النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١ = ١١- (أَيَّ الإِسْلَامِ أَفْضَل؟) - حديث رقم ٥٠٠١ ((صحيحه). والله تعالى أعلم. (الثاني): أن يحيى بن سعيد في هذا الكتاب أربعة: [أحدهما]: يحيى بن سعيد بن أبان الأمويّ هذا. [والثاني]: يحيى بن سعيد بن فرّوخ القطّان، وهما من الطبقة التاسعة، والقطّان أكثر رواية في الكتاب. [والثالث]: يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاريّ القاضي، أبو سعيد المدنيّ، من الطبقة الخامسة. [والرابع]: يحيى بن سعيد بن حيّان، أبو حيّان التيميّ الكوفيّ، وهو من الطبقة السادسة، والأنصاريّ أكثر روايةً في الكتاب من التيميّ. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي مُوسَى) الأشعريّ رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: قُلْنَا) وفي رواية البخاريّ: ((قالوا)»: ورواه ابن منده، من طريق حسين بن محمد الغساني، أحد الحفاظ، عن سعيد بن يحيى هذا، بلفظ: ((قلت))، فتعين أن السائل أبو موسى. ولا تخالف بين الروايات؛ لأنه في رواية ابن منده صرّح بأنه الذي تولّى السؤال، وفي رواية المصنّف أخبر عن جماعة، هو داخل فيهم، إذ الراضي بالسؤال في حكم السائل، وكذا في رواية البخاري أراد الصحابة الحاضرين، وهو منهم، والحاصل أن المباشر للسؤال هو أبو موسى، وإنما نُسب إلى الآخرين تجوّزًا لرضاهم به. وقد جمع بعضهم بحمله على تعدد الواقعة، والأول أولى. وقد سأل هذا السؤال أيضا أبو ذر تَظّه ، رواه ابن حبان، وعمير بن قتادة، رواه الطبراني. قاله في ((الفتح)) ٧٩/١. (يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ؟) فيه حذفٌ: أيْ أيُّ ذوي الإسلام، كما يدلّ عليه الجواب، ويؤيّده رواية مسلم: ((أيُّ المسلمين أفضل؟))، وبه يظهر دخول ((أيّ)) على متعدّد. ويمكن أن يقال: المراد أيّ أفراد الإسلام أفضل. أفاده السنديّ. وقال في ((الفتح)): [إن قيل]: الإسلام مفرد، وشرط ((أَيّ (( أن تدخل على متعدد. [أجيب]: بأن فيه حذفا تقديره: أي ذوي الإسلام أفضل؟، ويؤيده رواية مسلم: ((أي المسلمين أفضل))، والجامع بين اللفظين، أن أفضلية المسلم حاصلة بهذه الخصلة، وهذا التقدير أولي من تقدير بعض الشراح هنا: أيُّ خصال الإسلام؟، وإنما قلت: إنه أولي؛ لأنه يلزم عليه سؤال آخر، بأن يقال: سُئِل عن الخصال، فأجاب بصاحب الخصلة، فما الحكمة في ذلك؟. وقد يجاب بأنه يتأتّى، نحو قوله تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَّ قُلْ مَآ أَنْفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾ الآية [البقرة: ٢١٥]، والتقدير ((بأيُّ ذوي الإسلام؟)) يقع الجواب مطابقا له، بغير تأويل. ٢٦٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ [فإن قيل]: ((أفضل)) أفعل تفضيل، وقد تقرّر في محلّه أن أفعل التفضيل لا يُستعمل إلا بأحد الأوجه الثلاثة، وهي: الإضافة،، و((من))، واللام، ولا يوجد شيء منها هنا. [أجيب]: بأنه يجوز تجريده من كلها عند العلم به، نحو قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧] أي وأخفى من السرّ. وقولك: ((اللَّه أكبر)): أي أكبر من كلّ شيء، فالتقدير هنا: أفضل من غيره، ومعنى الأفضل: هو الأكثر ثوابًا عند اللَّه تعالى، كما تقول: الصدق أفضل من غيره: أي هو أكثر ثوابًا عند الله تعالى من غيره. أفاده في ((عمدة القاري)) ١/ ١٥٣-١٥٤. [تنبيه]: وقع التعبير في حديث أبي موسى الأشعريّ تَظمي هنا بلفظ: ((أفضل))، وفي حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما الآتي في الباب التالي بلفظ ((خير))، فقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: والذي ظهر لي في الفرق بين ((أفضل))، و((خير)) أن لفظة ((أفضل)) إنما تستعمل في شيئين اشتركا في غير فضل، وامتاز أحدهما عن الآخر بفضل اختصّ به، فهذا الممتاز قد شار ذاك في الفضل، واختصّ عنه بفضل زائد، فهو ذاك. وأما لفظة ((خير)) فتستعمل في شيئين، في كلّ منهما نوع من الخير، أرجح مما في الآخر، سواء كان لزيادة عليه في ذاته، أو في نفعه، أو غير ذلك، وإن اختلف جنساهما، فترجيح أحدهما على الآخر يكون بلفظة ((خير))، فيقال مثلًا: النفع المتعدّي خير من النفع القاصر، وإن كان جنسهما مختلفًا، ويقال: زيد أفضل من عمرو، إذا اشتركا في علم، أو دين، ونحو ذلك، وامتاز أحدهما على الآخر بزيادة. وإن استُعمل في النوع الأول لفظة ((أفضل))، مع اختلاف الجنسين، فقد يكون المراد أن ثواب أحدهما أفضل من ثواب الآخر، وأزيد منه، فقد وقع الاشتراك في الثواب، وامتاز أحدهما بزيادة منه . وحينئذ فمن سلم المسلمون من لسانه ويده إسلامه أفضل من إسلام غيره، ممن لیس كذلك؛ لاشتراكهما في الإتيان بحقوق اللَّه تعالى في الإسلام من الشهادتين، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، ونحو ذلك، وامتاز أحدهما بالقيام بحقوق المسلمين، فصار هذا الإسلام أفضل من ذلك. وأما المسلم: فيقال: هذا أفضل من ذاك؛ لأن إسلامه أفضل من إسلامه، ويقال: هو خير من ذاك؛ لترجّح خيره على خير غيره، وزيادته عليه. انتهى ((شرح البخاريّ)) لابن رجب رحمه الله تعالى١/ ٤٠-٤١. (قَالَ) بَ (مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ) ((من)): موصولة، على حذف مضاف، خبرٌ لمحذوف: أي هو إسلام من سلم الخ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه ٢٦٣ ١٢- (أَيَّ الإِسْلَامِ خَيْرٌ؟) - حديث رقم ٥٠٠٢ المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي موسى الأشعريّ ◌َّثه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٥٠٠١/١١ وفي ((الكبرى)) ١١٧٣٠/١١. وأخرجه (خ) في ((الإيمان)) ١١ (م) في ((الإيمان)) ٤٢ (ت) في ((صفة القيامة)) ٢٥٠٤ و((الإيمان)) ٢٦٢٨. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان أفضل خصال الإسلام. (ومنها): أن فيه تفاوت المسلمين في درجاتهم عند الله تعالى على حسب تفاوت أعمالهم الصالحة. (ومنها): الحث على الاجتناب من إيذاء المسلمين بيد، أو لسان. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب)). ١٢ - (أَيُّ الإِسْلَامِ خَيْرٌ؟) ٥٠٠٢- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللّهِ وَهِ، أَّ الْإِسْلَامَ خَيْرٌ؟ قَالَ: ((تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَاَمَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ))). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة. و((الليث)): هو ابن سعد الإمام المصريّ. و((يزيد بن أبي حبيب)) سُويد: هو أبو رجاء المصريّ الثقة الفقيه [٥] ٢٠٧/١٣٤. و((أبو الخير)): هو مَرْثد بن عبد اللَّه الْيَزنيّ المصريّ الثقة الفقيه [٣] ٥٨٢/٣٨ . والسند مسلسل بثقات المصريين، غير شيخه، فإنه بغلانيّ، وقد دخل مصر أيضًا، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. والله تعالى أعلم. ٢٦٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِهِ شرح الحديث (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) بن العاص رضي اللَّه تعالى عنهما (أَنَّ رَجُلًا) قال الحافظ: لم أعرف اسمه، وقيل: إنه أبو ذر تَظ ◌ّ، وفي ابن حبان أن هانئ بن يزيد، والد شُريح سأل عن معنى ذلك، فأجيب بنحو ذلك. (سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ) وفي رواية البخاريّ: ((النبيّ)) (مَِّ، أَيُّ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ؟) فيه ما في الذي قبله من السؤال، والتقديرُ: أيُّ خصال الإسلام خير؟، قدره في ((الفتح)): وقال: وإنما لم أ ختر تقدير ((خصال)) في الأول؛ فرارا من كثرة الحذف، وأيضا فتنويع التقدير، يتضمن جواب من سأل، فقال: السؤالان بمعنى واحد، والجواب يختلف، فيقال له: إذا لاحظت هذين التقديرين، بَانَ الفرقُ. ويمكن التوفيق بأنهما متلازمان، إذ الإطعام مستلزم لسلامة اليد، والسلام لسلامة اللسان، قاله الكرماني، وكأنه أراد في الغالب. ويحتمل أن يكون الجواب اختلف لاختلاف السؤال عن الأفضلية، إن لُوحظ بين لفظ ((أفضل))، ولفظ ((خير)) فرق. وقال الكرماني: الفضل بمعنى كثرة الثواب في مقابلة القلة، والخير بمعنى النفع في مقابلة الشر، فالأول من الكمية، والثاني من الكيفية، فافترقا. واعتُرِض بأن الفرق لا يتم، إلا إذا اختص كل منهما بتلك المقولة، أما إذا كان كل منهما يُعقَل تأتيه في الأخرى فلا، وكأنه بنى على أن لفظ ((خير)) اسم، لا أفعل تفضيل، وعلى تقدير اتحاد السؤالين جواب مشهور، وهو الحمل على اختلاف حال السائلين، أو السامعين، فيمكن أن يراد في الجواب الأول، تحذيرُ من خَشِيَ منه الايذاء بيد، أو لسان، فأَرشد إلى الكف، وفي الثاني ترغيب من رَجَى فيه النفع العام بالفعل والقول، فأرشد إلى ذلك، وخَصّ هاتين الخصلتين بالذكر؛ لمسيس الحاجة إليهما في ذلك الوقت؛ لما كانوا فيه من الجهد، ولمصلحة التأليف، ويدل على ذلك أنه عليه الصلاة والسلام حَثّ عليهما أول ما دخل المدينة، كما رواه الترمذي وغيره، مصححا من حديث عبد الله بن سلام تزي (١). (قَالَ) وَةِ (تُطْعِمُ الطَّعَامَ) برفع الفعل، وهو في تقدير الحرف المصدريّ، أي أن تطعم، خبر لمحذوف: أي هو إطعامك الطعام، ونظيره: ((تسمعُ بالمعيديّ خير من أن تراه))، وحذف ((أن)) ورفع الفعل جائز في سعة الكلام، وهو مذهب الأخفش من (١) ولفظه: ((أيها الناس، أطعموا الطعام، وأفشوا السلام، وصِلُوا الأرحام، وصلّوا بالليل، والناس نِيَّام، تدخلوا الجنة بسلام)). = ٢٦٥ ٠ ١٢- (أَيُّ الإِسْلامِ خَيْرٌ؟) - حديث رقم ٥٠٠٢ النحاة، وقوّاه ابن مالك في ((التسهيل))، ومنه قوله الله تعالى: ﴿ومن آياته يريكم البرق﴾ الآية، والتقدير: أن يريكم. وإنما الشاذّ حذف ((أن))، ونصب الفعل، كما في قول الشاعر : أَلَا أَّها الزَّاجِرِي أَخْضُرَ الْوَغَى وَأَنْ أَشْهَدَ اللَّذَّاتِ هَلْ أَنْتَ مُخْلِدِي وإلى هذا أشار في ((الخلاصة)) بقوله: وَشَذَّ حَذْفُ ((أَنْ)) وَنَصْبٌ فِي سِوَى مَا مَرَّ فَاقْبَلْ مِنْهُ مَا عَذْلٌ رَوَى(١) (وَتَقْرَأُ السَّلَامَ) بلفظ مضارع القراءة، بمعنى تقول. قال أبو زيد: أقرئني خبرًا: أخبرني به. وقال أبو حاتم السجستاني: يقال: اقرأ عليه السلام، وأقرئه الكتاب، ولا يقال: أقرئه السلام، إلا أن يكون مكتوبا في كتاب، ويقال: أقرئه إياه، ولا يقال: أقرئه السلام، إلا في لغة شنوءة. قاله ابن بطال ((شرح البخاريّ ٦٤/١. وقال الفيّوميّ: وقرأت على زيد السلام أقرؤه عليه قراءةً، وإذا أمرت منه قلت: اقرأ عليه السلامَ. قال الأصمعيّ: وتعديته بنفسه خطأ، فلا يقال: اقرأه السلام؛ لأنه بمعنى اتل عليه. وحكى ابن القطّاع أنه يتعدّى بنفسه رباعيّا، فيقال: فلانٌ يُقرئك السلام. انتهى. (عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ))) أي لا تُخُصّ به أحدا؛ تكبرًا، أو تصنعًا، بل تعظيما لشعار الإسلام، ومراعاة لأخُوّة المسلم، فهذا أفضل أنواع إفشاء السلام، ويخرج من عموم ذلك من لا يجوز ابتداؤه بالسلام، كأهل الكتاب، عند جمهور العلماء(٢). قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: جعل النبيّ ◌َلّ في هذا الحديث خير الإسلام إطعام الطعام، وإفشاء السلام. وفي ((المسند)) ٣٨٥/٤ عن عمرو بن عَبَسَة وَزفيه أنه سأل النبيّ وَلتر: ما الإسلام؟ قال: ((لين الكلام، وإطعام الطعام)). ومراده الإسلام التامَ الكامل، وهذه الدرجة في الإسلام فضلٌ، وليست واجبةً، إنما هي إحسان. وأما سلامة المسلمين من اللسان واليد، فواجبة، إذا كانت من غير حقّ، فإن كانت السلامة من حقّ كان أيضًا فضلًا. وقد جمع اللّه تعالى بين الأَفْضَال بالنداء(٣)، وترك الأذى في وصف المتّقين في قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِى السََّّآءِ وَالضَّرَّآءِ وَالْكَظِمِينَ الْغَيْطَ وَاَلْعَافِينَ عَنِ النَّاسُِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]، فهذا إحسان وفضل، وهو بذل الندى، واحتمال الأذى. (١) راجع شرح ابن عقيل على الخلاصة، مع حاشية الخضريّ ١٨٣/٢. (٢) انظر ((شرح البخاري للحافظ ابن رجب)) ٤٤/١. (٣) هكذا النسخة، ولعل الصواب بالندى بالفتح مقصورًا، وهو العطاء، وعليه يدلّ آخر كلامه. والله أعلم. ٢٦٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ وجمع في الحديث بين إطعام الطعام، وإفشاء السلام؛ لأنه به يجتمع الإحسان بالقول والفعل، وهو أكمل الإحسان، وإنما