ النَّبِيِّ وََّ) هي
أكبر بناته وَ لهر، وأول من تزوّج منهنّ، وُلدت قبل البعثة بمدّة، قيل: إنها عشر سنين،
واختلف هل القاسم قبلها، أم بعدها؟، وتزوّجها ابن خالتها أبو العاص بن الربيع العَبْشميّ.
تُوفّيت في أول سنة ثمان من الهجرة. أفاده في ((الإصابة)) ١٢/ ٢٧٣ -٢٧٤.
وفي رواية الزُّبَيديّ التالية: ((على أم كلثوم)) وهي المحفوظة، كما سيأتي تحقيقه
قريبًا، إن شاء اللّه تعالى (قَمِيصَ حَرِيرِ سِيَرَاءَ) وفي رواية الزُّبيديّ: ((بُرد سيراء))، وفي
رواية شعيب ابن أبي حمزة، وابن جريج، كلاهما عن الزهريّ: ((برد حریر سيراء)).
(١) يُنظر من أخرجه؟ .

٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
قال في ((الفتح)): وقد غفل الطحاويّ، فقال: إن كان أنس رأى ذلك في زمن النبيّ
وَلقر، فيعارض حديث عقبة رَزّه ، يعني الذي أخرجه النسائي، وصححه ابن حبّان:
((أن النبيّ وَ لهل كان يمنع أهله الحرير، والحلية))، وقد تقدّم في ٥١٣٨/٣٩- وإن كان
بعد النبيّ ◌َ ي ﴿ كان دليلاً على نسخ حديث عقبة، كذا قال، وخفي عليه أن أم كلثوم ماتت
في حياة النبيّ بَّ، وكذلك زينب، فبطل التردّد، وأما دعوى المعارضة، فمردودة،
وكذا النسخ، والجمع بينهما واضحٌ بحمل النهي في حديث عقبة على التنزيه، وإقرار أم
كلثوم على ذلك، إما لبيان الجواز، وإما لكونها كانت إذ ذاك صغيرة، وعلى هذا
التقدير، فلا إشكال في رؤية أنس تنظيم لها، وعلى تقدير أن تكون كانت كبيرة،
فيُحمل على أن ذلك كان قبل الحجاب، أو بعده، لكن لا يلزم من رؤية الثوب على
اللابس رؤية اللابس، فلعله رأى ذيل القميص مثلًا، ويحتمل أيضًا أن السيراء التي
كانت على أم كلثوم كانت من غير الحرير الصرف، كما سيأتي في حلّة عليّ رَّه.
انتهى ((فتح)» ٤٨٣/١١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أنس رضي اللّه تعالى عنه هذا رواه البخاريّ.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥٢٩٨/٨٤ و٥٢٩٩ - وفي («الكبرى» ٩٥٧٦/٧٩ و٩٥٧٧ و٩٥٧٨
و٩٥٧٩ و٩٥٨٠ . وأخرجه (خ) في ((اللباس)) ٥٨٤٢ (ق) في ((اللباس)) ٣٥٩٨. والله
تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في الاختلاف الواقع على الزهريّ في حديث أنس رَه هذا.
بيّن المصنف رحمه الله تعالى في ((الكبرى)) ٤٦٤/٥ الاختلاف على الزهريّ، فقال
بعد إخراج رواية معمر هذه: ما نصّه: خالفه الزبيديّ، روى عن الزهريّ، عن أنس
رَظعليه أنه رأى على أم كلثوم.
٩٥٧٧ -أخبرنا عمرو بن عثمان، عن بقية، قال: حدثني الزُّبَيدي، عن الزهري،
عن أنس ابن مالك، أنه حدثني، أنه رأى على أم كلثوم، ابنة النبي ◌َّهِ، بُزد سيراء،
والسيراء المضلّع بالقز.
قال أبو عبد الرحمن: وهذا أولى بالصواب من الذي قبله. وبالله التوفيق
٩٥٧٨ -أخبرنا عمران بن بكار الحمصي، قال: ثنا أبو اليمان، قال: أنا شعيب بن

٩
٨٤- (ذِكْرُ الرُّخْصَّةِ لِلنََّاءِ فِي لِبْسِ السَّيْرَاءِ)- حديث رقم ٥٢٩٩
أبي حمزة، قال: سأل الزهريّ، هل يلبس النساء الحرير أم لا؟ فقال: أخبرني أنس بن
مالك، أنه رأى على أم كلثوم، بنت النبي ◌َّلل برد حرير سيراء.
٩٥٧٩ - أخبرنا يوسف بن سعيد، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، قال ابن
شهاب: أخبرني أنس بن مالك، أنه رأى على أم كلثوم، بنت رسول اللّه وَلتر، برد حرير
سيراء .
٩٥٨٠ -أخبرنا محمد بن إسماعيل، قال: أنا أيوب بن سليمان، قال: حدثني
أبو بكر، عن سليمان، قال يحيى: قال ابن شهاب: أخبرني أنس بن مالك، أنه رأى
على أم كلثوم، بنت رسول اللّه ◌َالر، برد سيراء. انتهى.
