النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ === ٢٧ - (الْحَيَاءُ) - حديث رقم ٥٠٣٥ رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وهو سالم، وفيه عبد الله بن عمر رضي اللّه تعالى عنهما، أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، وأحد المكثرين من الفتوى من الصحابة .*. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ سَالِم) بن عبد اللَّه (عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنهما (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ، مَرَّ عَلَى رَجُلٍ) ولمسلم من طريق معمر: ((مر برجل))، و((مر)) بمعنى: اجتاز يُعَدى بـ((على))، وبالباء، قال الحافظ: ولم أعرف اسم هذين الرجلين: الواعظ، وأخيه. (يَعِظُ أَخَاهُ) من الوعظ: وهو النصح، والتذكير بالعواقب، وقال ابن فارس: هو التخويف، والإنذار. وقال الخليل بن أحمد: هو التذكير بالخير فيما يُرقّ القلب. قاله في ((عمدة القاري)) ٢٠٠/١-٢٠١ . وقال في ((الفتح)): أي يَنصَح، أو يُخَوِّف، أو يُذَكِّر، كذا شرحوه، والأولى أن يُشرح بما جاء عند البخاريّ في ((الأدب)) من طريق عبد العزيز بن أبي سلمة، عن ابن شهاب، ولفظه: ((يُعاتِب أخاه في الحياء، يقول: إنك لتستحي، حتى كأنه يقول- قد أَضربك)). انتهى. ويحتمل أن يكون جمع له العِتاب، والوعظ، فذكر بعض الرواة ما لم يذكره الآخر، لكن المخرج مُتَّحِد، فالظاهر أنه من تصرف الراوي، بحسب ما اعتقد أن كل لفظ منهما يقوم مقام الآخر. قاله في ((الفتح)) ١٠٥/١. وجملة ((يعظ أخاه)) في محلّ جرّ صفة لهرجل)). وقوله: (فِي الْحَيَاءِ) متعلّق بـ((يعِظ))، و ((في)) سببية، فكأن الرجل كان كثير الحياء، فكان ذلك يمنعه من استيفاء حقوقه، فعاتبه أخوه على ذلك (فَقَّالَ) له النبيّ وََّ (دَعْهُ) أي اتركه على هذا الخلق السَّنِيّ، ثم عّل ذلك أمره بالترك بما ذكره بالفاء التعليليّة، فقال: (فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الْإِيمَانِ) أي وإذا كان الحياء، يمنع صاحبه من استيفاء حق نفسه، جر له ذلك تحصيل أجر ذلك الحق، لا سيما إذا كان المتروك له مستحقا. وقال ابن قتيبة: معناه إن الحياء يمنع صاحبه من ارتكاب المعاصي، كما يمنع الإيمان، فسُمّى إيمانا، كما يسمى الشيء باسم ما قام مقامه، وحاصله أن إطلاق كونه من الإيمان مجاز(١)، والظاهر أن الناهي ما كان يعرف أن الحياء من مكملات الإيمان، فلهذا وقع التأكيد، وقد يكون التأكيد من جهة أن القضية في نفسها مما يهتم به، وإن لم (١) كونه مجازًا فيه نظر؛ لأنه جزء من أجزاء الإيمان، وجزء الشيء لا يسمى مجازًا، وإنما هو جزء حقيقة، فتنبه. ٣٦٢ E شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ یکن هناك منکر. قال الراغب: الحياء انقباض النفس عن القبيح، وهو من خصائص الإنسان؛ لیرتدع عن ارتكاب كل ما يَشتهي، فلا يكون كالبهيمة، وهو مركب من جُبن وعفة، فلذلك لا يكون المستحي فاسقا، وقَلَّما يكون الشجاع مُسْتَحِيًّا، وقد يكون لمطلق الانقباض، كما في بعض الصبيان. انتهى ملخصا. وقال غيره: هو انقباض النفس، خشية ارتكاب ما يُكرَه، أعم من أن يكون شرعيا، أو عقليا، أو عرفيا، ومقابل الأول فاسق، والثاني مجنون، والثالث أَبْلَهُ، قال: وقوله وَالقر: ((الحياء شعبة من الإيمان)): أي أثر من آثار الإيمان. وقال الحليمي: حقيقة الحياء: خوف الذم بنسبة الشر إليه. وقال غيره: إن كان في مُحَرَّم فهو واجب، وإن كان في مكروه، فهو مندوب، وإن كان في مباح، فهو العرفي، وهو المراد بقوله: ((الحياء لا يأتي إلا بخير»، ويجمع كل ذلك أن المباح إنما هو ما يقع على وفق الشرع، إثباتا ونفيا. وحُكِي عن بعض السلف: رأيت المعاصي مَذَلَّةً، فتركتها مروأة، فصارت ديانةً. وقد يتولد الحياء من الله تعالى من التقلب في نعمه، فيستحي العاقل أن يستعين بها على معصيته. وقد قال بعض السلف: خَفِ اللَّهَ على قَدْرِ قُدْرَته عليك، واستحي منه على قَدْر قُرْبه منك. والله تعالى أعلم. قاله في ((الفتح)) ١٠٥ - ١٠٦ . وهو بحث نفيس. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد الله بن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٥٠٣٥/٢٧- وأخرجه (خ) في ((الإيمان)) ٢٤ و((الأدب)) ٦١١٨ (م) في ((الإيمان)) ٣٦ (د) في ((الأدب)) ٤٧٩٥ (ت) في ((الإيمان)) ٢٦١٥ (ق) في ((المقدّمة)) ٥٨ (أحمد) في ((مسند المكثرين)) ٥١٦١ و٦٣٠٥. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه اللّه تعالى، وهو بيان كون الحياء شعبة من شعب الإيمان. (ومنها): أن فيه بيان عظم شأن الحياء، وأنه من أعلى الصفات الحميدة التي يتحلّى بها المؤمن، وقد ورد في مدحه أحاديث كثيرة، منها هذا الحديث، وحديث أبي هريرة تَظّه الماضي: ((والحياء شعبة من الإيمان))، وحديث عمران بن حصين رضي الله تعالى عنهما، عن النبيّ وَّر، أنه قال: ((الحياء لا يأتي إلا بخير))، وفي رواية عنه: -٣٦٣ ٢٧ - (الْحَيَاءُ) - حديث رقم ٥٠٣٥ ((الحياء خير كلّه))، رواه مسلم. (ومنها): ما قاله الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في شرح هذا الحديث: والحياء نوعان: [أحدهما]: غريزيّ، وهو خُلُقٌ يمنحه الله تعالى العبد، ويَجبُلُهُ عليه، فيكُفّه عن ارتكاب القبائح، والرذائل، ويحثّه على فعل الجميل، وهو من أعلى مواهب اللّه تعالى للعبد، فهذا من الإيمان باعتبار أنه يؤثّر ما يؤثّره الإيمان من فعل الجمیل، والكفّ عن القبيح، وربما ارتقی صاحبه بعده إلى درجة الإيمان، فهو وسيلة إليه، كما قال عمر رَزّه: من استحيى اختفَى، ومن اختفى اتّقَى، ومن اتّقى وُقي. وقال بعض التابعين: تركت الذنوب حياءً أربعين سنةً، ثم أدركني الورع. وقال ابن سَمْعُون: رأيت المعاصي نَذَالةً، فتركتها مروءة، فاستحالت ديانةً. [والنوع الثاني]: أن يكون مُكتسبًا، إما من مقام الإيمان، كحياء العبد من مقامه بين يدي الله تعالى يوم القيامة، فيوجب له ذلك الاستعداد للقائه، أو من مقام الإحسان، كحياء العبد من اطّلاع الله تعالى عليه، وقربه منه، فهذا من أعلى خصال الإيمان. وفي حديث مرسل: ((استحي من اللَّه، كما تستحيي من رجلين من صالحي عشيرتك، لا يفارقانك))، ورُوي موصولاً(١). وسُئل النبيّ وَله عن كشف العورة خاليًا؟ فقال: ((اللَّه أحقّ أن يُستحيى منه من الناس))(٢). وفي حديث ابن مسعود رَّه المرفوع: ((الاستحياء من الله أن تحفظ الرأس، وما وعَى، والبطن، وما حوى، وأن تذكر الموت، والبِلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيى من الله حقّ الحياء)). رواه الترمذيّ، وغيره(٣). وأخرج البخاريّ في ((التفسير)) عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿أَلَّ إِنَّهُمْ يَثْنُنَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوْ مِنْهُ﴾ الآية [هود: ٥] إنها نزلت في قوم كانوا يُجامعون نساءهم، ويتخلّون، فيستحيون من اللَّه، فنزلت الآية. وكان الصّدّيق رَُّهُ يقول: استحيوا من اللَّه، فإني أذهب إلى الغائط، فأظلّ متقنّعًا بثوبي حياء من ربّي عز وجل. وكان موسى عليَّلامُ إذا اغتسل في بيت مظلم لا يُقيم صلبه حياء من الله عز وجل. قال بعض السلف: خَفِ اللَّه على قدر قدرته عليك، واستحي منه على قدر (١) رواه الطبرانيّ في ((الكبير)) ٢٢٩/٨ من طريق أبي عبد الملك علي بن يزيد الألهانيّ، عن القاسم، عن أبي أمامة رَّ مرفوعًا، وفيه عليّ بن يزيد ضعيف. (٢) علقه البخاريّ في ((كتاب الغسل)) ٢٧٨ وأخرجه أحمده/ ٤ وأبو داود ٤٠١٧ والترمذيّ ٢٧٩٤ والحاكم ٤/ ١٧٩ . (٣) رواه الترمذي ٢٤٥٨ وأحمد١/ ٣٨٧ من طريق الصباح بن محمد، عن مرة الهمدانيّ، عن ابن مسعود رَّ، والصباح ضعيف، واستنكروا عليه هذا الحديث، وصوّبوا وقفه على ابن مسعود رَاليه ، ولكن الشيخ الألباني رحمه الله تعالى حسّنه، انظر ((صحيح الجامع الصغير)) ٢٢٢/١ رقم ٩٣٥ . ٣٦٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِهِ قُربه منك. وقد يتولّد الحياء من الله من مطالعة النعم، فيستحيي العبد من اللَّه أن یستعین بنعمته على معاصیه، فهذا كله من أعلى خصال الإيمان. انتهى كلام ابن رجب رحمه الله تعالى في ((شرح البخاري)) ١٠٢/١-١٠٤. وهو بحث نفيس واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ٢٨- (الدِّينُ يُسْرٌ) ٥٠٣٦- (أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ مَعْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((إِنَّ هَذَا الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَاذَّ الدِّينَ أَحَدّ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدْدُوا، وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا، وَيَسْرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَذْوَةِ وَالرَّوْحَةِ، وَشَيْءٍ مِنَ الدَّلْجَةِ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١- (أبو بكر بن نافع) هو محمد بن أحمد بن نافع العبديّ البصريّ، مشهور بکنیته، صدوق، من صغار [١٠] ٢٧ /٨١٣. ٢- (عمر بن عليّ) بن عطاء بن مُقَدَّم البصريّ، واسطيّ الأصل، ثقة، وكان يدلّس تدليسًا شديدًا [٨] ٣٦٩٤/٣٦. ٣- (معن بن محمد) بن معن بن نَضْلَةَ بن عمرو الغفاريّ، أبو محمد الحجازيّ، مقبول(١) [٦]. روى عن حنظلة بن عليّ الأسلميّ، وسعيد المقبريّ. وعنه ابنه محمد، وابن جُريج، وعبد الله بن عبد اللَّه الأشعريّ، وعمر بن عليّ المقدّميّ. ذكره ابن حبّان في (الثقات)). روى له البخاريّ، والمصنّف، والترمذيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٤- (سعيد) بن أبي سعيد كيسان المقبريّ المدنيّ، ثقة تغير قبل موته بأربع سنين [٣] ٩٥ /١١٧ ٠ ٥- (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه١/١ . والله تعالى أعلم. (١) هكذا قال في ((التقريب)): مقبول، وسيأتي أن الحافظ قال في ((الفتح)): مدني ثقة. فلْيُتَأَمَّل. ٣٦٥ == ٢٨- (الدِّينُ يُسْرَّ) - حديث رقم ٥٠٣٦ لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه أبا هريرة وظا من المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: إِنَّ هَذَا الدِّينَ يُسْرٌ) بضم المثناة التحتانيّة، وسكون السين المهملة -: ضدّ العسر، أي إن دين الإسلام ذو يسر، أو سُمي الدين يسرا؛ مبالغة بالنسبة إلى الأديان قبله؛ لأن الله تعالى رفع عن هذه الأمة الإصر الذي كان على من قبلهم، ومن أوضح الأمثلة له أن توبتهم كانت بقتل أنفسهم، وتوبة هذه الأمة بالإقلاع، والعزم، والندم. قاله في ((الفتح)) ١٣٠/١. (وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ) وفي رواية البخاريّ: ((ولن يشاد الدين إلا غلبة))، بحذف الفاعل، قال في ((الفتح)): هكذا في روايتنا بإضمار الفاعل، وثبت في رواية ابن السكن، وفي بعض الروايات عن الأصيلي بلفظ: ((ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه))، وكذا هو في طرق هذا الحديث عند الإسماعيلي، وأبي نعيم، وابن حبان، وغيرهم. و((الدين)): منصوب على المفعولية، وكذا في روايتنا أيضا، وأضمر الفاعل للعلم به، وحَكَى صاحب ((المطالع)) أن أكثر الروايات برفع ((الدين)) على أن ((يُشاد)» مبني لما لم يسم فاعله، وعارضه النووي بأن أكثر الروايات بالنصب، ويجمع بين كلاميهما، بأنه بالنسبة إلى روايات المغاربة والمشارقة، ويؤيد النصب لفظ حديث بريدة تَّ عند أحمد: ((إنه من شاد هذا الدين يغلبه))، ذكره في حديث آخر، يصلح أن يكون هو سبب حديث الباب، والْمُشَادّة بالتشديد: المغالبة، يقال: شادّه يُشادّه مُشادّة: إذا قاواه. والمعنى لا يتعمق أحد في الأعمال الدينية، ويترك الرفق إلا عجز، وانقطع، فيُغلَب. وقال الحافظ ابن رجب رحمه اللّه تعالى: معنى الحديث النهي عن التشدّد في الدين، بأن يحمِل الإنسان نفسه من العبادة ما لا يحتمله، إلا بكلفة شديدة، وهذا هو المراد بقوله: ((لن يُشاذّ الدين أحد إلا غلبه)): يعني أن الدين لا يؤخذ بالمغالبة، فمن شاد الدين غلبه، وقطعه. وفي ((مسند الإمام أحمد)) عن مِحجن بن الأدرع ر، قال: أقبلت مع النبيّ وَ ﴿ حتى إذا كنا بباب المسجد إذا رجلٌ يُضليُ، قال: ((أتقوله صادقًا؟))، قلت: يا نبيّ اللّه هذا فلان، وهذا من أحسن أهل المدينة، أو من أكثر أهل المدينة ٣٦٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ صلاةً، قال: ((لا تُسمعه، فتهلكه- مرّتين، أو ثلاثًا- إنكم أمة أُريد بكم اليسر)). وفي رواية له: قال: ((إن خير دينكم أيسره، إن خير دينكم أيسره)). وفي رواية له أيضًا: قال: ((إنكم لن تنالوا هذا الأمر بالمغالبة)). وأخرجه حميد بن زنجويه، وزاد: ((اكلفُوا من العمل ما تُطيقون، فإن اللَّه لا يمل حتى تملّوا، الغُذْوةُ، والروحةُ، وشيءٌ من الدُّلْجة)). وأخرجه ابن مردويه، وعنده: قال: ((إن اللَّه إنما أراد بهذه الأمة اليسر، ولم يرد بها العسر)). وفي ((المسند)) ٣٥٠/٥-٣٦١ أيضا: عن بُريدة ◌َّه قال: خرجت، فإذا رسول اللّه وَل﴿ يمشي، فلحقته، فإذا نحن بين أيدينا برجل يُصلّي، يُكثر الركوع والسجود، فقال لي: «أتُراه يُرائي؟)) قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فترك يده من يدي، ثم جمع بين يديه، فجعل يُصوِّبهما، ويرفعهما، ويقول: ((عليكم هديًا قاصدًا، عليكم هديًا قاصدًا، فإنه من يُشاذّ هذا الدين يغلبه)). وفي ((المسند)) أيضًا ٦٩/٥: عن عاصم ابن هلال، عن غاضرة بن عروة الفُقَيميّ، عن أبيه تَّ، قال: كنّا ننتظر النبيّ وَّل، فخرج، فصلّى، فلَمّا قضى الصلاة جعل الناس يسألونه: علينا حرجٌ في كذا؟ فقال رسول اللّه وَله: ((إن دين الله في يسر))، قالها ثلاثًا. وفي المعنى أحاديث أخر. انتهى كلام ابن رجب في ((شرح البخاري)) ١٤٩/١-١٥١. (فَسَدِّدُوا) أي الزموا السَّدَاد، وهو الصواب، من غير إفراط، ولا تفريط، قال أهل اللغة: السَّدَاد- بالفتح -: الصواب من القول والفعل، وأما السِّداد- بالكسر - فهو ما تُسدّ به القارورة، ونحوها، ومن سِدَاد الثّغْر، واختلفوا في سِداد من عَيشٍ، وسِدَاد من عَوَزٍ لما يُرمق به العيش، وتُسدّ به الْخَلَّةُ، فقال ابن السِّكْيت، والفارابيّ، وتبعه الجوهريّ بالفتح، والكسر، واقتصر الأكثرون على الكسر، منهم ابن قُتيبة، وثعلبٌ، والأزهريّ؛ لأنه مستعار من سِداد القارورة، فلا يُغيّر، وزاد جماعة، فقالوا: الفتح لحنٌّ. وعن النضر بن شُميل: سِدادٌ من عَوَز: إذا لم يكن تامًا، ولا يجوز فتحه. ونقل في ((البارع)) عن الأصمعيّ: سِدَادٌ من عَوَزٍ بالكسر، ولا يُقال بالفتح، ومعناه: إن أعوز الأمر كلَّهُ ففي هذا ما يسُدّ بعض الأمر. أفاده في ((المصباح)). ولشيخنا عبد الباسط المناسيّ النحويّ اللغويّ رحمه الله تعالى: وَمَا بِهِ يُسَدُّ شَيْءٌ ثَابِتُ إِنَّ السِّدَادَ كَكِتَابٍ بُلْغَةُ فَقَصْدُ دِينٍ وَسَبِيلِ الْبَابِ أَمَّا الَّذِي بِالْقَتْحِ كَالسَّحَابٍ واختصرهما في بيت، فقال: سِدَادُكَ الْمَكْسُورُ سِيئًا بُلْغَتُكْ وَمَا بِمَعْنَى الْقَصْدِ فِيهَا فَتْحَتُكْ (وَقَارِبُوا) أي إن لم تستطيعوا الأخذ بالأكمل، فاعملوا بما يقرُب منه. ٣٦٧ = ٢٨- (الدِّينُ يُسْرٌ) - حديث رقم ٥٠٣٦ وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: قوله: ((فسدّدوا، وقاربوا)): التسديد: هو إصابة الغرض المقصود، وأصله من تسديد السهم: إذا أصاب الغرض الْمَرْميَّ إليه، ولم يُخطئه. والمقاربة: أن يقارب الغرض، وإن لم يُصبه، لكن يكون مجتهدًا على الإصابة، فيُصيب تارةً، ويقارب أَخْرَى، أو تكون المقاربة لمن عجز عن الإصابة، كما قال تعالى: ﴿فَنَّقُوا اللَّهَ مَا أَسْتَطَعْتُمْ﴾ الآية [التغابن: ١٦]، وقال النبيّ وَّر: ((إذا أمرتكم بأمر، فأتوا منه ما استطعتم))، متفقٌ عليه. وفي ((المسند)) ٢١٢/٤، و((سنن أبي داود)) ١٠٩٦ عن الحكم بن حَزْن الْكُلَفيّ أنه سمع النبيّ ◌َّ يقول على المنبر، يوم الجمعة: ((يا أيها الناس، إنكم لن تُطيقوا- أو لن تفعلوا- كلّ ما أمرتكم، ولكن سدّدوا، وأبشروا)). وقيل: أراد بالتسديد: العمل بالسداد، وهو القصد، والتوسّط في العبادة، فلا يُقصّر فيما أُمر به، ولا يتحمّل منها ما لا يُطيقه. قال النضر بن شُميل: السَّدَاد: القصد في الدين والسبيل، وكذلك المقاربة المراد بهما التوسّط بين التفريط والإفراط، فهما كلمتان بمعنّی واحدٍ . وقيل: بل المراد بالتسديد التوسّط في الطاعات بالنسبة إلى الواجبات والمندوبات، وبالمقاربة: الاقتصار على الواجبات. وقيل: فيهما غير ذلك. انتهى ((شرح البخاريّ)) ١٥١/١-١٥٢. (وَأَبْشِرُوا) بقطع الهمزة، من الإبشار، يقال: أبشر: إذا فرِح، ومنه أبشر بخير. قاله في ((القاموس))، وقال أيضًا: بشرت به، كعلم، وضرب: سُرِرتُ. انتهى. وفي (المصباح)): بَشِر بكذا، مثل فرح يفرّح وزنًا ومعنى، وهو الاستبشار أيضًا، والمصدر البُشُور، ويتعدّى بالحركة، فيقال: بَشَرتَهُ أبشُرُه بشرا، من باب قتل في لغة تهامة، وما والاها. انتهى. والمعنى: استبشروا بالثواب على العمل الدائم، وإن قَلَّ، والمراد تبشير من عجز عن العمل بالأكمل، بأن العجز إذالم يكن من صنيعه، لا يستلزم نقص أجره، وأبهم المبشر به؛ تعظيما له، وتفخيمًا (وَيَسِرُوا) على أنفسكم، وعلى غيركم في أمور الدين (وَاسْتَعِينُوا بِالْغُذْوَةِ) بضم الغين المعجمة، وسكون الدال المهملة، وضبطه الكرمانيّ، والحافظ بالفتح، وتعقّبهما العينيّ، وهو كما قال: وهو سير أول النهار إلى الزوال، وقال الجوهري: ما بين صلاة الغداة، وطلوع الشمس. (وَالرَّوْحَةِ)- بالفتح: السير بعد الزوال (وَشَيْءٍ مِنَ الدَّلْجَةِ)))- بضم أوله، وفتحه، وإسكان اللام -: سير آخر الليل، وقيل: سير الليل كله، وعَبَّر فيه بـ((من)) التبعيضية؛ لأن عمل الليل أشق من عمل النهار. ٣٦٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ والمعنى: استعينوا على مداومة العبادة، بإيقاعها في الأوقات الْمُنَشِطَة، فإن هذه الأوقات أطيب أوقات المسافر، وكأنه ◌َ له خاطب مسافرا إلى مقصد، فنبهه على أوقات نشاطه؛ لأن المسافر إذا سافر الليل والنهار جميعا، عجز وانقطع، وإذا تحرى السير في هذه الأوقات المنشطه، أمكنته المداومة، من غير مشقة. وحَسَّنَ هذه الاستعارة، أن الدنيا في الحقيقة، دار نقلة إلى الآخرة، وأن هذه الأوقات بخصوصها أروح ما يكون فيها البدن للعبادة. وقوله في رواية ابن أبي ذئب: ((القصدَ القصدَ))- بالنصب فيهما على الإغراء، والقصد الأخذ بالأمر الأوسط. قاله في ((الفتح)). وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: يعني أن هذه الأوقات الثلاثة أوقات العمل، والسير إلى الله تعالى، وهي أول النهار، وآخره، فالغُدوة أول النهار، والروحة آخره، والدُّلْجة سير آخر الليل. وفي ((سنن أبي داود)) ٢٥٧١: عن النبيّ وَّ قال: ((إذا سافرتم، فعليكم بالدُلْجة، فإن الأرض تُطوى بالليل)). فسير آخر الليل محمود في سير الدنيا بالأبدان، وفي سير القلوب إلى اللَّه بالأعمال. وأخرج البخاريّ هذا الحديث في أواخر كتابه، وزاد فيه: «القصدَ القصدَ تبلغوا)). يعني أن من دام على سيره إلى اللَّه في هذه الأوقات الثلاثة، مع الاقتصاد بلغ، ومن لم يقتصد، بل بالغ، واجتهد، فربّما انقطع في الطريق، ولم يبلغ. وقد جاء من رواية عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، مرفوعًا: ((إن هذا الدين متينٌ، فأوغِل فيه برفق، ولا تُبغّض إلى نفسك عبادة اللّه، فإن الْمُنْبَثَّ لا سفرًا قطع، ولا ظهرًا أبقى)) (١) . والمنبت هو المنقطع في سفره قبل وصوله، فلا سفره قطع، ولا ظهره الذي يسير عليه أبقى، حتى يمكنه السير عليه بعد ذلك، بل هو كالمنقطع في المفاوز، فهو إلى الهلاك أقرب، ولو أنه رفَق براحلته، واقتصد في سيره عليها، لقطعت به سفره، وبلغ إلى المنزل. انتهى ((شرح البخاريّ لابن رجب)) ١/ ١٥٢-١٥٣. [تنبيه]: أورد البخاريّ هذا الحديث بعد حديث الجهاد، وقيام رمضان، وصومه، فقال الحافظ رحمه اللّه تعالى في ((الفتح)): ومناسبة إيراد المصنف لهذا الحديث، عقب الأحاديث التي قبله ظاهرة، من حيث إنها تضمنت الترغيب في القيام، والصيام، والجهاد، فأراد أن يبين أن الأولى للعامل بذلك، أن لا يُجهِد نفسه، بحيث يَعجز، (١) أخرجه ابن المبارك في ((الزهد)) ص٤٦٩ والبيهقيّ ١٩/٣. وحسّنه الشيخ الألبانيّ بمجموع طرقه، انظر ((صحيح الجامع الصغير)) ١/ ٤٤٧ رقم ٢٢٤٦ و)) السلسلة الضعيفة)) ٥٠١/٥-٥٠٣ رقم ٢٤٨٠ . ٢٨ - (الدِّينُ يُسْرٌ) - حديث رقم ٥٠٣٦ ٣٦٩ = وينقطع، بل يَعمَل بتلطف، وتدرج؛ ليدوم عمله، ولا ينقطع. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وقريب منه صنيع المصنّف رحمه اللّه تعالى، أورد هذا الباب بعد الأبواب الماضية، من قيام رمضان، وليلة القدر، والزكاة، والجهاد، وأداء الخمس، وشهود الجنائز، والحياء، فالمناسبة المذكورة واضحة فيه أيضًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه هذا أخرجه البخاريّ. [تنبيه]: قال الحافظ رحمه اللّه تعالى: هذا الحديث من أفراد البخاري عن مسلم(١)، وصححه، وإن كان من رواية مُدّلس- يعني عمر بن محمد المقدّميّ، فإنه وإن كان ثقة، لكنه مدلّس، شديد التدليس، وصفه بذلك ابن سعد، وغيره- وقد رواه بالعنعنة؛ لتصريحه فيه بالسماع، من طريق أخرى، فقد رواه ابن حبان في ((صحيحه)) من طريق أحمد بن الْمِقْدَام، أحد شيوخ البخاري، عن عمر بن على المذكور، قال: سمعت معن بن محمد، فذكره، وهو من أفراد معن بن محمد، وهو مدني ثقة، قليل الحديث، لكن تابعه على شقه الثاني ابن أبي ذئب، عن سعيد، أخرجه البخاريّ في ((كتاب الرقاق)) بمعناه، ولفظه: ((سَدِّدوا، وقربوا))، وزاد في آخره: ((والقصدَ القصدَ، تبلغوا))، ولم يذكر شقه الأول، وقد أشرنا إلى بعض شواهده، ومنها حديث عروة الفُقَيمي بضم الفاء، وفتح القاف- عن النبي وَلّ، قال: ((إن دين الله يسر))، ومنها حديث بُرَيدة، قال: قال رسول اللَّه وَله: ((عليكم هديًا قاصدًا، فإنه من يُشادَّ هذا الدين يغلبه))، رواهما أحمد، وإسناد كل منهما حسن. انتهى ((فتح)) ١/ ١٣١ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٥٠٣٦/٢٨- وأخرجه (خ) في ((الإيمان)) ٣٩° و((المرضى)) ٥٦٧٣ و((الرقاق)) ٦٤٦٣ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ٢٧٤٧٠ و٩٥٢١ و٩٦٨١ (١) هكذا قال في ((الفتح)): إنه من أفراد البخاريّ، وتبعه العينيّ في ((عمدته))، وفيه نظر، فإنه إن أراد بتمام لفظه، فمسلّم، وإن أراد أصل الحديث، فقد أخرجه مسلم أيضًا، في ((صفة القيامة)) من (صحيحه))، من رواية أبي هريرة ◌َلَيهِ، ونصّه: ٢٨١٦ - حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ليث، عن بكير، عن بسر بن سعيد، عن أبي هريرة، عن رسول اللَّه وَله، أنه قال: ((لن ينجي أحدا منكم عمله))، قال رجل: ولا إياك يا رسول الله؟ قال: ((ولا إياي، إلا أن يتغمدني الله منه برحمة، ولكن سددوا)). والله تعالى أعلم. ٣٧٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ و١٠٥٥٦ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان أن الدين يسر. (ومنها): الحضّ على الرفق في العمل، والاقتصاد فيه، وترك حمل النفس على المشقّة؛ لأن الله تعالى أوجب عليها وظائف من الطاعات، في وقت دون وقت، تيسرًا منه، ورحمة. (ومنها): التنبيه على أوقات النشاط؛ لأن الغَذْوة، والروحة، والدلجة أفضل أوقات المسافر؛ لأنها أوقات نشاطه، بل على الحقيقة الدنيا دار نُقلة، وطريقٌ إلى الآخرة، فنبه وَالثّ أمته أن يغتنموا أوقات فُرَصهم، وفراغهم. (ومنها): ما قاله ابن الْمُنَيِّر رحمه اللَّه تعالى: في هذا الحديث عَلَمْ من أعلام النبوة، فقد رأينا ورَأى الناسُ قبلنا أن كل مُتَنَطُّع في الدين ينقطع، وليس المراد منع طلب الأكمل في العبادة، فإنه من الأمور المحمودة، بل منع الإفراط المؤدي إلى الملال، أو المبالغة في التطوع، المفضي إلى ترك الأفضل، أو إخراج الفرض عن وقته، كمن بات يصلي الليل كله، ويغالب النوم إلى أن غلبته عيناه، في آخر الليل، فنام عن صلاة الصبح في الجماعة، أو إلى أن خرج الوقت المختار، أو إلى أن طلعت الشمس، فخرج وقت الفريضة، وفي حديث مِخجَن بن الأردع تَظّ عند أحمد: ((إنكم لن تنالوا هذا الأمر بالمبالغة، وخير دینكم اليسرة)). (ومنها): أن فيه الإشارةَ إلى الأخذ بالرخصة الشرعية، فإن الأخذ بالعزيمة في موضع الرخصة قد يكون تَنَطَّعًا، كمن يترك التيمم عند العجز عن استعمال الماء، فيفضي به استعماله إلى حصول الضرر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ٢٩- (أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللهِ عز وجل) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على أحب الدين إلى الله تعالى، وهو ما داوم عليه صاحبه. وقد ترجم الإمام البخاريّ رحمه اللّه تعالى ٢٩- (أَحَبُّ الدِیْنِ إِلَى اللهِ عز وجل) - حديث رقم ٥٠٣٧ ٣٧١ في (صحيحه)) بقوله: ((باب أحبّ الدين إلى الله أدومه))، فقال في ((الفتح)): مراد المصنّف بهذا الاستدلال على أن الإيمان يُطلق على الأعمال؛ لأن المراد بالدين هنا العمل، والدين الحقيقي هو الإسلام، والإسلام الحقيقي، مرادف للإيمان، فيصح بهذا مقصوده . وقد علّق البخاريّ رحمه اللّه تعالى في موضع حديث: ((أحبّ الدين إلى اللَّه الحنيفيّة السمحة)). فقال في ((الفتح)): ومعنى أحبّ الدين: أي خصال الدين؛ لأن خصال الدين كلها محبوبة، لكن ما كان منها سمحا: أي سهلا، فهو أحب إلى الله، ويدل عليه ما أخرجه أحمد، بسند صحيح، من حديث أعرابي لم يسمه، أنه سمع رسول اللّه وَ له، يقول: ((خير دينكم أيسره))، أو الدين جنس: أي أحب الأديان إلى اللّه الحنيفية، والمراد بالأديان الشرائع الماضية، قبل أن تُبَدَّل، وتنسخ، والحنيفية ملة إبراهيم، والحنيف في اللغة: من كان على ملة إبراهيم، وسمي إبراهيم حنيفا؛ لميله عن الباطل إلى الحق؛ لأن أصل الْحَنَّف: الميل، والسمحة: السهلة: أي أنها مبنيةُ على السهولة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجَّ ◌ِلَّةَ أَبِكُمْ إِنْزَهِيمٌ﴾ الآية [الحج: ٧٨]. وهذا الحديث المعلق، لم يسنده البخاريّ في ((صحيحه))؛ لأنه ليس على شرطه، نعم وصله في ((كتاب الأدب المفرد)»، وكذا وصله أحمد بن حنبل وغيره، من طريق محمد بن إسحاق، عن داود بن الحصین، عن عكرمة، عن ابن عباس، وإسناده حسن، استعمله البخاريّ في الترجمة؛ لكونه متقاصرا عن شرطه، وقَوّاه بما دل على معناه؛ لتناسب السهولة واليسر. انتهى ((الفتح)) ١٣٠/١-١٣١. والله تعالى أعلم بالصواب. ٥٠٣٧ - (أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ يَخْتِى -وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ- عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةً، أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيِّ وَّهِ، دَخَلَ عَلَيْهَا، وَعِنْدَهَا امْرَأَةٌ، فَقَالَ: لَمَنْ هَذِهِ؟)) قَالَتْ: فُلَانَةُ، لَا تَنَامُ، تَذْكُرُ مِنْ صَلَاتَهَا، فَقَالَ: ((مَهْ عَلَيْكُمْ مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ، فَوَاللَّهِ لَا يَمَلُّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، حَتَّى تَمَلُوا، وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ مَا دَامَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ))). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، وهو نسائيّ ثقة. و((يحيى بن سعيد)): هو القطّان. وقوله: ((أخبرني أبي)) يقدر قبله لفظ: ((أنه قال))، كما سبق نظيره غير مرّة. وقوله: ((فلانة)) كناية عن كلّ علم مؤنّث، فلا ينصرف، وهذه المرأة هي الْحَوْلاء بنت تُويت بن حبيب بن أسد بن عبد العزّى، من رهط خديجة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنهما. وقوله: ((لا تنام)) وفي رواية ((الموطًا)): ((لا تنام بالليل)). ٣٧٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ وقوله: ((مه)): هي كلمة مبنية على السكون، وهي اسم فعل، بمعنى اكفف، وهذا الزجر يحتمل أن يكون لعائشة، زجرًا عن مدح المرأة بما ذَكّرت، ويحتمل أن يكون للمرأة زجرًا عن فعلها هذا. أفاده في ((الفتح)). وقال الحافظ ابن رجب رحمه اللّه تعالى: وقول النبيّ وَلهو: ((مه)) زجرٌ لعائشة عن قولها عن هذه المرأة في كثرة صلاتها، وأنها لا تنام الليل، وأمرٌ لها بالكفّ عمّا قالته في حقّها، فيحتمل أن ذلك كراهية للمدح في وجهها، حيث كانت المرأة حاضرةً. ويحتمل- وهو الأظهر، وعليه يدلّ سياق الحديث- أن النهي إنما هو لمدحها بعمل ليس بممدوح في الشرع. وعلى هذا فكثيرًا ما يُذكر في مناقب العبّاد من الاجتهاد المخالف للشرع يُنهَى عن ذكره على جهة التملّح به، والثناء به على فاعله، وقد سبق شرح هذا المعنى في قوله وَّلجر: ((الدين يُسر))، فإن المراد بهذا الحديث الاقتصاد في العمل، والأخذ منه بما يتمكّن صاحبه من المداومة عليه، وأن أحبّ العمل إلى الله تعالى ما دام صاحبه عليه، وإن قلّ. وقد رُوي ذلك في حديث آخر، وكذلك كان حال النبيّ وَّير كان عمله ديمة، وكان إذا عمل عملا أثبته. وقد كان ينهى عن قطع العمل وتركه، كما قال لعبد الله بن عمرو: ((لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل، فترك قيام اللیل)). متفقٌ عليه. انتهى. وقوله: فوالله لا يملّ اللَّه حتى تملّوا)): قال ابن رجب رحمه الله تعالى: الملل، والسآمة للعمل يوجب قطعه وتركه، فقطع اللّه عنه ثواب ذلك العمل، فإن العبد إنما يُجازى بعمله، فمن ترك عمله انقطع عنه ثوابه وأجره، إذا كان قطعه لغير عذر، من مرض، أو سفر، أو هَرَم، كما قال الحسن: إن دُور الجنة تبنيها الملائكة بالذكر، فإذا فتر العبد انقطع الملَك عن البناء، فتقول له الملائكة: ما شأنك يا فلان؟ فيقول: إن صاحبي فَتَر، قال الحسن: أمدّوهم - رحمكم الله- بالنفقة. وأيضًا فإن دوام العمل، وإيصاله ربّما حصل للعبد به في عمله الماضي ما لا يحصل له فيه عند قطعه، فإن الله تعالى يحبّ مواصلة العمل، ومداومته، ويجزي على دوامه ما لا يجزي على المنقطع منه. وقد صحّ هذا المعنى في الدعاء، وأن العبد يُستجاب له ما لم يعجَل، فيقول: قد دعوت، فلم يُستجب لي، فيدع الدعاءَ، فدلّ هذا على أن العبد إذا أدام الدعاء، وألح فيه أجيب، وإن قطعه، واستحسر، مُنع إجابته. وسُمّي هذا المنع من اللّه تعالى مللًا، وسآمةً، مقابلةً للعبد على ملله، وسآمته، كما قال تعالى: ﴿نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ٦٧]، فسُمّي إهمالهم، وتركهم نسيانًا، مقابلةً لنسيانهم له. هذا أظهر ما قيل في هذا. ويشهد له أنه قد رُوي من حديث عائشة = ٣٧٣ ٢٩- (أَحَبُّ الدِّيْنِ إِلَى اللهِ عز وجل) - حديث رقم ٥٠٣٧ رضي الله عنها، عن النبيّ وَّ أنه قال: «اكلّفُوا من العمل ما تُطيقون، فإن اللَّه لا يملّ من الثواب، حتّى تملّوا من العمل)). أخرجه بقيّ بن مَخْلَد، وفي إسناده موسى بن عُبيدة. أي وهو ضعيف(١) . وقد قيل: إنّ ((حتّى)) ههنا بمعنى واو العطف، ولكن لا يصحّ دعوى كون ((حتى)) عاطفة؛ لأنها إنما تعطف المفردات، لا الجمل، هذا هو المعروف عند النحويين، وخالف فيه بعضهم. وقيل: إن ((حتّى)) فيه بمعنى ((حين))، وهذا غير معروف. وزعم ابن قتيبة أن المعنى: ((لا يملّ إذا مللتم))، وزعم أن هذا الاستعمال معروفٌ في كلام العرب. وقد يقال: إن ((حتى)) بمعنى لام التعليل، وأن المراد أن اللَّه لا يملّ لكي تملّوا أنتم من العمل. وفيه بُعدٌ أيضًا. ولو كان كذلك لقال: حتى لا تملّوا، ويكون التعليل حينئذ بإعلامهم بأن اللَّه لا يملّ من العطاء، فيكون إخبارهم بذلك مقتضيًا لمداومتهم على العمل، وعدم مللهم، وسآمتهم. وقد يقال: إنما يدلّ هذا الكلام على نسبة الملل، والسآمة إلى اللَّه بطريق مفهوم الغاية، ومن يقول: إنه لا مفهوم لها، فإنه يمنع من دلالة الكلام على ذلك بالكلّيّة. ومن يقول بالمفهوم، فإنه يقول: متى دلّ الدليل على انتفائه لم يكن مرادًا من الكلام، وقد دلت الأدلة على انتفاء النقائص والعيوب عن الله تعالى، ومن جملة ذلك لحوق السآمة والملل له. ولكن بعض أصحابنا ذكر أن دلالة مفهوم الغاية كالمنطوق، بمعنى أنه لا يجوز أن يكون ما بعد الغاية موافقًا لما قبلها بمفهوم الموافقة، أو غيره. فعلى قوله يتعيّن في هذا الحديث أحد الأجوبة المتقدّمة. والله سبحانه وتعالى أعلم. انتهى كلام ابن رجب رحمه اللَّه تعالى في ((شرح البخاري)) ١٦٥/١-١٦٧ . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تقدّم هذا البحث في ٩/ ٤٨٤-٤٨٧ في ((كتاب الصلاة)) - ٧٦٢/٣١ - باب ((المصلّي يكون بينه وبين الإمام سترة))، وذكرت هناك ما قاله العلماء من التأويلات لهذا الحديث، وقلت: إنه ليس في هذا الحديث إثبات الملل لله عز وجل صريحًا، بل هو من باب مفهوم المخالفة، وأما صريحه، فنفي الملل عنه، فلا ينبغي أن نثبت به صفة الملل، فالأولى عندي قول بعضهم: إن ((حتى)) بمعنى الواو، وليست للغاية، وهو قول ابن السيد، قاله في قول امرىء القيس [من الطويل]: سَرَيتُ بِهِمْ حَتَّى تَكِلُّ مَطِيُّهُمْ وَحَتَّى الْجِيَادُ مَا يُقَدْنَ بِأَرْسَانٍ فيمن رفع (تكلّ))، قال: جملة ((تكلّ مطيُّهم)) معطوفةٌ على ((سريت بهم)). ذكره ابن (١) هذا يدلّ على أنه لا ينفع في تقوية الاحتمال المذكور؛ لكونه ضعيفًا، فليُتنبّه. ٣٧٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ هشام الأنصاريّ في ((مغني اللبيب)) ١/ ١٢٧- وصحح خلافه. فيكون المعنى: إن اللَّه تعالى لا يملّ، وأنتم تملّون، وأولى منه تأويل ابن قتيبة الماضي قريبًا: أي لا يملّ اللّه تعالى إذا ملِلتم، فيكون من باب المقابلة، وهذا المعنى هو الذي استظهره ابن رجب في أول كلامه. والله تعالى أعلم. وقوله: ((وكان أحبّ الدين إليه الخ)) أي إلى الله تعالى، كما صرح به في رواية عند الشيخين، أو إلى رسول اللَّه وَ لتر، كما صرح به عند البخاريّ في ((الرقاق))، ولا تخالف بين الروايتين؛ لأن ما كان أحبّ إلى اللَّه تعالى، كان أحبّ إلى رسوله وَّل. والحديث متفقٌ عليه، وقد تقدم في ((کتاب قيام الليل)) ١٧ / ١٦٤٢ وقد استوفيت شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ٣٠- (الْفِرَارُ بِالدِّينِ مِنَ الْفِتَنِ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: غرض المصنف رحمه اللّه تعالى بهذه الترجمة كون الفرار بالدين من الفتن من الإيمان، لكن الاستدلال بحديث الباب على هذا محل نظر، وقد سبقه الإمام البخاري رحمه الله تعالى إلى ذلك في ((صحيحه)) فقال: ((باب من الدين الفرار من الفتن)»، وسيأتي ما ذكره الشراح على كلامه هذا في المسألة الثالثة، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب. ٥٠٣٨- (أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ حَدَّثَنَا مَعْنٌ ح وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَا حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُذْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ مُسْلِم، غَثَمْ يَتَّبعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ، وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ»). رجال هذا الإسناد: ثمانية : ١- (عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة) الأنصاريّ المازني، ثقة [٦] ١٤ / ١٧٢٤ . ٢- (أبوه) عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاريّ المدنيّ، ثقة [٣] ٣٧٥ ٣٠- (الفِرَارُ بِالدِّينِ مِنَ الفِتَن) - حديث رقم ٥٠٣٨ ١٤ /٠٦٤٤ ٣- (أبو سعيد الخدريّ) سعد بن مالك بن سنان رضي اللَّه تعالى عنهما١٦٩/ ٢٦٢ . والباقون ترجموا قبل باب. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه الحارث، فقد تفرّد به هو وأبو داود (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير هارون، فبغداديّ، والحارث، فمصريّ. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. (ومنها): أن فيه أبا سعيد رَظّه من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ) هو عبد الله ابن عبد الرحمن بن الحارث بن أبي صعصعة، فسقط ((الحارث)) من الرواية، واسم أبي صعصعة عمرو بن زيد بن عوف الأنصاريّ، ثم المازنيّ، هلك في الجاهلية، وشهد ابنه الحارث أُحُدًا، واستُشهد باليمامة. قاله في ((الفتح)) ٩٨/١ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ) اسمه سعد على الصحيح، وقيل: سنان بن مالك بن سنان سعد، استُشهد أبوه بأحد، وكان من الكثرين. قاله في ((الفتح)) ١/ ٩٨ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((يُوشِكُ) بكسر الشين المعجمة: أي يقرب، ويقال في ماضيه: أوشك، ومن أنكر استعماله ماضیًا، فقد غلط، فقد كثُر استعماله. قال الجوهريّ: أوشك فلان يوشك إیشاكًا: أي أسرع. قال جرير [من الوافر]: إِذَا جَهِلَ اللَّئِيمُ وَلَمْ يُقَدِّزْ لِيَغْضِ الأَمْرِ أَوْشَكَ أَنْ يُصَابَا قال: والعامة تقول يُوشَك بفتح الشين، وهي لغة رديئة. انتهى. (أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ مُسْلِمٍ) بالنصب على أنه خبر (يكون))، واسمها قوله: (غَثَمْ) ووقع عند البخاريّ في رواية الأصيليّ برفع (خير))، ونصب ((غنمًا)) على الخبريّة، ويجوز رفعهما على الابتداء والخبر، ويقدّر في ((يكون)) ضمير الشأن. قاله ابن مالك، لكن لم تجىء به الرواية. قاله في ((الفتح)) ٩٩/١. [فإن قيل]: لما ذا قيّد المال بالغنم؟. [أجيب]: بأن هذا النوع من المال نموّه وزيادته أبعد من الشوائب المحرمة، كالربا والشبهات المكروهة، وخصّت الغنم بذلك لما فيها من السكينة، والبركة، وقد رعاها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، مع أنها سهلة ٣٧٦ E شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِهِ الانقياد، خفيفة المؤنة، كثيرة النفع. (يَتَّبِعُ بِهَا) بتشديد التاء، ويجوز إسكانها (شَعَفَ الْجِبَالِ) بفتح المعجمة، والعين المهملة: جمع شَعَفَة، كأَكّم وأَكَمَةٍ: وهي رءوس الجبال، والمرعى فيها والماء، ولا سيما في بلاد الحجاز أيسرّ من غيرها. ووقع عند بعض رواة ((الموطإ)) - بضم أوله، وفتح ثانيه، وبالموحدة بدل الفاء، جمع شعبة -: وهي ما انفرج بين جبلين، ولم يختلفوا في أن الشين معجمة، ووقع لغير مالك كالأول، لكن السين مهملة. وقد وقع في حديث أبي هريرة رَّه عند مسلم نحو هذا الحديث، ولفظه: ((ورجل في رأس شعبة من هذه الشعاب)). قاله في ((الفتح)) ١٤/ ٥٤١ ((كتاب الفتن)). (وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ) بالنصب عطفًا على ((شَعَف)): أي بطون الأودية، وخصّهما بالذكر؛ لأنهما مظانّ المرعى. [فإن قيل]: لم قيّد الاتباع بشعف الجبال، ومواقع القطر؟. [أجيب]: بأنها أسلم غالبًا من المعادات المؤدّية إلى الكدورات. (يَفِرُّ بِدِينِهِ) أي بسبب دينه، أو للمصاحبة، كما قوله تعالى: ﴿أَهْبِطْ بِسَلَمٍ مِّنَا﴾ [هود: ٤٨]: أي يفرّ مصحبا دينه (مِنَ الْفِتَنِ) ((من)) ابتدائيّة. والجملة الفعليّة في محلّ نصب على الحال، من الضمير المستتر في ((يتبع))، أو من ((مسلم))، ووقوع الحال من المضاف إليه جائز، إذا كان المضاف يصحّ عمله في الحال، كالمصدر، واسم الفاعل، ونحوهما، نحو قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ حَمِيعًا﴾ [يونس: ٤]، أو كان المضاف جزءًا من المضاف إليه، نحو قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِ صُدُورِهِم مِّنْ عِلِّ إِخْوَانًا﴾ [الحجر: ٤٧]، ورأيت وجه هند قائمةً، أو مثل جزء المضاف إليه في صحة الاستغناء بالمضاف إليه عنه، نحو قوله تعالى: ﴿أَشَّعْ مِلَّةَ إِبْرَهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣]، إذ الملة كاجزء من المضاف إليه، إذ يصحّ أن يقال في غير القرآن: اتّبع إبراهيم حنيفًا، قال في ((الخلاصة)): وَلَا نُجِزْ حَالًا مِنَ الْمُضَافِ لَه إِلَّا إِذَا اقْتَضَى الْمُضَافُ عَمَلَةْ أَوْ كَانَ جُزْءَ مَا لَهُ أُضِيفَا أَوْ مِثْلَ جُزْيِهِ فَلَا تَحِيفَا وهنا المال لشدّة ملابسته لصاحبه كأنه جزء منه، فصح مجيء الحال منه. ويجوز أن تكون مستأنفة، استئنافا بيانيّا، وهو ما وقع جوابا لسؤال مقدّر، تقديره هنا: لما ذا يتبع شعف الجبال، ومواقع القطر، فقال: يفرّ بدينه من الفتن. [فإن قيل]: لم قيّد الاتباع المذكور بالفرار بالدين؟. [أجيب]: بأنه للإشعار بأن هذا الاتباع ينبغي أن يكون استعصامًا للدين، لا للأمر الدنيويّ، كطلب كثرة العلف، وقلّة ٣٠- (الفِرَارُ بِالدِّيْن مِنَ الفِتَن) - حديث رقم ٥٠٣٨ ٣٧٧ أطماع الناس فيه. [فإن قيل]: كيف يُجمع بين هذا الحديث الدالّ على اختيار العزلة، وبين ما ندب إليه الشارع من الاختلاط بالناس لإقامة الجماعة، والجمة، والعيد، ونحو ذلك؟. [أجيب]: بأن ما ندب إليه الشارع عند أمن الفتنة، وعدم الوقوع في المعاصي، وأما اتباع الشعف، ومواضع القطر يكون في أيام الفتن. أفاده العينيّ في ((عمدته)) ١٨٦/١. وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: فقوله وَل: ((يوشك)) تقريب للفتنة، وقد وقع ذلك في زمن عثمان رَّه كما أخبر به وَله، وهذا من جملة أعلام نبوّته وَّر. وإنما كانت الغنم خير مال المسلم حيئذ؛ لأن المعتزل عن الناس بالغنم، يأكل من لحومها، ونتاجها، ويشرب من ألبانها، ويستمتع بأصوافها باللبس وغيره، وهي ترعى الكلا في الجبال، وترد المياه، وهذه المنافع، والمرافق لا توجد في غير الغنم، ولهذا قال: ((يتبع بها شَعَف الجبال))، وهي رءوسها، وأعاليها، فإنها تعصم من لجأ إليها من عدوّ. و((مواقع القطر)) لأنه يجد فيها الكلأ، فيشرب منها، ويسقي غنمه، وترعى غنمه من الكلا. قال: وفي هذا دلالةٌ على أن من خرج من الأمصار، فإنه يخرج معه بزاد، وما يُقتات منه. وقوله: ((يفرّ بدينه من الفتن)): يعني يهرب خشية على دينه من الوقوع في الفتن، فإن من خالط الفتن، وأهل القتال على الملك، لم يَسلم دينه من الإثم، إما بقتل معصوم، أو أخذ مال معصوم، أو المساعدة على ذلك بقول، ونحوه، وكذلك لو غلب على الناس من يدعوهم إلى الدخول في كفر، أو معصية حسُن الفرار منه. وقد مدح الله تعالى من فرّ بدينه؛ خشية الفتنة عليه، فقال- حكاية عن أصحاب الكهف: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّ اللَّهَ فَأْوُواْ إِلَى الْكَهْفِ﴾ الآية [الكهف: ١٦]. ورَوَى عروة، عن كرز الخزاعيّ ◌َظعليه قال: سأل رسول اللّه وَلل أعرابيّ: هل لهذا الإسلام من منتهى؟ قال: ((من يُرد الله به خيرًا من عرب، أو عجم أدخله عليه))، قال: ثم ماذا؟ قال: (تقع فِتَنْ كالظُّلَل))، قال: كلّ يا نبيّ اللَّه، قال: ((بلى)) والذي نفسي بيده، لتعودنٌ فيها أَسَاوِدَ صُبّا، يضرب بعضكم رقاب بعض، وخير الناس يومئذ رجلٌ يتّقي ربّه، ويَدَعُ الناس من شرّه)). رواه أحمد في ((مسنده)) ٤٧٧/٣ وابن حبّان في ((صحيحه)) ٢٨٧/١٣ . الأساود جمع أسود، وهو أخبث الحيّان، وأعظمها. والصُّبَ جمع صَبُوب على أن أصله صُبُبِّ كرسول ورُسُل، ثم خفّف كرُسْل، وذلك أن الأسود إذا أراد أن ينهش ارتفع، ثم انصبّ على الملدوغ، ويُروى ((صُبّى)) على وزن ((حُبْلی)). وفي ((الصحيحين)) من طريق بسر بن عبيدالله الحضرمي، أنه سمع أبا إدريس ٣٧٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ الخولاني، أنه سمع حذيفة بن اليمان رضي اللَّه تعالى عنهما، يقول: كان الناس يسألون رسول اللَّه وَله عن الخير، وكنت أسأله عن الشر، مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا اللَّه بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: (نعم))، قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: ((نعم، وفيه دَخَنٌ))، قلت: وما دخنه؟ قال: ((قوم يهدون بغير هديي، تَعْرِف منهم وتنكر))، قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: ((نعم، دُعَاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها)) قلت: يا رسول الله صفهم لنا؟، قال: ((هم من جِلْدتنا، ويتكلمون بألسنتنا))، قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: ((تلزم جماعة المسلمين وإمامهم))، قلت: فإن لم یکن لهم جماعة، ولا إمام؟ قال: ((فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تَعَضَّ بأصل شجرة، حتى يُدركك الموت، وأنت على ذلك)). انتهى ((شرح البخاريّ لابن رجب)) ١٠٧/١-١٠٩. بزيادة يسيرة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته : حديث أبي سعيد الخدريّ رضي اللّه تعالى عنه هذا أخرجه البخاريّ. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ٥٠٣٨/٣٠- وأخرجه (خ) في ((الإيمان)) ١٩ و((بدء الخلق)) ٣٣٠٠ و(المناقب)) ٣٦٠٠ و((الرقاق)) ٦٤٩٥ و((الفتن)) ٧٠٨٨ و(د) في ((الفتن والملاحم)) ٤٢٦٧ (ق) في ((الفتن)) ٣٩٨٠ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ١٠٦٤٩ و١٠٨٦١. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان أن الفرار من الفتن شعبة من شعب الإيمان، وقد تقدم أن الإيمان والدين شيء واحد. وقد اعترض النوويّ رحمه الله تعالى في استدلال البخاريّ بهذا الحديث للترجمة؛ لأنه لا يلزم من لفظ الحديث عدّ الفرار دينًا، وإنما هو صيانة للدين. قال: فلعلّه لما رآه صيانة للدين أطلق عليه اسم الدين. وقال غيره: إن أريد بـ((من)) كونها جنسيّة، أو تبعيضيّة، فالنظر متّجه، وإن أُريد كونها ابتدائيّة: أي الفرار من الفتنة منشؤه الدين، فلا يتّجه النظر. أفاده في ((الفتح)) ١/ ٩٩ . وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: بوّب البخاريّ رحمه الله تعالى على أن الفرار من الفتن من الدين، وليس في الحديث إلا الإشعار بفضل من يفرّ بدينه من = ٣٧٩ ٣٠- (الفِرَارُ بِالدِّيْن مِنَ الفِتَن) - حديث رقم ٥٠٣٨ الفتن، لكن لما جعل الغنم خير مال المسلم في هذه الحال، دلّ على أن هذا الفعل من خصال الإسلام، والإسلام هو الدين. وأصرح من دلالة هذا الحديث الذي خرّجه هنا الحديث الذي خرّجه في أول ((الجهاد)» من رواية الزهريّ، عن عطاء بن يزيد، عن أبي سعيد رَّ، قال: قيل: يا رسول اللّه، أيّ الناس أفضل؟ فقال رسول اللَّه وَلّ: ((مؤمنٌ يُجاهد في سبيل اللّه بنفسه وماله))، قالوا: ثمّ من؟ قال: ((مؤمن في شِعب من الشعاب، يتّقي الله، ويدَعُ الناس من شرّه))، وليس في هذا الحديث ذكر الفتن. وأخرجه أبو داود، وعنده: سُئل النبيّ وَلهو: أيّ المؤمنين أكمل إيمانًا؟ ... فذكره. وهذا فيه دلالة على أن الاعتزال عن الشرّ من الإيمان. وفي (المسند)) ٤١٩/٦، و((جامع الترمذيّ)) ٢١٧٧ - واللفظ لأحمد، عن طاوس، عن أم مالك البهزيّة، قالت: قال رسول اللَّه وَلَّهُ: ((خير الناس في الفتنة رجلٌ معتزلٌ في ماله، يعبد ربّه، ويؤذي حقّه، ورجلٌ آخذ بعِنان فرسه في سبيل اللَّه)). ورُوي عن طاوس، عن ابن عبّاس، عن النبيّ وَّر. أخرجه الحاكم ٤/ ٤٤٦. وروي عن طاوس مرسلًا. وأخرج الحاكم أيضًا ٢/ ٩٣ من حديث أبي هريرة رَّه، مرفوعًا: ((أظلّتكم فتن كقطع الليل المظلم، أنجى الناس منها: صاحب شاهقة يأكل من رِسْل غنمها، ورجل من وراء الدروب، آخذ بعنان فرسه، یأکل من فَيْئٍ سیفه)). وقد وقفه بعضهم. فهذه الروايات المقيّدة بالفتن تقضي على الروايات المطلقة. انتهى كلام ابن رجب في ((شرح البخاريّ)) ١٠٥/١-١٠٧. عن أوطانهم، (ومنها): الاحتراز عن الفتن، وقد خرج جماعة من السلف وتفرّقوا في البلدان خوفا من الفتنة، وقد خرج سلمة بن الأكوع تعمّه إلى الربذة في فتنة عثمان رَّاللَّهِ . (ومنها): أن هذا الخبر دالّ على فضيلة العزلة لمن خاف على دينه، وقد اختلف فيه، وسيأتي بيان ذلك في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى. (ومنها): أنه يدلّ على فضيلة الغنم، واقتنائها. (ومنها): أن فيه علمًا من أعلام النبوّة، حيث أخبر النبيّ ◌َّر بما يقع في آخر الزمان من الفتن، فوقع كما أخبر به. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): قد كتب الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في ((شرحه للبخاريّ)) بحثا نفسيا يتعلّق في العزلة، أحببت إيراده هنا لنفاسته، قال رحمه الله تعالى: وقد اعتزل جماعة من الصحابة . في الفتن في البوادي. وقال الإمام أحمد: إذا كانت الفتنة، فلا بأس أن يعتزل الرجل حيث شاء، فأما إذا لم يكن فتنة، فالأمصار - ٣٨٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ خير. فأما سُكنى البوادي على وجه العبادة، وطلب السياحة، والعزلة، فمنهيّ عنه، كما في الترمذيّ - ١٦٥، والحاكم ٦٨/٢ عن أبي هريرة تَظمي، قال: مرّ رجل من أصحاب رسول اللّه وَالهل بشِعْب فيه عُيينةٌ، من ماء عذبةٍ، فأعجبته لطيبها، فقال: لو اعتزلت الناس، فأقمت في هذا الشعب، ولن أفعل حتى أستأذن رسول اللّه وَلَّ، فذكر ذلك لرسول اللّه وَ لخير، فقال: ((لا تفعل، فإن مقام أحدكم في سبيل الله، أفضل من صلاته في بيته سبعين عاما، ألا تحبون أن يغفر الله لكم، ويدخلكم الجنة، اغزو في سبيل الله، من قاتل في سبيل اللّه فُوَاق ناقة، وجبت له الجنة)). قال أبو عيسى: هذا حديث حسن. وأخرج الإمام أحمد ٢٦٦/٥ نحوه من حديث أبي أمامة تعظيم عن النبيّ وَّ، وفيه: أن النبيّ وَ ل قال: ((لم أَبعث باليهوديّة، ولا بالنصرانيّة، ولكنّي بُعثت بالحنيفيّة السمحة .... ((وذكر باقيه بمعناه. وأخرج أبو داود ٢٤٨٦ - من حديث أبي أمامة تعظيم أن رجلًا قال: يا رسول اللّه، ايذن لي بالسياحة، فقال النبيّ وَل: ((إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل اللَّه)). وفي ((المسند)) ٨٢/٣ عن أبي سعيد رَّه عن النبيّ وَّ قال: ((عليك بالجهاد، فإنه رهبانية الإسلام)). وفي مراسيل طاوس، عن النبيّ وَلّ قال: ((لا رهبانية في الإسلام، ولا سياحة)). وفي المعنى مراسيل أُخر متعدّدة. قال الإمام أحمد: ليست السياحة من الإسلام في شيء، ولا من فعل النبيّين، ولا الصالحين. والسياحة على هذا الوجه قد فعلها طوائف ممن يُنسب إلى عبادة، واجتهاد بغير علم، ومنهم من رجع لَمّا عرف ذلك. وقد كان في زمن ابن مسعود رَّه جماعة من المتعبّدين خرجوا إلى ظاهر الكوفة، وبنوا مسجدًا يتعبّدون فيه، منهم عمرو بن عُتبة، ومُفضّل العجليّ، فخرج إليهم ابن مسعود تَظّه ، وردّهم إلى الكوفة، وهدم مسجدهم، وقال: إما أن تكونوا أهدى من أصحاب محمد رَله، أو تكونوا متمسّكين بذَنَب الضلالة. وإسناده صحيح عن الشعبيّ أنه حكى ذلك. وقد رأى عبد الله بن غالب الحدانيّ رجلًا في فلاة، يأتيه رزقه، لا يدري من أين يأتيه، فقال له: إن هذه الأمة لم تؤمر بهذا، إنما أمرت بالجمعة، والجماعة، وعيادة المرضى، وتشييع الجنائز، فقبل منه، وانتقل من ساعته إلى قرية فيها هذا كلّه. أخرج حکایته ابن أبي الدنيا. ورُوي نحو هذه الحكاية أيضًا عن أبي غالب، صاحب أبي أمامة الباهليّ رَظمه. أخرجها حُميد بن زنجويه . وكذلك سُكنى البوادي لتنمية المواشي، والأموال- كما جرى لثعلبة في ماله- فمذموم أيضًا. وفي ((سنن ابن ماجه)) ١١٢٧ - عن أبي هريرة ◌َظمه، مرفوعًا: ((ألا هل عسى أحدكم أن يتّخذ الصَّبَّةَ من الغنم، على رأس ميل، أو ميلين، فيتعذّر عليه الكلأ،