النص المفهرس

صفحات 301-320

١٨ - (زيادةُ الإِيمَانِ) - حديث رقم ٥٠١٢
٣٠١ =
يَشَاءٍ﴾، إِلَى ﴿عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨]).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (محمد بن رافع) أبو عبد الله النيسابوريّ، ثقة عابد [١١] ١١٤/٩٢.
٢- (عبد الرزاق) بن هَمّام الصنعانيّ ثقة فاضل مصنّف، عمي فتغيّر، ويتشيّع [٩]
٦١ /٧٧ .
٣- (معمر) بن راشد، أبو عروة البصريّ، ثم اليمنيّ، ثقة ثبت [٧] ١٠/١٠.
٤- (زيد بن أسلم) العدويّ المدنيّ ثقة فقيه [٣] ٨٠/٦٤.
٥- (عطاء بن يسار) الهلاليّ، مولى ميمونة المدنيّ ثقة عابد فاضل [٣] ٨٠/٦٤.
والصحابيّ سبق في الحديث الماضي. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من زيد. (ومنها): أن فيه رواية تابعي
عن تابعيّ: زيد عن عطاء، وهو من رواية الأقران؛ إذ كلاهما من الطبقة الثالثة. والله
تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُذْرِيِّ) رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((مَا)
نافية، وهي العاملة عمل ((ليس))، واسمها قوله (مُجَادَلَةُ أَحَدِكُمْ فِي الْحَقُ، يَكُونُ لَهُ فِي
الدُّنْيًا) جملة ((يكون)) في محلّ جرّ صفة ((الحقّ)) على أن تعريفه للجنس (بِأَشَدَّ) الباء
زائدة في خبر ((ما))، كما قال في ((الخلاصة:
وَبَعْدَ ((مَا)) و(لَيْسَ)) جَرَّ الْبَا الْخَبَرْ وَبَعْدَ ((لَا)) ونَفْي ((كَانَ)) قَدْ يُجَرُّ
(مُجَادَلَةً) منصوب على التمييز، قال السنديّ: وفيه مبالغة، حيث جعل المجادلة
ذات مجادة، ولا يجوز جرّ مجادلة بإضافة اسم التفضيل إليها؛ لأنه يلزم الجمع بين
الإضافة و((من))، واسم التفضيل لا يُستعمل بهما، وأيضًا التنكير يأبى احتمال الإضافة.
انتهى. (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) أي من مجادلة المؤمنين (لِرَبِهِمْ فِي إِخْوَانِهِم، الَّذِينَ أُدْخِلُوا النَّارَ)
ببناء الفعل للمفعول، أي أدخلهم اللَّه تعالى النار بسبب أعمالهم السيئة.
والمعنى أنه لا يكون إن مجادلة المؤمنين بعضهم لبعض في الدنيا بسبب حقّ يثبت
لهم، لا تكون أشدّ من مجادلة المؤمنين لربهم سبحانه وتعالى في الآخرة، حين يؤذن
بدخول الجنة، وقد أدخل إخوانهم النار بسبب سيئاتهم، فيناشدون الله سبحانه وتعالى

٣٠٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ
أن يخرج إخوانهم من النار، فيدخوا معهم الجنة، كما يشير إلى هذا قوله (قَالَ:
(يَقُولُونَ) أي المؤمنون (رَبَّنَا) بتقدير حرف النداء: أي يا ربّنا (إِخْوَانُنَا) خبر لمحذوف،
أي هم إخواننا، أو هو مبتدأ، خبره جملة قوله: (كَانُوا يُصَلُّونَ مَعَنَا، وَيَصُومُونَ مَعَنَا،
وَيَحُجُّونَ مَعَنَا) أي كانوا يفعلون هذه العبادات في الدنيا، كما كنّا نفعلها، فليس المراد
اجتماعهم على فعلها، فإنه لا يشترط ذلك (فَأَدْخَلْتَهُمُ النَّارَ)، (قَالَ بَِّ فَيَقُولُ) أي اللَّه
سبحانه وتعالى (اذْهَبُوا، فَأَخْرِجُوا) هذه الرواية صريحة في كون الإخراج للمؤمنين،
وفي حديث أبي هريرة تنظيم عند البخاريّ: ((أمر الملائكة أن يُخرجوهم))، وفي حديث
أنس رَظَّه عنده قوله وَلاير: (فيحُدّ لي حدًا، فأخرجهم))، ويُجمع بأن الملائكة يؤمرون
على ألسنة الرسل بذلك، فالذين يباشرون الإخراج هم الملائكة. قاله في ((الفتح)) ١٣/
٢٨٤ . (مَنْ عَرَفْتُمْ مِنْهُمْ) أي من إخوانكم الموصوفين بما ذكرتم (قَالَ: ((فَيَأْتُونُهُمْ،
فَيَعْرِفُونُمْ بِصُوَرِهِمْ) أي لأن صور مواضع سجودهم لا تتغيّر بالنار، ففي رواية الشيخين
لحديث أبي سعيد تَظّه هذا، واللفظ للبخاريّ: ((ويُحرّم الله صورهم على النار))، وفي
حديث أبي هريرة تَظّه: ((حرّم الله تعالى على النار أن تأكل أثر السجود))، وآثار
السجود تكون في أعضائه السبعة.
(فَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ النَّارُ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ إِلَى كَعْبَيْهِ) [فإن قيل]:
هذا نصّ على أن النار قد أخذت بعض أعضاء السجود، وهو يخالف ما سبق أن الله
تعالى حرّم صورهم على النار))، وفي الروية الأخرى: ((حرّم الله تعالى على النار أن
تأكل أثر السجود))، فكيف الجواب؟.
[قلت]: أجيب بأنا نقول: تأخذ النار، فتغيّر، ولا تأكل، فتذهب، ولا يبعد أن
يقال: إن تحريم الصور على النار إنما يكون في حقّ هذه الطائفة المشفوع لهم أوّلًا لعلوّ
رتبتهم على من يخرج بعدهم، فتكون النار لم تقرب صورهم، ولا وجوههم بالتغيير،
ولا الأكل. قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى في ((المفهم)) ٤٤٨/١-٤٤٩ .
وقال في ((الفتح)) عند شرح قوله: فيعرفونهم بعلامة آثار السجود، وحرم الله على
النار أن تأكل من ابن آدم أثر السجود)»: ما حاصله: هذا جواب عن سؤال مقدر،
تقديره: كيف يعرفون أثر السجود، مع قوله في حديث أبي سعيد، عند مسلم: ((فأماتهم
الله إماتة، حتى إذا كانوا فحما أذن الله بالشفاعة))، فإذا صاروا فحما كيف يتميز محل
السجود من غيره؟ حتى يُعرف أثره.
وحاصل الجواب تخصيص أعضاء السجود، من عموم الأعضاء التي دل عليها هذا
الخبر، وأن اللَّه منع النار أن تحرق أثر السجود من المؤمن، وهل المراد بأثر السجود

