النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
١٤ - (الإِذْنُ بِالْخِضَاب) - حديث رقم ٥٠٧٦
وهكذا رواه أبو زكريّا الغسانيّ، وحفص بن عمر الحبطيّ، عن هشام بن عروة. انتهى
((النكت الظراف)) ١٨٥/٣.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تبيّن بما ذُكر أن الحديث محفوظ من مرسل عروة؛
لأن اكثر الحفّاظ عليه.
وقد تقدّم قريبًا في الروايات السابقة أنه صحيح مرفوعًا من حديث أبي هريرة تَظ ◌ّه ،
وقد أخرجه أيضًا من حديثه أحمد ٢٦١/١ و٤٩٩ وابن سعد ٤٣٩/١/١ عن محمد بن
عمرو، عن أبي سلمة،، عن أبي هريرة ◌َ ثيه، مرفوعًا، بلفظ: ((غيّروا الشيب، ولا
تشبّهوا باليهود، والنصارى)). وتابعه عمر بن أبي سلمة، عن أبيه به، دون ذكر
النصارى، أخرجه الترمذيّ ٣٢٥/١، وقال: حديث حسن صحيح، وقد روي من غیر
وجه عن أبي هريرة دَوّيهِ .
والحاصل أن حديث أبي هريرة ◌َّه هذا صحيح، كما قال الترمذيّ رحمه الله
تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٠٧٦- (أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَخْلَدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كُنَاسَةَ، قَالَ:
حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُزْوَةَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُزْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
وَ﴿: ((غَيِّرُوا الشَّيْبَ، وَلَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ))، وَكِلَاهُمَا غَيْرُ مَحْفُوظٍ).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((حُميد بن مخلد بن الحسين)): هو حميد بن مخلد
بن قتيبة بن عبد اللَّه الأزديّ، أبو أحمد بن زنجويه، النسائي الحافظ، وزنجويه: لقب
أبيه، ثقة ثبتْ، له تصانيف [١١].
رَوَى عن عثمان بن عمر بن فارس، وجعفر بن عون، والنضر بن شُميل، ويحيى بن
حميد، ويزيد بن هارون، وأبي عاصم، وأبي صالح كاتب الليث، وسعيد بن أبي
مريم، وعلي بن المديني، وأبي نعيم، وسليمان بن عبد الرحمن، وأبي عبيد القاسم بن
سلام، ومحمد بن عبد الله بن كناسة، والفريابي، في آخرين. وروى عنه أبو داود،
والنسائي، وأبو زرعة الدمشقي، وأبو حاتم، وعبد الله بن أحمد، والحسن المعمري،
والحسن بن سفيان، وابن أبي الدنيا، والسراج، وابن صاعد، والحسين بن إسماعيل
المحاملي، وغيرهم.
قال النسائي: ثقة. وقال أحمد بن سيار: وكان حسن الفقه، قد كتب، ورحل،
و کان رأسا في العلم. وقال أبو عبيد: ما قدم علينا من فتيان خراسان مثل ابن زنجویه،
وابن شبويه. وقال الخطيب: كان ثقة ثبتا حجة، كثير الحديث، قديم الرحلة، رَوَى عنه
البخاري، ومسلم. قال الحافظ: وكان ذلك في غير ((الصحيحين))، وكذا ذكر روايتهما

٦٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
عنه الحاكم، وأبو الحسين بن أبي يعلى الفراء، في ((طبقات الحنابلة)). وقال الحاكم:
محدث، كثير الحديث، قديم الرحلة، إلى أن قال: قرأت بخط أبي عمرو المستملي:
ثنا حميد بن زنجويه، سنة (٢٧). وقال ابن أبي حاتم: كتب عنه أبي، وقال: صدوق.
وفرق الحافظ عبد الغني بينه، وبين حميد بن مخلد بن الحسين، وقال: رَوَى عن
ابن كناسة، وعنه النسائي، والذي في النسائي في ((كتاب الزينة)): ثنا حميد بن مخلد،
ثنا ابن کناسة، لم یذکر جده.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا نصّ ((الكبرى))، وأما في ((المجتبى))، فقد نصّ
على اسم جدّه، كما ترى، والظاهر أنه مختلف في اسم جده، أو وقع فيه تصحیف،
فإني لم أر من ترجم لحميد بن مخلد بن الحسين، وإنما ترجم أهل كتب الرجال
لحسين بن مخلد بن قتيبة فقط. والله تعالى أعلم.
وقال ابن حبان في ((الثقات)): كان من سادات أهل بلده فقها وعلما، وهو الذي أظهر
السنة بنسا، مات سنة (٢٤٧) وقال غيره: سنة (٤٨) وقال ابن يونس: قدم إلى مصر،
وكتب بها، وكُتِبَ عنه، عن أبي عبيد، وخرج عن مصر، وتوفي سنة (٥١). وصحح
هذا الذهبيّ في ((سير أعلام النبلاء)» ٢١/١٢.
تفرد به أبو داود، والمصنّف، وله عنده حديثان: هذا، وفي ((كتاب الأشربة)) باب
(تحريم كلّ شراب أسكر كثيره) حديث سعد بن أبي وقّاص وَّه، عن النبيّ وَّ، قال:
((أنهاكم عن قليل ما أسكر كثيره)).
و ((محمد بن كُناسة)): هو محمد بن عبد الله بن عبد الأعلى بن عبد الله بن خليفة بن
زُهير بن نَضْلة بن معاوية بن مازن الأسدي، أسد خزيمة، أبو يحيى، ويقال: أبو عبد
الله الكوفي، المعروف بابن كناسة- بضم الكاف، وتخفيف النون، وبمهملة- وهو لقب
أبيه، وقيل: لقب جدّه، صدوقٌ، عارف بالآداب [٩].
رَوَى عن هشام بن عروة، ويحيى بن أبي الهيثم العطار، وإسماعيل بن أبي خالد،
والأعمش، وفطر بن خليفة، والمبارك بن فَضَالة، والكلبي، وغيرهم.
رَوَى عنه أحمد بن حنبل، وأبو خيثمة، وأبو كريب، ومؤمل بن إهاب، ومحمد بن عبد
اللَّه بن نمير، وأبو بكر بن أبي شيبة، وحميد بن زنجويه، وآخرون. قال ابن معين، وأبو
داود، والعجلي: ثقة. وقال عبد الله بن علي بن المديني، عن أبيه: كان شيخاثقة صدوقا.
وقال أبو حاتم: كان صاحب أخبار، يكتب حديثه، ولا يحتج به. وقال يعقوب بن شيبة :
ثقة صالح الحديث، وهو ابن أخت إبراهيم بن أدهم الزاهد، وكان له علم بالعربية،
والشعر، وأيام الناس. وقال: ذكره علي بن المديني يوما، فقال: هو ثقة صدوق. وذكره