و((محمد بن إسماعيل)): هو - كما بيّنه في ((تحفة الأشراف)) ٣٩٥/١- أبو إسماعيل
الترمذيّ، نزيل بغداد الثقة الحافظ [١١]. و((أبو بكر)): هو عبد الحميد بن أبي أويس
الأصبحيّ المدنيّ الثقة [٩]. و((سليمان)): هو ابن بلال المدنيّ الثقة [٨]. و((يحيى)):
هو ابن سعيد الأنصاريّ.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حاصل ما أشار إليه المصنف رحمه اللّه تعالى في
هذا الكلام أنه اختُلف على الزهريّ في هذا الحديث، فرواه معمر عنه، عن أنس تنظيم
أنه رأى على زينب بنت النبيّ بَّه، ورواه محمد بن الوليد الزُّبَيديّ، عنه، عن أنس
وعليه أنه رأى على أم كلثوم بنت النبيّ وَّل، وصوّب المصنّف هذه الرواية؛ لأنه وافق
الزبيديّ عليها شعيب بن أبي حمزة، وابن جريج، ويحيى الأنصاريّ، فرواية هؤلاء
الأربعة تقدّم على رواية معمر، فهي المحفوظة، وتكون رواية معمر شاذّة.
وأشار الحافظ إلى هذا في ((الفتح)) ٤٨٣/١١ حيث قال: والمحفوظ ما قال الأكثر.
انتھی.
والحاصل أن صاحبة القصّة التي رأى عليها أنس تنظيم برد حرير سيراء هي أم كلثوم
رضي الله تعالى عنها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان جواز لبس السيراء للنساء.
(ومنها): جواز لبس النساء الحرير مطلقًا، سواء كان الثوب حريرًا كلّه، أو بعضه. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٢٩٩- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، عَنْ بَقِيَّةَ، حَدَّثَنِي الزُّبَيْدِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ
أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، أَنَّهُ حَدَّثَنِي أَنَّهُ رَأَى عَلَى أُمُّ كُلْثُوم، بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ، بُرْدَ سِيَرَاءَ،
وَالسِّيَرَاءُ الْمُضَلَّعُ بِالْقَزّ).

١٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((عمرو بن عثمان)): هو القرشيّ مولاهم، أبو حفص
الحمصيّ، صدوقٌ [١٠]. و((بقيّة)): هو ابن الوليد الكلاعيّ الحمصيّ، صدوق، يدلّس
عن الضعفاء، ويُسوّي [٨]. و((الزبيديّ)): هو محمد بن الوليد، أبو الهذيل الحمصيّ
القاضي، ثقة ثبتٌ، من كبار أصحاب الزهريّ [٧].
وقوله: ((على أمّ كلثوم)): سبق قريبًا أن هذا هو المحفوظ، وأما رواية معمر السابقة:
((علی زینب))، فشاذّة.
و((أمّ كلثوم)): هي بنت النبيّ بََّ، اختُلف هل هي أصغر، أم فاطمة، وتزوّجها
عثمان بن عفّان رَّه بعد موت أختها رُقيّة عنده سنة ثلاث من الهجرة، وتوفّيت عنده
أيضًا سنة تسع، ولم تلد له. أفاده في ((الإصابة)) ١٣/ ٢٧٧.
وقوله: ((بُرْد سيراء)) بالإضافة، و((البُزد)) بضم الموحّدة، وسكون الراء -: قال
المجد: البرد بالضمّ: ثوبٌ مُخَطّطْ، جمعه أَبراد، وبُرُود، وأَكْسيةٌ يُلْتَحَف بها، الواحدة
بهاء. انتهى. ((قاموس)). وقال الفيّوميّ: البُرد: معروف، وجمعه أَبراد، وبُرُود، ويضاف
للتخصيص، فيقال: بُرْدُ عَصْب، وبُرْدُ وَشْي. والبُزْدُ كساء صغيرٌ مُربّع، ويقال: كساء
أسود صغير. انتهى ((المصباح)). وتقدّم معنى ((السيراء)) قريبًا.
وقوله: (والسيراء: الْمُضَلَّعُ بالْقَزّ)): هذا تفسير من بعض الرواة، ويمكن أن يكون
من الزهريّ، فإنه معروف بذلك، كما في حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها في بدء
الوحي ((وكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه))- وهو التعبّد -. ثم رأيت في ((الفتح)) ١١/
٤٧٩ أن ابن بطّال جزم أنه من تفسير الزهريّ. والله تعالى أعلم.
و((المضلّع))- بتشديد اللام بصيغة اسم المفعول: هو الذي فيه خطوط عريضة، مثلُ
الأضلاع. وقال المجد في ((القاموس)): تضليع الثوب: جعلُ وَشْيه على هيئة الأضلاع،
وكُمُعَظْم: الثوب الذي نُسِج بعضه، وتُرك بعضه، والْمُسَيَّرُ: المُخَطَّطُ. انتهى.
و((الْقَزْ))- بفتح القاف، وتشديد الزاي -: الحرير. وقال الفيّوميّ: القزّ: معرّب،
قال الليث: هو ما يُعمل منه الإِبْرَيسَمُ، ولهذا قال بعضهم: القزّ، والإِبْرَيْسَمُ مثلُ
الحنطة، والدقيق. انتهى. و((الإبريسم))- بفتح السين، وضمّها: الحرير. قاله في
«القاموس)).
والحديث أخرجه البخاريّ، كما سبق بيانه في الذي قبله. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٣٠٠- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا النَّضْرُ، وَأَبُو عَامِرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا
شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي عَوْنِ الثّقَفِيّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَالِحِ الْحَنَفِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَلِيًّا

١١
٨٤- (ذِكْرُ الرُّخْصَةِ لِلنَّسَاءِ فِي لُبْسِ الْسِيَرَاءِ) - حديث رقم ٥٣٠٠
يَقُولُ: أُهْدِيَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ وَهِ حُلَّةُ سِيَرَاءَ، فَبَعَثَ بِهَا إِلَيَّ، فَلَبِسْتُهَا، فَعَرَفْتُ الْغَضَبَ فِي
وَجْهِهِ، فَقَالَ: ((أَمَا إِنِّي لَمْ أُعْطِكَهَا لِتَلْبَسَهَا))، فَأَمَرَنِي، فَأَطَرْتُهَا بَيْنَ نِسَائِي).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١- (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه المذكور قريبًا.
