النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١
٤٦- (كِتَبُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ)
اللَّهُ وَِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَّكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢].
وكذلك في الآية الأخرى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِنَبًا مُتَشَبِهَا مَّثَانِىَ نَفْشَعِرُ مِنْهُ
جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآية [الزمر: ٢٣]،
والذين يخشون ربهم هم الذين إذا ذكر اللَّه تعالى وجلت قلوبهم.
[فإن قيل]: فخشوع القلب لذكر الله، وما نزل من الحقّ واجبٌ.
[قيل]: نعم، لكن الناس فيه على قسمين: مقتصدٌ، وسابقٌ، فالسابقون يختصّون
بالمستحبّات، والمقتصدون الأبرار هم عموم المؤمنين المستحقّين للجنة، ومن لم يكن
من هؤلاء، ولا هؤلاء، فهو ظالم لنفسه، وفي الحديث الصحيح، عن النبيّ وَلقوله:
((اللّهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، وقلب لا يخشع، ونفس لا تشبع، ودعاء لا
یسمع)).
وقد ذمّ اللَّه قسوة القلوب المنافية للخشوع في غير موضع، فقال تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ
قُلُوبُكُم مِّنْ بَعْدٍ ذَلِكَ فَهِىَ كَلِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةٌ﴾ الآية [البقرة: ٧٤]. قال الزجاج: قست
في اللغة: غلُظت، ويبست، وعسيت، فقسوة القلب: ذهاب اللين والرحمة،
والخشوع منه، والقاسي، والعاسي: الشديد الصلابة. وقال ابن قتيبة: قست،
وعست، وعتت: أي يبست، وقوّة القلب المحمودة غير قسوته المذمومة، فإنه ينبغي
أن يكون قويّا من غير عنف، ولينا من غير ضعف. وفي الأثر: ((القلوب آنية اللَّه في
أرضه، فأحبّها إلى اللَّه أصلبها، وأرقّها، وأصفاها))، وهذا كاليد، فإنها قويّة، ليّنة،
بخلاف ما يقسو من العقب، فإنه يابس، لا لين فيه، وإن كان فيه قوّة، وهو سبحانه ذکر
وَجَلَ القلب من ذكره، ثم ذكر زيادة الإيمان عند تلاوة كتابه علمًا وعملًا.
ثم لا بدّ من التوكّل على الله تعالى فيما لا يقدر عليه، ومن طاعته فيما يقدر عليه،
وأصل ذلك الصلاة، والزكاة، فمن قام بهذه الخمس، كما أمر لزم أن يأتي بسائر
الواجبات.
بل الصلاة نفسها إذا فعلها كما أثمر، فهي تنهى عن الفحشاء والمنكر، كما روي عن
ابن مسعود، وابن عبّاس : ((إن في الصلاة منتهىّ، ومُزدجرًا عن معاصي الله،
فمن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، لم يزدد بصلاته من اللَّه إلا بُعدًا))، وقوله:
(لم يزدد إلا بُعدًا)) إذا كان ما ترك من الواجب منها أعظم مما فعله، أبعده ترك الواجب
الأكثر من اللّه أكثر مما قرّبه فعل الواجب الأقلّ، وهذا كما في ((الصحيح)) عن النبيّ وَّلـ
أنه قال: ((تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، يرقب الشمس
حتى إذا كانت بين قرني شيطان، قام فنقر أربعًا، لا يذكر الله فيها إلا قليلا)). وقد قال
١٦٢
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ
الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَفِقِينَ يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَدِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوْ إِلَى الصَّلَوْةِ قَامُواْ كُسَالَى
يُرَآءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلََّّ قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢]. وفي ((السنن)) عن عمّار ◌َّه
عن النبيّ وَّر أنه قال: ((إن العبد لينصرف من صلاته، ولم يُكتب له منه إلا نصفها، إلا
ثلثها))، حتى قال: ((إلا عشرها))، وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما، قال: ((ليس
لك من صلاتك إلا ما عقلت منها))، وهذا وإن لم يؤمر بإعادة الصلاة عند أكثر العلماء،
لكن يؤمر بأن يأتي من التطوّعات بما يجبُر نقص فرضه، ومعلومٌ أن من حافظ على
الصلوات بخشوعها الباطن، وأعمالها الظاهرة، وكان يخشى الله الخشية التي أمره بها،
فإنه يأتي بالواجبات، ولا يأتي كبيرة، ومن أتى الكبائر، مثل الزنا، أو السرقة، أو شرب
الخمر، وغير ذلك، فلا بدّ أن يذهب ما في قلبه من تلك الخشية، والخشوع، والنور،
وإن بقي أصل التصديق في قلبه، وهذا من الإيمان الذي يُنزع منه عند فعل الكبيرة، كما
قال النبيّ وَّر: ((لا يزني الزاني حين يزني، وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق،
وهو مؤمن)). فإن المتّقين كما وصفهم الله تعالى بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَتَّقَوْاْ إِذَا مَسَُّهُمْ
طَبِفٌ مِّنَ الشَّيْطَنِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١]، فإذا طاف بقلوبهم
طائف من الشيطان تذكّروا، فيُبصرون. قال سعيد بن جُبير: هو الرجل يغضب الغضبة،
فيذكر اللَّه، فيكظم الغيظ. وقال ليث، عن مجاهد: هو الرجل يهمّ بالذنب، فيذكر
الله، فيدعه، والشهوة، والغضب مبدأ السيئات، فإذا أبصر رجع، ثم قال: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ
يَمُدُّونَهُمْ فِ الْغَيْ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٢]: أي وإخوان الشياطين تُمدّهم
الشياطين في الغيّ، ثم لا يقصرون. قال ابن عبّاس: لا الإنس تقصر عن السيئات، ولا
الشياطين تُمسك عنهم، فإذا لم يبصر بقي قلبه في غيّ، والشيطان يمدّه في غيّه، وإن
كان التصديق في قلبه لم يكذب، فذلك النور والإبصار، وتلك الخشية والخوف،
يخرج من قلبه، وهذا كما أن الإنسان يغمض عينيه، فلا يرى شيئًا، وإن لم يكن أعمى،
فكذلك القلب بما يغشاه من رين الذنوب، لا يُبصر الحقّ، وإن لم يكن أعمى كعمى
الكافر .
وهكذا جاء في الآثار، قال أحمد بن حنبل في ((كتاب الإيمان)): حدّثنا يحيى، عن
أشعث، عن الحسن، عن النبيّ وَّر، قال: ((يُنزع منه الإيمان، فإن تاب أُعيد إليه)).
وقال: حدّثنا يحيى، عن عوف، قال: قال الحسن: ((يُجانبه الإيمان ما دام كذلك، فإن
راجع راجعه الإيمان)). وقال أحمد: حدّثنا معاوية، عن أبي إسحاق، عن الأوزاعيّ،
قال: وقد قلت للزهريّ حين ذكر هذا الحديث: ((لا يزني الزاني حين يزني، وهو
مؤمن))، فإنهم يقولون: فإن لم يكن مؤمنًا، فما هو؟ قال: فأنكر ذلك، وكره مسألتي
١٦٣ =
٤٦- (كِتَبُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ)
عنه. وقال أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهديّ، عن سفيان، عن إبراهيم بن مهاجر،
عن مجاهد، عن ابن عبّاس رضي اللَّه تعالى عنهما، أنه قال لغلمانه: من أراد منكم
الباءة زوّجناه، لا يزني منكم زان، إلا نزع اللَّه منه نور الإيمان، فإن شاء أن يردّه ردّه،
وإن شاء أن يمنعه منعه)). وقال أبو داود السجستانيّ: حدّثنا عبد الوهّاب بن نَجْدة،
حدّثنا بقيّة بن الوليد، حدثنا صفوان بن عمرو، عن عبد الله بن ربيعة الحضرميّ، أنه
أخبره، عن أبي هريرة ◌َي أنه كان يقول: «إنما الإيمان كثوب أحدكم، يلبسه مرّةً،
ويقلعه أخرى))، وكذلك رواه بإسناده عن عمر رَظّمه. ورى عن الحسن، عن النبيّ وَّ
مرسلًا. وفي حديث أبي هريرة تَمّه مرفوعا إلى النبيّ ◌َّ: ((إذا زنى الزاني خرج منه
الإيمان، فكان كالظلّة، فإذا انقطع رجع إليه الإيمان)). انتهى كلام شيخ الإسلام ابن
تيمية رحمه الله تعالى ((مجموع الفتاوى)) ٥/٧-٣٣. وهو تحقيق نفيس جداً، لا تجده
في كتاب غيره، فاغتنمه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في إطلاق الإنسان قوله: أنا مؤمنٌ:
قال النوويّ رحمه الله تعالى: اختلف العلماء من السلف وغيرهم، فى إطلاق
الإنسان قوله: أنا مؤمن، فقال طائفة: لا يقول: أنا مؤمن، مقتصرا عليه، بل يقول: أنا
مؤمن إن شاء اللَّه، وحَكَى هذا المذهب بعض أصحابنا عن أكثر أصحابنا المتكلمين،
وذهب آخرون إلى جواز الإطلاق، وأنه لايقول: إن شاء اللّه، وهذا هو المختار، وقول
أهل التحقيق، وذهب الأوزاعيّ، وغيره إلى جواز الأمرين، والكل صحيح باعتبارات
مختلفة، فمن أطلق نظر إلى الحال، وأحكام الإيمان جارية عليه فى الحال، ومن قال:
إن شاء الله، فقالوا فيه: هو إما للتبرك، وإما لاعتبار العاقبة، وما قدر اللّه تعالى، فلا
يدري أيثبت على الإيمان، أم يُصرَف عنه، والقول بالتخيير حسن صحيح، نظرًا إلى
مأخذ القولين الأولين، ورفعًا لحقيقة الخلاف.
