النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١ ==
١٩ - (عَلَامَةُ الإِيمَانِ) - حديث رقم ٥٠١٥
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أنس رضي اللَّه تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥٠١٥/١٩ و٥٠١٦- وأخرجه (خ) في ((الإيمان)) ١٥ (م) في ((الإيمان))
٤٤ (ق) في ((المقدّمة)) ٦٧ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ١٢٤٠٣ و١٢٧٣٩
و١٣٤٩٩ (الدارمي) في ((الرقاق)) ٢٦٢٤. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان أن حبّ الرسول الكريم
وَ﴾ علامة على كمال إيمان العبد. (ومنها): ما قاله في ((الفتح)): في هذا الحديث إيماء
إلى فضيلة التفكر، فإن الأحبية المذكورة تعرف به، وذلك أن محبوب الإنسان: إما
نفسه، وإِما غيرها، أما نفسه فهو أن يريد دوام بقائها، سالمة من الآفات، وهذا هو
حقيقة المطلوب، وأما غيرها فإذا حقق الأمر فيه، فإنما هو بسبب تحصيل نفع ما على
وجوهه المختلفة، حالًا ومآلا، فإذا تأمل النفع الحاصل له من جهة الرسول وَلَّر، الذي
أخرجه من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، إما بالمباشرة، وإما بالسبب، علم أنه سبب
بقاء نفسه، البقاءَ الأبدي في النعيم السرمدي، وعَلِم أن نفعه بذلك أعظم من جميع وجوه
الانتفاعات، فاستحق لذلك أن يكون حظه من محبته أوفر من غيره؛ لأن النفع الذي يُثير
المحبة حاصل منه أكثر من غيره، ولكن الناس يتفاوتون في ذلك، بحسب استحضار
ذلك، والغفلة عنه، ولا شك أن حظ الصحابة رضي الله عنهم، من هذا المعنى أتم؛
لأن هذا ثمرة المعرفة، وهم بها أعلم. وبالله تعالى التوفيق. انتهى ((فتح)) ٨٦/١.
(ومنها): ما قاله الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: يجب تقديم محبّة الرسول وَلؤل
على النفوس، والأولاد، والأقارب، والأهلين، والأموال، والمساكن، وغير ذلك مما
يُحبّه الإنسان غاية المحبّة، وإنما تتمّ المحبّة بالطاعة، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ
تُحِبُّونَ اللَّهَ فَتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ الآية [آل عمران: ٣١]. وسُئل بعضهم عن المحبّة،
فقال: الموافقة في جميع الأحوال. فعلامة تقديم محبّة الرسول وَلّ على محبّة كلّ
مخلوق أنه إذا تعارضت طاعة الرسول وَير في أوامره، وداع آخر يدعو إلى غيرها من
هذه الأشياء المحبوبة، فإن قدّم طاعة الرسول وَ ل﴿، وامتثال أوامره على ذلك الداعي،
كان دليلا على صحة محبّته للرسول وَله، وتقديمها على كلّ شيء، وإن قدّم على
طاعته، وامتثال أوامره شيئًا من هذه الأشياء المحبوبة طبعًا، دلّ ذلك على عدم إتيانه

٣٢٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ
بالإيمان التّامَ الواجب عليه. وكذلك القول في تعارض محبّة الله، ومحبّة داعي الهوى
والنفس، فإن محبة الرسول وَله تبعّ لمحبّة مُرسله عز وجل. هذا كلّه في امتثال
الواجبات، وترك المحرّمات.
فإن تعارض داعي النفس، ومندوبات الشريعة، فإن بلغت المحبّة إلى تقديم
المندوبات على دواعي النفس، كان ذلك علامة كمال الإيمان، وبلوغه إلى درجة
المقرّبين المحبوبين المتقرّبين بالنوافل بعد الفرائض، وإن لم تبلغ هذه المحبّة إلى هذه
الدرجة، فهي درجة المقتصدين أصحاب اليمين الذين كملت محبّتهم الواجبة، ولم
يزيدوا عليها. انتهى ((شرح البخاريّ)) لابن رجب ٤٩/١.
(ومنها): ما قاله أبو العبّاس القرطبي رحمه اللّه تعالى: هذا الحديث على إيجازه
يتضمّن ذكر أصناف المحبّة، فإنها ثلاثة: محبة إجلال وإعظام، كمحبّة الوالد،
والعلماء، والفضلاء، ومحبة رحمة، وإشفاق، كمحبة الولد، ومحبة مشاكلة،
واستحسان، كمحبة غير من ذكرنا، وإن محبة رسول الله # لا بدّ أن تكون راجحة
على ذلك كلّه، وإنما كان ذلك؛ لأن اللّه تعالى قد كمّله على جميع جنسه، وفضّله على
سائر نوعه بما جبله عليه من المحاسن الظاهرة، والباطنة، وبما فضّله من الأخلاق
الحسنة، والمناقب الجميلة، فهو أكمل مَن وطِىء الثرى، وأفضل من ركب ومشى،
وأكرم من وافى القيامة، وأعلاهم منزلة في دار الكرامة.
قال القاضي أبو الفضل: فلا يصحّ الإيمان إلا بتحقيق إنافة قدر النبيّ وَّر، ومنزلته
على كلّ والد، وولد، ومُحسنٍ، ومُفَضَّل، ومن لم يعتقد هذا، واعتقد سواه، فليس
بمؤمن.
قال القرطبيّ: وظاهر هذا القول أنه صرف محبة النبيّ وَّل إلى اعتقاد تعظيمه،
وإجلاله، ولا شكّ في كفر من لا يعتقد عليه(١)، غير أن تنزيل هذا الحديث على ذلك
المعنى غير صحيح؛ لأن اعتقاد الأعظميّة ليس بالمحبّة، ولا الأحبيّة، ولا مستلزمًا لها،
إذ قد يجد الإنسان من نفسه إعظام أمر، أو شخص، ولا يجد محبّته؛ ولأن عمر تطوّه
لَمّا سمع قول رسول اللَّه ◌َ ل: ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من نفسه، وولده،
ووالده، والناس أجمعين))، قال عمر: يا رسول اللَّه أنت أحبّ إليّ من كل شيء، إلا
نفسي، فقال: ((ومن نفسك يا عمر))، قال: ومن نفسي، فقال: ((الآن يا عمر))(٢).
(١) هكذا عبارة ((المفهم))، وفيها ركاكة، ولعل الأولى: ((ولا شك في كفر من لا يعتقد ذلك، والله
تعالى أعلم.
(٢) رواه أحمد ٣٣٦/٤ . وقد تقدم من رواية البخاريّ بنحوه.