٢- (النضر) بن شُميل، أبو الحسن البصريّ، نزيل مرو ثقة ثبت، من كبار [٩]٤١/
٤٥ .
٣- (أبو عامر) عبد الملك بن عمرو القيسيّ الْعَقَديّ البصريّ، ثقة [٩] ٣٢٧/٢.
٤- (شعبة) بن الحجاج الإمام المشهور [٧] ٢٤/ ٢٧ .
٥- (أبو عون) محمد بن عبيد الله بن أبي سعد الثقفيّ الكوفيّ الأعور، ثقة [٤] ٧٤/
١٠٠٢ .
٦- (أبو صالح الحنفيّ) هو: عبد الرحمن بن قيس الكوفيّ، ثقة [٣].
رَوَى عن أبيه قيس، وأخيه طليق بن قيس، وعن علي، وحذيفة، وابن مسعود،
وسعد بن أبي وقاص، وأبي مسعود البدري، وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة،
وعائشة، وابن عباس. وروى عنه أبوعون، محمد بن عبيد الله الثقفي، وسعيد بن
مسروق الثوري، وضرار بن مرة الشيباني، وعمرو بن مرة، وإسماعيل بن أبي خالد،
وبيان بن بشر، وجماعة. قال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: أبو صالح الحنفي ثقة.
وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
ورَوَى النسائي في («الكبرى» ٤٦١/٥ رقم ٩٥٦٦ قال: أخبرنا إسحاق- أي ابن
راهويه-ثنا النضر- أي ابن شميل- وأبو عامر، قالا: ثنا شعبة، عن أبي عون الثقفي،
قال: سمعت أبا صالح الحنفي، واسمه ماهان، يقول: سمعت عليّا، يقول أُهديت
لرسول اللّه وَل حلة سيراء ... الحديث، قال: كذا قال إسحاق: ماهان، والصواب:
عبد الرحمن بن قيس، أخو طُليق. انتهى. وقال البخاري: قال علي: ماهان أبو سالم،
فقلت له: إن أحمد يقول: ماهان أبو صالح، فقال أنا أخبرت أحمد، وكان عندنا
كذلك، حتى وجدناه ماهان أبو سالم. وقال العجليّ: عبد الرحمن، وقيل: ماهان أبو
صالح الحنفيّ، كوفيّ ثقة، من خيار التابعين، من أصحاب علي. وذكر ابن أبي حاتم
أن روايته عن حذيفة، وابن مسعود مرسلة.
روى له مسلم، والمصنّف، وأبو داود، وله عندهم هذا الحديث فقط، وله عند
المصنّف في ((عمل اليوم والليلة)) في الذكر.
[تنبيه]: وقع في النسخ المطبوعة من)) المجتبى)): ((أبو صالح الْخَيفيّ))- بالخاء

١٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
المعجمة، والياء الساكنة- ووقع في ((الهنديّة)): ((أبو صالح الحنفيّ))- بالحاء المهملة،
والنون- وهو الصواب، والأول تصحيف، فقد ذكره كالهندية في ((تحفة الأشراف)» ٧/
٤٦٣، و((تقريب التهذيب)) ص٥٩٦ نسخة أبي الأشبال، و(تهذيب التهذيب)) ٥٤٦/٢،
فتنبّه. والله تعالى أعلم.
٧- (عليّ) بن أبي طالب رضي اللَّه تعالى عنه٩١/٧٤. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ) محمد بن عُبيد الله (أَبِي عَوْنِ الثَّقَفِيَّ) أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَالِح) عبدالرحمن
ابن قيس (الْحَنَفِيَّ) نسبة إلى بني حنيفة القبيلة المشهورة (يَقُولُ: سَمِعْتٌُ عَلِيًّا) أي ابن
أبي طالب رَاليه (يَقُولُ: أُهْدِيَتْ) بالبناء للمفعول (لِرَسُولِ اللَّهِ وَل﴿) ولمسلم أيضا من
وجه آخر، عن أبي صالح الحنفيّ، عن علي تظنّه، ((أن أكيدِر دُومة أهدى إلى النبي
وَالْ ر ثوب حرير، فأعطاه عليا»، وفي رواية للطحاوي: ((أهدى أمير أذربيجان إلى النبي
﴿َلّ حلة مُسَيَّرَة بحرير))، وسنده ضعيف. قاله في ((الفتح)).
(حُلَّةُ سِيَرَاءَ) قال أبو عبيد: ((الْحُلَل)) بُرود اليمن، و((الحلة)) إزار ورداء، ونقله ابن
الأثير، وزاد إذا كان من جنس واحد. وقال ابن سيده في ((المحكم)): الحلة بُزد أو
غيره. وحكى عياض أن أصل تسمية الثوبين حلة أنهما يكونان جديدين، كما حُلَّ
طيهما. وقيل: لا يكون الثوبان حلة، حتى يلبس أحدهما فوق الآخر، فإذا كان فوقه
فقد حَلَّ عليه، والأول أشهر.
و((السَّيَراءُ)) - بكسر المهملة، وفتح التحتانية والراء، مع المد- قال الخليل: ليس في
الكلام فِعَلاء - بكسر أوله مع المد- سوى سِيَراء، وحِوَلاء، وهو الماء الذي يخرج على
رأس الولد، وعِنّباء لغة في العنب. قال مالك: هو الْوَشْيُ من الحرير، كذا قال،
و((الوشي)»- بفتح الواو، وسكون المعجمة، بعدها تحتانية. وقال الأصمعي: ثياب فيها
خطوط من حرير، أو قَزّ، وإنما قيل لها: سيراء لتسيير الخطوط فيها. وقال الخليل:
ثوب مُضَلَّع بالحرير. وقيل: مختلف الألوان، فيه خطوط ممتدة، كأنها السيور.