وأما الكافر ففيه خلاف غريب لأصحابنا، منهم من قال: يقال: هو كافر، ولا
يقول: إن شاء الله، ومنهم من قال: هو فى التقييد كالمسلم على ما تقدم، فيقال على
قول التقييد: هو كافر إن شاء الله نظرا إلى الخاتمة، وأنها مجهولة، وهذا القول اختاره
بعض المحققين، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ.
وقال الحافظ السيوطيّ رحمه الله تعالى في ((الكوكب الساطع)):
وَجَازَ أَنْ يَقُولَ إِنِّي مُؤْمِنُ إِنْ شَاءَ رَبِّي خَشْيَةً أَنْ يُفْتَنُ
بَلْ هُوَ أَوْلَى عِنْدَ جُلٌّ السَّلَفِ وَأَنْكَرَ الْقَوْلَ بَهِذَا الْحَنَفِي
يعني أن قوله: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى جائز؛ خشية أن يُفتن، لا شكّا في
١٦٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ
الإيمان، وهذا مذهب جلّ السلف، فقد حُكي ذلك عن عمر بن الخطاب، وابن
مسعود، وعائشة، والحسن، وابن سيرين، ومنصور، ومغيرة، والأعمش، وليث بن
أبي سُليم، وعطاء بن السائب، وعمارة بن القعقاع، والعلاء بن المسيّب، وإسماعيل بن
أبي خالد، وعبد الله بن شُبْرُمة، والثوريّ، وابن عُيينة، وقال: إنه توكيد للإيمان،
وحمزة الزيات، وعلقمة، وحماد بن زيد، والنضر بن شُميل، ويزيد بن زُريع، ويحيى
ابن سعيد القطّان، والنخعيّ، وطاوس، وأبي الْبَخْتَريّ سعيد بن فيروز، ويزيد بن أبي
زياد، وعلي بن خليفة، ومعمر، وجرير بن عبد الحميد، وابن المبارك، والأوزاعيّ،
ومالك، وابن مهديّ، والشافعيّ، وأبي ثور، وآخرين، واختاره أبو منصور الماتريديّ،
بل بلغ قوم من السلف، وقالوا: إنه أولى، وعابوا على قائل: إني مؤمن. أخرج ذلك
ابن أبي شيبة في ((كتاب الإيمان)). ومنع من ذلك أبو حنيفة، وطائفة، وقالوا: هو شكّ،
والشكّ في الإيمان كفر. وأجيب عن ذلك بأوجه: [أحدها]: أنه لا يقال شكّا، بل
خوفًا من سوء الخاتمة؛ لأن الأعمال معتبرة بخواتمها، كما أن الصائم لا يحكم له
بالصوم إلا في آخر النهار. [الثانية]: أنه للتبرّك، وإن لم يكن شكٍّ، كقوله تعالى:
﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُ﴾ الآية [الفتح: ٢٧]. [الثالثة]: أن المشيئة راجعة
إلى الإيمان، فقد يُخلّ ببعضه، فيستثني لذلك. والله تعالى أعلم بالصواب، راجع ما
كتبته على ((الكوب الساطع)) ص٦٠١- ٦٠٢ .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: الاستثناء في الإيمان سنة عند
أصحابنا، وأكثر أهل السنّة، وقالت المرجئة والمعتزلة: لا يجوز الاستثناء فيه، بل هو
شكّ، والاستناء أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، أو مؤمن أرجو، أو آمنت بالله،
وملائكته، و کتبه، ورسله، أو إن كنت تريد الإيمان الذي يعصم دمي فنعم، وإن كنت
تريد: ﴿إِنَّمَا أَلْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢] فالله أعلم.
ثم هنا ثلاثة أقوال: إما أن يقال: الاسثناء واجبٌ، فلا يجوز القطع، وهذا قول
القاضي في ((عيون المسائل)) وغيره. وإما أن يقال: هو مستحب، ويجوز القطع باعتبار
آخر. وإما أن يقال: كلاهما جائز باعتبار. وإنما ذكر أن الاستثناء سنة بمعنى أنه جائز،
ردا على من نهى عنه. فإذا قلنا: هو واجب، فمأخذ القاضي أنه لو جاز القطع على أنّا
مؤمنون، لكان ذلك قطعًا على أنّا في الجنة؛ لأن اللّه تعالى وعد المؤمنين الجنة، ولا
يجوز القطع على الوعد بالجنة؛ لأن من شرط ذلك الموافاة بالإيمان، ولا يعلم ذلك إلا
اللَّه، وكذلك الإيمان إنما يحصل بالموافاة، ولا يعلم ذلك، ولهذا قال ابن مسعود
رَّ: هلا وكل الأولى كما وكل الآخرة، يريد بذلك ما استدلّ به من أنَّ رجلا قال
١٦٥ =
٤٦- (كِتَبُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ)
عنده: إني مؤمن، فقيل لابن مسعود تَّه : هذا يزعم أنه مؤمن، قال: فسلوه أفي
الجنّة هو، أو في النار؟ فسألوه، فقال: اللَّه أعلم، فقال عبد الله: فهلا وكلت الأولى
كما وكلت الثانية.
قال ابن تيميّة: ويُستدلّ أيضًا على وجوب الاسثناء بقول عمر ◌َزيه: من قال: إنه
مؤمن، فهو كافر، ومن زعم أنه في الجنة، فهو في النار، ومن زعم أنه عالم، فهو
جاهل، ولما استدلّ المنازع بأن الاستثناء إنما يحتاج إليه لمستقبل يشكّ في وقوعه قال:
الجواب أن هنا مستقبلًا يُشكّ في وقوعه، وهو الموافاة بالإيمان، والإيمان مرتبط بعضه
ببعض، فهو كالعبادة الواحدة.
قال: فحقيقة هذا القول أن الإيمان اسم للعبادة من أول الدخول فيه إلى أن يموت
عليه، فإذا انتقض تبيّن بطلان أولها، كالحدث في آخر الصلاة، والوطء في آخر الحجّ،
والأكل في آخر النهار، وقول مؤمن عند الإطلاق يقتضي فعل الإيمان كله، كقول
مصلّ، وصائم، وحاجٌ، فهذا مأخذ القاضي، وقد ذكر بعد هذا في ((المعتمد)) مسألة
الموافاة، وهي متّصلة بها، وهو أن المؤمن الذي علم اللَّه أنه يموت كافرًا، وبالعكس،
هل يتعلّق رضا الله، وسخطه، ومحبّته، وبغضه بما هو عليه، أو بما يوافي به،
والمسألة متعلّقة بالرضا والسخط، هل هو قديم، أو محدث؟.
