النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
١٣ - (بَابُ مَا لَ قَطْعَ فِيهِ) - حديث رقم ٤٩٧٤
الحديث، فالحمد لله تعالى أوّلًا وآخرًا. والله تعالى أعلم بالصواب.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٤٩٧٣/١٣ و٤٩٧٤ و٤٩٧٥ و٤٩٧٦ و٤٩٧٧ و٤٩٧٨- وفي
(«الكبرى» ٧٤٦١/٢٣ و٧٤٦٢ و ٧٤٦٣ و٧٤٦٤ و٧٤٦٥ و٧٤٦٦ و٧٤٦٨ و٧٤٦٩ .
وأخرجه(د) في ((الحدود)) ٤٣٩١ (ت) في ((الحدود)) ١٤٤٨ (ق) في ((الحدود)) ٢٥٩١
(أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ١٤٦٥٢ (الدارمي) في ((الحدود)) ٢٢٠٧. والله
تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فى فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان ما لا قطع فيه، ففيه أنه لا
قطع على خائن، ولا على منتهب، ولا على مختلس، قال ابن قدامة رحمه اللّه تعالى:
فإن اختطف، أو اختلس، لم يكن سارقًا، ولا قطع عليه عند أحد علمناه، غير إياس بن
معاوية، قال: أقطع المختلس؛ لأنه يستخفي بأخذه، فيكون سارقًا، وأهل الفقه،
والفتوى من علماء الأمصار على خلافه. انتهى ((المغني)) ٤١٦/١٢ .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحاصل أن جمهور أهل العلم على أنه لا يقطع
الخائن، والمنتهب، والمختلس، وهو الحقّ؛ لصحة حديث الباب. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله: (لَمْ يَسْمَعْهُ سُفْيَانُ) أي الثوريّ (مِنْ أَبِي الزُّبَيْرِ) ولفظ ((الكبرى)): ((قال
أبو عبد الرحمن: لم يسمعه سفيان الخ))، وأشار به إلى أن هذا السند فيه انقطاع،
وذلك؛ لأن سفيان لم يسمعه من أبي الزبير، بل بينه وبينه واسطة، وهو ابن جريج، كما
بیّن ذلك بقوله :
٤٩٧٤- (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الْحَفَرِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ
ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابٍِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ بِهِ: (لَيْسَ عَلَى خَائِنٍ، وَلَّا
مُنْتَهِبِ، وَلَا مُخْتَلِسٍ قَطْعٌ)).
وَلَّمْ يَسْمَعْهُ أَيْضًا ابْنُ جُرَيِجٍ مِنْ أَبِي الزُّبَيْرِ).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((أبو داود الْحَفَريّ))- بفتح الحاء المهملة، والفاء -:
نسبة إلى موضع بالكوفة، واسمه عُمَر بن سَعْد بن عُبيد الكوفيّ، ثقة عابدٌ [٩] ١٥/
٥٢٣ . والحديث صحيح، كما سبق.
وقوله: (وَلَمْ يَسْمَعْهُ أَيْضًا ابْنُ جُرَيْج مِنْ أَبِي الزُّبَيْرِ) أشار به إلى انقطاع آخر، وهو أن
ابن جريج لم يسمعه من أبي الزبير، بل بينه وبينه واسطة، كما أشار إلى ذلك بقوله:

١٠٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ قَطْعِ السَّارِقِ
٤٩٧٥- (أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ، عَنْ حَجَّاجٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قَالَ أَبُو
الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وََّ: ((لَيْسَ عَلَى الْمُخْتَلِسِ قَطْعٌ))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((إبراهيم بن الحسن)): هو أبو إسحاق المِصْيصيّ
الْمِقْسميّ، ثقة [١١] ٦٤/٥١. و((حجّاج)): هو ابن محمد الأعور المِصْيصيّ.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: وجه استدلال المصنف رحمه الله تعالى بهذه الرواية
على عدم سماع ابن جريج من أبي الزبير أنه لَمّا قال: ((قال أبو الزبير الخ))، وهو معروفٌ
بالتدليس احتمل أن يكون مما سمعه من غيره، لكن في هذا الاستدلال نظرٌ من
و جھین :
[الأول]: أن هذا احتمال، وهو لا يدلّ على الجزم بعدم سماعه. [الثاني]: أنه ثبت
تصريحه بالسماع، كما سبق.
والحاصل أن الراجح سماع ابن جريج هذا الحديث من أبي الزبير. والله تعالى
أعلم.
والحديث صحيح، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٩٧٦- (أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ، عَنْ حَجَّاجٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قَالَ أَبُو
الزُّبَيْرِ: قَالَ جَابِرٌ: (لَيْسَ عَلَّى الْخَائِنِ قَطْعٌ)).
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجِ عِيسَى بْنُ يُونُسَ،
وَالْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، وَابْنُ وَهْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَبِيعَةً، وَمَخْلَدُ بْنُ يَزِيْدَ، وَسَلَمَةُ بْنُ سَعِيدٍ
- بَصْرِيِّ ثِقَةٌ، قَالَ ابْنُ أَبِي صَفْوَانَ: وَكَانَ خَيْرَ أَهْلِ زَمَانِهِ - فَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ: ((حَدَّثَنِي
أَبُو الزُّبَيْرِ))، وَلَا أَحْسِبُهُ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هكذا أورد في نسخ ((المجتبى)) هذا الحديث موقوفًا،
وأورده في ((الكبرى)) مرفوعًا، ولفظه: ((قال جابر: قال رسول اللَّه ◌َله: ((ليس على
الخائن قطعٌ)).
والظاهر أن ما في ((الكبرى)) هو الصواب، والله تعالى أعلم.
وقوله: (قَالَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ) أي النسائيّ (وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ) بالنصب على أنه
مفعول مقدّم، والفاعل ((عيسى))، وما عطف عليه (عَنِ ابْنِ جُرَيْج، عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن
أبي إسحاق السبيعيّ الكوفيّ، نزل الشام مرابطًا، ثقة مأمون [٨] ٨/٨ (وَالْفَضْلُ بْنُ
مُوسَى) السِّينانيّ المروزيّ الثقة الثبت، من كبار [٩] ٨٣/ ١٠٠ (و)عبد الله (ابْنُ وَهْبٍ)
القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ الفقيه الثقة الحافظ العابد [٩] ٩/ ٩(وَمُحَمَّدُ بْنُ