ووقع عند أبي داود، في حديث أنس، أنه رأى على أم كلثوم، حلة سيراء، والسيراء
المضلع بالقز. وقد جزم ابن بطال أنه من تفسير الزهري. وقال ابن سيده هو ضرب من

١٣
٨٤°- (ذِكْرُ الرُّخْصَّةِ لِلنَّسَاءِ فِيَ الُبْسِ السِّيَرَاءِ) - حديث رقم ٥٣٠٠
البرود، وقيل: ثوب مُسَيَّر فيه خطوط، يُعمل من القز، وقيل: ثياب من اليمن. وقال
الجوهري: بُزد فيه خطوط صُفْر. ونقل عياض عن سيبويه قال: لم يأت فِعَلاء صفة،
لكن اسما، وهو الحرير الصافي.
واختلف في قوله: ((حلة سيراء)» هل هو بالإضافة، أو لا، فوقع عند الأكثر بتنوين
(حلة)) على أن ((سيراء)» عطف بيان، أو نعت، وجزم القرطبي بأنه الرواية، وقال
الخطابي: قالوا: ((حلة سيراء)»، كما قالوا: ((ناقة عَشَراء. ونقل عياض عن أبي مروان
ابن السراج، أنه بالإضافة، قال عياض: وكذا ضبطناه عن متقني شيوخنا، وقال
النووي: إنه قول المحققين، ومتقني العربية، وأنه من إضافة الشيء لصفته، كما قالوا:
ثوبُ خَزّ. قاله في ((الفتح)) ٤٧٨/١١-٤٧٩.
(فَبَعَثَ بِهَا إِلَيَّ، فَلَبِسْتُهَا) وفي رواية زيد بن وهب عن عليّ رَّه عند البخاريّ:
((فخرجت بها» (فَعَرَفْتُ) وفي رواية زيد المذكورة: ((فرأيت)) (الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ) وَّ؛
أي لكونه ارتكب إثمًا (فَقَالَ) بَلَهَر (أَمَا) بفتح الهمزة، وتخفيف الميم: أداة استفتاح،
وتنبيه مثل)) ألا)) (إِنِّي لَمْ أَعْطِكَهَا لِتَلْبَسَهَا) وفي رواية مسلم: ((إني لم أبعث بها إليك
التلبسها، وإنما بعثت بها إليك لتشققها خُمُرًا بين النساء (فَأَمَرَنِي) أي بشقْها (فَأَطَّرْتَهَا بَيْنَ
نِسَائِي) أي فرّقتها بينهنّ، وقسّمتها فيهنّ، وقيل: الهمزة أصليّة. قاله في ((النهاية)) في
باب الطاء ١٥٢/٣ وقال في باب الهمزة ٥٤/١: ((فأطرتها بين نسائي)): أي شققتها،
وقسمتها بينهنّ. وقيل: هو من قولهم: طار له في القسمة كذا: أي وقع في حصّته،
فيكون من باب الطاء، لا من الهمزة. انتهى.
وفي رواية البخاريّ: ((فشققتها بين نسائي)): أي قطعتها، ففرّقتها عليهنّ خُمُرًا،
والخُمُر - بضم المعجمة، والميم -: جمع خمار- بكسر أوله، والتخفيف -: ما تغطى به
المرأة رأسها، والمراد بقوله: ((نسائي)): ما فسره في رواية أبي صالح، حيث قال: ((بين
الفواطم))، ووقع في رواية النسائي، حيث قال: ((فرجعت إلى فاطمة، فشققتها،
فقالت: ماذا جئت به؟ قلت: نهاني رسول اللَّه وَ ل عن لبسها، فالْبسيها، واكْسِي
نساءك)). وفي هذه الرواية أن عليا إنما شققها بإذن النبي وَ ل .
قال أبو محمد بن قتيبة: المراد بالفواطم: فاطمة بنت النبي ◌َّر، وفاطمة بنت أسد
ابن هاشم، والدة علي، ولا أعرف الثالثة. وذكر أبو منصور الأزهري: أنها فاطمة
بنت حمزة بن عبد المطلب. وقد أخرج الطحاوي، وابن أبي الدنيا، في كتاب
((الهدايا»، وعبد الغني بن سعيد في ((المبهمات))، وابن عبد البر كلهم من طريق يزيد
ابن أبي زياد، عن أبي فاختة، عن هبيرة بن يَرِيم - بتحتانية أوله، ثم راء، وزن

١٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
عظيم- عن علي في نحو هذه القصة، قال: ((فشققت منها أربعة أخمرة))، فذكر
الثلاث المذكورات، قال ونسي يزيد الرابعة. وفي رواية الطحاوي: ((خمارا لفاطمة
بنت أسد بن هاشم، أم علي، وخمارا لفاطمة بنت النبي ◌َّر، وخمارا لفاطمة بنت
حمزة بن عبد المطلب، وخمارا لفاطمة أخرى، قد نسيتها))، فقال عياض: لعلها
فاطمة امرأة عقيل بن أبي طالب، وهي بنت شيبة بن ربيعة، وقيل: بنت عتبة بن
ربيعة، وقيل: بنت الوليد بن عتبة، وامرأة عَقِيل هذه، هي التي لَمّا تخاصمت مع
عقيل، بعث عثمانُ معاويةَ، وابنَ عباس حكمين بينهما، ذكره مالك في ((المدونة))
وغيره. قاله في ((الفتح)) ٤٧٩/١١-٤٨٠. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عليّ بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه هذا أخرجه البخاريّ.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٥٣٠٠/٨٤- وفي ((الكبرى)) ٧٨/ ٩٥٦٦ و٩٥٦٧ و٩٥٦٨ . وأخرجها
(خ) في ((الهبة)) ٢٦١٤ و(النفقات)) ٥٣٦٦ و((اللباس)) ٥٨٤٠(م) في ((اللباس)) ٣٠٧١
(د) في ((اللباس)) ٤٠٤٣ (ق) في (اللباس)) ٣٥٩٦ (أحمد) في ((مسند العشرة)) ٧٠٠
و٧١٢ و٧٥٧ و٩٦٦ و١١٧٥ و١٣١٧ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان الترخيص للنساء في لبس
حلّة السيراء. قال النوويّ رحمه الله تعالى: فيه دليلٌ على جواز لبس النساء الحرير،
وهو مجمع عليه اليوم، وقد كان فيه خلاف لبعض السلف، وزال. انتهى ((شرح مسلم))
٤١/١٤. (ومنها): جواز إهداء ثياب الحرير إلى الرجال؛ لأنها لا تتعيّن للبسهم لها،
بل ينتفعون بأثمانها، أو إلباسها النساء.
