النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ ٣- (حَلَاوَةُ الإِنْمَانِ) - حديث رقم ٤٩٩٠ أُكره على الكفر، فترك البتة إلى أَنْ قُتل. (ومنها): ما قيل: إنما قال: ((مما سواهما))، ولم يقل: ((ممن))؛ ليعم من يعقل، ومن لا يعقل. (ومنها): ما قيل أيضا: إن في قوله: ((مما سواهما)) دليلاً على أنه لا بأس بهذه التثنية، وأما قوله رَنموّه للذي خطب، فقال: ومن يعصمهما: ((بئس الخطيب أنت))، فليس من هذا؛ لأن المراد في الْخُطَب الإيضاح، وأما هنا فالمراد الإيجاز في اللفظ؛ ليحفظ، ويدل عليه أن النبي وَلّ، قاله في موضع آخر، حيث قال: ((ومن يعصهما فلا يضر إلا نفسه)). [واعتُرض]: بأن هذا الحديث إنما ورد أيضا في حديث خطبة النكاح. [وأجيب]: بأن المقصود في خطبة النكاح أيضا الإيجاز، فلا نقض، وثَمَّ أجوبة أخرى، [منها]: دعوى الترجيح، فيكون حَيِّزُ المنع أولي؛ لأنه عام، والآخر يحتمل الخصوصية، ولأنه ناقل، والآخر مبنيّ على الأصل، ولأنه قول، والآخر فعل. ورُدَّ بأن احتمال التخصيص في القول أيضا حاصل، بكل قول ليس فيه صيغة عموم أصلًا. [ومنها]: دعوى أنه من الخصائص، فيمتنع من غير النبي ◌َّر، ولا يمتنع منه؛ لأن غيره إذا جَمَعَ أَوْهَم إطلاقة التسوية، بخلافه هو، فإن منصبه لا يتطرق إليه إيهام ذلك، وإلى هذا مال ابن عبد السلام. [ومنها]: دعوى التفرقة بوجه آخر، وهو أن كلامه وَالخز هنا جملة واحدة، فلا يحسن إقامة الظاهر فيها مكان المضمر، وكلام الذي خطب جملتان، لا يُكره إقامة الظاهر فيهما مقام المضمر. وتُعُقِّب هذا بأنه لا يلزم من كونه لا يكره إقامة الظاهر فيهما مقام المضمر، أن يكره إقامة المضمر فيهما مقام الظاهر، فما وجه الرد على الخطيب، مع أنه هو بَّر جمع كما تقدم؟. ويجاب بأن قصة الخطيب كما قلنا، ليس فيها صيغة عموم، بل هي واقعة عين، فيحتمل أن يكون في ذلك المجلس مَن يُخشَى عليه توهم التسوية، كما تقدم. ومن محاسن الأجوبة في الجمع بين حديث الباب، وقصة الخطيب أن تثنية الضمير هنا للإيماء إلى أن المعتبر هو المجموع المركب من المحبتين، لا كل واحدة منهما، فإنها وحدها لاغية، إذا لم ترتبط بالأخرى، فمن يدعي حب الله تعالى مثلا، ولا يحب رسوله وَ لا ينفعه ذلك، ويشير إليه قوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُونَ اللَّهَ فَتَِّعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ الآية [آل عمران: ٣١]، فأوقع متابعته مكتنفة بين قطري محبة العباد، ومحبة الله تعالى للعباد، وأما أمر الخطيب بالإفراد، فلأن كل واحد من العصيانين، مستقل باستلزام الغواية، إذ العطف في تقدير التكرير، والأصل استقلال كل من المعطوفين في الحكم، ويشير إليه قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ الآية ١٨٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ. [النساء: ٥٩]، فأعاد أطيعوا في الرسول، ولم يعده في أولي الأمر؛ لأنهم لا استقلال لهم في الطاعة، كاستقلال الرسول. انتهى مُلَخَّصًا من كلام البيضاوي، والطيبي. [ومنها]: أجوبة أخرى فيها تكلف، منها أن المتكلم لا يدخل في عموم خطابه. [ومنها]: أن له أن يجمع بخلاف غيره. ذكره في ((الفتح)) ٨٨/١-٨٩. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب». ٤- (حَلَاوَةُ الإِسْلَام) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: المراد بـ((الإسلام)) هنا ((الإيمان))، فإنهما كما قيل: إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا، ومعنى ذلك أنه إذا ذُكر الإسلام مع الإيمان كان المراد بالإسلام هو الاستسلام الظاهريّ، وبالإيمان هو الاعتقاد الباطنيّ، كما فسّره النبيّ وَّر في حديث خبر جبريلغلَلُ الآتي، ونظيرهما في هذا المعنى: الفقير والمسكين، فإنهما إذا ذكرا في موضع واحد، كما في آية الصدقة، كان معنى المسكين من لا شيء له، كما قال اللَّه تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَكْ﴾، بخلاف الفقير، فإنه من له شيء من المال، إلا أنه قليلٌ، كما قال الشاعر [من البسيط]: أَمَّا الْفَقِيرُ الَّذِي كَانَتْ حَلُوبَتُهُ وَفْقَ الْعِيَالِ فَلَمْ يُتْرَكْ لَهُ سَبَدُ وقد تقدّم تمام البحث في ذلك في المسائل المذكورة أول ((كتاب الإيمان))، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. ٤٩٩١- (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ بِّهِ، قَالَ: ((ثَلَاثُ مَنْ كُنَّ فِيهِ، وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الْإِسْلَامِ، مَنْ كَانَ اللَّهُ وَّرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَمَنْ أَحَبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَمَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْكُفْرِ، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا غير مرّة. و((إسماعيل)): هو ابن جعفر بن أبي كثير الأنصاريّ الزرقيّ المدنيّ الثقة الثبت [٨]. و((حميد)): هو ابن أبي حُميد الطويل البصريّ الثقة الحافظ [٥] . والسند من رباعيّات المصنّف، وهو أعلى ما عنده من الأسانيد وهو (٢٣٨) من رباعيات الكتاب. ١٨٣ ٥- (بَأَبُ نَعْتِ الإِسْلَام) - حديث رقم ٤٩٩٢ والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم شرحه، وبيان مسائله في الباب الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ٥- (بَابُ نَعْتِ الإِسْلام) قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((النَّعْت))- بفتح النون، وسكون العين المهملة -: الوصف، يقال: نعت الرجلُ صاحبه نَعْتًا، من باب نفع: وصفه، ونعت نفسَهُ بالخير: وصفها، وانتعت: اتّصف، ونَعُتَ الرجلَ بالضمّ: إذا كان النعت له خِلْقَةً، نَعاتَةٌ، وله نُعُوتْ حسنة. قاله الفيّوميّ. وقال في باب الواو: وَصَفته وَصْفًا، من باب وَعَد: نعتَهُ بما فيه، ويقال: هو مأخوذٌ من قولهم: وَصَفَ الثوب الجسم: إذا أظهر حاله، وبيّن هيئته، ويقال: الصفة إنما هي بالحال المنتقلة، والنعت بما كان في خَلْقٍ، أو خُلُق. انتهى. والمراد بنعت الإسلام هنا: أركانه، وهي الأمور الخمسة المذكورة في قوله اليه : ((أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول اللَّه ... )) الحديث. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٩٩٢- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلِ، قَالَ: أَنْبَنَا كَهْمَسُ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْتِى بْنِ يَعْمَرَ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللّهِِّ، ذَاتَ يَوْمِ، إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، حَتَّى جَلَسَ إِلَّى رَسُوَلِ اللَّهِ وَِّ، فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِسْلَامِ، قَالَ: ((أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحَجّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا))، قَالَ: صَدَقْتَ، فَعَجِبْنَا إِلَيْهِ، يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِيمَانِ، قَالَ: ((أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَالْقَدَرِ كُلِّهِ، خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِحْسَانِ، قَالَ: ((أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنّهُ يَرَاكَ))، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ، قَالَ: ((مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ بِهَا مِنَ السَّائِلِ))، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَاتِهَا، قَالَ: ((أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ ١٨٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ، الْعُرَاةَ، الْعَالَةَ، رِعَاءَ الشَّاءِ، يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ))، قَالَ عُمَرُ: فَلَبِثْتُ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ: ((يَا عُمَرُ، هَلْ تَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟)) قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ)) فَإِنَةٌ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامِ، أَتَاكُمْ لِيُعَلَّمَكُمْ أَمْرَ دِينِكُمْ))). رجال هذا الإسناد: سبعة : ١- (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه المذكور قبل بابين. ٢- (النضر بن شُميل) المازنيّ، أبو الحسن النحويّ البصريّ، نزيل مرو، ثقة ثبت، من كبار [٩] ٤١ /٤٥ . ٣- (كهمس - بسين مهملة، قبلها ميم مفتوحة - ابن الحسن) التميميّ، أبو الحسن البصريّ، ثقة [٥] ٦٨١/٣٩. ٤- (عبد الله بن بُريدة) أبو سهل المروزيّ، قاضيها، ثقة [٣] ٣٩٣/٢٥ . ٥- (يحيى بن يعمر)-بفتح التحتانيّة، والميم، بينهما مهملة ساكنة -: هو البصريّ، نزيل مرو، وقاضيها، ثقة، فصيحٌ، يرسل [٣] ٩ / ٤٦٧. ٦- (عبد الله بن عمر) بن الخطّاب رضي اللّه تعالى عنهما١٢/ ١٢ . ٧- (عمر بن الخطّاب) بن نُفيل العدويّ الخليفة الراشد رضي الله تعالى عنه ٦٠/ ٧٥ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات المراوزة. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين، يروي بعضهم عن بعض: كهمس، عن عبد اللَّه، عن يحيى بن يعمر. (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ، والابن، عن أبيه. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ يَخْتِى بْنِ يَعْمَرَ) رحمه اللّه تعالى (أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ) رضي اللَّه تعالى عنهما (قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) رضي اللّه تعالى عنه. [تنبيهان]: (الأول): حديث عمر رَّ هذا لم يخرجه البخاريّ في ((صحيحه))، فذكر في ((الفتح)) سبب ذلك، فقال: إنما لم يخرجه؛ للاختلاف فيه على بعض رواته، فمشهوره رواية كهمس بن الحسن، عن عبد الله بن بريدة، عن يحيى بن يعمر، عن عبد الله بن عمر، عن أبيه عمر بن الخطاب، رواه عن كهمس جماعة من الحفاظ، وتابعه مطر ١٨٥ ٥- (بَأَبُ نَعْتِ الإِسْلَام) - حديث رقم ٤٩٩٢ الوراق، عن عبد الله بن بريدة، وتابعه سليمان التيمي، عن يحيى بن يعمر، وكذا رواه عثمان بن غياث، عن عبد الله بن بريدة، لكنه قال: عن يحيى بن يعمر، وحميد بن عبد الرحمن معا، عن ابن عمر، عن عمر، زاد فيه حميدا وحميد له في الرواية المشهورة ذكر، لا رواية، وأخرج مسلم هذه الطرق، ولم يسق منها إلا متن الطريق الأولى، وأحال الباقي عليها، وبينها اختلاف كثير، سنشير إلى بعضه، فأما رواية مطر، فأخرجها أبو عوانة في («صحيحه)) وغيره، وأما رواية سليمان التيمي، فأخرجها ابن خزيمة في (صحيحه)) وغيره، وأما رواية عثمان بن غياث، فأخرجها أحمد في ((مسنده))، وقد خالفهم سليمان بن بريدة، أخو عبد الله، فرواه عن يحيى بن يعمر، عن عبد الله بن عمر، قال: بينما نحن عند النبي ◌َل﴾، فجعله من مسند ابن عمر، لا من روايته عن أبيه، أخرجه أحمد أيضا، وكذا رواه أبو نعيم في ((الحلية)) من طريق عطاء الخراساني، عن يحيى بن يعمر، وكذا رُوِي من طريق عطاء بن أبي رباح، عن عبد الله بن عمر، أخرجه الطبراني. وفي الباب: عن أنس، أخرجه البزار، والبخاري في ((خلق أفعال العباد))، وإسناده حسن، وعن جرير البجلي، أخرجه أبو عوانة في ((صحيحه))، وفي إسناده خالد بن يزيد، وهو العمري، ولا يصلح للصَحيح، وعن ابن عباس، وأبي عامر الأشعري، أخرجهما أحمد، وإسنادهما حسن، وفي كل من هذه الطرق فوائد، سنذكرها - إن شاء اللَّه تعالى- في اثناء الكلام على حديث الباب، وإنما جمعت طرقها هنا، وعزوتها إلى مخرجيها؛ لتسهيل الحوالة عليها، فرارا من التكرار، المباين لطريق الاختصار. انتهى كلام صاحب ((الفتح)) ١٥٨/١ - ١٥٩. قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: وأنا - بعون الله تعالى- سألخّص ما ذكره صاحب ((الفتح)) وغيره من اختلاف هذه الطرق، وما احتوت عليه من الفوائد في شرح هذا الحديث- إن شاء الله تعالى- والله تعالى وليّ التوفيق، ومنه العون والعصمة، وعليه التكلان . (الثاني): هذا الحديث في أوله قصّة ساقها مسلم في ((صحيحه))، فقال: حدثني أبو خيثمة، زهير بن حرب، حدثنا وكيع، عن كهمس، عن عبد الله بن بريدة، عن یحیی بن یعمر ح و حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري، وهذا حديثه، حدثنا أبي، حدثنا كهمس، عن ابن بريدة، عن يحيى بن يعمر، قال: كان أولَ من قال في القدر، بالبصرة مَعْبَد الجهني، فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري، حاجین، أو معتمرين، فقلنا: لو لقينا أحدا من أصحاب رسول اللّه وَلتر، فسألناه عما يقول هؤلاء ١٨٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِهِ في القدر، فوفق لنا عبد الله بن عمر بن الخطاب، داخل المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي، أحدنا عن يمينه، والآخر عن شماله، فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي، فقلت: أبا عبد الرحمن، إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرءون القرآن، ويتقفرون العلم، وذكر من شأنهم، وأنهم يزعمون أن لا قدر، وأن الأمر أُنُفْ، قال: فإذا لقيت أولئك، فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم برآء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر، لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه، ما قبل اللَّه منه، حتى يؤمن بالقدر، ثم قال: حدثني أبي، عمر بن الخطاب، قال: بينما نحن عند رسول اللّه وَ لّر، ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر ... )) الحديث. (قَالَ) عمر رَّهِ (بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ بَار) ((بينما)) هي ((بين)) الظرفيّة زيدت عليها ((ما))، لتكفّها عن عملها الخفض لما دخلت عليه، ومثلها ((بينا» زيدت عليها الألف، فما بعدهما مرفوع بالابتداء في اللغة المشهورة، ومنهم من يخفضه، كقول الشاعر : بَيْنَا تَعَانِقِهِ الْكُمَاةَ وَرَوْغِهِ يَوْمًا أَتِيحَ لَهُ جَرِيءٌ سَلْفَعُ رُوي بخفض ((تعانقه)) ورفعه، وعلى هذا فـ((ما))، والألف ليستا للكفّ. (ذَاتَ يَوْمٍ) أي يومًا من الأيام، ف(اذات)) مقحمة، وقيل: هي من إضافة الشيء لنفسه، على رأي مَنْ يُجيز ذلك (إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ) أي ملك، في صورة رجل، و((إذ)): هي الفجائيّة: أي فاجأنا طلوع رجل، و((طلع علينا)) من باب منع، ونصر: أي أتانا، ومثله ((اطّلع))، أفاده في ((القاموس)). (شَدِيدُ بَيَاضِ الثّيَّابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ) بفتح العين المهملة، وسكونها، زاد في رواية ابن حبّان: ((سواد اللحية)) (لَا يُرَى عَلَّيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ) ببناء الفعل للمفعول، قال النوويّ: ضبطناه بالياء المثناة، من تحتُ المضمومة، وكذلك ضبطناه في ((الجمع بين الصحيحين))، وغيره، وضبطه الحافظ أبو حازم العُذْريّ بالنون المفتوحة، وكذا هو في ((مسند أبي يعلى الموصليّ))، وكلاهما صحيح. انتهى. وقال القرطبيّ: هكذا مشهور رواية هذا اللفظ ((يُرى)) مبنيًّا لما لم يُسمّ فاعله بالياء باثنين من تحتها، ((ولا يعرفه)) بالياء أيضًا، وقد رواه أبو حازم العذريّ: ((لا نَرى عليه أثر السفر، ولا نعرفه)) بالنون فيهما، مبنيًّا للفاعل، ونون الجماعة، وكلاهما واضحٌ المعنى. انتھی . وفي البخاريّ في ((التفسير)): ((إذ أتاه رجل يمشي))، وفي حديث أبي هريرة، وأبي ذرّ الآتي: ((وإنا لجلوس، ورسول اللّه ◌َّر في مجلسه؛ إذ أقبل رجل، أحسن الناس وجهًا، وأطيب الناس ريحًا، كأن ثيابه لم يمسها دنس، حتى سلّم في طرّف البساط، ١٨٧ ٥- (بَأَبُ نَعْتِ الإِسْلام) - حديث رقم ٤٩٩٢ فقال: السلام علیکم یا محمد» (وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ بَِّ، فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ) أي ركبتي النبيّ وَّر. وفي رواية لسليمان التيميّ: ((ليس عليه سحناء السفر، وليس من البلد، فتخطّى، حتى برك بين يدي النبيّ وَّ، كما يجلس أحدنا في الصلاة)). (وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ) قال النوويّ: معناه أن الرجل الداخل وضع كفيه على فخذي نفسه، وجلس على هيئة المتعلّم. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الصحيح أن معناه أنه وضع كفه على فخذي النبيّ وَالقر؛ لما يأتي التصريح به في حديث أبي هريرة، وأبي ذرّ رضي اللّه تعالى عنهما الآتي بعد هذا، ولفظه: ((حتى وضع يده على ركبتي رسول اللّه بَ لير))، وقال في ((الفتح)): وكذا في حديث ابن عبّاس، وأبي عامر الأشعري: ((ثم وضع يده على ركبتي النبي وَّر ((، فأفادت هذه الرواية أن الضمير في قوله: ((على فخذيه) يعود على النبي وَّه وبه جزم البغوي، وإسماعيل التيمي؛ لهذه الرواية، ورجحه الطيبي بحثا؛ لأنه نسق الكلام، خلافا لما جزم به النووي، ووافقه التوربشتى؛ لأنه حمله على أنه جلس كهيئة المتعلم، بين يدي من يتعلم منه، وهذا وإن كان ظاهرا من السياق، لكن وضعه يديه على فخذ النبي وَّ مُنَبِّه للإصغاء إليه، وفيه إشارة لما ينبغي للمسئول من التواضع، والصَّفْح عما يبدو من جفاء السائل، والظاهر أنه أراد بذلك المبالغة في تعمية أمره؛ ليقوى الظن بأنه من ◌ُفَاة الأعراب، ولهذا تخطى الناس، حتى انتهى إلى النبي ◌َّر، كما تقدم، ولهذا استغرب الصحابة صنيعه، ولأنه ليس من أهل البلد، وجاء ماشيا، ليس عليه أثر سفر. [فإن قيل]: كيف عَرَف عمر تَظُّه أنه لم يعرفه أحد منهم. [أجيب]: بأنه يحتمل أن يكون استند في ذلك إلى ظنه، أو إلى صريح قول الحاضرين. وهذا الثاني- كما قال الحافظ- أولي، فقد جاء كذلك في رواية عثمان بن غياث، فإن فيها: ((فنظر القوم بعضهم إلى بعض، فقالوا: ما نعرف هذا)). وأفاد مسلم، في رواية عمارة بن القعقاع، سبب ورود هذا الحديث، فعنده في أوله: ((قال رسول اللَّه ◌َ لجر: سلوني، فهابوا أن يسألوه، قال: فجاء رجل ... ))، ووقع في رواية ابن منده، من طريق يزيد بن زريع، عن كهمس: بينا رسول اللَّه ◌َله يخطب، إذ جاءه رجل، فكأن أمره لهم بسؤاله، وقع في خطبته، وظاهره أن مجيء الرجل، كان في حال الخطبة، فإما أن يكون وافق انقضاءها، أو كان ذكر ذلك القدر جالسا، وعبر عنه الراوي بالخطبة. انتهى ((فتح)) ١٥٩/١ -١٦٠. (ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ) قيل: كيف بدأ بالسؤال قبل السلام؟. أجيب: بأنه يحتمل أن ١٨٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ يكون ذلك مبالغةً في التعمية لأمره، أو ليبين أن ذلك غير واجب، أو سلم فلم ينقله الراوي. وهذا الثالث هو الصواب، فقد ثبت في رواية حديث أبي هريرة، وأبي ذرّ الآتي، ففيه: ((حتى سلم من طرف البساط، فقال: السلام عليك يا محمد، فرد عليه السلام، قال: أدنو يا محمد؟ قال: ادن، فما زال يقول: أدنو؟ مرارا، ويقول له: ادن))، ونحوه في رواية عطاء، عن ابن عمر، لكن قال: ((السلام عليك يا رسول اللَّه))، وفي رواية مطر الوراق: ((فقال: يا رسول الله أدنو منك؟ قال: ادن))، ولم يذكر السلام، فاختلفت الروايات، هل قال له: يا محمد، أو يا رسول اللَّه، وهل سلم، أولا، فأما السلام فمن ذكره مقدم على من سكت عنه. وقال القرطبي، بناء على أنه لم يسلم، وقال: يا محمد: إنه أراد بذلك التعمية، فصنع صنيع الأعراب. قال الحافظ: ويجمع بين الروايتين، بأنه بدأ أولا بندائه باسمه، لهذا المعنى، ثم خاطبه بقوله: يا رسول الله. انتهى. قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: عندي الأقرب أن يحمل على تصرّف الرواة، فيقال: إنه قال: يا محمد، فعبر بعض الرواة بقوله: يا رسول اللَّه؛ لأن هذا أقرب إلى التعمية المذكورة. والله تعالى أعلم. ووقع عند القرطبي: أنه قال: ((السلام علیکم یا محمد»، فاستنبط منه أنه يستحب للداخل أن يعمم بالسلام، ثم يخصص من يريد تخصيصه. انتهى. قال الحافظ: والذي وقفت عليه من الروايات، إنما فيه الأفراد، وهو قوله: ((السلام عليك يا محمد)). (أَخْبِرْنِي عَنِ الْإسْلَام) بدأ بالإسلام، لأنه يتعلّق بالأمر الظاهر، وثنى بالإيمان، لأنه يتعلّق بالأمر الباطن، وفي حديث أبي هريرة تَظّه عند البخاريّ: ((فقال: ما الإيمان))، فبدأ بالإيمان؛ لأنه الأصل، وثَنَّى بالإسلام؛ لأنه يُظهر مِصداق الدعوى، وثَّث بالإحسان؛ لأنه مُتَعَلِّق بهما. ورجح الطيبي الأول؛ لما فيه من الترقّ، ولا شك أن القصة واحدة، اختلف الرواة في تأديتها، وليس في السياق ترتيب، ويدل عليه رواية مطر الوراق، فإنه بدأ بالإسلام، وثَنَّى بالإحسان، وثَلَّث بالإيمان، فالحق أن الواقع أمر واحد، والتقديم والتأخير وقع من الرواة، والله تعاليأعلم. قاله الحافظ. وقال القرطبيّ: الإسلام في اللغة: هو الاستسلام، والانقياد، ومنه قوله تعالى: ﴿قُل لَّمَّ تُؤْمِنُواْ وَلَكِنْ قُولُواْ أَسْلَمْنَا﴾ الآية [الحجرات: ١٤]: أي انقدنا، وهو في الشرع: الانقياد بالأفعال الظاهرة الشرعيّة، ولذلك قال وي ليه فيما رواه أنس ◌َظنّه عنه: ((الإسلام علانية، ١٨٩ ٥- (بَأَبُ نَعْتِ الإِسْلَام) - حديث رقم ٤٩٩٢ والإيمان في القلب)) ذكره ابن أبي شيبة في ((مصنّفه)) ١١/١١(١). انتهى ((المفهم)) ١/ ١٣٩ . (قَالَ) بَرِ (أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ، وَأَنْ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ) ((أن)) الأولى هي المصدريّة الناصبة للمضارع، والجملة في تأويل المصدر خبر لمحذوف: أي هو شهادة أن لا إله إلا الله. وفي حديث أبي هريرة رَ ◌ّ: «الإسلام أن تعبد الله، ولا تشرك به)). قال النووي في ((شرحه)): يحتمل أن يكون المراد بالعبادة، معرفة الله، فيكون عطف الصلاة وغيرها عليها؛ لإدخالها في الإسلام، ويحتمل أن يكون المراد بالعبادة الطاعة مطلقا، فيدخل فيه جميع الوظائف، فعلى هذا يكون عطف الصلاة وغيرها، من عطف الخاص على العام. قال الحافظ: أما الاحتمال الأول فبعيد؛ لأن المعرفة من متعلقات الإيمان، وأما الإسلام فهو أعمال قولية وبدنية، وقد عبر في حديث عمر تتميّه هنا بقوله: ((أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول اللَّه»، فدل على أن المراد بالعبادة في حدیث الباب، النطق بالشهادتين، وبهذا تبين دفع الاحتمال الثاني، ولَمّا عبر الراوي بالعبادة، احتاج أن يوضحها بقوله: ((ولا تشرك به شيئا»، ولم يحتج إليها في رواية عمر؛ لاستلزامها ذلك. [فإن قيل]: السؤال عامّ؛ لأنه سأل عن ماهية الإسلام، والجواب خاصّ؛ لقوله: ((أن تعبد))، أو ((تشهد))، وكذا قال في الإيمان: ((أن تؤمن))، وفي الإحسان ((أن تعبد)). [والجواب]: أن ذلك لنكتة الفرق بين المصدر، وبين ((أن)) والفعل؛ لأن ((أن تفعل)) تدل على الاستقبال، والمصدر لا يدل على زمان، على أن بعض الرواة أورده هنا بصيغة المصدر، ففي رواية عثمان بن غياث قال: ((شهادة أن لا إله إلا اللَّه))، وكذا في حديث أنس، وليس المراد بمخاطبته بالإفراد اختصاصه بذلك، بل المراد تعليم السامعين الحكم في حقهم، وحق من أشبههم من المكلفين، وقد تبين ذلك بقوله في آخره: ((يعلم الناس دينهم)). (وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ) زاد في حديث أبي هريرة عند مسلم ((المكتوبة)): أي المفروضة، وإنما عبر بالمكتوبة للتفنن في العبارة، فإنه عبر في الزكاة بالمفروضة، ولا تباع قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَوَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَبَّا مَّوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]. (١) رواه ابن أبي شيبة في ((مصنفه))، وزاد: ((ثم يشير إلى صدره، ويقول: التقوى ههنا، التقوى ههنا)). وفي سنده علي بن مسعدة، ضعفه البخاريّ وغيره، ووثقه آخرون، وضعف بعضهم هذا الحديث بسببه، وعندي أنه حسن الحديث انظر ترجمته في ((تهذيب التهذيب)) ١٩٢/٣ .. والله تعالى أعلم. ١٩٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ وقال القرطبيّ: والصلاة في اللغة: الدعاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وصلّ عليهم﴾ [التوبة: ١٠٣]: أي ادع، وقال الأعشى: عَلَيْكِ مِثْلَ الَّذِي صَلَّيْتِ فَاغْتَمِضِي نَوْمًا فَإِنَّ لِجَنْبِ الْمَرْءِ مُضْطَجْعًا وقيل: إنها مأخوذة من الصَّلَا، والصلا: عِزْقٌ عند أصل الذنب، ومنه قيل للفرس الثاني في الحلبة: مصَلِّ؛ لأن رأسه عند صلا السابق، قال الشاعر: فَصَلَّى أَبُوهُ لَهُ سَابِقُ بِأَنْ قِيلَ فَاتَ الْعِذَارُ الْعِذَارَا(١) والأول أولى وأشهر، وهي في الشرع: أفعال مخصوصةٌ، بشروط مخصوصة، الدعاء جزء منها. انتهى. (وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ) زاد في أبي هريرة: ((المفروضة)). قال القرطبيّ: الزكاة لغة: هي النماء، والزيادة، يقال: زكا الزرع والمالُ، وسُمّي أخذ جزء من مال المسلم الحرّ زكاةً؛ لأنها إنما تؤخذ من الأموال النامية، أو لأنها قد نمت، وبلغت النصاب، أو لأنها تُنَّمِّي المال بالبركة، وحسنات مؤديها بالتكثير. انتهى. (وَتَصُومَ رَمَضَانَ) قال القرطبيّ: والصوم: هو الإمساك مطلقًا، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنِى نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ الآية [مريم: ٢٦]: أي إمساكًا عن الكلام، وقال الشاعر: خَيْلٌ صِيَامٌ وَخَيْلْ غَيْرُ صَائِمَةٍ تَحَتَ الْعَجَاجِ وَأُخْرَى تَعْلِكُ اللُّجُمَا أي ممسكة عن الحركة. وهو في الشرع: إمساك جميع أجزاء اليوم عن أشياء مخصوصة، بشرط مخصوص. انتهى. واستُدل به على جواز قول ((رمضان) من غير إضافة ((شهر))، إليه. قاله في ((الفتح)). وقد تقدّم تمام البحث في هذا في ((كتاب الصيام))، وباللَّه تعالى التوفيق. (وَتَحَجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) قال القرطبيّ: الحجّ: هو القصد المتكرّر في اللغة، قال الشاعر : وَأَشْهَدُ مِنْ عَوْفٍ حُلُولًا كَثِيرَةً يَحُجُونَ سِبَّ الزِّبْرِقَانِ الْمُزَعْفَرَا وهو في الشرع: القصد إلى بيت اللَّه المعظّم؛ لفعل عبادة مخصوصة، والحجّ بالفتح المصدر، وبالكسر الاسم، وقُرىء بهما: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ﴾ الآية [آل عمران: ٩٧] . والاستطاعة: هي القوّة على الشيء، والتمكّن منه، ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَا أَسْطَعُواْ أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا أُسَتَطَعُواْ لَهُمْ نَقْبًا﴾ [الكهف: ٩٧]. انتهى. وقد تقدّم بيان كلّ ذلك (١) ((العذار)): هو ما سال على خدّ الفرس من اللجام. ١٩١= ٥- (بَأَبُ نَعْتِ الإِسْلام) - حديث رقم ٤٩٩٢ مستوفّى في محالّه من هذا الشرح، وإنما أعدته تذكيرًا بما سلف. والله تعالى وليّ التوفيق . [تنبيه]: قد اختلف الرواة في ذكر الحجّ هنا، فمنهم من ذكره، ومنهم من أسقطه، إما غفلة، أو نسيانًا. قال في ((الفتح)): [فإن قيل]: لم لم يذكر الحج؟ أجاب بعضهم باحتمال أنه لم يكن فُرِض. وهو مردود بما رواه ابن منده في (كتاب الإيمان)) بإسناده الذي على شرط مسلم، من طريق سليمان التيمي، في حديث عمر تَظّ أوله: أن رجلا في آخر عمر النبي ◌َّ، جاء إلى رسول اللّه وَلّه، فذكر الحديث بطوله، وآخر عمره وَله يحتمل أن يكون بعد حجة الوداع، فإِنَّا آخر سفراته، ثم بعد قدومه بقليل، دون ثلاثة أشهر مات، وكأنه إنما جاء بعد إنزال جميع الأحكام، لتقرير أمور الدين التي بَلّغها متفرقة، في مجلس واحد؛ لتنضبط. ويُستنبط منه جواز سؤال العالم، ما لا يجهله السائل؛ ليعلمه السامع. وأما الحج فقد ذُكِر لكن بعض الرواة إما ذَهِل عنه، وإما نسيه، والدليل على ذلك اختلافهم في ذكر بعض الأعمال دون بعض، ففي رواية كهمس: ((وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا))، وكذا في حديث أنس، وفي رواية عطاء الخراساني لم يذكر الصوم، وفي حديث أبي عامر ذَكّر الصلاة، والزكاة حسب، ولم يذكر في حديث ابن عباس مزيدا على الشهادتين، وذكر سليمان التيمي في روايته الجميع، وزاد بعد قوله: (وتحج)): ((وتعتمر، وتغتسل من الجنابة، وتتمم الوضوء))، وقال مطر الوراق في روايته: ((وتقيم الصلاة، وتؤتى الزكاة))، قال: فذكر عُرَى الإسلام، فتبين ما قلناه: إن بعض الرواة ضبط ما لم يضبطه غيره. انتهى ((فتح)) ١/ ١٦٣ - ١٦٤. (قَالَ) الرجل السائل (صَدَقْتَ، فَعَجِبْنَا إِلَيْهِ) وفي رواية مسلم: (له)) بدل ((إليه)) (يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ) وفي حديث أبي هريرة، وأبي ذرّ الآتي: ((فلما سمعنا قول الرجل: صدقت أنكرناه))، وفي رواية مطر الوراق: ((انظروا إليه کیف یسأله، وانظروا إليه کیف یصدقه))، وفي حديث أنس: ((انظروا وهو يسأله، وهو يصدقه، كأنه أعلم منه))، وفي رواية سليمان بن بريدة قال القوم: ((ما رأينا رجلًا مثل هذا، كأنه يُعَلِّم رسول اللّه وَّهِ، يقول له: صدقت صدقت))، قال القرطبي: إنما عجبوا من ذلك؛ لأن ما جاء به النبي وَليت، لا يُعرَف إلا من جهته، وليس هذا السائل ممن عُرف بلقاء النبي ◌َّ، ولا بالسماع منه، ثم هو يسأل سؤال عارف، محقّق مصدّق؛ فتعجبوا من ذلك، تعجب المستبعد لأن يكون أحد يعرف تلك الأمور المسؤول عنها من غير جهة النبيّ. انتهى. ((المفهم)» ١/ ١٥١. (ثُمَّ قَالَ) الرجل (أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِيمَانِ، قَالَ) وَ (أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ) قال أبو العباس ١٩٢ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ القرطبيّ: الإيمان بالله: هو التصديق بوجوده، وأنه لا يجوز عليه العدم، وأنه تعالى موصوفٌ بصفات الجلال والكمال، من العلم، والقدرة، والإرادة، والكلام، والسمع، والبصر، والحياة، والرضا، والمحبّة، وغيرها، وأنه منزه عن صفات النقص التي هي أضداد تلك الصفات، وعن صفات الأجسام، والمتحيّزات، وأنه واحد، صمد، فردٌ، خالق جميع المخلوقات، متصرّف فيها بما يشاء من التصرّفات، يفعل في ملكه ما يريد، ويحكم في خلقه ما يشاء. انتهى. بزيادة. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في ((العقيدة الواسطية)) حينما يصف اعتقاد الفرقة الناجية المنصور: ومن الإيمان بالله الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه، وبما وصفه رسوله ول18 من غير تحريف، ولا تعطيل، ومن غير تكييف، ولا تمثيل، بل يؤمنون بأن الله سبحانه وتعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، فلا ينفون عنه ما وصف به نفسه، ولا يُحرّفون الكلم عن مواضعه، ولا يُلحدون في أسمائه، وآياته، ولا يكيّفون، ولا يمثّلون، صفاته بصفات خلقه؛ لأنه سبحانه وتعالى لا سميّ له، ولا كفء له، ولا ندّ له، ولا يقاس بخلقه سبحانه وتعالى، فإنه أعلم بنفسه، وبغيره، وأصدق قيلًا، وأحسن حديثًا من خلقه، ثم رسله صادقون، مصدّقون، بخلاف الذين يقولون عليه ما لا يعلمون، ولهذا قال تعالى: ﴿سُبْحَنَ رَبِّكَ رَبِّ وَاَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [الصفّات: ١٨٠ - وَسَلَمُ عَلَى الْمُرْسَلِينَ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ١٨٢]، فسبّح نفسحه عما وصفه به المخالفون للرسل، وسلّم على المرسلين؛ لسلامة ما قالوه من النقص والعيب، وهو قد جمع فيما وصف، وسمَّى به نفسه بين النفي والإثبات، فلا عدول لأهل السنة والجماعة عمّا جاء به المرسلون، فإنه الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين، والشهداء، والصالحين. انتهى كلامه مختصرًا. وقال في ((الفتح)): قوله: ((قال: الإيمان: أن تؤمن بالله ... الخ)): دل الجواب أنه عَلِم أنه سأله عن متعلقات الإيمان، لا عن معنى لفظه، وإلا لكان الجواب الإيمان: التصديق. وقال الطيبي: هذا يوهم التكرار، وليس كذلك، فإن قوله: ((أن تؤمن بالله))، مُضَمَّن معنى أن تعترف به، ولهذا عداه بالباء: أي أن تصدق، معترفا بكذا. قال الحافظ: والتصديق أيضا يعدى بالباء، فلا يحتاج إلى دعوى التضمين. وقال الكرماني: ليس هو تعريفا للشيء بنفسه، بل المراد من المحدود الإيمان الشرعي، ومن الحد الإيمان اللغوي. قال الحافظ: والذي يظهر أنه إنما أعاد لفظ الإيمان؛ للاعتناء بشأنه، تفخيما لأمره، ١٩٣ - ٥- (بَأَبُ نَعْتِ الإِسْلام) - حديث رقم ٤٩٩٢ ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيَهَا الَّذِىّ أَشَأَهَآ أَوْلَ مَرَّقٍْ﴾ [يس: ٧٩] في جواب ﴿مَن يُخِي اُلْعِظَمَ وَهِىَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨]: يعني أن قوله: ((أن تؤمن)) ينحل منه الإيمان، فكأنه قال: الإيمان الشرعي: تصديق مخصوص، وإلا لكان الجواب الإيمان: التصديق، والإيمان بالله: هو التصديق بوجوده، وأنه متصف بصفات الكمال، منزه عن صفات النقص. انتهى. (وَمَلَائِكَتِهِ) معنى الإيمان بالملائكة: هو التصديق بوجودهم، وأنهم كما وصفهم الله لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ، يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٦ تعالى: ﴿عِبَادٌ مُكْرَمُونَ ٢٧] ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] و﴿يُسَبِّحُونَ الَّيْلَ وَاَلنَّهَارَ لَا يَفْتُّرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠]، وأنهم سفراء اللَّه بينه وبين رسله، والمتصرّفون كما أذن لهم في خَلْقه . وقَدَّم الملائكة على الكتب والرسل؛ نظرًا للترتيب الواقع؛ لأنه سبحانه وتعالى، أرسل الملك بالكتاب إلى الرسول، وليس فيه مُتَمَسَّك لمن فَضَّل الملك على الرسول. قاله في ((الفتح)). (وَكُتُبِهِ) معنى الإيمان بكتب اللّه تعالى: التصديق بأنه كلام اللَّه تعالى، وأن ما تضمّنته حقّ وصدق. [تنبيه]: زاد في حديث أبي هريرة رَوَّه عند البخاريّ بعد قوله: ((وكتبه)): قولَهُ: ((وبلقائه)): قال في ((الفتح)): كذا وقعت هنا بين الكتب والرسل، وكذا لمسلم من الطريقين، ولم تقع في بقية الروايات، وقد قيل: إنها مكررة؛ لأنها داخلة في الإيمان بالبعث، والحقّ أنها غير مكررة، فقيل: المراد بالبعث القيامُ من القبور، والمراد باللقاء ما بعد ذلك، وقيل: اللقاء يحصل بالانتقال من دار الدنيا، والبعث بعد ذلك، ويدل على هذا رواية مطر الوراق، فإن فيها: ((وبالموت، وبالبعث بعد الموت))، كذا في حديث أنس وابن عباس ، وقيل: المراد باللقاء رؤية الله، ذكره الخطابي، وتعقبه النووي بأنّ أحدا لا يقطع لنفسه برؤية اللّه، فإنها مختصة بمن مات مؤمنا، والمرء لا يدري بم يختم له، فكيف يكون ذلك من شروط الإيمان؟ . وأجيب بأن المراد الإيمانُ بأن ذلك حقّ في نفس الأمر، وهذا من الأدلة القوية؛ لأهل السنة في إثبات رؤية الله تعالى في الآخرة، إذ جعلت من قواعد الإيمان. انتهى ((فتح)) ١/ ١٦١. (وَرُسُلِهِ) ووقع في حديث أبي هريرة، وأبي ذرّ الآتي ((وملائكته، والكتاب، والنبيين))، وكل من السياقين في القرآن، في البقرة، والتعبير ((بالنبيين)) يشمل ((الرسل))، ١٩٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ من غیر عکس. ومعنى الإيمان بالرسل: التصديق بأنهم صادقون فيما أخبروا به عن اللَّه تعالى، وأن اللّه تعالى أيّدهم بالمعجزات الدالّة على صدقهم، وأنهم بلّغوا عن اللَّه تعالى رسالاته، وبيّنوا للمكلّفين ما أمرهم الله تعالى بيانه، وأنه يجب احترامهم، وألا يُفرَّق بين أحد منهم. قاله القرطبيّ. وقال في ((الفتح)): ودل الإجمال في الملائكة، والكتب، والرسل على الاكتفاء بذلك، في الإيمان بهم، من غير تفصيل، إلا من ثبت تسميته، فيجب الإيمان به على التعيين، وهذا التريب مطابق للآية: ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، ومناسبة الترتيب المذكور، وإن كانت الواو لا ترتب، بل المراد من التقديم، أن الخير، والرحمة من الله، ومن أعظم رحمته، أن أنزل كتبه إلى عباده، والمتلقِّ لذلك منهم الأنبياء، والواسطة بين الله وبينهم الملائكة. انتهى. (وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) وفي حديث أبي هريرة تَظُّ عند البخاريّ: ((وتؤمن بالبعث))، زاد في ((التفسير)): ((الآخر))، قال في ((الفتح)): فأما البعث الآخر، فقيل: ذُكر ((الآخر)) تأكيدا، كقولهم: أمس الذاهب، وقيل: لأن البعث وقع مرتين: الأولى الإخراج من العدم إلى الوجود، أو من بطون الأمهات بعد النطفة، والْعَلَقَة إلى الحياة الدنيا، والثانية البعث من بطون القبور، إلى محل الاستقرار، وأما اليوم الآخر، فقيل له: ذلك؛ لأنه آخر أيام الدنيا، أو آخر الأزمنة المحدودة. ومعنى الإيمان باليوم الآخر: هو: التصديق بيوم القيامة، وما اشتمل عليه من الإعادة بعد الموت، والنشر، والحشر، والحساب، والميزان، والصراط، والجنة والنار، وأنهما دار ثوابه، وجزائه للمحسنين، والمسيئين، إلى غير ذلك، مما صحّ نصّه، وثبت نقله. انتهى ((المفهم)) ١٤٥/١. (وَالْقَدَرِ)- بفتحتين، أو بفتح، فسكون -: القضاء، والحكم. وقال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: الْقَدَر: مصدر قَدَرتُ الشيء، خفيفة الدال، أقدره، وأقدُره- من بابي ضرب، ونصر - قَدْرًا- بفتح، فسكون- وقَدَرًا- بفتحتين، وقُدُرًا: إذا أحطت بمقداره، ويقال فيه: قدّرتُ أُقدّر تقديرًا- مشدّد الدال- للتضعيف، فإذا قلنا: إن الله تعالى: قدّر الأشياء، فمعناه: أنه تعالى علم مقاديرها، وأحوالها، وأزمانها قبل إيجادها، ثم أوجد منها ما سبق في علمه أنه يوجده على نحو ما سبق في علمه، فلا مُحدَث في العالم العلويّ والسفليّ إلا وهو صادرٌ عن علمه تعالى، وقدرته، وإرادته. انتهى ((المفهم)) ١/ ١٣٢. ١٩٥ ٥- (بَأَبُ نَعْتِ الإِسْلام) - حديث رقم ٤٩٩٢ وقال في ((الفتح)) بعد ذكر نحو كلام القرطبيّ هذا: ما نصّه: هذا هو المعلوم من الدين بالبراهين القطعية، وعليه كان السلف من الصحابة، وخيار التابعين، إلى أن حدثت بدعة القدر في أواخر زمن الصحابة # ، وقد رَوَى مسلم القصة في ذلك، من طريق كهمس، عن ابن بريدة، عن يحيى بن يعمر، قال: كان أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني، قال: فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الْحِمْيَري، فذكر اجتماعهما بعبد الله بن عمر، وأنه سأله عن ذلك، فأخبره بأنه بَرِيء ممن يقول ذلك، وأن اللَّه لا يقبل ممن لم يؤمن بالقدر عملا. وقد حَكَى المصنفون في المقالات، عن طوائف من القدرية إنكار كون البارىء عالما بشيء من أعمال العباد، قبل وقوعها منهم، وإنما يعلمها بعد كونها، قالوا: لأنه لا فائدة لعلمه بها قبل إيجادها، وهو عبثٌ، وهو على اللَّه محالٌ. قال القرطبي وغيره: وقد روي عن مالك رحمه الله تعالى أنه فسّر القدريّة بنحو ذلك، وهذا المذهب هو الذي وقع لأهل البصرة، وهو الذي أنكره ابن عمر، ولا شكّ في تكفير من يذهب إلى ذلك، فإنه جحد معلوم من الشرع ضرورةً، ولذلك تبرّأ منهم ابن عمر، وأفتى بأنهم لا تقبل منهم أعمالهم، ولا نفقاتهم، وأنهم كما قال الله تعالى فيهم: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَتُهُمْ إِلَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِلَهِ وَبِرَسُولِ﴾ الآية [التوبة : ٥٤] . وهذا المذهب هو مذهب طائفة منهم تُسمّى السُّكْبيّة، وقد تُرك اليوم، فلا يُعرف من يُنسب إليه من المتأخّرين، من أهل البدع المشهورين. والقدرية اليومَ مطبقون على أن اللّه عالم بأفعال العباد، قبل وقوعها، وإنما خالفوا السلف في زعمهم بأن أفعال العباد مقدورة لهم، وواقعة منهم على جهة الاستقلال، وهو مع كونه مذهبا باطلًا أخفّ من المذهب الأول، وأما المتأخرون منهم، فأنكروا تعلق الإرادة بأفعال العباد؛ فرارًا من تعلق القديم بالمحدث، وهم مخصومون بما قال الشافعي: إن سلم القدري العلمَ خُصِم - يعني يقال له: أيجوز أن يقع في الوجود خلاف ما تضمنه العلم، فإن منع وافق قول أهل السنة، وإن أجاز لزمه نسبة الجهل، تعالى الله عن ذلك. (()) المفهم)) ١/ ١٣٢- ١٣٣ بزيادة من ((الفتح)) ١٦٢/١-١٦٣. وقال القرطبيّ أيضًا: والإيمان بالقدر: هو التصديق بما تقدّم ذكره، وحاصله هو ما دلّ عليه قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] وقوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْتَهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] وقوله ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلََّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠]. وإجماع السلف والخلف على صدق قول القائل: ما شاء اللّه كان، وما لم يشأ لم يكن، وقوله = ١٩٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ وَالر: ((كلّ شيء بقدر حتى العجز والكيس)). رواه مسلم. ولما كثر من ينكر القدر من الكفّار، ولهذا كثر تكراره في القرآن، وتنويهًا بذكره، ليحصل الاهتمام بشأنه أكّده بقوله: (كُلِّهِ) ثم قرّر ذلك بما أبدل منه، بقوله (خَيْرِهِ وَشَرِهِ) زاد في رواية: «حُلْوه، ومرّه))، وزاد في أخرى: ((من اللَّه)). [تنبيه]: ظاهر السياق يقتضى أن الإيمان، لايُطلق إلا على من صَدَّق بجميع ما ذُكر، وقد اكتفى الفقهاء بإطلاق الإيمان على من آمن بالله تعالى، ورسوله وَله، ولا اختلاف أن الإيمان برسول الله و الله المراد به الإيمان بوجوده، وبما جاء به عن ربه، فيدخل جميع ما ذكر تحت ذلك. والله تعالى أعلم. قاله في ((الفتح)) ١٦٣/١. (قَالَ) الرجل (صَدَقْتَ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِخسَانِ) قال في ((الفتح)): هو مصدر أحسن يُحسن إحسانا، ويتعدى بنفسه وبغيره، تقول: أحسنت كذا: إذا أتقنته، وأحسنت إلى فلان: إذا أوصلت إليه النفع، والأول هو المراد؛ لأن المقصود إتقان العبادة، وقد يلحظ الثاني بأن المخلص مثلا محسن بإخلاصه إلى نفسه، وإحسانُ العبادة: الإخلاص فيها، والخشوع وفراغ البال حالَ التلبس بها، ومراقبة المعبود. وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: الإحسان هو مصدر أحسن يُحسن إحسانًا، ويقال على معنيين: [أحدهما]: متعدّ بنفسه، كقولك: أحسنت كذا، وفي كذا: إذا حسّنته، وكمّلته، وهو منقول بالهمزة من حسُن الشيءُ. [وثانيهما]: متعدّ بحرف جرّ، كقولك: أحسنت إلى كذا: أي أوصلت إليه ما ينتفع به، وهو في هذا الحديث بالمعنى الأول، لا بالمعنى الثاني، إذ حاصله راجع إلى إتقان العبادات، ومراعاة حقوق اللَّه تعالى فيها، ومراقبته، واستحضار عظمته، وجلاله حالةً الشروع، وحالة الاستمرار فيها . وأرباب القلوب في هذه المراقبة على حالين: [أحدهما]: غالب عليه مشاهدة الحقّ، فكأنه يراه، ولعلّ النبيّ وَل ◌ّ أشار إلى هذه الحالة بقوله: ((وجُعلت قُرّة عيني في الصلاة))(١)، رواه أحمد، والنسائيّ. [وثانيهما]: لا ينتمي إلى هذه الحالة، لكن يغلب عليه أن الحقّ سبحانه وتعالى وَنَقَلُكَ فِی ٢١٨ مطّلع عليه، ومشاهد له، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿الَّذِى يَرَكَ حِيْنَ تَقُومُ ( السَّجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٨-٢١٩] وبقوله تعالى: ﴿وَمَا نَتْلُواْ مِنْهُ مِنْ قُرْءَانِ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُنْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيَةٍ﴾ [يونس: ٦١]، وهاتان الحالتان ثمرة معرفة الله تعالى، وخشيته، ولذلك فسّر الإحسان في حديث أبي هريرة رَزيه بقوله: ((أن (١) كان في نسخة القرطبيّ: ((وجعلت قرة عيني في عبادة ربي))، والذي في مسند أحمد ١٢٨/٣ و١٩٩ و٢٨٥ و((سنن النسائي)) ٦٢/٧ بلفظ: ((وجعلت قرة عيني في الصلاة))، فليُتنبّه. ١٩٧ ٥- (بَبُ نَعْتِ الإِسْلام) - حديث رقم ٤٩٩٢ تخشى الله كأنك تراه))، فعبّر عن المسبب باسم السبب توسّعًا، والألف واللام اللذان في ((الإحسان)) المسؤول عنه للعهد، وهو الذي قال الله تعالى فيه: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْمُسْنَ وَزِيَادَةٌ﴾ الآية [يونس: ٢٦]، وقوله: ﴿هَلْ جَزَآءُ الْإِحْسَنِ إِلَّ الْإِحْسَنُ﴾ [الرحمن: ٦٠] وقوله: ﴿وَأَحْسِنُوَّاْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]. ولَمّا تكرّر الإحسان في القرآن، وترتّب عليه هذا الثواب العظيم، سأل عنه جبريل النبيّ وَّ، فأجابه ببيانه؛ ليعمل الناس عليه، فيحصل لهم هذا الحظّ العظيم. انتهى ((المفهم)) ١٤٣/١-١٤٤. (قَالَ) ◌ِِّ (أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ) ((أن)) مصدريّة، والجملة في تأويل المصدر خبر لمحذوف: أي هو عبادة اللَّه تعالى (كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَةً يَرَاكَ) قال في ((الفتح)): أشار في الجواب إلى حالتين، أرفعهما أن يغلب عليه مشاهدة الحق بقلبه، حتى أنه يراه بعينه، وهو قوله: ((كأنك تراه)): أي وهو يراك، والثانية أن يستحضر أن الحق مُطلِع عليه، یَرَی كل ما يعمل، وهو قوله: ((فإنه يراك))، وهاتان الحالتان يثمرهما معرفة الله، وخشيته، وقد عبر في رواية عمارة بن القعقاع بقوله: ((أن تخشى الله كأنك تراه))، وكذا في حديث أنس تظله. وقال النووي: معناه إنك إنما تراعي الآداب المذكورة، إذا كنت تراه ويراك؛ لكونه يراك، لا لکونك تراه، فهو دائما یراك، فأحسن عبادته، وإن لم تره، فتقدیر الحدیث: فإن لم تكن تراه، فاستمر على إحسان العبادة، فإنه يراك، قال: وهذا القدر من الحديث أصل عظيم، من أصول الدين، وقاعدة مهمة من قواعد المسلمين، وهو عمدة الصديقين، وبغية السالكين، وكنز العارفين، ودأب الصالحين، وهو من جوامع الكلم التي أوتيها وَّر، وقد ندب أهل التحقيق إلى مجالسة الصالحين؛ ليكون ذلك مانعا من التلبس بشيء من النقائص؛ احتراما، واستحياء منهم، فكيف بمن لا يزال اللَّه مطلعا عليه، في سره وعلانيته. انتهى. وقد سبقٍ إلى أصل هذا القاضي عياض وغيره. (قَالَ) الرجل السائل (فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ) أي متى تقوم الساعة؟ وقد صرّح به في رواية عمارة بن القعقاع، واللام للعهد، والمراد يوم القيامة. قاله في ((الفتح)) ١٦٥/١. وقال القرطبيّ: الساعة: هي في أصلِ الوضع: مقدارٌ من الزمان، غير معيّن، ولا محدود؛ لقوله تعالى: ﴿مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم: ٥٥] وفي عرف الشرع: عبارة عن يوم القيامة، وفي عرف المعدّلين(١): جزء من أربعة وعشرين جزءًا من أوقات الليل والنهار. قاله في ((المفهم)) ١/ ١٤٧ . (١) (المعدّلون)): هم المشتغلون بالحساب، وتقدير الزمن. انتهى من هامش ((المفهم)) ١٤٧/١. E ١٩٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ (قَالَ) وَِّ (مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا) ((ما)) نافيةٌ، وزاد في حديث أبي هريرة، وأبي ذرّ رضي اللَّه عنهما الآتي: ((قال: فنكْس، فلم يُجبه شيئًا، ثم أعاد، فلم يُجبه شيئًا، ثم أعاد، فلم يجبه شيئًا، ورفع رأسه، فقال: ما المسؤول ... )) (بِأَعْلَمَ بِهَا) الباء زائدة لتأكيد النفي، وهذا وإن كان مشعرا بالتساوي في العلم، لكن المراد التساوي في العلم بأن اللَّه تعالى استأثر بعلمها؛ لقوله بعدُ: ((في خمس لا يعلمها إلا الله))، وسيأتي نظير هذا التركيب في أواخر الكلام على الحديث الآتي في الباب التالي، إن شاء اللّه تعالى، في قوله: ((ما كنت بأعلم به من رجل منكم))، فإن المراد أيضا التساوي في عدم العلم به، وفي حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: فقال: ((سبحان الله، خمس من الغيب، لا يعلمهن إلا اللّه، ثم تلا الآية)». (مِنَ السَّائِلِ) إنما عدل عن قوله: لست بأعلم بها منك، إلى لفظٍ يُشعر بالتعميم؛ تعريضا للسامعين: أي أن كل مسئول، وكل سائل، فهو كذلك. [فائدة]: هذا السؤال والجواب، وقع بين عيسى ابن مريم وجبريل عليهم الصلاة والسلام، لكن كان عيسى سائلا، وجبريل مسؤولا، قال الحميدي، في «نوادره)): حدثنا سفيان، حدثنا مالك بن مِغْول، عن إسماعيل بن رجاء، عن الشعبي، قال: ((سأل عيسى ابن مريم جبريل، عن الساعة؟ قال: فانتفض بأجنحته، وقال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل)). ذكره في ((الفتح)) ١٦٦/١ . (قَالَ) السائل (فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَاتها) هكذا في حديث عمر رَظّه أن السائل قال له وَالر: ((فأخبرني عن أماراتها))، وفي حديث أبي هريرة رَّه عند البخاريّ في ((الإيمان)): ((وسأخبرك عن أشراطها))، وفي ((التفسير)): ((ولكن سأحدثك))، وفي الرواية الآتية في الباب التالي: ((ولكن لها علامات، تعرف بها)). ويجمع بين هذه الاختلافات بأنه وال ﴿ ابتدأ بقوله: ((وسأخبرك))، فقال له السائل: ((فأخبرني))، ويدل على ذلك رواية سليمان التيمي، ولفظها: ((ولكن إن شئت، نبأتك عن أشراطها، قال: أجل))، ونحوه في حديث ابن عباس، وزاد: ((فحدثني)). ويُستفاد من اختلاف الروايات: أن التحديث، والإخبار، والإنباء، بمعنى واحد، وإنما غاير بينها أهل الحديث اصطلاحا. و((الأمارات)): جمع أمارة بالفتح، كالعلامة وزنًا ومعنىَ. و((الأشراط)) - بفتح الهمزة- جمع شَرَط- بفتحتين- كقَلَم وأَقْلام: هي الأمارات، والعلامات، ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاُهَا﴾ [محمد: ١٨] وبها سُمّي الشُّرَط؛ لأنهم يُعلّمون أنفسهم بعلامات يُعرفون بها. ١٩٩ ٥- (بَأَبُ نَعْتِ الإِسْلام) - حديث رقم ٤٩٩٢ وقال القرطبي: علامات الساعة على قسمين: ما يكون من نوع المعتاد، أو غيره، والمذكور هنا الأول، وأما الغير: مثل طلوع الشمس من مغربها، فتلك مقارنة لها، أو مضايقة، والمراد هنا العلامات السابقة على ذلك، والله تعالى أعلم. ذكره في ((الفتح)) ١٦٦/١ . (قَالَ) وَِّ (أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا) هو في تأويل المصدر خبر لمحذوف: أي هي: أي الأمرات ولادة الأمة ربتها. قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: الأمة هنا: هي الجارية المستولدة، وربّها سيّدها، وقد سُمّي بعلًا في الرواية الأخرى، كما سمّاه اللَّه تعالى بعلًا في قوله تعالى: ﴿أَنَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَلِفِينَ﴾ [الصّافَات: ١٢٥] في قول ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما، وحُكي عنه أنه قال: لم أدر ما البعل؟ حتى قلت لأعرابيّ: لمن هذه الناقة؟ فقال: أنا بعلها، وقد سُمي الزوج بعلًا، ويُجمع علي بُعُولة، كما قال تعالى: ﴿وَبُعُولَفْنَّ أَحَقُّ بِرَوَّهِنَ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، ﴿وَهَذَا بَعْلِى شَيْئًا﴾ [هود: ٧٢]. و((ربّتها)): تأنيث ربّ. انتهى ((المفهم)) ١٤٨/١. وفي حديث أبي هريرة رضي عند البخاريّ بلفظ: ((إذا ولدت الأمة ربها))، بالتذكير، قال في ((الفتح)): وفي ((التفسير)): ((ربتها)) بتاء التأنيث، وكذا في حديث عمر، ولمحمد ابن بشر مثله، وزاد: ((يعني السراري))، وفي رواية عمارة بن القعقاع: ((إذا رأيت المرأة تلد ربها))، ونحوه لأبي فَرْوة، وفي رواية عثمان بن غياث: ((الإماء أربابهن)) بلفظ الجمع، والمراد بالرب: المالك، أو السيد. وقال أيضًا: ((التعبير بـ((إذا)) للإشعار بتحقق الوقوع، ووقعت هذه الجملة بيانا للأشراط نظرًا إلى المعنى، والتقدير: ولادةُ الأمة، وتطاول الرعاة. [فإن قيل]: الأشراط جمع، وأقله ثلاثة على الأصح، والمذكور هنا اثنان، أجاب الكرماني بأنه قد تستقرض القلة للكثرة، وبالعكس، أو لأن الفرق بالقلة والكثرة، إنما هو في النكرات، لا في المعارف، أو لفقد جمع الكثرة للفظ ((الشرط)). قال الحافظ: وفي جميع هذه الأجوبة نظر، ولو أجيب بأن هذا دليل القول الصائر إلى أن أقل الجمع اثنان، لَمَا بَعُد عن الصواب، والجواب المرضيّ أن المذكور من الأشراط ثلاثة، وإنما بعض الرواة اقتصر على اثنين منها؛ لأنه هنا- يعنى في حديث أبي هريرة عند البخاريّ في ((الإيمان))، ومثله في حديث عمر عند النسائيّ هنا- ذكر الولادة، والتطاول، وفي ((التفسير)) ذكر الولادة، وتَرَؤُّس الحفاة، وفي رواية محمد بن بشر التي أخرج مسلم إسنادها، وساق ابن خزيمة لفظها، عن أبي حيان، ذكر الثلاثة، وكذا في شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ ٢٠٠ ((مستخرج الإسماعيلي))، من طريق ابن علية، وكذا ذكرها عمارة بن القعقاع، ووقع مثل ذلك في حديث عمر رَّه ، ففي رواية كهمس- يعني رواية النسائيّ هنا- ذكر الولادة والتطاول فقط، ووافقه عثمان بن غياث، وفي رواية سليمان التيمي ذكر الثلاثة، ووافقه عطاء الخراساني، وكذا ذُكِرت في حديث ابن عباس، وأبي عامر .*. انتهى ((فتح)) ١٦٦/١-١٦٧. وسيأتي اختلاف العلماء في معنى ((أن تلد الأمة ربتها)) في المسألة الخامسة، إن شاء الله تعالى. (وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ) بالضمّ: جمع حاف، وهو الذي لا يلبس في رجله شيئًا (الْعُرَاةَ) بالضمّ أيضًا: جمه عار: وهو الذي لا يلبس على جسده ثوبًا (الْعَالَةَ) بتخفيف اللام: جمع عائل، وهو الفقير، والعيلة: الفقر، يقال: عال الرجل يَعِيل عَيْلةً: إذا افتقر، وأعال يُعيل: إذا كثُر عياله (رِعَاءَ الشَّاءِ) بالكسر: جمع راع، وأصل الرعي: الحفظ، و((الشاء»: جمع شاة، وهو من الجمع الذي يفرق بينه وبين واحده بالهاء، وهو كثير فيما كان خِلْقةً لله تعالى، كشجرة وشجر، وثمرة وثمر، وإنما خصّ رعاء الشاء بالذكر؛ لأنهم أضعف أهل البادية. قاله في ((المفهم)) ١٥/١ . وفي حديث أبي هريرة رضي الآتي: ((إذا رأيت الرعاء البهم))، وعند البخاريّ: ((وإذا تطاول رعاة الإبل البهم)). قال في ((الفتح)): قوله: ((تطاول)): أي تفاخروا في تطويل البنيان، وتكاثروا به. قوله: ((رعاة الإبل)): هو بضم الراء جمع راع، كقضاة وقاض. و((البهم)): بضم الموحدة، ووقع في رواية الأصيلي بفتحها، ولا يتجه مع ذكر الإبل، وإنما يتجه مع ذكر الشياه، أو مع عدم الإضافة، كما في رواية مسلم: ((رعاء البهم))، وميم ((البهم)) في رواية البخاري، يجوز ضمها على أنه صفة ((الرعاة))، ويجوز الكسر على أنها صفة ((الإبل))، يعني الإبل السُّود، وقيل: إنها شر الألوان عندهم، وخيرها الْحُمْر التي ضرب بها المثل، فقيل: ((خير من حُمْرِ النَّعَم))، ووصف الرعاة بالبهم: إما لأنهم مجهولو الأنساب، ومنه أبهم الأمر، فهو مبهم: إذا لم تعرف حقيقته. انتهى. وقال القرطبي و((البهم)) بفتح الباء -: جمع بهيمة، وأصلها صغار الضأن والمعز، وقد يختصّ بالمعز، وأصله من استبهم عن الكلام، ومنه البهيمة. ووقع في البخاريّ: ((رعاة الإبل البهم))- بضم الباء -: جمع أبهم، وهو الأسود الذي لا يُخالطه لون آخر، وقُيّدت ميم البهم بالكسر، والضمّ، فمن كسرها جعلها صفة للإبل، ومن رفعها جعلها صفة للرعاء. وقيل: معناه لا شيء لهم، كقوله وَالتر: ((يُحشَر الناس حُفاة، عُراة، بُهُما))، قال: وهذا التأيل فيه نظر، لأنه قد نسب له إبلًا، وظاهرها الملك. وقال الخطابيّ: هو