١٩ - (عَلَامَةُ الإِيمَانِ) - حديث رقم ٥٠١٦
٣٢٣ =
وهذا كلّه تصريحٌ بأن هذه المحبّة ليست باعتقاد تعظيم، بل ميلٌ إلى المعتقد، وتعظيمه،
وتعلّق القلب به، فتأمّل هذا الفرق، فإنه صحيح، ومع ذلك فقد خفي على كثير من
الناس.
وعلى هذا المعنى الحديثُ والله أعلم -: أن من لم يجد من نفسه ذلك الميل،
وأرجحيّته للنبيّ وَ ل﴾ لم يكمل إيمانه.
قال: على أني أقول: إن كل من صدّق بالنبي ◌َّر، وآمن به إيمانا صحيحا، لم يخل
عن وجدان شيء من تلك المحبة الراجحة للنبيّ وَلير، غير أنهم في ذلك متفاوتون،
فمنهم من أخذ من تلك المرتبة بالحظ الاوفى، كما قد اتّفق لعمر رَظالثبه حتى قال: من
نفسي، ولهند امرأة أبي سفيان رضي اللّه تعالى عنهما، حين قالت للنبيّ وَّر: لقد كان
وجهك أبغض الوجوه كلّها إليّ، فقد أصبح وجهك أحبّ الوجوه كلها إليّ ...
الحديث. وكما قال عمرو بن العاص رضي اللَّه تعالى عنهما: لقد رأيتني، وما أحد
أحبّ إليّ من رسول اللّه ◌ِ وَ له، ولا أجلّ في عيني منه، وما كنت أَطيق أن أملأ عيني منه
إجلالًا له، ولو سُئلت أن أصفه ما أطقت؛ لأني لم أكن أملأ عيني منه(١) . ولا شكّ في
أن حظّ أصحابه والر من هذا المعنى أعظم؛ لأن معرفتهم لقدره أعظم؛ لأن المحبّة ثمرة
المعرفة، فتقوى، وتضعف بحسبها.
ومن المؤمنين من يكون مستغرقًا بالشهوات، محجوبا بالغفلات عن ذلك المعنى في
أكثر أوقاته، فهذا بأخسّ الأحوال، لكنه إذا ذُكِّر بالنبي ◌َّ، أوبشيء من فضائله اهتاج
لذكره، واشتاق لرؤيته بحيث يؤثر رؤيته، بل رؤية قبره، ومواضع آثاره على أهله،
وماله، وولده، ونفسه، والناس أجمعين، فيخطُر له هذا، ویجده وجدانًا لا شك فيه،
غير أنه سريع الزوال والذهاب؛ لغلبة الشهوات، وتوالي الغفلات، ويُخاف على من
كان هذا حاله ذهاب أصل تلك المحبّة حتى لا يوجد منها حَبّة. فنسأل الله تعالى الكريم
أن يُمُنّ علينا بدوامها، وكمالها، ولا يحجبنا عنها. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى
((المفهم)) ٢٢٥/١-٢٢٧. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٠١٦- (أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ حِ وَأَنْبَأَنَا
عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ، وَأَهْلِهِ، وَالنَّاسِ أَجَعِينَ))).
(١) رواه مسلم (١٢١).

٣٢٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا
غير مرّة. و((الحسين بن حُريث)): هو أبو عمّار الْخُزَاعيّ المروزيّ، الثقة. و((عمران بن
موسى)): هو القزّاز الليثيّ، أبو عمرو البصريّ. و((إسماعيل)): هو ابن إبراهيم المعروف
بابن عُليّة. و((عبد الوارث)): هو ابن سعيد البصريّ الثقة. و((عبد العزيز)): هو ابن
صُهيب البنانيّ البصريّ، الثقة.
والسند مسلسل بثقات البصريين، غير شيخه الأول، فإنه مروزيّ، وهو من رباعيّات
المصنف رحمه الله تعالى، وهو (٢٣٩) من رباعيات الكتاب.
والحديث متفقٌ عليه، وقد تقدّم شرحه، وبيان مسائله في الذي قبله. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٠١٧- (أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ بَكَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ، قَالَ: حَذَّثَنَا شُعَيْبٌ،
قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، مِمَّ حَدَّثَّهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هُزْمُزَ، مِمَّا ذَّكَرَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ،
يُحَدِّثُ بِهِ عَنْ رَسُولِ اللّهِ وَّهَ، قَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ
أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ، وَوَالِدِهِ»).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير
شيخه، فإنه من أفراده، وهو البرّاد الحمصيّ المؤذِّن الثقة [١١]. و((عليّ بن عيّاش)):
هو الألهانيّ الحمصيّ الثقة الثبت [٩]. و((شُعيب)): هو ابن أبي حمزة/ دينار الحمصيّ
الثقة الثبت [٧]. و((أبو الزناد)): هو عبد الله بن ذكوان المدنيّ الثقة الفقيه [٥]. و(عبد
الرحمن بن هُرمُز)): هو المدنيّ الثقة الثبت، المعروف بالأعرج [٣].
وقوله: ((مما حدّثه عبد الرحمن)) متعلّق بـ«حدثنا)»، والظاهر أن ((من)) تبعيضيّة: أي
حدّثنا أبو الزناد بعض الأحاديث التي حدثه عبد الرحمن بن هرمز. وقوله: ((مما ذَكَرَ))
بالبناء للفاعل: أي مما ذكر عبد الرحمن أنه سمع أبا هريرة تَّه يحدث بذلك
الحديث. وشرح الحديث تقدّم في حديث أنس رَزّه قبله. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه هذا أخرجه البخاريّ.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥٠١٧/١٩- وأخرجه البخاريّ في ((الإيمان)) ١٤ . والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

٣٢٥
١٩- (عَلَامَةُ الإِيمَانِ) - حديث رقم ٥٠١٨
٥٠١٨ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا النَّضْرُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَ وَأَنْبَأَنًا
حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَا،
يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِنَّهِ، وَقَالَ حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ فِي حَدِيثِهِ: إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ وَلِّ، قَالَ: ((لَا
يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة :
١- (إسحاق بن إبراهيم) المعروف بابن راهويه الحنظليّ المروزيّ، ثقة ثبت [١٠]
٢/٢ .
٢- (النضر) بن شُميل المازنيّ النحويّ، أبو الحسن البصريّ، نزيل مرو، ثقة ثبت،
من كبار [٩] ٤٥/٤١، والباقون تقدّموا أول الباب. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ قَتَادَةَ) بن دعَامَةَ رحمه اللَّه تعالى، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا) رضي اللّه تعالى عنه
(يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ) وقوله: (وَقَالَ حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ فِي حَدِيثِهِ: إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ لَّه
قَالَ) أراد به بيان اختلاف ألفاظ شيخيه، ففي رواية إسحاق قال: ((قال رسول اللَّه وَلِت))،
وفي رواية حميد قال: ((إن نبيّ اللّه ◌َ الر قال))، وهذا من احتياط المصنّف وورعه حيث
يحافظ على الأداء كما سمع، وإن لم يختلف المعنى المقصود بذلك ( ((لَا يُؤْمِنُ
أَحَدُكُمْ) وفي رواية لمسلم: ((أحدٌ))، والمراد بالنفي كمال الإيمان، ونفي اسم الشيء
على معنى نفي الكمال عنه مستفيض في كلامهم، كقولهم: فلان ليس بإنسان.
[فإن قيل]: فيلزم أن يكون من حصلت له هذه الخصله مؤمنا كاملًا، وإن لم يأت
ببقية الأركان.
[أجيب]: بأن هذا ورد مورد المبالغة، أو يستفاد من قوله: ((لأخيه المسلم))،
ملاحظة بقية صفات المسلم، وقد صرح ابن حبان من رواية ابن أبي عدي، عن حسين
المعلم بالمراد، ولفظه: ((لا يبلغ عبد حقيقة الإيمان))، ومعنى الحقيقة هنا الكمال؛
ضرورة أن من لم يتصف بهذه الصفة، لا يكون كافرا. قاله في ((الفتح)) ٨٣/١.
وقال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: ((لا يؤمن)): أي لا يكمل إيمانه؛ إذ من
غشّ المسلم، ولا ينصحه مرتكب كبيرة، ولا يكون كافرًا بذلك، كما بيّاه غير مرّة،
وعلى هذا فمعنى الحديث: أن الموصوف بالإيمان الكامل من كان في معاملته للناس
ناصحًا لهم، مريدًا لهم ما يريده لنفسه، وكارهًا لهم ما يكره لنفسه، وتتضمّن أن
يفضّلهم على نفسه؛ لأن كلّ أحد يحبّ أن يكون أفضل من غيره، فإذا أحبّ لغيره ما