١٠٣
١٣- (بَابُ مَا لاَ قَطْعَ فِيهِ) - حديث رقم ٤٩٧٧
رَبِيعَةَ) الكلابيّ الكوفيّ، ابن عمّ وكيع، صدوقٌ [٩] ١٤٥٣/٤ (وَمَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ)
القرشيّ الْحَرَانيّ، صدوقٌ، له أوهامٌ، من كبار [٩] ١٤١ /٢٢٢ (وَسَلَمَةُ بْنُ سَعِيدٍ) بن
عطيّة، ويقال: ابن عطاء البصريّ، رَوَى عن معمر، وابن جريج، وخالد بن أبي
عمران. وروى عنه الحباب بن محمد الْجُمَحيّ، ومحمد بن عثمان بن أبي صفوان
الثقفيّ، وقال: كان خير أهل زمانه. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وقال في
(التقريب)): صدوق من التاسعة، ذكره المصنف هنا، وله في ((كتاب الاستعاذة)) - ((باب
الاستعاذة من المغرم والمأثم)) ٩/ ٥٤٥٧ حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها: كان
رسول اللَّه وسلّ أكثر ما يتعوّذ من المأثم ... الحديث. وقوله (بَصْرِيِّ ثِقَةٌ) خبر
لمحذوف: أي هو بصريّ ثقة، يعني أن سلمة بن سعيد من أهل البصرة، وهو ثقة عند
أهل الحديث (قَالَ ابْنُ أَبِي صَفْوَانَ) هو محمد بن عثمان بن أبي صفوان الثقفيّ، ثقة
[١١] ٤٦٨/١٠ (وَكَانَ) أي سلمة بن سعيد (خَيْرَ أَهْلِ زَمَانِهِ) أراد المصنّف بهذا إثبات
كون سلمة ثقة (فَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ) أي من هؤلاء الستّة (حَدَّثَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ) غرض
المصنف رحمه الله تعالى بهذا تقوية عدم سماع ابن جريج هذا الحديث من أبي الزبير،
كما أكّد ذلك بقوله (وَلَا أَحْسَبُهُ) بفتح السين، وكسرها (سَمِعَهُ مِنْ أَبِي الزُّبَيرِ) أي لا أظنّ
ابن جريج سمع هذا الحديث من أبي الزبير (وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ).
وحاصل ما أشار إليه في كلامه هذا أنه ينفي سماع ابن جريج من أبي الزبير هذا
الحديث؛ لعدم تصريح هؤلاء بتحديث أبي الزير لابن جريج، لكن قد عرفت فيما سبق
أن هذا لا يكفي لإثبات الْمُدَّعَى؛ لأن عدم تصريح هؤلاء بالتحديث لا ينفي إثبات من
أثبته؛ فقد تقدَّم إثبات من أثبته ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، على أنه لم ينفرد
به، فقد تابعه الثوريّ، كما سبق، والمغيرة بن مسلم، كما سيأتي، وأيضًا لحديثه
شواهد يصحّ بها، كما سبق بيان ذلك قريبًا، فتبصّر، ولا تتحيّر. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٩٧٧- (أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ رَوْحِ الدِّمَشْقِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ -يَعْنِي ابْنَ خَالِدِ بْنِ یَزِيدَ
ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ - قَالَ: حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ
جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِ ◌ّهِ: ((لَيْسَ عَلَى مُخْتَلِسٍ، وَلَّا مُنْتَهِبٍ، وَلَا خَائِنٍ قَطْعٌ»).
قَال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((خالد بن رَوح)) بن السَّرِيّ بن أبي حُجَير الثقفيّ، أبو
عبد الرحمن الدمشقيّ، ثقة [١٢] .
رَوَى عن صفوان بن صالح، وسليمان بن عبد الرحمن، ويزيد بن خالد بن موهب،
وغيرهم. وعنه النسائيّ، وابن خَوْصا، وأبو الميمون البجليّ، وأبو القاسم الطبرانيّ،

١٠٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ قَطْعِ السَّارِقِ
وغيرهم. قال النسائيّ: ثقة. وقال ابن زبر، عن محمد بن يوسف الْهَرَويّ: مات سنة
(٢٨٠) تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط.
و((يزيد بن خالد بن يزيد بن عبد الله بن موهب))- بفتح الهاء - الْحَمْدانيّ، أبو خالد
الرَّمْلِيّ الزاهد، ثقة عابدٌ [١٠].
روى عن الليث بن سعد، ومُفضّل بن فَضَالة، وشبابة، وغيرهم. وعنه أبو داود،
وخالد بن روح، وهارون بن محمد، وغيرهم. قال أبو بكر بن المقرىء، عن حمزة بن
أحمد بن محمد بن ضمرة السّخزيّ: سمعت أبي يقول: ما رأيت أحدًا من أهل الحديث
أخشع لله من يزيد بن موهَب، ما حضرناه قطّ، فانتفعنا به من البكاء. وقال ابن قانع:
صالح. وقال مسلمة بن قاسم: قال بقيّ بن مَخْلد: كان ثقةً جدًا. وقال مسلمة:
مشهورًا بكنيته. وذكره ابن حبّان في ((الثقات))، وقال: مات سنة (٢٣٢) وقال ابن
عساكر: ويقال: سنة ثلاث، ويقال: سنة سبع. روى له أبو داود، والمصنّف، وابن
ماجه، وله عند المصنّف هذا الحديث فقط.
و(شبابة)): هو ابن سَوّار المدائنيّ، ثقة حافظ، رُمي بالإرجاء [٩] ١٧٤٣/٥٠.
و((المغيرة بن مسلم)): هو الْقَسْمَليّ، أبو سَلَمة السّرّاج المدائيّ، مروزيّ الأصل،
صدوقٌ [٦] ١٤ / ٤٠٥٩.
[تنبيه]: قال المصنّف في ((الكبرى)) ٣٤٨/٤ رقم ٧٤٦٧ -: المغيرة بن مسلم ليس
بالقويّ في أبي الزبير، وعنده غیر حديث منكر. انتهى.
هكذا قال المصنّف، ونحوه نقل عن ابن معين، في رواية ابن الجنيد عنه، انظر
هامش ((تهذيب الكمال)) ١٩٦/٢٨ - لكن الجمهور على توثيقه، فقد قال أحمد: ما أرى
به بأسًا، وقال الغلابيّ عن ابن معين: ثقة، وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: صالح.
وقال أبو حاتم: صالح الحديث، صدوقٌ. وقال الدار قطنيّ: لا بأس به. وقال أبو داود
الطيالسيّ: كان صدوقًا مسلمًا. وقال العجليّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)).
راجع ترجمته في (تهذيب الكمال)) ١٩٥/٢٨-١٩٧ و(تهذيب التهذيب)) ١٣٧/٤-١٣٨.
و ((الخلاصة» ص ٣٨٥ .
والحاصل أن الأكثرين على توثيقه، ولم ينفرد برواية هذا الحديث عن أبي الزبير،
فقد تابعه عليه ابن جريج، والثوريّ، فحديثه هذا صحيح، فتبصّر. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٩٧٨- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ أَبِي

١٠٥
١٤- (بَأَبُ قَطْعِ الرَّجْلِ مِنَ السَّارِقِ بَعْدَ الْدِ) - حديث رقم ٤٩٧٩
الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: ((لَيْسَ عَلَى خَائِنٍ قَطْعٌ)). قَالَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ: أَشْعَثُ بْنُ سَوَارِ
ضَعِيفٌ).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((محمد بن العلاء)): هو أبو كريب الهمدنيّ الكوفيّ
الثقة الحافظ أحد مشايخ الأئمة الستة [١٠] ١١٧/٩٥. و((أبو خالد)): هو سليمان بن
حيّان الأزديّ الأحمر الكوفيّ، صدوقٌ يُخطىء [٨] ٩٢١/٣٠. و((أشعث)): هو ابن
سوّار الكنديّ النجار الأفرق الأثرم، صاحب التوابيت، قاضي الأهواز، ضعيف [٦]
٤٨٨٤/٥ .
وقوله: ((أشعث الخ)) لفظ ((الكبرى)): ((أشعث ضعيف، لا يُحتَجَ بحديثه)).
والحديث موقوف ضعيف؛ لضعف أشعث، ومخالفته للثقات، حیث رووه مرفوعًا،
كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب».
١٤ - (بَابُ قَطْعِ الرِّجْلِ مِنَ السَّارِقِ
بَعْدَ الْيَدِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: ((الرِّجْل))- بكسر الراء، وسكون الجيم.
وظاهر هذه الترجمة يدلّ على أن المصنّف يرى مشروعيّة قطع الأيد والأرجل في
السرقة، وهو مذهب الجمهور، وهو الحقّ؛ لقوّة أدلّته، وسيأتي في المسألة الثالثة بيان
مذاهب العلماء في ذلك، وترجيح الراجح منها، إن شاء الله تعالى.
٤٩٧٩- (أَخَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ سَلْمِ الْمَصَاحِفِيُّ الْبَلْخِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْل،
قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا يُوسِّفُ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ حَاطِبٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ،
أُتِيَ بِلِصِّ، فَقَالَ: ((اقْتُلُوهُ»، فَقَالُوا: يَا رَسُوَلَ اللَّهِ، إِنَّمَا سَرَقَ، فَقَالَ: ((اقْتُلُوهُ))، قَالُوا:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا سَرَقَ، قَالَ: ((اقْطَعُوا يَدَهُ»، قَالَ: ثُمَّ سَرَقَ، فَقُطِعَتْ رِجْلُهُ، ثُمَّ سَرَقَ
عَلَى عَهْدٍ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، حَتَّى قُطِعَتْ قَوَائِمُهُ كُلُّهَا، ثُمَّ سَرَقَ أَيْضًا الْخَامِسَةَ،
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ، أَعْلَمَ بِهَذَا، حِينَ قَالَ: ((اقْتُلُوهُ))، ثُمَّ
دَفَعَهُ إِلَى فِتْيَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ؛ لِيَقْتُلُوهُ، مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَكَانَ يُحِبُّ الْإِمَارَةَ، فَقَالَ:

١٠٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ قَطْعِ السَّارِقِ
أَمْرُونِي عَلَيْكُمْ، فَأَمَّرُوهُ عَلَيْهِمْ، فَكَانَ إِذَا ضَرَبَ ضَرَبُوهُ، حَتَّى قَتَلُوهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (سليمان بن سَلْم) الْهَدَاديّ، أبو داود المصاحفيّ البلخيّ، ثقة [١١] ١١٨/
١٠٧٥ .
[فائدة]: ((المصاحفيّ)): نسبة إلى كتابة المصاحف. قاله في ((لبّ اللباب)) ٢٥٩/٢.
٢- (النضر بن شُميل) أبو الحسن المازنيّ النحويّ البصريّ، نزيل مرو، ثقة ثبت،
من كبار [٩] ٤١ /٤٥.
٣- (حماد) بن سلمة بن دينار البصري، أبو سلمة، ثقة عابد، أثبت الناس في ثابت،
وتغيّر حفظه بآخره، من كبار [٨] ٢٨٨/١٨١.
٤- (يوسف) بن سعد الْجُمحيّ مولاهم، أبو يعقوب، ويقال: أبو سعد البصريّ،
ويقال: هو يوسف بن مازن، وقيل: هما اثنان، ثقة [٣].
رَوَى عن الحارث، ومحمد ابني حاطب الجمحي، والحسن بن علي بن أبي طالب،
وعبد الله بن جبير بن حية، وعبد الملك بن أبي عياش الجذامي، وعلي الأزدي. وعنه
خالد الحذاء، وداود بن أبي هند، والربيع بن صَبِيح، والقاسم بن الفضل الْحُدَاني،
وحماد بن سلمة، وغيرهم.
قال ابن الجنيد، عن ابن معين: يوسف بن سعد ثقة. وقال الترمذي: مجهول،
وقيل: هو يوسف بن مازن. وقال البخاري: يوسف بن مازن يُعَدُّ في البصريين. وقال
إسحاق بن منصور، عن ابن معين: يوسف بن مازن المدني، روى عنه القاسم بن
الفضل مشهور.
قال الحافظ: وفرق البخاري بين يوسف بن سعد، ويوسف بن مازن، فقال في ابن
سعد: إنه مولى ابن مظعون، وقيل: مولى ابن حاطب، وأنه روى عن عمر، وعلي،
ومحمد بن حاطب، وزيد بن ثابت في آخرين، رَوَى عنه القاسم بن الفضل، والربيع
ابن مسلم، وخالد الحذاء، وحماد بن سلمة، وأبو بشر، وعلي بن زيد يُعَدُّ في
البصريين، وقال في يوسف بن مازن الراسبي: روى عنه القاسم بن الفضل، ونوح بن
قيس، يُعَدّ في البصريين، ولا يلزم من اشتراكهما في رواية القاسم بن الفضل، عن كل
منهما، وفي كونهما بصريين أن يكونا واحدا، وقد تبع البخاريَّ ابنُ أبي حاتم في التفرقة
بينهما، وترجم لكل منهما كما ترجم البخاري، وزاد في ابن مازن ما نقل عن يحيى بن
معين، أنه مشهور، وفرق ابن حبان بين يوسف بن سعد، شيخ الربيع بن مسلم، وذكر
أنه يروي عن أبي هريرة، وبين ابن سعد، مولى محمد بن حاطب، فقال في ((الثقات)):

١٠٧ =
١٤ - (بَأَبُ قَطْعِ الرَّجْلِ مِنَ السَّارِقِ بَعْدَ الْدِ) - حديث رقم ٤٩٧٩
يوسف بن سعد، مولى ابن حاطب يروي عن زيد بن ثابت، وعنه داود بن أبي هند،
وأبو بشر، قال الحافظ: وعندي أنه وَهِمَ في جعله اثنين، ولم يتعرض ليوسف بن مازن
في ((الثقات)) انتهى. تفرّد به المصنّف، والترمذيّ، وله في هذا الكتاب هذا الحديث
فقط .
٥- (الحارث بن حاطب) بن الحارث بن معمر بن حَبيب بن وهب بن حُذافة بن جُمح
القرشيّ الْجُمَحيّ، هاجر أبوه إلى الحبشة، فوُلد له الحارث بها، ومحمد، قاله
الزهريّ، وفي كلام مصعب ما يدلّ على أن الحارث وُلد قبل هجرة الحبشة، وأن الذي
وُلد له فيها أخوه محمد، وذَهِلَ ابن منده، فحكى عن ابن إسحاق فيمن هاجر إلى
الحبشة الحارث بن حاصب، والذي في «مغازي ابن إسحاق))، ومختصرها لابن هشام
حاطب بن الحارث، وللحارث بن حاطب رواية عن النبيّ وَّر، وروى عنه يوسف بن
سعد الْجُمَحيّ، وأبو القاسم حسين بن الحارث الْجَدَليّ، استعمله ابن الزبير على مكة
سنة (٦٦). وقال مصعب الزبيريّ: استعمله مروان على المساعي -أي بالمدينة- وعمل
لابنه عبد الملك على مكة، وأما ابن حبّان، فذكره في التابعين، فوَهِم؛ لأن نصّ
حديثه: ((عهِد إلينا رسول اللّه وَ لَ)). انتهى ((الإصابة)) ١٥١/٢-١٥٢ و(تهذيب التهذيب))
٣٢٨/١ . تفرّد به المصنّف، وأبو داود، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. والله
تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات.
(ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين. (ومنها): أن صحابيّه من المقلّين من الرواية، فليس له إلا
حديثان فقط، هذا الحديث عند المصنّف، وحديث: ((عهد إلينا رسول اللّه وج ليل أن ننسُك
للرؤية ... )) الحديث عند أبي داود في ((الصيام)). راجع ((تحفة الأشراف)) ٤/٣. والله
تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ الْحَارِثِ بْنِ حَاطِبٍ) الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي اللَّه تعالى عنهما (أَنَّ رَسُولَ
اللّهِ وَهَ، أَتِيَ) بالبناء للمفعول (بِلِصِّ) بتثليث اللام: أي سارق (فَقَالَ) وَلِّ (اقْتُلُوهُ)
ولعله وَلّر اطلع على أنه لا يرتدع بقطع أطرافه، فالأولى في حقّه قتله مرّة واحدة
(فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا سَرَقَ) أي لم يفعل ما يستحقْ به القتل (فَقَالَ) وَِّ (اقْتُلُوهُ))،
قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا سَرَقَ، قَالَ) وَلِّ (اقْطَعُوا يَدَهُ) أي لسرقته (قَالَ) الحارث (ثُمَّ