٦٣
١٤- (الإِذْنُ بالخِضَاب) - حديث رقم ٥٠٧٦
ابن حبان في ((الثقات)). قال يعقوب بن شيبة: مات في شوال سنة سبع ومائتين. وقال ابن
قانع: مات سنة تسع. قال الخطيب: ونرى الأول أصح. وقيل: إن مولده سنة (١٢٣).
وقال ابن سعد: كان عالما بالعربية، وأيام الناس، وتوفي في شوال، سنة تسع ومائتين.
وقال المرزباني: كان من شعراء الكوفيين، وعلمائهم، وعُمِّر عمرا طويلا، قارب
التسعين. وقال ابن قانع: كوفي صالح. وجزم أبو الفرج في ((الأغاني)) بأن كُناسة لقب والده
عبد الله، وقال: كان من شعراء الدولة العباسية، وكان صالحا، لا يتصدى لمدح، ولا
هجاء، ومن محاسن قوله [من الطويل]:
وَأَنَّكَ فِيهَا لِلْبَقَاءِ تُرِيدُ
وَمِنْ عَجَبِ الدُّنْيَا تَيَقُّنُكَ الْبَلَا
فَإِنَّ فِطَامَ النَّفْسِ عَنْهُ شَدِيدُ
إِذَا اعْتَادَتِ النَّفْسُ الرَّضَاعَ مِنَ الْهَوَى
تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط.
وقوله: ((وكلاهما غير محفوظ)»: يعني أن كلا حديثي عيسى بن يونس، عن هشام
ابن عروة، عن أبيه، عن ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما، وحديث محمد بن كُناسة عن
هشام بن عروة، عن أخيه عثمان بن عروة، عن أبيه، عن الزبير بن العوام رَليه غير
محفوظ .
وهذا الذي قاله المصنّف رحمه اللَّه تعالى قاله غيره من الحفّاظ أيضًا، قال في
(تهذيب التهذيب ٦٠٧/٣)): روى له النسائي حديثه عن هشام، عن أخيه عثمان، عن
أبيه عروة، عن الزبير، حديثَ: ((غَيِّروا الشيب، ولا تشبهوا باليهود)). قال ابن معين:
إنما هو عن عروة، مرسل. وقال الدارقطني: لم يتابع عليه، ورواه الحفاظ من أصحاب
هشام، عن عروة، مرسلا. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث الزبير بن العوّام رضي اللّه تعالى عنه هذا الصحيح أنه مرسل، وهو صحيح
مُتَّصِلٌ، من حديث أبي هريرة رَّه، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥٠٧٦/١٤ - وفي ((الكبرى)) ٩٣٤٥/١٩. وأخرجه (أحمد) في ((مسند
العشرة)) ١٤١٨ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).

٦٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
١٥- (الثَّهْيُ عَنِ الْخِضَابِ بِالسَّوَادِ)
٥٠٧٧- (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْحَلَبِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ -وَهُوَ ابْنُ عَمْرِو-
عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَفَعَهُ، أَنَّهُ قَالَ: ((قَوْمٌ يَخْضِبُونَ
بَهَذَا السَّوَادِ، آخِرَ الزَّمَانِ، كَحَوَاصِلِّ الْحَمَّامِ، لَا يَرِيحُونَ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ)).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (عبد الرحمن بن عُبيد الله) بن حكيم الأسديّ، أبو محمد ((الْحَلَبِيّ))، الكبير(١)
المعروف بابن أخي الإمام بحلب، صدوق [١٠].
رَوَى عن عبيد الله بن عمرو الرَّقّيّ، وأبي المليح الحسن بن عمر الرقي، وخلف بن
خليفة، ويحيى بن أبي زائدة، وعيسى بن يونس، والوليد بن مسلم، وعبد الله بن
المبارك، والدراوردي، وابن عيينة، وإبراهيم بن سعد، وعمر بن عبيد الطنافسي،
وغيرهم. وعنه أبو داود، والنسائي، وأحمد بن علي الأبار، وبَقِيّ بن مخلد، والحسن
ابن علي المعمري، وحفيده محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن، المعروف بالأسير،
وأبو حاتم الرازي، وعبد الرحمن بن عبيد الله بن عبد العزيز الهاشمي، المعروف أيضا
بابن أخي الإمام، وعمر بن سعيد بن سنان الطائي، ومحمد بن محمد بن سليمان
الباغندي، وغيرهم.
قال أبو حاتم: صدوق. وقال النسائي: لا بأس به. وقال أحمد بن إسحاق، أبو
صالح الوزان: ثنا عبد الرحمن بن عبيد اللّه، أخو الإمام، ثقة. وذكره ابن حبان في
((الثقات))، وقال: ربما أخطأ. وقال أبو حاتم في ((العلل)): سألته، وكان يفهم الحديث.
تفرّد به أبو داود، والمصنّف، وله عنده هذا الحديث فقط.
٢- (عبيد الله بن عمرو) الرّقْيّ، أبو وهب الأسديّ، ثقة فقيه، ربّما وهِم [٨] ١٧٧ /
٢٨٠ .
٣- (عبد الكريم) بن مالك الجزريّ، أبو سعيد، مولى بني أميّة، وهو الْخِضْرميّ -
بالخاء، والضاد المعجمتين: نسبة إلى قرية باليمامة- ثقة [٦] ٢٨٥٢/٩٦.
[تنبيه]: وقع في ((الكبرى)): ما نصّه: ((عن عبيد الله بن عبد الكريم))، وهو غلط
(١) وأما الصغير، فهو عبد الرحمن بن عبيد الله بن عبد العزيز بن الفضل بن صالح بن عليّ بن عبد
اللَّه بن عبّاس، أبو محمد ابن أخي الإمام الحلبيّ، مقبول [١٢] مات بعد (٣٠٠)، وليس له في
الكتب الستة رواية، وإنما يذكر في كتب الرجال للتمييز، فتنبه . والله تعالى أعلم .

١٥- (النَّهْيُ عَنِ الْخِضَاب بِالسَّؤادِ) - حديث رقم ٥٠٧٧
٦٥ =
فاحش، والصواب: ((عن عبيد الله، عن عبد الكريم))، فتنبه. والله تعالى أعلم.
٤- (سعيد بن جُبير) الأسديّ مولاهم الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٤٣٦/٢٨.
٥- (ابن عبّاس) عبد اللَّه البحر رضي الله تعالى عنهما٣١/٢٧. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو وأبو داود. (ومنها): أن فيه ابن عبّاس
رضي اللّه تعالى عنهما من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا.
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي اللَّه تعالى عنهما. وقوله: (رَفَعَهُ) جملة في محلّ نصب على
الحال: أي حال كون ابن عبّاس رضي اللَّه تعالى عنهما رافعًا هذا الحديث إلى النبيّ
وَّر، ونكتة عدول الراوي عن قوله: ((قال رسول اللَّه وَلتر))، أو نحوه من الألفاظ
الصحريحة في الرفع كونه نسي، أو شكّ في صيغة الصحابيّ الذي رواه عنه، هل هي
(قال رسول اللّه))، أو ((قال النبيّ))، أو نحو ذلك، مع أنه متثبّت في رفعه الحديث إليه
وَالر، فأتى بصيغة تشمل جميع الصيغ الصالحة لذلك. والله تعالى أعلم.
ولفظ أبي داود: ((عن ابن عبّاس، قال: قال رسول اللّه بَّر ... )) (أَنَّهُ قَالَ) الضمير
للنبيّ ◌َّر؛ لأن قوله: ((رفعه)) في قوّة ((قال رسول اللَّه ◌َ)) (قَوْمٌ) الظاهر أنه مبتدأ، خبره
قوله: ((لا يريحون الخ))، وجملة قوله: (يَخْضِبُونَ) صفة لـ((قوم))، وهو بكسر الضاد
المعجمة، من باب ضرب: أي يغيّرون الشعر الأبيض من الشيب الواقع في الرأس،
واللحية (بَهَذَا السَّوَادِ) أي باللون الأسود (آخِرَ الزَّمَانِ) ظرف لـ((يخضبون)) (كَحَوَاصِلِ
الْحَمَام) قال في ((القاموس)): الْحَوْصَلُ، والْحَوْصَلَاءُ، والْحَوْصَلَةُ، وتُشدّد لامها، من
الطير،َ كالمعدة للإنسان. انتهى. و((الحمام)) بتخفيف الميم: الطائر المعروف، فالمراد
بقوله: ((كحواصل الحمام)): أي كصدورها، فإنها سُودٌ غالبًا، وأصل الحوصلة:
المعدة، لكن المراد هنا الصدر. قال الطيبيّ: معناه كحواصل الحمام في الغالب؛ لأن
حواصل بعض الحمامات ليست بسود. انتهى. وقيل: يريد بالتشبيه أن المراد السواد
الصِّرْف، غير المشوب بلون آخر. (لَا يَرِيحُونَ) أي لا يشمّون، يقال: راح يَريح، وراح
يراح، وأراح يُريح: إذا وجد رائحة الشيء (رَائِحَةَ الْجَنَّةِ) يعني ((وإن ريحها ليوجد من
مسيرة خمسمائة عام))، كما جاء في الحديث. قيل: المراد أنهم، وإن دخلوا الجنّة، لا