=
٣٢٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ
يُحبّ لنفسه، فقد أحبّ أن يكون غيره أفضل منه، وإلى هذا المعنى أشار الفضيل بن
عياض لَمّا قال لسفيان بن عيينة: إن كنت تريد أن يكون الناس مثلك، فما أدّيت لله
الكريم النصيحة، فكيف، وأنت تودّ أنهم دونك؟. انتهى ((المفهم)) ٢٢٧/١.
(حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ) بنصب ((يحب))؛ لأن ((حتى)) جارة، و((أن)) بعدها مضمرة، ولا
يجوز الرفع، فتكون ((حتى)) عاطفة، فلا يصح المعنى؛ إذ عدم الإيمان ليس سببا
للمحبه .
[فإن قيل]: قوله: ((لأخيه)) ليس له عموم، فلا يتناول سائر المسلمين. [وأجيب]:
بأن معنى قوله: ((لأخيه)) للمسلمين؛ تعميمًا للحكم، أو يكون التقدير: لأخيه من
المسلمين، فيتناول كل أخ مسلم. قاله في ((عمدة القاري)) ١/ ١٦١.
(مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ))) أي ((من الخير)) كما سيأتي في الرواية التالية، و((الخير)): كلمة
جامعة تعم الطاعات، والمباحات الدنيوية، والأخروية، وتخرج المنهيات؛ لأن اسم
الخير لا يتناولها، والمحبة إرادة ما يعتقده خيرا، قال النووي: المحبة الميل إلى ما
يوافق المحب، وقد تكون بحواسه، كحسن الصورة، أو بفعله، إما لذاته، كالفضل
والكمال، وإما بإحسانه، كجلب نفع، أو دفع ضرر. انتهى ملخصا.
والمراد بالميل هنا الاختياري، دون الطبيعي، والْقَسْريّ، والمراد أيضا أن يحب أن
يحصل لأخيه نظيرُ ما يحصل له، لا عينه، سواء كان في الأمور المحسوسة، أو
المعنوية، وليس المراد أن يحصل لأخيه ما حصل له، لا مع سلبه عنه، ولا مع بقائه
بعينه له، إذ قيام الجوهر، أو العرض بمحلين محال. قاله في ((الفتح)).
وقال في ((عمدة القاري)) ١/ ١٦٠ -: ما حاصله: المحبّة مطالعة المنّة من رؤية
إحسان أخيه، وبرّه، وأياديه، ونعمه المتقدّمة التي ابتدأ بها من غير عمل استحقّها به،
وستره على معايبه، وهذه محبة العوامّ قد تتغيّر بتغيّر الإحسان، فإن زاد الإحسان زاد
الحبّ، وإن نقصه نقصه. وأما محبّة الخواصّ، فهي تنشأ من مطالعة شواهد الكمال؛
لأجل الإعظام والإجلال، ومراعاة حقّ أخيه المسلم، فهذه المحبّة لا تتغيّر؛ لأنها لله
تعالى، لا لأجل غرض دنيويّ. ويقال: المحبّة ههنا هي مجرّد تمنّ الخير لأخيه
المسلم، فلا يعسر ذلك إلا على القلب السقيم، غير المستقيم.
وقال القاضي عياض: المراد من قوله بَّل: ((حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)) أن
يحب لأخيه من الطاعات والمباحات، وظاهره يقتضي التسوية، وحقيقته التفضيل؛ لأن
كلّ واحد يحبّ أن يكون أفضل الناس، فإذا أحبّ لأخيه مثله، فقد دخل هو من جملة
المفضولين، وكذلك الإنسان يحب أن ينتصف من حقّه، ومظلمته، فإذا كانت لأخيه

٣٢٧
١٩ - (عَلَامَةُ الإِيمَانِ) - حديث رقم ٥٠١٨
عنده مظلمة، أو حقّ بادر إلى الإنصاف من نفسه، وقد روي هذا المعنى عن الفضيل بن
عياض رحمه الله تعالى أنه قال لسفيان بن عيينة رحمه الله تعالى: إن كنت تريد أن
يكون الناس كلهم مثلك، فما أديت لله الكريم نصحه، فكيف، وأنت تودّ أنهم دونك.
انتھی .
وتعقّب الحافظ على القاضي عياض قوله: لأن كل واحد يحب أن يكون أفضل
الناس))، فقال: وفيه نظر، إذ المراد الزجر عن هذه الإرادة؛ لأن المقصود الحث على
التواضع، فلا يحب أن يكون أفضل من غيره، فهو مستلزم للمساواة، ويستفاد ذلك من
قوله تعالى: ﴿ِلْكَ الذَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِدُونَ عُوّا فِى الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَقِبَةُ
لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣]، ولا يتم ذلك إلا بترك الحسد، والغل، والحقد، والغش،
وكلها خصال مذمومة. انتهى ((فتح)) ٨٣/١ .
[فائدة]: قال الكرماني: ومن الإيمان أيضا أن يبغض لأخيه ما يبغض لنفسه، من
الشر، ولم يذكره لأن حب الشيء، مستلزم لبغض نقيضه، فترك التنصيص عليه؛
اكتفاء. والله أعلم. قاله في ((الفتح)) أيضًا ٨٣/١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أنس رضي اللَّه تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥٠١٨/١٩ و٥٠١٩ و٥٠٤١/٣٣ - وأخرجه (خ) في ((الإيمان)) ١٣ (م)
في ((الإيمان)) ٤٥ (ت) في ((صفة القيامة)) ٢٥١٥ (ق) في ((المقدّمة)) ٦٦ (أحمد) في
((باقي مسند المكثرين)) ١٢٣٩٠ و١٢٧٣٤ و١٣٢١٧ و١٣٥٤٧ (الدارمي) في ((الرقاق))
٢٦٢٣ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان علامة الإيمان، وذلك أن
محبّة الإنسان لأخيه المسلم ما يحبّ لنفسه شعبة من شعب الإيمان، وعلامة على أنه
مؤمن كامل الإيمان. (ومنها): أن فيه دلالة على التواضع؛ لأنه إذا أحبّ لأخيه ما يحبّ
لنفسه كان دليلاً على أنه بريء من الكبر، والحسد، والحقد، والغلّ، والغشّ، وغيرها
من الأخلاق الدنيئة، والخصال الذميمة، بل هو متحلّ بالتواضع، واللين، والرفق،
وإيثار إخوانه على نفسه، وغيرها من الأخلاق الكريمة، والشيم العظيمة.

٣٢٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ
(ومنها): ما قاله الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: لَمّا نفى النبيّ وَّر الإيمان عمن
لم يحب لأخيه ما يُحبّ لنفسه، دلّ على أن ذلك من خصال الإيمان، بل من واجباته،
فإن الإيمان لا يُنفَى إلا بانتفاء بعض واجباته، كما قال: ((لا يزني الزاني حين يزني،
وهو مؤمنٌ ... )) الحديث. وإنما يُحب الرجل لأخيه ما يُحبّ لنفسه إذا سلم من
الحسد، والغلّ، والغشّ، والحقد، وذلك واجبٌ، كما قال النبيّ وَّر: ((لا تدخلوا
الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا))، رواه مسلم (٥٤)، فالمؤمن أخو المؤمن،
يحبّ له ما يُحبّ لنفسه، ويحزنه ما يحزنه، كما قال ◌َّر: ((مثل المؤمنين في توادهم،
وتراحمهم، وتعاطفهم، مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضوٌ، تداعى له سائر الجسد
بالحمّى والسهر)»، متّفقٌ عليه.
فإذا أحب المؤمن لنفسه فضيلةً من دين، أو غيره أحبّ أن يكون لأخيه نظيرها، من
غير أن تزول عنه، كما قال ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما: إني لأمرّ بالآية من
القرآن، فأفهمها، فأودّ أن الناس كلَّهم فهموا منها ما أفهم. وقال الشافعيّ رحمه الله
تعالى: ودِدتُ أن الناس كلّهم تعلّموا هذا العلمَ، ولم يُنسب إليّ منه شيء.
فأما حبّ التفرّد عن الناس بفعل دينيّ، أو دنيويّ، فهو مذموم، قال اللَّه تعالى:
﴿تِلْكَ الذَّارُ الَّخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُوًّا فِى الْأَرْضِ وَلَا فَسَاءًا﴾ الآية
[القصص: ٨٣]، وقد قال عليّ رَظ ثه وغيره: هو أن لا يُحبّ أن يكون نعله خيرًا من
نعل غيره، ولا ثوبه خيرًا من ثوب غيره. وفي الحديث المشهور في ((السنن)): ((من
تعلّم العلم ليباهي به العلماء، أو يماري به السفهاء، أو يصرف به وجوه الناس إليه،
فليتبوأ مقعده من النار)).
وأما الحديث الذي فيه أن رجلاً سأل النبيّ وَّه، فقال: إني أحبّ الجمال، وما أحبّ
أن يفوقني أحدٌ بشراك نعلي، فقال له النبيّ وَّ: ((ليس هذا من الكبر))، فإنما فيه أنه
أحبّ أن لا يعلو عليه أحدٌ، وليس فيه محبة أن يعلو هو على الناس، بل يصدق هذا أن
يكون مساويًا لأعلاهم، فما حصل بذلك محبّة العلوّ عليهم، والانفراد عنهم، فإن
حصل لأحد فضيلة خصّصه الله تعالى بها عن غيره، فأخبر بها على وجه الشكر، لا
على وجه الفخر، كان حسنًا، كان النبيّ وَله يقول: ((أنا سيّد ولد آدم، ولا فخر، وأنا
أول شافع، ولا فخر)) رواه مسلم، ورواه البخاريّ بلفظ مغاير لهذا. وقال ابن مسعود
◌َظّه: لو أعلم أحدًا أعلم بكتاب الله مني تبلغه الإبل، لأتيته. انتهى كلام ابن رجب
رحمه الله تعالى ((شرح البخاريّ)) ٤٥/١-٤٧. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

