النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١ ٥- (بَأَبُ نَعْتِ الإِسْلَام) - حديث رقم ٤٩٩٢ إسحاق، وحاله معروفة، وحديثه في درجة الحسن. قال البيهقي: فاستدلوا بإعجاز القرآن على صدق النبي، فآمنوا بما جاء به، من إثبات الصانع، ووحدانيته، وحدوث العالم، وغير ذلك، مما جاء به الرسول وَلّر، في القرآن وغيره، واكتفاء غالب من أسلم بمثل ذلك مشهور في الأخبار، فوجب تصديقه في كل شيء ثبت عنه بطريق السمع، ولا يكون ذلك تقليدا، بل هو اتباع. والله أعلم. وقد استدل من اشترط النظر بالآيات، والأحاديث الواردة في ذلك، ولا حجة فيها؛ لأن من لم يشترط النظرلم ينكر أصل النظر، وإنما أنكر توقف الإيمان على وجود النظر، بالطرق الكلامية، إذ لا يلزم من الترغيب في النظر، جعله شرطا. واستدل بعضهم بأن التقليد لا يفيد العلم، إذ لو أفاده لكان العلم حاصلا، لمن قلد في قدم العالم، ولمن قلد في حدوثه، وهو محال لإفضائه إلى الجمع بين النقيضين، وهذا إنما يتأتى في تقليد غير النبي وَ له، وأما تقليده وَّل، فيما أخبر به عن ربه، فلا یتناقض أصلا . واعتذر بعضهم عن اكتفاء النبي وَل#، والصحابة بإسلام من أسلم من الأعراب، من غير نظر، بأن ذلك كان لضرورة المبادىء، وأما بعد تقرر الإسلام، وشهرته، فيجب العمل بالأدلة، ولا يخفى ضعف هذا الاعتذار. والعجب أن من اشترط ذلك من أهل الكلام، ينكرون التقليد، وهم أول داع إليه، حتى استقر في الأذهان، أن من أنكر قاعدة من القواعد التي أصلوها، فهو مبتدع، ولو لم يفهمها، ولم يعرف مأخذها، وهذا هو محض التقليد، فآل أمرهم إلى تكفير من قلد الرسول عليه الصلاة والسلام، في معرفة اللَّه تعالى، والقولِ بإيمان من قلدهم، وكفى بهذا ضلالا، وما مَثَلهم إلا كما قال بعض السلف: إنهم كمثل قوم كانوا سَفْرًا، فوقعوا في فلاة، ليس فيها ما يقوم به البدن، من المأكول والمشروب، ورأوا فيها طرقا شتى، فانقسموا قسمين: فقسم وجدوا من قال لهم: أنا عارف بهذه الطرق، وطريق النجاة منها واحدة، فاتبعونى فيها، تنجوا، فتبعوه فنجوا، وتخلفت عنه طائفة، فأقاموا، إلى ان وقفوا على أمارة ظهر لهم أن في العمل بها النجاة، فعملوا بها فنجوا، وقسم هجموا بغير مرشد، ولا أمارة فهلكوا، فليس نجاة من اتبع المرشد بدون نجاة من أخذ بالإمارة، إن لم تكن أولى منها. قال الحافظ: ونقلت من جزء الحافظ صلاح الدين العلائي: يمكن أن يُفَصَّل، فيقال: من لا له أهلية لفهم شيء من الأدلة أصلا، وحصل له اليقين التام بالمطلوب، إما بنشأته على ذلك، أو لنور يقذفه الله في قلبه، فإنه يكتفى منه بذلك، ومن فيه أهلية ٢٢٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ لفهم الأدلة، لم یکتف منه إلا بالإیمان عن دلیل، ومع ذلك فدلیل کل أحد بحسبه، وتكفي الأدلة المجملة، التي تحصل بأدنى نظر، ومن حصلت عنده شبهة وجب عليه التعلم إلى أن تزول عنه، قال فبهذا يحصل الجمع بين كلام الطائفة المتوسطة. قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الجمع لا حاجة لنا إليه أصلًا؛ لأن إيجاب النظر على أيّ أحد قول بلا دليلٌ، فتنبّه. قال: وأما من غلا، فقال: لا يكفي إيمان المقلد، فلا يلتفت إليه، لما يلزم منه من القول بعدم إيمان أكثر المسلمين، وكذا من غلا أيضا، فقال: لا يجوز النظر في الأدلة؛ لما يلزم منه من أن أكابر السلف لم يكونوا من أهل النظر. انتهى ملخصا. انتهى ((فتح)) ٢٩٦/١٤- ٣٠٣ . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: ((لما يلزم منه من أن أكابر السلف الخ)): هذا هو الواقع، فلم يُنقل من الصحابة، فمن بعدهم أنهم استعملو شيئا من أدلة المتكلّمين، فمن ادّعى ذلك فقد افترى عليهم، بل السلف الذين حدث في عصرهم علم الكلام، كالشافعيّ، وأحمد، وغيرهما قد أنكروه، وحرّموه، ونفّروا الناس عنه، فأين السلف الذين تعلّموا علم الكلام، فكانوا من أهل النظر، حاشا وكلا، ثم حاشا وكلّا. والحاصل أن الحقّ الذي لا محيد عنه، ولا يجوز لأحد أن يخالفه أن الإيمان هو معرفة الله تعالى، ومعرفة رسوله وَ ل عن طريق النقل، لا عن طريق علم الكلام، فمن أبى هذا فهو ضالٌ مضلّ، اللَّهمَ أرنا الحقّ حقًا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا، وارزقنا اجتنابه، ﴿رَبَّنَا لَا تُعْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةٌ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨] . هذا ما أردت نقله من كلام المحققين، وإنما أطلت في النقول؛ لما رأيت من انهماك كثير ممن ينتسب إلى العلم بتصويب آراء الخلف المخالفة لهدي رسول اللّه صَل ◌ّ الذي أتى ليهدي الناس إلى ربهم بأقوم طريق، وأحسنه، وأبينه، وأسهله، وأيسره، وما ذاك إلا لبعدهم عما كان عليه السلف من التحذير عن بدع المتكلمين، وحثّهم الناس بالتمسّك بهدي الكتاب والسنة الذين بهما الكفاية في هداية الخلق أجمعين، رزقنا الله تعالى التمسّك بهما، والاكتفاء بهديهما، إنه سميع قريب مجيب الدعوات، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ٦ - (صِفَةُ الإِيْمَانِ وَالإِسْلام) - حديث رقم ٤٩٩٣ ٢٢٣ = ٦- (صِفَةُ الإِيمَانِ وَالإِسْلَام) ٤٩٩٣- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ، عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي فَرْوَةَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي ذَرِّ، قَالَا: كَانَ رَسُولُ اللّهِ وَلِّ يَجْلِسُ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَصْحَابِهِ، فَيَجِيءُ الْغَرِيبُ، فَلَا يَذْرِي أَيُمْ هُوٍَ حَتَّى يَسْأَلَ، فَطَلَبْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ، أَنَّ نَجْعَلَ لَهُ مَجْلِسًا، يَعْرِفُهُ الْغَرِيبُ إِذَا أَتَاهُ، فَبَنَيْنَا لَهُ دُكَانًا مِنْ طِينٍ، كَانَ يَجْلِسُ عَلَيْهِ، وَإِنَّا لَجُلُوسٌ، وَرَسُولُ اللّهِ وَّهِ فِي مَجْلِهِ، إِذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ، أَخْسَنُ النَّاسِ وَجْهَا، وَأَطْيَبُ النَّاسِ رِيحًا، كَأَنَّ ثِيَابَهُ لَمْ يَمِّسَّهَا دَسٌ، حَتَّى سَلَّمَ فِي طَرَفِ الْبِسَاطِ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُ يَا مُحَمَّدُ، فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ: أَدْتُو يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ)) اذْنُهُ)) فَمَا زَالَ يَقُولُ: أَدْنُو مِرَارًا، وَيَقُولُ لَهُ: ((اذنُ))، حَتَّى وَضَعَ يَدَهُ عَلَىِ رُكْبَتَيْ رَسُولِ اللَّهِ ◌ِ ◌ِ، قَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي مَا الْإِسْلَامُ؟ قَالَ: ((الْإِسْلَامُ أَنْ تَعْبُدَ اللّهَ، وَلَّا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَحِجَّ الْبَيْتَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ))، قَالَ: إِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ، فَقَدْ أَسْلَمْتُ؟