كان هذا خير الإسلام بعد الإتيان بفرائض الإسلام، وواجباته، فمن أتى بفرائض الإسلام، ثم ارتقى إلى درجة الإحسان إلى الناس، كان خيرًا ممن لم يرتق إلى هذه الدرجة، وأفضل أيضًا، وليس المراد أن من اقتصر على هذه الدرجة، فهو خير من غيره مطلقًا، ولا أن إطعام الطعام، ولين الكلام خير من أركان الإسلام، ومبانيه الخمس، فإن إطعام الطعام، والسلام لا يكونان من الإسلام إلا بالنسبة إلى من من آمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر. وقد زعم الحكيميّ(١) وغيره أنه قال: خير الأشياء كذا، والمراد تفضيله من وجه دون وجه، وفي وقت دون وقت، أو لشخص دون شخص، ولا يراد تفضيله على الأشياء كلها، أو أن يكون المراد أنه من خير الأشياء، لا خيرها مطلقًا. وهذا فيه نظرٌ، وهو مخالف للظاهر، ولو كان هذا حقًّا لما احتيج إلى تأويل قول النبيّ وَ له لمن قال له: يا خير البريّة، فقال: ((ذاك إبراهيمَالَّلهُ))، وقد تأوله الأئمة، فقال الإمام أحمد: هو على وجه التواضع. ولكن هذا يقرب من قول من تأول ((أفضل)) بمعنى ((فاضل))، وقال: إن ((أفعل)) لا تقتضي المشاركة، وهذا غير مطّرد عند البصريين، ويتأول ما ورد منه، وحكي عن الكوفيين أنه مطّردٌ، لا يحتاج إلى تأويل. انتهى كلام ابن رجب ((شرح البخاري)» ٤٢/١-٤٤. [تنبيه]: أخرج مسلم من طريق عمرو بن الحارث، عن يزيد بن أبي حبيب، بهذا الإسناد نظير هذا السؤال، لكن جعل الجواب، كالذي في حديث أبي موسى، فادعى ابن منده فيه الاضطراب. [وأجيب]: بأنهما حديثان اتحد إسنادهما، وافق أحدهما حديث أبي موسى تَظّه، ولثانيهما شاهد من حديث عبد الله بن سلام تتماشيه، كما تقدم. قاله في ((الفتح)) ٨٢/١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد الله بن عمرو رضي اللّه تعالى عنهما هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-١٢/ ٥٠٠٢ - وفي ((الكبرى)) ١١٧٣١/١٢. وأخرجه (خ) في ((الإيمان)) (١) هكذا النسخة ((الحكيميّ))، ولعله مصحف من (الْحَليميّ))، والله أعلم. ٢٦٧ ١٢- (أَيُّ الإِسْلَامِ خَيْرٌ؟) - حديث رقم ٥٠٠٢ ١٢ (م) في ((الإيمان)) ٣٩ (د) في ((الأدب)) ٥١٩٤ (ق) في (الأطعمة)) ٣٢٥٣ (أحمد) في ((مسند المكثرين)) ٦٥٤٥ و٦٨٠٩ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان خير خصال الإسلام. (ومنها): أن فيه حثّا على إطعام الطعام، ومواساة المحتاجين، واستجلاب قلوب الناس به، وببذل السلام، لأنه ليس شيء أجلب للمحبة، وأثبت للموذة منهما، وقد مدح الله عز وجل المطعم للطعام، فقال: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطّعَامَ عَلَى حُّهٍ﴾ الآية [الإنسان: ٨]، ثم ذكر اللَّه تعالى جزيل ما أثابهم عليه، فقال: ﴿فَوقَّئُهُمُ اللَّهُ شَرّ ذَلِكَ الْيَمِ وَقَّهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾. الآيات [الإنسان: ١١]، ووصف سبحانه وتعالى من لم يُطعم بقوله في وصف أهل وَلَّ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ الآية [المدّثّر: ٤٣ -٤٤]. (٤٣ النار: ﴿قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وعاب من أراد أن يحرِم طعامه أهل الحاجة إليه، فذكر أهل الجنة: ﴿إذ أقسموا ليصرمنّها مصبحين﴾ إلى ﴿كالصريم﴾- يعني المقطوع- فأذهب الله تعالى ثمارهم، وحرمهم إياها، حين قصدوا الاستئثار بها دون المساكين. أفاده ابن بطال ((شرح البخاريّ)) ١/ ٦٤ . (ومنها): أن فيه الحثّ على إفشاء السلام الذي هو دليل على خفض الجناح للمسلمين، والتواضع، والحثّ على تألّف قلوبهم، واجتماع كلمتهم، وتوادّهم، ومحبّتهم. (ومنها): الإشارة إلى تعميم السلام، وهو أن لا يخصّ به أحدا دون أحد، كما يفعله الجبابرة؛ لأن المؤمنين كلهم إخوة، وهم متساوون في رعاية الأخوّة، ثم إن هذا العميم مخصوص بالمسلمين، فلا يسلّم ابتداء على كافر؛ لقول ◌َله: ((لا تبدءوا اليهود، ولا النصارى بالسلام، فإذا لقيتهم في الطريق، فاضطرّوهم إلى أضيقه))، رواه البخاريّ، وكذلك خُصّ منه الفاسق بدليل آخر، وأما من شُكّ فيه، فالأصل فيه البقاء على العموم، حتى يثبت الخصوص، ويمكن أن يقال: إن الحديث كان في ابتداء الإسلام لمصلحة التأليف، ثم ورد النهي. قاله في ((عمدة القاري)) ١٥٦/١ -١٥٧. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألرابعة): في الأسئلة والأجوبة التي ذكروها في هذا الحديث: (منها): ما قيل: لم قال: ((تطعم الطعام))، ولم يقل: تؤكل، ونحوه من الألفاظ الدالة عليه؟. [أجيب]: بأن لفظة الإطعام عامّ يتناول الأكل، والشرب، والذوق، قال الشاعر : وَإِشِئِتِ حَرَّمْتُ النِّسَاءَ سِوَاكُمُ وَإِشِئْتِ لَمْ أَطْعَمْ نُقَاخًا وَلَا بَرْدَا ٢٦٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ فإنه عطف البرد الذي هو النوم، والنُّقاخ بضم النون، وبالقاف، والخاء المعجمة -: الذي هو الماء العذب، وقال تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّ﴾: أي ومن لم يذقه، من طَعِم الشيءَ: إذا ذاقه، وبعمومه يتناول الضيافة، وسائر الولائم، وإطعام الفقراء، وغيرهم. قاله العينيّ. ((عمدة القاري)) ١/ ١٥٧. (ومنها): ما قيل: إن باب أطعم يقتضي مفعولين، يقال: أطعمته الطعام، فما هو المفعول الثاني هنا، ولم حذف؟. [أجيب]: بأن المفعول الثاني مقدّر: أي تعطم الخلق الطعام، وإنما حُذف للإشارة إلى أن إطعام الطعام غير مختصّ بأحد، سواء كان المطعَم مسلمًا، أو كافرًا، أو حيوانًا آخر، وسواء كان الإطعام، فرضًا، أو سنة، أو مستحبًا. أفاده في ((عمدة القاري)) أيضًا١ / ١٥٧. (ومنها): ما قيل: لم قال: ((وتقرأ السلام))، ولم يقل: وتسلّم. [وأجيب]: بأنه يتناول سلام الباعث بالكتاب المتضمّن للسلام. وفيه إشارة أيضًا إلى أن تحيّة المسلمين بلفظ السلام، وزيدت لفظة القراءة تنبيهًا على تخصيص هذه اللفظة في التحيّات، مخالفة لتحايا أهل الجاهليّة بألفاظ وضعوها لذلك. (ومنها): ما قيل: اللفظ عام، فيدخل الكافر، والمنافق، والفاسق. [وأجيب]: بأنه خص بأدلة أخرى، أو أن النهى متأخّر، وكان هذا عاما لمصلحة التأليف، وأما من شك فيه فالأصل البقاء على العموم، حتى يثبت الخصوص. (ومنها): ما قيل: لم خصّ هاتين الخصلتين في هذا الحديث؟. [وأجيب]: بأن المكارم لها نوعان: [أحدهما]: ماليّة، أشار إليها بقوله: ((تُطعم الطعام)). [والآخر]: بدنيّةٌ أشار إليها بقوله: ((وتقرأ السلام)). ويقال: وجه تخصيص هاتين الخصلتين هو مساس الحاجة إليهما في ذلك الوقت؛ لما كانوا فيه من الجهد، ولمصلحة التأليف، ويدلّ على ذلك أنه وَلّ حثّ عليهما أول ما دخل المدينة، كما رواه الترمذيّ، مصححًا، من حديث عبد الله بن سلام تَّه، قال: أول ما قدِم رسول اللَّه وَلـ المدينة، انجفل الناس إليه، فكنت ممن جاءه، فلما تأمّلت وجهه، واشتبهته، عرفت أن وجهه ليس بوجه كذّاب، قال: وكان أول ما سمعت من كلامه أن قال: ((أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصَلُّوا بالليل، والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام)). وقال الخطّابِيّ رحمه الله تعالى: جعل ◌َّهر أفضلها إطعام الطعام الذي هو قوام الأبدان، ثم جعل خير الأقوال في البرّ والإكرام إفشاءَ السلام الذي يعمّ، ولا يخصّ من عرف، ومن لم يعرف، حتى يكون خالصًا لله تعالى، بريئًا من حظّ النفس، والتصنّع؛ لأنه ١٣ - (عَلَى كَمْ يُنِّيَ الإِسْلَامُ؟) - حديث رقم ٥٠٠٣ ٢٦٩ شعار الإسلام، فحقّ كلّ مسلم فيه شائعٌ، وفي ((مسند الإمام أحمد)» ٤٠٥/١-٤٠٦- عن ابن مسعود رَّه، مرفوعًا: ((إن من أشراط الساعة السلام للمعرفة)). (ومنها): ما قيل: جاء في الجواب ههنا أن الخير أن تطعم الطعام، وفي الحديث الذي قبله أنه من سلم المسلمون من لسانه ويده، فما وجه التوفيق بينهما؟. وأجيب بأن الجوابين كانا في وقتين، فأجاب في كلّ وقت بما هو الأفضل في حقّ السامع، أو أهل المجلس، فقد يكون ظهر من أحدهما قلّة المراعاة ليده ولسانه، وإيذاء المسلمين، ومن الثاني إمساك الطعام، وتكبّر، فأجابهما على حسب حالهما، أو علم وَلّر أن السائل الأول يسأل عن أفضل التروك، والثاني عن خير الأفعال، أو أن الأول يسأل عما يدفع المضارّ، والثاني عما يجلُب المسارّ، أو أنهما بالحقيقة متلازمان، إذ الإطعام مستلزم لسلامة اليد، والسلام لسلامة اللسان غالبًا. أفاد هذا الأسئلة والأجوبة في ((عمدة القاري)) ١٥٧/١، وهي وإن كان بعضها تقدّم خلال شرح الحديث، إلا أن كونها مجموعة في محلّ واحد أتمّ فائدة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنیب». ١٣- (عَلَى كَمْ بُنِيَ الإِسْلَامُ؟) ٥٠٠٣- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعَافَى يَعْنِي ابْنَ عِمْرَانَ- عَنْ حَتْظَلَةَ بْنٍ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ بَنِ خَالِدٍ، عَنِ ابْنٍ عُمَرَ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَهُ: أَلَا تَغْزُو؟ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ إِلَهَ يَقُولُ: ((بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ، شَهَادَةٍ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصِيَامِ رَمَضَانَ))). قال الجامعَ عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه ((محمد بن عبد الله بن عمّار)) الْمُخَرِّميّ الأزديّ، أبي جعفر، نزيل الموصِل، فإنه من أفراده، وهو ثقة حافظ [١٠] ١٢٢٠/٢٠. و ((المعافَى بن عمران)): هو الأزديّ، أبو مسعود الموصليّ، ثقة عابدٌ فقية، من كبار [٩] ١٢٧١/٣٦. و((حنظلة بن أبي سفيان)): هو الْجُمَحيّ المكيّ، ثقة حجة [٦] ١٢/ ١٢. و((عكرمة بن خالد)): هو ابن سعيد بن العاص بن هشام بن المغيرة المخزوميّ المكيّ، ثقة [٣] ٣٧ /٩٤٠. ٢٧٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ [تنبيه]: عكرمة هذا ثقة متفق عليه، وفي طبقته عكرمة بن خالد بن سلمة بن هشام ابن المغيرة المخزومي، وهو ضعيف، وليس له في الكتب الستة شيء، فينبغي التنبه لهذا؛ لشدة التباسهما، ويفترقان بشيوخهما، ولم يرو الضعيف عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما. راجع ترجمته في (تهذيب التهذيب)) ١٣٢/٣. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطاب رضي اللَّه تعالى عنهما (أَنَّ رَجُلًا) اسم الرجل السائل حكيم، ذكره البيهقي (قَالَ لَهُ: أَلَّا تَغْزُو؟) أي ألا تخرج للجهاد في سبيل اللّه (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ بِهِ، يَقُولُ) كأن ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما فهم أن السائل يرى أن الجهاد من أركان الإسلام، فأجاب بما ذكره، وإلا فلا يصحّ التمسّك بهذا الحديث في ترك ما يُذكّر فيه، من الجهاد وغيره، كما هو ظاهرٌ (بُنِيَ الْإِسْلَامُ) فعل ونائب فاعله (عَلَى خَمْسٍ) أي خمس دعائم، وصرح به عبد الرزاق في روايته، أو قواعد، أو خصال، وفي رواية لمسلم ((على خمسة)): أي أشياء، أو أركان، أو أصول، ويقال: إنما حُذف الهاء؛ لكون التمييزلم يذكر، كقوله تعالى: ﴿يَتَرَّيَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَثْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]: أي عشرة أيام، وكقوله ◌َّر: ((من صام رمضان، فأتبعه ستًا من شوّال))، ونحو ذلك. وقد ذكر النحاة أن أسماء العدد إنما تذكّر، وتؤنّث إذا كان المعدود مذكورًا، وأما إذا حُذف، أو قُدّم جاز الأمران. راجع شروح ((الخلاصة)) في ((باب العدد)). قال السنديّ رحمه اللّه تعالى: قوله: ((بُني الإسلام)): يريد أنه لا بدّ من اجتماع هذه الأمور الخمسة؛ ليكون الإسلام سالمًا عن خطر الزوال، وكلّما زال واحد من هذه الأمور يُخاف زوال الإسلام بتمامه، وللتنبيه على هذا المعنى أتى بلفظ البناء، وفيه تشبيه الإسلام ببيت مخمّسة زواياه، وتلك الزوايا أجزاؤه، فبوجودها أجمع يكون البيت سالمًا، وعند زوال واحد يُخاف على تمام البيت، وإن كان قد يبقى معيبًا أيامًا. والله تعالى أعلم. انتهى. وقال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه اللّه تعالى: يعني أن هذه الخمس أساس دين الإسلام، وقواعده عليها تُبنى، وبها تقوم، وإنما خصّ هذه بالذكر، ولم يذكر معها الجهاد، مع أنه به ظهر الدين، وانقمع به عُتاة الكافرين؛ لأن هذه الخمس فرض دائم على الأعيان، ولا تسقط عمن اتّصف بشروط ذلك، والجهاد من فروض الكفايات، وقد يسقط في بعض الأوقات، بل وقد صار جماعة كثيرةٌ إلى أن فرض الجهاد قد سقط بعد فتح مكة، وذُكر أنه مذهب ابن عمر، والثوريّ، وابن سيرين، ونحوه لسحنون من ٢٧١ ١٣ - (عَلَى كَمْ يُنِيَ الإِسْلَام؟) - حديث رقم ٥٠٠٣ المالكيّة، إلا أن ينزل العدوّ بقوم، أو يأمر الإمام بالجهاد، فيلزم عند ذلك، وقد ظهر من عدول ابن عمر عن جواب الذي قال له: ألا تغز؟ إلى جوابه بقول النبيّ وَ لقول: (بني الإسلام على خمس)) أنه كان لا يرى فرضيّة الجهاد في ذلك الوقت خاصّةً، أو على أنه يرى سقوطه مطلقًا، كما نُقل عنه. انتهى ((المفهم)) ١/ ١٦٨ - ١٦٩ . وقال الشيخ عزّ الدين ابن عبد السلام رحمه الله تعالى في ((أماليه)) في هذا الحديث إشكالٌ؛ لأن الإسلام إن أريد به الشهادة، فهو مبنيّ عليها؛ لأنها شرط في الإيمان، مع الإمكان الذي هو شرط في الخمس، وإن أريد به الإيمان، فكذلك؛ لأنه شرط، وإن أريد به الانقياد، والانقياد هو الطاعة، والطاعة فعل المأموربه، والمأمور به هي هذه الخمس، لا على سبيل الحصر، فيلزم بناء الشيء على نفسه. قال: والجواب أنه التذلّل العامّ الذي هو اللغويّ، لا التذلّل الشرعيّ الذي هو فعل الواجبات، حتى يلزم بناء الشيء على نفسه. ومعنى الكلام: أن التذلّل اللغويّ يترتّب على هذه الأفعال، مقبولًا من العبد، طاعةً، وقربةً. وقال في موضع آخر: [إن قيل]: هذه الخمس هي الإسلام، فما المبنيّ عليه؟. [فالجواب]: أن المبنيّ هو الإسلام الكامل، لا أصل الإسلام. انتهى ذكره في ((زهر الربى)» ١٠٨/٨. وقال في ((الفتح)): [فإن قيل]: الأربعة المذكورة مبنية على الشهادة، إذ لا يصح شيء منها، إلا بعد وجودها، فكيف يُضم مبنى إلى مبنى عليه، في مسمى واحد؟. [أجيب]: بجواز ابتناء أمر على أمر، ينبني على الأمرين أمر آخر. [فإن قيل]: المبنيّ لا بد أن يكون غير المبنيّ عليه. [أجيب]: بأن المجموع غيرٌ من حيثُ الانفراد، عينٌ من حيث الجمع، ومثاله البيت من الشَّعَر، يُجعَل على خمسة أعمدة: أحدها أوسط، والبقية أركان، فما دام الأوسط قائما، فمُسمَّى البيت موجود، ولو سقط مهما سقط من الأركان، فإذا سقط الأوسط، سقط مسمى البيت، فالبيت بالنظر إلى مجموعه شيء واحد، وبالنظر إلى أفراده أشياء، وأيضا فبالنظر إلى أُسّه وأركانه، الأُسُّ أصل، والأركان تبع، وتكملة. [تنبيه]: لم يذكر الجهاد؛ لأنه فرض كفاية، ولا يتعين إلا في بعض الأحوال، ولهذا جعله ابن عمر جواب السائل، وزاد في رواية عبد الرزاق في آخره: ((وأن الجهاد من العمل الحسن))، وأغرب ابن بطال، فزعم أن هذا الحديث، كان أول الإسلام، قبل فرض الجهاد. وفيه نظر، بل هو خطأ؛ لأن فرض الجهاد كان قبل وقعة بدر، وبدر كانت في رمضان، في السنة الثانية، وفيها فُرِض الصيام، والزكاة بعد ذلك، والحج بعد ==== ٢٧٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ ذلك، على الصحيح. انتهى ((فتح)) ١/ ٧٢ -٧٣. وقوله: (شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ) وما بعدها، مخفوض على البدل من ((خمس))، ويجوز الرفع على حذف الخبر، والتقدير: منها شهادة أن لا إله الا الله، أو على حذف المبتدإ، والتقدير: أحدها: شهادة أن لا إله الا الله، ويجوز النصب على تقدير فعل: أي أعني شهادة أن لا إله إلا الله. [فإن قيل]: لم يذكر الإيمان بالأنبياء، والملائكة، وغير ذلك، مما تضمنه سؤال جبريل عليه السلام. [أجيب]: بأن المراد بالشهاده تصديق الرسول و ل# فيما جاء به، فيستلزم جميع ما ذُكر، من المعتقدات. وقال الإسماعيلي: ما مُحَصِّله: هو من باب تسمية الشيء ببعضه، كما تقول: قرأت ((الحمد)) وتريد جميع الفاتحة، وكذا تقول مثلا: شهدت برسالة محمد وَلّة، وتريد جميع ما ذُكِر، والله تعالى أعلم. قاله في ((الفتح)) ١/ ٧٣ . (وَإِقَّامِ الصَّلَاةِ) المراد بإقام الصلاة: المداومة عليها، أو مطلق الإتيان بها (وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ) المراد بإيتائها إخراج جزء من المال، على وجه مخصوص (وَالْحَجْ) أي قصد بيت الله الحرام للعبادة المخصوصة (وَصِيَّامِ رَمَضَانَ))) أي الإمساك في نهار شهر رمضان عن المفطّرات مع النيّة. [تنبيه]: وقع هنا تقديم الحج على الصوم، وعليه بني البخاري ترتيبه، لكن وقع في مسلم من رواية سعد بن عُبيدة، عن ابن عمر بتقديم الصوم على الحج، قال: فقال رجل: ((والحج، وصيام رمضان))، فقال ابن عمر: لا، ((صيام رمضان، والحج))، هكذا سمعت من رسول اللّه وَله. انتهى، ففي هذا إشعار بأن رواية حنظلة التي فيها تقديم الحج مروية بالمعنى، إما لأنه لم يسمع رد ابن عمر على الرجل؛ لتعدد المجلس، أو حضر ذلك، ثم نسيه، ويبعد ما جَوَّزه بعضهم، أن يكون ابن عمر سمعه من النبي وَل على الوجهين، ونسي أحدهما عند رده على الرجل، ووجه بعده أن تطرق النسيان إلى الراوي عن الصحابي أولي، من تطرقه إلى الصحابي، وكيف؟ وفي رواية مسلم من طريق حنظلة، بتقديم الصوم على الحج، ولأبي عوانة من وجه آخر، عن حنظلة، أنه جعل صوم رمضان قبلُ، فتنويعه دالّ على أنه رَوَى بالمعنى، ويؤيده ما وقع عند البخاري في ((التفسير)) بتقديم الصيام على الزكاة، أفيقال: إن الصحابي سمعه على ثلاثة أوجه؟، هذا مستبعد، والله أعلم. [فائدة]: اسم الرجل الذي رد عليه ابن عمر رضي الله تعالى عنهما في تقديمه الحج على الصيام يزيد بن بشر السكسكي، ذكره الخطيب البغدادي رحمه اللّه تعالى في . ٢٧٣ == ١٣- (عَلَى كَمْ يَتِّيَ الإِسْلَامُ؟) - حديث رقم ٥٠٠٣ (مبهماته)). قاله في ((الفتح)) ٧٣/١-٧٤. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٥٠٠٣/١٣ وفي ((الكبرى)) ١١٧٣٢/١٣. وأخرجه (خ) في ((الإيمان)) ٨ (م) في ((الإيمان)) ١٦ (ت) في ((الإيمان)) ٢٦٠٩ (أحمد) في ((مسند المكثرين)) ٤٧٨٣ و٥٦٣٩ و٥٩٧٩ و٦٢٦٥ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان عدد ما بُنِيَ عليه الإسلام، وهو هذه الخمس. (ومنها): أن ظاهر الحديث يدلّ على أن الشخص لا يكون مسلمًا عند ترك شيء منها، وهذا بالنسبة للشهادة مجمع عليه، وأما بقية الأركان ففيها اختلاف بين العلماء، سيأتي تحقيقه في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى. (ومنها): أن هذه الأشياء من فروض الأعيان، لا يسقط شيء منها بإقامة البعض له عن الباقين. (ومنها): جواز إطلاق (رمضان)) من غير إضافة ((شهر)) إليه، خلافًا لمن منع من ذلك، وقد تقدّم تحقيقه في ((كتاب الصيام)). (ومنها): أنه يستفاد منه تخصيص عموم مفهوم السنة، بخصوص منطوق القرآن؛ لأن عموم الحديث يقتضي صحة إسلام من باشر ما ذُكر، ومفهومه أن من لم يباشره لا يصح منه، وهذا العموم مخصوص بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَانَّعَنْهُمْ ذُرِيَُّهُم بِإِيمَنٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيََّهُمْ﴾ الآية، على ما تقرر في موضعه. (ومنها): ما قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى: هذا الحديث قد روي من طُرُق، ففي بعضها: ((شهادة أن لا إله إلا الله))، وفي بعضها ((على أن يُعبّد اللَّه، ويُكفر بما دونه))، فالأولى نقل باللفظ، والأخرى نقلٌ بالمعنى، والأصل نقل اللفظ، وهو المتّفق عليه. وقد اختلف في جواز الحديث بالمعنى، من العالم بمواقع الكلم، وتركيبها على قولين: الجواز، والمنع، وأما من لا يعرف، فلا خلاف في تحريم ذلك عليه. وقد وقع في بعض الروايات في الأصل تقديم الحجّ على الصوم، وهي وهمّ والله أعلم- لأن ابن عمر لَمّا سمع المستعيد يُقدِّم الحجّ على الصوم زجره، ونهاه عن ذلك، وقدَّم الصوم على الحجّ، وقال: هكذا سمعته من رسول اللَّه ◌َله، ولا شكّ في أن نقل اللفظ كما ٢٧٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ سمع هو الأولى، والأسلم، والأعظم للأجر؛ لقوله وَله: ((نضر الله امرأً، سمع مقالتي، فوعاها، ثم أذاها كما سمعها، فربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه، وربّ حاملٌ ليس بفقيه)). انتهى. ((المفهم)) ١٦٩/١. قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قوله على قولين، فيه نظر؛ لأن الأقوال أكثر، كما بیّن ذلك في ((الكوكب الساطع)) حيث قال: نَقْلَ الأَحَادِيثِ بِمَعْنَاهُ مَثَعْ ثَعْلَبُ وَالرَّازِيُّ مَخْ قَوْمِ تَبَغْ وَجَوْزَ الْخَطِيبُ بِالْمُرَادِفِ وَالأَكْثَرُونَ جَوَّرُوا لِلْعَارِفِ وَقِيلَ إِنْ أَوْجَبَ عِلْمًا الْخَبَزْ وَقِيلَ إِنْ يَنْسَ وَقِيلَ إِنْ ذَكّرْ وقلت في منظومتي («شافية الغُلَل بمهمات علم الْعِلَل)): اخْتَلَفُوا فِيمَنْ رَوَى بِالْمَعْنَى أَجَازَهُ الْجُمْهُورُ نِعْمَ الْمَهْنَا وَهُوَ الْمُرَجَّحُ الأَحَقُّ بِالثَّبَغْ فَعَلَهُ جُلُّ الصِّحَابِ وَالتَّبَغْ دَلِيلُهُ أَنَّ الإِلَهَ ذَكَرَا بِهِ كَلَامُهُمْ كَمَا قَالَ الْحَسَنْ نَصَّ الْكِتَابِ وَالْحَدِيثِ لِلْعَجَمْ ثُمَّ الْجَوَازُ ذَا لِعَالِم فَقَطْ وِبِمَعَانِيهَا بَصِيرٌ عَالِمُ وَمَنْ عَدَا ذَلِكَ لَا يَزْوِي سِوَى إِذْ قَدْ يُؤَدِّي نَقْلُهُ بِالْمَعْنَى وَمَعَتْ طَائِفَةٌ كَابْنٍ عُمَزْ وَنَجْلِ حَيْوَةٍ وَمَالِكٌ إِذَا وَجَوْزَتْ طَائِفَةٌ فِي النَّقْصِ قِصَصَ مَنْ مَضَى بِغَيْرِ مَا جَرَى كَذَاكَ أَجَمِعُوا عَلَى الشَّرْحِ الْحَسَنْ عَلَى لُغَاتِمْ لِيُفْهَمَ الأَثَّمْ لِلُغَةِ الْعَرَبِ بِالْحِفْظِ ضَبَطْ بِمَا يُجِيلُ لِلْمُرَادِ نَاهِمُ مَزْوِيْهِ بِاللَّفْظِ مَغْلَمَا حَوَى مِنَ الْكَثِيرِينَ لِقَلْبِ الْمَغْنَى وَقَاسِمٍ وَنَجْلٍ سِيرِينَ الأَبْرُ جَا فِي أَحَادِيثِ النَّبِيِّ نُبِذَا دُونَ الزَّيَادَةِ لِشَكُّ النَّصَّ (ومنها): ما قاله القرطبيّ أيضًا: يحتمل أن يكون محافظة النبيّ وَليل على ترتيب هذه القواعد؛ لأنها نزلت كذلك: الصلاة أوّلًا، ثم الزكاة، ثم الصوم، ثم الحجّ. ويحتمل أن يكون لإفادة الأوكد، فالأوكد، فقد يستنبط الناظر في ذلك الترتيب تقديم الأوكد على ما هو دونه، إذا تعذّر الجمع بينهما، كمن ضاق عليه وقت الصلاة، وتعيّن عليه في ذلك الوقت أداء الزكاة؛ لضرورة المستحِقُ، فيبدأ بالصلاة، أو كما إذا ضاق وقت ٢٧٥ ١٣- (عَلَى كَمْ يُنِّيَ الإِسْلَامُ؟) - حديث رقم ٥٠٠٣ الصلاة على الحاجّ، فيتذكّر العشاء الآخرة، وقد بقي عليه من وقت صلاة العشاء الآخرة ما لو فعله فاته الوقوف بعرفة، فقد قال بعض العلماء: إنه يبدأ بالصلاة، وإن فاته الوقوف؛ نظرًا إلى ما ذكرناه. وقيل: يبدأ بالوقوف؛ للمشقّة في استئناف الحجّ. ومن ذلك لو أوصى رجل بزكاة فرّط في أدائها، وبكفّارة فطر من رمضان، وضاق الثلث عنهما بدأ بالزكاة أوّلًا؛ لأوكديّتها على الصوم، وكذلك لو أوصى بكفّارة الفطر، وبهدي واجبٍ في الحجّ، قدّم كفّارة الفطر، وهذا كلّه على أصل مالك، فإن ذلك كله يُخرج من الثلث، وأما من ذهب إلى أن ذلك يُخرج من رأس المال، فلا تفريع على ذلك بشيء مما ذكرناه. انتهى ((المفهم)) ١٦٩/١- ١٧٠. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في زوال الإسلام بزوال شيء من هذه الأركان الخمسة : لقد أجاد الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في هذا الموضوع، حيث كتب: ما ملخّصه: معنى قوله بَلّ: ((بُني الإسلام على خمس)): أن الإسلام مَثَلُه كبنيان، وهذه الخمس دعائم البنيان، وأركانه التي يثبت عليها البنيان. قال: وإذا كانت هذه دعائم البنيان، وأركانه، فبقيّة خصال الإسلام كبقيّة البنيان، فإذا فُقد شيء من بقيّة الخصال الداخلة في مُسمّى الإسلام الواجب نقص البنيان، ولم يسقط بفقده. وأما هذه الخمس، فإذا زالت كلّها سقط البنيان، ولم يثبت بعد زوالها، وكذلك إن زال منها الركن الأعظم، وهو الشهادتان، وزوالهما يكون بالإتيان بما يُضادّهما، ولا يجتمع معهما. وأما زوال الأربع البواقي، فاختلف العلماء، هل يزول الاسم بزوالها، أو بزوال واحد منها، أم لا يزول بذلك؟ أم يُفرّق بين الصلاة وغيرها، فيزول بترك الصلاة، دون غيرها؟ أم يختصّ زوال الإسلام بترك الصلاة والزكاة خاصّة؟