٣٢٩
١٩- (عَلَامَةُ الإِيمَانِ) - حديث رقم ٥٠٢٠
٥٠١٩- (أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ حُسَيْنٍ- وَهُوَ
الْمُعَلِّمُ -عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَس، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِ، قَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا
يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ، مِنَ الْخَيْرِ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((موسى بن عبد الرحمن)): هو المسرقيّ الكنديّ، أبو
عيسى الكوفيّ، ثقة، من كبار [١١] ٩١/٧٤. و((أبو أسامة)): هو حمّاد بن أسامة بن
زيد القرشيّ مولاهم، ثقة ثبت، ربما دلّس، وكان بآخره يحدّث من كتب غيره، من
كبار [٩] ٥٢/٤٤. و((حسين المعلّم)): هو ابن ذكوان المكتب الْعَوْذيّ البصريّ، ثقة،
ربّما وهم [٦] ١٢٢ / ١٧٤.
وقوله: ((من الخير)): تقدّم أن الخير كلمة جامعة، تعمّ الطاعات، والمباحات،
الدنيويّة، والأخرويّة، وتُخرج المنهيّات.
والحديث متّفقٌ عليه، دون قوله: ((من الخير))، وهي زيادة صحيحة. واللّه تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٠٢٠- (أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ عِيسَى، قَالَ: أَنْبَأَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: أَنْبَأَنًا
الْأَعْمَشُ، عَنْ عَدِيٍّ، عَنْ زِرُ، قَالَ: قَالَ عَلِيٍّ: ((إِنَّهُ لَعَهْدُ النَِّيِّ الْأُمِّيّ ◌َّهِ إِلَيَّ، أَنَّهُ لَا
يُحِبُّكَ إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَلَا يَبْغُضُكَ إِلَّا مُنَافِقٌ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (يوسف بن عيسى) الزهريّ، أبو يعقوب المروزيّ، ثقة فاضلٌ [١٠] ٩٢٤/٣٢.
٢- (الفضل بن موسى) السينانيّ، أبو عبد الله المروزيّ، ثقة ثبت، ربما أغرب، من
كبار [٩]٨٣ /١٠٠ .
٣- (الأعمش) سليمان بن مهران المذكور قبل باب.
٤- (عديّ) بن ثابت الأنصاريّ الكوفيّ، ثقة رمي بالتشيّع [٤] ٤٩/ ٦٠٥.
٥- (زِز)- بكسر الزاي، وتشديد الراء- ابن حُبيش بن حُبَاشة الأسديّ، أبو مريم
الكوفيّ، ثقة جليل مخضرم [٢] ١٢٦/١٩٨ .
٦- (عليّ) بن أبي طالب الخليفة الراشد، أبو الحسن رضي اللَّه تعالى عنه ٧٤/ ٩١ .
والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بثقات الكوفيين من الأعمش، ومن قبله
مروزيّان، وفيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: الأعمش، عن عديّ، عن

٣٣٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ
زرّ، وأن صَحَابيَّةُ أحد الخلفاء الأربعة، والعشرة المبشرين بالجنة، وابن عم رسول الله
وَالر، وزج ابنته رضي اللّه تعالى عنهم أجمعين. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ زِرّ) بن حُبيش رحمه اللَّه تعالى، أنه (قَالَ: قَالَ عَلِيّ) بن أبي طالب رَّهِ (إِنّةُ)
الضمير للشأن، وهو الضمير الذي تفسّره جملة بعده: أي إن الأمر والشأن (لَعَهْدُ) بفتح،
فسكون: الميثاق، وهو أيضًا الوصيّة، يقال: عهد إليه يعهَدُ، من باب تعِبَ: إذا
أوصاه. قاله الفيوميّ.
وفي رواية مسلم من طريق أبي معاوية عن الأعمش: ((والذي فلق الحبّة، وبرأ
النسمة، إنه لعهد النبيّ ◌َّ إليّ ... )) الحديث. ومعنى («فلق الحبّة)): أي شقّها
بالنبات. ومعنى (برأ النسمة)) بالهمزة: أي خلق النسمة، وهي بفتح النون والسين:
الإنسان، وقيل: النفس،، وحكى الأزهريّ: أن النسمة: هي النفس، وأن كلّ دابّة في
جوفها روحٌ، فهي نسمة. قاله النوويّ في ((شرح مسلم)) ٦٤/٢-٦٥.
(النَِّيِّ الْأُمِّيّ وَِّهِ) قال القرطبيّ: ((الأمي)): هو الذي لا يكتب،، كما قال ◌َله: ((إنا
أمة أميّةٌ، لا نكتُبُ، ولا نحسُبُ))، متفقٌ عليه، وهو منسوبٌ إلى الأمّ؛ لأنه باق على
أصل ولادتها، إذ لم يتعلّم كتابةً، ولا حسابًا. وقيل: يُنسب إلى معظم أمة العرب، إذ
الكتابة فيهم نادرةٌ، وهذا الوصف من الأوصاف التي جعلها اللَّه تعالى من أوصاف كمال
النبيّ وَّر، ومدحه بها، وإنما كان وصف نقص في غيره؛ لأن الكتابة، والدراسة،
والدربة على ذلك هي الطريق الموصلة إلى العلوم التي بها تشرف نفس الإنسان، ويعظُم
قدرها عادةً، فلما خصّ اللَّه تعالى محمدًا وَ ل بعلوم الأولين والآخرين من غير كتابة،
ولا مدارسة، كان ذلك خارقًا للعادة في حقّه، ومن أوصافه الخاصّة به الدّالّة على صدقه
التي نُعت بها في الكتب القديمة، وعُرف بها في الأمم السابقة، كما قال الله تعالى:
﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِىَّ الْأُمِنَّ الَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ﴾ الآية
[الأعراف: ١٥٧]، فقد صارت الأمية في حقّه من أعظم معجزاته، وأجلّ كراماته،
وهي في حقّ غيره نقص ظاهر، وعجزٌ حاضر، فسبحان الذي صيّر نقصنا في حقّه
كمالًا، وزاده تشريفًا وجلالًا. انتهى ((المفهم)) ٢٦٧/١. وقوله: (إِلَيَّ) متعلّق بـ((عهد)»
(أَنَّهُ) الضمير للأمر والشأن، كما سبق آنفًا (لَا) نافية، ولذا رفع قوله (يُحِبُّكَ إِلَّا مُؤْمِنٌ)
أي حبًا لائقًا بمنصبه، لا على وجه الإفراط، فإن الخروج عن الحدّ غير مطلوب،
وليس من علامات الإيمان، بل قد يؤدّي إلى الكفر، فإن قومًا قد خرجوا عن الإيمان
بالإفراط في حبه رَّه، كما أفرط قوم في حبّ عيسىَالَلُ، فخرجوا عن الإيمان