١٠٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ قَطْعِ السَّارِقِ
سَرَقَ، فَقُطِعَتْ رِجْلُهُ) هذا محلّ الشاهد للترجمة، ففيه أن رجل السارق يُقطع بعد يده،
والظاهر أن هذا بعد سرقته في المرة الثالثة؛ لأن الثانية فيها قطع اليد اليسرى. والله
تعالى أعلم (ثُمَّ سَرَقَ عَلَى عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، حَتَّى قُطِعَتْ قَوَائِمُهُ كُلُّهَا) المراد
به يداه، ورجلاه (ثُمَّ سَرَقَ أَيْضًا الْخَامِسَةَ) بالنصب: أي السرقة الخامسة (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ، أَعْلَمَ بَهَذَا حِينَ قَالَ: ((اقْتُلُوهُ) أي أمر بقتله؛ إذ لا
ينفع فيه قطع أطرافه (ثُمَّ دَفَعَهُ) أي أبو بكر ◌َّه (إِلَى فِتْيَةٍ) بكسر، فسكون: جمع قِلّة
((فَتَى)) بفتحتين، وهو الشابّ الْحَدَث، وجمع الكثرة فِتيان (مِنْ قُرَيْشِ؛ لِيَقْتُلُوهُ، مِنْهُمْ
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ) رضي اللَّه تعالى عنهما (وَكَانَ يُحِبُّ الْإِمَارَةَ) بكسر الهمزة، ويقال
فيها: الإمرة بكسر، فسكون: وهي الولاية، يقال: أَمَرَ علىِ القوم يأمُرُ، من باب قتل،
فهو أميرٌ، والجمع الأمراء، ويُعَدَّى بالتضعيف، فيقال: أَمّرته تأميرًا. قاله الفيّو ميّ
(فَقَالَ: أَمْرُونِي عَلَيْكُمْ) بتشديد الميم: أي اجعلوني أميرًا في شأن هذا السارق الذي أمر
أبو بكر رَّه بقتله (فَأَمَّرُوهُ عَلَيْهِمْ، فَكَانَ إِذَا ضَرَبَ) أي إذا ضرب عبد الله بن الزبير
السارق (ضَرَبُوهُ، حَتَّى قَتَلُوهُ).
قال السنديّ رحمه الله تعالى: سبحان من أجرى على لسانه وَّهِ ما آل إليه عاقبة
أمره. والحديث يدلّ بظاهره على أن السارق في المرّة الخامسة يُقتل، وقد جاء القتل في
المرّة الخامسة مرفوعًا عن جابر رَمّ في أبي داود، والنسائيّ- أي في الرواية الآتية في
الباب التالي-، والفقهاء على خلافه، فقيل: لعلّه وُجد منه ارتدادٌ، أوجب قتله، وهذا
الاحتمال أوفق بما في حديث جابر رَوّ أنهم جرّوه، وألقوه في البئر؛ إذ المؤمن، وإن
ارتكب كبيرةً، فإنه يقبر، ويُصلّى عليه، ولا سيّما بعد إقامة الحدّ عليه، وتطهيره، وأما
الإهانة بهذا الوجه، فلا يليق بحال المسلم، وقيل: بل حديث القتل في المرّة الخامسة
منسوخٌ بحديث: ((لا يحلّ دم امرىء مسلم ... )) الحديث، وأبو بكر تَّه ما علِمَ
بنسخه، فعمل به، وفيه أن الحصر في ذلك الحديث محتاج إلى التوجيه، فكيف يحكم
بنسخ هذا الحديث، على أن التاريخ، غير معلوم. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث الحارث بن حاطب رضي اللَّه تعالى عنهما هذا صحيحٌ، وقد صححه الحاكم
في ((المستدرك)) ٣٨٢/٤ لكن تعقّبه الذهبيّ بأنه منكرٌ، ولم يُبيّن وجه النكارة. ولعل
وجهها مخالفته لحديث جابر رَّه الآتي في الباب التالي، فإن فيه أن قتله كان في عهده

١٠٩ -
١٤ - (بَأَبُ قَطْعِ الرِّجْلِ مِنَ السَّارِقِ بَعْدَ الْيَدِ) - حديث رقم ٤٩٧٩
وَليه بأمره، وهنا جعله في عهد أبي بكر تَّه بأمره، لكن الذي يظهر أنهما قضيتان، فلا
تعارض بينهما. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم
الو کیل.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٤٩٧٩/١٤ - وفي «الكبرى)) ٢٤/ ٧٤٧٠ . وهو من أفراده، لم يخرجه من
أصحاب الأصول غيره، وأخرجه من غيرهم الحاكم في ((المستدرك)) ٣٨٢/٤ والبيهقيّ في
((السنن الكبرى)) ٢٧٢/٨-٢٧٣ والطبرانيّ في ((المعجم الكبير)) ٢/١٦٦/١. والله تعالى
أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في أيّ اليدين تُقطع؟، وفي محلّ القطع:
ذهب الجمهور إلى أن أول شيء يقطع من السارق اليد اليمنى، واحتجوا بقرءة ابن
مسعود رحمه اللّه تعالى: ((فاقطعوا أيمانهما))، وأخرج سعيد بن منصور بسند صحيح،
عن إبراهيم قال: هي قراءتنا، يعني أصحاب ابن مسعود رَزمي ، ونقل فيه عياض
الإجماع. وتُعُقّب، نعم قد شذ من قال: إذا قطع الشمال أجزأت مطلقا، كما هو ظاهر ما
ذكره البخاريّ عن قتادة، حيث قال: وقال قتادة في امرأة سرقت، فقُطعت شمالها،
ليس إلا ذلك. وقال مالك: إن كان عمدا وجب القصاص على القاطع، ووجب قطع
اليمين، وإن كان خطأ وجبت الدية، ويجزىء عن السارق، وكذا قال أبو حنيفة، وعن
الشافعي، وأحمد قولان في السارق. قاله في ((الفتح)).
وقال البخاريّ رحمه الله تعالى في ((صحيحه)): ((وقطع علي تظنُّه من الكف))، قال
في ((الفتح)): أشار بهذا الأثر إلى الاختلاف في محل القطع، وقد اختلف في حقيقة
اليد، فقيل: أولها من المنكب، وقيل: من المرفق، وقيل: من الكوع، وقيل: من
أصول الأصابع.
فحجة الأول أن العرب تُطلق الأيدي على ذلك، ومن الثاني آية الوضوء، ففيها:
﴿وَيَدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]، ومن الثالث آية التيمم، ففي القرآن: ﴿فَأَمْسَحُواْ
بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِّنْهُ﴾، وبينت السنة كما تقدم في بابه، أنه عليه الصلاة والسلام،
مسح على كفيه فقط، وأخذ بظاهر الأول بعض الخوارج، ونقل عن سعيد بن المسيب،
واستنكره جماعة، والثاني لا نعلم من قال به في السرقة، والثالث قول الجمهور، ونقل
بعضهم فيه الإجماع، والرابع نقل عن علي، واستحسنه أبو ثور، ورُدّ بأنه لا يسمى
مقطوع اليد لغة، ولا عرفا، بل مقطوع الأصابع.
وبحسب هذا الاختلاف وقع الخلاف في محل القطع، فقال بالأول الخوارج، وهم

١١٠
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ قَطْعِ السَّارِقِ
محجوجون بإجماع السلف على خلاف قولهم، وألزم ابن حزم الحنفية بأن يقولوا بالقطع
من المرفق، قياسا على الوضوء، وكذا التيمم عندهم، قال: وهو أولى من قياسهم قدر
المهر على نصاب السرقة، ونقله عياض قولا شاذا، وحجة الجمهور الأخذ بأقل ما
ينطلق عليه الاسم؛ لأن اليد قبل السرقة، كانت محترمة، فلما جاء النص بقطع اليد،
وكانت تطلق على هذه المعاني، وجب أن لا يترك المتيقن، وهو تحريمها إلا بمتيقن،
وهو القطع من الكف. وأما الأثر عن علي تنظيم ، فوصله الدار قطني من طريق حُجَيّة بن
عدي، أن عليا قطع من المفصل. وأخرج ابن أبي شيبة من مرسل رجاء بن حيوة: أن
النبي ◌َّير قطع من المفصل، وأورده أبو الشيخ في ((كتاب حد السرقة))، من وجه آخر
عن رجاء، عن عدي، رفعه مثله، ومن طريق وكيع، عن سفيان، عن أبي الزبير، عن
جابر رفعه مثله. وأخرج سعید بن منصور، عن حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار،
قال: كان عمر تظلّه يقطع من المفصل، وعلي يقطع من مشط القدم. وأخرج ابن أبي
شيبة، من طريق ابن أبي حيوة أن عليا قطعه من المفصل، وجاء عن علي أنه قطع اليد
من الأصابع، والرجل من مشط القدم، أخرجه عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة عنه،
وهو منقطع، وإن كان رجال السند من رجال الصحيح. وقد أخرج عبد الرزاق، من
وجه آخر: أن عليا كان يقطع الرجل من الكعب. وذكر الشافعي في ((كتاب اختلاف))
عليّ وابن مسعود، أن عليا كان يقطع من يد السارق الخنصر والبنصر والوسطى خاصة،
ويقول: أستحي من الله أن أتركه بلا عمل، وهذا يحتمل أن يكون بقي الإبهام والسبابة،
وقطع الكف والأصابع الثلاثة، ويحتمل أن يكون بقي الكف أيضا، والأول أليق؛ لأنه
موافق لما نقل البخاري أنه قطع من الكف. انتهى ((فتح)) ١٤/ ٥٢.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تبيّن مما سبق أن الأرجح هو ما ذهب إليه
الجمهور، من القطع ليمين السارق، وأنه يكون من الكوع؛ لقوة حجتهم، كما سلف
آنفًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في قطع أيدي السارق، وأرجله:
قال في ((الفتح)) ١٤/ ٥٣-٥٤ -: واختلف السلف فيمن سَرَق، فقُطِع، ثم سرق
ثانيا، فقال الجمهور: تُقطع رجله اليسرى، ثم إن سرق فاليد اليسرى، ثم إن سرق
فالرجل اليمنى، واحتُجّ لهم بآية المحاربة، وبفعل الصحابة، وبأنهم فهموا من الآية أنها
في المرة الواحدة، فإذا عاد السارق وجب عليه القطع ثانيا، إلى أن لا يبقى له ما يُقطع،
ثم إن سرق عُزّر، وسُجِن، وقيل يقتل في الخامسة، قاله أبو مصعب الزهري المدني،
صاحب مالك، وحجته ما أخرجه أبو داود، والنسائي، من حديث جابر وَّه ، قال:

١١١ =
١٤ - (بَابُ قَطْعِ الرِّجْلِ مِنَ السَّارِقِ بَعْدَ الْيَدِ) - حديث رقم ٤٩٧٩
جيء بسارق إلى النبي وَّر، فقال: ((اقتلوه))، فقالوا: يا رسول الله، إنما سرق، قال:
(اقطعوه))، ثم جيء به الثانية، فقال: ((اقتلوه))، ذكر مثله، إلى أن قال: فأُتي به
الخامسة: فقال: ((اقتلوه))، قال جابر: فأنطلقنا به، فقتلناه، ورميناه في بئر، قال
النسائي: هذا حديث منكر، ومصعب بن ثابت راويه، ليس بالقوي. وقد قال بعض
أهل العلم، كابن المنكدر، والشافعي: إن هذا منسوخ، وقال بعضهم: هو خاص
بالرجل المذكور، فكأن النبي وَلهو اطلع على أنه واجب القتل، ولذلك أمر بقتله، من
أول مرة، ويحتمل أنه كان من المفسدين في الأرض.
قال الحافظ: وللحديث شاهد من حديث الحارث بن حاطب ◌َّه ، أخرجه
النسائي، ولفظه: أن النبي وَلّر، أَتي بلصّ، فقال: ((اقتلوه))، فقالوا: إنما سرق، فذكر
نحو حديث جابر رَّه في قطع أطرافه الأربع، إلا أنه قال في آخره: ثم سرق الخامسة
في عهد أبي بكر، فقال أبو بكر: كان رسول اللّه ◌َ له أعلم بهذا، حين قال: ((اقتلوه))،
ثم دفعه إلى فتية من قريش، فقتلوه، قال النسائي: لا أعلم في هذا الباب حديثا
صحيحا .
قال الحافظ: نقل المنذري تبعا لغيره فيه الإجماع، ولعلهم أرادوا أنه استقر على
ذلك، وإلا فقد جزم الباجي، في اختلاف العلماء أنه قول مالك، ثم قال: وله قول
آخر: لا يُقتل، وقال عياض: لا أعلم أحدا من أهل العلم قال به، إلا ما ذكر أبو
مصعب، صاحب مالك في ((مختصره)) عن مالك، وغيره من أهل المدينة، فقال: ومن
سرق ممن بلغ الحلم قطع یمینه، ثم ان عاد فرجله الیسری، ثم إن عاد فيده اليسرى، ثم
إن عاد فرجله اليمنى، فإن سرق في الخامسة قُتل كما قال رسول اللَّه وَّ، وعمر بن
عبد العزيز. انتهى.
وفيه قول ثالث، تُقطع اليد بعد اليد، ثم الرجل بعد الرجل، نُقل عن أبي بكر
وعمر، ولا يصح، وأخرج عبد الرزاق بسند صحيح، عن القاسم بن محمد، أن أبا بكر
قطع يد سارق في الثالثة، ومن طريق سالم بن عبد اللّه، أن أبا بكر إنما قطع رجله،
وكان مقطوع اليد، ورجال السندين ثقات، مع انقطاعهما.
وفيه قول رابع: تقطع الرجل اليسرى بعد اليمنى، ثم لا قطع، أخرجه عبد الرزاق
من طريق الشعبي، عن علي رَّه ، وسنده ضعيف، ومن طريق أبي الضحى، أن عليا
نحوه، ورجاله ثقات مع انقطاعه، وبسند صحيح عن إبراهيم النخعي، كانوا يقولون: لا
يترك ابن آدم مثل البهيمة، ليس له يد يأكل بها، ويستنجي بها، وبسند حسن عن
عبد الرحمن بن عائذ، أن عمر أراد أن يقطع في الثالثة، فقال له علي: اضربه،

=
١١٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ قَطْعِ السَّارِقِ
واحبسه، ففعل، وهذا قول النخعي، والشعبي، والأوزاعي، والثوري، وأبي حنيفة.
وفيه قول خامس، قاله عطاء: لا يقطع شيء من الرجلين أصلًا، على ظاهر الآية، وهو
قول الظاهرية، قال ابن عبد البر: حديث القتل في الخامسة منكر، وقد ثبت: ((لا يحل
دم امرئ مسلم، إلا بإحدى ثلاث))، وثبت: ((السرقة فاحشة، وفيها عقوبة))، وثبت عن
الصحابة قطع الرجل بعد اليد، وهم يقرءون: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَأَقْطَعُوَاْ أَبْدِيَهُمَا﴾
الآية [المائدة: ٣٨]، كما اتفقوا على الجزاء في الصيد، وإن قتل خطأ، وهم يقرءون:
﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَثَلَ مِنَ اَلَّعَمِ﴾ الآية [المائدة: ٩٥]، ويمسحون على
الخفين، وهم يقرءون غسل الرجلين، وإنما قالوا جميع ذلك بالسنة. انتهى ((فتح)) ١٤/
٥٣-٥٤
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد اتّضح بما ذُكر أن الأرجح قول الجمهور من قطع
الأرجل بعد الأيد؛ لقوّة حجته. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في قتل السارق في المرّة الخامسة:
قال الخطابي رحمه الله تعالى: هذا الحديث في بعض إسناده مقال، وقد عارض
الحدیث الصحیح، وهو أن النبيّ پے قال: لا يحلّ دم امریء مسلم إلا بإحدى ثلاث:
كفر بعد إيمان، وزنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس))، والسارق ليس بواحد من
الثلاثة، فالوقوف عن دمه واجبٌ، ولا أعلم أحدا من الفقهاء، يبيح دم السارق، وإن
تكررت منه السرقة مرّة بعد أخرى، وقد يُخَرَّج على مذاهب بعض الفقهاء أن يباح دمه،
وهو أن يكون هذا من المفسدين في الأرض، فإن للإمام أن يجتهد في تعزير
المفسدين، ويبلغ به ما رأى من العقوبة، وإن زاد على مقدار الحد، وإن رأى القتلَ
قتل، ويعزى هذا الرأي إلى مالك بن أنس، وهذا الحديث- إن كان له أصل- فهو يؤيّد
هذا الرأي، وقد يدلّ على ذلك من نفس الحديث أنه وَّرِ قد أمر بقتله لَمّا جيء به أول
مرّة، ثم كذلك في الثانية، والثالثة، والرابعة إلى أن قُتل في الخامسة، فقد يحتمل أن
يكون هذا رجلًا مشهورًا بالفساد، مخبورًا معلومًا من أمره أنه سيعود إلى سوء فعله، ولا
ينتهي عنه حتى ينتهي خبره. انتهى ((معالم السنن)) ٢٣٦/٦-٢٣٧.
وقال المنذريّ: قال الشافعي: والقتل منسوخ بهذا الحديث، وغيره، وهذا ما لا
اختلاف فيه عند أحد من أهل العلم علمته، يريد حديث قبيصة بن ذؤيب، وفيه:
((ووضع القتل، فكانت رخصة))، وقال الشافعي أيضا في موضع آخر: ثم حُفظ عن
النبي وَ يّ جلد الشارب العدد الذي قال: يقتل بعده، ثم جيء به، فجلده، ورفع القتل،
وصارت رخصة. وقال بعضهم: يحتمل أن يكون ما فعله، إن صح الحديث، فإنما

١١٣ ==
١٤- (بَابُ قَطْعِ الرُّجْلِ مِنَ السَّارِقِ بَعْدَ الْيَدِ) - حديث رقم ٤٩٧٩
فعله بوحي من الله سبحانه، فيكون معنى الحديث خاصا فيه. والله أعلم.
وتعقّب العلامة ابن القيم رحمه اللّه تعالى من ادّعى الإجماع على عدم القتل، والنسخ
في مسألة قتل شارب الخمر في المرّة الرابعة، فقال: أما دعوى الإجماع على خلافه، فلا
إجماع، قال عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو: ((ايتوني به في الرابعة، فعليّ أن
أقتله)). وهذا مذهب بعض السلف. وأما ادّعاء نسخه بحديث عبد الله بن حمار، فإنما
يَتمّ بثبوت تأخره، والإتيان به بعد الرابعة، ومنافاته للأمر بقتله. وأما دعوى نسخه
بحديث: ((لا يحلّ دم امرىء مسلم، إلا بإحدى ثلاث))، فلا يصحّ؛ لأنه عامّ، وحديث
القتل خاصّ، والذي يقتضيه الدليل أن الأمر بقتله ليس حتمًا، ولكنه تعزيرٌ بحسب
المصلحة، فإذا أكثر الناس من الخمر، ولم ينزجروا بالحدّ، فرأى الإمام أن يقتُل فيه
قَتَل، ولهذا كان عمر تَظّ ينفي فيه مرّة، ويَحلق فيه الرأس مرّة، وجلد فيه ثمانين،
وقد جلد رسول اللَّه وَله، وأبو بكر ◌َظثيه أربعين، فقتله في الرابعة ليس حدّا، وإنما هو
تعزيرٌ بحسب المصلحة، وعلى هذا يتخرّج حديث الأمر بقتل السارق، إن صحّ، والله
تعالى أعلم. انتهى كلام ابن القيّم في ((مختصر السنن)) ٢٣٦/٦ -٢٣٨.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الإمام ابن القيم رحمه اللّه تعالى من
التوفيق بين النصوص في قضيّة قتل السارق في المرة الخامسة، والشارب في المرّة
الرابعة حسنٌ جدًا.
وحاصله أن الأمر بقتل السارق، والشارب ليس حدًا محتومًا، وإنما هو من باب
التعزيز؛ للمصلحة، فإذا رأى الإمام أن شرّهما مستطيرٌ، وأنهما لا يرتدعان بالحدّ
المقرّر، بل يعودان إلى سوء فعلهما، إلا إذا قتلهما، فله ذلك، وهذا لا ينافي عموم ((لا
يحلّ دم امرىء مسلم ... ((الحديث، بل هو داخل فيه؛ لأنه من باب قمع المفسدين
في الأرض، فبهذا تجتمع النصوص، ولا تتعارض. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).

١١٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ قَطْعِ السَّارِقِ
١٥ - (بَابُ قَطْعِ الْيَدَيْنِ وَالرَّجْلَيْنِ
مِنَ السَّارِقِ)
٤٩٨٠- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عَقِيلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَدِّي، قَالَ:
حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ ثَابِتٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: چِيءَ
بِسَارِقٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَهِ، فَقَالَ: ((اقْتُلُوهُ))، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا سَرَقَ، قَالَ:
(اقْطَعُوهُ))، فَقُطِعَ، ثُمَّ جِيءَ بِهِ الثَّانِيَّةَ، فَقَالَ: ((اقْتُلُوهُ))، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا سَرَقَ،
قَالَ: ((اقْطَعُوهُ))، فَقُطِعَ، فَأَتِيَ بِهِ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ: ((اقْتُلُوهُ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا سَرَقَ،
فَقَالَ: ((اقْطَعُوهُ))، ثُمَّ أَتِيَ بِهِ الرَّابِعَةَ، فَقَالَ: ((اقْتُلُوهُ)، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا سَرَقَ،
قَالَ: ((اقْطَعُوهُ))، فَأَتِيَ بِهِ الْخَامِسَةَ: قَالَ: ((اقْتُلُوهُ))، قَالَ جَابِرٌ: فَانْطَلَقْنَا بِهِ إِلَى مِرْبَد
النَّعَمِ، وَحَمَلْنَاهُ، فَاسْتَلْقَى عَلَى ظَهْرِهِ، ثُمَّ كَشَّرَ بِيَدَئِهِ وَرِجْلَيْهِ، فَانْصَدَعَتِ الْإِبِلُ، ثُمَّ
حَمَلُوا عَلَيْهِ الثَّانِيَةَ، فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ حَمَلُوا عَلَيْهِ الثَّالِثَةَ، فَرَمَيْنَاهُ بِالْحِجَارَةِ، فَقَتَلْنَاهُ،
ثُمَّ أَلْقَيْنَاهُ فِي بِثْرٍ، ثُمَّ رَمَيْنَا عَلَيْهِ بِالْحِجَارَةِ.
قَالَ أَبُو عَبْدَ الرَّحْمَنِ: وَهَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، وَمُصْعَبُ بْنُ ثَابِتٍ، لَيْسَ بِالْقَوِيِّ فِي
الْحَدِيثِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَغْلَمُ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: («محمد بن عبد الله بن عبيد بن عَقِيل: هو الهلاليّ،
أبو مسعود البصريّ، صدوقٌ [١١] ٤٧٦٦/١٩. و((جدّه)): هو عُبيد بن عَقِل))- بفتح
العين المهملة، مكبّرًا -: هو أبو عمرو الهلاليّ البصريّ الضرير المعلّم، صدوقٌ، من
صغار [٩] ١٩ / ٤٧٦٦ .
و((مُصعب بن ثابت)) بن عبد الله بن الزبير بن العوّام الأسديّ، ليّن الحديث، وكان
عابدًا [٧].
أرسل عن جده، وروى عن أبيه، وعمه عامر، وابن عم أبيه عكاشة بن مصعب،
وابن عم أبيه الآخر هشام بن عروة، ونافع مولى ابن عمر، وابن المنكدر، وعطاء بن
أبي رباح، وجماعة. وعنه ابنه عبد اللَّه، وزيد بن أسلم، وهو أكبر منه، ومحمد بن
عمرو بن علقمة، وهو من أقرانه، وابن المبارك، والداروردي، وحميد بن الأسود،
وعُبيد بن عَقِيل، وآخرون. قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: أراه ضعيف الحديث، لم
أر الناس يَحمدون حديثه. وقال عثمان الدارمي، عن ابن معين: ضعيف. وقال معاوية
ابن صالح، عن ابن معين: ليس بشيء. وقال أبو حاتم: صدوق، كثير الغلط، ليس

١١٥
١٥- (بَأَبُ قَطْع الْدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ مِنَ السَّارِقِ)- حديث رقم ٤٩٨٠
بالقوي. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال أبو حاتم: مات سنة سبع وخمسين
ومائة، وهو ابن ثلاث وسبعين سنة. له عند النسائي حديث عن ابن المنكدر، عن
جابر، في قتل السارق بعد الخامسة، قال النسائي عقبه: هذا حديث منكر، ومصعب بن
ثابت ليس بالقوي في الحديث، زاد في ((الكبرى)): ولم يتركه يحيى القطان. وقال
الطبراني في ((المعجم الأوسط)): لم يروه عن ابن المنكدر، إلا مصعب.
وقال الزهري: كان من أعبد أهل زمانه، قيل: كان يصوم الدهر، ويصلي في اليوم
والليلة ألف ركعة، وعاش إحدى وسبعين سنة. وقال ابن حبان في ((الضعفاء)): انفرد
بالمناكير عن المشاهير، فلما كثر ذلك فيه استحق مجانبة حديثه، ولما ذكره في
(الثقات)) قال: قد أدخلته في ((الضعفاء))، وهو ممن أستخير الله تعالى فيه. وقال ابن
سعد: كان كثير الحديث، يُستضعف. وقال الدار قطني: مدني ليس بالقوي، رَوَی عبد
الله بن المبارك، عن مصعب بن ثابت، عن عبد الله بن الزبير حديثًا، فقال الذهبي:
تفرد عنه ابن المبارك وحده، لا يكاد يُعرف، أو هو الأول، أرسل عن جده (١). روى
له المصنّف هذا الحديث فقط، وأبو داود، وابن ماجه.
و((محمد بن المنكدر)): هو التيميّ المدنيّ، ثقة فاضلٌ [٣] ١٣٨/١٠٣.
وقوله: ((إلى مربد النعم))- بكسر الميم، وسكون الراء -: موقفها، مشتقّ من ربد
بالمكان رَبْدًا، من باب ضرب: أقام فيه، وربدته رَبْدًا أيضًا: حبسته. أفاده الفيّوميّ.
وقوله: ((ثم كشر بيديه، ورجليه)): قال السنديّ: قيل: هكذا في النسخ، والكشر
ظهور الأسنان للضحك، وليس له كثير معنى ههنا، وفي ((الكبرى)): ((كسر)) بالمهملة،
وصُحّح عليها، وليس له كثير معنى، وقد جاء كَشِيشُ الأفعى - بشينين معجمتين بلا
راء - بمعنى صوتٍ جلدها إذا تحرّكت، يقال: كشت تكش، وهذا المعنى صحيح هنا لو
ساعدته رواية. قلت: وقوع تحريف قليل من الناسخ غير بعيد. والله تعالى أعلم. انتهى
كلام السنديّ .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن هذه التكلّفات التي تعب فيها السنديّ، مما
لا داعي له، فإن كشر بالشين المعجمة له معنى صحيح في اللغة، فقد قال ابن منظور
رحمه الله تعالى: كشر السبع عن نابه- أي من باب ضرب -: إذا هرّ للحراش (٢)،
(١) معنى كلام الذهبي أن مصعبًا هذا إما رجل لا يعرف، انفرد بالرواية عنه ابن المبارك، أو هو
مصعب الذي تقدمت ترجمته. والله تعالى أعلم.
(٢) قوله: ((للحراش)): أي ليصطاد، يقال: حرش الضبَّ يحرِشه حَرْشًا، وتُحْرَاشًا: صاده،
كاحترشه، وذلك بأن يحرّك يده على باب جُخره؛ ليظنّه حيّةً، فيُخرج ذَنَّبَه ليضربها، فيأخذه.
انتهى ((قاموس)» .

١١٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ قَطْعِ السَّارِقِ
وكشر فلان لفلان: إذا تنمّر له، وأوعده، كأنه سبع، ويقال: اكشر عن أنيابك: أي
أوعده، وهو مجاز. انتهى ((لسان العرب)) ١٤٥/٥- بزيادة من «تاج العروس، شرح
القاموس)» ٥٢٣/٣ .
فالمعنى هنا أن هذا الرجل أظهر يديه، ورجليه، وهي مقطوعة، فحرّکها حتى تهرب
الإبل، كما يدلّ عليه قوله: ((فانصدعت الإبل))، وهذا معنى صحيح، لا غبار عليه، ولا
معنى لدعوى التحريف، وأن ما وقع في (المجتبى)) بالشين المعجمة أظهر مما وقع في
((الكبرى)) بالمهملة .
وقوله: ((فتصدعت الإبل)): أي تفرّقت. وتمام شرح الحديث يُعلم مما سبق في
شرح حديث الحارث بن حاطب رضي اللّه تعالى عنهما.
وقوله: ((قال أبو عبد الرحمن الخ)): ونصّ ((الكبرى)): قال أبو عبد الرحمن:
ومصعب بن ثابت ليس بالقويّ، ويحيى القطّان لم يتركه، وهذا الحديث ليس
بصحيح،، ولا أعلم في هذا الباب حديثًا صحيحًا عن النبيّ وَّر. انتهى.
وهذا الذي قاله المصنّف رحمه اللَّه تعالى، محلّ نظر، وقد أجاد الشيخ الألبانيّ
رحمه الله تعالى في ((الإرواء)»، حيث قال ما حاصله: لم يتفرد مصعب بالحديث، فقد
تابعه هشام بن عروة، وله عنه ثلاث طرق: [الأولی]: عن محمد بن یزید بن سنان، نا
أبي عنه. ومحمد بن سنان، وأبوه ضعيفان. [الثانية]: عن عائذ بن حبيب، عنه. وعائذ
صدوقٌ، كما في ((التقريب)). [الثالثة]: عن سعيد بن يحيى، نا هشام بن عروة به مثله.
وسعيد هذا هو ابن يحيى بن صالح اللَّخْميّ، قال عنه في ((القريب)): صدوقٌ وسطٌّ،
ماله في البخاري سوی حدیث واحد.
أخرج هذه الطرق كلها الدارقطنيّ في ((السنن))، قال الشيخ الألباني رحمه الله تعالى:
وهي، وإن كانت لا تخلوا مفرداتها من ضعف، ولكنه ضعف يسير، فبعضها يقوّي
بعضًا، كما هو مقرّر في ((المصطلح))، فإذا انضمّ إليها طريق مصعب ازداد الحديث
بذلك قوّةً، لا سيّما، وله شاهد من حديث الحارث بن حاطب، مع شيء من المغايرة
في لفظه، يعني الحديث المذكور في الباب الماضي.
قال: والخلاصة أن الحديث من رواية جابر ثابت بمجموع طريقيه، وهو في المعنى
مثل حديث أبي هريرة رَّ، فهو على هذا صحيحٌ، إن شاء الله تعالى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث أبي هريرة تظلّه الذي أشار إليه هو ما أخرجه
الدار قطنيّ في ((سننه)) من طريق الواقديّ، عن ابن أبي ذئب، عن خالد بن سلمة، أراه
عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ◌َّه، عن النبيّ وَّر، قال: ((إن سرق، فاقطعوا يده، ثم

١١٧
١٦- (القَطْعُ فِي السَّفَرَ) - حديث رقم ٤٩٨١
إن سرق، فاقطعوا رجله)). وصححه الشيخ الألبانيّ في ((الإرواء)) ٨٥/٨-٨٦ أي
بشواهده.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي حقّقه الشيخ الألباني رحمه اللّه تعالى
حسنٌ جداً، وحاصله أن حديث جابر تَظ هذا صحيح بما ذكر.
والحديث أخرجه المصنّف هنا-١٥/ ٤٩٨٠- وفي ((الكبرى)) ٢٥/ ٧٤٧١. وأخرجه
(د) في ((الحدود)) ٤٤١٠. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب».
١٦- (الْقَطْعُ فِي السَّفَرِ)
٤٩٨١- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي بَقِيَّةُ، قَالَ: حَدَّثَنِيِ نَافِعُ بْنُ یَزِيدَ،
قَالَ: حَدَّثَنِي حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحِ، عَنْ عَيَّاشِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أَمَيَّةَ، قَالَ:
سَمِعْتُ بُسْرَ بْنَ أَبِي أَرْطَاةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ نَّهِ، يَقُولُ: ((لَا تُقْطَّعُ الْأَيْدِي فِي
السَّفَرِ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١- (عمرو بن عثمان) القرشيّ مولاهم، أبو حفص الحمصيّ، صدوق [١٠] ٢١/
٥٣٥ .
٢- (بقيّة) بن الوليد الحمصيّ، صدوقٌ، كثير التدليس عن الضعفاء [٨] ٥٥/٤٥.
٣- (نافع بن يزيد) الْكَلاعيّ، أبو يزيد المصريّ، ثقة عابد [٧] ٢٠٩٨/٣.
٤- (حيوة بن شُريح) التجيبيّ، أبو زرعة المصريّ، ثقة ثبتٌ، فقيه، زاهد [v] ٧/
٤٧٨ .
٥- (عيّاش بن عبّاس) الْقِتبانيّ المصريّ، ثقة [٥](١) ١٣٧١/٢.
٦- (جنادة بن أبي أميّة) الأزديّ، أبو عبد الله الشاميّ، يقال: اسم أبيه كبير،
مختلف في صحبته، فقال العجليّ: تابعيّ ثقة، والحقّ أنهما اثنان، صحابيّ، وتابعيّ،
(١) جعله في ((التقريب)) من السادسة، وعندي أنه من الخامسة؛ لأنه رأى عبد الله بن الحارث بن جزء
الصحابيّ رَّ، فيكون مثل الأعمش، رأى أنسًا، فكان من الخامسة، فليُتنبّه.