١٨ - (زِيَادَةُ الإِيمَانِ) - حديث رقم ٥٠١٢
٣٠٣
نفس العضو، الذي يسجد، أو المراد مَن سجد؟ فيه نظر، والثاني أظهر.
قال القاضي عياض: فيه دليل على أن عذاب المؤمنين المذنبين مخالف لعذاب
الكفار، وأنها لا تأتي على جميع أعضائهم، إما إكراما لموضع السجود، وعظم مكانهم
من الخضوع لله تعالى، أو لكرامة تلك الصورة التي خُلق آدم والبشر عليها، وفُضلوا بها
على سائر الخلق.
قال الحافظ: الأول منصوص، والثاني محتمل، لكن يشكل عليه أن الصورة لا
تختص بالمؤمنين، فلو كان الإكرام لأجلها لشاركهم الكفار، وليس كذلك.
قال النووي: وظاهر الحديث أن النار لا تأكل جميع أعضاء السجود السبعة، وهي:
الجبهة، واليدان، والركبتان، والقدمان، وبهذا جزم بعض العلماء. وقال عياض: ذِكر
الصورة، ودارات الوجوه، يدل على أن المراد بأثر السجود الوجه خاصة، خلافا لمن
قال: يشمل الأعضاء السبعة، ويؤيد اختصاص الوجه أن في بقية الحديث: ((إن منهم
من غاب في النار إلى نصف ساقيه))، وفي حديث سمرة عند مسلم: ((وإلى ركبتيه))،
وفي رواية هشام بن سعد في حديث أبي سعيد: ((وإلى حِقْوه))، قال النووي: وما أنكره
هو المختار، ولا يمنع من ذلك قوله في الحديث الآخر في مسلم: ((إن قوما يخرجون
من النار، يحترقون فيها إلا دارات وجوهم))، فإنه يُحمل على أن هؤلاء قوم
مخصوصون من جملة الخارجين من النار، فيكون الحديث خاصا بهم، وغيره عاما،
فيُحمل على عمومه، إلا ما خص منه.
قال الحافظ: إن أراد أن هؤلاء يخصون بأن النار لا تأكل وجوههم كلها، وأن غيرهم
لا تأكل منهم محل السجود خاصة، وهو الجبهة سَلِمَ من الاعتراض، وإلا يلزمه تسليم
ما قال القاضي في حق الجميع، إلا هؤلاء، وإن كانت علامتهم الغرة كما تقدم النقل
عمن قاله، وما تعقبه بأنها خاصة بهذه الأمة، فيضاف إليها التحجيل، وهو في اليدين
والقدمين، مما يصل إليه الوضوء، فيكون أشمل مما قاله النووي، من جهة دخول جميع
اليدين والرجلين، لا تخصيص الكفين والقدمين، ولكن ينقص منه الركبتان.
وما استدل به القاضي من بقية الحديث، لا يمنع سلامة هذه الأعضاء، مع الانغمار؛
لأن تلك الأحوال الأخروية خارجة عن قياس أحوال أهل الدنيا.
ودل التنصيص على دارات الوجوه أن الوجه كله لا تؤثر فيه النار؛ إكراما لمحل
السجود، ويحمل الاقتصار عليها على التنويه بها لشرفها.
وقد استنبط ابن أبي جمرة من هذا أن من كان مسلما، ولكنه كان لا يصلى لا يخرج،
إذ لا علامة له، لكن يُحمل على أنه يخرج في القبضة؛ لعموم قوله: ((لم يعملوا خيرا

٣٠٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ
قط))، وهو مذكور في حديث أبي سعيد المذكور عند البخاريّ في ((كتاب التوحيد)).
وهل المراد بمن يَسلَم من الاحتراق من كان يسجد، أو أعم من أن يكون بالفعل، أو
القوة؟، الثاني أظهر؛ ليدخل فيه من أسلم مثلا وأخلص، فبغته الموت قبل أن يسجد.
انتهى ((فتح)) ٢٨٥/١٣-٢٨٦.
(فَيُخْرِجُونُمْ، فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا) أي يا ربّنا (قَدْ أَخْرَجْنَا مَنْ أَمَرْتَنَا) أي بإخراجه ممن له
علامة يُعرِف بها، وهي مواضع السجود، كما سبق آنفًا (قَالَ: ((وَيَقُولُ) أي اللَّه سبحانه
وتعالى (أَخْرِجُوا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ وَزْنُ دِينَارٍ مِنَ الْإِيمَانِ) أي زيادة على التوحيد؛ لما
ثبت في حديث آخر: ((أخرجوا من النار من قال: لا إله إلا اللَّه، وعمل من الخير ما
یزن ذرّة)).
(ثُمَّ قَالَ: مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ وَزْنُ نِصْفٍ دِينَارٍ، حَتَّى يَقُولَ: مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ وَزْنُ ذَرَّةٍ))
بفتح المعجمة، وتشديد الراء المفتوحة، قيل: معناها: أقلّ الأشياء الموزونة. وقيل:
هي الهباء الذي يظهر في شُعاع الشمس، مثل رءوس الإبر. وقيل: هي النملة الصغيرة.
ويُروى عن ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما، أنه قال: إذا وضعت كفّك في التراب،
ثم نفضتها، فالساقط هو الذّرّ. ويقال: إن أربع ذرّات وزن خَرْدلة. وعند البخاريّ في
أواخر ((كتاب التوحيد)) من حديث أنس رتبثه، مرفوعًا: ((أدخل الجنة من كان في قلبه
خردلة، ثم من كان في قلبه أدنى شيءٍ))، قال في ((الفتح)): وهذا معنى الذّرّة. انتهى
١٤٥/١٣.
[تنبيه]: ضبط ((ذَرَّة)) بالذال المعجمة، والراء -: هو الصواب، قال القرطبيّ رحمه
اللَّه تعالى: كذا صحّت روايتنا فيه بفتح الذال المعجمة، وتشديد الراء: وهي الصغيرة
من النمل، ولم يُختلف أنه كذلك في هذا الحديث، وقد صحّفه شعبة في حديث أنس
رَزيه - أي عند مسلم- فقال: ((ذُرَة)) بضم الذال المعجمة، وتخفيف الراء، على ما قيّده
أبو عليّ الصدفيّ، والسمر قنديّ، وفيما قيّده الْعُذريّ، والْخُشنيّ ((دُرّة)) بالدال المهملة،
وتشديد الراء: واحدة الدَّرّ، وهو تصحيف التصحيف. انتهى ((المفهم)) ٤٤٩/١.
(قَالَ أَبُو سَعِيدٍ) الخدريّ ◌َّ (فَمَنْ لَمْ يُصَدِّقْ) قال القرطبيّ رحمه اللّه تعالى: هذا
ليس على معنى أنهم اتّهموه، وإنما كان منه على معنى التأكيد، والعَضْد. انتهى.
((المفهم)) ١/ ٤٤٩ (فَلْيَقْرَأْ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ
◌َشَآءُ﴾، إِلَى ﴿عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨]) هكذا الآية في رواية المصنف رحمه الله تعالی،
والذي في ((الصحيحين)) أن الآية هي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ
حَسَنَةٌ يُضَعِفْهَا وَيُؤْتٍ مِن لَّدُنَّهُ أَبْرًّا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠] . وهذه الآية هي الظاهرة في

٣٠٥
١٨ - (زيادةُ الإِيمَانِ) - حديث رقم ٥٠١٢
استدلال أبي سعيد رَّه على ما قاله، وللآية المذكورة أيضًا وجهً، وذلك لأن الله
تعالى ذكر أنه يغفر ما دون الشرك، فمن عرف أنه سبحانه وتعالى يغفر جميع الذنوب
كبيرها، وصغيرها، غير الشرك، لا يستبعد ما ذُكر في هذا الحديث من شفاعة المؤمنين
لإخوانهم، وإخراجهم لهم من النار، وإن كانوا ليست لهم أعمال صالحة، بل هم
أصحاب كبائر، بحيث تكون أعمالهم الصالحة لقلّتها بمقدار وزن ذرّة. والله تعالى
أعلم.
[تنبيه]: حديث أبي سعيد رَّ هذا اختصره المصنف رحمه الله تعالى، وهو
حديث طويل ساقه الشيخان في ((صحيحيهما)) بطوله، وهذا لفظ البخاريّ رحمه الله
تعالى في ((كتاب التوحيد)»:
حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث بن سعد، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي
هلال، عن زيد، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، قال: قلنا: يا رسول
اللَّه، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: هل تضارون في رؤية الشمس والقمر، إذا كانت
صحوا؟))، قلنا: لا، قال: ((فإنكم لا تضارون في رؤية ربكم يومئذ، إلا كما تضارون
في رؤيتهما))، ثم قال: ((ينادي مناد، ليذهب كل قوم إلى ما كانوا يعبدون، فيذهب
أصحاب الصليب مع صليبهم، وأصحاب الأوثان مع أوثانهم، وأصحاب كل آلهة مع
آلهتهم، حتى يبقى من كان يعبد الله من بر أو فاجر، وغُبَّرات من أهل الكتاب، ثم يؤتى
بجهنم، تعرض كأنها سراب، فيقال لليهود: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزيرًا ابن
اللَّه، فيقال: كذبتم لم يكن للَّه صاحبة ولا ولد، فما تريدون؟ قالوا: نريد أن تسقينا،
فيقال: اشربوا، فيتساقطون في جهنم، ثم يقال للنصارى: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون:
كنا نعبد المسيح ابن الله، فيقال: كذبتم، لم يكن لله صاحبة ولا ولد، فما تريدون؟
فيقولون: نريد أن تسقينا، فيقال: اشربوا، فيتساقطون في جهنم، حتى يبقى من كان
يعبد اللّه، من بَرّ، أو فاجر، فيقال لهم: ما يحبسكم؟ وقد ذهب الناس فيقولون:
فارقناهم، ونحن أحوج منا إليه اليوم، وإنا سمعنا مناديا ينادي: ليلحق كل قوم بما كانوا
يعبدون، وإنما ننتظر ربنا، قال: فيأتيهم الجبار في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول
مرة، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا، فلا يكلمه إلا الأنبياء، فيقول: هل بينكم
وبينه آية تعرفونه؟، فيقولون: الساق فيكشف عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن، ويبقى
من كان يسجد لله رياء وسمعة، فيذهب كيما يسجد، فيعود ظهره طبقا واحدا، ثم يؤتى
بالجسر، فيجعل بين ظهري جهنم، قلنا: يا رسول الله، وما الجسر؟ قال: ((مَدْحَضَة،
مَزَلَّة، عليه خَطاطيف، وكلاليب، وحَسَكة مُفَلْطَحَةٍ، لها شوكة عُقَيفاء، تكون بنجد،