١٩- (علامةُ الإِيمانِ) - حديث رقم ٥٠٢٠
٣٣١ =
(وَلَا يَبْغُضُكَ إِلَّا مُتَافِقٌ) قال النوويّ رحمه الله تعالى: ما حاصله: من عرف من عليّ بن
أبي طالب ◌َُّ قربه من رسول اللّه وَله وحبه ◌َّه له، وما كان منه في نصرة الإسلام،
وسوابقه فيه، ثم أحبه لهذا كان ذلك من دلائل صحّة إيمانه، وصدقه في إسلامه؛
لسروره بظهور الإسلام، والقيام بما يُرضي الله سبحانه وتعالى، ورسوله وَّه ومن
أبغضه كان بضدّ ذلك، واستُدلّ به على نفاقه، وفساد سريرته. والله أعلم. انتهى ((شرح
مسلم)) ٢/ ٦٤ .
وقال أبو العباس القرطبيّ رحمه اللّه تعالى: ما حاصله: فمن أحبّ عليّا رَّه؛
السابقته في الإسلام، وقِدَمه في الإيمان، وغَنَائه فيه، وذَوْده عنه، وعن النبيّ وََّ،
ولمكانته من النبيّ رََّ، وقرابته، ومصاهرته، وعلمه، وفضائله، كان ذلك منه دليلاً
قاطعًا على صحّة إيمانه، ويقينه، ومحبّته للنبيّ وَّ، ومن أبغضه لشيء من ذلك، كان
على العكس.
قال: وهذا المعنى جارٍ في أعيان الصحابة ، كالخلفاء الراشدين، وسائر العشرة
المبشّرين بالجنة، والمهاجرين، والأنصار، بل وكلّ الصحابة ، إذ كلّ واحد منهم
له شاهد، وغَنَاءٌ في الدين، وأثّرٌ حسَنْ فيه، فحبّهم لذلك المعنى محض الإيمان،
وبغضهم له محض النفاق، وقد دلّ على صحة ما ذكرناه قوله وَّل ◌َه فيما أخرجه البزّار(١)
في أصحابه كلّهم: ((فمن أحبّهم فبحبّي أحبّهم، ومن أبغضهم فيبغضي أبغضهم))،
لكنهم لَمّا كانوا في سوابقهم، ومراتبهم متفاوتين، فمنهم المتمكّن الأمكن، والتالي،
والمقدّم، خصّ الأمكن منهم بالذكر في هذا الحديث، وإن كان كلّ منهم له في السوابق
أشرفٍ حديث، وهذا كما قال العليّ الأعلى: ﴿لَا يَسْتَوِى مِنكُ مَنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ
وَقَتَلْ﴾ إلى قوله: ﴿وَكُلَّا وَعَدَ اللَّهُ الْمُسْنَىَّ﴾ الآية [الحديد: ١٠].
[تنبيه]: من أبغض بعض من ذكرنا من الصحابة من غير تلك الجهات التي ذكرناها،
بل لأمر طارىء، وحدث واقع، من مخالفة غرض، أو ضرر حصل، أو نحو ذلك، لم
يكن كافرًا، ولا منافقًا بسبب ذلك؛ لأنهم رضي اللَّه تعالى عن جميعهم قد وقعت بينهم
(١) كان الأولى أن يعزوه إلى أحمد، والترمذيّ؛ فإنهما أكبر من البزار، وقد أخرجه أحمد في ((مسنده))
-١٦٣٦١ - والترمذيّ في ((جامعه)) من طريق عبيدة بن أبي رائطة، عن عبد الرحمن بن زياد، عن
عبد الله بن مغفل، قال: قال رسول اللَّه وَله: ((اللَّه الله في أصحابي، اللَّه الله في أصحابي، لا
تتخذوهم غرضا بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فيبغضي أبغضهم، ومن آذاهم
فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى اللّه، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه)). قال أبو عيسى: هذا.
حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه. انتهى. لكن في تحسينه نظر؛ لأن في إسناده
عبد الرحمن بن زياد مجهول، كما قال ابن معين، وغيره.

٣٣٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ
مخالفات عظيمة، وحروب هائلة، ومع ذلك فلم يُكفّر بعضهم بعضًا، ولا حكم عليه
بالنفاق؛ لما جرى بينهم من ذلك، وإنما كان حالهم في ذلك حال المجتهدين في
الأحكام، فإما أن يكون كلهم مصيبًا فيما ظهر له، أو المصيب واحد، والمخطىء
معذور، بل مخاطبٌ بالعمل على ما يراه، ويظنّه، مأجور، فمن وقع له بغض في واحد
منهم لشيء من ذلك، فهو عاص، يجب عليه التوبة من ذلك، ومجاهدة نفسه في زوال
ما وقع له من ذلك، بأن يذكر فضائلهم، وسوابقهم، ومالهم على كلّ من بعدهم من
الحقوق الدينيّة والدنيويّة، إذ لم يصل أحدٌ ممن بعدهم بشيء من الدنيا، ولا الدين إلا
بهم، وبسببهم، وأدبهم وصلت لنا كلّ النعم، واندفعت عنّا الجهالات والنقم، ومن
حصلت به مصالح الدنيا والآخرة، فبغضه كفران للنعم، وصفقته خاسرة. انتهى كلام
القرطبيّ ((المفهم)) ٢٦٤/١-٢٦٦. وهو بحث نفيس جدًّا. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عليّ رَّ هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥٠٢٠/١٩ و٥٠٢٤/٢٠ - وأخرجه (م) في ((الإيمان)) ٧٨ (ت) في
((المناقب)) ٣٧٣٦ (ق) في ((المقدّمة)) ١١٤ (أحمد) في ((مسند العشرة)) ٦٤٣ و٧٣٣
و١٠٦٥ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه اللّه تعالى، وهو بيان علامة الإيمان، وهو أن
الإنسان إذا أحبّ عليّا رَ دلّ على أنه مؤمن بشهادة النبيّ وَّر له بذلك في هذا
الحديث، كما أن من أبغضه منافق لذلك أيضًا. (ومنها): أن فيه منقبة عظيمة لعليّ
جمة، قد كتب
رَضِاليه، حيث كان حبّه من الإيمان، وبغضه من النفاق، ومناقبه
أهل العلم فيها كتبًا كثيرة، منها ((خصائص عليّ رَّه)) للمصنّف ضمن ((السنن
الكبرى))، وغير ذلك. (ومنها): فضل السبق إلى الإسلام، وفضل بذل المال والنفس
في نشره، والذب عنه، فإن عليّا رَّ وغيره من أفاضل الصحابة له ما نالوا
الفضائل، والفواضل إلا بسبب مسارعتهم إلى الإسلام، وإبلائهم فيه إبلاء حسنا،
﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ اَلْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١]. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