٦٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
يجدون ريحها، ولا يتلذّذون به. وقيل: هو تغليظٌ، وتشديد. أو المراد أنهم لا يجدون
ريحها مع السابقين. قاله السنديّ. وقال في ((عون المعبود)) ١٧٨/١١: فالمراد به
التهديد، أو محمول على المستحلّ، أو مقيّد بما قبل دخول الجنّة من القبر، أو
الموقف، أو النار. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما هذا صحيح.
[تنبيه]: قال الحافظ المنذريّ رحمه الله تعالى في ((مختصر سنن أبي داود» ٦/
١٠٨ -: في إسناده عبد الكريم، ولم ينسبه أبو داود، ولا النسائيّ، فذكر بعضهم أنه
عبد الكريم بن أبي الْمُخارق، أبو أميّة، وضعّف الحديث بسببه، وذكر بعضهم أنه عبد
الكريم بن مالك الجزريّ، أبو سعيد، وهو من الثقات، لاتفاق البخاريّ، ومسلم على
الاحتجاج بحديثه. وقول من قال: إنه عبد الكريم بن مالك الجزريّ هو الصواب، فإنه
قد نسبه بعض الرواة في هذا الحديث، فقال فيه: ((عن عبد الكريم الجزريّ))، وعبد
الكريم بن أبي المخارق من أهل البصرة، نزل مكّة، وأيضًا فإن الذي روى عن عبد
الكريم هذا الحديث هو عبيد الله بن عمرو الرَّقْيّ، وهو مشهور بالرواية عن عبد الكريم
الجزريّ، وهو أيضًا من أهل الجزيرة. انتهى كلام المنذريّ.
وقال السنديّ: قد صحح الحديث غير واحد، وحسّنه، وخطّؤوا ابن الجوزيّ في
نسبته إلى الوضع. والله تعالى أعلم. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: كون عبد الكريم هو الجزري هو الحقّ، والحديث
صحيح دون شك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥٠٧٧/١٥ - وفي ((الكبرى)) ٩٣٤٦/٢٠. وأخرجه (د) في ((الترجّل))
٤٣١٢ (أحمد) في ((مسند بني هاشم)) ٢٤٦٦ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه اللّه تعالى، وهو بيان النهي عن الخضاب
بالسواد، وسيأتي في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى- وأن الصواب تحريمه. (ومنها):
بيان شؤم هذا الذنب، وهو حرمان متعاطيه، عن الاستمتاع برائحة الجنة. (ومنها):
إثبات رائحة للجنة، وقد ثبت أنه يوجد من مسافة بعيدة، فقد أخرج البخاريّ في

٦٧
١٥- (النّئُ عن الخِضَاب بالسّوادِ) - حدیث رقم ٥٠٧٧
((صحيحه)) من حديث عبدالله بن عمرو، رضي اللَّه عنهما، عن النبي وَيّ، قال: ((من
قتل معاهدا، لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاما)، وتقدم
للمصنّف رحمه اللّه تعالى في ((القسامة)) برقم ٤٧٥٢. وتقدّم عنده أيضا ٤٧٥١ - بلفظ
((سبعين عامًا)). وورد في ((مسند أحمد)) من حديث أبي بكرة بلفظ: و((إن ريحها ليوجد
من مسيرة مائة عام)). وورد عنده أيضًا بلفظ: ((وإن ريحها ليوجد من مسيرة خمسمائة
عام)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم خضاب الشيب:
قال النوويّ رحمه الله تعالى: ويحرم خضابه- يعني الشيب- بالسواد على الأصح،
وقيل: يكره كراهة تنزيه، والمختار التحريم؛ لقوله وَلهر: واجتنبوا السواد))، هذا
مذهبنا،، وقال القاضي: اختلف السلف، من الصحابة، والتابعين في الخضاب، وفي
جنسه، فقال بعضهم: ترك الخضاب أفضل، ورووا في ذلك حديثًا عن النبيّ وَّ في
النهي عن تغيير الشيب، ولأنه ◌َّ لم يغيّر شيبه، ورُوي هذا عن عمر، وعليّ، وأَبِيّ،
جه . وقال آخرون: الخضاب أفضل، وخضب جماعة من الصحابة،
وآخرین
والتابعين، ومن بعدهم؛ للأحاديث التي ذكرها مسلم، وغيره، ثم اختلف هؤلاء، فكان
أكثرهم يخضب بالصفرة، منهم ابن عمر، وأبو هريرة، وآخرون، ورُوي ذلك عن
عليّ. وخضب جماعة منهم بالحنّاء والكتم، وبعضهم بالزعفران، وخضب جماعة
بالسواد، رُوي ذلك عن عثمان، والحسن، والحسين ابني عليّ، وعقبة بن عامر، وابن
سيرين، وأبي بُرِدة، وآخرين، قال القاضي: قال الطبريّ: الصواب أن الآثار المرويّة
عن النبيّ وَّه بتغيير الشيب، وبالنهي عنه كلّها صحيحة، وليس فيها تناقض، بل الأمر
بالتغيير لمن شيبه كشيب أبي قُحافة، والنهي لمن له شمط فقط، قال: واختلاف السلف
في فعل الأمرين بحسب اختلاف أحوالهم في ذلك، مع أن الأمر، والنهي في ذلك لیس
للوجوب بالإجماع، ولهذا لم يُنكر بعضهم على بعض خلافه في ذلك، قال: ولا يجوز
أن يقال: فيهما ناسخ ومنسوخٌ.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: دعوى الإجماع في عدم الوجوب غير صحيحة؛ لما
سبق من أن القول بالوجوب منقول عن الإمام أحمد رحمه اللّه تعالى، فتنبه. والله
تعالى أعلم.
قال القاضي: وقال غيره: هو على حالين: فمن كان في موضع عادةُ أهلِهِ الصبغُ، أو
تركه، فخروجه عن العادة شهرة، ومكروه.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الذي قاله مما زلّ به القدم، وطغى فيه القلم،
فهل إذا ترك أهل بلد سنة من سنن رسول اللَّه وَ لقولهيكون إحياء تلك السنة، والعمل بها

٦٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
شهرة ومكروهًا؟ إن هذا لهو الفساد العريض، إذ يترتّب عليه أنه لا وجه في هذا الزمن
الذي ترك فيه معظم الناس كثيرًا من السنن، وأحدثوا بدلها بدعًا أن يقوم أحد بإحياء
تلك السنن، بل يهجرها، إن هذا لهو العجب العجاب !!!.
قال: والثاني: أنه يختلف باختلاف نظافة الشيب، فمن كانت شيبته تكون نقيّة أحسن
منها مصبوغةً، فالترك أولى، ومن كانت شيبته تُستبشع، فالصبغ أولى. هذا ما نقله
القاضي. قال النوويّ: والأصحّ الأوفق للسنة ما قدّمناه عن مذهبنا. والله أعلم. انتهى
كلام النوويّ في ((شرح مسلم)) ٨٠/١٤.
وقال في ((الفتح)): عند قوله: ((إن اليهود، والنصارى)) لا يصبغون، فخالفوهم)): ما
نصّه: هكذا أطلق، ولأحمد بسند حسن عن أبي أمامة رَزيه، قال: ((خرج رسول الله
وَ لّ على مشيخة من الأنصار، بِيضٍ لحاهُم، فقال: يا معشر الأنصار حمّروا، وصفّروا،
وخالفوا أهل الكتاب))، وأخرج الطبرانيّ في ((الأسط)) نحوه من حديث أنس رَبّه،
وفي ((الكبير)) من حديث عتبة بن عبد رَميّه: ((كان رسول اللَّه ◌َله يأمر بتغيير الشيب،
مخالفة للأعاجم)).
وقد تمسك به من أجاز الخضاب بالسواد.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا عجيب، وكيف يصحّ الاحتجاج بهذا الحديث
المطلق؟، وقد قُيّد في الحديث الذي قبله بقوله: ((حمِّروا، وصفْروا))، و((ثبت النهي
عن الخضاب بالسواد صريحًا، كما سيأتي قريبًا.
قال: من العلماء من رخص فيه- أي الخضاب بالسواد- في الجهاد، ومنهم من
رخص فيه مطلقا، وأن الأولى كراهته، وجنح النووي إلى أنه كراهة تحریم.
وقد رخص فيه طائفة من السلف، منهم سعد بن أبي وقاص، وعقبة بن عامر،
والحسن، والحسين، وجرير، وغير واحد، واختاره ابن أبي عاصم في ((كتاب
الخضاب)) له، وأجاب عن حديث ابن عباس رفعه: ((يكون قوم يخضبون بالسواد، لا
يجدون ريح الجنة))، بأنه لا دلالة فيه على كراهة الخضاب بالسواد، بل فيه الإخبار عن
قوم، هذه صفتهم، وعن حديث جابر رَزي: ((جنبوه السواد)) بأنه في حق من صار
شيب رأسه مستبشعا، ولا يطرد ذلك في حق كل أحد، انتهى.
قال الحافظ: وما قاله خلاف ما يتبادر من سياق الحديثين، نعم يشهد له ما أخرجه
هو، عن ابن شهاب قال: كنا نخضب بالسواد، إذ كان الوجه جديدا، فلما نغض
الوجه، والأسنان تركناه.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا عجيب من الحافظ، كيف يستشهد بفعل ابن