٣٠٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ
يقال لها: السعدان، المؤمن عليها كالطرف، وكالبرق، وكالريح، وكأجاويد الخيل
والركاب، فناج مسلم، وناج مخدوش، ومكدوس في نار جهنم، حتى يمر آخرهم
يُسحَب سحبا،َ فما أنتم بأشد لي مناشدة في الحق، قد تبين لكم، من المؤمن يومئذ
للجبار، فإذا رأوا أنهم قد نجوا، في إخوانهم، يقولون: ربنا إخواننا كانوا يصلون معنا،
ويصومون معنا، ويعملون معنا، فيقول الله تعالى: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال
دينار من إيمان، فأخرجوه، ويُحَرِّم الله صورهم على النار، فيأتونهم، وبعضهم قد غاب
في النار إلى قدمه، وإلى أنصاف ساقيه، فيُخرجون من عرفوا، ثم يعودون، فيقول:
اذهبوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار، فأخرجوه، فيخرجون من عرفوا، ثم
يعودون، فيقول: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من إيمان، فأخرجوه،
فيخرجون من عرفوا.
قال أبو سعيد: فإن لم تصدقوني، فاقرءوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ
حَسَنَةٌ يُضَعِفْهَا﴾ [النساء: ٤٠]، فيشفع النبيون، والملائكة، والمؤمنون، فيقول الجبار
بقيت شفاعتي، فيقبض قبضة من النار، فيُخرج أقواما قد امتحشوا، فيلقون في نهر بأفواه
الجنة، يقال له: ماء الحياة، فينبتون في حافتيه، كما تنبت الحبة في حميل السيل، قد
رأيتموها إلى جانب الصخرة، وإلى جانب الشجرة، فما كان إلى الشمس منها كان
أخضر، وما كان منها إلى الظل كان أبيض، فيخرجون كأنهم اللؤلؤ، فيُجعل في رقابهم
الخواتيم، فيدخلون الجنة، فيقول أهل الجنة: هؤلاء عتقاء الرحمن، أدخلهم الجنة
بغير عمل عملوه، ولا خير قدموه، فيقال لهم: لكم ما رأيتم، ومثله معه)). انتهى.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي سعيد الخدريّ رضي اللَّه تعالى عنه هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥٠١٢/١٨- وأخرجه (خ) في ((التوحيد)» ٧٤٣٩ (م) في ((الإيمان))
١٨٣ (ق) في ((المقدّمة)) ٦٠ (أحمد) ١٦/٣. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان زيادة الإيمان، ووجه ذلك
ظاهر في قوله: ((وزن دينار))، و((وزن نصف دينار))، و((وزن ذرّة))، فإنه يدلّ على أنَّ
الإيمان يقبل الزيادة والنقص، وقد تقدّم في أوائل ((كتاب الإيمان)) أن مذهب المحدّثين،

١٨ - (زِيَادَةُ الإِيمَانِ) - حديث رقم ٥٠١٣
٣٠٧
والمحققين من أهل العلم أن الإيمان قول، وفعل، ويزيد وينقص. (ومنها): إثبات
الشفاعة للمؤمنين. (ومنها): فضل المحبّة في اللَّه تعالى، فإن هؤلاء المؤمنين الذي
يجادلون عن إخوانهم ما حملهم على ذلك إلا المحبة التي ربطت بينهم، فقد نفعوهم
في يوم لا ينفع فيه مال، ولا بنون. (ومنها): تفاوت أهل النار على قدر تفاوت أعمالهم
السيئة. (ومنها): سعة رحمة الله تعالى، وواسع جوده وكرمه، حيث إنه لا يُضيع
أعمال عباده، وإن قلت، وكانت مثقال ذرّة، ﴿وَاَللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. (ومنها): أن
الشرك هو الذنب الذي لا ذنب فوقه، ولهذا لا يغفره الله تعالى. (ومنها): أن اللَّه
سبحانه وتعالى يغفر ما دون الشرك، وإن كان من الكبائر، وقد تقدّم أن جمهور أهل السنّة
احتجّوا بهذه الآية الكريمة على أن قاتل النفس المحرّمة عمدًا تحت المشيئة، وهذا هو
الحقّ؛ لهذه الآية الكريمة، وقد خالف في ذلك ابن عبّاس رضي اللَّه تعالى عنهما،
ويقال: إنه رجع عن ذلك، وقد تقدّم بيان ذلك كلّه في محلّه، فلا تنس. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٠١٣- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَخْتَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ
سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو أَمَامَةً
ابْنُ سَهْلٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُذَّرِيَّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ( بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ، رَأَيْتُ
النَّسَ يُغْرَضُونَ عَلَّيَّ، وَعَلَيْهِمْ قُمُصِ، مِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثُّدِيَّ، وَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ دُونَ ذَلِكَ،
وَعُرِضَ عَلَيَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ))، قَالَ: فَمَاذَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ
اللّهِ؟، قَالَ: ((الدِّينَ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١- (محمد بن يحيى بن عبد الله) الحافظ الثبت الحجة الذهليّ النيسابوريّ، ثقة ثبت
[١١] ٣١٤/١٩٦ .
٢- (يعقوب بن إبراهيم) الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغددا، ثقة فاضل، من
صغار [٩] ٣١٤/١٩٦.
٣- (أبوه) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقة
حجة [٨] ٣١٤/١٩٦.
٤- (صالح بن كيسان) الغفاريّ المدنيّ، ثقة ثبت [٤] ١٩٦/ ٣١٤.
٥- (أبو أمامة بن سهل) هو أسعد بن سهل بن حُنيف الأنصاريّ، معروف بکنیته،
مختلف في صحبته، والصحيح أنه صحابيّ رؤيةً، وتابعيّ رواية، مات سنة مائة، وله
(٩٢)، وتقدّم في ٥٠٩/٨ . والصحابي تقدم قريبًا. والله تعالى أعلم.

شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِهِ
٣٠٨
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالی. (ومنها): أن رجاله کلهم رجال
الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فنيسابوريّ، وفيه ثلاثة من
ثقات التابعين، أو تابعيان، وصحابيّان، على خلاف سبق آنفًا في أبي أمامة. والله تعالى
أعلم .
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) أنه (قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو أُمَامَةَ) أسعد (بْنُ سَهْلٍ) بن حُنيف (أَنَّهُ سَمِعَ أَبًا
سَعِيدٍ الْخُذْرِيَّ) تَظمي . هذا الذي رواه أكثر أصحاب الزهريّ، واتفق عليه الشيخان،
وقد أخرجه أحمد من طريق معمر، عن الزهريّ، عن أبي أمامة بن سهل، عن بعض
أصحاب النبيّ وَلّر، فأبهمه. قاله في ((الفتح)) ٤٠٨/٧.
(قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَه بَيْنَا) هي ((بين)) أَشبعت فتحتها، فصارت ألفا، وقال
الجوهريّ: ((بينا) فَعْلَى، مشبعة الفتحة، وتضاف إلى الجملة، وهو قوله: (أَنَا نَائِمٌ،
رَأَيْتُ) هو من الرؤية البصريّة، ويجوز أن يكون من الرؤية العلميّة (النَّاسَ) بالنصب على
المفعوليّة، ويجوز رفعه على الابتداء، وخبره جملة قوله (يُعْرَضُونَ عَلَيَّ) ببناء الفعل
للمفعول: أي يُظهرون لي، يقال: عَرَضَ الشيءَ، من باب ضرب: إذا أبداه، وأظهره،
والجملة على كون ((رأى)) بصرية منصوبة على الحال، وعلى كونها علمية، هي المفعول
الثاني، وأما على رفع ((الناس)) فهي خبره، والجملة مفعول ((رأيت)).
قال ابن أبي جمرة رحمه الله تعالى: ما ملخصه: المراد بالناس في هذا الحديث
المؤمنون؛ لتأويله القميص بالدين، قال: والذي يظهر أن المراد خصوص هذه الأمة
المحمدية، بل بعضها، والمراد بالدين العمل بمقتضاه، كالحرص على امتثال الأوامر،
واجتناب المناهي، وكان لعمر رَميه في ذلك المقام العالي. انتهى ((فتح)) ١٤/ ٤٢٨.
[تنبيه]: قد استستُكل هذا الحديث بأنه يلزم منه أن عمر أفضل من أبي بكر الصّدّيق
رضي الله تعالى عنهما.
[والجواب]: عنه تخصيص أبي بكر من عموم قوله: ((عُرض عليّ الناس))، فلعلّ
الذين عُرضوا إذ ذاك لم يكن فيهم أبو بكر تَّه، وأن كون عمر ◌َّه عليه قميص
يجرّه، لا يستلزم أن لا يكون على أبي بكر قميصٌ أطول منه، وأسبغ، فلعلّه كان
كذلك، إلا أن المراد كان حيئذ بيان فضيلة عمر وظثه، فاقتصر عليها. انتهى. ((فتح))
٤٠٨/٧-٤٠٩ .
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: هؤلاء الناس المعروضون على رسول اللَّه وَلّ في
النوم هم من دون عمر في الفضيلة، فلم يدخل فيهم أبو بكر، ولو عُرِض أبو بكر تَّه