[والمأخذ الثاني]: أن الاسم عند الإطلاق يقتضي الكمال، وهذا غير معلوم
للمتكلّم، كما قال أبو العالية (١): أدركت ثلاثين من أصحاب محمد بَّر كلهم يخاف
النفاق على نفسه، لا يقول: إن إيماني كإيمان جبريل، فإخبار الرجل عن نفسه أنه كامل
الإيمان خبر بما لا يعلمه، وهذا معنى قول ابن المنزل: إن المرجئة تقول: إن حسناتها
مقبولة، وأنا لا أشهد بذلك، وهذا مأخذ يصلح لوجوب الاستثناء، وهذا المأخذ الثاني
للقاضي، فإن المنازع احتجّ بأنه لما لم يجز الاستثناء في الإسلام، فكذلك في الإيمان.
قال: والجواب أن الإسلام مجرّد الشهادتين، وقد أتى بهما، والإيمان أقوال، وأعمال؛
لقوله {وَالر: ((الإيمان بضع وسبعون بابا))، وهو لا يتحقّق كلّ ذلك منه.
[والمأخذ الثالث]: أن ذلك تزكية للنفس، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿فَلَا تُزَّكُواْ أَنْفُسَكُمْ﴾
الآية [النجم: ٣٢]، وهذا يصلح للاستحباب، وإلا فإخبار الرجل بصفته التي هو عليها
جائز، وإن كان مدحًا، وقد يصلح للإيجاب، قال الأثرم في ((السنّة)): حدثنا أحمد بن
(١) هكذا في ((مجموع الفتاوى))، والذي في ((صحيح البخاريّ)): وقال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين
من أصحاب النبيّ وَّر كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول: إنه على إيمان جبريل
ومکائیل) . انتهى.
١٦٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ
حنبل، سمعت يحيى بن سعيد يقول: ما أدركت أحدًا من أصحابنا، ولا بلغني إلا على
الاستثناء، قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله، يسأل عن الاستثناء في الإيمان، ما تقول
فيه؟ قال: أما أنا فلا أَعيبه (١) فاستثنى مخافة، واحتياطًا، ليس كما يقولن على الشكّ،
إنما يستثني للعمل، قال أبو عبد اللَّه: قال الله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ
اَللَّهُ﴾ الآية: أي إن هذا الاستثناء لغير شكّ، وقد قال النبيّ وَّر: ((وإنا إن شاء الله بكم
لا حقون)): أي لم يكن يشكّ في هذا، وقد استثنى، وذكر قول النبيّ وَل: ((نبعث إن
شاء الله)) من القبر، وذكر قول النبيّ وَّه: ((إني والله لأرجو أن أكون أخشاكم لله))،
قال: هذا كله تقوية للاستثناء في الإيمان. قلت لأبي عبد الله: فكأنك لا ترى بأسًا أن
لا يُستثنى، فقال: إذا كان ممن يقول: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، فهو أسهل
عندي، ثم قال أبو عبد اللّه: إن قومًا تضعف قلوبهم عن الاستثناء، فتعجّب منهم،
وذكر كلامًا طويلًا تركته. فكلام أحمد يدلّ على أن الاستثناء لأجل العمل، وهذا
المأخذ الثاني، وأنه لغير شكّ في الأصل، وهو يُشبه الثالث، ويقتضي أن يجوز ترك
الاستثناء، وأما جواز إطلاق القول بأني مؤمن، فيصحّ إذا عنَى أصل الإيمان، دون
كماله، والدخول فيه، دون تمامه، كما يقول: أنا حاجٌ، وصائمٌ لمن شرع في ذلك،
وكما يُطلقه في قوله: آمنت بالله ورسله، وفي قوله: إن كنت تعني كذا وكذا أن جواز
إخباره بالفعل يقتضي جواز إخباره بالاسم مع القرينة، وعلى هذا يخرّج ما رُوي عن
معاذ بن جبل رَّه ، وما رُوي في حديث الحارث الذي قال: ((أنا مؤمنٌ حقّا))، وفي
حديث الوفد الذين قالوا: ((نحن المؤمنون))، وإن كان في الإسنادين نظر. انتهى كلام
شيخ الإسلام رحمه الله تعالى ((مجموع الفتاوى)) ٦٦٦/٧-٦٦٩.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن مما سبق أن الأرجح هو ما عليه جلّ السلف
رحمهم الله تعالى من أنه يجوز أن يقول الإنسان: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى؛ خوفًا من
العاقبة، وتبرّكًا بذكر المشيئة، لا شكّا في أصل الإيمان. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): [اعلم]: أن مذهب أهل الحق، أنه لا يُكَفَّر أحد من أهل القبلة
بذنب، ولا يكفر أهل الأهواء والبدع، وأن من جحد ما يُعلم من دين الإسلام ضرورة،
حُكم بردته، وكفره، إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة، ونحوه
ممن يخفی علیه، فیُعرَّف ذلك، فإن استمر حُكم بكفره، وكذا حكم من استحل الزنا،
(١) كتب في ((هامش مجموع الفتاوى)): ما نصّه: سقط في الأصل مقدار نصف سطر.
١٦٧ ==
٤٦- (كِتَبُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ)
أو الخمر، أو القتل، أو غير ذلك من المحرمات التي يُعلم تحريمها ضرورة. انتهى
((النوويّ على صحيح شرح مسلم)) ١/ ١٤٤ - ١٥٠.
وقال الحافظ السيوطيّ رحمه اللّه تعالى في ((الكوكب الساطع)):
وَلَا نَرَى تَكْفِيرَ أَهْلِ الْقِبْلَةِ وَلَا الْخُرُوجَ أَنْ عَلَى الأَئِّمَّةِ
وقلت في ((شرحي)) عليه: أشار به إلى ما قاله الشافعيّ، وأبو حنيفة، والأشعريّ: لا
نكفّر أحدًا من أهل القبلة بذنب أجرمه، وروى البيهقيّ بسند صحيح أن جابر بن عبد الله
رضي اللَّه تعالى عنهما سُئل، هل كنتم تسمّون من الذنوب كفرًا، أو شركًا، أو نفاقًا؟
قال: معاذ اللَّه، لكنّا نقول: مؤمنون مذنبون.
وقال الإمام الذهبيّ رحمه الله تعالى في ((سير أعلام النبلاء)) ٨٨/١٥- في ترجمة أبي
الحسن الأشعريّ رحمه الله تعالى: ما نصّه: رأيت للأشعريّ كلمة أعجبتني، وهي
ثابتةٌ، رواها البيهقيّ، سمعت أبا حازم العبدريّ، سمعت زاهر بن أحمد السرخسيّ
يقول: لَمّا قرب أجل أبي الحسن الأشعريّ في داري ببغداد، دعاني، فأتيته، فقال:
اشهَدْ عليّ أني لا أكفّر أحدا من أهل القبلة؛ لأن الكلّ يُشيرون إلى معبود واحد، وإنما
هذا كله اختلاف العبارات. قال الذهبيّ: وبنحو هذا أدين، وكذا كان شيخنا ابن تيميّة
في أواخر أيامه يقول: أنا لا أكفّر أحدًا من الأمة، قال النبيّ وَّ: لا يُحافظ على الوضوء.
إلا مؤمن)) (١) . فمن لازم الصلوات بوضوء، فهو مسلم. انتهى كلام الذهبيّ رحمه الله
تعالی .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله هؤلاء الأئمة من عدم تكفير أهل القبلة
بالذنوب هو الحقّ، فينبغي التنبّه له، وعدم التسرّع إلى القول بتكفير أحد منهم إلا ببيّنة
واضحة، لا يُقبل معها التأويل. والله تعالى أعلم بالصواب.
هذه جمّلٌ من المسائل المتعلقة بالإيمان، قدمتها فى صدر الكتاب، تمهيدا لكونها مما
يكثر الاحتياج إليها، ولكثرة تكرارها، وتردادها فى الأحاديث، فقدمتها في موضع
واحد؛ ليسهل فهمها، ويقرب إداركها، ويتيسّر الإحالة عليها، إذا مرّ في الأبواب الآتية
ما يتعلّق بها. والله أعلم بالصواب، وله الحمد والنعمة، وبه التوفيق والعصمة.
(١) حديث صحيح أخرجه أحمد، والدارميّ، والحاكم، وابن حبّان.
١٦٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ
١- (ذِكْرُ أَفْضَلِ الأَعْمَالِ)
٤٩٨٧- (حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ، مِنْ لَفْظِهِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَمْرُو بْنُ
عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ
بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهَ، سُئِلَ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ:
(الَّإِيمَانُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم
تقدّموا غير مرّة.