٦٩
١٥ - (النَّفْيُ عَن الخِضَاب بالسّوادِ) - حديث رقم ٥٠٧٧
شهاب، وأصحابه من الصبغ بالسواد على معارضة ما صحّ عن رسول اللَّه وَله من قوله:
(جنّبوه السواد))، هذا شيء عجيب.
قال: وقد أخرج الطبراني، وابن أبي عاصم، من حديث أبي الدرداء تَّه ، رفعه:
((من خضب بالسواد، سود الله وجهه يوم القيامة))، وسنده لين.
ومنهم من فرق في ذلك بين الرجل والمرأة، فأجازه لها دون الرجل، واختاره
الحليمي. انتهى ((فتح)) ١١/ ٥٤٧-٥٤٨ .
وقال العلامة ابن القيّم رحمه اللّه تعالى: والصواب أن الأحاديث في هذا الباب، لا
اختلاف بينها بوجه، فإن الذي نهى عنه النبيّ وَلقر من تغيير الشيب أمران: [أحدهما]:
نتفه. [والثاني]: خصابه بالسواد، والذي أذن فيه هو صبغه، وتغييره بغير السواد،
كالحنّاء، والصفرة، وهو الذي عمله الصحابة ، قال الحكم بن عمرو الغفاريّ
رَضيّ: دخلت أنا، وأخي رافع على عمر بن الخطّاب وَنّه، وأنا مخضوبٌ بالحنّاء،
وأخي مخضوب بالصفرة، فقال عمر رَّه : هذا خضاب الإسلام، وقال لأخي: هذا
خضاب الإيمان .
وأما الخضاب بالسواد، فكرهه جماعة من أهل العلم، وهو الصواب بلا ريب؛ لما
تقدّم، وقيل للإمام أحمد: تكره الخضاب بالسواد؟ قال: إي والله. وهذه المسألة من
المسائل التي حلف عليها، وقد جمعها أبو الحسن، ولأنه يتضمّن التلبيس، بخلاف
الصفرة.
ورخّص فيه آخرون، منهم أصحاب أبي حنيفة، وروي ذلك عن الحسن،
والحسين، وسعد بن أبي وقّاص، وعبد الله بن جعفر، وعقبة بن عامر، وفي ثبوته
عنهم نظر، ولو ثبت فلا قول لأحد مع رسول اللَّه وَله، وسنته أحقّ بالاتّباع، ولو
خالفها من خالفها.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لقد أجاد ابن القيم رحمه اللّه تعالى في هذا الكلام،
فإن الله سبحانه وتعالى أوجب اتّباع النبيّ بَّ، فقال عز وجل: ﴿وَمَآ ءَالَنَّكُمُ الرَّسُولُ
فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنَكُمْ عَنْهُ فَأَنْتَهُواْ﴾ الآية [الحشر: ٧]، فالواجب على المكلّف اتّباع سنته،
ولا ينظر إلى خلاف من خالفها، وإن كان من الأكابر، بل يعتذر عن هؤلاء الذين ذكر
أنهم صبغوا بالسواد- إن ثبت عنهم- بأن النهي لم يصل إليهم، فتبصّر بالإنصاف، ولا
تتحيّر بالاعتساف، اللَّهم أرنا الحقّ حقًا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا، وارزقنا
اجتنابه، آمین.
ورخّص فيه آخرون للمرأة تتزيّن به لبعلها، دون الرجل، وهذا قول إسحاق ابن

=
٧٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
راهويه، وكأنه رأى أن النهي إنما جاء في حقّ الرجال، وقد جوّز للمرأة من خضاب
اليدين، والرجلين ما لم يُجوّز للرجل، والله تعالى أعلم. انتهى كلام ابن القيم رحمه
اللَّه تعالى ((تهذيب السنن)) ١٧٢/١١-١٧٣ من هامش ((عون المعبود».
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الذي وجّه به ابن القيّم مذهب إسحاق رحمهما
الله تعالى بأن المرأة تخالف الرجل في هذا الباب، حيث إن الشارع نهى الرجال من
خضاب اليد والرجل، وأباحه للمرأة، فقصر النهي عن الخضاب بالسواد على الرجل
فقط، دون المرأة وجه وجيه.
والحاصل أن الذي تدلّ عليه الأدلة الصحيحة الصريحة هو تحريمُ الخضاب بالسواد(١)،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٠٧٨ -- (أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِ ابْنُ
جُرَيْج، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ: قَالَ: أَتِيَ بِأَبِي قُحَافَةً يَوْمَ فَتْحَ مَكَّةَ، وَرَأْسُهُ وَلِحْيَتُهُ
كَالثَّغَّامَةِ بَيَاضًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((غَيِّرُوا هَذَا بِشَيْءٍ، وَاجْتَنِبُوا السَّوَادَ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١- (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأمويّ مولاهم المكّيّ، ثقة
فاضل يدلّس [٦] ٣٢/٢٨.
٢- (أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ، صدوق يُدلْس [٤] ٣٥/٣١.
٣- (جابر) بن عبد الله بن عمرو بن حرام رضي اللّه تعالى عنهما ٣٥/٣١.
والباقيان تقدّما في الباب الماضي. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين من ابن جريج، والباقيان مصريان. (ومنها): أن
فيه جابرًا وَّه من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ جَابِر) بن عبد الله رضي اللّه تعالى عنهما، أنه (قَالَ: أَتِيَ) بالبناء للمفعول (بِأَبِي
تُحَافَةَ) -بضم القاف، وتخفيف الحاء المهملة -: هو والد أبي بكر الصدّيق رضي الله تعالى
(١) وقد ألف بعض المعاضرين في ذلك، ومن أحسن ما أَلْفَ فيه رسالةُ (إتحاف الأمجاد باجتناب تغيير الشيب
بالسواد» للشيخ فريح بن صالح الهلال، وقدم لها سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ◌َّلهُ، وهي رسالة
مفيدة كافية في الموضوع، ومنهم المحدث الكبير والعلامة النحرير الشيخ مقبل بن هادي اليمني تقدّثه
قد ألف في ذلك رسالة مفيدة أيضًا، فعليك بمراجعتهما تستفد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.