، قَالَ: (نَعَمْ))، قَالَ: صَدَقْتَ، فَلَمَّا سَمِعْنَا قَوْلَ الرَّجُلِ صَدَقْتَ، أَنْكَرْنَاهُ، قَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَخِزْنِي مَا الْإِيمَانُ؟ قَالَ: ((الْإِيمَانُ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكْتِهِ، وَالْكِتَابِ، وَالنَّبِيِّينَ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ))، قَالَ: فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ، فَقَذَ آمَنْتُ؟، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّةٍ: (َنَعَمْ))، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي مَا الْإِحْسَانُ؟، قَالَ: ((أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّةُ يَرَاكَ، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِ مَتَى السَّاعَةُ؟، قَالَ: فَنَكَسَ، فَلَمْ يُجِبْهُ شَيْئًا، ثُمَّ أَعَادَ، فَلَمْ يُحِبْهُ شَيْئًا، ثُمَّ أَعَادَ، فَلَمْ يُحِبْهُ شَيْئًا، وَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: (مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ، وَلَكِنْ لَهَا عَلَامَاتٌ تُعْرَفُ بِهَا، إِذَا رَأَيْتَ الرِّعَاءَ الْبُهُمَ، يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْتَانِ، وَرَأَيْتَّ الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ، مُلُوكَ الْأَرْضَِ، وَرَأَيْتَ الْمَرْأَةَ تَلِدُ رَبَّهَا، خَمْسٌ لَا يَعْلَّمُهَا إِلَّا اللَّهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلِمُ السَّاعَةِ﴾ إِلَىَ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمُ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤]، ثُمَّ قَالَ: لَا وَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ، هُدَى وَبَشِيرًا، مَا كُنْتُ بِأَعْلَمَ بِهِ مِنْ رَجُلٍ مِنْكُمْ، وَإِنَةً لَجِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامِ، نَزَّلَ فِي صُورَةِ دِخْيَةَ الْكَلْبِيّ))). رجال هذا الإسناد: ستة : ١- (محمد بن قُدَامة) الهاشميّ مولاهم، المِصْيصيّ، ثقة [١٠] ٥٢٨/١٩. ٢- (و((جرير) بن عبد الحميد المذكور قبل ثلاثة أبواب. ٣- (أبو فروة (١)) عروة بن الحارث الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقة [٥] ٢٠٣٣/١٠٠. (١) هو أبو فروة الأكبر، أما الأصغر: فهو أبو فروة الجهنيّ، ويقاله: النهديّ الكوفي مسلم بن سالم، صدوق من السادسة، وله في هذا الكتاب حديث واحد، حديث رقم (٥٣٠١) ((لا تشربوا في= ٢٢٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ ٤ - (أبو زرعة) بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجليّ الكوفيّ، قيل: اسمه هَرِم، وقيل: عمرو، وقيل: عبد الله، وقيل: عبد الرحمن، وقيل: جرير، ثقة [٣] ٥٠/٤٣. ٥- (أبو هريرة) الصحابيّ الشهير، نقيب أهل الصُّفّة رضي الله تعالى عنه١/ ١. ٦- (أبو ذرّ) الغفاريّ الصحابيّ المشهور، اسمه جندب بن جُنادة على الأصحّ، وقيل: غيره، تقدّم إسلامه، وتأخّرت هجرته، فلم يشهد بدرًا، مات تَّه سنة (٣٢) في خلافة عثمان رَّه . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بثقات الكوفيين، غير شيخه، فمصّيصيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، عن صحابيين. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي ذَرِ) رضي اللَّه تعالى عنهما، أنهما (قَالًا: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ، يَجْلِسُ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَصْحَابِهِ) أي بينهم، قال الفيّوميّ: هو نازل بين ظهرانيهم- بفتح النون- قال ابن فارس: ولا تُكسر. وقال جماعة: الألف، والنون زائدتان؛ للتأكيد، وبين ظَهْريهم، وبين أَظْهُرهم، كلّها بمعنى: بينهم، وفائدة إدخاله في الكلام أن إقامته بينهم على سبيل الاستظهار بهم، والاستناد إليهم، وكأن المعنى: أن ظهرًا منهم قُدّامه، وظهرًا منهم وراءه، فكأنه مكنوف من جانبيه، هذا أصله، ثم كثُر، حتّى استُعمل في الإقامة بين القوم، وإن كان غير مكنوف بينهم. انتهى. (فَيَجِيءُ الْغَرِيبُ) أي الشخص الذي ليس مقيمًا بالمدينة (فَلَا يَدْرِي أَيُمْ هُوَ، حَتَّى يَسْأَلَ، فَطَلَبْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَِّ، أَنْ نَجْعَلَ لَهُ مَجْلِسًا) بفتح الميم، وكسر اللام -: أي موضعًا يجلس فيه (يَعْرِفُهُ الْغَرِيبُ إِذَا أَتَاهُ) الجملة في محلّ نصب صفة لـ((مجلسًا)) بتقدير رابط: أي به، و((إذا)) ظرف متعلّق ب((يعرفه)): أي وقت إتيانه إياه (فَبَتَيْتَا لَهُ دُكَّانًا مِنْ طِينٍ) بضمّ الدال، وتشديد الكاف -: قيل: معرّبٌ، ويُطلق على الحانوت، وعلى الدَّكّة التي يُقْعَدُ عليها، وهذا المعنى هو المراد هنا. والدَّكّة بفتح الدال، وتشديد الكاف: هي = غناء الذهب والفضّة ... )) الحديث، وأما أبو فروة عروة بن الحارث المذكور في هذا السند، فله في هذا الكتاب حديثان، هذا، والحديث المتقدّم برقم (٢٠٣٣) ((إني كنت نهيتكم أن تأكلوا لحوم الأضاحي ... الحديث. ٢٢٥ == ٦- (صِفةُ الإِيمانِ والإِسلام) - حديث رقم ٤٩٩٣ المكان المرتفع، يُجلس عليه، وهو الْمِسْطَبَة، معرّبٌ، والجمع دِكَكٌ، مثل قضعة وقِصَعٌ. أفاده في ((المصباح)). وفيه جواز اختصاص العالم بموضع مرتفع من المسجد، إذا دعت الحاجة إليه، كما تقدّم إيضاحه في المسألة الثالثة من مسائل حديث الباب الماضي (كَانَ يَجْلِسُ عَلَيْهِ، وَإِنَّا لَجُلُوسٌ) جمع جالس، كالقُعُود، أو هو من إطلاق المصدر موضع الجمع (وَرَسُولُ اللَّهِ وَّهِ فِي مَجْلِسِهِ، إِذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ) ((إذ)) هي الفجائيّة، وفي بعض النسخ ((إذا)) بدل ((إذ))، وهي أيضًا تأتي للمفاجأة (أخسَنُ النَّاسِ وَجْهًا، وَأَطْيَبُ النَّاسِ رِيحًا، كَأَنَّ ثِيَّابَهُ لَمْ يَمَسَّهَا) بفتح الميم، وضمها، من باب تَعِبَ، ونصر (دَنَسٌ) بفتحتين: أي وسخٌ (حَتَّى سَلَّمَ فِي طَرَفِ الْبِسَاطِ) بالكسر، كالفراش وزنًا ومعنى، جمع بُسُطٌّ، وهو فعالٌ بمعنى مفعولٌ، ککتاب بمعنی مکتوب، وهذا يدلّ على أنهم فرشوا له # بساطًا يجلس عليه. وفي شرح السنديّ: ((من طرف السماط)) بالميم بدل الموحدة، وقال: السماط بكسر السين: الصفّ من الناس. انتهى. ولم أر هذه النسخة فيما عندي من النسخ، والله تعالى أعلم. (فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ) إنما ناداه باسمه زيادة في التعمية، كما تقدّم (فَرَدَ) النبيّ وَِّ (عَلَيْهِ) أي على الرجل السَّلَامُ، قَالَ) الرجل (أَدْنُو يَا مُحَمَّدُ؟) بفتح الهمزة، وهي همزة المتكلّم، أي أ أدنو(( ففيه حذف همزة الاستفهام، وهو مضارع دنا، من الدنوّ، وهو القرب (قَالَ) وَّر (اذنُة) فعل أمر من الدنّوّ، والهاء للسكت. (فَمَا زَالَ يَقُولُ) الرجل (أَدْنُو مِرَارًا، وَيَقُولُ) وَرِ (لَهُ: ((اذنُ))، حَتَّى وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رُكْبَتَيْ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: وإنما فعل جبريلعلَّلامُ ذلك- والله أعل- تنبيهًا على ما ينبغي للسائل، من قوّة النفس عند السؤال، وعدم المبالاة بما يقطع عليه خاطره، وإن كان المسؤول ممن يُحترم، ويُهاب، وعلى ما ينبغي للمسؤول من التواضع، والصفح عن السائل، وإن تعدّى على ما ينبغي من الاحترام والأدب انتهى. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الأقرب عندي في الوجه الأول، وهو قوله: («تنبيها على ما ينبغي للسائل الخ)) أنه إنما فعل ذلك تعميةً لحاله على الحاضرين. والله تعالى أعلم . (قَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي مَا الْإِسْلَامُ؟) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: ما معناه: إن سؤال جبريل ◌َلَّلُ عن الإسلام والإيمان بلفظ ((ما)) يدلّ على أنه إنما سأل عن حقيقتهما عنده، لا عن شرح لفظهما في اللغة، ولا عن حكمهما؛ لأن ((ما)) في أصلها إنما يُسأل بها عن الحقائق، والماهيّات، ولذلك أجابه النبيّ وَلَه بقوله: ((أن تؤمن بالله، وبكذا، وكذا، فلو كان سائلاً عن شرح لفظهما في اللغة لما كان هذا جوابًا له؛ لأنه ٢٢٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ المذكور في الجواب، هو المذكور في السؤال. انتهى ((المفهم)) ١٤٤/١. (قَالَ) وَلـ (الْإِسْلَامُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ) أي توحّده بلسانك على وجه يُعتدّ به، فشمل الشهادتين، فيوافق هذا الحديث حديث عمر تَّه المذكور في الباب الماضي وكذا حديث بُني الإسلام على خمس الآتي، وجملة قول: (وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا) للتأكيد (وَتُقِيمَ الصَّلاةَ) زاد في رواية مسلم: ((المكتوبة)) (وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ) زاد في رواية البخاريّ: ((المفروضة)) (وَتَحَجَّ الْبَيْتَ) ولم يذكر في رواية البخاريّ الحجّ (وَتَصُومَ رَمَضَانَ))، قَالَ) الرجل (إِذَا فَعَلْتُ) بضم التاء (ذَلِكَ) أي ما ذكر من الأركان الخمسة (فَقَدْ أَسْلَمْتُ؟) بتقدير همزة الاستفهام (قَالَ) وَلِّ (نَعَمْ))، قَالَ) الرجل (صَدَقْتَ، فَلَمَّا سَمِعْنَا قَوْلَ الرَّجُلِ صَدَقْتَ، أَنْكَزْنَاهُ) أي استنكرنا، واستبعدنا كلامه، وقلنا: إنه سائل، ومُصدّقٌ، وبين الوصفين تناف (قَالَ) الرجل (یَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي مَا الْإِيمَانُ؟ قَالَ) ◌َِّ (الْإِيمَانُ بِاللَّهِ) خبر لمحذوف: أي هو الإيمان بالله تعالى (وَمَلَائِكَتِهِ، وَالْكِتَابِ) ((أل)) فيه للجنس، أي جنس الكتاب الذي أنزله الله تعالى على رسله (وَالنَّبِيِّينَ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ) بنصب (تؤمن)) عطفًا على ((الإيمان بالله))، فهو من عطف الفعل على الاسم الصريح، فيُنصب بـ(ن)) مقدّرة،، كما في قول الشاعر: وَلُبْسُ عَبَاءَةٍ وَتَقَرَّ عَيْنِي أَحَبُّ إِلَيٍّ مِنْ لُبْسِ الشُّفُوفِ وإلى هذا في ((الخلاصة))، حيث قال: وَإِنْ عَلَى اسْمَ خَالِصِ فِعْلٌ عُطِفْ تَنْصِبُهُ ((أَنْ)) ثَابِتًا أَوْ مُنْحَذِفْ (قَالَ) الرجل (فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ، فَقَدْ آمَنْتُ؟، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ: (نَعَمْ))، قَالَ) الرجل (صَدَقْتَ، قَالَ) الرجل (يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي مَا الْإِحْسَانُ؟، قَالَ) ◌ِ (أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّةً يَرَاكَ، قَالَ) الرجلِ (صَدَقْتَ، قَالَ) الرجل (يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي مَتَّى السَّاعَةُ؟) أي متى يقوم يوم القيامة (قَالَ) الراوي فَنَكَسَ) من باب نصر: أي طأطأ رأسهِ (فَلَمْ يُجِبْهُ) وَِّ (شَيْئًا، ثُمَّ أَعَادَ) أي الرجل السؤال عن الساعة (فَلَمْ يُحِبْهُ) وَ (شَيْئًا، ثُمَّ أَعَادَ) الرجل السؤال مرّة ثالثة (فَلَمْ يُجِبْهُ) ◌ِ (شَيْئًا، وَرَفَعَ) ◌َ (رَأْسَهُ، فَقَالَ: ((مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ) الباء زائدة لتأكيد النفي (مِنَ السَّائِلِ) يعني أن الناس كلهم في وقت الساعة سواء، فكلهم غير عالمين به على الحقيقة، ولهذا قال: ((في خمس لا يعلمهنّ إلا اللّه)). وقال في ((الفتح)): وهذا وإن كان مُشعرًا بالتساوي في العلم، لكن المراد التساوي في العلم بأن الله تعالى استأثر بها؛ لقوله بعد: ((خمس لا يعلهما إلا اللّه الخ))، وسيأتي نظير هذا التركيب في أواخر الكلام على هذا الحديث في قوله: ((ما كنت بأعلم به من رجل منكم))، فإن المراد أيضًا التساوي في عدم العلم به. وفي حديث ابن عبّاس هنا، فقال: ((سبحان الله، خمس من الغيب، لا يعلمهنّ إلا اللَّه، ثم تلا الآية)). انتهى. = ٢٢٧ ٦ - (صِفةُ الإِيْمَانِ وَالإِسْلَام) - حديث رقم ٤٩٩٣ (وَلَكِنْ لَهَا عَلَامَاتٌ تُعْرَفُ بِهَا) ببناء الفعل للمفعول (إِذَا رَأَيْتَ) هذه الجملة تفسير للعلامات (الرِّعَاءَ الْبُهُمَ) بضمتين: نعت للرعاء: أي السود، وقيل: جمع بَهِيم، بمعنى المجهول: أي الذين لا يُعرفون، ومنه أُبهم الأمر: إذا لم تُعرف حقيقته. وقيل: الفقراء الذي لا شيء لهم، وعلى هذا فهم رعاء لإبل غيرهم، لا لإبلهم، إذ المفروض أنه لا شيء لهم، وقد يقال: من يملك قدر القوت على وجه الضيق لا يسمّى غنيًا، ولا يوصف بأن عنده شيئًا، فلا إشكال. أفاده السنديّ. وفي رواية لمسلم: ((رعاء الْبَهْم)) بالإضافة: قال النوويّ: هو بفتح الباء، وإسكان الهاء، وهي الصغار من ألاد الغنم: الضأن، والمعز جميعًا، وقيل: أولاد الضأن خاصّةٌ، واقتصر عليه الجوهريّ في ((صحاحه))، والواحدة بُهْمَة، قال الجوهريّ: وهي تقع على المذكّر والمؤنّث، والسِّخال أولاد المعزى، قال: فإذا جمعت بينهما قلت: بهام، وبهم أيضا. وقيل: إن البهم يختصّ بأولاد المعز، وإليه أشار القاضي عياض بقوله: وقد يختصّ بالمعز، وأصله كلّ ما استبهم عن الكلام، ومنه البهيمة. انتهى. ((شرح مسلم)) ١٦٣/١-١٦٤ . وقال القرطبيّ: ورواية مسلم في رعاء البَهْم من غير ذكر الإبل أولى؛ لأنها الأنسب لمساق الحديث، ولمقصوده، فإن مقصوده أن أضعف أهل البادية، وهم رعاء الشاء سينقلب بهم الحال إلى أن يصيروا ملوكًا، مع ضعفهم، وبُعدهم عن أسباب ذلك، وأما أصحاب الإبل فهم أهل الفخر والخيلاء؛ فإن الإبل عزّ لأهلها، ولأن أهل الإبل ليسوا عالةً، ولا فقراء غالبًا. انتهى ((المفهم)) ١/ ١٥٠-١٥١. وقد تقدّم البحث في هذا في الباب الماضي بأتمّ مما هنا، فراجعه تستفد. (يَتَطَّاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ) أي يتفاخرون في تشييد البنيان (وَرَأَيْتَ الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ، مُلُوكَ الْأَرْضِ) أي رؤساء الناس (وَرَأَنْتَ الْمَرْأَةَ تَلِدُ رَبّها) تقدّم الخلاف في المراد بالربّ هنا. قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: قد اقتصر في هذا الحديث على ذكر بعض الأشراط