(ومنها): ما قاله في ((الفتح)) ١١/ ٤٨٠: استُدِلَّ بهذا الحديث على جواز تأخير
البيان، عن وقت الخطاب؛ لأن النبي وَ ل 9، أرسل الحلة إلى علي رَّه، فبنى علي
على ظاهر الإرسال، فانتفع بها في أشهر ما صُنعت له، وهو اللبس، فبين له النبي وَل
أنه لم يُبح له لبسها، وإنما بعث بها إليه ليكسوها غيره، ممن تباح له، وهذا كله إن
كانت القصة وقعت بعد النهي، عن لبس الرجال الحرير. انتهى. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

١٥
٨٥- (ذِكْرُ النَّهْي عَنْ لُبْس الإِسْتَبْرَقِ) - حديث رقم ٥٣٠١
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب».
٨٥- (ذِكْرُ النَّهْيِ عَنْ لُبْسٍ
الإِسْتَبْرَقِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((الإستبرق))- بكسر الهمزة، وسكون السين المهملة،
وفتح التاء، وسكون الموحّدة، وفتح الراء، آخره قاف -: الديباج الغليظ، فارسيّ
معرّب. قاله ابن منظور في ((اللسان)) :. وقال المجد في ((القاموس)): الإسْتبرقُ:
الديباج الغليظ، مُعَرّب اسْتَرْوَه، أو دِيباجٌ يُعمل بالذهب، أو ثياب حرير صِفَاقٌ، نحوُ
الديباج، أو قِدّةُ حمراءُ كأنها قِطَعُ الأوتار، وتصغيره: أُبَيْرِقٌ. انتهى. والله تعالى أعلم
بالصواب.
٥٣٠١- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ الْمَخْزُومِيُّ،
عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ سَالِم بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ، يُحَدِّثُ أَنَّ
عُمَرَ خَرَجَ، فَرَأَى حُلَّةَ إِسْتَبْرَقٍ، تُبَاعُ فِيَ السُّوقِ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ
اللَّهِ، اشْتَرِهَا، فَالْبَسْهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَحِينَ يَقْدَمُ عَلَيْكَ الْوَفْدُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌َّهِ:
(إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذَا مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ)، ثُمَّ أَتِيَ رَسُولُ اللّهِ بِّهِ بِثَلَاثِ حُلَلٍ مِنْهَا، فَكَسَا عُمَرَ
حُلَّةٌ، وَكَسَا عَلِيًّا حُلَّةٌ، وَكَسَا أُسَامَةَ حُلَّةٌ، فَأَتَاهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قُلْتَ فِيهَا: مَا
قُلْتَ، ثُمَّ بَعَثْتَ إِلَيَّ؟ فَقَالَ: ((بِعْهَا وَاقْضٍ بِهَا حَاجَتَكَ، أَوْ شَقّقْهَا خُمُرًا بَيْنَ نِسَائِكَ).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا.
و((عبد الله بن الحارث المخزوميّ)): هو أبو محمد المكيّ، ثقة [٨] ٢١٩٣/٣٩.
وحنظلة بن أبي سفيان)): هو الْجُمَحيّ المكيّ، ثقة حجةٌ [٦] ١٢/١٢.