٧١
١٥- (النَّفْيُ عَنِ الْخِضَاب بِالسَّوَادِ) - حديث رقم ٥٠٧٨
عنهما، واسمه: عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة، القرشي التيمي،
أمه آمنة بنت عبد العُزَّى العدویة، عدي قریش، وقيل: اسمها قيلة، قال الفاکھي: حدثنا
ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن أبي حمزة الثمالي، قال: قال عبد الله: لما خرج النبي
وَلّه إلى الغار، ذهبت أستخبر، وأنظر هل أحد يخبرني عنه، فأتيت دار أبي بكر، فوجدت
أبا قحافة، فخرج علي، ومعه هراوة، فلما رآني اشتد نحوي، وهو يقول: هذا من الصُّبَاة
الذي أفسدوا علي ابني، تأخر إسلامه إلى يوم الفتح، فروى ابن إسحاق في ((المغازي))
بإسناد صحيح، عن أسماء بنت أبي بكر، قالت: لما كان عام الفتح، ونزل النبي وَلّ ذا
طوى، قال أبو قحافة لابنة له، كانت من أصغر ولده: أي بنيةُ أشرقي بي على أبي قبيسٍ،
وكان قد كُفّ بصره، فأشرفت به عليه، فذكر الحديث بطوله، وفيه: فلما دخل رسول الله
وَّر المسجد، خرج أبو بكر حتى جاء بأبيه يقوده، فلما رآه رسول اللّه وَ لّته، قال: ((هلا
تركت الشيخ في بيته حتى آتيه))، فقال: يمشي هو إليك يا رسول اللَّه أحق، من أن تمشي
إليه، وأجلسه بين يديه، ثم مسح على صدره، فقال: أسلم تسلم، ثم قام أبو بكر ...
الحدیث، أخرجه ابن حبان في «صحيحه))، من حديث ابن إسحاق. وروى مسلم من طريق
أبي الزبير، عن جابر تَظمي، قال: أتى بأبي قُحافة عام الفتح، ورأسه ولحيته مثل الثُّعامة،
فقال رسول اللّه ◌َلير: ((غيروا هذا بشيء، وجنبوه السواد)). وروى أحمد من طريق هشام،
عن محمد بن سيرين، عن أنس ◌َّه، أنه سئل عن خضاب رسول اللَّه وَلهو؟ فقال: لم يكن
شاب إلا يسيرا، ولكن خضب أبو بكر، وعمر بالحناء والكتم، قال: وجاء أبو بكر بأبيه،
أبي قحافة إلى رسول الله قالڼ، يوم فتح مكة، يحمله حتى وضعه بين يديه، فقال لأبي بكر:
لو أقررت الشيخ في بيته، لأتيناه تكرمة لأبي بكر، فأسلم، ورأسه ولحيته كالثغامة بياضا،
فقال: ((غيروهما، وجنبوه السواد))، صححه ابن حبان من هذا الوجه، قال: قتادة: هو أول
مخضوب في الإسلام، وهو أول من ورث خليفة في الإسلام، مات أبو قحافة سنة أربع
عشرة، وله سبع وتسعون سنة. قاله في ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ٣٨٩/٦ -٣٩٠ .
وقال القرطبيّ: مات في المحرّم سنة أربع عشرة من الهجرة، وهو ابن سبع وتسعين
سنة، بعد وفاة ابنه أبي بكر رَّه بأشهر. انتهى (يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ) ظرف ((أَتي)) (وَرَأْسُهُ
وَلِخِيَتُهُ كَالثَّغَامَةِ) - بمثلّثة مفتوحة، وغين معجمة- قال فيَ ((النهاية)) ٢١٤/١: هو نبت
أبيض الزَّهْر والثمرِ، يُشبّه به الشيب. وقيل: شجرة تبيضّ، كأنها الثلج. انتهى. وقال
في ((القاموس)): الثَّغَام، كسحاب: نبت، واحدته ثغامة بالهاء. وقال في ((المصباح)):
(الثَّغَام)) مثلُ سَلام: نبتٌ يكون بالجبال غالبًا، إذا يبس ابيضَّ، ويُشبه به الشيب. وقال
ابن فارس: شجرة بيضاء الثمر والزّهْر. انتهى (بَيَاضًا) منصوب على التمييز (فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((غَيِّرُوا هَذَا بِشَيْءٍ) قال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: أمرٌ بتغيير

٧٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
الشيب، قال به جماعة من الخلفاء، والصحابة، لكن لم يصر أحدٌ إلى أنه على
الوجوب، وإنما هو مستحبّ.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: فيه أنه نقل عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى القول
بالوجوب، كما تقدّم، وهو الظاهر؛ لظاهر الأمر، فتنبّه.
قال: وقد رأى بعضهم أنّ ترك الخضاب أفضل، وبقاء الشيب أولى من تغييره،
متمسّكين في ذلك بنهي النبيّ وَّر عن تغيير الشيب على ما ذكروه، وبأنه وَلـ لم يُغيّر
شيبه، ولا اختضب.
قال القرطبيّ: وهذا القول ليس بشيء، أما الحديث الذي ذكروه، فليس بمعروف،
ولو كان معروفًا، فلا يبلغ في الصحة إلى هذا الحديث، وأما قولهم: إن النبيّ وَّ لم
يَخضِب، فليس بصحيح، بل قد صحّ عنه أنه خضب بالحنّاء، وبالصفرة. انتهى
((المفهم)) ٤١٨/٥ .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: اختلفت الروايات في كونه بَّ خضب، فثبت عن
أنس ◌َّ أنه سُئل أخضب النبيّ وَّ؟ فقال: لم يبلغ الشيب إلا قليلًا، وفي رواية: إنه
لم يبلغ ما يَخضِب، لو شئت أن أعُدّ شمطاته في لحيته))، أي لعددتها. وثبت في حديث
ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما أنه وَلّ خضب بالصفرة، وفي حديث أم سلمة رضي
الله تعالى عنها أنها أخرجت شعرًا من شعر النبيّ وَّ، مخضوبًا.
والجمع بين هذه الروايات، أن يقال: إن من جزم بأنه وَ ر خضب، كابن عمر رضي
الله تعالى عنهما، حكى ما شاهده، وكان ذلك في بعض الأحيان، ومن نفى، كأنس
رَّيَّه، فهو محمول على الأكثر الأغلب من حاله وَ له. وقد أخرج مسلم، والترمذيّ،
والنسائيّ من حديث جابر بن سمرة رضي، قال: ما كان في رأس النبيّ وَّر، ولحيته من
الشيب إلا شعرات، كان إذا دهن واراهُنّ الدهن. قال في ((الفتح)) ٥٤٦/١١ -: فيحتمل
أن يكون الذين أثبتوا الخضاب شاهدوا الشعر الأبيض، ثم لَمّا واراه الدهن ظنّوا أنه
خضبه. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الاحتمال بعيد؛ يبعده ما يأتي للمصنّف بعد باب
من حديث ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما: ((لقد رأيت رسول اللّه ◌َلّ يصفّر بها- يعني
الخلوق- لحيته ... )) الحديث. فالصحيح من الجمع الاحتمال الأول. والله تعالى
أعلم.
(وَاجْتَنِبُوا السَّوَادَ) قال القرطبيّ رحمه اللّه تعالى: أمر باجتناب السواد، وكرهه
جماعة، منهم عليّ بن أبي طالب ◌َّه، ومالك، قال: وهو الظاهر من هذا الحديث،

٧٣
١٥- (التَّفْيُ عَنِ الْخِضَاب بِالسَّوَادِ) - حديث رقم ٥٠٧٨
وقد عُلّل ذلك بأنه من باب التدليس على النساء، وبأنه سواد في الوجه، فيُكره لأنه تشبّه
بسيما أهل النار. ثم ذكر حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما المذكور قبل هذا، ثم
قال: غير أنه لم يُسمع أن أحدًا من العلماء قال بتحريم ذلك.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد عرفت أن هذا غير صحيح، فتنبّه. والله تعالى
أعلم.
ثم ذكر القرطبيّ من كان يصبغ بالسواد، كما تقدم ذكرهم، ثم قال: ولا أدري عذر
هؤلاء عن حديث أبي قحافة ما هو؟، فأقلّ درجاته الكراهة، كما ذهب إليه مالك.
انتهى ((المفهم)) ٤١٨/٥-٤١٩ .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تقدّم أنه يُعتذر لهم بأنه لم يبلغهم النهي. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث جابر رَّ هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥٠٧٨/١٥ و٥٢٤٤/٦٤- وفي ((الكبرى)) ٢٠/ ٩٣٤٧ و٩٣٤٨.
وأخرجه (م) في ((اللباس)) ٢١٠٢ (د) في ((الترجّل)) ٤٢٠٤ (ق) في ((اللباس)» ٣٦٢٤
(أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ١٣٩٩٣ و١٤٠٤٦ و١٤٢٣١. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان النهي عن الخضاب
بالسواد، وهو ظاهر. (ومنها): أن فيه الأمر بتغيير الشيب، لكن يكون بغير السواد؛
لهذا الحديث. (ومنها): ما قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى: للخضاب فائدتان:
[إحداهما]: تنظيف الشعر مما يتعلّق به من الغبار، والدخان. [والأخرى]: مخالفة أهل
الكتاب؛ لقوله ويليهو: ((خالفوا اليهود والنصارى، فإنهم لا يصبغون)). انتهى ((المفهم)) ١٥
٤٢٠ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنيب)).