التي يكون وقوعها قريبًا من زمانه، وإلا فالشروط كثيرة، وهي أكثر مما ذُكر هنا، كما دلّ عليه الكتاب، والسنّة، ثم إنها منقسمة إلى ما يكون من نوع المعتاد، كهذه الأشراط المذكورة في هذا الحديث، وكرفع العلم، وظهور الجهل، وكثرة الزنا، وشرب الخمر، إلى غير ذلك، وأما التي ليست من النوع المعتاد، فكخروج الدجّال، ونزول عيسى ابن مريم عليهما السلام، وخروج يأجوج ومأجوج، ودابة الأرض، وطلوع الشمس من مغربها، والدخان، والنار التي تسوق الناس، وتحشرهم. انتهى ((المفهم)) ١٥٥/١ . = ٢٢٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ (خَمْسٌ) هكذا رواية المصنّف، وعلى هذا فهو مبتدأ خبره جملة ((لا يعلمها)): أي خمس من الخصال لا يعلمها إلا الله، ولفظ ((الصحيحين)): ((في خمس)) بزيادة ((في)»، قال في ((الفتح)): قوله: ((في خمس)): أي علم وقت الساعة داخل في جملة خمس، وحَذْفُ متعلق الجار سائغ، كما في قوله تعالى: ﴿فِ يَسْع ◌َيْتٍ﴾ [النمل: ١٢]: أي اذهب إلى فرعون بهذه الآية، في جملة تسع آيات. وفي رواية عطاء الخراساني: ((قال: فمتى الساعة؟ قال: هي في خمس من الغيب، لا يعلمها إلا الله)). انتهى. وقال القرطبيّ: قوله: ((في خمس الخ)): فيه حذف، وتوسّعّ: أي هي من الخمس التي قد انفرد اللَّه بعلمها، أو في عددهنّ، فلا مطمع لأحد في علم شيء من هذه الأمور الخمس، ولقوله تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَّ﴾ [الأنعام: ٥٩] فلا طريق لعلم شيء من ذلك، إلا أن يُعْلِم اللَّه تعالى بذلك، أو بشيء منه أحدًا ممن شاءه، كما قال تعالى: ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ فَلَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ: أَحَدًا (٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦-٢٧]، فمن ادّعى علم شيء من هذه الأمور كان في دعواه كاذبًا، إلا أن يُسند ذلك إلى رسول بطريق تفيد العلم القطعيّ، ووجود ذلك متعذّر، بل ممتنعٌ، وأما ظنّ الغيب، فلم يتعرّض شيء من الشرع لنفيه، ولا لإثباته، فقد يجوز أن يظنّ المنجّم، أو صاحب خطّ الرمل، أو نحو هذا شيئًا مما يقع في المستقبل، فيقع على ما ظنّه، فيكون ذلك ظنّا صادقًا، إذا كان عن موجب عاديّ، يقتضي ذلك الظنّ، وليس بعلم، فيُفهم هذا منه، فإنه موضع غَلِطَ بسببه رجالٌ، وأُكلت به أموالٌ. [ثم اعلم]: أن أخذ الأجرة، والْجُعْل، وإعطائها على ادعاء علم الغيب، أو ظنّه لا يجوز بالإجماع، على ما حكاه أبو عمر ابن عبد البرّ. انتهى ((المفهم)) ١/ ١٥٥-١٥٦. وقال في ((الفتح)): وجاء عن ابن مسعود رَمثم قال: أوتي نبيكم وَلّ علم كل شيء، سوى هذه الخمس. وعن ابن عمر مرفوعًا نحوه، أخرجهما أحمد. وأخرج حميد بن زنجويه، عن بعض الصحابة، أنه ذُكر العلم بوقت الكسوف قبل ظهوره، فأنكر عليه، فقال: إنما الغيب خمس، وتلا هذه الآية، وما عدا ذلك غيب، يعلمه قوم، ويجهله قوم. [تنبيه]: تضمن الجواب زيادة على السؤال؛ للاهتمام بذلك، إرشادًا للأمة؛ لما يترتب على معرفة ذلك من المصلحة. [فإن قيل]: ليس في الآية أداة حصر، كما في الحديث؟. أجاب الطيبي بأن الفعل، إذا كان عظيم الخطر، وما ينبنى عليه الفعل رفيع الشأن، فُهم منه الحصر، على سبيل الكناية، ولا سيما إذا لُوحظ ما ذُكر في أسباب النزول، من أن العرب كانوا يَدَّعُون علم ٢٢٩ ٦- (صِفةُ الإِيْمَانِ وَالإِسْلام) - حديث رقم ٤٩٩٣ نزول الغيث، فيُشعر بأن المراد من الآية نفى علمهم بذلك، واختصاصه باللّه سبحانه وتعالى. [فائدة]: النكتة في العدول عن الإثبات إلى النفي في قوله تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِى نَفْسُ مَاذَا تَكْْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان: ٣٤]، وكذا التعبير بالدراية، دون العلم؛ للمبالغة والتعميم، إذ الدراية اكتساب علم الشيء بحيلة، فإذا انتفى ذلك عن كل نفس، مع كونه من مختصاتها، ولم تقع منه على علم، كان عدم اطلاعها على علم غير ذلك من بابٍ أولى. انتهى ملخصا من كلام الطيبي. (لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ) سبحانه وتعالى، ثم تلا الآية، وهي قوله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ يعني أنه قرأ إلى آخر السور. وأما ما وقع عند البخاريّ في ((التفسير)) من قوله: ﴿إلى الأرحام﴾، فهو تقصير من بعض الرواة، والسياق يرشد إلى أنه تلا الآية كلها. قاله في ((الفتح)) ١٦٩/١. (ثُمَّ قَالَ) وَلّ للناس الحاضرين عنده بعد أن خرج الرجل، وأمر بأن يردّوه عليه، فلم يجدوه (لا) نافية، أُكّد بـ(ما)) النافية الآتية (وَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدَا بِالْحَقِّ) وهو الله سبحانه وتعالى (هُدّى) بضم، ففتح - أي هاديًا، ففيه وصفه بالمصدر؛ مبالغةً (وَبَشِيرًا) أي مبشّرًا من اتّبعه بالجنّة (مَا) زائدة زيدت تأكيدا لـ((لا)) السابقة (كُنْتُ بِأَعْلَمَ بِهِ مِنْ رَجُلٍ مِنْكُمْ، وَإِنَةٌ لَجِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامِ) وأما قوله: (نَزَلَ فِي صُورَةِ دِخْيَةَ الْكَلْبِيِّ) فقد تقدّم أنها زيادة شاذّة؛ مخالفة لسياق الحديث، فقد تقدّم في حديث عمر تَخّه: ((لا يعرفه منّا أحد))، فتنبّه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة، وأبي ذرّ رضي اللّه تعالى عنهما هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٦/ ٤٩٩٣ -. وأخرجه (خ) في ((الإيمان)) ٥٠ و((التفسير)» ٤٧٧٧ (م) في ((الإيمان)) ٩ و١٠ (د) في ((السنة ٤٦٩٨ (ق) في ((المقدّمة)) ٦٤ و((الفتن)) ٤٠٤٤ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ٩٢١٧ . وأما فوائد الحديث، وسائر المسائل المتعلّقة به، فقد تقدّمت في الباب الماضي، فراجعها تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ٢٣٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ ٧- (تَأْوِيلُ قَوْلِهِ عز وجل: ﴿قَالَتِ اُلْأَعْرَابُ ءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِن قُولُواْ أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤]) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: غرض المصنّف رحمه اللّه تعالى بهذا الباب الإشارة إلى أن الإسلام يُطلق، ويراد به الأعمال الظاهرة، وهو معنى الإسلام في هذه الآية الكريمة، كما أنه يُطلق، ويراد ما يعمّ الاعتقاد الباطنيّ، وهو معنى الإسلام في آيةٍ: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ دِينًا﴾ الآية [المائدة: ٣]، وآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَمُ﴾ الآية [آل عمران: ١٩]. وهذا هو معنى ما ترجم له الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في ((صحیحه)) حيث قال: ((باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة، وكان على الاستسلام، أو الخوف من القتل؛ لقوله تعالى: ﴿قَالَتِ اٌلْأَعْرَابُ ءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِن قُولُواْ أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤]، فإذا كان على الحقيقة، فهو على قوله جلّ ذكرُهُ: ﴿إِنَّ الذِينَ عِندَ الَّهِ الْإِسْلَمُ﴾ [آل عمران: ١٩]. قال في ((الفتح)): قوله: ((باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقه))، حذف جواب قوله: ((إذا))؛ للعلم به، كأنه يقول: إذا كان الإسلام كذلك لم يُنتفع به في الآخرة، ومُحَصَّل ما ذكره، واستدل به: أن الإسلام يُطلق ويراد به الحقيقة الشرعية، وهو الذي يرادف الإيمان، وينفع عند الله، وعليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الّذِينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَمُ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَا وَحَدْنَا فِيَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِينَ﴾ [الذاريات: ٣٦]، ويطلق ويراد به الحقيقة اللغوية، وهو مجرد الانقياد والاستسلام، فالحقيقه في كلام المصنف هنا هي الشرعية، ومناسبة الحديث للترجمة ظاهرة، من حيث إن المسلم يُطلق على من أظهر الإسلام، وإن لم يُعلم باطنه، فلا يكون مؤمنا؛ لأنه ممن لم تصدق عليه الحقيقة الشرعية، وأما اللغويه فحاصلة. انتهى. وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في ((شرح البخاري)) بعد ذكر ترجمة البخاريّ المذكورة: ما حاصله: معنى هذا الكلام أن الإسلام يُطلق باعتبارين: [أحدهما]: باعتبار الإسلام الحقيقيّ، وهو دين الإسلام الذي قال الله تعالى فيه: ﴿إِنَّ الذِينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَمُ﴾، وقال: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينا، فلن يُقبل منه﴾. [والثاني]: باعتبار الاستسلام ظاهرًا، مع عدم إسلام الباطن، إذا وقع خوفًا كإسلام المنافقين، واستدلَّ = ٢٣١ ٧- (تَأْوِيلُ قَوْلِهِ عز وجل: ﴿قَالَّتِ اٌلْأَعْرَابُ - حديث رقم ٤٩٩٤ بقوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَبُ ءَامَنَّاً قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِن قُولُواْ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ اُلْإِيمَانُ فِ قُلُوبِكُمْ﴾، وحمله على الاستسلام خوفًا، وتَقِيَّةً. وهذا مرويّ عن طائفة من السلف، منهم مجاهدٌ، وابن زيد، ومقاتل بن حیّان، وغيرهم. وکذلك رجحه محمد بن نصر المروزيّ، كما رجحه البخاريّ؛ لأنهما لا يفرّقان بين الإسلام والإيمان، فإذا انتفى أحدهما انتفى الآخر، وهو اختيار ابن عبد البرّ، وحكاه عن أكثر أهل السنة، من أصحاب مالك، والشافعيّ، وداود. وأما من يفرّق بين الإسلام والإيمان، فإنه يستدلّ بهذه الآية على الفرق بينهما، ويقول: نفي الإيمان عنهم، لا يلزم منه نفي الإسلام، كما نفَى الإيمان عن الزاني، والسارق، والشارب، وإن كان الإسلام عنهم غير منفيّ. وقد ورد هذا في الآية عن ابن عبّاس، وقتادة، والنخعيّ، ورُوي عن ابن زيد معناه أيضًا، وهو قول الزهريّ، وحمّاد ابن زيد، وأحمد، ورجحه ابن جرير، وغيره. واستدلّوا به على التفريق بين الإسلام والإيمان، وكذا قال قتادة في هذه الآية، قال: ﴿قُولُواْ أَسْلَمْنَا﴾: شهادة أن لا إله إلا الله، وهو دين الله، والإسلام درجة، والإيمان تحقيقٌ في القلب، والهجرة في الإيمان درجة، والجهاد في الهجرة درجة، والقتل في سبيل اللّه درجة. خرّجه ابن أبي حاتم. فجعل قتادة الإسلام الكلمة، وهي أصل الدين، والإيمان ما قام بالقلب من تحقيق التصديق بالغيب، فهؤلاء القوم لم يحقّقوا الإيمان في قلوبهم، وإنما دخل في قلوبهم تصديق ضعيفٌ بحيث صحّ به إسلامهم، ويدلّ عليه قوله تعالى: ﴿وَإِن تُطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتَّكُمْ مِنْ أَعْمَلِكُمْ شَيْئاً﴾ [الحجرات: ١٤]. واختلف من فرق بين الإسلام والإيمان في حقيقة الفرق بينهما، فقالت طائفة: الإسلام كلمة الشهادتين، والإيمان العمل، وهذا مرويّ عن الزهريّ، وابن أبي ذئب، وهو رواية عن أحمد، وهي المذهب عند القاضي أبي يعلى، وغيره من أصحابه، ويشبه هذا قول ابن زيد في تفسيره هذه الآية، قال: لم يصدّقوا إيمانهم بأعمالهم، فردّ اللَّه تعالى عليهم، وقال: ﴿لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِنْ قُولُواْ أَسْلَمْنَا﴾، فقال: الإسلام إقرارٌ، والإيمان تصديق، وهو قول أبي خيثمة وغيره من أهل الحديث، وقد ضعّف ابن حامد من الحنابلة هذا القول عن أحمد، وقال: الصحيح أن مذهبه أن الإسلام قولٌ، وعملٌ، روايةً واحدةً، ولكن لا يُدخل كلّ الأعمال في الإسلام، كما يُدخل في الإيمان، وذكر أن المنصوص عن أحمد أنه لا يكفّر تارك الصلاة، فالصلاة من خصال الإيمان، دون الإسلام، وكذلك اجتناب الكبائر من شرائط الإيمان، دون الإسلام، كذا قال، وأكثر أصحاب أحمد أن ظاهر مذهب أحمد تكفير تارك الصلاة، فلولم تكن الصلاة من ٢٣٢ E شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِهِ الإسلام لم يكن تاركها عنده كافرًا. والنصوص الدّالّة على أن الأعمال داخلة في الإسلام كثيرة. وقد ذهبت طائفة إلى أن الإسلام عامّ، والإيمان خاصّ، فمن ارتكب الكبائر، خرج من دائرة الإيمان الخاصّة إلى دائرة الإسلام العامّة، هذا مرويّ عن أبي جعفر محمد بن عليّ، وضعّفه ابن نصر المروزيّ، من جهة راويه عنه، وهو فُضيل بن يسار، وطعن فيه، وروي عن حماد بن زيد نحو هذا أيضًا. وحُكي رواية عن أحمد أيضًا، فإنه قال في رواية الشالنجي في مرتكب الكبائر: يخرج من الإيمان، ويقع في الإسلام، ونَقَل حنبلٌ عن أحمد معناه. وقد تأوّل هذه الرواية القاضي أبو يعلى، وأقرّها غيره، وهي اختيار أبي عبد الله بن بَطّة، وابن حامد، وغيرهما من الأصحاب. وقالت طائفة: الفرق بين الإسلام والإيمان أن الإيمان هو التصديق، تصديق القلب، فهو علم القلب، وعمله، والإسلام الخضوع، والاستسلام، والانقياد، فهو عمل القلب والجوارح. وهذا قول كثير من العلماء، وقد حكاه أبو الفضل التميميّ عن أصحاب أحمد، وهو قول طائفة من المتكلّمين، لكن المتكلّمون عندهم أن الأعمال لا تدخل في الإيمان، وتدخل في الإسلام. وأما أصحاب أحمد، وغيرهم من أهل الحديث، فعندهم أن الأعمال تدخل في الإيمان، مع اختلافهم في دخولها في الإسلام، كما سبق، فلهذا قال كثير من العلماء: إن الإسلام والإيمان تختلف دلالتهما بالإفراد والاقتران، فإن أُفرد أحدهما دخل فيه الآخر، وإن قرن بينهما كانا شيئين حينئذ، وبهذا يُجمع بين حديث سؤال جبريلَالَّله عن الإسلام والإيمان، ففرّق النبيّ وَل بينهما، وبين حديث وفد عبد القيس، حيث فسّر النبيّ وَّر الإيمان المنفرد بما فسّر به الإيمان(١) المقرون في حديث جبريل غِ لَّلَمُ. وقد حكى هذا القول أبو بكر الإسماعيليّ عن كثير من أهل السنّة والجماعة، ورُوي عن أبي بكر بن أبي شيبة ما يدلّ عليه، وهو أقرب الأقوال في هذا المسألة، وأشبهها بالنصوص، والله أعلم. والقول بالفرق بين الإسلام والإيمان مرويّ عن الحسن، وابن سيرين، وشَریك، وعبد الرحمن بن مهديّ، ويحيى بن معين، ومؤمل بن إهاب، وحُكي عن مالك أيضًا، وقد سبق حكايته