النص المفهرس
صفحات 381-400
٣٨١ ~ ٣٠- (الفِرَارُ بِالدِيْن مِنَ الفِتَن) - حديث رقم ٥٠٣٨ فيرتفع، ثم تجيء الجمعة، فلا يشهدها، وتجيء الجمعة، فلا يشهدها، وتجيء الجمعة، فلا يشهدها، حتى يُطبع على قلبه)) وفي سنده معديّ بن سليمان، وهو ضعيف. وأخرجه الخلال من حديث جابر وظفيه بمعناه أيضًا. وأخرج حُميد بن زنجويه من رواية ابن لَهيعة، ثنا عمر مولى غُفْرة، أنه سمع ثعلبة بن أبي مالك الأنصاريّ، يقول: قال حارثة ابن النعمان وَمّه: قال رسول اللّه بَله: ((يخرج الرجل في حاشية القرية، في غُنيمة يشهد الصلوات، ويؤوب إلى أهله، حتى إذا أكل ما حوله، وتعذّرت عليه الأرض، قال: لو ارتفعت إلى ردعة هي أعفى كلّاً من هذه، فيرتفع حتى لا يشهدُ من الصلوات إلا الجمعة، حتى إذا أكل ما حوله، وتعذّرت عليه الأرض، قال: لو ارتفعت إلى رَدعة هي أعفى كلاً من هذه، فيرتفع، حتى لا يشهدُ جمعةً، ولا يدري متى الجمعة، حتى يطبع الله على قلبه)). وأخرجه أحمد ٤٣٣/٥-٤٣٤- بمعناه(١). وفي ((سنن أبي داود))، وغيره عن أبي هريرة تَّه، عن النبيّ وَلّ قال: ((من سكن . ٠ البادية جفا))(٢) وقال ابن مسعود تَظّه في الذي يعود أعرابيّا بعد هجرته: إنه ملعون على لسان محمد ◌َّير. وفي ((الصحيحين)) أن سلمة بن الأكوع رَ في قال: أذن لي رسول اللَّه وَلِيل في البدو. وفي رواية للبخاريّ: أن سلمة رَّيْ لَمّا قُتل عثمان رَظُنّ خرج إلى الربذة، فلم يزل بها حتى قبل أن يموت بليال، نزل المدينة. وفي ((المسند)) أن سلمة رَطوي قدم المدينة، فقيل له: ارتددت عن هجرتك يا سلمة؟ فقال: معاذ اللَّه، إني في إذن من رسول اللَّه وَله إني سمعت رسول اللّه وَ له يقول: ((ابدوا يا أسلم، فتنسّموا الرياح، واسكنوا الشعاب))، فقالوا: يا رسول الله، إنا نخاف أن يضرّنا ذلك في هجرتنا، قال: ((أنتم مهاجرون حيثما كنتم)). وفي الطبرانيّ عن ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما أنه قيل (١) أخرجه أحمد بإسناد حسن، ليس فيه ابن لهيعة، ونصّه: ٢٣١٦٦ - حدثنا أبو سعيد، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الرجال، قال: سمعت عمر مولى غفرة، يحدث عن ثعلبة بن أبي مالك، عن حارثة بن النعمان، قال: قال رسول اللَّه ◌َالى: ((يتخذ أحدكم السائمة، فيشهد الصلاة في جماعة، فتتعذر عليه سائمته، فيقول: لو طلبت لسائمتي مكانا، هو أكلا من هذا، فيتحول، ولا يشهد إلا الجمعة، فتتعذر عليه سائمته، فيقول: لو طلبت لسائمتي مكانا، هو أكلا من هذا، فيتحول فلا يشهد الجمعة، ولا الجماعة، فيطبع على قلبه)) . وأبو سعيد اسمه عبد الرحمن بن عبد الله بن عُبيد مولى بني هاشم وثقه أحمد، وغيره. (٢) حديث صحيح، أخرجه أحمد من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، ولفظه: ((من سكن البادية جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى السلطان افتَتَن)). انظر ((صحيح الجامع)) للشيخ الألباني رحمه الله تعالى ١٠٧٩/٢ رقم ٦٢٩٦ . ٣٨٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ له: يا أبا عبد الرحمن قد أعشبت القفار، فلو ابتعت أعنُزًا، فتنزّهت تصحّ، فقال: لم يؤذن لأحد منا في البداءة، غير أسلم)). وأسلم هي قبيلة سلمة بن الأكوع. وقد ترخّص كثير من الصحابة من المهاجرين، وغيرهم في سُكنى البادية، كسعد بن أبي وقّاص، وسعيد بن زيد، فإنهما لزما منزلهما بالعقيق، فلم يكونا يأتيان المدينة في جمعة، ولا في غيرها، حتى لحقا باللّه عز وجل. أخرجه ابن أبي الدنيا في ((كتاب العزلة)). وكان أبو هريرة ◌َظنيه ينزل بالشجرة، وهي ذو الحليفة. وفي ((صحيح البخاريّ)) عن عطاء، قال: ذهبت مع عُبيد بن عُمير إلى عائشة، وهي مجاورة بثَبِير، فقالت لنا: انقطعت الهجرة منذ فتح اللَّه على نبيّه وَلّ مكة. وفي رواية له: قال: فسألناها عن الهجرة، فقالت: لا هجرة اليوم، كان المؤمنون يفرّ أحدهم بدينه إلى الله، وإلى رسوله وَ﴿؛ مخافة أن يُفتن عليه، فأما اليوم، فقد أظهر اللَّه الإسلام، والمؤمن يعبد ربّه حيث شاء، ولكن جهاد ونيّة. وهذا يشعر بأنها إنما كانت تبدو؛ لاعتقادها انقطاع الهجرة بالفتح. وكان أنس بن مالك تني يسكن البصرة بالزاوية، خارج البصرة، وكان ربّما شهد الجمعة، وربّما لم يشهدها. وقد نصّ أحمد على كراهة المقام بقرية لا يُقام فيها الجمعة، وإن أُقيمت فيها الجماعة. وقد يُحمل ذلك على من كان بمصر جامع يُجمّع فيه، ثم تركه، وأقام بمكان، لا جمعة فيه. وفي كلامه إيماء إليه أيضًا. وقد يُحمل كلامه على كراهة التنزيه، دون التحريم. فأما المقام بقرية لا جمعة فيها، ولا جماعة، فمكروه. وقد قال أبو الدرداء لمعدان بن طلحة: أين تنزل؟ فقال: بقرية دون حمص، فقال له: إن رسول اللَّه وَ الله قال: ((ما من ثلاثة في قرية، ولا بدو، لا يؤذّن، ولا يقام فيهم الصلاة، إلا استحوذ عليهم الشيطان، فعليك بالجماعة، فإن الذئب يأكل القاصية)). أخرجه النسائيّ-٨٤٧-، وغيره. وأخرجه أحمده/ ١٩٦ و٤٤٦/٦ وأبو داود ٥٤٧ مختصرًا. وفي رواية لأحمد: ((فعليك بالمدائن ویحك یا معدان)». وفي (المسند)) أيضًا ٢٣٢/٥ - ٢٣٣ عن معاذ بن، عن النبيّ وَيُّه قال: ((إن الشيطان ذئب الإنسان، كذئب الغنم، يأخذ الشاة القاصية والناحية، فإياكم والشعاب، وعليكم بالجماعة، والعامة، والمساجد)). فنُهي عن سُكنى الشّعاب، وهي البوادي، وأمر بسكنى الأماكن التي فيها عامّة الناس، ومساجدهم، وجماعتهم. وقد رُوي عن قتادة أنه فسّر الشعاب في هذا الحديث بشعاب الأهواء المضّة المخالفة لطريق الهدي المستقيم. أخرجه أبو موسى المدينيّ ٣٨٣ ٣٠- (الفِرَارُ بِالدِيْن مِنَ الفِتَن) - حديث رقم ٥٠٣٨ عنه بإسناده. وفي هذا بعدٌ، وإنما فُسِر بهذا المعنى قول النبيّ وَلّى: ((من فارق الجماعة قَيدَ شبر، فقد خلع رِبقةَ الإسلام من عنقه)). رواه أبو داود٤٧٥٨. فإن الأوزاعيّ فسّره بالبدعة، يخرُج إليها الرجل من الجماعة. فأما الخروج إلى البادية أحيانًا للتنزّه، ونحوه في أوقات الربيع، وما أشبهه، فقد ورد فيه رُخصة، ففي ((سنن أبي داود) عن المقدام بن شُريح، عن أبيه، أنه سأل عائشة، هل كان النبيّ وَلّ يبدو؟ فقالت: نعم إلى هذه التلاع، ولقد بدا مرّة، فأتي بناقة مُجرّسة، فقال: ((اركبيها يا عائشة، وارفُقي، فإن الرفق ما كان في شيء إلا زانه، ولا نُزع منه إلا شانه)). وأخرج مسلم آخر الحديث، دون أوله . وورد النهي عنه، ففي (المسند)) عن عقبة بن عامر تَّه، عن النبيّ وَّ، قال: ((هلاك أمتي في اللبن))، قيل: يا رسول الله ما اللبن؟ قال: ((تُحبّون اللبن، وتَدَعون الجماعات، والْجُمَع، وتَبْدُون)). وفي إسناده ابن لَهيعة. وإن صحّ، فيُحمل على إطالة المقام بالبادية مدّة أيام كثرة اللبن كلّها، وهي مدّة طويلة، يدَعُون فيها الجُمَع، والجماعات. وعن أبي عبد اللَّه الْجَدَليّ، قال: فضل أهل الأمصار على أهل القرى، كفضل الرجال على النساء، وفضل أهل القرى على أهل الْكُفُور (١)، كفضل الأحياء على الأموات، وسُكّان الكُفُور كسُكَان القبور، وإن اللبن، والْعُشب ليأكلان إيمان العبد كما تأكل النار الحطب. أخرجه حُميد بن زنجويه، وروى بإسناده عن مكحول معنى أوله. ونصّ أحمد في رواية مهنّا على كراهة الخروج إلى البادية لشرب اللبن، ونحوه، تنزّهًا لما به من ترك الجماعة، إلا أن يخرج لعلة، يعني أنه إذا خرج تداويًا لعلة به جاز، كما أذن النبيّ وَله للعرنيين لَمّا اجتووا المدينة أن يخرجوا إلى البادية؛ ليشربوا من ألبان الإبل، وأبوالها . قال أبو بكر الأثرم: النهي عن التبذي محمول على سكنى البادية، والإقامة بها، فأما التبدّي ساعة، أو يومًا، ونحوه فجائز. انتهى. وقد كان السلف كثيرٌ منهم يخرج إلى البادية أيام الثمار، واللبن. قال الْجُريريّ: كان الناس يبدون ههنا في الثمار، ثمار البصرة، وذكر منهم عبد الله بن شَقيق، وغيره. وكان علقمة يتبدّى إلى ظهر النجف. وقال النخعيّ: كانت البداوة إلى أرض السواد أحبّ إليهم من البداوة إلى أرض (١) جمع كفر، كفلس وقُلُوس، هو ما بعد من الأرض عن الناس، ولا يمرّ به أحد. ٣٨٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ البادية. يعني أن الخروج إلى القرى أهون من الخروج إلى البوادي. وكان بعضهم يمتنع من ذلك لشهود الجماعة. فروى أبو نُعيم بإسناده، عن أبي حرملة، قال: اشتكى سعيد ابن المسيّب عينه، فقيل له: يا أبا محمد لو خرجت إلى العقيق، فنظرت إلى الخضرة، ووجدت ريح البرّيّة، لنفع ذلك بصرك، فقال سعيد: وكيف أصنع بشهود العشاء والعتمة؟. وما ذكره الأثرم من التفريق بين قصر المدّة وطولها حسنٌ، لكنه حدّ القليل باليوم، ونحوه، وفيه نظر. وفي ((مراسيل أبي داود)) من رواية معمر، عن موسى بن شيبة، قال: قال رسول الله وَالثير: ((من بدا أكثر من شهرين، فهي أعرابيّة)). وروى حُميد بن زنجويه بإسناده، عن خلف بن خليفة، عن أبي هاشم، قال: بلغني أن من نزل السواد أربعين ليلةٌ كُتب عليه الجفا. وعن معاوية بن قُرّة، قال: البداوة شهران، فما زاد فهو تعرُّب. انتهى ما كتبه الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في ((شرح البخاريّ) ١٠٩/١-١١٩. وهو بحث نفيسٌ جدًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في الاجتماع والعزلة، أيهما أفضل؟: قد تقدّم البحث مستوفّى فيما كتبه ابن رجب رحمه الله تعالى، ولكن رأيت تلخيصه في مسألة مستقلّة حتى تكون فوائد المسألة سهلة الْمَنّال: قال في ((الفتح)): ما حاصله: اختلف السلف في ذلك، فقال الجمهور: الاختلاط أولى؛ لما فيه من اكتساب الفوائد الدينية، للقيام بشعائر الإسلام، وتكثير سواد المسلمين، وإيصال أنواع الخير إليهم، من إعانة، وإغاثة، وعيادة، وغير ذلك. وقال قوم: العزلة أولى؛ لتحقق السلامة، بشرط معرفة ما يتعين. قال النووي: المختار تفضيل المخالطة، لمن لا يغلب على ظنه، أنه يقع في معصية، فإن أشكل الأمر، فالعزلة أولى. وقال غيره: يختلف باختلاف الأشخاص، فمنهم: من يتحتم عليه أحد الأمرين، ومنهم من يترجح، وليس الكلام فيه، بل إذا تساويا، فيختلف باختلاف الأحوال، فان تعارضا اختلف باختلاف الأوقات، فمن يتحتم عليه المخالطة، وهو من كانت له قدرة على إزالة المنكر، فيجب عليه، إما عينا، وإما كفاية، بحسب الحال والإمكان، وممن يترجح من يغلب على ظنه، أنه يَسلّم في نفسه، إذا قام في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. وممن يستوي من يأمن على نفسه، ولكنه يتحقق أنه لا يطاع، وهذا حيث لا يكون هناك فتنة عامة، فإن وقعت الفتنة، ترجحت العزلة؛ لما ينشأ فيها غالبا من الوقوع في المحذور، وقد تقع العقوبة بأصحاب الفتنة، فتعم من ليس ٣٨٥ = ٣٠- (الفِرَارُ بالدين مِنَ الفِتَن) - حديث رقم ٥٠٣٨ من أهلها، كما قال تعالى: ﴿وَثَّقُواْ فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْكُمْ خَضَةٌ﴾ [الأنفال: ٢٥] . ويؤيد التفصيل المذكور، حديث أبي سعيد رَظمثله أيضا: ((خير الناس رجل جاهد بنفسه وماله، ورجل في شغبٍ من الشعاب، يعبد ربه، ويدع الناس من شره)). وحديث أبي هريرة رَّ، فإن أوله عند مسلم: ((إن من خير معاش الناس لهم، رجل ممسك بعِنان فرسه في سبيل الله ... )) الحديث، وفيه: ((ورجل في غنيمة ... )) الحديث، وكأنه ورد في أيُّ الكسب أطيب؟ فإن أُخذ على عمومه، دَلَّ على فضيلة العزلة، لمن لا يتأتي له الجهاد في سبيل اللّه، إلا أن يكون قُيِّد بزمان وقوع الفتن. قاله في ((الفتح)) ٥٤١/١٤-٥٤٢ . قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: عندي الأرجح في المسألة هو التفصيل المذكور، وقدذكر الخطابيّ رحمه اللّه تعالى في ((كتاب العزلة))- كما نقله في ((الفتح)) - أن العزلة، والاختلاط يختلف باختلاف متعلّقاتهما، فتُحمل الأدلّة الواردة في الحضّ على الاجتماع على ما يتعلّق بطاعة الأئمة، وأمور الدين، وعكسها في عكسه، وأما الاجتماع، والافتراق بالأبدان، فمن عرف الاكتفاء بنفسه في حقّ معاشه، ومحافظة دينه، فالأولى له الانكفاف عن مُخالطة الناس بشرط أن يحافظ على الجماعة، والسلام، والرّدّ، وحقوق المسلمين من العيادة، وشهود الجنازة، ونحو ذلك، والمطلوب إنما هو ترك فضول الصحبة؛ لما في ذلك من شُغل البال، وتضييع الوقت عن المهمّات، ويجعل بمنزلة الاحتياج إلى الغداء والعشاء، فيقتصر منه على ما لا بدّ منه، فهو أروح للبدن والقلب. والله تعالى أعلم. قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا التفصيل حسنٌ جدّا، لكن لا بدّ في حالة العزلة من ملاحظة ما ذكره القشيريّ رحمه الله تعالى في ((الرسالة)) حيث قال: طريق من آثر العزلة أن يعتقد سلامة الناس من شرّه، لا العكس، فإن الأول يُنتجه استصغار نفسه، وهي صفة المتواضع، والثاني شهودة مزيّةً له على غيره، وهذه صفة المتكبّر. انتهى. ذكره في ((الفتح)) ١٣٢/١٣ . ودليل ما قاله القشيريّ رحمه الله تعالى حديث أبي سعيد الخدريّ تَّه المتقدّم، وفيه: ((ورجل في شعب من الشعاب، يعبد ربّه، ويدع الناس من شرّه)) رواه البخاريّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). : ٣٨٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ ٣١- (مَثَلُ الْمُنَافِقِ) ٥٠٣٩- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ((مَثَلُ الْمُنَافِقِ كَمَثَلِ الشَّاةِ الْعَائِرَةِ، بَيْنَ الْغَثَمَيْنَ، تَعِيرُ فِي هَذِهِ مَرَّةٌ، وَفِي هَذِهِ مَرَّةٌ، لَا تَذْرِي أَيََّا تَتْبَعُ))). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/١ . ٢- (يعقوب) بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبد القاريّ المدنيّ، نزيل الإسكندريّة، حليف بني زُهرة، ثقة [٨] ٧٣٩/٤٥. ٣- (موسى بن عُقبة) بن أبي عياش الأسديّ مولاهم المدنيّ، ثقة فقيه إمام في المغازي [٥] ٩٦ /١٢٢. ٤- (نافع) مولى ابن عمر المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ١٢/١٢. ٥- (ابن عمر) عبد اللَّه رضي اللَّه تعالى عنهما١٢/١٢ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبغلانيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. وفيه ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما من المكثرين السبعة، والعبادلة الأربعة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي اللَّه تعالى عنهما (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِهِ، قَالَ: ((مَثَلُ الْمُنَافِقِ) أي وصفه الذي يتميّز به من المؤمن (كَمَثَلِ الشَّاةِ الْعَائِرَةِ بَيْنَ الْغَثَمَيْنِ) أي المتردّدة، والمتحيّرة بين قَطِيعين من الغنم، لا تدريّ لأيّهما تتبع. وقال في ((اللسان)»: العائرة: التي تخرج من الإبل إلى أخرى ليربها الفحل. انتهى. وقال السنديّ: وهي التي تطلب الفحل، فتردد بين قطيعين، ولا تستقرّ مع إحداهما، والمنافق مع المؤمنين بظاهره، ومع المشركين بباطنه؛ تبعًا لهواه وغرضه الفاسد، فصار بمنزلة تلك الشاة. وفيه سلب الرجوليّة عن المنافقين. والغنمة واحدة، والغنم جمع، ففي هذا الحديث تثنية للجمع بتأوله بالجماعة. انتهى. ٣١- (مَثَلُ الْمُنافِقٍ) - حديث رقم ٥٠٣٩ ٣٨٧ = قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: ((والغنمة واحدة الخ)) هذا غلط، فقد صرّح في ((القاموس))، و((اللسان))، و((المصباح))، وغيرها من كتب اللغة أن الغنم لا واحد لها من لفظها، وإنما واحدها الشاة من غير لفظها، فتبصّر. والله تعالى أعلم. وقال السيوطيّ رحمه الله تعالى في ((شرحه)): قال الزمخشريّ في ((المفصّل)): قد يُثنّى الجمع على تأويل الجماعتين، والفرقتين، ومنه هذا الحديث. انتهى. (تَعِيرُ) بفتح أوله، من باب ضرب يضرب: أي تتردّد، وتذهب (فِي هَذِهِ مَرَّةً) إشارة إلى إحدى الغنمين، وأنث الضمير لأن الغنم اسم جنس مؤنّث، قال الفيّوميّ: الغنم اسم جنس يُطلق على الضأن، والمعز، وقد تُجمع على أغنام، على معنى قُطَعَاناتٍ من الغنم، ولا واحد للغنم من لفظها، قاله ابن الأنباريّ. وقال الأزهريّ أيضًا: الغنم الشاء، الواحدة شاة، وتقول العرب: راح على فلان غنمان: أي قَطِعان من الغنم، كلُّ قطيع منفردٌ بمَرْعَى وراعٍ. وقال الجوهريّ: الغنم اسم مؤنثٌ، موضوع لجنس الشاء، يقع على الذكور والإناثَ، وعليهما، ويُصغّر، فتدخل الهاء، ويقال: غُنيمة؛ لأن أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها، إذا كانت لغير الآدميين، وصُغْرت، فالتأنيث لازم لها. انتهى. (وَفِي هَذِهِ مَرَّةً) يعني أنها تارة تذهب إلى هذه الغنم، وأخرى إلى هذه الغنم (لَا تَذْرِي أَّا تَنْبَعُ) بفتح أوله، وسکون ثانیه، مضارع تبع، وزان تعب، ويحتمل أن يكون بتشديد الثانية، مضارع اتّبعت من باب الافتعال. وفي رواية أخرى لمسلم: ((تكِرّ في هذه مرّةً، وفي هذه مرّة))، وهو بكسر الكاف: أي تعطِف على هذه مرّة، وعلى هذه مرّة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٥٠٣٩/٣١- وأخرجه (م) في ((صفات المنافقين)) ٢٧٨٤ (أحمد) في ((مسند المكثرين)) ٤٨٥٧ و٥٠٥٩ (الدارمي) في ((المقدّمة)) ٣٢٠. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)». ٣٨٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ ٣٢- (مَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مِنْ مُؤْمِنٍ، وَمُنَافِقٍ) ٥٠٤٠- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَنِعِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، أَنَّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ: (مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، مَثَلُ الْأُتْرُجَّةِ، طَعْمُهَاَ طَيِّبٌ، وَرِيحُهَا طَيِّبٌ، وَمَثَلُ الْمُؤْمِنٍ الَّذِي لَّا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، كَمَثَلِ الثَّمْرَةِ، طَعْمُهَا طَيِّبٌ، وَلَا رِيحَ لَّهَا، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأَ الْقُرْآنَ، كَمَثَلِ الرَّيْحَانَةِ، رِيحُهَا طَيِّبٌ، وَطَعْمُهَا مُرِّ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، كَمَثَلِ الْحَنْظَلَّةِ، طَعْمُهَا مُرِّ، وَلَا رِبِحَ لَهَا))). رجال هذا الإسناد: ستة : ١- ٠ عمرو بن عليّ) الفلاس البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٤/٤. ٢- (يزيد بن زُريع) أبو معاوية البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٥/٥ . ٣- (سعيد) بن أبي عروبة مهران البصريّ، ثقة ثبت، يدلْس، واختلط [٦] ٣٨/٣٤ ٤ - (قتادة) بن دِعامة السدوسيّ البصريّ، ثقة ثبت يدلّس [٤] ٣٤/٣٠. ٥- (أنس بن مالك) رضي اللَّه تعالى عنهما٦/٦ . ٦ - (أبو موسى الأشعريّ) عبد الله بن قيس بن سُليم بن حضّار الصحابيّ المشهور رضي اللَّه تعالى عنه، أمّره عمر، ثم عثمان، ومات سنة (٥٠) وقيل: بعدها٣/٣. والله أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين. (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ عن صحابيّ، وفيه أن شيخه أحد مشايخ الأئمة الستة، بلا واسطة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ) الصحابيّ، خادم رسول اللّه بِّه رَُّ (أَنَّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ) عبد الله بن قيس الصحابيّ المشهور رَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلّهِ: ((مَثَلُ الْمُؤْمِنَ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، مَثَلُ الْأَتْرُجَّةِ) - بضم الهمزة والراء، بينهما مثناة ساكنة، وآخره ٣٨٩ ٣٢- (مثلُ الذِّي يقْرَأُ القُرْآنَ مِنْ ... - حديث رقم ٥٠٤٠ جيم ثقيلة، وقد تخفف، ويزاد قبلها نون ساكنة، ويقال: بحذف الألف مع الوجهين، فتلك أربع لغات، وتبلغ مع التخفيف إلى ثمانية. (طَعْمُهَا طَيِّبٌ، وَرِيحُهَا طَيِّبٌ) قيل: خص صفة الإيمان بالطعم، وصفة التلاوة بالريح؛ لأن الإيمان ألزم للمؤمن من القرآن، إذ يمكن حصول الإيمان بدون القراءة، وكذلك الطعم ألزم للجوهر من الريح، فقد يذهب ريح الجوهر، ويبقى طعمه، ثم قيل: الحكمة في تخصيص الأترجة بالتمثيل، دون غيرها من الفاكهة، التي تجمع طيب الطعم والريح، كالتفاحة لأنه يُتَدَاوى بقشرها، وهو مفرحٌ بالخاصية، ويُستخرج من حَبِها دُهن له منافع، وقيل: إن الجن لا تقرب البيت الذي فيه الأترج، فناسب أن يُمَثّل به القرآن، الذي لا تقر به الشياطين، وغلاف حبه أبيض، فيناسب قلب المؤمن، وفيها أيضا من المزايا، كبر جرمها، وحسن منظرها، وتفريح لونها، ولين ملمسها، وفي أكلها مع الالتذاذ طيب نكهة، ودباغ مَعِدة، وجودة هضم، ولها منافع أخرى، مذكورة في «المفردات». ووقع في رواية شعبة عن قتادة عند البخاريّ: ((المؤمن الذي يقرأ القرآن، ويعمل · به))، وهي زيادة مفسرة للمراد، وأن التمثيل وقع بالذي يقرأ القرآن، ولا يخالف ما اشتمل عليه من أمر ونهي، لا مطلق التلاوة. [فإن قيل]: لو كان لكثرة التقسيم، كأن يقال: الذي يقرأ، ويعمل، وعكسه، والذي يعمل، ولا يقرأ، وعكسه، والأقاسم الأربعة، ممكنة في غير المنافق، وأما المنافق، فليس له إلا قسمان فقط، لأنه لا اعتبار بعمله، إذا كان نفاقه نفاق كفر. [وكأن الجواب عن ذلك]: أن الذي حُذف من التمثيل قسمان: الذي يقرأ ولا يعمل، والذي لا يعمل ولا يقرأ، وهما شبيهان بحال المنافق، فيمكن تشبيه الأول بالريحانة، والثاني بالحنظلة، فاكتفى بذكر المنافق، والقسمان الآخران قد ذكرا. (وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، كَمَثَلِ الثَّمْرَةِ، طَعْمُهَا طَيِّبٌ، وَلَا رِيحَ لَهَا) وفي رواية للبخاريّ: ((ولا ريح فيها)) (وَمَثَلُ الْمُنَافَقِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، كَمَثَلِ الرَّيْحَانَةِ) بفتح الراء (رِيحُهَا طَيْبٌ، وَطَعْمُهَا مُرُّ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ) وفي رواية للبخاريّ: ((ومثل الفاجر (الَّذِي لَّا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ، طَعْمُهَا مُرَّ، وَلَا رِيحَ لَهَا) وفي رواية للبخاريّ، من طريق شعبة: ((وريحها مر)). واستشكلت هذه الرواية من جهة أن المرارة، من أوصاف الطعوم، فكيف يوصف بها الريح. وأجيب بأن ريحها لما كان كريها، استُعير له وصف المرارة. وأطلق الزركشي هنا أن ٣٩٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ هذه الرواية وَهَمّ، وأن الصواب ما في رواية هذا الباب: ((ولا ريح لها))، ثم قال في (كتاب الأطعمة)) لَمّا جاء فيه: ((ولا ريح لها))، هذا أصوب من رواية الترمذي: ((طعمها مر، وريحها مر))، ثم ذكر توجيهها، وكأنه ما استحضر أنها في هذا الكتاب، وتكلّم عليها، فلذلك نسبها للترمذي. قاله في ((الفتح)) ١٠/ ٨٢-٨٣. ((كتاب فضائل القرآن)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أنس رضي الله تعالى عنه متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا - ٥٠٤٠/٣٢- وأخرجه (خ) في ((فضائل القرآن)) ٥٠٢ و٥٠٥٩ و ((الأطعمة)) ٥٤٢٧ و(التوحيد)) ٧٥٦٠ (م) في ((الصلاة)) ٧٩٧ (د) في ((الأدب)) ٤٨٢٩ (ت) في ((الأمثال)) ٢٨٦٥ (ق) في ((المقدّمة)) ٢١٤ (أحمد) في ((مسند الكوفيين)). ١٩٠٥٥ و١٩١١٧ و١٩١٦٥ (الدارمي) في ((فضائل القرآن)) ٣٢٢٩. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان مثل قارىء القرآن من مؤمن، ومنافق. (ومنها): أن فيه فضيلةَ حاملي القرآن، وضرب المثل للتقريب للفهم، وأن المقصود من تلاوة القرآن العمل بما دل عليه. (ومنها): تشبيه القرآن بالأترجة؛ لأنها من أفضل الثمار؛ لكبر جرمها، وحسن منظرها، وطيب طعمها، ولين ملمسها، ولونها يسرّ الناظرين. (ومنها): أن فيه تشبيه الإيمان بالطعم الطيب؛ لكونه خيرًا باطنيًا، لا يظهر لكلّ أحد، وتشبيه القرآن بالريح الطيّب، ينتفع بسماعه كلُّ أحد، ويظهر سمحًا لكلّ سامع. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). ٣٩١ ٣٣- (عَلَامَةُ الْمُؤْمِن) - حديث رقم ٥٠٤١ ٣٣- (عَلَامَةُ الْمُؤْمِنِ) ٥٠٤١ - (أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ النَّبِيِّ ◌ََّ، قَالَ: ((لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ». قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الحديث متَّفَقْ عليه، وتقدّم في ٥٠١٩/١٩ ومضى شرحه، وبيان مسله هناك، فراجعه تستفد. والله تعالى وليّ التوفيق. (قَالَ الْقَاضِي - يَعْنِي ابْنَ الْكَسَّارِ -سَمِعْتُ عَبْدَ الصَّمَدِ الْبُخَارِيَّ، يَقُولُ: حَفْصُ بْنُ عُمَرَ الَّذِي يَرْوِي عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ لَا أَعْرِفُهُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ سَقَطَ الْوَاوُ مِنْ حَقْصٍ بْنِ عَمْرٍو الرَّبَالِيّ، الْمَشْهُورُ بِالرِّوَايَةِ عَنِ الْبَصْرِئِينَ، وَهُوَ ثِقَّةٌ، ذَكَرَهُ فِي هَذَا الْخَبْرِ، فِي حَدِيثٍ مَنْصُورِ بْنِ سَعْدٍ، فِي ((بَابٍ صِفَّةِ الْمُسْلِمِ)) سَمِعْتُهُ يَقُولُ: لَا أَعْلَّمُ، رَوَى حَدِيثَ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ الْمَرْفُوعَ: ((أُمِرْتُ أَنَ أُقَاتِلَ النَّاسَ))، بِزِيَادَةٍ قَوْلِهِ: ((وَاسْتَقْبَلُوا قِبْلَتَنَا، وَأَكَلُوا ذَبِيَحَتَنَا، وَصَلَّوْا صَلَاتَنَا))، عَنْ حُمَيْدِ الطَّوِيلِ، إِلَّا عَبَّدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، وَيَحْتِى بْنُ أَيُّوبَ الْبَصْرِيُّ، وَهُوَ فِي هَذَا الْجُزْءِ فِي ((بَابٍ مَا يُقَاتَلُ النَّاسِ))). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قوله: ((قال القاضي الخ)): هذا الكلام لا مناسبة بينه وبين حديث الباب؛ بل هو متعلّق بباب ٤٩٩٩/٩- ((صفة المسلم)). و((القاضي)): هو القاضي الجليل العالم، أبو نصر أحمد بن الحسين بن محمد بن عبد الله بن بَوّان الكسّار الدِّينوريّ، سمع ((سنن النسائيّ)) المختصر من الحافظ أبي بكر ابن السّنّيّ، وسماعه له في سنة ثلاث وستين وثلاثمائة، وحدّث به في جمادى الأولى سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة. حدّث عنه بدر بن خَلَف الْفَرْكيّ (١) وعَبْدُوس بن عبد الله الْهَمَذَانيّ، وعبد الرحمن بن حَمْد الدونيّ، وأبو صالح أحمد بن عبد الملك المؤذّن، وكان الكسّار صدوقًا، صحيح السماع، ذا علم وجلالة، مات في هذا الوقت بعد تحديثه بالكتاب بيسير، وآخر من روى عنه بالإجازة مُسند أصبهان أبو عليّ الحدّاد. هكذا ترجمه الحافظ الذهبيّ رحمه الله تعالى في ((سير أعلام النبلاء)) ١٧/ ٥١٤. وقوله: ((سمعت عبد الصمد البخاريّ)): الظاهر أنه عبد الصمد بن محمد بن عبد الله ابن حَيُّويه الإمام الحافظ الرحّال النحويّ الأوحد، أبو محمد، وأبو القاسم البخاريّ، حدّث بدمشق، وأماكن عن سهل بن حسن البخاريّ الحافظ، ومكحول البيروتيّ، (١) بفتح الفاء، وسكون الراء، كما في الأصل، وضبطها السمعانيّ بالفتح، وقال: هذه النسبة إلى فَرَك، وهي قرية من قرى أصبهان. انتهى من هامش ((سير أعلام النبلاء)» ٥١٤/١٧. ٣٩٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ ومحمد بن محمد بن حاتم السجستانيّ، وطبقتهم. روى عنه الحاكم، وتمّام الرازيّ، وعبد الغنيّ الأزديّ، وغُنْجار البخاريّ، ومحمد بن عمر بن بكير المقرىء، وعليّ بن يعقوب بن الْعَقَب أحد شيوخه. قال أبو عبد اللَّه الحاكم: عبد الصمد بن محمد بن حيّويه الحافظ الأديب من أعيان الرخالة، قدم علينا نيسابور، وأقام سنوات، ثم دخل العراق ومصر والشام، استخرج على ((صحيح البخاريّ))، وجوّده، اجتمعت به ببغداد وبُخارى. وقال غنجار: توفّي بالدِّينَوَر في سنة (٣٦٨). قاله في ((سير أعلام النبلاء)) ٢٩٠/١٦-٢٩١ . وقوله: ((إلا أن يكون سقط الواو من حفص بن عمرو الخ)) تقدّم أن ابن عساكر ردّ على هذا بأن هذا حفص بن عمر أبو عمر الْمَهْرَقَانيّ الرازيّ معروف. انتهى. يعني أنه لا حاجة لدعوى تصحيف عمر بضم العين عن عمرو بفتحها، بل هو خطأ، فإن الراوي عن ابن مهديّ هنا هو حفص عمر بالضم، وقد تقدّمت ترجمته في ٤٩٩٨/٩- ((صفة المسلم))، فراجعه تستفد. وقوله: ((سمعته يقول: لا أعلم الخ)) الظاهر أن القائل: ((سمعته)) هو القاضي: أي سمعت عبد الصمد البخاريّ يقول الخ. وقوله: ((لا أعلم روى حديث أنس بن مالك الخ)) يعني الذي تقدم في ٣٩٦٨/١- ((كتاب تحريم الدم)) وفي هذا الكتاب «٥٠٠٥/١٥ باب ((على ما يقاتل الناس؟)). وقوله: ((إلا عبد الله بن المبارك))، و((يحيى بن أيوب))، أما رواية ابن المبارك، فقد تقدّمت للمصنف في ((كتاب تحريم الدم))، وفي باب على ما يقاتل الناس))؟ بالرقمين المذكورين . وأما رواية يحيى بن أيوب، فقد أخرجها أبو داود في ((كتاب الجهاد)) من (سننه)) برقم ٢٢٧١، فقال بعد أن أخرج رواية المبارك: حدثنا سليمان بن داود المهري، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يحيى بن أيوب، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول اللَّه وَالتّ: ((أمرت أن أقاتل المشركين ... )) بمعناه. وقد علّق البخاريّ رحمه الله تعالى في ((صحيحه)) (٣٩٣) رواية يحيى بن أيوب من طريق سعيد بن أبي مريم عنه. [تنبيهان]: (الأول): قوله: ((لا أعلم روى الخ)) فيه نظر؛ لأنه سبق للمصنف أن أخرج الحديث في ((كتاب تحريم الدم)) من رواية محمد بن عيسى بن سُميع، عن حميد، ولفظه: ٣٩٦٦- أخبرنا هارون بن محمد بن بكار بن بلال، عن محمد بن عيسى، وهو ابن ٣٩٣ ١- (مِنَ السُّتَنِ الفِطْرَةِ) - حديث رقم ٥٠٤٢ سُميع، قال: حدثنا حميد الطويل، عن أنس بن مالك، عن النبي وَّر، قال: ((أمرت أن أقاتل المشركين، حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، فإذا شهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وصلوا صلاتنا، واستقبلوا قبلتنا، وأكلوا ذبائحنا، فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها)). انتهى. (الثاني): قوله: ((يحيى بن أيوب البصريّ)) غلط، والصواب المصريّ بالميم لا بالباء؛ لأن يحيى مصريّ بالميم، لا بصريّ بالباء الموحّدة، فتنبّه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ٤٧- (كِتَابُ الزِّينَةِ) قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: المناسبة بين هذا الكتاب، والذي قبله ظاهرة، إذ الإيمان حِلْيَةُ القلب، كما أنَ ما يُذْكَرُ في ((كتاب الزينة)) من اللباس وغيره حِلْيَةُ البدن. و ((الزينة))- بكسر الزاي -: اسم من زان الشيءُ صاحبه زَيْئًا، من باب سار، وأزانه إزانةً، مثله، وزيَّنه تزيينًا مثله، والزين نقيض الشين. قاله الفيّوميّ. وقال المجد في (القاموس)): الزينة- بالكسر -: ما يُتَزَيّن به، كالزِّيَان، ككِتَاب. قال: والزَّيْنُ ضدّ الشين، جمعه أَزْيَان، وزانه، وأزانه، وزيّنه، وأزينه، فتزيَّنَ هو. انتهى. وقال في ((لسان العرب)): الزينة: اسم جامع لكلّ شيء يُتْزَيَّن به، وقال أيضًا: الزِّينة، والزُّونة: اسم جامع لما يُتزيّن به، قُلبت الكسرة ضمّةً، فانقلبت الياء واوًا. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَّهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهًا﴾ الآية [النور: ٣١]: معناه: لا يُبدين الزينة الباطنة، كالْمِخْتَقة، والْخَلَخَال، والدُّمْلُجِ، والسِّوَار، والذي يظهر هو الثياب، والوجه. قال: والزینُ: خلاف الشین، وجمعه آزیان، قال حميد بن ثَوْر: تَصِيدُ الْجَلِيسَ بِأَزْيَانَها وَدَلِّ أَجَابَتْ عَلَيْهِ الرُّقَّى انتهى ((لسان العرب)) ٢٠١/١٣-٢٠٢ بتصرّف. والله تعالى أعلم بالصواب. ١- (مِنَ السُّنَنِ الْفِطْرَةِ) قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: أي هذا باب ذكر الأحاديث الدّالّة على بعض السنن، ٣٩٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ والظاهر أن لفظ ((الفطرة)) بالجرّ بدلٌ من ((السنن))؛ لأن ((الفطرة)) هي ((السنن))، وعبّر بـ((من)) إشارة إلى أن الفطرة لا تنحصر فيما ذُكر. ولفظ ((الكبرى)): ((باب الْفِطْرَة)». والله تعالى أعلم بالصواب. ٥٠٤٢- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا وَكِيعْ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَكَرِيًّا بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ مُصْعَبٍ بْنِ شَيْبَةَ، عَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ رَسُولِ اللّهِ وَ لَهَ قَالَ: عَشْرَةٌ مِنَ الْفِطْرَةِ: قَصُّ الشَّارِبِ، وَقَصُّ الْأَظْفَارِ، وَغَسْلُ الْبَرَاجِم، وَإِعْفَاءُ اللَّخْيَةِ، وَالسِّوَاكُ، وَالإِسْتِنْشَاقُ، وَتَتْفُ الْإِبْطِ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ)»- قَالَ مُضْعَبٌ: وَنَسِيتُ الْعَاشِرَةَ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْمَضْمَضَةَ). رجال هذا الإسناد: سبعة : ١- (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه الحنظليّ المروزيّ، ثقة ثبت [١٠] ٢/٢. ٢- (وكيع) بن الجراح أبو سفيان الرُّؤاسي الكوفي ثقة ثبت [٩] ٢٥/٢٣. ٣- (زكريا بن أبي زائدة) خالد أو هُبّيرة بن ميمون، الهمداني الكوفي، ثقة يدلس [٦] ٩٣ /١١٥ . ٤- (مصعب بن شيبة) العبديّ الْحجبيّ المكيّ، ليّن الحديث [٥] ١٢٥٠/٢٥. ٥- (طلق بن حبيب) الْعَنَزيّ البصريّ، صدوقٌ عابدٌ، رُمي بالإرجاء [٣] ٤٩٨٩/٢. ٦- (عبد الله بن الزبير) بن العوّام رضي اللَّه تعالى عنهما١١٦١/١٨٩. ٧- (عائشة) رضي اللّه تعالى عنها٥/٥ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. وصحابيّ، عن صحابيّة، وهي خالته. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين رضي اللّه تعالى عنها (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَالِهِ) أنه (قال) سقطت لفظة ((قال)) من النسخ المطبوعة (عَشْرَةٌ مِنَ الْفِطْرَةِ) بكسر الفاء، وسكون الطاء المهملة، والمراد بها هنا: السنّة القديمة، التي اختارها اللّه تعالى للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فكأنها أمر جبليّ، فُطروا عليها، و((من)) في قوله: ((من الفطرة)) للتبعيض، فهي تدلّ على عدم حصر الفطرة في هذه الأشياء، ولذلك جاء في حديث أبي هريرة رَظقيه: ((خمس من الفطرة))، فلا تعارض بين الروايتين؛ لعدم الحصر. وقيل: يحتمل أنه والفر أعلم أوّلا ١- (مِنَ السُّتَنِ الفِطْرَةِ) - حديث رقم ٥٠٤٢ ٣٩٥ === بالخمس، ثم أُعلم بالعشر، فاستقام الكلام، لو أريد الحصر أيضًا بلا معارضة. وقيل: يحتمل أن تكون الخمس المذكورة في حديث أبي هريرة تنميه آكد، فلمزيد الاهتمام بها أفردها بالذكر. والله تعالى أعلم. ثم قوله: ((عشرة)) مبتدأ بتقدير ((أفعالٌ عشرةٌ))، أو ((عشرة من الأفعال))، والجارّ والمجرور خبره، أو هو صفة في محلّ رفع صفة له، والخبر قوله: ((قصّ الشارب الخ)). (قَصُّ الشَّارِب) أي قطعه، و((الشارب)): هو الشعر النابت على الشفة العليا، والقصّ هو الأكثر في الروايات، -كما قال الحافظ- وهو مختار مالك وطائفة، وقد جاء في بعضها بلفظ الإحفاء، وهو مختار أكثر العلماء، والإحفاء هو الاستئصال، وقد تقدم تحقيق الخلاف في هذا في ((أبواب الطهارة)) ١٣/١٣ باب ((قصّ الشارب))، وأن الأرجح هو قول من قال بالتخيير؛ لأن السنة دلّت على الأمرين، فلا تعارض بينها، فإن القصّ يدلّ على أخذ البعض، والإحفاء على أخذ الكلّ، وكلاهما ثابت، فيتخيّر فيما شاء. والحاصل أن العلماء مختلفون في حلق الشارب، فمنهم من كرهه، كمالك، ومنهم رجحه على القصّ، ومنهم من رجح القصّ عليه، ومنهم من خيّر، وهو الأرجح؛ جمعا بين الأدلّة، فإن أردت تحقيق المسألة بأدلتها فراجع ما سبق في ((الطهارة)) يُشْفَ غَلِيلُك. والله تعالى وليّ التوفيق. (وَقَصُّ الْأَظْفَارِ) أي قطع ما طال منها، وفي حديث أبي هريرة رَّه بلفظ: ((تقليم الأظفار))، وهو أعم من القصّ، والمراد إزالة ما يزيد على ما يُلابس رأس الأصابع من الظفر؛ لأن الوسخ يجتمع فيه، فيُستقذر، وقد ینتهي إلى حدّ يمنع من وصول الماء إلى ما يجب غسله في الطهارة. وقد تقدّم تمام البحث في هذا في ((الطهارة)) أيضًا في ١٠٪ ١٠ (وَغَسْلُ الْبَرَاجِم)- بفتح الموحّدة، وبالجيم، جمع بُرْجُمة- بضم الموحّدة، والجيم، وهي عُقَد الأصابعَ، ومفاصلها كلها. قاله النوويّ. وفي ((شرح المصابيح)) لزين العرب حكاية قول أن المراد بها خطوط الكفّ؛ لمنع الوسخ فيها من وصول الماء إلى ما تحتها، وحينئذ لا يصحّ الوضوء، ولا الغسل. وقال النوويّ: قال العلماء: ويلتحق بالبراجم ما يجتمع من الوسخ في معاطف الأذن، وهو الصِّمَاخ، فيُزیله بالمسح؛ لأنه ربما أضرّت كثرته بالسمع، وكذلك ما يجتمع في داخل الأنف، وكذلك جميع الوسخ المجتمع على أيّ موضع كان، من البدن بالعرق، والغبار، ونحوهما. والله تعالى أعلم. قاله النوويّ في ((شرح مسلم)) ١٤١/٣. (وَإِعْفَاءُ اللَّخِيَةِ) - بكسر الهمزة -: أي توفيرها، وتكثيرها. قال أبو عبيدة: يقال: ٣٩٦ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ عفا الشيءُ: إذا كثُر، وزاد، وأعفيته أنا، وعفا: إذا درس، وهو من الأضداد. وقال غيره: يقال: عفوتُ الشعرَ، وأعفيته لغتان، فلا يجوز حلقها، ولا نتفها، ولا قصّ الكير منها، فأما أخذ ما تطاير منها، وما يُشوّه، ويدعوا إلى الشهرة، طولًا وعرضًا، فحسنٌ عند مالك، وغيره من