٣٠٩ =
١٨ - (زيادةُ الإِيمَانِ) - حديث رقم ٥٠١٣
عليه في هذه الرواية لكان قميصه أطول، فإن فضله أعظم، ومقامه أكبر. انتهى.
((المفهم)) ١/ ٢٥٢-٢٥٣.
وقال في ((الفتح)) في موضع آخر: ما معناه: ظاهر الحديث فيه إشكالٌ، وملخصه:
أن المراد بالأفضل من يكون أكثر ثوابا، والأعمال علامات الثواب، فمن كان عمله
أکثر، فدینه أقوى، ومن كان دينه أقوى، فثوابه أكثر، ومن كان ثوابه أكثر، فهو أفضل،
فيكون عمر أفضل من أبي بكر رَّه .
وملخص الجواب: أنه ليس في الحديث تصريح بالمطلوب، فيحتمل أن يكون أبو
بكر لم يُعْرَض في أولئك الناس، إما لأنه كان قد عُرض قبل ذلك، وإما لأنه لا يُعْرَض
أصلا، وأنه لَمّا عُرض كان عليه قميص أطول من قميص عمر. ويحتمل أن يكون سِرُّ
السكوت عن ذكره الاكتفاءَ بما عُلِم من أفضليته. ويحتمل أن يكون وقع ذكره، فذَهِل
عنه الراوي، وعلى التنزل بأن الأصل عدم جميع هذه الاحتمالات، فهو مُعارَض
بالأحاديث الدالة على أفضلية الصديق، وقد تواترت تواترا معنويا، فهي المعتمدة.
وأقوى هذه الاحتمالات أن لا يكون أبو بكر عُرِض مع المذكورين، والمراد من
الخبر التنبيه على أن عمر ممن حصل له الفضل البالغ في الدين، وليس فيه ما يصرح
بانحصار ذلك فيه. ((فتح)) في ((كتاب تعبير الرؤيا)) ٤٢٧/١٤.
(وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ) بضمتين: جميع قميص، كرغيف ورُغُف، ويُجمع أيضًا على
قُمصان، وأقمصة، كرغفان، وأرغفة، والجملة في محلّ نصب على الحال (مِنْهَا مَا
يَبْلُغُ الثُّدِيَّ) بضم الثاء المثلّثة، وكسر الدال، وتشديد الياء، جمع ثَذي بفتح، فسكون،
كفلس وفُلُوس، وأصل الثُّديّ: ثُدُويّ كفُلُوس، اجتمعت فيه الواو، والياء، وسبقت
إحداهما بالسكون، فأبدلت الواو ياء، وأدغمت في الياء، ثم أبدلت ضمة الدال كسرةً؛
لمناسبة الياء، فصار ثُدِيّا، وإلى هذه القاعدة أشار في ((الخلاصة)) بقوله:
إِنْ يَسْكُنِ السَّابِقُ مِنْ وَاوٍ وَيَا وَاتَّصَلَا وَمِنْ عُرُوضِ عَرِيَا
فَيَاءَ الْوَاوَ اقْلِيَنَّ مُذْغِمَا وَشَذَّ مُعْطَى غَيْرَ مَا قَدْ رُسِمَا
ويقال فيه أيضًا: ثِدِيّ بكسر الثاء؛ إتباعًا لما بعدها من الكسرة.
قال الجوهريّ: الثدي يُذكّر، ويُؤنّث، وهو للمرأة والرجل جميعًا، وقيل: يختصّ
بالمرأة، والصحيح الأول. أفاده العينيّ في ((عمدة القاري)) ١٩٨/١.
ومعنى الحديث: أن القميص قصيرٌ جدّا، بحيث لا يصل من الحلق إلى نحو السرّة،
بل فوقها. قاله في ((الفتح)) ٤٢٦/١٤ .
(وَمِنْهَا) أي من القمُص (مَا يَبْلُغُ دُونَ ذَلِكَ) قال في ((الفتح)) ٤٢٦/١٤: يحتمل أن

٣١٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ
يريد دونه من جهة السفل، وهو الظاهر، فيكون أطول، ويحتمل أن يريد دونه من جهة
العلو، فيكون أقصر، ويؤيّد الأول ما في رواية الترمذيّ الحكيم من طريق أخرى عن
ابن المبارك، عن يونس، عن الزهريّ، في هذا الحديث: ((فمنهم من كان قميصه إلى
سرّته، ومنهم من كان قميصه إلى ركبته، ومنهم من كان قميصه إلى أنصاف ساقيه)).
انتھی .
(وَعُرِضَ) بالبناء للمفعول (عَلَيَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) رَبِّهِ (وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ) جملة حالية
من ((عمر))، وقوله (يَجُرُّهُ) جملة في محلّ رفع صفة لـ((قميص)) (قَالَ) أي بعض الصحابة،
فالضمير المستتر راجع إلى مفهوم، وفي رواية البخاريّ: ((قالوا»، وهي أوضح: أي قال
الصحابة الحاضرون عنده # حينما حدّث برؤياه هذه. وفي رواية الترمذيّ الحكيم:
((فقال له أبو بكر: على ما تأولت هذا يا رسول اللَّه))، فتبيّن بهذه الرواية أن القائل هو
أبوبكر الصدّيق رَّهِ (فَمَاذَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟) من التأويل، وهو في الأصل:
تفسير ما يؤول إليه الشيء، والمراد هنا: هو التعبير: أي بما ذا عبّرت هذه الرؤيا (قَالَ)
وَلَّر (الدِّينَ) بالنصب مفعول لمحذوف: أي أولته الدين، ويجوز رفعه، على أنه خبر
لمحذوف: أي هو الدين، وفي رواية الترمذيّ الحكيم: ((قال: على الإيمان)»، قاله في
((الفتح)) ١٤/ ٤٢٦ في ((كتاب التعبير)).
قيل: وجه تعبير القميص بالدين، أن القميص يستر العورة في الدنيا، والدين يسترها
في الآخرة، ويحجبها عن كل مكروه، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَلِبَاسُ النَّقْوَى ذَلِكَ
خَيْرٌ﴾ الآية [الأعراف: ٢٦]، والعرب تَكْنِي عن الفضل، والعفاف بالقميص، كما قال
شاعرهم :
ثِيَابُ بَنِي عَوْفٍ طَهَارَى نَقِيَةٌ وَأَوْ جُهُهُم بِيض الْمَسَافِرِ غُرَّانُ
ومنه قوله وَّر، لعثمان رَّه: ((إن اللَّه سيُلبسك قميصا، فإن أرادوا أن تخلعه، فلا
تخلعه))، أخرجه أحمد، والترمذي، وابن ماجه، وصححه ابن حبان، فعبّر عن الخلافة
بالقميص، وهي استعارة حسنة معروفة. واتفق أهل التعبير على أن القميص يُعَبَّر
بالدين، وأن طوله يدل على بقاء آثار صاحبه من بعده.
وقال ابن العربي رحمه اللّه تعالى: إنما أوله النبي وَلَيول بالدين؛ لأن الدين يستر عورة
الجهل، كما يستر الثوب عورة البدن، قال: وأما غير عمر، فالذي كان يبلغ الثُّدِيّ هو
الذي يستر قلبه عن الكفر، وإن كان يتعاطى المعاصي، والذي كان يبلغ أسفل من
ذلك، وفرجه باد، هو الذي لم يستر رجليه عن المشي إلى المعصية، والذي يستر
رجليه هو الذي احتجب بالتقوى من جميع الوجوه، والذي يجر قميصه، هو الذي يكون

٣١١
١٨ - (زيادةُ الإِيمَانِ) - حديث رقم ٥٠١٣
زائدا على ذلك بالعمل الخالص. انتهى ((فتح)) ٤٢٧/١٤ ((كتاب التعبير)) بزيادة من
(المفهم)) ٢٥٣/١-٢٥٤ .
وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: وإنما فسّر القمُص في المنام بالدين؛ لأن
الدين، والإسلام، والتقوى كلُّ هذه توصف بأنها لباسٌ، قال تعالى: ﴿وَلِبَاسُ النَّقْوَى ذَلِكَ
خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦]، وقال أبو الدرداء: الإيمان كالقميص يلبسه الإنسان تارةً،
وينزعه أخرى، وفي الحديث: ((لا يزني الزاني حين يزني، وهو مؤمن، ينزع منه سربال
الإيمان))(١) . وقال النابغة [من البسيط]:
حَتَّى اكْتَسَيْتُ مِنَ الإِسْلَامِ سِرْبَالًا
الْحَمْدُ لِلَّهِ إِذْ لَمْ يَأْتِنِي أَجْلِي
وقال أبو العتاهية [من الطويل]:
إِذَا الْمَرْءُ لَمْ يَلْبَسْ ثِيَابًا مِنَ الثُّقَى تَقَلَّبَ عُزْيَانًا وَإِنْ كَانَ كَاسِيَا
فهذه كلها كسوة الباطن، وهو الروح، وهو زينة لها، كما في حديث عمّار
وَالَى: ((اللَّهمَ زيّنًا بزينة الإيمان))(٢)، كما أن الرياش زينة للجسد، وكسوة له، قال
تعالى: ﴿يَبَنِيّ ءَدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُؤَرِى سَوْءَاتِكُمْ وَرِشَّا وَلِبَاسُ النَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾
[الأعراف: ٢٦]، ومن هنا قال مجاهد، والشعبيّ، وقتادة، والضخّاك، والنخعيّ،
والزهريّ، وغيرهم في قوله تعالى: ﴿وَابَكَ فَطَهِرْ﴾ [المدثر: ٤]: إن المعنى طهّر
نفسك من الذنوب. وقال سعيد بن جُبير: وقلبك فطهّر، وقريبٌ منه قول من قال:
وعملك فأصلح، رُوي عن مجاهد، وأبي روق، والضحاك. وعن الحسن، ومحمد
بن كعب القرظيّ، قالا: خُلُقك حسّنه. فكنى بالثياب عن الأعمال، وهي من
الدين، والتقوى، والإيمان، والإسلام، وتطهيره إصلاحه، وتخليصه من المفسدات
له، وبذلك تحصل طهارة النفس، والقلب، والنيّة، وبه يحصل حسن الخلق؛ لأن
الدين هو الطاعات التي تصير عادة، ودَيدَنًا، وخُلُقًا، قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ
عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، وفسّره ابن عبّاس بالدين. انتهى ((شرح البخاري لابن رجب))
٩٩/١-١٠١ . وهو بحث نفيس والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
(١) متفق عليه دون قوله: ((ينزع منه سربال الإيمان)) وانظر ((تعظيم قدر الصلاة)) ١/ ٤٩٢- ٤٩٦.
(٢) ((المسند)) ٢٦٤/٤ وتقدم في ((المجتبى)) ((تاب الصلاة)) ١٣٠٥/٦٢.

٣١٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِهِ
حديث أبي سعيد الخدريّ رَّه هذا متفقٌ عليه.
١٠
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥٠١٣/١٨- وأخرجه (خ) في ((الإيمان)) ٢٣ و((المناقب)) ٣٦٩١
و(التعبير)) ٧٠٠٨ و٧٠٠٩ (م) في ((فضائل الصحابة)) ٢٣٩٠ (ت) في ((الرؤيا)) ٢٢٨٥
(أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ١١٤٠٥ (الدارمي) في ((الرؤيا)) ٢٠٥٨. والله تعالى
أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان تفاضل أهل الإيمان فيه
بالقلة، والكثرة، وبالقوة، والضعف، ووجه الاستدلال بالحديث أنه ◌َّر أري الناس،
وعليهم قُمُص مختلفة المقدار بالطول والقصر، وأوّل ذلك على تفاوتهم في الدين،
والدين، والإيمان، والإسلام بمعنى، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الّذِينَ عِندَ اللّهِ
اَلْإِسْلَمُ﴾ [آل عمران: ١٩]، وقال: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، وقال:
﴿وَمَن يَبْتَعْ غَيْرَ أَلْإِسْلَاِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]، وقال ◌َّه بعد أن أجاب
جبريل غْلَّهُل في سؤاله عن الإيمان، والإسلام، والإحسان: ((هذا جبريل جاءكم
یعلّمکم دینکم»، فجعل کله دینًا.
وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: وهذا الحديث نص في أن الدین یتفاضل،
وقد استُدلّ عليه بقوله تعالى: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية [المائدة: ٣]، وأشار
البخاريّ إلى ذلك في موضع آخر. ويدلّ عليه أيضًا قول النبيّ وَّ للنساء: ((ما رأيت من
ناقصات عقل ودين أذهب للبّ الرجل الحازم من إحداكنَّ))، متّفقٌ عليه. وفسّر نقصان
دينها بتركها الصوم والصلاة أيام حيضها، فدلّ على دخول الصوم والصلاة في اسم
الدين. وقد صرّح بدخول الأعمال في الدين طوائف من العلماء، والمتكلّمين، من
الحنابلة وغيرهم. فمن قال: الاسلام، والإيمان واحدٌ، فالدين عنده مرادفٌ لهما، وهو
اختيار البخاريّ، ومحمد بن نصر المروزيّ، وغيرهما من أهل الحديث، ومن فرّق
بينهما، فاختلفوا في ذلك، فمنهم من قال: إن الدين أعمّ منهما، فإنه يشمل الإيمان،
والإسلام، والإحسان، كما دلّ عليه حديث جبريل ◌َالَّله، وقد أشار البخاريّ إلى هذا
فيما بعدُ، لكنه ممن لا يفرّق بين الإسلام والإيمان. ومن قال: الإيمان التصديق،
والإسلام الأعمال، فأكثرهم جعل الدين هو الإسلام، وأدخل فيه الأعمال، وإنما أخرج
الأعمال من مسمّى الدين بعض المرجئة. ومن قال الإسلام الشهادتان، والإيمان
العمل، كالزهريّ، وأحمد في رواية، وهي التي نصرها القاضي أبو يعلى جعل الدين

٣١٣
١٨ - (زِيَادَةُ الإِيمَانِ) - حديث رقم ٥٠١٣
هو الإيمان بعينه، وأجاب عن قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَمُ﴾ الآية [آل
عمران: ١٩] أن بعض الدين الإسلام، وهذا بعيدٌ. وأما من قال: إن كلّا من الإسلام
والإيمان إذا أُطلقا مجرّدًا دخل الآخر فيه، وإنما يفرّق بينهما عند الجمع بينهما، وهو
الأظهر، فالدين هو مسمّى كل واحد منهما عند إطلاقه، وأما عند اقترانه بالآخر فالدين
أخصّ باسم الإسلام؛ لأن الإسلام هو الاستسلام، والخضوع، والانقياد، وكذلك
الدين يقال: دانه يدينه: إذا قهره، ودان له: إذا استسلم له، وخضع، وانقاد، ولهذا
سمّى اللَّه الإسلام دينًا، فقال: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَمُ﴾ [آل عمران: ١٩]،
وقال: ﴿وَمَن يَبْتَغْ غَيْرَ الْإِسْلَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ الآية [آل عمران: ٨٥]، وقال:
﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ اُلْإِسْلَمَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. انتهى كلام ابن رجب في ((شرح البخاريّ))
٩٨/١-٩٩ . وقد تقدّم بیان هذا كلّه في أوائل (كتاب الإيمان))، فلا تنس نصيبك منه،
والله يتولّى هداك.
(ومنها): ما قاله في ((الفتح)) أن هذا من أمثلة ما يُحمّد في المنام، ويُذَمّ في اليقظة
شرعًا، أعني جر القميص؛ لما ثبت من الوعيد في تطويله، وعكس هذا ما يُذَمّ في
المنام، ويُحمَد في اليقظة.
(ومنها): أن فيه مشروعيةَ تعبير الرؤيا، وسؤال العالم بها عن تعبيرها، ولو كان هو
الرائي. (ومنها): أن فيه الثناء على الفاضل بما فيه؛ لأظهار منزلته عند السامعين، ولا
يخفى أن محل ذلك إذا أُمِن عليه من الفتنة بالمدح، كالإعجاب. (ومنها): أن بيانَ فيه
فضيلةِ عُمَرَ رَّه .
(ومنها): ما قاله ابن أبي جمرة رحمه اللّه تعالى: يؤخذ من الحديث أن كل ما يُرى في
القميص، من حسن، أو غيره، فإنه يعبر بدين لابسه قال: والنكتة في القميص أنّ
لابسه، إذا اختار نزعه، وإذا اختار أبقاه، فلما ألبس اللَّه المومنين لباس الإيمان،
واتصفوا به كان الكامل في ذلك سابغ الثوب، ومن لا فلا، وقد يكون نقص الثوب
بسبب نقص الإيمان، وقد يكون بسبب نقص العمل. والله أعلم.
وقال غيره: القميص في الدنيا ستر عورة، فما زاد على ذلك كان مذموما، وفي
الآخرة زينة محضة، فناسب أن يكون تعبيره بحسب هيئته، من زيادة، أو نقص، ومن
حسن وضده، فمهما زاد من ذلك، كان من فضل لابسه، وينسب لكل ما يليق به من
دين، أو علم، أو جمال، أو حلم، أو تقدم في فئة، وضِدُّهُ لضده. قاله في ((الفتح)) ١٤/
٤٢٨. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم
الو کیل.

٣١٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ
٥٠١٤- (أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عُمَيْسٍ، عَنْ
قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْيَّهُودِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ،
فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، آيَةٌ فِي كِتَابِّكُمْ، تَقْرَءُونَّا، لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ نَزَلَّتْ، لَا تَخَذْنَا
ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا، قَالَ: أَيُّ آيَةٍ؟ قَالَ: ﴿اَلْيَوْمَ أَكَمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَنْتَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ
لَكُمُ الْإِسْلَمَ دِينً﴾، فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّي لَأَعْلَمُ الْمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ، وَالْيَوْمَ الَّذِي نَزَلَتْ
فِيهِ، نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ بَلهَ فِي عَرَفَاتٍ، فِي يَوْمِ جُمعَةٍ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسنادَ كلهم رجال الصحيح، غير شيخه
أبي داود سليمان بن سيف الحرّانيّ، فإنه من أفراده، وهو حافظ ثقة. و((جعفر بن
عون)): هو أبو عون الكوفيّ، صدوق [٩]. و((أبو عُميس)): هو عتبة بن عبد الله بن
عتبة بن عبد الله بن مسعود الكوفيّ الثقة [٧] . وقيس، وطارق تقدّما في الباب
الماضي.
وقوله: ((لاتخذنا ذلك اليوم)): أي يوم نزول الآية. وقوله: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾
[المائدة: ٣]: فيه نسبة الإكمال للدين، وأخذ منه المصنف رحمه الله تعالى القول بزيادة
الإيمان، قال السنديّ: وفيه خفاء.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قد سبقه إلى الاستدلال على زيادة الإيمان ونقصانه
بهذه الآية الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى، فقال في ((صحيحه)): ((باب زيادة الإيمان
ونقصانه))، وقال الله تعالى: ﴿وَزِدْنَهُمْ هُدَّى﴾ [الكهف: ١٣]، ﴿وَيَزْدَادَ اُلَِّينَ ءَامَنُواْ إِيَأْ﴾
[المدثر: ٣١]، وقال: ﴿اَلْيَوْمَ أَكَمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، فإذا ترك شيئًا من
الكمال، فهو ناقص. انتهى.
قال في ((الفتح)): ووقع الاستدلال في هذه الآية بنظير ما أشار إليه البخاري لسفيان
ابن عيينة، أخرجه أبو نعيم في ترجمته، من ((الحلية))، من طريق عمرو بن عثمان الرَّقّيّ،
قال: قيل لابن عيينة: إن قوما يقولون: الإيمان كلام، فقال: كان هذا قبل أن تنزل
الأحكام، فأمر الناس أن يقولوا: لا إله إلا اللّه، فإذا قالوها عصموا دماءهم، وأموالهم،
فلما عَلِمِ اللَّه صدقهم، أمرهم بالصلاة، ففعلوا، ولو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار، فذكر
الأركان إلى أن قال، فلما علم الله ما تتابع عليهم من الفرائض، وقبولهم، قال: ﴿اَلْيَوْمَ
أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية [المائدة: ٣]، فمن ترك شيئا من ذلك كَسَلا، أو مُجُونا أدّبناه
عليه، وكان ناقص الإيمان، ومن تركها جاحدا كان كافرا. انتهى ملخصا.
وتبعه أبو عبيد في ((كتاب الإيمان له))، فذكر نحوه، وزاد أن بعض المخالفين لما
أُلْزِم بذلك، أجاب بأن الإيمان ليس هو مجموع الدين، إنما الدين ثلاثة أجزاء، الإيمان

٣١٥ ==
١٨ - (زيادة الإِيمَانِ) - حديث رقم ٥٠١٤
جزء، والأعمال جزآن، لأنها فرائض، ونوافل. وتعقبه أبو عبيد، بأنه خلاف ظاهر
القرآن، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ اَلْإِسْلَمُ﴾ [آل عمران: ١٩]،
والإسلام حيث أُطلق مفردا دخل فيه الإيمان، كما تقدم تقريره.
[فإن قيل]: فلم أعاد في هذا الباب الآيتين المذكورتين فيه وقد تقدمتا في أول ((كتاب
الإيمان)» .
[فالجواب]: أنه أعادهما ليوطىء بهما معنى الكمال المذكور في الآية الثالثة؛ لأن
الاستدلال بهما نص في الزيادة، وهو يستلزم النقص، وأما الكمال فليس نصا في
الزيادة، بل هو مستلزم للنقص فقط، واستلزامه للنقص يستدعي قبوله الزيادة، ومن ثم
قال المصنف: فإذا ترك شيئا من الكمال فهو ناقص، ولهذه النكتة عدل في التعبير للآية
الثالثة عن أسلوب الآيتين، حيث قال أوّلا: وقول الله، وقال ثانيا: وقال، وبهذا التقرير
يندفع اعتراض من اعترض عليه، بأن آية أكملت لكم لا دليل فيها على مراده؛ لأن
الإكمال إن كان بمعنى إظهار الحجة على المخالفين، أو بمعنى إظهار أهل الدين على
المشركين، فلا حجة للمصنف فيه، وإن كان بمعنى إكمال الفرائض، لزم عليه أنه كان
قبل ذلك ناقصا، وأن من مات من الصحابة قبل نزول الآية، كان إيمانه ناقصا، وليس
الأمر كذلك؛ لأن الإيمان لم يزل تاما .
ويوضح دفع هذا الاعتراض جواب القاضي أبي بكر بن العربي، بأن النقص أمر
نسبي، لكن منه ما يترتب عليه الذم، ومنه ما لا يترتب، فالأول مانقصه بالاختيار، كمن
علم وظائف الدين، ثم تركها عمدا، والثاني مانقصه بغير اختيار، كمن لم يعلم، أو لم
يكلف، فهذا لا يُذَمّ، بل يحمد من جهة أنه كان قلبه مطمئنا، بأنه لو زيد لقبل، ولو
كلف لعمل، وهذا شأن الصحابة الذين ماتوا قبل نزول الفرائض.
ومحصله: أن النقص بالنسبة إليهم صورى نسبي، ولهم فيه رتبة الكمال، من حيث
المعنى، وهذا نظير قول من يقول: إن شرع محمد # أكمل من شرع موسى وعيسى
عليهما السلام؛ لاشتماله من الأحكام على ما لم يقع في الكتب التي قبله، ومع هذا
فشرع موسى في زمانه، كان كاملا، وتجدد في شرع عيسى بعده ما تجدد، فالأكملية أمر
نسبي، كما تقرر. والله تعالى أعلم. انتهى ((فتح)) ١٤٣/١-١٤٤. ((كتاب الإيمان))
وهو بحث نفیس جدًّا.
وقوله: ((في عرفة، في يوم جمعة)): أي فقد جمع الله سبحانه وتعالى لنا في يوم نزولها
عيدين؛ منّةً منه تعالى، من غير تكلّف منّا، فله الحمد على تمام نعمته.
وقال الحافظ ابن رجب رحمه اللّه تعالى: بعد أن أورد الحديث: ما نصّه: وقد