عن قتادة، وداود بن أبي هند، والزهريّ، وابن أبي ذئب، وحماد بن (١) هكذا في الأصل بلفظ ((الإيمان))، والظاهر أنه غلطً، والصواب: ((بما فسّر به الإسلام)». والله تعالى أعلم. ٧- (تَأْوِيلُ قَوْلِهِ عز وجل: ﴿قَالَتِ اٌلْأَعْرَابُ - حديث رقم ٤٩٩٤ ٢٣٣ زيد، وأحمد، وأبي خيثمة، وكذلك حكاه أبو بكر بن السمعانيّ عن أهل السنّة والجماعة جملةً. فحكاية ابن نصر، وابن عبد البرّ عن الأكثرين التسوية بينهما غير جيّدة، بل قيل: إن السلف لم يُروَ عنهم غير التفريق. والله أعلم. انتهى كلام الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في ((شرح صحيح البخاري١ّ/ ١٢٥ -١٣٠ . قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قد تقدّم هذا البحث بأتمّ مما هنا في المسائل المذكورة أول ((كتاب الإيمان))، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: سبب نزل هذه الآية هو ما ذكره الواحديّ ص٤١٢- أن هذه الآية نزلت في أعراب من بني أسد بن خزيمة قدموا على رسول اللَّه ◌َلتر المدينة في سنة جدبة، فأظهروا الشهادتين، ولم يكونوا مؤمنين في السرّ، وأفسدوا طرق المدينة بالعذرات، وأغلوا أسعارها، وكانوا يقولون لرسول اللَّه وَ له: أتيناك بالأثقال، والعيال، ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان، فأعطنا من الصدقة، وجعلوا يمنّون عليه، فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٩٩٤- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ - وَهُوَّ ابْنُ ثَوْرٍ - قَالَ مَعْمَرٌ: وَأَخْبَرَنِ الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَعْطَى النَِّيُّ مَِّ رِجَالًا، وَلَمْ يُعْطِ رَجُلًا مِنْهُمْ شَيْئًا، قَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعْطَيْتَ فُلَانَا وَفُلَانًا، وَلَمْ تُعْطِ فُلَانَا شَيْئًا، وَهُوَ مُؤْمِنْ، فَقَالَ النَّبِيُّ وَّرِ: ((أَوْ مُسْلِمْ)، حَتَّى أَعَادَهَا سَعْدٌ ثَلَاثًا، وَالنَّبِيُّ ◌َِّ يَقُولُ: ((أَوْ مُسْلِمْ))، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: ((إِنِّي لَأُعْطِي رِجَالًا، وَأَدَعُ مَنْ هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُمْ، لَا أُعْطِيهِ شَيْئًا؛ مَخَافَةً أَنْ يُكَبُوا فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِم))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (محمد بن عبد الأعلى) الصنعانيّ، ثم البصريّ، ثقة [١٠] ٥/٥ . ٢- (محمد بن ثور) الصنعانيّ، أبو عبد الله، ثقة عابد [٩] ٢٠٣٥/١٠٢ . ٣- (معمر) بن راشد الصنعانيّ الثقة الثبت [٧] ١٠/١٠. ٤- (الزهريّ) محمد بن مسلم الإمام الحافظ الحجة الفقيه [٤] ١/١ . ٥- (عامر بن سعد بن أبي وقّاص) الزهريّ المدنيّ، ثقة [٣] ٦٧٩١/٣٨ . ٦- (أبوه) سعد بن أبي وقّاص مالك بن وُهَيْب الزهريّ، أبو إسحاق الصحابيّ الشهير، مات ◌َّيه سنة (٥٥) على الأصحّ ١٢١/٩٦. والله تعالى أعلم. ٢٣٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير محمد بن ثور، فقد تفرّد به المصنّف، وأبو داود. (ومنها): أن نصفه الأول صنعانيون، والثاني مدنيون. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، والابن عن أبيه. (ومنها): أن صحابيّه أحد العشرة المبشرين بالجنة رضي اللّه تعالى عنهم، وهو آخرهم موتًا، وهو أول من رمى بسهم في سبيل اللَّه عزّ وجلّ. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) رحمه اللّه تعالى (عَنْ أَبِيهِ) سعد رضي اللّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: أَعْطَى النَّبِيِّ نَّهِ رِجَالًا) ولفظ البخاريّ: ((أعطى رهطًا، وسعد جالسٌ)): والرهط عدد من الرجال، من ثلاثة إلى عشرة، قال الْقَزّاز: وربما جاوزوا ذلك قليلا، ولا واحد له من لفظه، ورهط الرجل بنو أبيه الأدنى، وقيل: قبيلته، وللإسماعيلي من طريق ابن أبي ذئب: ((أنه جاءه رهط، فسألوه، فأعطاهم، فترك رجلا منهم)). وقوله: ((وسعد جالس)): فيه تجريد. وقوله: ((أعجبهم إليّ)): فيه التفاتٌ، وأورده في ((الزكاة)) بلفظ: ((أعطى رهطا، وأنا جالس))، بلا تجريد، ولا التفات، وزاد فيه: ((فقمت إلى رسول اللَّه وَ له، فساررته))، وغفل بعضهم، فعزا هذه الزيادة إلى مسلم فقط. قاله في (الفتح)). (وَلَمْ يُعْطِ رَجُلًا مِنْهُمْ شَيْئًا) الرجل المتروك اسمه جُعيل بن سُراقة الضمري، سماه الواقدي في ((المغازي)). قاله في ((الفتح)). (قَالَ سَعْدٌ) رَّهِ (يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعْطَيْتَ فُلَانَا وَفُلَانَا، وَلَمْ تُعْطِ فُلَانَا شَيْئًا، وَهُوَ مُؤْمِنْ) ولفظ البخاريّ: ((فقلت: يا رسول اللَّه، ما لك عن فلان؟، فوالله لأراه مؤمنًا)): والمعنى: أيّ سبب لعدولك عنه إلى غيره؟، ولفظ ((فلان)) كناية عن اسم أُبهم بعد أن ذُكر. وقوله: ((فواللَّه)) فيه القسم في الإخبار على سبيل التأكيد. وقوله: ((لأراه)) قال الحافظ: وقع في روايتنا من طريق أبي ذرّ وغيره بضمّ الهمزة هنا، وفي ((الزكاة))، وكذا هو في رواية الإسماعيلي وغيره. وقال الشيخ محيي الدين رحمه الله تعالى: بل هو بفتحها: أي أعلمه، ولا يجوز ضمها، فيصير بمعنى ((أظنه))؛ لأنه قال بعد ذلك: ((غلبني ما أعلم منه)). انتهى. قال الحافظ: ولا دلالة فيما ذَكَر على تعين الفتح؛ لجواز إطلاق العلم على الظن الغالب، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِّمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَةٍ﴾ [الممتحنة: ١٠]، سلمنا، لكن لا يلزم ٧- (تَأْوِيلُ قَوْلِهِ عز وجل: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ - حديث رقم ٤٩٩٤ ٢٣٥ = من إطلاق العلم، أن لا تكون مقدماته ظنيةً، فيكون نظريا، لا يقينيا، وهو الممكن هنا، وبهذا جزم صاحب ((المفهم في شرح مسلم))، فقال: الرواية بضم الهمزة. واستنْبَط منه جواز الحلف على غلبة الظن؛ لأن النبي وَلِّ، ما نهاه عن الحلف، كذا قال، وفيه نظر لا يخفي؛ لأنه أقسم على وجدان الظن، وهو كذلك، ولم يقسم على الأمر المظنون، كما ظَنَّ. انتهى فتح)) ١/ ١١٢ - ١١٣. (فَقَالَ النَِّيُّ ◌َِّ: ((أَوْ مُسْلِمٌ))) بالرفع خبر لمحذوف: أي بل: هو مسلم، فـ(أو)) بسكون الواو، لا بفتحها كما ظُنَّ غلطًا، وهي للإضراب، بمعنى ((بل))، وليست للتشريك، ولا لغيره، كما قيل، وفي رواية البخاريّ ((أو مسلمًا)) بالنصب، قال في ((الفتح)): قوله: ((فقال: أو مسلما)): هو بإسكان الواو، لا بفتحها، فقيل: هي للتنويع، وقال بعضهم: هي للشك، وأنه أمره أن يقولهما معا؛ لأنه أحوط، ويَرُدُّ هذا رواية ابن الأعرابي في ((معجمه)) في هذا الحديث، فقال: ((لا تقل: مؤمن، بل مسلم))، فوضح أنها للاضراب. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي عزاه إلى ((معجم ابن الأعرابي)) هو المذكور للمصنّف في الرواية التالية، فكان الأولى أن يعزوه إليه، فتنبه. قال: وليس معناه الإنكار، بل المعنى أن إطلاق المسلم على من لم يُخْتَبر حاله الخبرةَ الباطنَةَ أولي من إطلاق المؤمن؛ لأن الإسلام معلوم بحكم الظاهر، قاله الشيخ محيي الدين، ملخصًا. وتعقبه الكرماني بأنه يلزم منه أن لا يكون الحديث دالا على ما عُقِد له الباب، ولا يكون لرد الرسول ول# على سعد فائدة. قال الحافظ: وهو تعقب مردود، وقد بينا وجه المطابقه بين الحديث والترجمه قبلُ. ومُحَصَّلُ القصه أن النبي بَّر، كان يوسع العطاء لمن أظهر الإسلام؛ تأليفًا، فلما أعطى الرهط، وهم من المؤلفة، وترك جُعيلا، وهو من المهاجرين، مع أن الجميع سألوه، خاطبه سعد في أمره؛ لأنه كان يرى أن جعيلا أحق منهم؛ لما اختبره منه دونهم، ولهذا راجع فيه أكثر من مرة، فأرشده النبي وَلّ إلى أمرين: [أحدهما]: إعلامه بالحكمة في إعطاء أولئك، وحرمان جعيل، مع كونه أحب إليه ممن أعطى؛ لأنه لو ترك إعطاء المؤلف، لم يؤمن ارتداده، فيكون من أهل النار. [ثانيهما]: إرشاده إلى التوقف عن الثناء بالأمر الباطن، دون الثناء بالأمر الظاهر، فوضح بهذا فائده رد الرسول وَجر على سعد، وأنه لا يستلزم محض الإنكار عليه، بل كان أحد الجوابين على طريق المشورة بالأولى، والآخر على طريق الاعتذار. ٢٣٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ [فإن قيل]: كيف لم تُقبَل شهادة سعد لجعيل بالإيمان، ولو شهد له بالعدالة لقُبِل منه، وهي تستلزم الإيمان؟. [فالجواب]: أن كلام سعد ◌َّه لم يخرج مخرج الشهادة، وإنما خرج مخرج المدح له، والتوسل في الطلب لأجله، فلهذا نوقش في لفظه، حتى ولو كان بلفظ الشهادة، لما استلزمت المشورة عليه بالأمر الأولى رَدَّ شهادته، بل السياق يرشد إلى أنه قبل قوله فيه، بدليل أنه اعتذر إليه. وفي ((مسند محمد بن هارون الروياني))، وغيره، بإسناد صحيح إلى أبي سالم الجيشاني، عن أبي ذر ◌َّ أن رسول اللَّه ◌َله، قال له: ((كيف ترى جعيلا؟))، قال: قلت: كشكله من الناس- يعني المهاجرين- قال: ((فكيف ترى فلانا؟))، قال: قلت: سيد من سادات الناس، قال: ((فجُعيل خير من ملء الأرض من فلان))، قال: قلت: ففلان هكذا، وأنت تصنع به ما تصنع؟ قال: إنه رأس قومه، فأنا أتالّفهم به))، فهذه منزلة جعیل المذكور عند النبي ◌َّ، كما ترى، فظهرت بهذا الحكمة في حرمانه، وإعطاء غيره، وأن ذلك لمصلحة التأليف، كما قررناه. انتهى ((فتح)) ١١٣/١-١١٤ ... (حَتَّى أَعَادَهَا سَعْدُ ثَلَاثًا) أي حتى كرّر سعد بن أبي وقّاص ◌َّ قوله: ((يا رسول اللَّه أعطيت فلانا الخ))، وأنثَ الضمير باعتبار أنها جُلٌ (وَالنَِّيُّ نَّهِ يَقُولُ: ((أَوْ مُسْلِمْ) أي: بل هو مسلم (ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ وَّهُ: ((إِنِّي لَأُعْطِي رِجَالًا) حُذف المفعول الثاني للتعميم: أي أيَّ عطاء (وَأَدَعُ) أي أترك (مَنْ هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُمْ، لَا أُعْطِيهِ شَيْئًا) تأكيد لمعنى ((وأدع)) (مَخَافَةَ) منصوب على أنه مفعول لأجله، وهو مضاف إلى قوله (أَنْ يُكَبُّوا) بالبناء للمفعول، والواو ضمير الرجال الذين يُعطيهم النبيّ وَلَّ، يقال: أكب الرجل: إذا أَطرق، وكبه غيره: إذا قلبه، وهذا على خلاف القياس؛ لأن الفعل اللازم، يتعدى بالهمزة، وهذا زيدت عليه الهمزة، فقصر، وقد ذكر البخاريّ هذا في ((كتاب الزكاة))، فقال: يقال: أكب الرجلُ: إذا كان فعله غير واقع على أحد، فإذا وقع الفعل، قلت: كبه، وكبيته، وجاء نظير هذا في أحرف يسيرة، منها: أنسل ريشُ الطائر، ونسلته، وأنزفتِ البئرُ، ونزفتها، وحكى ابن الأعرابي في المتعدي: كبه، وأکبه معا. قاله في ((الفتح)). وفي ((اللسان)): وحكى ابن الأعرابيّ أكبه، وأنشد [من الرجز]: يَا صَاحِبَ الْقَعْوِ الْمُكَبِّ الْمُذْبِرِ إِنْ تَمْنَعِي تَعْوَكِ أَمْنَعْ مِخْوَرِي وكبّه لوجهه، فانكبّ: أي صرعه، وأكبّ هو على وجهه، وهذا من النوادر أن يقال: أفعلتُ أنا، وفعلتُ غيري، يقال: كبّ اللّه عدوّ المسلمين، ولا يقال: أكب. انتھی . ٧ ٢٣ _ ٧- (تَأْوِيلُ قَوْلِهِ عز وجل: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ - حديث رقم ٤٩٩٤ (فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِم) الجارّان متعلّقان بـ(يُكبّوا)): والمعنى: إني لأعطي رجالا من المال؛ خوفًا عليهم أي يتكلموا بما لا يليق، أو يرتدّوا؛ لضعف إيمانهم، إن لم أعطهم، أو فيلقيهم الله تعالى في نار جهنم منكوسين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث سعد بن أبي وقّاص ◌َّه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٤٩٩٤/٧ و٤٩٩٥ -. وأخرجه (خ) في ((الإيمان)) ٢٧ و((الزكاة)) ١٤٧٨ (م) في ((الإيمان)) ١٥٠ (د) في ((السنة)) ٤٦٨٣ و٤٦٨٥ (أحمد) في ((مسند العشرة)) ١٥٢٥ و١٥٨٣ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان تأويل الآية الكريمة، وقد بينت الرواية التالية أن الزهريّ قال بعد أن رواه: ((﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ ءَامَنَّاً﴾. (ومنها): التفرقة بين حقيقتي الإيمان والإسلام. (ومنها): ترك القطع بالإيمان الكامل، لمن لم يَنْصّ عليه الشارع، وأما منع القطع بالجنة، فلا يؤخذ من هذا صريحا، وإن تعرض له بعض الشارحين، نعم هو كذلك، فيمن لم يثبت فيه النص. قاله في ((الفتح)). (ومنها): أن فيه الردّ على غلاة المرجئة في اكتفائهم في الإيمان بنطق اللسان. (ومنها): جواز تصرف الإمام في مال المصالح، وتقديم الأهم فالأهم، وإن خفي وجه ذلك على بعض الرعية. (ومنها): جواز الشفاعة عند الإمام، فيما يعتقد الشافع جوازه. (ومنها): تنبيه الصغير للكبير، على ما يظن أنه ذَهِلَ عنه، ومراجعة المشفوع إليه في الأمر، إذا لم يؤد إلى مفسدة. (ومنها): أن الإسرار بالنصيحه أولى من الإعلان، فقد ثبت عند البخاريّ في ((كتاب الزكاة)) قول سعد رَّ: ((فقمت إليه، فساررته))، وقد يتعين إذا جر الإعلان إلى مفسدة. (ومنها): أن من أشير عليه بما يعتقده المشير مصلحةً، لا ينكر عليه، بل يبين له وجه الصواب. (ومنها): الاعتذار إلى الشافع إذا كانت المصلحة في ترك إجابته، وأن لا عيب على الشافع، إذا رُدّت شفاعته لذلك. (ومنها): استحباب ترك الالحاح في السؤال، كما استنبطه البخاريّ منه في ((الزكاة))، ووجه ذلك: إما لأن سياقه يُشعر بأنه وَ# كره من سعد إلحاحه في المسألة، أو من جهة أن المشفوع له ترك السؤال، فمُدح. أفاده في ((الفتح)) ١١٤/١ و١٠٧/٤. ٢٣٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ (ومنها): ما قيل: إنه يدلّ على جواز الحلف على الظنّ، وهي يمين اللغو، وهو قول مالك، والجمهور. قاله في ((عمدة القاري)) ٢٢٣/١. (ومنها): أن الإقرار باللسان لا ينفع إلا إذا اقترن به الاعتقاد بالقلب، وعليه الإجماع، ولهذا كفر المنافقون. (ومنها): ما قاله القاضي عياض رحمه اللّه تعالى: هذا الحديث أصحّ دليل على الفرق بين الإسلام والإيمان، وأن الإيمان باطنٌ، ومن عمل القلب، والإسلام ظاهر، ومن عمل الجوارح، لكن لا يكون مؤمن إلا مسلمًا، وقد يكون مسلم غير مؤمن، ولفظ هذا الحديث يدلّ عليه. وقال الخطّابيّ رحمه