والقائل: ((حدّثنا أبو عبد الحمن الخ)) هو تلميذ المصنّف، والظاهر أنه الحافظ أبو
بكر بن السنّيّ رحمه الله تعالى؛ لأنه المشهور برواية ((المجتبى)) عن المصنف رحمه الله
تعالى. و((عمرو بن عليّ): هو الفلاس. و((عبد الرحمن)): هو ابن مهديّ. و((إبراهيم
ابن سعد)): هو الزهريّ المدنيّ الثقة الثبت [٨] .
والسند فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه ابن المسيّب أحد الفقهاء السبعة، وفيه أنه
من أصح أسانيد أبي هريرة تظنّيه، وفيه أبو هريرة تنظيم رئيس المكثرين السبعة، روى
من الأحاديث (٥٣٧٤). والله تعالى أعلم.
وقوله: ((أيّ الأعمال أفضل الخ)): قال السنديّ رحمه اللّه تعالى: قد وردت في
أفضل الأعمال أحاديث مختلفة، ذكر العلماء في التوفيق بينها وجوهًا، وأحسن ما قالوا
أنه خاطب كلّ شخص بالنظر إلى مقامه، وما يقتضيه حاله، كما هو حال الحكيم، نعم
لا إشكال في هذا الحديث، فإن الظاهر أن الإيمان أفضل الأعمال على الإطلاق، وفيه
إطلاق اسم العمل على الإيمان، وأنه لا يختصّ بأفعال الجوارح، وعلى هذا فعطف
العمل على الإيمان في مواضع من القرآن، مثل: ﴿إِنَّ الَِّينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَاتِ﴾
[الكهف: ١٠٧] من عطف الأعمّ على الأخصّ، إلا أن يخصّ العمل في الآية بعمل
الجوارح بقرينة المقابلة، فيكون من عطف المتباينين. والله تعالى أعلم. انتهى.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قد تقدّم في ((كتاب الحجّ)) بيان أقوال العلماء في
الجمع بين الأحاديث المختلفة في بيان أفضل الأعمال، مستوفّى، فراجعه تستفد،
وبالله تعالى التوفيق.
وحديث أبي هريرة تظفيه هذا متفق عليه، وقد تقدّم في ((كتاب الحجّ)) ٢٦٢٤/٤
وتقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله هناك. ومطابقته للترجمة واضحة. والله تعالى أعلم
١- (ذِكْرُ أَفْضَلِ الأَعْمَالِ) - حديث رقم ٤٩٨٨
١٦٩ =
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٩٨٨- (أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجْ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَلِيِّ الْأَزْدِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
حُبْشِيِّ الْخَثْعَمِيِّ، أَنَّ النَّبِيِّ وَّهِ، سُئِلَ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: ((إِيمَانٌ لَا شَكَّ نِهِ،
وَجِهَادٌ لَا غُلُولٌّ فِيهِ، وَحَجَّةٌ مَبْرُورَةٌ)).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((هارون بن عبد اللَّه)): هو أبو موسى الْحَمّال
البغداديّ الحافظ الثبت. و((حجّاج)): هو ابن محمد الأعور المصيصيّ الحافظ الثقة.
و((عثمان بن أبي سليمان)): هو القرشيّ النوفليّ المكيّ، قاضيها، ثقة [٦] ١٣/ ١٢٠٥
. و((عليّ الأزديّ)): هو ابن عبد اللَّه البارقيّ، أبو عبد الله، صدوقٌ [٣] ٤١٦/١٢.
و((عُبيد بن عمير)): هو الليثيّ، أبو عاصم المكيّ، مجمع على ثقته [٢] ٤١٦/١٢.
و((عبد الله بن حُبشيّ))- بضم الحاء المهملة، وسكون الموحدة، بعدها معجمة، ثم ياء
ثقيلة- أبو قُتيلة، صحابيّ مقلّ في الرواية رَزمي، تقدّم في ٢٥٢٦/٤٩.
وقوله: ((لا شكّ فيه)): أي في متعلّقه، وهو الْمُؤْمَن به، والمراد بنفي الشكّ نفي
احتمال مُتعلّقه النقيض بوجه من الوجوه، كما هو المعنى اللغويّ، لا نفي الاحتمال
المساوي، كما هو المتعارف في الاصطلاح، فرجع حاصل الجواب إلى أنه التصديق
اليقيني، دون الظنّيّ، فإن التصديق يكون على وجه اليقين والظنّ، فلا يرد أن الشكّ لا
يجتمع مع التصديق أصلًا، فلا فائدة في هذا الوصف، وحملُ الشكّ فيه على إظهار
الشكّ فيه بلفظ الاستثناء بأن يقول: أنا مؤمنٌ، إن شاء اللَّه بعيدٌ. قاله السنديّ رحمه الله
تعالی.
وقوله: ((وجهاد لا غلول فيه)): أي لا خيانة في غنائمه. وقوله: ((وحجة مبرورة)):
أي حجة لا يخالطها شيء من المآثم، وقيل: هي المقبولة المقابلة بالبر، وهو الثواب.
والحديث صحيح، وقد تقدّم في ((كتاب الزكاة)) ٢٥٢٦/٤٩ . وتقدّم تمام شرحه،
وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
١٧٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ
٢- (طَعْمُ الإِيمَانِ)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((الطَّعْم)) بالفتح: ما يؤدّيه الذّوق، فيقال: طَعْمه
حُلْوٌ، أو حامضٌ، وتغيّر طَعْمه: إذا خرج عن وصفه الْخِلْقِيّ، والطَّعْمُ: ما يُشتهى من
الطعام، وليس للغثّ طَعْمٌ، والطَّعَم بفتحتين لغةٌ كلابيّةٌ. قاله في ((المصباح)). والله
تعالى أعلم بالصواب.
٤٩٨٩- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ طَلْقِ بْنِ
حَبِيبٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَِّ: ((ثَلَاثُ مَنْ كُنَّ فِيهِ، وَجَدَ بِهِنَّ
حَلَّاوَّةَ الْإِيمَانِ، وَطَغَمَهُ، أَنْ يَكُونَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ
يُحِبَّ فِي اللَّهِ، وَأَنْ يَبْغُضَ فِي اللَّهِ، وَأَنْ تُوقَدَ نَارٌ عَظِيمَةٌ، فَيَقَعَ فِيهَا أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ
يُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (إسحاق بن إبراهيم) الحنظليّ المروزي المعروف بابن راهويه، ثقة ثبت [١٠]
٢/٢ .
٢- (جرير) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبيّ الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقة
صحيح الكتاب، قيل: كان في آخره بِهِم من حفظه [٩] ٢/٢.
٣- (منصور) بن المعتمر، أبو عتّاب الكوفيّ، ثقة ثبت [٦] ٢/٢.
٤- (طلق- بسكون اللام- ابن حبيب) الْعَنَزيّ- بفتح المهملة، والنون- البصريّ،
صدوقٌ، عابدٌ، رُمي بالإرجاء [٣].
روَّى عن عبد الله بن عباس، وابن الزبير، وابن عمرو بن العاص، وجابر، وجندب،
وحيدة رجل له صحبة، وأبي طليق رجل له صحبة، وأنس بن مالك، والأحنف بن
قيس، وسعيد بن المسيب، ووالده حبيب، وغيرهم. وعنه طاوس، وهو من أقرانه،
وسعيد بن المهلب، والأعمش، ومنصور، ومصعب بن شيبة، وسليمان التيمي، ويونس
ابن خباب، وسَعْد بن إبراهيم، والمختار بن فُلْفُل، وغيرهم. قال أبو حاتم: صدوق في
الحديث، وكان يرى الإرجاء. وقال حماد بن زيد، عن أيوب: قال لي سعيد بن جبير:
لا تجالسه، قال حماد: وكان يرى الإرجاء. وقال طاوس: كان طلق ممن يخشى الله
تعالى. وقال مالك بن أنس: بلغني أن طلق بن حبيب، كان من العباد، وأنه هو وسعيد
ابن جبير، وقراء كانوا معهم طلبهم الحجاج، وقتلهم. وقال أبو زرعة: كوفي سمع ابن
١٧١
٢- (طَعْمُ الإِيمَانِ) - حديث رقم ٤٩٨٩
عباس، وهو ثقة، لكن كان يرى الإرجاء. وقال ابن سعد: كان مرجئا، ثقة إن شاء الله
تعالى. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال: كان مرجئا عابدا. وقال العجلي: مكي(١)
تابعي ثقة، كان من أعبد أهل زمانه. وقال أبو بكر البزار في ((مسنده)): لا نعلمه سمع من
أبي ذر شيئا. وقال أبو الفتح الأزدي: كان داعية إلى مذهبه، تركوه. وذكره البخاري في
((الأوسط)) فيمن مات بين التسعين إلى المائة. وقال البخاري: ثنا علي، ثنا محمد بن
بكر، ثنا أبو معدان، قال: سمعت حبيب بن أبي ثابت قال: كنت مع طلق بن حبيب،
وهو مُكَبَّل بالحديد، حين جيء به إلى الحجاج، مع سعيد بن جبير، ويقال: إنه أخرج
من سجن الحجاج بعد موته، وتُوفي بعد ذلك بواسط. وقال أبو جعفر الطبري في
(تاريخه)): كتب الحجاج إلى الوليد، أن أهل الشقاق لجأوا إلى مكة، فكتب الوليد إلى
القسري، فأخذ عطاء، وسعيد بن جبير، ومجاهدا، وطلق بن حبيب، وعمرو بن دینار،
فأما عمرو، وعطاء، ومجاهد، فأرسلوا؛ لأنهم كانوا من أهل مكة، وأما الآخران فبعث
بهما إلى الحجاج، فمات طلق في الطريق.
روى له البخاري في ((الأدب المفرد))، ومسلم، والأربعة، وله في هذا الكتاب
حديثان فقط، هذا، وفي ((كتاب الزينة)) ١/ ٥٠٤٢ و٥٠٤٣ و٥٠٤٤ - حديث عائشة
رضي اللَّه تعالى عنها، مرفوعًا: ((عشرة من الفطرة ... )) الحديث.
٥- (أنس بن مالك) الأنصاريّ الصحابي الخادم المشهور رضي الله تعالى عنه٦/٦ .
والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه أنسًا رضي اللّه تعالى عنه من المكثرين السبعة، روى
(٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة رضي الله تعالى عنهم بالبصرة، سنة
(٢) أو (٩٣) وقد جاوز المائة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ) رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((ثَلَاثٌ)
ذكّر العدد لتقدير المعدود مؤنثًا: أي ثلاث خصال، أو خصالٌ ثلاثٌ، فـ((ثلاث)) مبتدأ
لتخصيصه بالمقدّر المذكور، والجملة الشرطيّة خبره، أو صفة له، وقوله: ((أن يكون
الله الخ)) خبره.
(١) المشهور أنه كوفيّ، ولعله استند إلى قصّة الطبريّ الآتية. والله تعالى أعلم.
١٧٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ
:
قال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: إنما خصّ هذه الثلاث بهذا المعنى؛ لأنها
لا توجد إلا ممن تنور قلبه بأنوار الإیمان والیقین، وانكشفت له محاسن تلك الأمور،
التي أوجبت له تلك المحبّة التي هي حال العارفين. انتهى ((المفهم)) ٢١١/١- ٢١٢.
(مَنْ كُنَّ فِيهِ) أي من وُجدن فيه، فـ((كان)) تامّة، أو من كُنّ مجتمعةً فيه، فهي ناقصة
(وَجَدَ بِهِنَّ) أي بسبب وجودهنّ فيه، أو اجتماعهنّ فيه (حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ) قال القرطبيّ
رحمه الله تعالى: هي عبارة عما يجده المؤمن المحقّق في إيمانه، المطمئن قلبه به، من
انشراح صدره، وتنويره بمعرفة اللَّه تعالى، ومعرفة رسوله وَّل، ومعرفة منّة اللَّه تعالى
عليه في أن أنعم عليه بالإسلام، ونَظَمَه في سلك أمة محمد وّل خير الأنام، وحبّب إليه
الإيمان والمؤمنين، وبغّض إليه الكفر والكافرين، وأنجاه من قبيح أفعالهم، ورَكاكة
أحوالهم، وعند مطالعة هذه المنن، والوقوف على تفاصيل تلك النعم، تطير القلوب
فرَحًا، وسُرورًا، وتمتلىء إشراقًا وتورًا، فيالها من حلاوة ما ألذّها، وحالة ما أشرفها،
فنسأل الله تعالى أن يمنّ بدوامها، وكمالها، كما منّ بابتدائها وحصولها، فإن المؤمن
عند تذكّر تلك النعم والمنن، لا يخلو عن إدراك تلك الحلاوة، غير أن المؤمنين في
تمكّنها، ودوامها متفاوتون، وما منهم إلا وله منها شِرْبٌ معلوم، وذلك بحسب ما قُسم
لهم من هذه المجاهدات الرياضيّة، والمنح الربّانية. انتهى ((المفهم)) ٢١٠/١.
(وَطَعْمَهُ) بفتح الطاء، كما تقدّم أول الباب، وعطفه على ما قبله من باب عطف
التفسير .
وقيل: الحلاوة: الحسن، وبالجملة فللإيمان لذّة في القلب تشبه الحلاوة الحسّيّة،
بل ربّما يغلب عليها حتى يدفع بها أشدّ المرارت، وهذا مما يَعلَم به مَنْ شَرَح اللَّهُ صدره
للإسلام، اللَّهم ارزقناها مع الدوام عليها (أَنْ يَكُونَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا
سِوَاهُمَا) بنصب ((أحبّ)) على أنه خبر ((يكون)). قيل: المراد هو الحبّ الاختياريّ، لا
الطبيعيّ، ومرجعه إلى أن يختار طاعتهما على هوى النفس، وغيرها (وَأَنْ يُحِبَّ) أي
غيرَ اللَّه سبحانه وتعالى (فِي اللَّهِ) أي لأجله، لا لأجل أمر آخر من الأمور الدنويّة (وَأَنْ
يَبْغُضَ فِي اللَّهِ) أي لأجله، وهما جميعًا خصلة واحدة؛ للزوم بينهما عادةً، وحاصل هذا
هو أن يكون الله تعالى هو المحبوب بالكلّة، فلا يقدّم حظوظ نفسه على محابّه، بل لا
یری نفسه أصلا، إلا من حیث کونها عبدا له تعالى، فعند ذلك تصير نفسه وغيره سواء؛
لوجود هذا القدر في الكلّ، فينظر إلى الكلّ على حدّ سواء، فلا يُرجّح نفسه على غيرها
أصلًا، ولا يرجّح أحدًا على أحد إلا بقدر قربه منه سبحانه وتعالى، وحينئذ يظهر عليه
آثار قوله بَ له: ((لا يؤمن أحدكم حتى يُحبّ لأخيه ما يُحبّ لنفسه))، نعم هذا لا ينافي
١٧٣
٣- (حَلَاوَةُ الإِيْمَانِ) - حديث رقم ٤٩٩٠
تقديم نفسه على غيره في الإنفاق ونحوه، لأن ذلك بأمر الله سبحانه وتعالى له بذلك
(وَأَنْ تُوقَدَ نَارٌ عَظِيمَةٌ، فَيَقَعَ فِيهَا أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا) قال السنديّ رحمه
الله تعالى: ظاهره أنه مبتدأ، خبره ((أحبّ إليه)»، لكن عدّ الجملة من الخصال غير
مستقيم، فالوجه أن يقدّر ((أن يكون))، ويُجعل ((أن يوقد)) اسما له، و((أحبّ)) بالنصب
خبرًا: أي وأن يكون إيقاد نار عظيمة، فوقوعه فيها أحبّ إليه من الشرك: أي يصير
الشرك عنده لقوّة اعتقاده بجزائه الذي هو النار المؤبّد بمنزلة جزائه في الكراهة، والنفرة
عنه، فكما أنه لو خُيّر بين نار الآخرة، ونار الدنيا، لاختار نار الدنيا، كذلك لو خيّر بين
الشرك، ونار الدنيا، لاختار نار الدنيا، ومرجع هذا أن يصير الغيب عنده من قوّة
الاعتقاد كالعيان، كما رُوي عن عليّ رَّه: «لو كُشف الغطاء ما ازددت يقينًا)). ولا
يخفى أن من تكون عقيدته من القوّة بهذا الوجه، ومحبّة الله تعالى بذلك الوجه، فهو
حقيق بأن يجد من لذّة الإيمان ما يجد. والله تعالى أعلم. انتهى كلام السنديّ رحمه
الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه
التكلان .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث أنس بن مالك تَّ هذا صحيح، وهو من
أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا-٤٩٨٩/٢ -. وفوائده ستأتي قريبًا، إن
شاء اللّه تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
٣- (حَلَاوَةُ الإِيمَانِ)
٤٩٩٠- (أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ:
سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ، رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ، يُحَدِّثُ عَنِ النَِّّنَّهِ، قَالَ: ((ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ،
وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: مَنْ أَحَبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَمَنْ كَانَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ،
وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَمَنْ كَانَ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ أَحَبَّ إِلَيْهِ، مِنْ أَنْ يَرْجِعَ
إِلَى الْكُفْرِ، بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١- (سُويد بن نصر) المروزيّ، راوية ابن المبارك، ثقة [١٠] ٥٥/٤٥ .
١٧٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ
٢- (عبد الله) بن المبارك الحنظليّ، أبو عبد الرحمن المروزيّ، ثقة ثبت حجة [٨]
٣٦/٣٢ .
٣- (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت المشهور [٧] ٢٧/٢٤.
٤- (قتادة) بن دِعامة السدوسيّ البصريّ، ثقة ثبت يُدلّس [٤] ٣٤/٣٠ . والصحابيّ
مرّ في السند الماضي. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو والترمذيّ. (ومنها): أنه مسلسل بثقات
البصريين، غير شيخه، وعبد الله فمروزيان. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ قَتَادَةً) بن دعامة السِّدُوسيّ، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ،
يُحَدِّثُ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل: أي حال كونه محدّثًا (عَنِ النَّبِيِّ
وَهِ) أنه (قَالَ: ((ثَلاثٌ) مبتدأ، وجاز الابتداء بالنكرة؛ لأن التنوين عوض المضاف إليه،
تقديره: ثلاث خصال، أو ((ثلاث)) صفة لمصوف محذوف: تقديره: خصالٌ ثلاثٌ،
والخبر على هذين التقديرين جملة ((من كنّ فيه الخ))، وذكر العينيّ في ((شرح البخاريّ:
وجها ثالثًا من الإعراب، وهو أن يكون ((ثلاثٌ)) مبتدأ، وجملة الشرط بعده صفته،
والخبر قوله: ((أن يكون الله الخ))، ولا يظهر لي توجيهه، والله تعالى أعلم (من كن
فيه) أي حصلن فيه فـ ((كان)) تامة (وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ) قال في ((الفتح)): فيه استعارة
تخييلية، شَبَّه رَغْبةَ المؤمن في الإيمان، بشيء حلو، وأثبت له لازم ذلك الشيء، وأضافه
إليه، وفيه تلميح إلى قصة المريض والصحيح؛ لأن المريض الصفراوي، يجد طعم
العسل مُرّا، والصحيح يذوق حلاوته على ما هي عليه، وكلما نقصت الصحة شيئًا ما،
نقص ذوقه بقدر ذلك، فكانت هذه الاستعارة من أوضح ما يُقَوّي استدلال البخاريّ على
الزيادة والنقص، أي على زيادة الإيمان، ونقصه. انتهى.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: عندي أن ما ذكره صاحب ((الفتح)) من دعوى
الاستعارة في الحلاوة، فيه نظرً؛ لأنه إخراج للفظ الحديث إلى معنى مجازيّ من غير
حاجة إليه، بل الأولى أن تكون الحلاوة على معناها الحقيقيّ، كما قال بعض المحقّقين
رحمه الله تعالى: اختلف العلماء هل الحلاوة محسوسة، أو معنويّةٌ، فحملها قوم على
المعنى، وحملها قوم على المحسوس، وأبقوا اللفظ على ظاهره، من غير أن يتأولوه،
١٧٥
٣- (حَلاوةُ الإِيمَانِ) - حديث رقم ٤٩٩٠
=
قال: والصواب معهم في ذلك- والله أعلم- لأن ما ذهبوا إليه أبقوا به لفظ الحديث
على ظاهره، من غير تأويل، وهو أحسن من التأويل، ما لم يُعارض لظاهر اللفظ
معارضٌ، ويشهد لما ذهبوا إليه أحوال الصحابة ، والسلف الصالح، وأهل
المعاملات؛ لأنه قد حُكي عنهم أنهم وجدوا الحلاوة محسوسة، فمن جملة ما حُكي في
ذلك حديث بلال رَّه حين صنع به ما صنع في الرمضاء إكراهًا على الكفر، وهو
يقول: أَحَدٌ أحدٌ، فمزج مرارة العذاب بحلاوة الإيمان، وكذلك أيضًا عند موته أهله
يقولون: واکرباه، وهو يقول: واطرباه.
غَدًا
أَلْقَى
الأَحِبَّة مُحَمَّدًا
وَصَحْبَةْ
فمزج مرارة الموت بحلاوة اللقاء، وهي حلاوة الإيمان. ومنها حديث الصحابيّ
الذي سُرق فرسه بليل، وهو في الصلاة، فرأى السارق حين أخذه، فلم يقطع لذلك
صلاته، فقيل له في ذلك؟ فقال: ما كنت فيه أكبر من ذلك، وما ذاك إلا للحلاوة التي
وجدها محسوسة في وقته ذلك. ومنها: حديث الصحابيّين اللذين جعلهما النبيّ وَّر في
بعض مغازيه ليلةً يحرُسان جيش المسلمين، فنام أحدهما، وقام الآخر يصليّ، فإذا
الجاسوس من قبل العدوّ، وقد أقبل، فرآهما، فكبد الجاسوس القوس، ورمى
الصحابيّ، فأصابه، فبقي على صلاته، ولم يقطعها، ثم رماه ثانيةً، فأصابه، فلم يقطع
لذلك صلاته، ثم رماه ثالثةً، فأصابه، فعند ذلك أيقظ صاحبه، وقال: لولا أني خِفتُ
على المسلمين ما قطعت صلاتي. وما ذاك إلا لشدّة ما وجد فيها من الحلاوة، حتى
أذهبت عنه ما يجده من ألم السهام. انتهى.
وقال أيضًا: ما حاصله: إنما عبر بالحلاوة؛ لأن اللَّه شبة الإيمان بالشجرة في قوله
تعالى: ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةٌ كَشَجَرَقِ طَتِبَةٍ﴾ الآية، فالكلمة الطيبة: هي كلمة الإخلاص، وهي
أسّ الدين، وبها قوامه، فكلمة الإخلاص في الإيمان، كأصل الشجرة لا بدّ منه أوّلًا،
وأغصان الشجرة في الإيمان عبارة عما تضمّنته كلمة الإخلاص، من اتّباع الأمر، واجتناب
النهي، والزهر في الشجرة هو في الإيمان عبارة عما يحدث للمؤمن في باطنه من أفعال البر،
وما ينبت في الشجرة من الثمرة هو في الإيمان عبارة عن أفعال الطاعات، وحلاوة الثمرة في
الشجرة هي في الإيمان عبارة عن كماله، وعلامة كماله هو ما ذكره النبيّ بَّ في هذا
الحديث؛ لأن غاية فائدة الثمرة في تناهي حلاوة ثمرها، وكماله، ولهذا قال تعالى: ﴿تُؤْتِّ
أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ [إبراهيم: ٢٥]. انتهى(١).
(١) راجع ((بهجة النفوس للشيخ أبي جمرة رحمه الله تعالى ٢٦/١-٢٧.
١٧٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ
(مَنْ أَحَبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ) قال أبو العبّاس: يعني بالمرء هنا: المسلم
المؤمن؛ لأنه هو الذي يمكن أن يُخْلَصَ لله تعالى في محبّته، وأن يُتقرَّب للّه تعالى
باحترامه، وحرمته، فإنه الموصوف بالأخوّة الإيمانيّة، والمحبّة الدينيّة، كما قال الله
تعالى: ﴿إِنََّا اُلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ الآية [الحجرات: ١٠]، وكما قال تعالى: ﴿فَأَصْبَحْتُمْ
بِنِعْمَتِهِ: إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣] وقد أفاد هذا الحديث أن محبّة المؤمن الموصلة
الحلاوة الإيمان لا بدّ أن تكون خالصة لله تعالى، غير مشوبة بالأعراض الدنيويّة، ولا
الحظوظ البشريّة، فإن من أحبّه لذلك انقطعت محبّته إن حصل له ذلك الغرض، أو
يئس من حصوله، ومحبة المؤمن وظيفة متعيّنة على الدوام، وُجدت الأعراض، أو
عُدمت. ولَمّا كانت المحبّة للأعراض هي الغالبة قلّ وجدان تلك الحلاوة، بل قد
انعدم، لا سيّما في هذه الأزمان التي قد امّحى فيها أكثر رسوم الإيمان. وعلى الجملة
فمحبّة المؤمنين من العبادات التي لا بدّ فيها من الإخلاص في حسن النيّات. انتهى
((المفهم)) ٢١٤/١-٢١٥.
وقال يحيى بن معاذ: حقيقة الحبّ في اللَّه أن لا يزيد بالبرّ، ولا ينقص بالجفاء.
ذكره في ((الفتح)) ٨٩/١.
(وَمَنْ كَانَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا) بنصب ((أحبَّ))؛ لأنه خبر
((یکون)).
قال البيضاوي: المراد بالحب هنا الحب العقلي، الذي هو إيثار ما يقتضي العقل
السليم رجحانه، وإن كان على خلاف هوى النفس، كالمريض يَعاف الدواء بطبعه،
فينفر عنه، ويميل إليه بمقتضى عقله، فيَهْوَى تناوله، فإذا تأمل المرء أن الشارع لا يأمر،
ولا ينهى إلا بما فيه صلاح عاجل، أو خلاص آجل، والعقل يقتضي رجحان جانب
ذلك، تَمَرَّن على الائتمار بأمره، بحيث يصير هواه تبعا له، ويلتذ بذلك التذاذا عقليا؛ إذ
الالتذاذ العقلي: إدراك ما هو كمال، وخير من حيث هو كذلك، وعبر الشارع عن هذه
الحالة بالحلاوة؛ لأنها أظهر اللذائذ المحسوسة. قال: وإنما جعل هذه الأمور الثلاثة
عنوانا لكمال الإيمان؛ لأن المرء إذا تأمل أن المنعم بالذات هو اللَّه تعالى، وأن لا
مانح، ولا مانع في الحقيقة سواه، وأن ما عداه وسائط، وأن الرسول ◌َ ر هو الذي يبين
له مراد ربه، اقتضی ذلك أن یتوجه بکلیته نحوه، فلا یحب إلا ما یحب، ولا یحب من
يحب إلا من أجله، وأن يتقين أن جملة ما وَعَد، وأوعد حقّ يقينا، ويُخَيَّل إليه الموعود
كالواقع، فيحسب أن مجالس الذكر رياض الجنة، وأن العود إلى الكفر إلقاء في النار.
انتهى ملخصا.
١٧٧
٣- (حَلَاوَةُ الإِيمَانِ) - حديث رقم ٤٩٩٠
وشاهد الحديث من القرآن، قوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ إلى أن
قال: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اَللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، ثم هَدَّد على ذلك، وتوعد بقوله:
﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ الآية [التوبة: ٢٤]. ذكره في ((الفتح)) ١/ ٨٧.
وقال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه اللّه تعالى: فيه دليلٌ على جواز إضافة المحبّة للَّه
تعالى، وإطلاقها علیه، ولا خلاف في أن إطلاق ذلك عليه صحيحٌ، محبًا، ومحبوبًا،
كما قال تعالى: ﴿فَوْفَ يَأْتِ اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ الآية [المائدة: ٥٤]، وهو في السنّة
كثير، ولا يختلف النظّار من أهل السنّة، وغيرهم أنها مؤوّلة في حقّ اللَّه تعالى؛ لأن
المحبّة المتعارفة في حقّنا، إنما هي ميلٌ لما فيه غَرَض يستكمل به الإنسان ما نقصه،
وسكون لما تلتذّ به النفس، وتكمل بحصوله، والله تعالى منزه عن ذلك.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الذي قاله القرطبيّ من أنه لا يختلف النظّار من
أهل السنة الخ أراد به المتكلّمين، فليس هذا مذهب أهل السنة من السلف، ومن تبعهم
من أهل الحديث، فإنهم لا يؤوّلون صفة المحبّة التي أثبتها اللّه تعالى لنفسه، بل يثبونها
كما أثبتها على ظاهرها، على الوجه الذي يليق بجلاله سبحانه وتعالى، وأما تفسيره
المحبّة بأنها ميلٌ لما فيه غرض الخ فليس أحد ممن له عقل صريح يتخيّل المحبّة التي
ثبتت للَّه سبحانه وتعالى بهذا المعنى، فإنها هي المحبّة الثابتة للمخلوق، وهذا التصوّر
هو الذي حمل هؤلاء المؤولين على ما صاروا إليه من تحريف صفات اللَّه تعالى، فلو
أنهم نظروا إلى الحقيقة لوجدوا الفرق بين صفات الخالق، والمخلوق، فالله سبحانه
وتعالى له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، ومنها المحبّة والرضا، والغضب،
ونحوها، على الوجه الذي يليق بجلاله سبحانه وتعالى، ﴿تعالى الله عما يقول
الظالمون علوا كبيرًا﴾. ونسأل الله تعالى أن يهدينا إلى سواء السبيل.
قال: وقد اختلف أئمتنا في تأويلها في حقّ اللَّه تعالى، فمنهم من صرفها إلى إرادته
تعالى إنعامًا مخصوصًا على من أخبر أنه يحبّه من عباده، وعلى هذا ترجع إلى صفة
ذاته، ومنهم من صرفها إلى نفس الإنعام والإكرام، وعلى هذا فتكون من صفات
الفعل، وعلى هذا المنهاج يتمشّى القول في الرحمة، والنعمة، والرضا، والغضب،
والسخط، وما كان في معناها.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي قاله القرطبيّ جوابه ما تقدّم قبله، فمذهب
السلف، وأهل الحديث أن هذه الصفات من الرحمة، والنعمة، والرضا، والغضب،
والسخط، وما في معناها، صفات أثبتها اللَّه سبحانه وتعالى لنفسه، فهم يثبتونها له كما
أثبتها لنفسه، من غير تشبيه، ولا تمثيل، ومن غير تعطيل، ولا تأويل، بل هي على
١٧٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِعِهِ
ظاهرها، على ما يليق بجلاله سبحانه وتعالى؛ لأنه لا داعي لتأويلها، ولأن المعاني التي
يؤولون إليها يوجد فيها من المحذور على قولهم ما يلزم فيها؛ فإن الإنعام الذي أولت به
المحبّة، أو إرادته هو أيضًا من صفات المخلوق، فإذا لزم التشبيه في المحبّة، لزم فيه
أيضًا، فيفرّون من ورطة، ويقعون في أخرى.
والحاصل أن التأويل مذهب فاسد؛ لأنه لا يحصل به التخلّص من المحذور الذي
زعموه، فالحقّ أن تُثبت هذه الصفات لله تعالى، على ظاهرها الحقيقيّ، كما أثبتها
سبحانه وتعالى لنفسه، على ما يليق بجلاله. ونسأل الله تعالى الهداية والتوفيق.
قال: فأما محبّة العبد لله تعالى، فقد تأوّلها بعض المتكلّمين؛ لأنهم فسّروا المحبّة
بالإرادة، والإرادةُ إنما تتعلّق بالحادث، لا بالقديم. ومنهم من قال: لأن محبتنا إنما
تتعلّق بمستلذّ محسوس، والله تعالى منزه عن ذلك، وهؤلاء تأولوا محبة العبد لله تعالى
بطاعته له، وتعظيمه إياه، وموافقته له على ما يُريد منه. وأما أرباب القلوب، فمنهم من
لم يتأول محبّة العبد لله تعالى، حتى قال: المحبّة لله تعالى هي الميل الدائم بالقلب
الهائم. وقال أبو القاسم القشيريّ: أما محبّة العبد لله تعالى، فحالة يجدها العبد من
قلبه، تلطف عن العبارة، وقد تحمله تلك الحالة على التعظيم للَّه تعالى، وإيثار رضاه،
وقلة الصبر عنه، والاحتياج إليه، وعدم الفرار عنه، ووجود الاستئناس بدوام ذكره.