٣٣٣
١٩- (عَلَامَةُ الإِيمَانِ) - حديث رقم ٥٠٢١
٥٠٢١- (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ يَعْنِ ابْنَ الْحَارِثِ -عَنْ
شُغْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَبْرٍ، عَنْ أَنَسٍٍ، عَنِ النَّبِّ وََّ، قَالَ: ((حُبُّ الْأَنْصَارِ
آيَّةُ الْإِيمَانِ، وَبُغْضُ الْأَنْصَارِ آيَةُ النَّفَاقِ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (إسماعيل بن مسعود) أبو مسعود الْجَحدَرِيُّ البصريّ الثقة [١٠] ٤٧/٤٢.
٢- (خالد بن الحارث) الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٤٧/٤٢.
٣- (شعبة) بن الحجاج المذكور قريبًا.
٤- (عبد الله بن عبد الله بن جبر)- بفتح الجيم، وسكون الموحّدة- ويقال: ابن
جابر بن عتيك: هو الأنصاريّ المدنيّ الثقة [٤] ١٨٤٦/١٤.
٥- (أنس) بن مالك رضي الله تعالى عنه٦/٦. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين،
غير ابن جبر، فمدنيّ، وفيه راو وافق اسمه اسم أبيه، وهو عبدالله بن عبد الله بن جبر.
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَبْرٍ، عَنْ أَنَسٍ) رضي اللّه تعالى عنه (عَنِ النَِّيِّ نََّ) أنه
(قَالَ: (حُبُّ الْأَنْصَارِ آيَةُ الْإِيمَانِ) مبتدأ، وخبر: أي حب أنصار رسول اللَّه ◌َلّل علامة
على إيمان الشخص. و((الأنصار))- بفتح الهمزة: جمع ناصر، كأصحاب وصاحب، أو
جمع نصير، كأشراف وشريف، واللام فيه للعهد: أي أنصار رسول اللَّه وَلّ، والمراد
الأوس والخزرج، وكانوا قبل ذلك يُعرفون ببني قَيلة -بقاف مفتوحة، وياء تحتانية
ساكنة- وهي الأم التي تجمع القبيلتين، فسماهم رسول اللَّه وَلير الأنصار، فصار ذلك
علما عليهم، وأطلق أيضا على أولادهم، وحلفائهم، ومواليهم.
(وَبُغْضُ الْأَنْصَارِ آيَّةُ النِّفَاقِ) أي علامة على كون الشخص منافقًا. وفي رواية
الشيخين: ((آية الإيمان حبّ الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار)).
قال في ((الفتح)): قوله: ((آية الإيمان))- هو بهمزة ممدودة، وياء تحتانية مفتوحة، وهاء
تأنيث، و((الإيمان)) مجرور بالإضافة، هذا هو المعتمد، في ضبط هذه الكلمة، في جميع
الروايات، في ((الصحيحين))، و((السنن))، و((المستخرجات))، و((المسانيد))، و((الآية)):

٣٣٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ
العلامة، كما ترجم به البخاريّ، والنسائيّ، ووقع في ((إعراب الحديث)) لأبي البقاء
العكبري: ((إنه الإيمان))- بهمزة مكسورة، ونون مشددة، وهاء- و((الإيمان)) مرفوع،
وأعربه، فقال: ((إن)) للتأكيد، والهاء ضمير الشأن، و((الإيمان)): مبتدأ، وما بعده خبر،
ويكون التقدير: إن الشأن الإيمان حب الأنصار. وهذا تصحيف منه، ثم فيه نظر من
جهة المعنى؛ لأنه يقتضي حصر الإيمان في حب الأنصار، وليس كذلك.
[فإن قيل]: واللفظ المشهور أيضا يقتضي الحصر، وكذا ما أورده البخاريّ في
((فضائل الأنصار))، من حديث البراء بن عازب: ((الأنصار لا يحبهم إلا مؤمنٍ)).
[فالجواب]: عن الأول: أن العلامة كالخاصة تَطَرِد، ولا تنعكس، فإن أُخذ من
طريق المفهوم، فهو مفهوم لقب، لا عبرة به، سلمنا الحصر، لكنه ليس حقيقيا، بل
ادعائيا؛ للمبالغة، أو هو حقيقي، لكنه خاص بمن أبغضهم من حيث النصرة.
[والجواب]: عن الثاني: أن غايته أن لا يقع حب الأنصار إلا لمؤمن، وليس فيه نفي
الإيمان عمن لم يقع منه ذلك، بل فيه أن غير المؤمن لا يحبهم.
[فإن قيل]: فعلى الشق الثاني، هل يكون من أبغضهم منافقا، وإن صدق وأقر؟.
[فالجواب]: أن ظاهر اللفظ يقتضيه، لكنه غير مراد، فيحمل على تقييد البغض بالجهة،
فمن أبغضهم من جهة هذه الصفة، وهي كونهم نصروا رسول اللّه وَلّ، أَثَّر ذلك في
تصديقه، فيصح أنه منافق، ويُقَرِّب هذا الحمل زيادةُ أبي نعيم في ((المستخرج)) في
حديث البراء بن عازب: ((من أحب الأنصار، فبحبي أحبهم، ومن أبغض الأنصار
فيبغضي أبغضهم))، ويأتي مثل هذا في الحب، كما سبق، وقد أخرج مسلم من حديث
أبي سعيد، رفعه: ((لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر))، ولأحمد من
حديثه: ((حب الأنصار إيمان، وبغضهم نفاق)). ويحتمل أن يقال: إن اللفظ خرج على
معنى التحذير، فلا يراد ظاهره، ومن ثَمَّ لم يقابل الإيمان بالكفر، الذي هو ضده، بل
قابله بالنفاق؛ إشارة إلى أن الترغيب والترهيب، إنما خوطب به من يظهر الإيمان، أما
من يظهر الكفر فلا؛ لأنه مرتكب ما هو أشد من ذلك.
وإنما خُصَّ الأنصار بهذه المنقبة العظمى؛ لما فازوا به دون غيرهم، من القبائل، من
إيواء النبي ◌َّر، ومن معه، والقيام بأمرهم، ومواساتهم بأنفسهم وأموالهم، وإيثارهم
إياهم في كثير من الأمور على أنفسهم، فكان صنيعهم لذلك موجبا لمعاداتهم جميع
الفرق الموجودين، من عرب وعجم، والعداوة تجر البغض، ثم كان ما اختصوا به مما
ذكر موجبا للحسد، والحسد يجر البغض، فلهذا جاء التحذير من بغضهم، والترغيب
في حبهم، حتى جُعل ذلك آية الإيمان والنفاق؛ تنويها بعظيم فضلهم، وتنبيها على

٣٣٥ =
١٩- (عَلَامَةُ الإِيمَانِ) - حديث رقم ٥٠٢١
كريم فعلهم، وإن كان من شاركهم في معنى ذلك، مشاركا لهم في الفضل المذكور، كُلّ
بقسطه، وقد ثبت في ((صحيح مسلم)) وهو الحديث الماضي للنسائي - عن على رَظّه أن
النبي وَ ﴾ قال له: ((لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق))، وهذا جار باطراد في أعيان
الصحابة؛ لتحقق مشترك الإكرام؛ لما لهم من حسن الغَنّاء في الدين. قال صاحب
((المفهم)): وأما الحروب الواقعة بينهم، فإن وقع من بعضهم بغض، فذاك من غير هذه
الجهة، بل للأمر الطاريء الذي اقتضى المخالفة، ولذلك لم يحكم بعضهم على بعض
بالنفاق، وإنما كان حالهم في ذاك حال المجتهدين في الأحكام للمصيب أجران،
وللمخطيء أجر واحد، والله أعلم. انتهى ((فتح)) ١ / ٩٠-٩١ . وهو بحث نفيس . والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أنس رضي اللَّه تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥٠٢١/١٩- وأخرجه (خ) في ((الإيمان)) ١٧ (م) في ((الإيمان)) ٧٤
(أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ١١٩٠٧ و١١٩٦١ و١٣١٩٥. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه اللّه تعالى، وهو بيان علامة الإيمان، وهو أن
الشخص إذا أحب الإنصار دلّ على أنه مؤمنٌ، كما نصّ عليه النبيّ وَّر، والعكس
بالعكس. (ومنها): بيان مناقب الأنصار ه، حيث جعل الله سبحانه وتعالى حبهم
شعبة من شعب الإيمان؛ لمبادرتهم بالاستجابة لدينه تعالى، ونصرهم رسوله وَّر،
وإيوائهم له، وللمهاجرين في دينهم.
(ومنها): ما قاله الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: هذا المعنى يرجع إلى ما تقدّم
من أن من أحبّ المرء لا يحبّه إلا للَّه من علامات الإيمان، وأن الحبّ في اللَّه من أوثق.
عُرى الإيمان، وأنه أفضل الإيمان، فالأنصار نصروا اللَّه تعالى، ورسوله وَّ، فمحبّتهم
من تمام محبّة الله تعالى، ورسوله وَ له. قال: فمحبّة أولياء الله تعالى، وأحبابه عمومًا
من الإيمان، وهي من أعلى مراتبه، وبغضهم محرّم، فهو من خصال النفاق؛ لأنه مما
لا يتظاهر به غالبًا، ومن تظاهر به فقد تظاهر بنفاقه، فهو شرّ ممن كتمه، وأخفاه، ومن
كان له مزيّة في الدين لصحبته النبيّ وَّر، أو لقرابته، أو نصرته، فله مزيد خصوصيّة في
محبّته وبغضه، ومن كان من أهل السوابق في الإسلام، كالمهاجرين الأولين، فهو

٣٣٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ
أعظم حقًّا، مثل عليّ رَّه ، وقد رُوي أن المنافقين إنما كانوا يُعرفون ببغض عليّ
وَّه، ومن هو أفضل من عليّ، كأبي بكر، وعمر رضي اللّه تعالى عنهما، فهو أولى
بذلك، ولذلك قيل: إن حبهما من فرائض الدين. وقيل: إنه يرجى على حبّهما ما
يُرجى على التوحيد من الأجر. انتهى ((شرح البخاري لابن رجب)) رحمه الله تعالى١/
٦٤-٦٦ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
٢٠- (عَلَامَةُ الْمُنَافِقِ)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((النفاق)): لغةً مخالفة الباطن للظاهر، فإن كان في
اعتقاد الإيمان، فهو نفاق الكفر، وإلا فهو نفاق العمل، ويدخل فيه الفعل، والترك،
وتتفاوت مراتبه. قاله في ((الفتح)) ١/ ١٢٥ .
وقال في ((المفهم)) ٢٤٩/١ -: قال ابن الأنباريّ في تسمية المنافق منافقًا ثلاثة
أقوال: [أحدها]: أنه سُمّي بذلك؛ لأنه يستر كفره، فأشبه الداخل في النَّفَق، وهو
السَّرَبُ. [وثانيها]: أنه شُبّه باليربوع الذي له جُخْرٌ، يقال له: القاصعاءُ، وآخر يقال له
النافقاء، فإذا أُخذ عليه من أحدهما خرج من الآخر، وكذلك المنافق يخرُج من الإيمان
من غير الوجه الذي يَدخُل فيه. [وثالثها]: أنه شُبّه باليربوع من جهة أن اليربوع يَخرق
في الأرض، حتى إذا قارب ظاهرها أرَقّ التراب، فإذا رابه ريب دفع التراب برأسه،
فخرج، فظاهر جحره تراب، وباطنه حفر، وكذلك المنافق ظاهره الإيمان، وباطنه
الكفر. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب.
٥٠٢٢- (أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ،
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ، قَالَ: ((أَرْبَعَةٌ مَنْ
كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا، أَوْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ الْأَرَبَعِ، كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النَّفَاقِ، حَتَّى
يَدَعَهَا: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١- (بشر بن خالد) العسكريّ، أبو محمد الفرائضيّ، نزيل البصرة، ثقة يُغرب [١٠]
٢٦ /٨١٢ .

٢٠- (عَلَامَةُ المُنافِقِ) - حديث رقم ٥٠٢٢
٣٣٧
٢- (محمد بن جعفر) المعروف بغندر البصريّ، ثقة صحيح الكتاب [٩] ٢٢/٢١.
٣- (سليمان) بن مِهْرَان الأعمش الكوفيّ، ثقة حافظ ورع، يدلّس [٥] ١٨/١٧.
٤- (عبد الله بن مرّة) الهمدانيّ الخارفيّ الكوفيّ، ثقة [٣] ١٨٦٠/١٧.
٥- (مسروق) بن الأجدع بن مالك، أبو عائشة الهمدانيّ المخضرم، ثقة فقيه عابد
[٢] ٩٠/ ١١٢ .
٦- (عبد الله بن عمرو) بن العاص رضي الله تعالى عنهما ١١١/٨٩. والله تعالى
أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى شعبة، والباقون كوفيّون،
والصحابيّ قد دخل الكوفة. (ومنها): أن فيه ثلاثة من ثقات التابعين يروي بعضهم عن
بعض: الأعمش، عن عبد الله بن مرّة، عن مسروق. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) بن العاص رضي اللَّه تعالى عنهما (عَنِ النَّبِيِّ نََّ) أنه (قَالَ:
((أَرْبَعَةٌ) أي أربعة أمور، وللشيخين: ((أربع)) بدون هاء: أي أربع خصال.
[فإن قيل]: عدّ هذا الحديث أربع خصال، وفي حديث أبي هريرة وعظمي التالي: («آية
النفاق ثلاث))، ومثله في أثر ابن مسعود تنظيم الآتي بعده، فكيف يوفق بين الحديثين؟.
[قلت]: أجاب القرطبيّ رحمه الله تعالى باحتمال أنه استجدّ له وَلهو من العلم
بحالهم، ما لم يكن عنده، فإما بالوحي، وإما بالمشاهدة لتلك منهم.
وقال الحافظ: ليس بين الحديثين تعارض؛ لأنه لا يلزم من عدّ الخصلة المذمومة،
الدالة على كمال النفاق، كونها علامة على النفاق؛ لاحتمال أن تكون العلامات دالات
على أصل النفاق، والخصلة الزائدة، إذا أضيفت إلى ذلك كمل بها خلوص النفاق،
على أن في رواية مسلم من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة
رَزّه، ما يدل على إرادة عدم الحصر، فإن لفظه: ((من علامة المنافق ثلاث))، وكذا
أخرج الطبراني في ((الأوسط)) من حديث أبي سعيد الخدري تَظّه، وإذا حمل اللفظ
الأول- يعني: ((علامة المنافق ثلاث))- على هذا لم يرد السؤال، فيكون قد أخبر ببعض
العلامات في وقت، وببعضها في وقت آخر.
وقال القرطبي أيضا، والنووي: حصل من مجموع الروايتين خمس خصال؛ لأنهما

٣٣٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ
تواردتا على الكذب في الحديث، والخيانة في الأمانة، وزاد في حديث أبي هريرة
الخلف في الوعد، وفي حديث عبد اللَّه الغدر في المعاهدة، والفجور في الخصومة.
هذا بالنسبة لرواية البخاريّ، وأما في رواية مسلم، والنسائيّ في حديث عبد الله بدل
الغدر في المعاهدة الخلف في الوعد، كما في حديث أبي هريرة، فكأن بعض الرواة
تصرف في لفظه؛ لأن معناهما قد يتحد، وعلى هذا فالمزيد خصلة واحدة، وهي
الفجور في الخصومة، والفجور: الميل عن الحق، والاحتيال في رده، وهذا قد يندرج
في الخصلة الأولى، وهي الكذب في الحديث.
ووجه الاقتصار على هذه العلامات الثلاث: أنها مُنَبَّةٌ على ما عداها؛ إذ أصل الديانة
منحصر في ثلاث: القول، والفعل، والنية، فنبه على فساد القول بالكذب، وعلى فساد
الفعل بالخيانة، وعلى فساد النية بالخلف؛ لأن خلف الوعد لا يقدح، إلا إذا كان العزم
عليه مقارنا للوعد، أما لو كان عازما، ثم عَرَض له مانع، أو بدا له رأي، فهذا لم توجد
منه صورة النفاق. قاله الغزالي في ((الإحياء)). وفي الطبراني في حديث طويل، ما يشهد
له، ففيه من حديث سلمان تَظّه: ((إذا وعد، وهو يحدث نفسه أنه يخلف))، وكذا قال
في باقي الخصال، وإسناده لا بأس به، ليس فيهم من أجمع على تركه، وهو عند أبي
داود، والترمذي، من حديث زيد بن أرقم ◌َنّه، مختصرًا، بلفظ: ((إذا وعد الرجل
أخاه، ومن نيته أن يفي له، فلم يف، فلا إثم عليه)). انتهى ((فتح)) ١٢٥/١-١٢٦.
(مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا) وزاد في رواية الشيخين: ((خالصًا)) (أو) للشكّ من الراوي
(كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ الْأَرْبَعِ، كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النَّفَاقِ) قال في ((القاموس)):
الْخصلة- أي بفتح، فسكون -: الْخَلَّة، والفضيلة، والرَّذِيلة، أو قد غلب على الفضيلة،
جمع خِصَال بالكسر -انتهى. والمناسب هنا: الرذيلة (حَتَّى يَدَعَهَا) أي إلى أن يترك تلك
الخصلة الذميمة (إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ) أتى بـ((إذا)) الدالة على تحقق الوقوع، تنبيها على أن
هذه عادة المنافق:
(وَإِذَا وَعَدَ) يقال: وعده وعدًا، يستعمل في الخير والشرّ، ويُعدّى بنفسه، وبالباء،
فيقال: وعده الخير، وبالخير، وشرّا، وبالشرّ، وقد أسقطوا لفظ الخير والشرّ، وقالوا
في الخير: وعده وعدًا وعِدَةً، وفي الشرّ: وعده وعيدًا، فالمصدر هو الفارق، وأوعده
إيعادًا، وقالوا: أوعده خيرًا، وشرًا بالألف أيضًا، وأدخلوا الباء مع الألف في الشرّ
خاصّةٌ، والخلف في الوعد عند العرب كذبٌ، وفي الوعيد كرمٌ، قال الشاعر:
وَإِنِّي وَإِنْ أَوْ عَدْتُهُ أَوْ وَعَذْتُهُ لَمُخْلِفٌ إِيعَادِي وَمُنْجِزٌ مَوْعِدِي
وقال في ((الفتح): قال صاحب ((المحكم)): يقال: وعدته خيرا، ووعدته شرا، فإذا