اللّه تعالى: هذا الحديث ظاهره يوجب الفرق بين الإسلام والإيمان، فيقال له: مسلم: أي مستسلم، ولا يقال له: مؤمن، وهذا معنى الحديث، قال الله تعالى: ﴿قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِن قُولُواْ أَسْلَمْنَا﴾ الآية [الحجرات: ١٤]: أي استسلمنا، وقد يتفقان في استواء الظاهر والباطن، فيقال للمسلم: مومن، وللمؤمن مسلم(١) . وقد تقدّم تحقيق ذلك مستوفّى في أول ((كتاب الإيمان))، فراجعه، تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٩٩٥- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَّامُ بْنُ أَبِي مُطِيعٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مَعْمَرًا، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ سَعْدٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ، قَسَمَ قَسْمًا، فَأَعْطَى نَاسًا، وَمَنَعَ آخَرِينَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعْطَيْتَ فُلَانًا، وَمَنَعْتَ فُلَانَا، وَهُوَ مُؤْمِنْ، قَالَ: لَا تَقُلْ: مُؤْمِنٌ، وَقُلْ: مُسْلِمٌ))، قَالَ ابْنُ شِهَاب: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ ءَامَنَّا﴾ [الحجرات: ١٤]). قالَ الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((عمرو بن منصور)): هو أبو سعيد النسائيّ الثقة الثبت [١١] ١٤٧/١٠٨ من أفراد المصنّف. و((هشام بن عبد الملك)): هو أبو الوليد الطيالسيّ البصريّ الثقة الثبت [٩] ١٧٢/١٢٢. و((سلام بن أبي مطيع)): هو أبو سعيد الْخُزَاعِيّ مولاهم البصريّ، ثقة، صاحب سنّة، في روايته عن قتادة ضعف [٧] ٧٨/ ١٩٩١. [تنبيه]: روى مسلم هذا الحديث في ((صحيحه)) عن محمد بن يحيى بن أبي عمر، عن سفيان بن عيينة، عن الزهريّ، ووقع في إسناده وَهَمّ منه، أو من شيخه؛ لأن معظم الروايات في ((الجوامع))، و((المسانيد)) عن ابن عيينة، عن معمر، عن الزهريّ، بزيادة معمر بينهما، وكذا حدث به ابن أبي عمر، شيخ مسلم في ((مسنده)) عن ابن عيينة، وكذا أخرجه أبو نعيم في ((مستخرجه))، من طريقه، وزعم أبو مسعود في ((الأطراف)) أن (١) راجع ((عمدة القاري)) ٢٢٤/١. - ٧- (تَأْوِيلُ قَوْلِهِ عز وجل: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ - حديث رقم ٤٩٩٦ ٢٣٩ الوهم من ابن أبي عمر، قال الحافظ: وهو محتمل؛ لأن يكون الوهم صدر منه، لَمّا حَدّث به مسلما، لكن لم يتعين الوهم في جهته، وحمله الشيخ محيي الدين على أن ابن عيينة، حدث به مرة بإسقاط معمر، ومرةً بإثباته، وفيه بُعْدٌ؛ لأن الروايات قد تضافرت عن ابن عيينة بإثبات معمر، ولم يوجد بإسقاطه إلا عند مسلم، والموجود في مسند شيخه بلا إسقاط، كما قدمناه، وقد أوضحت ذلك بدلائله في كتاب ((تغليق التعليق)). ورواه أحمد، والحميديّ، وغيرهما عن عبد الرزّاق، عن معمر، وفيه أنه أعاد السؤال ثلاثًا، وفيه من الزيادة: قال الزهري: ((فترى أن الإسلام الكلمة، والإيمان العمل)». وقد استُشكل هذا بالنظر، إلى حديث سؤال جبريل، فإن ظاهره يخالفه، ويمكن أن يكون مراد الزهري أن المرء يُحكم بإسلامه، ويُسَمّى مسلما، إذا تلفظ بالكلمة، أي كلمة الشهادة، وأنه لا يسمى مؤمنا إلا بالعمل، والعمل يشمل عمل القلب والجوارح، وعمل الجوارح يدل على صدقه، وأما الإسلام المذكور في حديث جبريل ◌َ لَّلِ، فهو الشرعي الكامل، المراد بقوله تعالى: ﴿وَمَن يَبْتَعْ غَيْرَ الْإِسْلَِمِ دِينًا فَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾. انتهى ((فتح)) ١١٥/١. [تنبيه آخر]: روى هذا الحديثَ ابنُ وهب، ورِشْدِين بن سعد جميعا، عن يونس، عن الزهري بسند آخر، قال: ((عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه))، أخرجه ابن أبي حاتم، ونقل عن أبيه أنه خطأ من راويه، وهو الوليد بن مسلم عنهما. أفاده في (الفتح)). يعني أن الصواب: ((عن الزهريّ، عن عامر بن سعد، عن أبيه)). والله تعالى أعلم. والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٩٩٦- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمِ، عَنْ بِشْرِ بْنِ سُحَيْمٍ: ((أَنَّ النَِّيِّ ◌َِّ، أَمَرَهُ أَنْ يُنَادِيَ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ: أَنَّهُ لَّا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مُؤْمِنْ، وَهِيَ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ))). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/١. ٢- (حمّاد) بن زيد بن درهم، الجهضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثبت٣/٣ . ٣- (عمرو) بن دينار الأثرم الجمحيّ، أبو محمد المكيّ، ثقة ثبت [٤]١٥٤/١١٢. ٤- (نافع بن جبير بن مُطعم) النوفليّ المدنيّ، ثقة فاضلٌ [٣] ١٢٤/٩٦. ٢٤٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ ٥- (بِشْر بن سُحَيم) الغفاريّ، ويقال: الْخُزَاعيّ، صحابيّ، له هذا الحديث، وقيل: عنه، عليّ رَظمه . وقال ابن سعد: كان يسكن كراع الغميم، وضِجْنان. انتهى. تفرّد به المصنّف، وابن ماجه بهذا الحديث. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير الصحابيّ، كما مرّ آنفًا. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن صحابيّه من المقلّين من الرواية، فليس له إلا هذا الحديث عند أحمد، والمصنّف، وابن ماجه انظر ((الإصابة)) ٢٤٩/١-٢٥٠ . والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ بِشْرِ بْنِ سُحَيْم) الغفاريّ ◌َّهِ (أَنَّ النَّبِيِّ ◌َ، أَمَرَهُ أَنْ يُنَادِيَ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ) ويقال لها: الأيام المعدودات، وأيام منى، وهي الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر من ذي الحجة، واختلفوا في تعيين أيام التشريق، والأصح أن أيام التشريق ثلاثة أيام بعد يوم النحر، سُمّيت بذلك لتشريق الناس لحوم الأضاحي فيها، وهو تقدیدها، ونشرها في الشمس. وقال في ((الفتح)): وقد اختلف في كونها -يعني أيام التشريق يومين، أو ثلاثة، قال: وسميت أيام التشريق؛ لأن لحوم الأضاحي تُشرَق فيها: أي تُنشر في الشمس، وقيل: لأن الهدي لا ينحرحتى تشرق الشمس، وقيل: لأن صلاة العيد تقع عند شروق الشمس. وقيل التشريق التكبير دبر كل صلاة. انتهى. (أَنَّهُ) الضمير للشأن: أي أن الشأن والحال (لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّ مُؤْمِنْ) قال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: وإنما أمر النبيّ وَلّر أن ينادى في الموسم: ((لا يدخل الجنة إلا مؤمن)) ليسمع من لم يحضر خطبة النبي ، وليسمع من كان هناك من المنافقين، حتى يُحقّقوا إيمانهم، ويُجدّدوا يقينهم. انتهى ((المفهم)) ٢٠٠/٣ (وَهِيَ) أي أيام التشريق (أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ) يعني أنه لا يصحّ صومها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته : حديث بشر بن سُحيم ◌َّه هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: