النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
٥- (بَأَبُ نَعْتِ الإِسْلام) - حديث رقم ٤٩٩٢
جمع بهيم، وهو المجهول الذي لا يُعرف.
قال: والأَوْلَى أن يُحمّل على أنهم سُود الألوان؛ لأن الأُذمة غالبة على ألوانهم.
انتهى كلام القرطبيّ.
وأجاب الحافظ عن قول القرطبيّ: فيه نظرٌ الخ بأنه يُحمل على أنها إضافة
اختصاص، لا ملك، وهذا هو الغالب أن الراعي يرعى لغيره بالأجرة، وأما المالك،
فقَلَّ أن يباشر الرعي بنفسه. انتهى.
وفي حديث أبي هريرة عند مسلم: ((وإذا رأيت الحفاة العراة الصمّ البكم ملوك
الأرض)).
وقيل لهم: ذلك مبالغةً في وصفهم بالجهل: أي لم يستعملوا أسماعهم، ولا
أبصارهم في شيء من أمر دينهم، وإن كانت حواسهم سليمة.
والمراد بهؤلاء: هم أهل البادية، كما صرح به في رواية سليمان التيمي وغيره، قال:
((ما الحفاة العراة؟))، قال: ((الْعُرَيب))، وهو بالعين المهملة على التصغير، وفي الطبراني
من طريق أبي جمرة، عن ابن عباس، مرفوعا: ((من انقلاب الدين تَفَصُّح النَّبَط،
واتخاذهم القصور في الأمصار)).
وقال القرطبيّ: وقد وصفهم في حديث أبي هريرة ◌َّه بأنهم صمّ بُكم، عُميّ،
ويعني بذلك -واللَّه تعالى أعلم - أنهم جَهَلةٌ رعاعٍ، لم يستعملوا أسماعهم، ولا كلامهم
في علم، ولا في شيء من أمر دينهم، وهذا نحو قوله تعالى: ﴿صُمْ بَكْمُّ عُمْىٌ فَهُمْ لَا
يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١] أطلق ذلك عليهم، مع أنهم كانت لهم أسماع، وأبصارٌ، ولكنهم
لَمّا لم تحصُل لهم ثمرات تلك الإدراكات، صاروا كأنهم عَدِموا أصلها، وقد أوضح هذا
المعنى قوله تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ ءَاذَاٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَاْ
أُوْلَكَ كَلِأَنْعَمِ بَّ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَكَ هُمُ الْغَفِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩].
قال: ومقصود هذا الحديث: الإخبارُ عن تبدل الحال، وتغيّره، بأن يستولي أهل
البادية الذين هذه صفاتهم على أهل الحاضرة، ويتملكوا بالقهر والغلبة، فتكثر أموالهم،
وتتسع في حُطام الدنيا آمالهم، فتنصرف هممهم إلى تشييد المباني، وهدم الدین،
وشريف المعاني، وأن ذلك إذا وُجد، كان من أشراط الساعة، ويؤيد هذا ما ذُكر عن
رسول اللَّه وَله أنه قال: ((لا تقوم الساعة، حتى يكون أسعد الناس بالدنيا لُكّع ابن
لُكَع))، ومنه الحديث الآخر، ومنه: ((إذا وُسّد الأمر)): أي أُسند- ((إلى غير أهله،
فانتظروا الساعة))، وكلاهما في الصحيح، وقد شُوهد هذا كلّه عيانًا في هذا الزمان،
فكان ذلك على صدق رسول اللَّه وَّله، وعلى قرب الساعة، حجةً، وبرهانًا. انتهى

٢٠٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ
((المفهم)) ١/ ١٥٠-١٥١ ببعض تصرّف.
(يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ) أي يتفاخرون في تطويل البيان، ويتكاثرون به.
(قَالَ عُمَرُ) بن الخطّابِ رَّهِ (فَلَبِثْتُ) بكسر الباء الموحّدة: أي مكثتُ، يقال: لبِث
بالمكان لَيًّا، من باب تعب، وجاء في المصدر السكون للتخفيف، واللَّثة بالفتح:
المرّة، وبالكسر: الهيئة، والنوع، والاسم: اللَّيْث بالضمّ، واللَّبَاث. قاله في
((المصباح)) (ثَلَاثًا) أي ثلاث ليال، وفي رواية مسلم: ((فلبثت مليّا))، قال النوويّ:
معنى: ((مليّا)) بتشديد الياء: وقتًا طويلًا، وفي رواية أبي داود، والترمذيّ أنه قال ذلك
بعد ثلاث، وفي ((شرح السنّة)) للبغويّ: ((بعد ثالثة))، وظاهر هذا أنه بعد ثلاث ليال،
وفي ظاهر هذا مخالفة لقوله في حديث أبي هريرة تنظيم بعد هذا: ((ثم أدبر الرجل،
فقال رسول اللّه وَ لَهَ رُدُّوا عليّ الرجلَ، فأخذوا ليردوه، فلم يروا شيئًا، فقال النبيّ ◌َّ :
هذا جبريل ... الحديث.
فيحتمل الجمع بينهما أن عمر تظلّه لم يحضر قول النبيّ وَّ لهم في الحال، بل كان
قد قام من المجلس، فأخبر النبيّ وَّ﴾ الحاضرين في الحال، وأخبر عمر ◌َظله بعد
ثلاث، إذ لم يكن حاضرًا وقت إخبار الباقين. والله تعالى أعلم. انتهى ((شرح مسلم))
١٦٠/١ .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الجمع هو الأحسن، وسيأتي وجه آخر في
الجمع في عبارة الفتح)) قريبًا، إن شاء الله تعالى.
(ثُمَّ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((يَا عُمَرُ، هَلْ تَدْرِي) أي تعلم (مَنِ السَّائِلُ؟)) قُلْتُ: اللَّهُ
وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ) وَ (فَإِنَةُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامِ، أَتَاكُمْ لِيُعَلِّمَكُمْ أَمْرَ دِينِكُمْ) أي قواعد
دينكم، أو كلّات دينكم. وفي حديث أبي هريرة ◌َّه: ((هذا جبريل جاء يعلّم الناس
دینکم)).
وللإسماعيلي: ((أراد أن تعلموا، إذ لم تسألوا))، وفي الرواية الآتية في الباب التالي:
((والذي بعث محمدا بالحق، ما كنت بأعلم به من رجل منكم، وإنه لجبريل))، وفي
حديث أبي عامر: ((ثم وَلَّى، فلما لم نر طريقه، قال النبي ◌َّر: سبحان اللّه، هذا
جبريل، جاء ليعلم الناس دينهم، والذي نفس محمد بيده، ما جاءني قط، إلا وأنا أعرفه
إلا أن تكون هذه المرة))، وفي رواية سليمان التيمي: ((ثم نَّض، فوَلَّى، فقال رسول الله
وَلير: علي بالرجل، فطلبناه كل مطلب، فلم نقدر عليه، فقال: هل تدرون من هذا؟ هذا
جبريل، أتاكم ليعلمكم دينكم، خذوا عنه، فوالذي نفسي بيده، ما شُبِّه عليّ منذ أتاني،

٢٠٣ ==
٥- (بَابُ نَعْتِ الإِسْلَام) - حديث رقم ٤٩٩٢
قبل مرتي هذه، وما عرفته حتى وَلَّى))، قال ابن حبان تفرد سليمان التيمي بقوله: ((خذوا
عنه)) .
قال الحافظ: وهو من الثقات الأثبات. وفي قوله: ((جاء ليعلم الناس دينهم)): إشارة
إلى هذه الزيادة، فما تفرد إلا بالتصريح، وإسناد التعليم إلى جبريل مجازيّ؛ لأنه كان
السبب في الجواب، فلذلك أمر بالأخذ عنه.
واتفقت هذه الروايات على أن النبي وَلقر، أخبر الصحابة بشأنه، بعد أن التمسوه،
فلم يجدوه، وأما ما وقع عند مسلم، وغيره، من حديث عُمَر تَظّ في رواية كهمس:
((ثم انطلق، قال عمر: فلبثت، ثم قال: يا عمر، أتدري من السائل؟، قلت: اللّه
ورسوله أعلم، قال: فإنه جبریل)).
فقد جَمَع بين الروايتين بعضُ الشراح بأن قوله: ((فلبثت مليّا)): أي زمانا بعد
انصرافه، فكأن النبي والتّ أعلمهم بذلك، بعد مضيّ وقت، ولكنه في ذلك المجلس،
لكن يَعكُر على هذا الجمع قوله في رواية النسائي، والترمذي: ((فلبثت ثلاثا))، لكن
ادَّعَى بعضهم فيها التصحيف، وأن ((مليا)) صُغّرت ميمها، فاشبهت ((ثلاثا))، لأنها
تكتب بلا ألف، وهذه الدعوى مردودة، فإن في رواية أبي عوانة: فلبثنا ليالي،
فلقيني رسول اللّه وَلير، بعد ثلاث))، ولابن حبان: ((بعد ثالثة))، ولابن منده: ((بعد
ثلاثة أيام)).
وجمع النووي بين الحديثين بأن عمر، لم يحضر قول النبي وَّ، في المجلس، بل
كان ممن قام، إما مع الذين توجهوا في طلب الرجل، أو لشغل آخر، ولم يرجع مع من
رجع؛ لعارض عَرَض له، فأخبر النبي ◌َّر الحاضرين في الحال، ولم يتفق الإخبار
لعمر، إلا بعد ثلاثة أيام، ويدل عليه قوله: ((فلقيني))، وقوله: فقال لي: ((يا عمر))،
فوجه الخطاب له وحده، بخلاف إخباره الأول، وهو جمع حسن. قاله في ((الفتح)) ١/
١٧٠ .
[تنبيه]: دلت الروايات التي تقدّم ذكرها، على أن النبي وَّر، ما عرف أنه جبريل،
إلا في آخر الحال، وأن جبريل أتاه في صورة رجل، حسن الهيئة، لكنه غير معروف
لديهم، وأما ما وقع في رواية النسائي، من طريق أبي فروة، في آخر الحديث: ((وإنه
لجبريل نزل في صورة دحية الكلبي))، فإن قوله: ((نزل في صورة دحية الكلبي))، وَهَمْ؛
لأن دحية معروف عندهم، وقد قال عمر رَظله : ما يعرفه منا أحد، وقد أخرجه محمد
ابن نصر المروزي في ((كتاب الإيمان)) له من الوجه الذي أخرجه منه النسائي، فقال في
آخره: ((فإنه جبريل، جاء ليعلكم دينكم))، حَسْبُ، وهذه الرواية هي المحفوظة؛

٢٠٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ
لموافقتها باقي الروايات. قاله في ((الفتح)) ١٧٠/١-١٧١. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته: حديث عمر بن الخطّاب ◌َّ هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥/ ٤٩٩٠ -. وأخرجه (م) في ((الإيمان)) ٨ (د) في ((السنّة)) ٤٦٩٥ (ت)
في ((الإيمان) ٢٦١٠ (ق) في ((المقدّمة)) ٦٣ (أحمد) في ((مسند العشرة)) ١٨٥ و٣٦٩ .
والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه اللّه تعالى، وهو بيان نعت الإسلام. (ومنها):
أن فيه أن الملك يجوز أن يتمثل لغير النبي ے، فيراه، ويتكلم بحضرته، وهو يسمع،
وقد ثبت عن عمران بن حصين رضي اللَّه تعالى عنهما أنه كان يسمع كلام الملائكة.
(ومنها): أن فيه دليلًا على أن اللَّه تعالى مكّن الملائكة من أن يتمثّلوا فيما شاءوا من
صور بني آدم، كما نصّ اللَّه عز وجل على ذلك في قوله تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا
سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧] وقد كان جبريلعالَّلُ يتمثّل للنبيّ وَّ في صورة دحية بن خليفة
الكلبيّ وَّه، وقد كان لجبريل صورة خاصّة، خُلق عليها، لم يره النبيّ وَّل عليها غير
مرّتين، كما صحّ الحديث بذلك. قاله في ((المفهم)) ١/ ١٥٢.
(ومنها): استحباب تحسين الثياب والهيئة، والنظافة عند الدخول على العلماء،
والفضلاء، والملوك، فإن جبريل ماليَّلهُ أتى معلّمًا للناس، كما أخبر به النبيّ وَّه
فیکون تعليمه بحاله، ومقاله.
(ومنها): ابتداء الداخل بالسلام على جميع من دخل عليهم، وإقباله على رئيس
القوم، فإن جبريل الثلا قال: ((السلام عليكم))، فعم، ثم قال: ((یا محمد»، فخصّ.
(ومنها): جواز الاستئذان في القرب من الإمام مرارًا، وإن كان الإمام في موضع
مأذون في دخوله. (ومنها): ترك الاكتفاء بالاستئذان مرّة، أو مرّتين على جهة التعظيم،
والاحترام.
و(منها): جواز اختصاص العالم بموضع مرتفع من المسجد، إذا دعت الحاجة إلى
ذلك، لضرورة التعليم، أو غيره؛ لما يأتي في حديث الباب التالي: ((فبنينا له دكّانًا من
طين، كان يجلس عليه)).
(ومنها): أنه ينبغي لمن حضر مجلس العالم إذا علم بأهل المجلس حاجةٌ إلى

٢٠٥
٥- (بَابُ نَعْتِ الإِسْلام) - حديث رقم ٤٩٩٢
مسألة، لا يسألون عنها، أن يسأل هو عنها؛ ليحصل الجواب للجميع. (ومنها): أنه
ينبغي للعالم أن يرفق بالسائل، ويُدنيه منه؛ ليتمكّن من سؤاله، غير هائب، ولا
منقبض، وأنه ينبغي للسائل أن يرفق في سؤاله.
(ومنها): أنه ينبغي للعالم إذا سئل عما لا يعلم، أن يصرح بأنه لا يعلمه، ولا يكون
في ذلك نقص من مرتبته، بل يكون ذلك دليلا على مزيد ورعه. قاله النوويّ رحمه الله
تعالی.
(ومنها): ما قاله القرطبي رحمه اللَّه تعالى: مقصود هذا السؤال كَفُّ السامعين عن
السؤال، عن وقت الساعة؛ لأنهم قد أكثروا السؤال عنها، كما ورد في كثير من الآيات،
والأحاديث، فلما حصل الجواب بما ذُكر هنا، حصل اليأس من معرفتها، بخلاف
الأسئلة الماضية، فإن المراد بها استخراج الأجوبة، ليتعلمها السامعون، ويعملوا بها،
ونبه بهذه الأسئلة على تفصيل ما يمكن معرفته، مما لا يمكن.
(ومنها): ما قاله ابن الْمُنَيِّر رحمه الله تعالى: في قوله: ((يعلمكم دينكم))، دلالة على
أن السؤال الحسن، يُسَمَّى علمًا، وتعليمًا؛ لأن جبريلَالَّلُ لم يصدر منه سوى
السؤال، ومع ذلك فقد سماه النبيّ وَّيرِ معلما، وقد اشتهر قولهم: حُسنُ السؤال نصف
العلم))، ويمكن أن يؤخذ من هذا الحديث؛ لأن الفائدة فيه انبنت على السؤال والجواب
معا.
(ومنها): ما قاله القرطبي رحمه الله تعالى: هذا الحديث يصلح، أن يقال له: أم
السنة؛ لما تضمنه من جُل علم السنة، كما سُمّيت الفاتحة أم الكتاب؛ لِمَا تضمّنته من
◌ُل معاني القرآن. وقال الطيبي: لهذه النكتة استفتح به البغوي، كتابيه ((المصابيح))،
و(شرح السنة))؛ اقتداء بالقرآن في افتتاحه بالفاتحة؛ لأنها تضمنت علوم القرآن إجمالا .
وقال القاضي عياض قد اشتمل هذا الحديث، على جميع وظائف العبادات، الظاهرة
والباطنة، من عقود الإيمان، ابتداء، وحالا، ومآلا، ومن أعمال الجوارح، ومن
إخلاص السرائر، والتحفظ من آفات الأعمال، حتى إن علوم الشريعة كلها راجعة إليه،
ومتشعبة منه. قال: وعلى هذا الحديث، وأقسامه الثلاثة، ألّفنا كتابنا الذي سمّيناه
بـ((المقاصد الحسان فيما يلزم الإنسان))، إذ لا يشذّ شيء من الواجبات، والسنن،
والرغائب، والمحظورات، والمكروهات عن أقسامه الثلاثة. انتهى. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في إتمام البحث المتعلّق بتفسير الإحسان:
قال في ((الفتح)): دل سياق الحديث، على أن رؤية اللَّه في الدنيا بالأبصار غير

٢٠٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ
واقعة، وأما رؤية النبي وَلّ، فذاك لدليل آخر، وقد صرح مسلم في روايته، من حديث
أبي إمامة رَّه بقوله وَلِّ: ((واعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا)).
وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في ((شرح البخاريّ)): وأما الإحسان ففسّره
بنفوذ البصائر في الملكوت حتى يصير الخبر للبصيرة كالعيان، فهذه أعلى درجات
الإيمان، ومراتبه، ويتفاوت المؤمنون، والمحسنون في تحقيق هذا المقام تفاوتًا كثيرًا
بحسب تفاوتهم في قوة الإيمان والإحسان، وقد أشار النبيّ وَّ إلى ذلك ههنا بقوله:
((أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك)). قيل: المراد أن نهاية مقام
الإحسان أن يعبد المؤمن ربّه كأنه يراه بقلبه، فيكون مستحضرًا ببصيرته وفكرته لهذا
المقام، فإن عجز عنه، وشقّ عليه انتقل إلى مقام آخر، وهو أن يعبد اللَّه على أن الله
يراه، ويطّلع على سرّه، وعلانيته، ولا يخفى عليه شيء من أمره. وقد وصّى النبيّ وَل
طائفة من أصحابه أن يعبدوا اللَّه كأنهم يرونه، منهم ابن عمر، وأبو ذرّ څ ، ووصّی
معاذًا رَّه أن يستحيي من اللّه كما يستحيي من رجل ذي هيبة من أهله. قال بعض
السلف: من عمل للَّه على المشاهدة، فهو عارف، ومن عمل على مشاهدة اللَّه إياه فهو
مخلص. فهذان مقامان: [أحدهما]: مقام المراقبة، وهو أن يستحضر العبد قرب اللَّه
منه، واطلاعه عليه، فيتخايل أنه لا يزال بين يدي الله تعال، فيراقبه في حركاته،
وسكناته، وسرّه، وعلانيته، فهذا مقام المراقبين المخلصين، وهو أدنى مقام الإحسان.
[والثاني]: أن يشهد العبد بقلبه ذلك شهادة، فيصير كأنه يرى اللَّه، ويُشاهده، وهذا
نهاية مقام الإحسان، وهو مقام العارفين، وحديث حارثة رَّ هو من هذا المعنى(١)،
فإنه قال: كأني أنظر إلى عرش ربي بارزًا، وكأني أنظر إلى أهل الجنّة يتزاورون فيها،
وإلى أهل النار يتعاون فيها، فقال النبيّ وَّ: ((عرفت، فالزم، عبدٌ نوّر الله الإيمانَ في
قلبه)). وهو حديث مرسلٌ، وقد روي مسندًا بإسناد ضعيف. وكذلك قول ابن عمر
العروة لَمّا خطب إليه ابنته في الطواف، فلم يردّ عليه، ثم لقيه، فاعتذر إليه، وقال: كنا
في الطواف نتخايل اللَّه بين أعيننا. ومنه الأثر الذي ذكره الفضيل بن عياض: يقول الله:
ما أنا مطّلع على أحبابي إذا جنّهم الليل، جعلت أبصارهم في قلوبهم، ومَثَلتُ نفسي بين
أعينهم، فخاطبوني على المشاهدة، وكلّموني على حضوري.
وبهذا فُسْر المثل الأعلى المذكور في قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضِّ﴾ [الروم: ٢٧]، ومثله قوله تعالى: ﴿اَللَّهُ نُورُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ مَثَلُ نُورِهِ، كَمِشْكَوْمٍ
(١) لكن الحديث ضعيف، كما سيأتي قريبًا.

٢٠٧
٥- (بَأَبُ نَعْتِ الإِسْلام) - حديث رقم ٤٩٩٢
فِيهَا مِصْبَاٌ الْمِصْبَاحُ فِ زُجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَّا كَوَكَبُ دُرِىٌ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَرَكَةٍ زَيْتُونٍَ لَّا شَرْقِيَّةٍ
وَلَا غَرِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىّءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِى اللّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ
اللَّهُ الْأَّثَلَ لِلنَّاسِنَّ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٥]. قال أبيّ بن كعب وغيره من
السلف: مثل نوره في قلب المؤمن. فمن وصل إلى هذا المقام فقد وصل إلى نهاية
الإحسان، وصار الإيمان لقلبه بمنزلة العيان، فعرف ربّه، وأنس به في خلوته، وتنعم
بذكره، ومناجاته، ودعائه، حتى ربما استوحش من خلقه، كما قال بعضهم: عجبت
للخليقة كيف أَنَسَتْ بسواك؟ بل عجبتُ للخليقة كيف استنارت قلوبها بذكر سواك.
وقيل لآخر: أما تستوحش؟ قال: كيف أستوحش، وهو يقول: أنا جليس من ذكرني؟.
وقيل لآخر: أما تستوحش وحدك؟ قال: ويستوحش مع الله أحد؟. وكان حبيب أبو
محمد يخلو في بيته، ويقول: من لم تقرّ عينه بك، فلا قرّت عينه، ومن لم يأنس بك،
فلا أَنِس. وقال الفضيل: طوبى لمن استوحش من الناس، وكان اللَّه جليسه. وقال
معروف لرجل: توكّل على الله حتى يكون جليسك، وأنيسك، وموضع شكواك. وقال
ذو النون: علامة المحبّين لله أن لا يأنسوا بسواه، ولا يستوحشوا معه، ثم قال: إذا
سكن القلبَ حبُّ اللَّه أنس بالله؛ لأن اللَّه أجلّ في صدور العارفين أن يُحبّوا غيره.
وقوله وَ له: ((اعبد الله كأنك تراه)) إشارة إلى أن العابد يتخيّل ذلك في عبادته، لا أنه
يراه حقيقة ببصره، ولا بقلبه.
وأما من زعم أن القلوب تصل في الدنيا إلى رؤية الله عيانًا، كما تراه الأبصار في
الآخرة، كما يزعم ذلك من يزعمه من الصوفيّة، فهو زعم باطلٌ، فإن هذا المقام هو
الذي قال من قال من الصحابة، كأبي ذرّ، وابن عباس، وغيرهما، ورُوي عن عائشة
أيضًا أنه حصل للنبيّ وَّ مرّتين. وروي في ذلك أحاديث مرفوعة أيضًا. وكذا قال
جماعة من التابعين: إنه رآه بقلبه، منهم الحسن، وأبو العالية، ومجاهد، وعبد الله بن
الحارث بن نوفل، وإبراهيم التيميّ، فلو كان هؤلاء لا يعتقدون أن رؤية القلب مشتركة
بين الأنبياء وغيرهم، لم يكن في تخصيص النبيّ بَله بذلك مزيّة له، ولا سيما، وإنما
قالوا: إنها حصلت له مرّتين، فإن هؤلاء الصوفيّة يزعمون أن رؤية القلب تصير حالًا،
ومقامًا دائمًا، أو غالبًا لهم، ومن هنا ينشأ تفضيل الأولياء على الأنبياء، ويتفرّع على
ذلك أنواع من الضلالات، والمحالات، والجهالات، والله يهدي من يشاء إلى صراط
مستقيم .
فهذه المقامات الثلاث: الإسلام، والإيمان، والإحسان يشملها اسم الدين، فمن

٢٠٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ
استقام على الإسلام إلى موته عصمه الإسلام من الخلود في النار، وإن دخلها بذنوبه،
ومن استقام على الإِحسان إلى الموت، وصل إلى الله عز وجل، قال تعالى: ﴿لِلَِّينَ
أَحْسَنُواْ الْمُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، وقد فسّر النبيّ وَّر الزيادة بالنظر إلى وجه الله.
خرّجه مسلم من حديث صهيب. انتهى كلام الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في
((شرح البخاريّ)) ١/ ٢١١-٢١٥ وهو تحقيق مفيد جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب .
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في معنى قوله وَ له: ((أن تلد الأمة ربتها)):
قال الحافظ رحمه اللّه تعالى في ((الفتح)): وقد اختلف العلماء قديما وحديثا، في
معنى ذلك، قال ابن التين: اختلف فيه على سبعة أوجه: فذكرها، لكنها متداخلة، وقد
لخصتها بلا تداخل، فإذا هي أربعة أقوال:
[الأول]: قال الخطابي: معناه اتساع الإسلام، واستيلاء أهله على بلاد الشرك،
وسبي ذراريهم، فإذا ملك الرجل الجارية، واستولدها، كان الولد منها بمنزلة ربها؛ لأنه
ولد سيدها. قال النووي، وغيره: إنه قول الأكثرين.
قال الحافظ: لكن في كونه المراد نظر؛ لأن استيلاد الإماء كان موجودا، حين
المقالة، والاستيلاء على بلاد الشرك، وسبي ذراريهم، واتخاذهم سراريّ، وقع أكثره في
صدر الإسلام، وسياق الكلام يقتضي الإشارة إلى وقوع ما لم يقع، مما سيقع قرب قيام
الساعة، وقد فسره وكيع في رواية ابن ماجه، بأخصّ من الأول، قال: أن تلد العجم
العرب، ووجهه بعضهم بأن الإماء، يلدن الملوك، فتصير الأم من جملة الرعية، والملك
سيد رعيته، وهذا لإبراهيم الحربي، وقَرَّبَهُ بان الرؤساء في الصدر الأول، كانوا
يستنكفون غالبا من وطء الإماء، ويتنافسون في الحرائر، ثم انعكس الأمر، ولا سيما في
أثناء دولة بني العباس، ولكن رواية: ((ربتها)) بتاء التأنيث، قد لا تساعد على ذلك،
ووجهه بعضهم بأن إطلاق ربتها على ولدها مجاز؛ لأنه لما كان سببا في عتقها بموت
أبيه، أطلق عليه ذلك، وخصه بعضهم بأن السبي إذا كثر، فقد يُسبَى الولد أولا، وهو
صغير، ثم يُعتَق، ويكبر، ويصير رئيسا، بل ملكا، ثم تُسبى أمه فيما بعدُ، فيشتريها
عارفا بها، أو وهو لا يشعر أنها أمه، فيستخدمها، أو يتخذها موطوءة، أو يُعتقها
ويتزوجها، وقد جاء في بعض الروايات: ((أن تلد الأمة بَعْلها))، وهي عند مسلم،
فتُحمل على هذه الصورة، وقيل: المراد بالبعل المالك، وهو أولى؛ لتتفق الروايات.
[الثاني]: أن تبيع السادة أمهات أولادهم، ويكثر ذلك، فيتداول الملاك المستولدة،
حتى يشتريها ولدها، ولا يشعر بذلك، وعلى هذا فالذي يكون من الأشراط غلبة الجهل

٥- (بَأَبُ نَعْتِ الإِسْلام) - حديث رقم ٤٩٩٢
٢٠٩ =
بتحريم بيع أمهات الأولاد، أو الاستهانة بالأحكام الشرعية.
[فإن قيل]: هذه المسألة مختلف فيها، فلا يصلح الحمل عليها؛ لأنه لا جهل، ولا
استهانة عند القائل بالجواز.
[قلنا]: يصلح أن يحمل على صورة اتفاقية، كبيعها في حال حملها، فإنه حرام
بالإجماع. [الثالث]: وهو من نمط الذي قبله، قال النووي: لا يختص شراء الولد أمه
بأمهات الأولاد، بل يُتصور في غيرهن، بأن تلد الأمة حرا من غير سيدها، بوطء
شبهة، أو رقيقا بنكاح، أو زنا، ثم تباع الأمة في الصورتين بيعا صحيحا، وتدور في
الأيدي، حتى يشتريها ابنها، أو ابنتها، ولا يعكُر على هذا تفسير محمد بن بشر، بأن
المراد السراري؛ لأنه تخصيص بغير دليل.
[الرابع]: أن يكثر العقوق في الأولاد، فيعامل الولد أمه، معاملة السيد أمته، من
الإهانة بالسب، والضرب، والاستخدام، فأطلق عليه ربها مجازا لذلك، أو المراد
بالرب المربي، فيكون حقيقة.
قال الحافظ: وهذا أَوْجَهُ الأَوْجُه عندي؛ لعمومه، ولأن المقام يدل على أن المراد
حالة، تكون مع كونها تدل على فساد الأحوال، مستغربةً.
ومُحَصَّله الإشارة إلى أن الساعة، يقرب قيامها عند انعكاس الأمور، بحيث يصير
الْمُرَبَّى مُرَبِّيًا، والسافل عاليا، وهو مناسب لقوله في العلامة الأخرى: ((أن تصير الحفاة
ملوك الأرض».
(تنبيهان):
[أحدهما]: قال النووي: ليس فيه دليل على تحريم بيع أمهات الأولاد، ولا على
جوازه، وقد غَلِطَ مَنِ اسْتَدَلَّ به لكلِّ من الأمرين؛ لأن الشيء إذا جُعل علامةً على شيء
آخر، لا يدل على حظر، ولا إباحة.
[الثاني]: يُجمَع بين ما في هذا الحديث، من إطلاق الرب على السيد المالك، في
قوله: ((ربها))، وبين ما في الحديث الآخر، وهو في ((الصحيح)): ((لا يَقُل أحدكم:
أطعم ربك، وَضِّئ ربك، اسق ربك، وليقل: سيدي، ومولاي))، بأن اللفظ هنا خرج
على سبيل المبالغة، أو المراد بالرب هنا المربي، وفي المنهي عنه السيد، أو أن النهي
عنه متأخر، أو مختص بغير الرسول وَلّر. انتهى ((فتح)) ١٦٧/١-١٦٨. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في ((العقيدة الواسطية)):
وتؤمن الفرقة الناجية من أهل السنة والجماعة بالقدر خيره وشرّه، والإيمان بالقدر على

٢١٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ
درجتين، كلّ درجة تتضمّن شيئين: فالدرجة الأولى بأن الله تعالى عليم بالخلق، وهم
عاملون بعلمه القديم الذي هو موصوف به أزلًا وأبدًا، وعلم جميع أحوالهم من
الطاعات، والمعاصي، والأرزاق، والآجال، ثم كتب اللَّه في اللوح المحفوظ مقادير
الخلق، فأول ما خلق اللَّه القلم، قال له: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو
كائن إلى يوم القيامة، فما أصاب الإنسان، لم يكن ليُخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه،
جفّت الأقلام، وطُويت الصحف، كما قال تعالى: ﴿أَلَمّ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِ السَّمَآءِ
وَاْأَرْضِّ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَبٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠]، وقال تعالى: ﴿مَآ أَصَابَ
مِن مُصِيبَةٍ فِ الْأَرْضِ وَلَا فِىّ أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِ كِتَبٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَهَاْ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ
يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢]، وهذا التقدير التابع لعلمه سبحانه وتعالى يكون في مواضع جملة
وتفصيلًا، فقد كتب في اللوح المحفوظ ما شاء، وإذا خلق جسد الجنين قبل نفخ الروح
فيه بعث إليه ملكًا، فيؤمر بأرع كلمات، فيقال له: اكتب رزقه، وأجله، وعمله،
وشقيّ، أم سعيد، ونحو ذلك، فهذا التقدير قد كان ينكره غُلاة القدريّة قديمًا، ومنكروه
اليوم قليل.
وأما الدرجة الثانية: فهي مشيئة الله النافذة، وقدرته الشاملة، وهو الإيمان بأن ما شاء
اللَّه كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه ما في السموات، وما في الأرض من حركة، ولا
سكون إلا بمشيئة الله سبحانه وتعالى، لا يكون في ملكه ما لا يُريد، وأنه سبحانه
وتعالى على كل شيء قدير من الموجودات، والمعدومات، فما من مخلوق في
الأرض، ولا في السماء إلا الله خالقه سبحانه وتعالى، لا خالق غيره، ولا ربّ سواه،
ومع ذلك فقد أمر العباد بطاعته، وطاعة رسله، ونهاهم عن معصيته، وهو سبحانه
وتعالى يحبّ المتّقين، والمحسنين، والمقسطين، ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا
الصالحات، ولا يُحبّ الكافرين، ولا يرضى عن القوم الفاسقين، ولا يأمر بالفحشاء،
ولا يرضى لعباده الكفر، ولا يحبّ الفساد. والعباد فاعلون حقيقة، والله خالق
أفعالهم، والعبد هو المؤمن، والكافر، والبرّ، والفاجر، والمصلّي، والصائم، وللعباد
قدرة على أعمالهم، ولهم إرادة، والله خالقهم، وقدرَتهم، وإرادَتَهم، كما قال تعالى:
وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّ أَنْ يَشَآءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٨-
(٢٨
﴿لِمَنْ شَآءُ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (®
٢٩].
وهذه الدرجة من القدَر يُكذّب بها عامّة القدريّة الذين سمّاهم النبيّ وَّ مجوس هذه
الأمة، ويغلو فيها قوم من أهل الإثبات حتى سلبوا العبد قدرته، واختياره، ويُخرجون
عن أفعال الله، وأحكامه حكمها، ومصالحها. انتهى كلام شيخ الإسلام رحمه الله

٥ - (بَأَبُ نَعْتِ الإِسْلَامِ) - حديث رقم ٤٩٩٢
٢١١ =
تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): في بحث مهمّ يتعلّق بالإيمان، قد خالف فيه طوائف من
المتأخّرين هدي رسول اللَّه ◌َ لهو الذي أرسله الله تعالى لهداية الخلق أجمعين، وهدي
أصحابه الأکرمین، ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين:
قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: مذهب السلف، وأئمة الفتوى من الخلف أن من
صدّق بهذه الأمور تصديقًا جزمًا، لا ريب فيه، ولا تردّد، ولا توقّف، كان مؤمنًا
حقيقةً، وسواء كان ذلك عن براهين ناصعة، أو عن اعتقادات جازمة، على هذا
انقرضت الأعصار الكريمة، وبهذا صرّحت فتاوى أئمة الهدى المستقيمة، حتى حدثت
مذاهب المعتزلة المبتدعة، فقالوا: إنه لا يصحّ الإيمان الشرعيّ إلا بعد الإحاطة
بالبراهين العقليّة والسمعيّة، وحصول العلم بنتائجها، ومطالبها، ومن لم يحصُل إيمانه
كذلك، فليس بمؤمن، ولا يجزىء إيمانه بغير ذلك، وتبعهم على ذلك جماعة من
متكلّمي أصحابنا، كالقاضي أبي بكر، وأبي إسحاق الإسفراينيّ، وأبي المعالي في أول
قوليه، والأول هو الصحيح؛ إذ المطلوب من المكلّفين ما يقال عليه: إيمان، كقوله
تعالى: ﴿ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، ﴿وَمَن لَّمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، والإيمان هو التصديق لغةً
وشرعًا، فمن صدّق بذلك كلّه، ولم يجوّز نقيض شيء من ذلك، فقد عمل بمقتضى ما
أمره الله تعالى به على نحو ما أمره الله تعالى، ومن كان كذلك، فقد تفصّى عن عهدة
الخطاب؛ إذ قد عمل بمقتضى السنّة والكتاب؛ ولأن رسول اللَّه وَله، وأصحابه بعده
حكموا بصحّة إيمان كلّ من آمن وصدّق بما ذكرناه، ولم يفرّقوا بين من آمن عن برهان،
أو عن غيره؛ ولأنهم لم يأمروا أجلاف العرب بترديد النظر، ولا سألوهم عن أدلّة
تصديقهم، ولا أرجؤوا إيمانهم حتى ينظروا، وتحاشوا عن إطلاق الكفر على أحد منهم،
بل سمَّوهم المؤمنين، والمسلمين، وأجروا عليهم أحكام الإيمان والإسلام؛ ولأن
البراهين التي حرّرها المتكلّمون، ورتّبها الجدليّون، إنما أحدثها المتأخّرون، ولم
يخُض في شيء تلك الأساليب السلف الماضون، فمن المحال والْهَذَّيَان أن يُشترط في
صحّة الإيمان ما لم يكن معروفًا، ولا معمولا به لأهل ذلك الزمان، وهم من هم؟ فهمًا
عن اللّه تعالى، وأخذًا عن رسول اللَّه وَلَّ، وتبليغًا لشريعته، وبيانًا لسنّته، وطريقته.
انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى ((المفهم)) ١٤٥/١-١٤٦.
١
، وقد ذكر الحافظ رحمه الله تعالى في ((الفتح)) بحثًا نفيسًا، مستقصيًا للموضوع، عند
شرح حديث بعث معاذ ◌َّه إلى اليمن، فقال عند قوله: («فليكن أول ما تدعوهم إلى
أن يوحّدوا اللَّه، فإذا عرفوا ذلك ... )) الحديث: ما نصّه: وقد تمسك به من قال: أول

٢١٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ
واجب المعرفةُ، كإمام الحرمين، واستَدَلّ بأنه لا يتأتى الإتيان بشيء من المأمورات،
على قصد الامتثال، ولا الانكفاف عن شيء، من المنهيات على قصد الانزجار، إلا
بعد معرفة الآمر والناهي. واعتُرِض عليه بأن المعرفة لا تتأتى إلا بالنظر والاستدلال،
وهو مقدمة الواجب، فيجب، فيكون أول واجب النظرٌ، وذهب إلى هذا طائفة، كابن
فورك.
وتُعُقّب بأن النظر ذو أجزاء، يترتب بعضها على بعض، فيكون أول واجب جزأ من
النظر، وهو محكيّ عن القاضي أبي بكر بن الطيب، وعن الأستاذ أبي إسحاق
الإسفرايني، أول واجب القصد إلى النظر، وجمع بعضهم بين هذه الأقوال، بأن من
قال: أول واجب المعرفة، أراد طلبا وتكليفا، ومن قال: النظر، أو القصد أراد امتثالاً؛
لأنه يُسَلّم أنه وسيلة إلى تحصيل المعرفة، فيدل ذلك على سبق وجوب المعرفة.
قال: وقد ذكرتُ في ((كتاب الإيمان)) من أعرض عن هذا من أصله، وتَمَسَّكَ بقوله
تعالى: ﴿فَقِمْ وَجْهَكَ لِلِينِ حَنِيفَأْ فِطْرَتَ اَللَّهِ الَّتِىِ فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهًا﴾ [الروم: ٣٠]،
وحديث: ((كلُّ مولود يولد على الفطرة ... ))، فإن ظاهر الآية والحديث أن المعرفة
حاصلة بأصل الفطرة، وأن الخروج عن ذلك يطرأ على الشخص؛ لقوله عليه الصلاة
والسلام: ((فأبواه بَّهَوِّدانه، وينصرانه))، وقد وافق أبو جعفر السمناني، وهو من رءوس
الأشاعرة على هذا، وقال: إن هذه المسألة بقيت في مقالة الأشعري، من مسائل
المعتزلة، وتفرع عليها أن الواجب على كل أحد معرفة اللَّه بالأدلة الدالة عليه، وأنه لا
یکفي التقليد في ذلك. انتهى.
قال: وقرأت في جزء من كلام شيخ شيخنا الحافظ صلاح الدين العلائي: ما
ملخصه: إن هذه المسألة مما تناقضت فيها المذاهب، وتباينت بين مُفَرِّط، ومُفْرِط،
ومتوسط :
فالطرف الأول: قول من قال: يكفي التقليد المحض في إثبات وجود الله تعالى،
ونفي الشريك عنه، وممن نسب إليه إطلاق ذلك عبيد الله بن الحسن العنبري، وجماعة
من الحنابلة، والظاهرية، ومنهم من بالغ، فَحَرَّم النظر في الأدلة، واستند إلى ما ثبت
عن الأئمة الكبار، من ذم الكلام كما سيأتي بيانه.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا المذهب هو الحقّ الذي كان عليه السالف
الصالح، كما سبق في كلام القرطبيّ، ويأتي أيضًا، فليس فيه تفريط، كما يدلّ عليه
کلام العلائيّ هذا، فتبصر بالإنصاف، ولا تتحيّر بالاعتساف، ونسأل الله تعالی أن يهدينا
إلى سواء السبيل.

٢١٣ =
٥- (بابُ نَعْتِ الإِسْلَام) - حديث رقم ٤٩٩٢
قال: والطرف الثاني: قول من وَقَفَ صحة إيمان كل أحد على معرفة الأدلة، من
علم الكلام، ونُسب ذلك لأبي إسحاق الإسفرايني، وقال الغزالي: أسرفت طائفة،
فكفروا عوام المسلمين، وزعموا أن من لم يعرف العقائد الشرعية، بالأدلة التي
حرروها، فهو كافر، فضيقوا رحمة الله الواسعة، وجعلوا الجنة مختصة بشرذمة يسيرة
من المتكلمين، وذكر نحوه أبو المظفر ابن السمعانيّ، وأطال في الرد على قائله، ونقل
عن أكثر أئمة الفتوى أنهم قالوا: لا يجوز أن تكلف العوام اعتقاد الأصول بدلائلها؛ لأن
في ذلك من المشقة أشد من المشقة في تعلم الفروع الفقهية.
قال: وأما المذهب المتوسط، فذكره، وسأذكره مُلَخَّصًا بعد هذا.
وقال القرطبي في ((المفهم)) في شرح حديث: ((أبغض الرجال إلى اللَّه الألد
الخصم))، الذي تقدم شرحه في أثناء ((كتاب الأحكام))، وهو في أوائل ((كتاب العلم)) من
((صحيح مسلم)): هذا الشخص الذي يبغضه الله، هو الذي يقصد بخصومته مدافعة
الحق، ورده بالأوجه الفاسدة، والشُّبَه الموهمة، وأشد ذلك الخصومة في أصول
الدين، كما يقع لأكثر المتكلمين، المعرضين عن الطرق التي أرشد إليها كتاب الله،
وسنة رسوله وَله، وسلف أمته، إلى طرق مبتدعة، واصطلاحات مخترعة، وقوانين
جدلية، وأمور صناعية، مدار أكثرها على آراء سوفسطائية، أو مناقضات لفظية، ينشأ
بسببها على الآخذ فيها شُبَةٌ، ربما يعجز عنها، وشكوك يذهب الإيمان معها، وأحسنهم
انفصالا عنها أجدلهم، لا أعلمهم، فكم من عالم بفساد الشبهة، لا يقوى على حلها،
وكم من منفصل عنها، لا يدرك حقيقة علمها، ثم إن هؤلاء المتكلّمين قد ارتكبوا أنواعا
من المحال، لا يرتضيها الْبُلْهُ، ولا الأطفال، لَمَّا بحثوا عن تحيز الجواهر، والأكوان،
والأحوال، ثم إنهم أخذوا يبحثون فيما أمسك عنه السلف الصالح، ولم يوجد عنهم
بحثٌ واضح، وهو كيفية تعلقات صفات اللّه تعالى، وتعديدها، واتحادها في نفسها،
وهل هي الذات أو غيرها؟، وفي الكلام، هل هو متحد، أو منقسم؟، وعلى الثاني،
هل ينقسم بالنوع، أو الوصف؟، وكيف تعلق في الأزل بالمأمور، مع كونه حادثا؟، ثم
إذا انعدم المأمور، فهل يبقى ذلك التعلق؟، وهل الأمر لزيد بالصلاة مثلا، هو نفس
الأمر لعمرو بالزكاة؟ إلى غير ذلك من الأبحاث المبتدعة، التي لم يأمر الشارع بالبحث
عنها، وسكت عنها الصحابة ، ومن سلك سبيلهم، بل نهوا عن الخوض فيها؛
لعلمهم بأنه بحث عن كيفية ما لا تعلم كيفيته بالعقل، لكون العقول لها حد تقف عنده،
وهو العجز عن التكييف، لا يتعدّاه، ولا فرق بين البحث عن كيفية الذات، وكيفية
الصفات، ولذلك قال العليم الخبير: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾

٢١٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ
[الشورى: ١١]، ومن توقف في هذا، فليعلم أنه إذا كان حُجِب عن كيفية نفسه، مع
وجودها، وعن كيفية إدراك ما يدرك به، فهو عن إدراك غيره أعجز.
وغاية علم العلماء، وإدراك عقول الفضلاء أن يقطعوا بوجود فاعل لهذه
المصنوعات، منزه عن الشبيه، مقدس عن النظير، متصف بصفات الكمال.
ثم متى ثبت النقل، وأخبرنا الصادقون عنه بشيء من أوصافه، وأسمائه قبلناه،
واعتقدناه، وما لم يتعرّضوا له، سكتنا عنه، وتركنا الخوض فيه، وهذه طريقة السلف،
وما سواها مَهَاوٍ، وتَلَف، ويكفي في الردع عن الخوض في طرق المتكلمين، ما قد ورد
في ذلك عن الأئمة المتقدمين، فمن ذلك قول عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: من
جعل دينه غَرَضًا للخصومات، أكثر الشغل، والدين قد فُرغ منه، ليس بأمر يؤتكف على
النظر فيه. وقال مالك بن أنس رحمه الله تعالى: ليس هذا الجدال من الدين في شيء،
وقال: كان يقال: لا تمكّن زائغ القلب من أذنك، فإنك لا تدري ما يَعلق من ذلك.
وقال الشافعي رحمه الله تعالى: لأن يُبتَلَى العبد بكلّ ما نهى اللَّه عنه ما عدا الشرك خير
له من أن ينظر في علم الكلام، وإذا سمعت من يقول: الاسم هو المسمّى، أو غير
المسمّى، فاشهد أنه من أهل الكلام، ولا دين له. قال: وحكمي في أهل الكلام أن
يُضربُوا بالجريد، ويُطاف بهم في العشائر، والقبائل، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب
والسنّة، وأخذ في الكلام. وقال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: لا يُفلح
صاحب الكلام أبدًا، علماء الكلام زنادقة. وقال ابن عقيل: قال بعض أصحابنا: أنا
أقطع أن الصحابة ** ماتوا، وما عرفوا الجوهر والعرض، فإن رضِيت أن تكون مثلهم
فكن، وإن رأيت طريقة المتكلّين أولى من طريقة أبي بكر، وعمر، فبئسما رأيته. قال:
وقد أفضى هذا الكلام بأهله إلى الشكوك، وبكثير منهم إلى الإلحاد، وببعضهم إلى
التهاون بوظائف العبادات، وسبب ذلك إعراضهم عن نصوص الشارع، وتطلبهم حقائق
الأمور من غيره، وليس في قوة العقل ما يدرك ما في نصوص الشارع من الحكم التي
استأثر بها، ولو لم يكن في الجدال، إلا أن النبيّ وَلّ قد أخبر أنه الضلال، كما قال فيما
خرّجه الترمذيّ: ((ما ضلّ قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل))، وقال: إنه
(١)
صحيح (١) .
قال: وقد رجع كثير من أئمة المتكلّمين عن الكلام، بعد انقضاء أعمار مديدة، وآماد
بعيدة، لَمّا لطف الله تعالى بهم، وأظهر لهم آياته، وباطن برهانه، فمنهم: إمام
(١) وقال الشيخ الألباني رحمه الله تعالى: حسن. انظر ((صحيح الجامع الصغير)) ٢/ ٩٨٤.

٢١٥ =
٥- (بَابُ نَعْتِ الإِسْلام) - حديث رقم ٤٩٩٢
المتكلّمين أبو المعالي امام الحرمين (ت٤٧٨هـ)، فقد حكى عنه الثقات أنه قال: لقد
خلّيت أهل الإسلام، وعلومهم، وركبت البحر الأعظم، وغُصت في كل شيء، نَّى
عنه أهل العلم رغبةً في طلب الحق، وهربًا من التقليد، والآن فقد رجعت عن الكلّ إلى
كلمة الحقّ، عليكم بدين العجائز، وأختم عاقبة أمري عند الرحيل بكلمة الإخلاص،
والويل لابن الْجُوَينيّ.
وقال لأصحابه عند موته: يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام، فلو عرفت أنه يبلغ بي ما
بلغتُ، ما تشاغلت به. وقال أحمد بن سنان: كان الوليد بن أبان الكرابيسيّ خالي، فلما
حضرته الوفاة قال لبنيه: تعلمون أحدًا أعلم مني؟ قالوا: لا، قال: فتَتَّهِموني؟ قالوا:
لا، قال: فإني أوصيكم، أفتقبلون؟ قالوا: نعم، قال: عليكم بما عليه أصحاب
الحديث، فإني رأيت الحقّ معهم. وقال أبو الوفاء ابن عَقِيل: لقد بالغت في الأصول
طول عمري، ثم عُدتُ القهقرى إلى مذهب المكتب. وهذا الشهرستاني، صاحب
(نهاية الإقدام في علم الكلام)) وصف حاله فيما وصل إليه من علم الكلام، وماناله،
فتمثّل بما قاله:
لَعَمْرِي لَقَدْ طُفْتُ الْمَعَاهِدَ كُلَّهَا وَصَيَّرْتُ طَرْفِي بَيْنَ تِلْكَ الْمَعَالِمِ
فَلَمْ أَرَ إِلَّا وَاضِعًا كَفَّ حَائِرٍ عَلَى ذَقَنٍ أَوْ قَارِعٍ سِنَّ نَادِمٍ
ثم قال: عليكم بدين العجائز، فإنه أسنى الجوائز.
قال القرطبي: ولو لم يكن في الكلام شيء يُذمُّ به إلا مسئلتان، هما من مبادئه، لكان
حقیقا بالذم، وجديرًا بالذكر:
[إحداهما]: قول طائفة منهم: إن أول الواجبات الشك في اللّه تعالى؛ إذ هو اللازم
عن وجوب النظر، أو القصد إلى النظر، واليه أشار الإمام بقوله: ركبت البحر.
[والثانية]: قول جماعة منهم إن من لم يعرف الله تعالى بالطرق التي طرّقوها،
والأبحاث التي حرّروها، فلا يصح إيمانه، وهو كافر، فيلزمهم على هذا تكفير أكثر
المسلمين، من السلف الماضين، وأئمة المسلمين، وأن من يبدأ بتكفيره أباه،
وأسلافه، حتى لقد أورد على بعضهم أن هذا يلزم منه تكفير أبيك، وأسلافك،
وجيرانك، فقال: لا تُشَنّع علي بكثرة أهل النار. قال: وقد رَدّ بعض من لم يقل بهاتين
المسألتين من المتكلّين ما على من قال بهما، بطريق من النظر والاستدلال؛ بناء منهم
على أن هاتين المسألتين نظريّتان، وهذا خطأ فاحشٌ، فالكلّ يُخَطِّئون، الطائفة الأولى
بأصل القول بالمسألتين، والثانية بتسليم أن فسادها ليس بضروريّ، ومن شكّ في تكفير
من قال: إن الشكّ في اللّه تعالى واجب، وأن معظم الصحابة، والمسلمين كفّار، فهو

٢١٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ
كافر شرعًا، أو مُختلّ العقل وضعًا، إذ كلّ واحدة منهما معلومة الفساد بالضرورة
الشرعيّة الحاصلة بالأخبار المتواترة القطعيّة، وإن لم يكن كذلك، فلا ضروريّ يُصار
إليه في الشرعيّات، ولا العقليّات، عصمنا اللَّه تعالى من بِدَع المبتدعين، وسلك بنا
طرُق السلف الماضين، وإنما طوّلت في هذه المسألة الأنفاس من هذه البدع في الناس،
ولأنه قد اغترّ كثير من الجهال بزخرف تلك الأقوال، وقد بذلت ما وجب عليّ من
النصيحة، والله تعالى يتولّى إصلاح القلوب الجريحة. انتهى كلام القرطبيّ ((المفهم))
٦٩٠/٦-٦٩٤. ببعض تغيير من ((الفتح)).
وقال الآمدي في ((أبكار الأفكار)): ذهب أبو هاشم من المعتزلة، إلى أن من لا يعرف
اللَّه بالدليل، فهو كافر؛ لأن ضد المعرفة النكرة، والنكرة كفر، قال: وأصحابنا
مجمعون على خلافه، وإنما اختلفوا فيما إذا كان الاعتقاد موافقا، لکن عن غیر دلیل،
فمنهم من قال: إن صاحبه مؤمن عاص بترك النظر الواجب، ومنهم من اكتفى بمجرد
الاعتقاد الموافق، وإن لم يكن عن دليل، وسماه علمًا، وعلى هذا فلا يلزم من حصول
المعرفة بهذا الطريق، وجوب النظر، وقال غيره: من منع التقليد، وأوجب الاستدلال،
لم يرد التعمق في طرق المتكلمين، بل اكتفى بما لا يخلو عنه من نشأ بين المسلمين،
من الاستدلال بالمصنوع على الصانع، وغايته أنه يحصل في الذهن، مقدمات
ضرورية، تتألف تألفا صحيحا، وتنتج العلم، لكنه لو سُئل كيف حصل له ذلك؟ ما
اهتدى للتعبير به، وقيل: الأصل في هذا كله المنع من التقليد، في أصول الدين، وقد
انفصل بعض الأئمة عن ذلك، بأن المراد بالتقليد أخذ قول الغير بغير حجة، ومن قامت
عليه حجة بثبوت النبوة، حتى حصل له القطع بها، فمهما سمعه من النبي بَّ، كان
مقطوعا عنده بصدقه، فإذا اعتقده لم يكن مقلدا؛ لأنه لم يأخذ بقول غيره بغير حجة،
وهذا مستند السلف قاطبة، في الأخذ بما ثبت عندهم من آيات القرآن، وأحاديث النبي
وَّله، فيما يتعلق بهذا الباب، فآمنوا بالمحكم من ذلك، وفوضوا أمر المتشابه منه إلى
ربهم، وإنما قال من قال: إن مذهب الخلف أحكم بالنسبة إلى الرد على من لم يثبت
النبوة، فيحتاج من يريد رجوعه إلى الحق أن يقيم عليه الأدلة إلى أن يُذعن، فيسلم، أو
يعاند فيهلك، بخلاف المؤمن، فإنه لا يحتاج في أصل إيمانه إلى ذلك، وليس سبب
الأول إلا جعل الأصل عدم الإيمان، فلزم إيجاب النظر المؤدي إلى المعرفة، وإلا
فطريق السلف أسهل من هذا، كما تقدم إيضاحه من الرجوع إلى ما دلت عليه
النصوص، حتى يحتاج إلى ما ذكر من إقامة الحجة على من ليس بمؤمن، فاختلط الأمر
على من اشترط ذلك، والله المستعان.

٢١٧
٥- (بَبُ نَعْتِ الإِسْلامِ) - حديث رقم ٤٩٩٢
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ردّ من لم يُثبِتِ النبوّة لا یکون بما سلكه المتكلّمون
من النظر، وإنما يكون بما جاء عن رسول الله آلټ، واقتدى به في ذلك أصحابه *ٹه ،
ومن تبعهم بإحسان، من إقامة الحجة على من لم يُثبت نبوته بَّر، فليس هذا النفي
جديدا في الأمة، وإنما هو من أول ما جاء الإسلام، فقد قال الله تعالى: ﴿وَيَقُولُ
الَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ الآية [الرعد: ٤٣]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْلَكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ
إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِى بَعَنَ اَللَّهُ رَسُولًا﴾ الآية [الفرقان: ٤١]، إلى غير ذلك من الآيات،
فالطريق الذي سلكه وَ يّر في إقناع هؤلاء ونحوهم، وإلزامهم الحجج القاهرة لهم، هو
الطريق الصحيح، وأما طريق المكتلمين، فضلال مبين، فتنبّه لهذا هداني الله وإياك إلى
الصراط المستقيم.
واحتج بعض من أوجب الاستدلال، باتفاقهم على ذم التقليد، وذكروا الآيات،
والأحاديث الواردة في ذم التقليد، وبأن كل أحد قبل الاستدلال، لا يدري أيّ الأمرين
هو الهدى؟، وبأن كل ما لا يصح إلا بالدليل، فهو دعوى لا يعمل بها، وبأن العلم
اعتقاد الشيء على ما هو عليه، من ضرورة، أو استدلال، وكل ما لم يكن علما فهو
جهل، ومن لم يكن عالما فهو ضال.
والجواب عن الأول أن المذموم من التقليد أخذ قول الغير بغير حجة، وهذا ليس منه
حكم رسول اللّه وَ له، فإن الله أوجب اتباعه في كل ما يقول، وليس العمل فيما أمر به،
أو نهى عنه داخلا تحت التقليد المذموم اتفاقا، وأما من دونه، ممن اتبعه في قول قاله،
واعتقد أنه لو لم يقله لم يقل هو به، فهو المقلد المذموم، بخلاف ما لو اعتقد ذلك في
خبر الله ورسوله، فإنه يكون ممدوحا.
وأما احتجاجهم بأن أحدا لا يدري قبل الاستدلال، أيّ الأمرين هو الهدى، فليس
بمسلم، بل من الناس من تطمئن نفسه، وينشرح صدره للإسلام من أول وهلة، ومنهم
من يتوقف على الاستدلال، فالذي ذكروه هم أهل الشق الثاني، فيجب عليه النظر ليقي
نفسه النار؛ لقوله تعالى: ﴿قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيَكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦]، ويجب على كل من
استرشده أن يرشده، ويبرهن له الحق، وعلى هذا مضى السلف الصالح، من عهد النبي
وَل وبعده .
وأما من استقرت نفسه إلى تصديق الرسول، ولم تنازعه نفسه إلى طلب دليل، توفيقا
من اللَّه وتيسيرا، فهم الذين قال اللّه في حقهم: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَنَ وَزَيَّنَُّ فِى
قُلُوبِكُمْ﴾ الآية [الحجرات: ٧]، وقال: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِّ﴾
الآية [الأنعام: ١٢٥]، وليس هؤلاء مقلدين لآبائهم، ولا لرؤسائهم؛ لأنهم لو كَفَر

٢١٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ
آباؤهم، أو رؤساؤهم لم يتابعوهم، بل يجدون النفرة عن كل من سمعوا عنه ما يخالف
الشريعة، وأما الآيات والأحاديث، فإنما وردت في حق الكفار، الذين اتبعوا من نُوا
عن اتباعه، وتركوا اتباع من أَمِروا باتباعه، وإنما كلفهم اللَّه الإتيان ببرهان على
دعواهم، بخلاف المؤمنين، فلم يَرِد قط أنه أسقط اتباعهم حتى يأتوا بالبرهان، وكل من
خالف الله ورسوله، فلا برهان له أصلا، وإنما كلف الإتيان بالبرهان، تبكيتا وتعجيزا،
وأما من اتبع الرسول فيما جاء به، فقد اتبع الحق الذي أمر به، وقامت البراهين على
صحته، سواء علم هو بتوجيه ذلك البرهان، أم لا .
وقول من قال منهم: إن اللَّه ذكر الاستدلال، وأمر به مُسَلَّم، لكن هو فعل حسن
مندوب، لكل من أطاقه، وواجب على كل من لم تسكن نفسه إلى التصديق، كما تقدم
تقريره. وبالله التوفيق.
وقال غيره: قول من قال: طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أحكم، ليس
بمستقيم؛ لأنه ظن أن طريقة السلف مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث، من غير فقه
في ذلك، وأن طريقه الخلف، هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها،
بأنواع المجازات، فجمع هذا القائل بين الجهل بطريقة السلف، والدعوى في طريقة
الخلف، وليس الأمر كما ظن، بل السلف في غاية المعرفة بما يليق باللّه تعالى، وفي
غاية التعظيم له، والخضوع لأمره، والتسليم لمراده، وليس من سلك طريق الخلف
واثقا بأن الذي يتأوله هو المراد، ولا يمكنه القطع بصحة تأويله، وأما قولهم في العلم،
فزادوا في التعريف: عن ضرورة، أو استدلال، وتعريف العلم انتهى عند قوله:
((عليه))، فإن أبوا إلا الزيادة، فليزدادوا: ((عن تيسير اللَّه له ذلك، وخلقه ذلك المعتقد
في قلبه))، وإلا فالذي زادوه هو محل النزاع، فلا دلالة فيه، وبالله التوفيق.
وقال أبو المظفر ابن السمعاني: تعقب بعض أهل الكلام قول من قال: إن السلف
من الصحابة والتابعين، لم يعتنوا بإيراد دلائل العقل في التوحيد، بأنهم لم يشتغلوا
بالتعريفات في أحكام الحوادث، وقد قبل الفقهاء ذلك، واستحسنوه، فَدَوَّنوه في
كتبهم، فكذلك علم الكلام، ويمتاز علم الكلام، بأنه يتضمن الرد على الملحدين،
وأهل الأهواء، وبه تزول الشبهة عن أهل الزيغ، ويثبت اليقين لأهل الحق، وقد علم
الكل أن الكتاب، لم تعلم حقيته، والنبي لم يثبت صدقه إلا بأدلة العقل.
وأجاب أما أولا، فإن الشارع، والسلف الصالح نهوا عن الابتداع، وأمروا بالاتباع،
وصح عن السلف أنهم نهوا عن علم الكلام، وعدوه ذريعة للشك والارتياب. وأما
الفروع فلم يثبت عن أحد منهم النهي عنها، إلا من ترك النص الصحيح، وقدم عليه

٢١٩ ==
٥- (بَأَبُ نَعْتِ الإِسلام) - حديث رقم ٤٩٩٢
القياس. وأما من اتبع النص، وقاس عليه، فلا يحفظ عن أحد من أئمة السلف إنكار
ذلك؛ لأن الحوادث في المعاملات لا تنقضي، وبالناس حاجة إلى معرفة الحكم، فمن
ثَمَّ تواردوا على استحباب الاشتغال بذلك، بخلاف علم الكلام.
وأما ثانيا: فإن الدين كمل؛ لقوله تعالى: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]،
فإذا كان أكمله وأتمه، وتلقاه الصحابة عن النبي وَلهر، واعتقده من تلقى عنهم،
واطمأنت به نفوسهم، فأيُّ حاجة بهم إلى تحكيم العقول، والرجوع إلى قضاياها،
وجعلها أصلا، والنصوص الصحيحة الصريحة تُعرَض عليها، فتارة يُعمل بمضمونها،
وتارة تحرف عن مواضعها؛ لتوافق العقول، وإذا كان الدين قد كَمُل فلا تكون الزيادة فيه
إلا نقصانا في المعنى، مثل زيادة أصبع في اليد، فإنها تنقص قيمة العبد الذي يقع به
ذلك.
وقد توسط بعض المتكلمين، فقال: لا يكفي التقليد، بل لا بد من دليل ينشرح به
الصدر، وتحصل به الطمأنينة العلمية، ولا يشترط أن يكون بطريق الصناعة الكلامية، بل
يكفي في حق كل أحد بحسب ما يقتضيه فهمه. انتهى.
والذي تقدم ذكره من تقليد النصوص، كاف في هذا القدر.
وقال بعضهم: المطلوب من كل أحد التصديق الجزميّ، الذي لا ريب معه بوجود
الله تعالى، والإيمان برسله، وبما جاءوا به، كيفما حصل، وبأي طريق إليه يوصل،
ولو كان عن تقليد محض، إذا سلم من التزلزل.
وقال القرطبي: هذا الذي عليه أئمة الفتوى، ومن قبلهم من أئمة السلف، واحتج
بعضهم بما تقدم من القول في أصل الفطرة، وبما تواتر عن النبي وَلّ، ثم الصحابة أنهم
حكموا بإسلام من أسلم من جفاة العرب، ممن كان يعبد الأوثان، فقبلوا منهم الإقرار
بالشهادتين، والتزام أحكام الإسلام، من غير إلزام بتعلم الأدلة، وإن كان كثير منهم إنما
أسلم لوجود دليلٍ مّا، فأسلم بسبب وضوحه له، فالكثير منهم قد أسلموا طوعا من غير
تقدم استدلال، بل بمجرد ما كان عندهم من أخبار أهل الكتاب، بأن نبيا سيبعث،
وينتصر على من خالفه، فلما ظهرت لهم العلامات في محمد ◌ّر، بادروا إلى الإسلام،
وصدّقوه في كل شيء قاله، ودعاهم إليه، من الصلاة، والزكاة، وغيرهما، وكثير منهم
كان يؤذن له في الرجوع إلى معاشه، من رعاية الغنم وغيرها، وكانت أنوار النبوة
وبركاتها تشملهم، فلا يزالون يزدادون إيمانا ويقينا.
وقال أبو المظفر ابن السمعاني أيضا: ما مُلَخَّصه: إن العقل لا يوجب شيئا، ولا
يحرم شيئا، ولا حظ له في شيء من ذلك، ولو لم يرد الشرع بحكم، ما وجب على

٢٢٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ
أحد شيء؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَا مُعَذِّبِينَ حَقَّ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وقوله:
﴿لِّلَا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، وغير ذلك من الآيات،
فمن زعم أن دعوة رسل الله عليهم الصلاة والسلام، إنما كانت لبيان الفروع، لزمه أن
يجعل العقل هو الداعي إلى اللَّه، دون الرسول، ويلزمه أن وجود الرسول وعدمه
بالنسبة إلى الدعاء إلى الله سواء، وكفى بهذا ضلالا، ونحن لا ننكر أن العقل يرشد إلى
التوحيد، وإنما ننكر أنه يستقل بإيجاب ذلك، حتى لا يصح إسلام إلا بطريقه، مع قطع
النظر عن السمعيات؛ لكون ذلك خلاف ما دلت عليه آيات الكتاب، والأحاديث
الصحيحة، التي تواترت، ولو بالطريق المعنويّ، ولو كان كما يقول أولئك، لبطلت
السمعيات، التي لا مجال للعقل فيها، أو أكثرها، بل يجب الإيمان بما ثبت من
السمعيات، فإن عقلناه فبتوفيق الله، وإلا اكتفينا باعتقاد حقيته، على وفق مراد الله
سبحانه وتعالى. انتھی.
ويؤيد كلامه ما أخرجه أبو داود، عن ابن عباس، أن رجلا قال لرسول اللّه ◌َلت :
أَنْشُدُك الله، آللَّه أرسلك أن نشهد أن لا إله إلا الله، وأن ندع اللات والعزى، قال:
نعم، فأسلم، وأصله في ((الصحيحين)) في قصة ضمام بن ثعلبة، وفي حديث عمرو بن
عَبَسَةً عند مسلم أنه أتى النبي بَّه، فقال: ما أنت؟ قال: ((نبي اللَّه))، قلت: آللَّه
أرسلك؟ قال: ((نعم))، قلت: بأي شيء؟ قال: ((أوحد اللَّه لا أشرك به شيئا ... ))
الحديث، وفي حديث أسامة بن زيد، في قصة قتله الذي قال: لا إله إلا اللَّه، فأنكر
عليه النبي ◌َّ، وحديث المقداد في معناه، وقد تقدما في ((كتاب الدیات))، وفي كتب
النبي وَلل إلى هرقل، وكسرى، وغيرهما من الملوك، يدعوهم إلى التوحيد، إلى غير
ذلك من الأخبار المتواترة التواتر المعنوي، الدال على أنه وَّر لم يزد في دعائه
المشركين، على أن يؤمنوا بالله وحده، ويصدقوه فيما جاء به عنه، فمن فعل ذلك قَبِلَ
منه، سواء كان إذعانه عن تقدم نظر، أم لا، ومن توقف منهم، نَّبَّهَه حينئذ على النظر،
أو أقام عليه الحجة إلى أن يُذْعِن أو يستمرّ على عناده.
وقال البيهقي في ((كتاب الاعتقاد)): سلك بعض أئمتنا في إثبات الصانع، وحدوث
العالم طريق الاستدلال، بمعجزات الرسالة، فإنها أصل في وجوب قبول ما دعا إليه
النبي ◌َّهر، وعلى هذا الوجه وقع إيمان الذين استجابوا للرسل، ثم ذكر قصة النجاشي،
وقول جعفر بن أبي طالب له: بعث اللَّه إلينا رسولا، نعرف صدقه، فدعانا إلى الله،
وتلا علينا تنزيلا من اللّه، لا يشبهه شيء، فصدقناه، وعرفنا أن الذي جاء به الحق ...
الحديث بطوله، وقد أخرجه ابن خزيمة في ((كتاب الزكاة)) من («صحيحه» من رواية ابن