٣١٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِهِ
خرّجه ابن جرير الطبريّ في ((تفسيره)) من وجه آخر عن عمر تَّه ، وزاد فيه أنه قال:
((وكلاهما بحمد اللَّه لنا عيد)). وخرّج الترمذيّ عن ابن عبّاس رضي اللَّه تعالى عنهما أنه
قرأ هذه الآية، وعنده يهوديّ، فقال: لو أنزلت هذه الآية علينا لاتخذنا يومها عيدًا، فقال
ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما: فإنها نزلت في يوم عيدين: في يوم جمعة، ويوم
عرفة .
فهذا قد يؤخذ منه أن الأعياد لا تكون بالرأي والاختراع، كما يفعله أهل الكتابين من
قبلنا، إنما تكون بالشرع والاتباع، فهذه الآية لَمّا تضمّنت إكمال الدين، وإتمام النعمة
أنزلها الله في يوم شرعه عيدًا لهذه الأمة من وجهين :
[أحدهما]: يوم عيد الأسبوع، وهو يوم الجمعة. [والثاني]: أنه يوم عيد الموسم،
وهو يوم مجمعهم الأكبر، وموقفهم الأعظم، وقد قيل : : إنه يوم الحج الأكبر. وقد
جاء تسميته عيدًا في حديث مرفوع، خرّجه أهل ((السنن)) من حديث عقبة بن عامر
رَّهِ، عن النبيّ وَّل، قال: ((يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق عيدنا أهلَ
الإسلام، وهي أيام أكل وشرب))(١) .
وقد أشكل وجهه على كثير من العلماء؛ لأنه يدلّ على أن يوم عرفة يوم عيد، لا
يصام، كما رُوي ذلك عن بعض المتقدّمين، وحمله بعضهم على أهل الموقف، وهو
الأصحّ؛ لأنه اليوم الذي فيه أعظم مجامعهم، ومواقفهم، بخلاف أهل الأمصار، فإن
يوم اجتماعهم يوم النحر، وأما أيام التشريق، فيُشارك أهل الأمصار أهل الموسم فيها؛
لأنها أيام ضحاياهم، وأكلهم من نسكهم.
هذا قول جمهور العلماء. وقال عطاء: إنما هي أعياد لأهل الموسم، فلا يُنهى أهلُ
الأمصار عن صيامها، وقول الجمهور أصحّ.
ولكن الأيام التي يحدُث فيها حوادث من نعم الله تعالى على عباده لو صامها بعض
الناس شكرًا من غير اتخاذها عيدًا، كان حسنًا؛ استدلالاً بصيام النبيّ وََّ عاشوراء لَمّا
أخبره اليهود بصيام موسىَّلَّهُ له شُكِرًا، ويقول النبيّ وَّ لَمّا سُئل عن صيام يوم
الاثنين، قال: ((ذلك يوم وُلدتُ فيه، وأُنزل عليّ فيه)).
فأما الأعياد التي يجتمع عليها الناس، فلا يتجاوز بها ما شرعه الله لرسوله ، وشرعه
الرسول چلے لأمته .
والأعياد هي مواسم الفرح والسرور، وإنما شرع الله تعالى لهذه الأمة الفرح
(١) تقدم للمصنّف في ((الحج)) ١٩٥/ ٣٠٠٤. وأخرجه أبو داود (٢٤١٩)، والترمذيّ في (٧٧٣).

٣١٧
١٨ - (زيادةُ الإِيمَانِ) - حديث رقم ٥٠١٤
والسرور بتمام نعمته، وكمال رحمته، كما قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ
فَلْيَفْرَحُواْ﴾ الآية [يونس: ٥٨]، فشرع لهم عيدين في سنة، وعيدًا في كلّ أسبوع، فأما
عيدا السنة، فأحدهما: تمام صيامهم الذي افترضه عليهم كلَّ عام، فإذا أَتَمُّوا صيامهم
أعتقهم من النار، فشرع لهم عيدًا بعد إكمال صيامهم، وجعله يوم الجوائز، يرجعون فيه
من خروجهم إلى صلاتهم، وصدقتهم بالمغفرة، وتكون صدقة الفطر، وصلاة العيد
شكرًا لذلك.
والعيد الثاني: أكبر العيدين عند تمام حجّهم، بإدراك حجهم بالوقوف بعرفة، وهو
يوم العتق من النار، ولا يحصل العتق من النار، والمغفرة للذنوب والأوزار في يوم من
أيام السنة أكثر منه، فجعل اللَّه عقب ذلك عيدًا، بل هو العيد الأكبر، فيُكْمِل أهلُ
الموسم فيه مناسكهم، ويقضون تفئهم، ويوفون نذورهم، ويطوفون بالبيت العتيق،
ويشاركهم أهل الأمصار في هذا العيد؛ فإنهم يشاركونهم في يوم عرفة في العتق
والمغفرة، وإن لم يُشاركونهم في الوقوف بعرفة؛ لأن الحجّ فريضة العمر، لا فريضة
كلّ عام، بخلاف الصيام، ويكون الشكر فيه عند أهل الأمصار الصلاة، والنحر، والنحر
أفضل من الصدقة التي في يوم الفطر، ولهذا أمر اللَّه نبيّه وَّر أن يشكر نعمته بإعطائه
الكوثر بالصلاة له، والنحر، كما شرع ذلك لإبراهيم خليله التَّل عند أمره بذبح ولده،
وافتدائه بذبح عظیم.
وأما عيد الأسبوع، فهو يوم الجمعة، وهو متعلّقٌ بإكمال فريضة الصلاة، فإن اللَّه
فرض على عباده المسلمين الصلاة كلّ يوم وليلة خمس مرّات، فإذا كملت أيام الأسبوع
التي تدور الدنيا عليها، وأكملوا صلاتهم فيها شرع لهم يوم إكمالها، وهو اليوم الذي
انتهى فيه الخلق، وفيه خُلق آدم، وأُدخل الجنة عيدًا، يجتمعون فيه على صلاة الجمعة،
وشرع لهم الخطبة، تذكيرًا بنعم اللَّه عليهم، محثًا لهم على شكرها، وجعل شهود
الجمعة بأدائها كفّارة لذنوب الجمعة كلها، وزيادة ثلاثة أيام. وقد رُوي أن يوم الجمعة
أفضل من يوم الفطر، ويوم النحر. خرّجه الإمام أحمد في «مسنده)) ٣/ ٤٣٠ من حديث
أبي لبابة رَّه . وقاله مجاهد، وغيره. ورُوي أنه حجّ المساكين، ورُوي عن عليّ
رَمَّه أنه يوم نسك المسلمين. قال ابن المسيّب: الجمعة أحبّ إليّ من حجّ التطوّع.
وجعل اللَّه التبكير إلى الجمعة كالهدي، فالمبكّر في أول ساعة كالمهدي بدنةً، ثم
كالمهدي بقرةً، ثم كالمهدي كبشًا، ثم كالمهدي دجاجةً، ثم كالمهدي بيضةً.
ويوم الجمعة يوم المزيد في الجنة الذي يزور أهل الجنة فيه ربهم، ويتجلّى لهم في
قدر صلاة الجمعة. وكذلك رُوي في يوم العيدين أن أهل الجنة يزورون ربهم فيهما،

٣١٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ
وأنه يتجلّى فيهما لأهل الجنة عمومًا، يشارك الرجال فيها النساء. فهذه الأيام أعياد
للمؤمنين في الدنيا، وفي الآخرة عمومًا. وأما خواصّ المؤمنين فكل يوم لهم عيد، كما
قال بعض العارفين، وروي عن الحرم(١) كل يوم لا يُعصى اللَّه فيه فهو عيد. ولهذا
روي أن خواصّ أهل الجنة يزورون ربهم، وينظرون إليه كلّ يوم مرّتين بكرةً وعشيّا،
وقد خرّجه الترمذيّ من حديث ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما، مرفوعًا، وموقوفًا.
ولهذا المعنى والله أعلم- لَمّا ذكر النبيّ وَّر الرؤية في حديث جرير بن عبد الله البجليّ
رَّه، كما رواه الشيخان، أمر عقب ذلك بالمحافظة على الصلاة قبل طلوع الشمس،
وقبل غروبها، فإن هذين الوقتين وقت لرؤية خواصّ أهل الجنة ربهم، فمن حافظ على
هاتين الصلاتين على مواقيتهما، وأدائهما، وخشوعهما، وحضور القلب فيهما رُجي له
أن يكون ممن ينظر إلى الله تعالى في الجنة في وقتهما.
فتبيّن بهذا أن الأعياد تتعلّق بإكمال أركان الإسلام، فالأعياد الثلاثة المجتمع عليها
تتعلّق بإكمال الصلاة، والصيام، والحجّ، فأما الزكاة، فليس لها زمان معيّنْ، تُكمل
فيه، وأما الشهادتان، فإكمالهما، هو الاجتهاد في الصدق فيهما، وتحقيقهما، والقيام
بحقوقهما، وخواصّ المؤمنين يجتهدون على ذلك كل يوم ووقت، فلهذا كانت أيامهم
كلها أعيادًا، ولذلك كانت أعيادهم في الجنة مستمرّة. والله تعالى أعلم. انتهى كلام ابن
رجب رحمه الله تعالى في ((شرح البخاريّ)) ١/ ١٧٣-١٧٧ . وهو تحقيق نفيس، وبحث
أنیس.
والحديث متفقٌ عليه، وقد تقدّم في ((كتاب الحجّ)) ١٩٤ / ٣٠٠٢ ومضى تمام شرحه،
وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
١٩- (عَلَامَةُ الإِيمَانِ)
٥٠١٥- (أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ - يَعْنِي ابْنَ الْمُفَضَّلِ - قَالَ:
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسًا، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَرَ: ((لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ
حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ، مِنْ وَلَدِهِ، وَوَالِدِهِ، وَالنَّاسِ أَجَمَعِينَ))).
(١) هكذا النسخة، ولعله الحسن، أو نحوه، فليُحرّر. والله تعالى أعلم.

٣١٩
١٩- (عَلَامَةُ الإِيمَانِ) - حديث رقم ٥٠١٥
رجال هذا الإسناد : خمسة :
١- (حميد بن مسعدة) الباهليّ البصريّ، صدوقٌ [١٠] ٥/٥.
٢- (بشر بن المفضّل) بن لاحق أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثبت عابدٌ [٨] ٨٢/٦٦.
٣- (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة المشهور [٧] ٢٧/٢٤ .
٤- (قتادة) بن دِعامة السدوسيّ البصريّ، ثقة ثبت يدلّس [٤] ٣٤/٣٠.
٥- (أنس) بن مالك الصحابيّ ابلمشهور رضي الله تعالى عنه٦/٦. والله تعالى
أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين، وفيه تصريح قتادة بالسماع،
فلا يُخشى من تدليسه، على أن الراوي عنه شعبة، وهو لا يروي عنه إلا ما صرّح
بسماعه من شيوخه، وفيه أنس رَّه من المكثرين السبعة، وهو آخر من مات من
الصحابة بالبصرة، كما سبق بيانه غير مرّة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة السدوسيّ البصريّ (أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسًا) أي ابن مالك رَّهِ (يَقُولُ: قَالَ
رَسُولُ اللّهِ وَلِهِ: ((لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ) أي إيمانًا كاملًا، وفي رواية الإسماعيليّ: ((لا يؤمن
الرجل))، قال في ((الفتح)): وهو أشمل من جهة، و(أحدكم)) أشمل من جهة، وأشمل منهما
رواية الأصيليّ: ((لا يؤمن أحدٌ)). انتهى (حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ) هو أفعل تفضيل بمعنى
المفعول، وهو مع كثرته على خلاف القياس، وفصل بينه وبين معموله بقوله: (إِلَيْهِ) لأن
الممتنع الفصل بأجنبيّ (مِنْ وَلَدِهِ، وَوَالِدِهِ) قدّم الولد في رواية المصنّف على الوالد لمزيد
الشفقة، وقدّم الوالد في رواية البخاريّ؛ نظرًا للأكثریّة؛ لأن کلّ أحد له والد من غیر عكس
(وَالنَّاسِ أَجَمَعِينَ) من عطف العام على الخاصّ. قال في ((الفتح)): وذِكرُ الولد والوالد،
أدخل في المعنى؛ لأنهما أعز على العاقل من الأهل والمال، بل ربما يكونان أعز من نفسه،
ولهذا لم يذكر النفس أيضا في حديث أبي هريرة رتزيه.
وهل تدخل الأم في لفظ ((الوالد))؟، أن أريد به من له الولد فيعم، أو يقال: اكتُفِيَ
بذكر أحدهما كما يُكتفي عن أحد الضدين بالآخر، ويكون ما ذُكر على سبيل التمثيل،
والمراد الأعزة، كأنه قال: أحب إليه من أعزته، وذكرُ الناس بعد الوالد والولد، من
عطف العام على الخاص، وهو كثير، وقدم الوالد على الولد في رواية؛ لتقدمه بالزمان

٣٢٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ
والإجلال، وقدّم الولد في أخرى؛ لمزيد الشفقه.
وهل تدخل النفس في عموم قوله: ((والناس أجمعين))، الظاهر دخولها. وقيل: إضافة
المحبة إليه تقتضي خروجه منهم، وهو بعيد، وقد وقع التنصيص بذكر النفس في
حديث عبد الله بن هشام، كما سيأتي.
والمراد بالمحبة هنا حب الاختيار، لا حب الطبع، قاله الخطابي، وقال النووي: فيه
تلميح إلى قضية النفس الأمّارة، والمطمئنة، فإن من رجّح جانب المطمئنة، كان حبه
للنبي ◌َ﴾ راجحا، ومن رجح جانب الأمارة، كان حكمه بالعكس.
وفي كلام القاضي عياض أن ذلك شرط في صحة الإيمان؛ لأنه حمل المحبة على
معنى التعظيم والإجلال.
وتعقبه صاحب ((المفهم)) بأن ذلك ليس مرادا هنا؛ لأن اعتقاد الأعظمية، ليس
مستلزما للمحبة، إذ قد يجد الإنسان إعظام شيء مع خلوه من محبته، قال: فعلى هذا
من لم يجد من نفسه ذلك الميل، لم يكمل إيمانه، وإلى هذا يوميء قول عمر تطلّه
الذي رواه البخاريّ في ((الأيمان والنذور)) من حديث عبد الله بن هشام، كنا مع النبيّ
وَالر، وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب رَّه، فقال له عمر: يا رسول اللّه لأنت أحب إليّ
من كل شيء، إلا من نفسي، فقال النبيّ وَّر: ((لا، والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب
إليك من نفسك))، فقال له عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إليّ من نفسي، فقال النبيّ
﴿ لجر: ((الآن يا عمر))(١)، انتهى.
فهذه المحبة ليست باعتقاد الأعظميه فقط، فإنها كانت حاصلة لعمر قبل ذلك قطعا.
ومن علامة الحب المذكور: أن يَعرِض على المرء أن لو خُيِّر بين فقد غرض من
أغراضه، أو فقد رؤية النبي وَلّ، أن لو كانت ممكنةً، فإن كان فقدها، أن لو كانت ممكنة
أشد عليه، من فقد شيء من أغراضه، فقد اتصف بالأحبية المذكورة، ومن لا فلا، وليس
ذلك محصورا في الوجود والفقد، بل يأتي مثله في نصرة سنته، والذب عن شريعته، وقمع
مخالفيها، ويدخل فيه باب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. انتهى. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
-
(١) قال في ((الفتح)) ٣٧٥/١٣ -: أي الآن عرفت، فنطقت بما يجب، وأما تقرير بعض الشرّاح: الآن
صار إيمانك معتدًا به، إذ المرء لا يُعتدّ بإيمانه حتى يقتضي عقله ترجيح جانب الرسول وَلّره ففيه
سوء أدب في العبارة، وما أكثر ما يقع مثل هذا في كلام الكبار عند عدم التأمل، والتحرّز؛
لاستغراق الفكر في المعنى الأصليّ، فلا ينبغي التشديد في الإنكار على من وقع ذلك منه، بل
يُكتفى بالإشارة إلى الردّ، والتحذير من الاغترار به؛ لئلا يقع المنكر في نحو مما أنكره. انتهى.