٧٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
١٦- (الْخِضَابُ بِالْحِنَّاءِ، وَالْكَتَم)
٥٠٧٩- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْتِى بْنُ يَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا بِهِ أَبِي،
عَنْ غَيْلَانَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِّ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ أَبِي ذَرِّ، عَنِ النّبِيِّ وَِّ، قَالَ:
((أَفْضَلُ مَا غَيَّرْتُمْ بِهِ الشَّمَطَ الْحِنَّاءُ وَالْكَتَمُ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١- (محمد بن مسلم) بن عثمان بن عبد اللَّه الرازيّ، المعروف بابن وارة- بفتح الراء
المخفّفة- ثقة حافظ [١١].
رَوَى عن محمد بن المبارك الصوري، ومحمد بن سابق القزويني، وهشام بن عبد
اللّه الرازي، وهوذة بن خليفة، والهيثم بن جميل، ومحمد بن موسى بن أعين الجزري،
وإسحاق بن إبراهيم بن العلاء، وإسماعيل بن عبيد بن أبي كريمة الحراني، وحجاج بن
أبي منيع، ومحمد بن عبد الله الأنصاري الرصافي، وخالد بن علي الحمصي، وسعيد
ابن سليمان الواسطي، وعاصم بن علي بن عاصم، وأبي مسهر، وأبي المغيرة،
والأصمعي، وعمرو بن أبي سلمة التنيسي، وأبي نعيم، وأبي عاصم والفريابي، وأبي
سلمة التبوذكي، ويحيى بن يعلى المحاربي، وآدم بن أبي إياس، وحجاج بن المنهال،
وسعيد بن أبي مريم، وأبي صالح المصري، ومحمد بن عبد العزيز الرملي، وخلق.
ورَوَى عنه النسائي، والبخاري في غير ((الجامع))، والذهلي، وهو أكبر منه، وأحمد
ابن سلمة، وابن أبي عاصم، وعلي بن الحسين بن الجنيد، والهيثم بن خلف، وابن أبي
الدنيا، وابن ناجية، ومحمد بن المنذر الهروي، وأبو عوانة الإسفرائيني، ويحيى بن
صاعد، وأبو بكر بن أبي داود، والقاسم بن أخي أبي زرعة، وأبو محمد بن أبي حاتم،
ومحمد بن إسحاق السراج، وأبو القاسم الحامض، وعبد الرحمن بن يوسف بن
خراش، وأبو عمرو، أحمد بن إبراهيم بن حكيم، والحسين بن إسماعيل المحاملي،
ومحمد بن مخلد الدوري، وآخرون.
قال النسائي: ثقة، صاحب حديث. وقال ابن أبي حاتم: سمعت منه، وهو صدوق
ثقة، وجدت أبا زرعة، قد كتب عنه، وكان أبو زرعة يبجله، ويكرمه. وقال عبد
المؤمن بن أحمد بن حوثرة: كان أبو زرعة لا يقوم لأحد، ولا يجلس أحدا في مكانه،
إلا ابن وارة، وقال فضلك الرازي: أحفظ من رأيت ثلاثة: أبو مسعود، وابن وارة،
وأبو زرعة. وقال الطحاوي: ثلاثة من علماء الزمان بالحديث، اتفقوا بالري، لم يكن

٧٥
١٦- (الْخِضَابُ بالْحِناءِ، والختم) - حديث رقم ٥٠٧٩
في الأرض في وقتهم مثلهم: أبو زرعة، وأبو حاتم، وابن وارة. وقال ابن عقدة، عن
ابن خراش: كان محمد بن مسلم، من أهل هذا الشأن، المتقنين الأمناء، قال: وكنت
عند محمد بن مسلم ليلة، فذكر أبا إسحاق السبيعي، فذكر شيوخه، فذكر في طَلَقٍ
واحد سبعين ومائتي رجل، ثم قال: كان غاية، كان شيئا عجيبا. وذكره ابن حبان في
((الثقات))، وقال: كان صاحب حديث، يحفظ على صَلَفٍ(١) فيه. وقال الخطيب: كان
متقنا، عالما، حافظا فهما. وقال الطبراني: ثنا زكريا بن يحيى الساجي، قال: جاء ابن
وارة إلى أبي كريب، وكان في ابن وارة بَأَءُ(٢)، فقال لأبي كريب: ألم يبلغك خبري؟،
ألم يأتك نبائي؟ أنا ذو الرحلتين، أنا محمد بن مسلم بن وارة، فقال له أبو كريب:
وارة، وما وارة؟ وما أدراك ما وارة؟ قم فوالله لا حدثتك. وقال عثمان بن خُرَّزاد:
سمعت سليمان الشاذكوني يقول: جاءني ابن وارة، فقعد يَتَقَغَّرُ(٣) في كلامه، فقلت:
من رَوَى: ((إن من الشعر حكمةً، وإن من البيان لسحرا»؟ قال: فقال: حدثني بعض
أصحابنا، فقلت: من هم؟ قال: أبو نعيم، وقبيصة، قلت: هات يا غلام الدِّرَّة،
فضربته، وقلت ما آمن، إذا خرجت من عندي، أن تقول: حدثنا بعض علمائنا. وقال
مسلمة بن قاسم: كان ثقة، من الحفاظ، ومن أئمة المسلمين، صاحب سنة. وقال
الحاكم: كان أحد أئمة الحديث، ويُروَى أنه طرق باب رجل من المحدثين، فقال:
من؟ قال: ابن وارة، أبو الحديث وأمه. قال ابن المنادي: مات سنة خمس وستين.
وقال ابن مخلد، وابن قانع: مات سنة سبعين ومائتين. تفرّد به النسائيّ بهذا الحديث
فقط .
٢- (يحيى بن يعلى) بن الحارث بن حرب بن جرير بن عبد الحارث المحاربيّ، أبو
زكريّا الكوفيّ، ثقة، من صغار [٩].
رَوى عن أبيه، وزائدة بن قُدامة. وعنه البخاريّ، وروى الباقون سوى الترمذيّ له
بواسطة أبي كريب، ومحمد بن أبي بكر بن أبي شيبة، وعثمان بن أبي شيبة، ومحمد بن
عبد الله بن نُمير، ومحمد يحيى بن كثير الْحَرّانيّ، ومحمد بن مسلم بن وَارَة، وإبراهيم
ابن يعقوب الْجُوزجانيّ، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وأحمد بن
إبراهيم الدَّوْرقيّ، وعبّاس الدُّوريّ، وعبّاس الترفقيّ، ويعقوب بن سفيان، وإسماعيل
سمويه، ومحمد بن الحسين ابن أبي الْحُنين، وأحمد بن مُلاعب، وجعفر بن محمد بن
(١) الصلف بفتحتين: التمدّح بما ليس فيه. اهـ ((قاموس)).
(٢) أي تكبّر، يقال: بأى في نفسه: رفعها، وفخر بها. اهـ ((قاموس)).
(٣) أي يتشدّق، ويتكلّم بأقصى فمه. اهـ ((قاموس)).

٧٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
شاكر الصائغ، وآخرون. قال أبو حاتم: ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). قال ابن
سعد، ومطيّن: مات سنة (٢١٦). روى له الجماعة، سوى الترمذيّ، وله عند
المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٣- (أبوه) يعلى بن الحارث بن حرب المحاربيّ الكوفيّ، ثقة [٨] ١٤/ ١٣٩١.
روى له الجماعة، سوى الترمذيّ، وله عند المصنّف هذا الحديث، وآخر في ((كتاب
الصلاة)) ١٣٩١/١٤ حديث سلمة بن الأكوع: ((كنا نصلي مع رسول وَّل الجمعة، ثم
نرجع، وليس للحيطان فيء، يُستَظَلُّ به)).
٤- (غيلان) بن جامع بن أشعث المحاربيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، قاضيها، ثقة
[٦].
رَوَى عن أبي وائل، شقيق بن سلمة، وأبي إسحاق السبيعي، وإسماعيل بن أبي
خالد، وعلقمة بن مرثد، وإياس بن سلمة بن الأكوع، وليث بن أبي سليم، وقتادة،
وسماك بن حرب، وسليمان بن بريدة، وأبي الزبير المكي، وقيس بن وهب، وطائفة.
وعنه يعلى بن الحارث المحاربي، وعمرو بن أبي قيس، وشعبة، والثوري،
وشريك، وعلي بن عاصم الواسطي، وآخرون.
قال ابن معين، وابن المديني، ويعقوب بن شيبة، وأبو داود: ثقة. وقال أبو حاتم:
شيخ. وقال محمد بن حُمَيد الرازي، عن جرير: رأيت غيلان بن جامع، على قضاء
الكوفة، وكان أخذ من محمد بن أبي ليلى. وقال الآجري، عن أبي داود: جاء غيلان
ابن حصين، فسأل رجل أبا حصين، عن مسألة؟ فقال: اسكت، أما ترى القاضي،
فقال: إنه أمرني، وجعل أبو داود يثني عليه. وقال أبو حاتم: أرسل عن النبي وَّ. قال
الحافظ: وفرق بعض الناس بينهما، وهما واحد عندي. وذكره ابن حبان في ((الثقات))،
وقال: مات في ولاية يزيد بن هبيرة على العراق. وقال ابن سعد: قتلته المسوّدة أولَ ما
جاءوا، بين واسط والكوفة، وكان ثقة إن شاء الله تعالى- قال الحافظ: كان ذلك سنة
اثنتين وثلاثين ومائة. روى له مسلم، وأبو داود، والمصنّف، وابن ماجه، وله عند
المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٥- (أبو إسحاق) عمرو بن عبد اللَّه السبيعيّ الهمدانيّ الكوفيّ، ثقة عابدٌ، مدلّسٌ،
واختلط بآخره [٣] ٤٢/٣٨.
٦ - (ابن أبي ليلى) عبد الرحمن الأنصاريّ المدنيّ، ثم الكوفيّ، ثقة [٢] ١٠٤/٨٦.
[تنبيه]: اختلف في اسم أبي ليلى، قيل: بلال، وقيل بُليل- بالتصغير - وقيل:
داود، وقيل: يسار، وقيل: أوس، صحابيّ، شهد أحدًا، وما بعدها، وعاش إلى

=
٧٧
١٦- (الخِضَابُ بالحِنَاءِ، والختم) - حديث رقم ٥٠٧٩
خلافة عليّ رَلَيْهِ .
٧- (أبو ذرّ) الغفاريّ الصحابيّ المشهور، اختلف في اسمه، والأصحّ أنه جندب بن
جُنادة، وقيل: برير - مصغّرًا، ومكبّرًا- واختلف في اسم أبيه، فقيل: جندب، وقيل:
عشرقة، وقيل: عبد الله، وقيل: السكن، تقدّم إسلامه، وتأخرت هجرته، فلم يشهد
بدرًا، ومناقبه كثيرة جدًا، مات تَظثم سنة (٣٢) في خلافة عثمان رَمّه، تقدّمت ترجمته
مستوفاةً في ٣٢٢/٢٠٣ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح، سوى شيخه، وشيخ شيخه، فمن أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين،
غير شيخه، فرازيّ، والصحابيّ رَّهِ فمدنيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ.
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي ذَرِّ) الغفاريّ رضي اللَّه تعالى عنه (عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ) أنه (قَالَ: ((أَفْضَلُ مَا
غَيَّرْتُمْ بِهِ) ((أفضل)): مبتدأ، خبره ((الحناء، والكتم)) (الشَّمَطَ) قال المجد في
(القاموس)): الشَّمَطُ- محرّكةً -: بياض الرأس، يُخالط سواده، شَمِطَ، كفرح،
وأشمط، واشمطٌ، واشماطً، واشماطً، كاطمأنّ، فهو أشمط. انتهى. (الْحِنَّاءُ) بكسر
الحاء المهملة، وتشديد النون، والمدّ -: معروفٌ، والحنّاءة أخصّ منه، والجمع
حِنّانٌ، قال الشاعر [من الكامل]:
وَلَقَدْ أَرُوحُ بِلِمَّةٍ فَيْنَائَةٍ سَوْدَاءُ لَمْ تُضَبْ مِنَ الْحِنَّانِ
قاله في ((اللسان)) (وَالْكَتَمُ) بفتحتين: نبتٌ فيه حمرة، يُخلَطُ بالْوَسْمَة، ويُخْتِضَبُ به
للسواد، وفي كتب الطبّ: الكتم من نبات الجبال، ورقه كورق الآس، يُخضب به
مدقوقًا، وله ثمرٌ كقدر الْفُلفُل، ويسوَدُّ إذا نضج، وقد يُعتصر منه دهنٌ، يُستصبح به في
البوادي. قاله الفيوميّ.
وقال السنديّ رحمه اللّه تعالى: ((الكتم)) بكاف، وتاء مثناة من فوقُ، مفتوحتين،
والمشهور تخفيف التاء، وبعضهم يُشدّدها: نبت يُخلط بالحنّاء، ويُخضَبُ به الشعر، ثم
قيل: المراد ههنا استعمال كلّ منهما بالانفراد؛ لأن اجتماعهما يحصل به السواد، وهو
منهيّ عنه، ويحتمل أن المراد المجموع، والنهي عن السواد الخالص. والله تعالى
أعلم. انتهى.

٧٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
وقال في ((عون المعبود)»- ١٧٣/١١: الكتم -بفتحتين -: نبات باليمين، يخرج
الصبغ أسود يميل إلى الحمرة، وصبغ الحناء أحمر، والصبغ بهما معا يخرج بين السواد
والحمرة.
وقد أخرج مسلم من حديث أنس رَّه: قال: ((واختضب أبو بكر بالحناء والكتم،
واختضب عمر بالحناء بحتا))، أي منفردا، وهذا يشعر بأن أبا بكر كان يجمع بينهما
دائما. قال الإمام ابن الأثير: الكتم هو نبت يُخلط مع الوَسِمَة، ويُصبغ به الشعر أسود،
وقيل: هو الوسمة، ومنه الحديث: ((إن أبا بكر كان يصبغ بالحناء والكتم))، ويُشبه أن
يراد به استعمال الكتم مفردا عن الحناء، فإن الحناء إذا خُضب به مع الكتم جاء أسود،
وقد صح النهي عن السواد، ولعل الحديث بالحناء، أو الكتم، على التخيير، ولكن
الروايات على اختلافها بالحناء والكتم. وقال أبو عبيد: ((الكتم)): مشددة التاء،
والمشهور التخفيف، و((الوسمة))- بكسر السين: نبت، وقيل: شجر باليمن يُخضب
بورقه الشعر أسود. انتھی.
وقال الأردبيلي في ((الأزهار)): ويشبه أن يكون المراد استعمال الكتم مفردا عن
الحناء، وبه قطع الخطابي؛ لأنهما إذا خُلطا، أو خضب بالحناء، ثم بالكتم جاء أسود،
وقد نُهي عن الأسود. وقال بعض العلماء: المراد بالحديث تفضيل الحناء والكتم، على
غيرهما في تغيير الشيب، لا بيان كيفية التغيير، فلا بأس بالواو، ويكون معنى الحديث:
الحناء والكتم من أفضل ما غير به الشيب، لا بيان كيفية التغيير. انتهى كلام الأردبيلي.
وقال العلامة المناوي في ((شرح الجامع الصغير)): الكتم - بالتحريك -: نبت يخلط
بالوسمة، ويخضب به، ذكره في ((الصحاح))، وورقه كورق الزيتون، وثمره قدر
الفلفل، وليس هو ورق النيل، كما تُوُهّم، ولا يشكل بالنهي عن الخضاب بالسواد؛
لأن الكتم إنما يسود منفردا، فإذا ضم للحناء صير الشعر بين أحمر وأسود، والمنهي عنه
الأسود البحت.
وقال المناوي في ((شرح الشمائل)): الكتم -بفتحتين، ومثناة فوقية، وأبو عبيد
شدّدها: نبت فيه حمرة، يُخلط بالوسمة، ويخضب به.
وفي كتب الطب: الكتم من نبات الجبال، ورقه كورق الآس يُخضب به مدقوقا، وله
ثمر کقدر الفلفل، ويَسْودُ إِذا نَضِجَ، ويعتصر منه دهن یستصبح به في البوادي، ثم قال:
ففيه إشعار بأن أبا بكر كان يجمع بينهما، لا بالكتم الصرف الموجب للسواد الصرف؛
لأنه مذموم. انتهى. وفي ((القاموس)): نبت يخلط بالحناء، ويخضب به الشعر، فيبقى
لونه، وأصله إذا طُبخ بالماء كان منه مداد للكتابة. انتهى.

٧٩ ==
١٦- (الْخِضَابُ بِالْحِنَاءِ، وَالْكَتَم) - حديث رقم ٥٠٧٩
وقال الحافظ: الكتم الصرف يوجب سوادا مائلا إلى الحمرة، والحناء يوجب
الحمرة، فاستعمالهما يوجب ما بين السواد والحمرة. انتهى. )) عون المعبود)) ١١/
١٧٣-١٧٤ .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: إن الخضب بالحناء، والكتم جائزٌ، مطلقًا، سواء
كانا مخلوطين، أو استُعمل كلّ منهما منفردًا؛ لإطلاق النصّ، ولا يقال: يشمله النهي
عن الخضاب بالسواد؛ لأن المراد به السواد البحت، فتأمّل. والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: وأما الصباغ بالحنّاء، والكتم، فلا ينبغي أن
يُختلف فيه؛ لصحّة الأحاديث بذلك، غير أنه قد قال بعض العلماء: إن الأمر في ذلك
محمولٌ على حالين: [أحدهما]: عادة البلد، فمن كانت عادة موضعه ترك الصبغ،
فخروجه عن المعتاد شُهرة، تَقْبُحُ، وتُكره.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: كلام هذا البعض باطلٌ، فهل إذا ترك أهل بلدة، أو
بعض الناس سنّة النبيّ وَّه الصحيحة، يسع أحدًا أن يحتجّ بذلك، ويتركها؟، إن هذا
لشيء عجاب، وأعجب منه سكوت القرطبيّ عليه مع جلالته، فإنا لله، وإنا إليه
راجعون.
قال: [وثانيهما]: اختلاف حال الناس في شيبهم، فربّ شيبة نقيّة، هي أجمل بيضاء
منها مصبوغة، وبالعكس، فمن قبّحه الخضاب اجتنبه، ومن حسّنه استعمله. انتهى
((المفهم)) ٤٢٠/٥ .
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا التفصيل أيضًا فيه نظرٌ لا يخفى؛ لأن النصّ لم
يفصّل هذا التفصيل، ويردّه أيضًا تعليل الشارع الأمر بمخالفة اليهود، والنصارى، فقال
وَالله: ((إن اليهود، والنصارى، لا يصبغون، فخالفوهم))، فمخالفتهم تنافي التفصيل
المذكور، فتبصّر بالإنصاف، ولا تتحيّر بالاعتساف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي ذرّ رضي اللّه تعالى عنه هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥٠٧٩/١٦ و٥٠٨٠ و٥٠٨١ و٥٠٨٢ - وفي ((الكبرى)) ٩٣٤٩/٢١
و٩٣٥٠ و٩٣٥١ و٩٣٥٢. وأخرجه (د) في ((الترجّل)) ٤٢٠٥ (ت) في ((اللباس))
١٧٥٣ (ق) في ((اللباس)) ٣٦٣٢ (أحمد) في ((مسند الأنصار)) ٢٠٨٠٠ و٢٠٨٣٠

٨٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ
و ٢٠٨٥٥ و٢٠٨٧٨ و٢٠٩٧٨ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان جواز الخضاب بالحنّاء،
والكتم. (ومنها): أنه يدل على أن الحناء والكتم من أفضل الصباغات التي يُغَيَّر بها
الشيب. (ومنها): أنه يدلّ على أن الخضاب غير مقصور عليهما؛ لدلالة أفعل التفضيل
على مشاركة غيرهما من الصباغات لهما في أصل الحسن، إلا السواد البحت، كما مرّ
التنبيه عليه. (ومنها): أن الحديث يحتمل أن يكون الخضاب على التعاقب، بأن
يخضب بأحدهما تارة، وبالآخر تارة، ويحتمل الجمع بينهما، بأن يستعملهما
مخلوطين، وقد تقدّم أنه لا يشمله النهي عن الخضب بالسواد؛ لأن هذا ليس سوادًا
بحثًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٠٨٠- (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ الْأَجْلَحِ، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ الدِّيِيّ، عَنْ أَبِي ذَرْ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إِنَّ
أَحْسَنَ مَا غَيَّرْتُمْ بِهِ الشَّيْبَ، الْحِنَّاءُ وَالْكَتَمُ))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((يعقوب بن إبراهيم)): هو الدَّورقيّ. و((يحيى بن
سعيد)): هو القطّان. و((الأجلح)): هو ابن عبد الله بن حُجَيّة- بالمهملة، والجيم،
مصغّرًا- أبو حُجيّة الكنديّ، ويقال: اسمه يحيى، صدوقٌ شيعيّ [٧] ٣٥١٦/٥٠.
و((عبد الله بن بريدة)): هو ابن الحصيب الأسلميّ المروزيّ الثقة [٣]. و((أبو الأسود
الديليّ))- بكسر الدال المهملة، ويقال: الدُّؤليّ بالضمّ، بعدها همزة مفتوحة، البصريّ،
اسمه ظالم بن عمرو بن سفيان، ويقال: عمرو بن ظالم، ويقال: بالتصغير فيهما،
ويقال: عمرو بن عثمان، أو عثمان بن عمرو، ثقة، فاضلٌ، مخضرمٌ [٢] ١٩٣٤/٥.
والحديث صحيح، كما سبق الكلام عليه في الذي قبله. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٠٨١- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَشْعَثَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى،
قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي لَيْلَى، عَنِ الْأَجْلَحِ، فَلَقِيتُ الْأَجْلَحَ، فَحَدَّثَنِي
عَنِ اِبْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ الدِّيْلِيّ، عَنْ أَبِي ذَرْ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَّهِ، يَقُولُ)) إِنَّ
مِنْ أَحْسَنِ مَا غَيَّرْتُمْ بِهِ الشَّيْبَ، الْحِنَّاءَ وَالْكَتَمَ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((محمد بن عبد الرحمن بن أشعث)): هو العجليّ،
أبو بكر الدمشقيّ، إمام الجامع، ثقة [١١]٢٩/ ٤٧٨٥ من أفراد المصنّف. و((محمد بن
عيسى)): هو ابن نَجيح، أبو جعفر ابن الطبّاع البغداديّ، نزيل أُذَنَّةً، ثقة فقيه، كان من