، وفي ذلك اختلاف مشهور، وهذه الأقوال كلها محكيّة عن الإمام أحمد. وكثير من علماء أهل الحديث يرى تكفير تارك الصلاة، وحكاه إسحاق بن راهويه إجماعًا منهم، حتى إنه جعل قول من قال: لا يكفر بترك هذه الأركان مع الإقرار بها من أقوال المرجئة. وكذلك قال سفيان ابن عيينة: المرجئة سمّوا ترك الفرائض ذنبًا بمنزلة ركوب المحارم، وليسا سواء؛ لأن ركوب المحارم متعمّدًا، من غير استحلال معصيةٌ، وترك الفرائض من غير جهل، ولا عذر: هو كفر. وبيان ذلك في أمر آدم وإبليس، وعلماء اليهود الذين أقرّوا ببعث النبيّ وَالر بلسانهم، ولم يعملوا بشرائعه. ورُوي عن عطاء، ونافع مولى ابن عمر أنهما سُئلا عمن قال: الصلاة فريضة، ولا أصلي، فقالا: هو كافر، وكذا قال الإمام أحمد. ونقل ٢٧٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ حرب عن إسحاق، قال: غَلَت المرجئة حتى صار من قولهم: إن قومًا يقولون: من ترك الصلوات المكتوبات، وصوم رمضان، والزكاة، والحجّ، وعامّة الفرائض، من غير جحود لها لا نكفّره، يرجى أمره إلى اللَّه بعدُ؛ إذ هو مقرّ، فهؤلاء الذين لا شكّ فيهم- يعني في أنهم مرجئة. وظاهر هذا أنه يكفّر بترك هذه الفرائض. وروى يعقوب الأشعريّ، عن ليث، عن سعيد بن جُبير، قال: من ترك الصلاة متعمدًا، فقد كفر، ومن أفطر يومًا من رمضان متعمّدًا فقد كفر، ومن ترك الحجّ متعمّدًا، فقد كفر، ومن ترك الزكاة متعمّدًا، فقد كفر. ويُروى عن الحكم بن عُتيبة نحوه، وحُكي روايةً عن أحمد، اختارها أبو بكر من أصحابه، وعن عبد الملك بن حبيب المالكي مثله، وهو قول أبي بكر الحميديّ. ورُوي عن ابن عبّاس التكفير ببعض هذه الأركان، دون بعض، فروى مؤمل، عن حمّاد بن زيد، عن عمرو بن مالك النُّكْريّ، عن أبي الْجَوْزاء، عن ابن عبّاس، ولا أحسبه إلا رفعه، قال: ((عُرَى الإسلام، وقواعد الدين ثلاثة، عليهنّ أَسِّس الإسلام: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وصوم رمضان، من ترك منها واحدةً، فهو بها كافرٌ حلال الدم، وتجده كثيرِ المال، لم يحُجّ، فلا يزال بذلك كافرًا، ولا يحلّ دمه، وتجده كثير المال، لا يزكي، فلا يزال بذلك كافرًا، ولا يحلّ دمه)). ورواه قتيبة، عن حماد بن زيد، فوقفه، واختصره، ولم يُتمّه. ورواه سعيد بن زيد، أخو حمّاد، عن عمرو بن مالك، ورفعه، وقال: ((من ترك منهنّ واحدةً، فهو بالله كافر، ولا يُقبل منه صرفٌ، ولا عدلٌ، وقد حلّ دمه وماله))، ولم يزد على ذلك. والأظهر وقفه على ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما، فقد جعل ابن عبّاس ترك هذه الأركان كفرًا، لكن بعضها كفرٌ يُبيح الدم، وبعضها لا يبيحه، وهذا يدلّ على أن الكفر بعضه ينقل عن الملّة، وبعضه لا ينقل. وأكثر أهل الحديث على أن ترك الصلاة كفر، دون غيرها من الأركان، كذلك حكاه محمد بن نصر المروزيّ وغيره عنهم. وممن قال بذلك: ابنُ المبارك، وأحمد، في المشهور عنه، وإسحاق، وحكى عليه إجماع أهل العلم، كما سبق. وقال أيوب: ترك الصلاة كفر، لا يُختلف فيه. وقال عبد الله بن شقيق: كان أصحاب رسول اللّه وَل لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة. أخرجه الترمذيّ. وقد روي عن عليّ، وسعد، وابن مسعود، وغيرهم، قالوا: من ترك الصلاة، فقد كفر. وقال عمر: لا حظّ في الإسلام لمن ترك الصلاة. وفي ((صحيح مسلم)) عن جابر رَّه، عن النبيّ ◌َّه قال: ((بين الرجل وبين الشرك والكفر تركُ الصلاة)). وأخرج النسائيّ، والترمذيّ، وابن ٢٧٧ = ١٣ - (عَلَى كَمْ يُنِيَ الإِسْلاَمُ؟) - حديث رقم ٥٠٠٣ ماجه، من حديث بُريدة رَّه عن النبيّ وَلَه قال: ((العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها، فقد كفر))، وصححه الترمذيّ، وغيره. ومن خالف في ذلك جعل الكفر هنا غير ناقل عن الملّة، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا القول هو الراجح، كما تقدّم تحقيقه بدلائله في (كتاب الصلاة))، وحاصله أن تارك الصلاة كافر كما أطلق عليه الشارع ذلك، ولكن كفره كفر دون كفر، فلا يكون بذلك خارجًا عن الإسلام، إلا انضمّ إلی ترکه الجحد، فراجع المسألة هناك تستفد، وبالله تعالى التوفيق. قال: فأما بقيّة خصال الإسلام والإيمان، فلا يخرج العبد بتركها من الإسلام عند أهل السنة والجماعة، وإنما خالف في ذلك الخوارج، ونحوهم، من أهل البدع. قال حذيفة ◌َّ: الإسلام ثمانية أسهم: الإسلام سهم، والصلاة سهم، والزكاة سهم، والحجّ سهم، ورمضان سهم، والجهاد سهم، والأمر بالمعروف سهم، والنهي عن المنكر سهم، وقد خاب من لا سهم له. وروي مرفوعًا، والموقوف أصح. فسائر خصال الإسلام الزائدة على أركانه الخمس، ودعائمه إذا زال شيء منها نقص البنيان، ولم ينهدم أصل البيان بذلك النقص. وقد ضرب اللَّه تعالى وسوله بَ لرَ مَثَل الإيمان والإسلام بالنخلة، قال الله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةٌ طَيِّبَةُ كَشَجَرَقِ طَتِبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتُ وَفَرْعُهَا فِىِ السَّمَآءِ أُكُلَهَا كُلّ ◌ِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ [إبراهيم: ٢٣-٢٤]. تؤتى ٢٤ فالكلمة الطيبة هي كلمة التوحيد، وهي أساس الإسلام، وهي جارية على لسان المؤمن، وثبوت أصلها هو ثبوت التصديق بها في قلب المؤمن، وارتفاع فرعها في السماء هو علوّ هذه الكلمة، وبُسُوقها، وأنها تخرق الحجب، ولا تتناهى دون العرش، وإتيانها أكلها كلّ حين: هو ما يُرفع بسببها للمؤمن كلّ حين من القول الطيب، والعمل الصالح، فهو ثمرتها. وجعل النبيّ وَ ل مثل المؤمن، أو المسلم كمثل النخلة. وقال طاوس: مثل الإسلام كشجرة أصلها الشهادة، وساقها كذا وكذا، وورقها كذا وكذا، وثمرها الورع، ولا خير في شجرة لا ثمر لها، ولا خير في إنسان لا ورع فيه. ومعلوم أن ما دخل في مسمّى الشجرة والنخلة من فروعها، وأغصانها، وورقها، وثمرها، إذا ذهب شيء منه لم يذهب عن الشجرة اسمها، ولكن يقال: هي شجرة ناقصة، وغيرها أكمل منها، فإن قُطع أصلها، وسقطت لم تبق شجرة، وإنما تصير حطبًا، فكذلك الإيمان والإسلام إذا زال منه بعض ما يدخل في مسمّاه مع بقاء أركان ٢٧٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ بنيانه، لا يزول به اسم الإسلام والإيمان بالكلّيّة، وإن كان قد سُلب الاسم عنه لنقصه، بخلاف ما انهدمت أركانه، وبنيانه، فإنه يزول مسمّاه بالكلّيّة. والله أعلم. انتهى كلام ابن رجب رحمه الله تعالى في ((شرح البخاريّ)) ٢٢/١-٢٨ . وهو بحث نفیسٌ جدًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). ١٤- (الْبَيْعَةُ عَلَى الإِسْلَامِ) ٥٠٠٤- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي إِذْرِيسَ الْخَوْلَاِيِّ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ نَّهِ فِي مَجْلِسٍ، فَقَالَ: ((تُبَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا- قَرَّأَ عَلَيْهِمُ الْآَيَّةَ- فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ، فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَسَتَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، فَهُوَ إِلَى اللَّهِ، إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ))). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و((سفيان)): هو ابن عيينة. و((أبو إدريس الْخَوْلانيّ)): هو: عائذ اللَّه بن عبد اللَّه الثقة المخضرم، عالم الشام بعد أبي الدرداء وتنميته. وقوله: ((وقرأ عليهم الآية)): هي قوله تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا جَاءَ الْمُؤْمِنَتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَتَرِفْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَدَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَنِ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ فَايِعْهُنَّ وَأَسْتَغْفِرْ لَمُنَّ اللَّهُّ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الممتحنة : ١٢] . وقوله: ((فمن وفى منكم)) بتخفيف الفاء، وتشديدها: أي ثبت على العهد. وقوله: ((فأجره على الله)): تعظيم للأجر بإضافته إلى عظيم. قاله السنديّ. وقال السيوطيّ: أطلق هذا على سبيل التفخيم؛ لأنه لما ذكر المبالغة المقتضية لوجود العوضين، أثبت ذكر الأجر في موضع أحدهما. انتهى. وقوله: ((ومن أصاب من ذلك شيئًا)»: المراد ما ذُكر بعد الإشراك بقرينة أن المخاطب بذلك المسلمون، فلا يدخل حتى يحتاج إلى إخراجه، ويؤيّده رواية مسلم: ((ومن أتى منكم حدًا))، إذ القتل على الإشراك لا يسمّى حدّا، قال السيوطيّ: ويرشد إليه قوله: ١٦- (ذِكْرُ شُعَب الإِيمَانِ) - حديث رقم ٥٠٠٦ ٢٧٩ ((فستره الله))، فإن الستر بالمعصية أليق. انتهى. والحديث أخرجه البخاريّ، وقد تقدّم للمصنّف في))كتاب البيعة)) ٩/ ٤١٦٣- وقد استوفيت شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد، ودلالته هنا لما ترجم له المصنّف واضحة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). ١٥- (عَلَى مَا يُقَاتَلُ النَّاسُ؟) ٥٠٠٥ (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ نُعَيْم، قَالَ: أَنْبَنَا حِبَّانُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ حُمَيْدِ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَّسُولَ اللَّهِ بِهِ، قَالَ: أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ، حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَإِذَا شَهِدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَاسْتَقْبَلُوا قِبْلَتَنَا، وَأَكَلُوا ذَبِيحَتَنَا، وَصَلَّوْا صَلَاتَنَا، فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْنَا دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ، إِلَّا بِحَقْهَا، لَهُمْ مَا لِلْمُسْلِمِينَ، وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَيْهِمْ))). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((محمد بن حاتم بن نُعيم)): هو المروزيّ الثقة [١٢] ١/ ٣٩٧ من أفراد المصنّف. و((حِبّان))- بكسر المهملة -: هو ابن موسى المروزيّ الثقة [١٠] ٣٩٧/١. و((عبد الله)): هو ابن المبارك. والحديث أخرجه البخاري، وتقدم الكلام عليه قبل خمسة أبواب، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)) . ١٦ - (ذِكْرُ شُعَبِ الإِيمَانِ) ٥٠٠٦- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ -وَهُوَ ابْنُ بِلَالٍ -عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ ٢٨٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ النَّبِيِّ وَِّ، قَالَ: ((الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةٌ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (محمد بن عبد الله بن المبارك) الْمُخَرِّميّ، أبو جعفر البغداديّ الثقة الحافظ [١١] ٥٠/٤٣ . ٢- (أبو عامر) عبد الملك بن عمرو الْعَقَديّ البصريّ، ثقة [٩] ٣٢٧/٢. ٣- (سليمان بن بلال) التيميّ مولاهم المدنيّ، ثقة [٨] ٥٥٨/٣٠. ٤- (عبد الله بن دينار) العدويّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المدنيّ، مولى ابن عمر، ثقة [٤] ١٦٧ / ٢٦٠ . ٥- (أبو صالح) ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ الثقة الثبت [٣] ٤٠/٣٦. و ٦- (أبو هريرة) رضي اللّه تعالى عنه١/١ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بثقات المدنيين، من سليمان، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وهما: عبد الله بن دينار، عن أبي صالح، وهي من رواية الأقران، وفيه أبو هريرة ◌َّيه رأس المكثرين من رواية الحديث، روى (٥٣٧٤). والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي اللَّه تعالى عنه (عَنِ النَّبِيِّ وََّ) أنه (قَالَ: ((الْإِيمَانُ) قال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: الإيمان في هذا الحديث يُراد به الأعمال، بدليل أنه ذكر فيه أعلى الأعمال، وهو قول: ((لا إله إلا اللَّه))، وأدناها: أي أقربها، وهو إماطة الأذى، وهما عملان، فما بينهما من قبيل الأعمال، وقد قدّمنا القول في حقيقة الإيمان شرعًا ولغةً، وأن الأعمال الشرعيّة تسمّى إيمانا مجازًا، وتوسّعًا؛ لأنها عن الإيمان تكون غالبًا. انتهى. ((المفهم)) ٢١٦/١. (بِضْعٌ) -بكسر أوله، وحُكِي الفتح لغةً، وهو عدد مبهم، مقيد بما بين الثلاث إلى التسع، كما جزم به القزاز، وقال ابن سِيدَة: إلى العشر، وقيل: من واحد إلى تسعة، وقيل: من اثنين إلى عشرة، وقيل: من أربعة إلى تسعة، وعن الخليل: البضع: السبع، ويرجح ما قاله القزاز ما اتفق عليه المفسرون في قوله تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِى السّجْنِ يِضْعَ سِنِينَ﴾ [يوسف: ٤٢]، وما رواه الترمذي بسند صحيح: أن قريشا قالوا ذلك لأبي بكر، وكذا رواه الطبري مرفوعا، ونقل الصغاني في ((العباب»: أنه خاص بما دون