السلف، وكان ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما يأخذ من طولها ما زاد على القبضة. قاله في ((المفهم)) ١/ ٥١٢-٥١٣، وفيه مباحث كثيرة ذكرتها في ((الطهارة))، فراجعها تسنفد، وبالله تعالى التوفيق. (وَالسِّوَاكُ)- بكسر السين -: يطلق على الفعل، وهو الاستياك، وعلى الآلة التي يُستاك بها، ويقال في الآلة أيضًا: مِسواك بكسر الميم - وقد تقدّمت مباحث كثيرة تتعلّق بالسواك في ((الطهارة)) فراجعها تستفد، والله تعالى وليّ التوفيق. (وَالإِسْتِنْشَاقُ) هو جعل الماء في الأنف، وجذبه بالنَّفَس؛ لينزل ما في الأنف، وتقدّمت مباحثه في ((الطهارة)) (وَتَتْفُ الْإِبْطِ) أي نزع الشعر الذي ينبت في باطن المنكب بالأصابع، وهل يكفي فيه الحلق، واستعمال النورة في أصل السنّة الظاهر نعم، وخصّ الإبط بالنتف؛ لأنه محلّ الرائحة الكريهة باحتباس الأبخرة عند المسامّ، والنتف يضعف أصول الشعر، والحلق يُقَوِّيها. رُوي أن الشافعيّ رحمه اللَّه تعالى كان يحلق الْمُزَيْن إبطه، ويقول: السنّة النتف، لكني لا أقدر عليه، ومذهب جمهور العلماء أنه سنة، وقد ذهب بعضهم إلى وجوبه، وقد استوفيت البحث فيه في ((الطهارة))، فارجع إليه، وبالله تعالى التوفيق (وَحَلْقُ الْعَائَةِ) أي الشعر النابت فوق ذكر الرجل، وقُبُل المرأة، وقد سبق تمام البحث فيه في ((الطهارة)) أيضًا (وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ) فسّره وكيعٌ بأنه الاسنتجاء. وقال أبو عبيدة وغيره: معناه: انتقاص البول بسبب استعمال الماء في غسل مذاكيره. وقيل: هو الانتضاح. وقد جاء في رواية ((الانتضاح)) بدل انتقاص الماء، قال الجمهور: الانتضاح نضح الفرج بماء قليل بعد الوضوء لينفي عنه الوسواس. وقيل: هو الاسنتجاء بالماء. قال ابن الأثير: إنه رُوي ((انتفاص الماء)) بالفاء، والصاد المهملة، وقال في ((فصل الفاء)»: قيل: الصواب أنه بالفاء، قال: والمراد نضحه على الذكر، من قولهم: لنضح الدم القليل: نفصة، وجمعها نفص. قال النوويّ: وهذا الذي نقله شاذٌ، والصواب ما سبق. والله تعالى أعلم. انتهى ((شرح مسلم)) ١٤١/٣. وقال زين العرب في ((شرح المصابيح)): انتقاص الماء بالقاف، والصاد المهملة: هو الاسنتجاء بالماء. وقيل: معناه انتقاص البول بالماء، وهو أن يغسل ذكره بالماء؛ ليرتدع البول بردع الماء، ولو لم يغسل نزل منه شيئًا، شيئًا، فيعسر الاستبراء منه، فالماء على الأول، هو المستنجى به، وعلى الثاني هو البول، فإن أريد بالماء البول، فالمصدر مضاف إلى ٣٩٧ ١- (مِنَ السُّنَنِ الفِطْرَةِ) - حديث رقم ٥٠٤٣ المفعول، وإن أريد به الماء المغسول به، فالإضافة إلى الفاعل: أي وانتقاص الماء البولَ، وانتقص لازم، ومتعدّ. وقيل: هو تصحيف، والصحيح انتفاض الماء- بالفاء، والضاد المعجمة، وهو الانتضاح بالماء على الذكر، وهذا أقرب؛ لأن في ((كتاب أبي داود)) بدله: ((والانتضاح)). قاله في ((زهر الربى)) ١٢٧/٨-١٢٨. (قَالَ مُضْعَبٌ) أي ابن شيبة (وَنَسِيتُ الْعَاشِرَةَ) أي الخصلة العاشرة من خصال الفطرة (إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْمَضْمَضَةَ) قال القاضي عياض: هذا شكّ منه فيها، ولعلها الختان المذكور مع الخمس- يعني الآتي ذكرها في حديث أبي هريرة ◌َظلّه ، وتبعه القرطبيّ، والنوويّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عائشة رضي اللَّه تعالى عنها هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٥٠٤٢/١ و٥٠٤٣- وفي ((الكبرى)) ٩٢٨٦ و٩٢٢٧. وأخرجه (م) في («الطهارة)) ٣٦١ (د) في («الطهارة)) ٥٣ (ت) في ((الأدب)) ٢٧٥٧ (أحمد) في ((باقي مسند الأنصار)) ٢٤٥٣٩ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان سنن الفطرة. (ومنها): عناية الشريعة بالنظافة، وأنها من الأمور التي اتفقت عليها الشرائع. (ومنها): أن فيه إشارة إلى أن الفطرة لا تقتصر على هذه العشر، بل تزيد، حيث عبّر بـ((من)) وقد استوفيت البحث في ذلك فيما سبق من أبواب الطهارة، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصوابِ، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٥٠٤٣- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ طَلْقًا، يَذْكُرُ عَشْرَةً مِنَ الْفِطْرَةِ: السِّوَاكَ، وَقَصَّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمَ الْأَظْفَارِ، وَغَسْلَ الْبَرَاجِمِ، وَحَلْقَ الْعَانَةِ، وَالإِسْتِنْشَاقَ، وَأَنَا شَكَكْتُ فِي الْمَضْمَضَةِ)). قال الجامعَ عفا الله تعالی عنه: رجال هذا الإسناد کلهم رجال الصحيح، و«محمد بن عبد الأعلى)): هو الصنعانيّ، ثم البصريّ الثقة [١٠]. و((المعتمر)): هو ابن سليمان التيميّ البصريّ الثقة، من كبار [٩]. و(«أبوه)): هو سليمان بن طَرْخان التيميّ البصريّ الثقة العابد [٤]. و((طلق)): هو ابن حبيب المذكور في السند السابق. ٣٩٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ والحديث صحيح الإسناد، مقطوع، واقتصر على ذكر ستة أشياء، وشكّ في السابع. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الو کیل. ٥٠٤٤- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ، قَالَ: ((عَشْرَةٌ مِنَ السُّنَّةِ: السِّوَاكُ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَالْمَضْمَضَةُ، وَالإِسْتِنْشَاقُ، وَتَوْفِيرُ اللَّخِيَةِ، وَقَصُّ الْأَظْفَارِ، وَنَتْفُ الْإِبْطِ، وَالْخِتَانُ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَغَسْلُ الدُّبُرِ)). قَالَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ: وَحَدِيثُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، وَجَعْفَرِ بْنِ إِيَاسٍ، أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ مِنْ حَدِيثٍ مُضْعَبٍ بْنِ شَيْبَةَ، وَمُضْعَبٌ مُتْكَرُ الْحَدِيثِ). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((أبو عوانة)): هو الوضّاح بن عبد اللّه اليشكريّ الواسطيّ الثقة الثبت [٧] . و((أبو بشر)): هو جعفر بن إياس البصريّ، ثم الواسطيّ الثقة . [0] والحديث مقطوع، صحيح الإسناد. وقوله: (قَالَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ) أي النسائيّ (وَحَدِيثُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ) أي الذي ذُكر قبل هذا (و) حديث (جَعْفَرِ بْنِ إِيَاسٍ) أبي بشر: أي هذا الحديث (أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ مِنْ حَدِيثٍ مُضْعَبٍ بْنِ شَيْبَةً) ثم علّل ذلك بقوله (وَمُضْعَبْ مُتْكَرُ الْحَدِيثِ) فالجملة مستأنفة استئنافا بينايًا، فكأنه قيل له: لما ذا كان حديثهما أشبه بالصواب، فأجاب بأنهما ثقتان، وهو ضعيف منكر الحديث. وحاصل ما أشار إليه ترجيح روايتهما المقطوعة على روايته المتصلة المرفوعة، وهكذا رجّح أيضا الدار قطنيّ في ((العلل)) روايتهما، فقال: وهما أثبت من مصعب بن شيبة، وأصحّ حديثًا. ونقل عن الإمام أحمد أنه قال: مصعب بن شيبة أحاديثه مناكير، منها: ((عشرة من الفطرة)). ولَمّا ذكر ابن منده أن مسلمًا أخرجه، وقال: تركه البخاريّ، فلم يُخرجه، وهو حديث معلول، رواه سليمان التيميّ، عن طلق بن حبيب، مرسلًا. قال ابن دقيق العيد: لم يلتفت مسلم لهذا التعليل؛ لأنه قدّم وصل الثقة عنده على الإرسال، قال: وقد يقال في تقوية رواية مصعب: إن تثبته في الفرق بين ما حفظه، وبين ما شكّ فيه جهةٌ مقوّيةٌ لعدم الغفلة، ومن لا يُتّهم بالكذب إذا ظهر منه ما يدلّ على التثبّت، قَوِيت روايته، وأيضًا لروايته شاهد صحيح، مرفوع في كثير من هذا العدد، من حديث أبي هريرة تَظّه، أخرجه الشيخان. ذكره السيوطيّ في ((شرحه)) ٨١٢٨-١٢٩. وقال الحافظ رحمه الله تعالى بعد ذكر ترجيح المصنّف للرواية المقطوعة على الموصولة: ما نصّه: والذي يظهر لي أنها ليست بعلّة قادحة، فإن راويها مصعب بن شيبة ٣٩٩ ١- (مِنَ السُّنَنِ الفِطْرَةِ) - حديث رقم ٥٠٤٦ وثّقه ابن معين، والعجليّ، وغيرهما، وليّنه أحمد، وأبو حاتم، وغيرهما، فحديثه حسن، وله شواهد في حديث أبي هريرة تَظّه ، وغيره، فالحكم بصحّته من هذه الحيثيّة سائغ، وقول سليمان التيميّ: سمعت طلق بن حبيب يذكر عشر من الفطرة يحتمل أن يريد أنه سمعه يذكرها من قبل نفسه على ظاهر ما فهمه النسائيّ. ويحتمل أن يريد أنه سمعه يذكرها، وسندَها، فحذف سليمان السند. انتهى كلام الحافظ باختصار. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحاصل أن الأرجح صحة الحديث متصلًا، مرفوعًا، كما صححه الإمام مسلم رحمه الله تعالى، وقد سبق تمام البحث في هذا في ((الطهارة)) ٩/٩- فارجع إليه تزدد علمًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٥٠٤٥- (أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، عَنْ بِشْرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((خَمْسٌ مِنَ الْفِطْرَةِ: الْخِتَانُ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَنَتْفُ الضَّبْعِ، وَتَقْلِيمُ الظَّفْرِ، وَتَقْصِيرُ الشَّارِبِ))، وَقَفَهُ مَالِكٌ). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا. و((بشر)): هو ابن المفضّل بن لاحق، أبو إسماعيل البصريّ الثقة الثبت العابد [٨]. و((عبد الرحمن بن إسحاق)): هو المدنيّ، نزيل البصرة، يقال له: عبّاد، صدقٌ، رُمي بالقدر [٦] ٢٦١٨/١٠٠. وقوله: ((ونتف الضبع)): بفتح الضاد المعجمة، وسكون الموحّدة -: وسط العضُد. وقيل: هو ما تحت الإبط . والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم في ((الطهارة)) ٩/٩ ومضى شرحه، وبيان مسائله هناك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وقوله: ((وقفه مالك)): أي خالف مالك بن أنس عبد الرحمن بن إسحاق، فروى الحديث عن سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة تظنّيه موقوفًا، ولم يرفعه، لكن الحكم هنا للرفع؛ لأن الحديث مرويّ من طريق الزهريّ، عن ابن المسيّب، عن أبي هريرة تَّه، عن رسول اللّه وَ ر، كما تقدّم في ((الطهارة)) في ٩، و١٠، و١١ وقد أخرجه الشيخان من هذا الوجه. ثم ذكر طريق مالك رحمه اللَّه تعالى، فقال: ٥٠٤٦- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكِ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: خَمْسٌ مِنَ الْفِطْرَةِ: تَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَنَتْفُ الْإِبْطِ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَالْخِتَانُ))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. والسند من رباعيّات المصنف رحمه الله تعالى، وهو (٢٤١) من رباعيات ٤٠٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزِّينَةِ الكتاب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). قال الجامع الفقير إلى مولاه الغنيّ القدير، محمد ابن الشيخ عليّ بن آدم بن موسى الإثيوبيّ الولّويّ، نزيل مكة المكرّمة، عفا الله تعالى عنه وعن والديه ومشايخه آمين: قد انتهيت من كتابة الجزء السابع والثلاثين من شرح سنن الإمام الحافظ الحجة أبي عبد الرحمن النسائيّ رحمه اللَّه تعالى، المسمّى ((ذخيرةَ العُقْبَى في شرح المجتبى))، أو ((غاية المنى في شرح المجتنی)). وذلك بحيّ الزهراء، مخطّط الأمير طلال، في مكة المكرمة زادها اللَّه تعالى تشريفًا وتعظيمًا، وجعلني من خيار أهلها حيًّا وميتًا، وأَعْظِمْ به تكريمًا. وأخر دعوانا ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَيِينَ﴾. ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىِ هَدَنْنَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَّْتَدِىَ لَوْلَّ أَنْ هَدَنَا اللّهُ﴾ . ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّوْ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَمُ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَاَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾. ((اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد)» . ((السلام عليك أيها النبيّ، ورحمة الله، وبركاته)). ويليه - إن شاء الله تعالى - الجزء الثامن والثلاثون مفتتحًا بالباب ٢ ((إحفاء الشارب)) الحديث رقم ٥٠٤٧ . ((سبحانك اللهمّ، وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك، وأتوب إليك)).