قال: فهؤلاء قد صرّحوا بأن محبّة العبد لله تعالى هي ميلٌ من العبد، وتوقان، وحال
يجدها المحبّ من نفسه، من نوع ما يجده في محبوباته المعتادة له، وهو صحيح،
والذي يوضّحه أن اللّه تعالى قد جبلنا على الميل إلى الحسن، والجمال، والكمال،
فبقدر ما ينكشف للعاقل من حسن الشيء، وجماله، مال إليه، وتعلّق قلبه به، حتى
يُقضي الأمر إلى أن يستولي ذلك المعنى عليه، فلا يقدر على الصبر عنه، وربّما لا
يشتغل بشيء دونه.
ثم الحسن، والكمال نوعان: محسوسٌ، ومعنويّ، فالمحسوس، كالصور الجميلة
المشتهاة لنيل اللذّة الجسمانيّة، وهذا في حقّ اللّه تعالى محال قطعًا. وأما المعنويّ،
فكمن اتّصف بالعلوم الشريفة، والأفعال الكريمة، والأخلاق الحميدة، فهذا النوع تميل
إليه النفوس الفاضلة، والقلوب الكاملة ميلًا عظيمًا، فترتاح لذكره، وتتنعّم بخُبْرِهِ،
وخَبَرِهِ، وتهتزّ لسماع أقواله، وتتشوّف لمشاهدة أحواله، وتلتذّ بذلك لذّة روحانيّة، لا
جسمانيّةً، كما تجده عند ذكر الأنبياء، والعلماء، والفضلاء، والكرماء، من الميل،
واللذّة، والرّقة، والأنس، وإن كنّا لا نعرف صورهم المحسوسة، وربّما قد نسمع أن
بعضهم من غير الأنبياء قبيح الصورة الظاهرة، أو أعمى، أو أجزم، ومع ذلك، فذلك
١٧٩ ==
٣- (حَلَاوَةُ الإِيْمَانِ) - حديث رقم ٤٩٩٠
الميلُ والأنس، والتشوّق موجودٌ لدينا، ومن شكّ في وجدان ذلك، أو أنكره، كان عن
جبِلّة الإنسانيّة خارجًا، وفي غمار المعتوهين والجًا.
وإذا تقرّر ذلك، فإذا كان هذا الموصوف بذلك الكمال، قد أحسن إلينا، وفاضت
نعمه علينا، ووصلنا بيرّه، وعطفه، ولطفه، تضاعف ذلك الميل، وتجدّد ذلك الأنس،
حتى لا نصبر عنه، بل يستغرقنا ذلك الحال إلى أن نذهل عن جميع الأشغال، بل ويطرأ
على المشتهر بذلك نوع اختلال، وإذا كان ذلك في حقّ من كماله، وجماله، مقيّدًا مشوبًا
بالنقص، معَرّضًا للزوال، كان مَنْ كماله وجماله واجبًا مطلقًا، لا يشوبه نقصٌّ، ولا
يعتريه زوال، وكان إنعامه، وإحسانه أكثر بحيث لا ينحصر، ولا يُعدّ، أولى بذلك
الميل، وأحقّ بذلك الحبّ، وليس ذلك إلا لله وحده، ثم لمن خصّه اللّه تعالى بما شاء
من ذلك الكمال، وأكمل نوع الإنسان محمد وَّرَ، فمن تحقّق ما ذكرناه، واتّصف بما
وصفناه، كان اللَّه ورسوله أحبّ إليه مما سواهما، ومن كان كذلك تأهّل للقائهما
بالاتصاف بما يُرضيهما، واجتناب ما يُسخطهما، ويستلزم ذلك كلّه الإقبال بالكلّيّة
عليهما، والإعراض عمّا سواهما إلا بإذنهما، وأمرهما. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله
تعالى ((المفهم)) ١/ ٢١٢-٢١٤. وهو كلام نفيسٌ جدّا. والله تعالى أعلم.
وقال في ((الفتح)) عن بعضهم: محبة الله على قسمين: فرض، وندب. [فالفرض]:
المحبة التي تبعث على امتثال أوامره، والانتهاء عن معاصيه، والرضا بما يُقَدّره، فمن
وقع في معصية، مِن فعل مُحَرَّم، أو ترك واجب، فلتقصيره في محبة الله، حيث قَدَّم
هوى نفسه، والتقصير تارة يكون مع الاسترسال في المباحات، والاستكثار منها،
فيورث الغفلة المقتضية للتوسع في الرجاء، فيُقْدِم على المعصية، أو تستمر الغفلة
فيقع، وهذا الثاني يُسرع إلى الإقلاع مع الندم، وإلى الثاني يشير حديث: ((لا يزني
الزاني، وهو مؤمن)).
[والندب]: أن يواظب على النوافل، ويتجنب الوقوع في الشبهات، والمتصف
عموما بذلك نادر، قال: وكذلك محبة الرسول على قسمين، كما تقدم، ويزاد أن لا
يتلقى شيئا من المأمورات والمنهيات، إلا من مشكاته، ولا يسلك إلا طريقته، ويرضى
بما شرعه، حتى لا يجد في نفسه حَرَجًا بما قضاه، ويتخلق بأخلاقه في الجود،
والإيثار، والحلم، والتواضع، وغيرها، فمن جاهد نفسه على ذلك، وجد حلاوة
الإيمان، وتتفاوت مراتب المؤمنين بحسب ذلك. انتهى ((فتح)) ٨٧/١-٨٨.
(وَمَنْ كَانَ أَنْ يُقْذَفَ) بالبناء للمفعول: أي يُرمى، والقذف: الرمي (فِي النَّارِ أَحَبَّ
إِلَيْهِ، مِنْ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْكُفْرِ، بَعْدَ أَنْ) بفتح الهمزة: هي المصدريّة (أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ) أي
١٨٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِيمَانِ، وَشَرَائِهِ
خلّصه، ونجّاه، وهو من الإنقاذ، كما قال تعالى: ﴿فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهًا﴾ الآية [آل
عمران: ١٠٣]، وثلاثيّه النَّقْذُ، قال ابن دُريد: النقذ مصدر نَقِذَ بالكسر يَنقَذ نَقَذًا
بالتحريك: إذا نجى.
وفي رواية الشيخين: ((وأن يكره أن يعود في الكفر، كما يكره أن يُقذف في النار)):
قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: هذه الكراهية مُوحيةٌ لما انكشف للمؤمن من حسن
الإسلام، ولِمَا دخل قلبه من نور الإيمان، ولِمَا خلّصه من اللّه تعالى من رذائل
الجهالات، وقبح الكفران، والحمد لله. انتهى. ((المفهم)) ٢١٥/١.
وقال في ((الفتح)): والانقاذ أعم من أن يكون بالعصمة منه ابتداء، بأن يولد على
الإسلام ويستمرّ، أو بالإخراج من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان، كما وقع لكثير من
الصحابة، وعلى الأول فيحمل قوله: ((يعود)) على معنى الصيرورة، بخلاف الثاني، فإن
العود فيه على ظاهره.
[فإن قيل]: فلِمَ عَدَّى العودَ بـ((في))، ولم يُعَدِّه بـ((إلى)).
[فالجواب]: أنه ضمنه معنى الاستقرار، وكأنه قال: يستقر فيه، ومثله قوله تعالى:
﴿وَمَا يَكُونُ لَنَّا أَنْ تَّعُودَ فِيهَا﴾ [الأعراف: ٨٩]. انتهى. ((فتح)) ٨٩/١. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أنس بن مالك رضي اللَّه تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤٩٩٠/٣ و٤٩٩١/٤ -. وأخرجه (خ) في ((الإيمان)) ١٦ و٢١
و ((الأدب)) ٦٠٤١ و(«الإكراه)) ٦٩٤١ (م) في ((الإيمان)) ٤٣ (ت) في ((الإيمان)) ٢٦٢٤
(أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ١١٥٩١ و١٢٣٥٤ و١٢٣٧٢ و١٢٩٩٤ و١٣١٨٠
و١٣٦٥٦ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حلاوة الإيمان، وهي من
الأمور المحسوسة التي يجدها العبد المؤمن في باطنه، كما مضى تحقيقه، وليست من
المجاز، كما ادُّعِي. (ومنها): أن هذا الحديث حديثٌ عظيم، وأصل من أصول الدين،
كما قاله النوويّ رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن لهذه الحلاوة علامة تتحقّق بها، وتحصل
عندها، وهي الأمور المذكورة في هذا الحديث. (ومنها): أنه استُدِلَّ به على فضل من