٣٣٩
٢٠- (علامةُ المُنافِقِ) - حديث رقم ٥٠٢٢
أسقطوا الفعل، قالوا في الخير: وعدته، وفي الشر أوعدته، وحكى ابن الأعرابي في
«نوادره)): أوعدته خيرا بالهمزة، فالمراد بالوعد في الحديث الوعد بالخير، وأما الشر
فيستحب إخلافه، وقد يجب مالم يترتب على ترك إنفاذه مفسدة.
وأما الكذب في الحديث، فحكى ابن التين عن مالك: أنه سئل عمن جرب عليه
كذب، فقال: أيُّ نوع من الكذب؟، لعله حدث عن عيش له سلف، فبالغ في وصفه،
فهذا لا يضر، وإنما يضر من حدث عن الأشياء، بخلاف ما هي عليه، قاصدا الكذب.
انتھی
(أَخْلَفَ) أي لم يفعل ما وعده (وَإِذَا عَاهَدَ) من المعاهدة، وهي المحالفة، والمواثقة
(غَدَرَ) من الغدر، وهو ترك الوفاء به (وَإِذَا خَاصَمَ) من المخاصمة، وهي المجادلة
(فَجَرَ) من الفجور، وهو الميل عن القصد، والشقّ: أي مال عن الحقّ، وقال الباطل،
أو شقّ ستر الديانة. وقال في ((المفهم)): ((فجر)): أي مال عن الحقّ، واحتال في ردّه،
وإبطاله. وقال الهرويّ: أصل الفجور: الميل عن القصد، وقد يكون الكذب. انتهى.
وقال النووي رحمه اللّه تعالى: هذا الحديث عدّه جماعة من العلماء مشكلا، من
حيث إن هذه الخصال، قد توجد في المسلم المجمع على عدم الحكم بكفره، قال،
وليس فيه إشكال، بل معناه صحيح، والذي قاله المحققون: إن معناه أن هذه خصال
نفاق، وصاحبها شبيه بالمنافقين، في هذه الخصال، ومتخلق بأخلاقهم.
قال الحافظ: ومحصل هذا الجواب الحملُ في التسمية على المجاز: أي صاحب
هذه الخصال، كالمنافق، وهو بناء على المراد بالنفاق نفاق الكفر.
وقد قيل في الجواب عنه: إن المراد بالنفاق نفاق العمل، كما قدمناه، وهذا ارتضاه
القرطبي، واستدل له بقول عمر لحذيفة رضي الله تعالى عنهما: هل تعلم فيّ شيئا من
النفاق، فإنه لم يُرِد بذلك نفاق الكفر، وإنما أراد نفاق العمل، ويؤيده وصفه بالخالص
في حديث عبد الله بن عمرو بقوله: ((كان منافقا خالصا)). وقيل: المراد بإطلاق النفاق
الإنذار والتحذير عن ارتكاب هذه الخصال، وأن الظاهر غير مراد، وهذا ارتضاه
الخطابي، وذكر أيضا أنه يحتمل أن المتصف بذلك، هو من اعتاد ذلك، وصار له دینا،
قال: ويدل عليه التعبير بـ((إذا))، فإنها تدل على تكرر الفعل، كذا قال، والأولى ما قال
الكرماني: إن حذف المفعول مِنْ ((حَدَّثَ))، يدل على العموم: أي إذا حدث في كل
شيء كذب فيه، أو يصير قاصرا: أي إذا وَجَدَ ماهية التحدث كذب. وقيل: هو محمول
على من غلبت عليه هذه الخصال، وتهاون بها، واستخفَّ بأمرها، فإنّ من كان كذلك،
كان فاسد الاعتقاد غالبا.

٣٤٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ
وهذه الأجوبة كلها مبنية على أن اللام في ((المنافق)) للجنس، ومنهم من ادَّعَى أنها
للعهد، فقال: إنه ورد في حق شخص معين، أو في حق المنافقين في عهد النبي وَّر،
وتمسك هؤلاء بأحاديث ضعيفة، جاءت في ذلك، لو ثبت شيء منها، لتعين المصير
إليه، وأحسن الأجوبة ما ارتضاه القرطبي. والله أعلم. انتهى ((فتح)) ١٢٦/١. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد الله بن عمرو رضي اللّه تعالى عنهما هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٥٠٢٢/٢٠- وأخرجه (خ) في ((الإيمان)) ٥٤ و((المظالم والغصب))
٢٤٥٩ و((الجزية والموادعة)) ٣١٧٨ (م) في ((الإيمان)) ٥٨ (د) في ((السنّة)) ٤٦٨٨ (ت)
في ((الإيمان)) ٢٦٣٢ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ٦٧٢٩ و٦٨٢٥ و٦٨٤٠.
والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان علامة المنافق، وهي هذه
الخصال الأربع. (ومنها): التحذير عن الأخلاق الرذيلة، مثل هذه الخصال، فإنها تنافي
مقتضى الإيمان، فإنه يقتضي أن يكون المؤمن صادقًا في حديثه، وفيّا بوعده، مؤدّیًا ما
اؤتمن به، عادلا في مخاصمته.
(ومنها): ما قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى: لا شكّ في أن للمنافقين خصالا أُخْر
مذمومة، كما قد وصفهم اللَّه تعالى، حيث قال: ﴿وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلَوَةِ قَامُواْ كُسَالَى
يُزَآءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢]، فيحتمل أن يقال: إنما خُصّت
تلك الخصال بالذكر؛ لأنها أظهر عليهم من غيرها، عند مخالطتهم للمسلمين، أو لأنها
التي يضرّون بها المسلمين، ويقصدون بها مفسدتهم، دون غيرها من صفاتهم. والله
تعالى أعلم. انتهى ((المفهم)) ٢٥١/١.
(ومنها): أن هذه الخصال إذا وُجدت في مؤمن كان بها منافقًا نفاقًا عمليّا، لا اعتقادیّا
بحيث يخرج بها من الإسلام، ومهما كان الحال، فيجب على العاقل أن يجتنبها؛ إذ
ربما تجرّه إلى النفاق القلبيّ، فيخسر خسرانًا مبينًا، ﴿رَبَّنَا لَا تُعْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا
مِن لَّدُنكَ رَحْمَةٌ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَقَّابُ﴾ [آل عمران: ٨]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.