وسياق الإمام مسلم رحمه الله تعالى للحديث في ((صحيحه)) أتمّ مما هنا، ونصّه:
٢٠٦٨ - و حدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا جرير بن حازم، حدثنا نافع، عن ابن
عمر، قال: رأى عمر عطاردا التميمي، يُقيم بالسوق حلة سيراء، وكان رجلا يَغْشَى
الملوك، ويصيب منهم، فقال عمر يا رسول اللّه، إني رأيت عطاردا، يقيم في السوق
حلة سيراء، فلو اشتريتها، فلبستها لوفود العرب، إذا قدموا عليك، وأظنه قال: ولبستها

١٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
يوم الجمعة، فقال له رسول اللَّه وَ له: ((إنما يلبس الحرير في الدنيا من لا خلاق له في
الآخرة))، فلما كان بعد ذلك أَتي رسولُ اللَّه وَ له بحلل سيراء، فبعث إلى عمر بحلة،
وبعث إلى أسامة بن زيد بحلة، وأعطى علي بن أبي طالب حلة، وقال: ((شَقِّقْها خُمُرا
بين نسائك))، قال: فجاء عمر بحلته يحملها، فقال: يا رسول اللَّه بعثتَ إلي بهذه، وقد
قلت بالأمس في حلة عطارد، ما قلت؟ فقال: ((إني لم أبعث بها إليك لتلبسها، ولكني
بعثت بها إليك لتصيب بها))، وأما أسامة فراح في حلته، فنظر إليه رسول اللَّه وَلّر، نظرا
عَرَف أن رسول اللَّه ◌َ له، قد أنكر ما صنع، فقال: يا رسول اللَّه ما تنظر إلي؟ فأنت
بعثت إلي بها، فقال: ((إني لم أبعث إليك لتلبسها، ولكني بعثت بها إليك لتشققها خمرا
بین نسائك)). انتهى.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم في ((كتاب الجمعة)) ١٣٨٢/١١ ومضى هناك
شرحه، وبيان مسائله، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
٨٦- (صِفَةُ الإِسْتَبْرَقِ)
٥٣٠٢- (أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْتِى -
وَهُوَ ابْنُ أَبِي إِسْحَاقَ- قَالَ: قَالَ سَالِمُ: مَا الْإِسْتَبْرَقُ؟ قُلْتُ: مَا غَلُظَ مِنَ الدِّيَاجِ،
وَخَشُنَ مِنْهُ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَّرَ يَقُولُ: رَأَى عُمَرُ مَعَ رَجُلٍ حُلَّةَ سُنْدُسٍ، فَأَتَّى
بِهَا النَّبِيَّ وَِّ، فَقَالَ: اشْتَرِ هَذِهِ ... وَسَاقَ الْحَدِيثَ).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((عمران بن موسى)): هو القزاز، أبو عمرو البصريّ،
صدوقٌ [١٠]. و((عبد الوارث)): هو ابن سعيد بن ذكوان التّوريّ البصريّ الثقة الثبت
[٨]. و((يحيى بن أبي إسحاق)): هو الحضرميّ النحويّ البصريّ، صدوقٌ ربما أخطأ
[٥]. و((سالم)): هو ابن عبد اللَّه بن عمر بن الخطّاب.
وقوله: ((ما غلُظ)) بضم اللام، يقال: غلُظ الشيء غِلَظًا، وِزان عِنَب: خلاف دقّ.
وقوله: ))وخشُن)) بضم الشين المعجمة، يقال: خشُن الشيء بالضمّ خُشْنَةً بضم،
فسكون، وخُشُونَةً بضمّتين: خلاف نَعُمَ.

١٧
٨٧- (ذِكْرُ النَّھی عَنْ لُبُس الدِیباج) - حديث رقم ٥٣٠٣
وقوله: ((حُلّة سُندُس)- بضمّ السين، والدال المهملتين، بينهما نون ساكنة -: هو ما
رقّ من الديباج.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هكذا رواية المصنف رحمه الله تعالى بلفظ ((حلة
سندس))، وهي غير مناسبة لسؤال سالم، فإنه سأل عن الإستبرق؛ ليحدّث عن أبيه
بقصّة مجيء عمر رَّه إلى النبيّ ◌َلَه بحلة إستبرق، والصحيح الموافق للسؤال ما في
(الصحيحين)) من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث، عن أبيه، ولفظها: ((رأى عمر على
رجل حُلّةً من إستبرق، فأتي بها النبيّ وَّر ... )) الحديث. فتنبّه.
وقوله: ((وساق الحديث))، الظاهر أن الضمير يرجع إلى عمران بن موسى، شيخ
المصنّف، فالاختصار من المصنّف، وقد ساقه البخاريّ رحمه اللّه تعالى في ((كتاب
الأدب)) من ((صحيحه)) تامًا، فقال:
٦٠٨١ - حدثنا عبدالله بن محمد، حدثنا عبدالصمد، قال: حدثني أبي، قال:
حدثني يحيى بن أبي إسحاق، قال: قال لي سالم بن عبدالله، ما الإستبرق؟ قلت: ما
غلّظ من الديباج، وخَشْن منه، قال: سمعت عبدالله يقول: رأى عمر على رجل حلة
من إستبرق، فأتى بها النبي وَل، فقال: يا رسول اللَّه، اشتر هذه، فالبسها لوفد الناس،
إذا قدموا عليك، فقال: ((إنما يلبس الحرير من لا خلاق له))، فمضى من ذلك ما
مضى، ثم إن النبي وَّر، بعث إليه بحلة، فأَتَى بها النبيَّ وَّ، فقال: بعثت إلي بهذه،
وقد قلت في مثلها: ما قلت؟ قال: ((إنما بعثت إليك؛ لتصيب بها مالًا))، فكان ابن عمر
يكره العلم في الثوب؛ لهذا الحديث. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)» .
٨٧- (ذِكْرُ النَّهي عَنْ لُبْسِ الدِّيَاجِ)
٥٣٠٣- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ
أَبِي نَجِیح، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَأَبُو
فَرْوَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ، قَالَ: اسْتَسْقَى حُذَيْفَةُ، فَأَتَاهُ دِهْقَانٌ بِمَاءٍ، فِي إِنَاءٍ مِنْ
فِضَّةٍ، فَحَذَّقَهُ، ثُمَّ اعْتَذَّرَ إِلَيْهِمَّ مِمَّ صَنَعَ بِهِ، وَقَالَ: إِنِّي شِيتُهُ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلِّ،

١٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
يَقُولُ: ((لَا تَشْرَبُوا فِي إِنَاءِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَا تَلْبَسُوا الدِّيَاجَ، وَلَا الْحَرِيرَ، فَإِنَّا لَهُمْ
فِي الدُّنْيَا، وَلَنَا فِي الْآخِرَةِ»).
رجال هذا الإسناد: تسعة :
١- (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ) أبو يحيى المكيّ، ثقة [١٠] ١١/١١.
٢- (سفيان) بن عُيينة المكيّ الإمام الحجة الثبت [٨] ١/١.
٣- (ابن أبي نَجِيج) عبد الله بن أبي نجيح/ يسار الثقفيّ مولاهم، أبو يسار المكيّ،
ثقة رُمي بالقدر، وربّما دلّس [٦] ١١٢ /١٥٥.
٤- (يزيد بن أبي زياد) الهاشميّ مولاهم الكوفيّ، ضعيفٌ، كبر فتغيّر، وصار
يتلقّن، وكان شبعيًا [٥] ٤٨٧٤/٢.
٥- (مجاهد) بر حبر، أبو الحجاج المخزوميّ المكيّ الإمام المفسّر المهور [٣]
٣١/٢٧ .
٦- (ابن أبي ليلى) هو عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاريّ المدنيّ، ثم الكوفيّ، ثقة
[٢] ١٠٤/٨٦ .
٧- (أبو فروة) الأصغر، مسلم بن سالم النهديّ، ويقال له: الْجُهَنيّ؛ لنزوله فيهم،
مشهور بكنيته، وأكثر ما يجيء عندهم مذكورا بكنيته، صدوقٌ [٦].
رَوَى عن عبد الله بن عُكيم الجهني، وعبد الرحمن بن أبي ليلي، وابنه عيسى بن
عبد الرحمن، وعبد الله بن أبي الهذيل، وأبي الأحوص الْجُشَمي، وعبد الله بن يسار،
وخلق. و عنه ابنه عمر، وحفیده حفص بن عمر بن مسلم، وجعفر بن زياد الأحمر،
وشعبة، وفطر بن خليفة، وعمر بن أبي قيس الرازي، وزياد البكائي، وأبو عوانة، وعبد
الواحد بن زياد، والسفيانان، وآخرون. قال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقة. وقال
أبو حاتم: صالح الحديث، ليس به بأس. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال يعقوب
بن سفيان: لا بأس به. روى له البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، والمصنّف، وابن
ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٨- (عبد الله بن عُكيم)- بالتصغير -: الجهنيّ، أبو معبد الكوفيّ، مخضرم [٢]،
وقد سمع كتاب النبيّ وَّل إلى جُهينة، مات في ◌ِمْرة الحجّاج ٤٢٤٩/٥ .
٩- (حُذيفة) بن اليمان العبسيّ، حليف الأنصار الصحابيّ الجليل، من السابقين إلى
الإسلام، صاحب سرّ رسول اللَّه وَله صحّ في ((صحيح مسلم)) أن النبيّ وَلير أعلمه بما
كان، وما يكون إلى أن تقوم الساعة، وأبوه صحابيّ أيضًا، استُشهد رَّه بأحد، واسمه
حُسيل مصغّرًا، ويقال: حِسْل بكسر، فسكون، واليمان لقبه، مات حذيفة رَزاليه في

١٩
٨٧- (ذکرُ النَّھی عن لُبُس الدِیباج) - حدیث رقم ٥٣٠٣
أول خلافة عليّ رَظاليه سنة (٣٦)، وسبقت ترجمته في ٢/٢.
[تنبيه]: قوله: ((ويزيد بن أبي زياد)» بالرفع عطف على ((ابن أبي نَجِيح))، وكذا قوله:
((وأبو فروة))، فسفيان يروي هذا الحديث عن الثلاثة، فيرويه عن ابن أبي نجيح، عن
مجاهد، عن ابن أبي ليلى، وعن يزيد بن أبي زياد، عن ابن أبي ليلى، وعن أبي فروة،
عن عبد الله بن عُكيم، وابن أبي ليلى، وعبد الله بن عُكيم، يرويانه عن حذيفة رَاثُم.
وقال الإمام مسلم رحمه الله تعالى في («صحيحه)): وحدثني عبد الجبار بن العلاء،
حدثنا سفيان، حدثنا ابن أبي نجيح أولًا، عن مجاهد، عن ابن أبي ليلى، عن حذيفة،
ثم حدثنا يزيد، سمعه من ابن أبي ليلى، عن حذيفة، ثم حدثنا أبو فروة، قال: سمعت
ابن عكيم، فظننت أن ابن أبي ليلى إنما سمعه من ابن عكيم، قال كنا مع حذيفة
بالمدائن ... الحدیث.
والحاصل أن لسفيان بن عيينة في هذا الحديث ثلاثة شيوخ: ابن أبي نَجيح، ويزيد
ابن أبي زياد، وأبو فروة، فطريق الأولى نازل؛ لأنه وصل إلى حذيفة بثلاث وسائط :
ابن أبي نجيح، ومجاهد، وابن أبي ليلى، بخلاف الأخيرين، فإنه وصل إليه بواسطتين،
فتنبّه. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ مُجَاهِد) بن جبر (عَنِ) عبد الرحمن (بْنِ أَبِي لَيْلَى، وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ) تقدّم أنه
بالرفع عطفًا على ((ابن أبي نجيح)) (عَنِ) عبد الرحمن (بْنِ أَبِي لَيْلَى، وَأَبُو فَرْوَةَ) مسلم
ابن سالم الجهنيّ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْم) بالتضغير الجهنيّ، أنه (قَالَ: اسْتَسْقَى) أي
طلب الماء ليشربه (حُذَيْفَةُ) بن اليمان رضِي اللَّه تعالى عنه.
وفي رواية البخاريّ: ((كان حذيفة بالمدائن، فاستسقى))، والمدائن اسم بلفظ جمع
مدينة، وهو بلدة عظيمة على دجلة، بينها وبين بغداد سبعة فراسخ، كانت مسكن ملوك
الفرس، وبها إيوان كسرى المشهور، وكان فتحها على يد سعد بن أبي وقّاص ◌َّه في
خلافة عمر رَزثم سنة ست عشرة. وقيل: قبل ذلك، وكان حُذيفة عاملاً عليها في خلافة
عمر، ثم عثمان إلى أن مات بعد قتل عثمان . ذكره في ((الفتح)) ٢٢٨/١١.
(فَأَتَاهُ دِهْقَانٌ) بكسر الدال المهملة، ويجوز ضمّها، بعدها هاء ساكنة، ثم قاف، هو
كبير القرية بالفارسيّة. قاله في ((الفتح)). وقال النوويّ في ((شرح مسلم)): هو بكسر الدال
على المشهور، وحكى ضمها، ممن حكاه صاحب ((المشارق، والمطالع))، وحكاهما
القاضى في ((الشرح)) عن حكاية أبى عبيدة، ووقع في نسخ ((صحاح الجوهرى))، أو
بعضها مفتوحا، وهذا غريب، وهو زعيم فَلّاحى العجم، وقيل: زعيم القرية ورئيسها،

===
٢٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
وهو بمعنى الأول، وهو عجمى مُعَرَّب، قيل النون فيه أصلية، مأخوذ من الدَّهْقَنَة،
وهى الرياسة، وقيل: زائدة من الدّهق، وهو الامتلاء، وذكره الجوهريّ في ((دهقن))
لكنه قال: إن جعلت نونه أصلية، من قولهم: تدهقن الرجل، صرفته؛ لأنه فعلالٌ، وإن
جعلته من الدهق، لم تصرفه؛ لأنه فعلان قال القاضى: يحتمل أنه سُمي به مَن جَمعَ
المالَ، وملأ الأوعية منه، يقال: دَهقتُ الماءَ وأدهقته: إذا أفرغته، ودهق لي دهقة من
ماله: أي أعطانيها، وأدهقت الإناء: أي ملأته، قالوا: يحتمل أن يكون من الدَّهْقَنَة
والدَّهْقَمَة، وهي لين الطعام؛ لأنهم يلينون طعامهم، وعيشهم؛ لسعة أيديهم وأحوالهم،
وقيل: لحذقه، ودَهائه. والله أعلم. انتهى ((شرح مسلم)) ٣٥/١٤.
ووقع في رواية أحمد عن وكيع، عن شُعبة: ((استسقى حذيفة من دهقان، أو عِلْج))،
وعند البخاريّ في ((الأطعمة)) من طريق سيف، عن مجاهد، عن ابن أبي ليلى: ((أنهم
كانوا عند حُذيفة، فاستسقى، فسقاه مجوسيّ)). قال الحافظ: لم أقف على اسمه.
انتھی ((فتح)) ٢٢٩/١١.
(بِمَاءِ، فِي إِنَّاءٍ مِنْ فِضَّةٍ) وفي رواية للبخاريّ: ((بقدح من فضّة))، وفي رواية لمسلم:
(بإناء من فضّة)) (فَحَذَقَهُ) وفي رواية البخاريّ: ((فرماه به))، وفي رواية له: ((فرمى به
وجهه)»، ولأحمد من روایة یزید، عن ابن أبي لیلی: «ما یألو أن يُصیب به وجهه)»، زاد
في رواية الإسماعيلي، وأصله عند مسلم: (فرماه به، فکسره)). يعني أن حذيفة ټه
رمى ذلك الدهان بذلك الإناء عقوبة له (ثُمَّ اغْتَذَرَ إِلَيْهِمْ) أي إلى الناس الذين جلسوا
حوله (مِمَّا صَنَعَ بِهِ) أي بذلك الدهقان، من الرمي بذلك الإناء (وَقَالَ: إِنِّي تُبِيتُهُ) أي فلم
ينته، وفي رواية البخاريّ: ((فقال: إني لم أرمه إلا أني نهيته، فلم ينته))، وفي رواية
الإسماعيليّ: ((لم أكسره إلا أني نهيته، فلم يَقبَل))، وفي رواية وكيع: «ثم أقبل على
القوم، فاعتذر))، وفي رواية يزيد: (لو لا أني تقدّمت إليه مرّة، أو مرّتين، لم أفعل به
هذا»، وفي رواية عبد الله بن عُكيم: ((إني أمرته أن لا يسقيني فيه)). ذكر هذا كله في
((الفتح)) ٢٢٩/١١.
(سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ بِّهِ، يَقُولُ: ((لَا تَشْرَبُوا فِي إِنَاءِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَا تَلْبَسُوا
الدِّیباج) بکسر الدال: ثوبٌ سَدَاه، ولُخمته إِبریسمٌ، ویقال: هو معرّب، ثم کثر، حتّی
اشتَقّت العرب منه، فقالوا: دَبَجَ الغيثُ الأرض دَبْجًا، من باب ضرب: إذا سقاها،
فأنبتت أزهارًا مختلفةً؛ لأنه عندهم اسم للمُنَقَّش. واختلف في الياء، فقيل: زائدة،
ووزنه فِيعال، ولهذا يُجمع بالياء، فيقال: دبابيج، وقيل: هي أصلٌ، والأصل دِبّاجْ
بالتضعيف، فأبدل من أحد المضعّفين حرف العلّة، ولهذا يُردّ في الجمع إلى أصله،