شرح سنن النسائي - كِتَابُ قَطْع السَّارِقِ
متفقان في الاسم وكنية الأب، قاله في ((التقريب))، والظاهر أن هذا هو التابعيّ.
٧- (بُسر بن أبي أرطاة) ويقال: ابن أرطاة، واسم أبي أرطاة عُمير بن عُويمر بن
عمران ابن الْحُلَيس بن سَيّار بن نِزَار بن مُعيص بن عامر بن لؤي القرشي العامري
الشامي، أبو عبد الرحمن، مختلف في صحبته، رَوَى عن النبي ◌َّ حديثين: أحدهما:
((لا تقطع الأيدي في السفر»، والآخر ((اللَّهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها ... ))
الحديث، وعنه جنادة بن أبي أمية، وأيوب بن ميسرة بن حلبس، وغيرهما، قال ابن
عساكر: سكن دمشق، وشهد صِفّين مع معاوية، وكان على الرجالة، ولاه معاوية
اليمن، وكانت له بها آثار غير محمودة، وقيل: إنه خَرِف قبل موته. وقال ابن سعد عن
الواقدي: قُبض النبي وَّر، ويسر صغير، ولم يسمع من النبي ◌َّ شيئا. وقال ابن
يونس: بسر من أصحاب رسول اللّه وَلتر، شهد فتح مصر، واختط بها، وكان من شيعة
معاوية، وكان معاوية وجهه إلى اليمن، والحجاز في أول سنة (٤٠) وأمره أن يَتَقَرّى من
كان في طاعة علي، فيوقع بهم، ففعل بمكة، والمدينة، واليمن أفعالا قبيحة، وقد ولي
البحر لمعاوية، وكان قد وُسوس في آخر أيامه. وقال ابن عدي: مشكوك في صحبته،
ولا أعرف له، إلا هذين الحديثين. وقال الدارقطني: له صحبة، ولم يكن له استقامة
بعد النبي ◌َّر. وقال البخاري في ((التاريخ الصغير)): حدثنا سعيد بن يحيى بن سعيد،
عن زياد، عن ابن إسحاق، قال: بعث معاوية بسر بن أرطاة سنة (٣٩) فقدم المدينة،
فبايع، ثم انطلق إلى مكة واليمن، فقتل عبد الرحمن، وقُثَم ابني عبيد الله بن عباس.
وقال الدُّوري، عن ابن معين: أهل المدينة ينكرون أن يكون بسر سمع من النبي وَلآ،
وأهل الشام يروون عنه عن النبي وَّ، قال: وسمعت يحيى يقول: كان بسر بن أرطاة
رجل سوء. وقال خليفة: مات في ولاية عبد الملك بن مروان، وقد خَرِف. وحكى
المسعودي في ((مروج الذهب)): أن عليا رَظنّه دعا على بسر أن يذهب عقله لما بلغه
قتله ابني عبيد الله بن العباس، وأنه خرف، ومات في أيام الوليد بن عبد الملك سنة
(٨٦) وله في مسند الشاميين للطبراني حديث ثالث، وقال ابن حبان في ((الصحابة)): من
قال ابن أرطاة، فقد وهم، وقال في ((صحيحه)): سمعت عبد الله بن سلم يقول:
سمعت هشام بن عمار يقول: سمعت محمد بن أيوب بن ميسرة بن حلبس يقول:
سمعت أبي يقول: سمعت بسر بن أبي أرطاة يقول: سمعت النبي ◌َّ يقول: ((اللّهم
أحسن عاقبتنا في الأمور كلها ... )) الحديث.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الأرجح عندي القول بثبوت الصحبة له؛ لأن حديث
الباب، وحديث ابن حبان المذكور إسنادهما صحيح. والله تعالى أعلم.

١١٩ :
١٦- (القَطْعُ فِي السَّفَرِ) - حديث رقم ٤٩٨١
روى له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
ثقات. (ومنها): أنه مسلسل بالمصرين من نافع بن يزيد، والباقون شاميّون. (ومنها):
أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ) الأزديّ، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ بُسْرَ بْنَ أَبِي أَرْطَاةَ) رَِّ أنه
(قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَّهِ، يَقُولُ: لَا تُقْطَعُ الْأَيْدِي فِي السَّفَرِ) وفي رواية الترمذي،
والدارمي: ((في الغزو))، بدل ((السفر)). والحديث فيه قصّة، ساقها الإمام أبو داود رحمه
اللَّه تعالى في «سننه»، فقال:
٤٤٠٨ - حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، أخبرني حيوة بن شريح، عن
عياش بن عباس الْقِتْباني، عن شُيَيْم بن بَيْتان، ويزيد بن صُبْح الأصبحي، عن جُنادة بن
أبي أمية، قال: كنا مع بُسر بن أرطاة في البحر، فأَتي بسارق، يقال له: مِصْدَرٌ، قد
سرق بُخْتِيّة، فقال: سمعت رسول اللَّه وَ له يقول: ((لا تقطع الأيدي في السفر، ولولا
ذلك لقطعته)). انتهى.
و((البختيّة)): هي الأنثى من الجمال، طِوال الأعناق، والذكر بُخْتِيّ، والجمع بُخْتٌ،
وبَخَاتِيّ. قاله في ((المجمع)). وقال في ((القاموس)): البخت بالضم: الإبل الخرسانية،
كالبختية، والجمع بخاتيّ، وبَخات.
والسفر المطلق هنا يحمل على المقيد، قاله الطيبي. يعني سفر الغزو. وقال العزيزي
في ((شرح الجامع الصغير)): قوله: ((في السفر)): أي في سفر الغزو؛ مخافةً أن يَلحق
المقطوع بالعدو، فإذا رجعوا قُطع، وبه قال الأوزاعي، قال: وهذا لا يختص بحد
السرقة، بل يجري حكمه فيما في معناه من حد الزنا، وحد القذف، وغير ذلك،
والجمهور على خلافه. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث بسر بن أبي أرطاة تتمتّ هذا صحيح.

١٢٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ قَطْعِ السَّارِقِ
[فإن قلت]: كيف يصحّ، وفيه بقيّة، وهو معروف بتدليس التسوية؟.
[قلت]: قد صرّح بقيّة بالتحديث فيه، وفي شيخه، وأيضًا لم ينفرد بالحديث، فقد
تابعه عليه عبد الله بن وهب، عن حيوة، كما تقدّم في سند أبي داود. والله تعالى
أعلم.
[تنبيه]: قد تكلّموا في بسر بن أبي أرطاة، وفي ثبوت صحبته، فقد قال الشوكانيّ:
واختلف في صحبة بسر المذكور، فقيل: له صحبة، وقيل: لا صحبة له، وأن مولده
بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وله أخبار مشهورة، وكان يحيى بن معين، لا
يحسن الثناء عليه، قال المنذري: وهذا يدل على أنه عنده لا صحبة له، ونقل في
((الخلاصة)) عن ابن معين أنه قال: لا صحبة له، وأنه رجل سوء، ولي اليمن، وله بها
آثار قبيحة. انتهى. ونقل عبد الغني، أن حديثه في الدعاء، فيه التصريح بسماعه، من
النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقد غمزه الدار قطني، ولا يرتاب منصف أن الرجل
ليس بأهل للرواية، وقد فَعَل في الإسلام أفاعيل، لا تصدر عمن في قلبه مثقال حبة من
إيمان، كما تضمنت ذلك كتب التاريخ المعتبرة، فثبوت صحبته لا يرفع القدح عنه،
على ما هو المذهب الراجح، بل هو إجماع، لا يختلف فيه أهل العلم، كما حققنا ذلك
في غير هذا الموضع، وحققه العلامة محمد بن إبراهيم الوزير، في ((تنقيحه))، ولكن إذا
كان المناط في قبول الرواية، هو تحري الصدق، وعدم الكذب، فلا ملازمة بين القدح
في العدالة، وعدم قبول الرواية، وهذا يتمشى على قول من قال: إن الكفر والفسق،
مظنة تهمة، لا من قال: إنهما سلب أهلية، على ما تقرر في الأصول. انتهى كلام
الشوكانيّ ((نيل الأوطار)) ١٤٤/٧-١٤٥.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تقدّم في ترجمته أن الأرجح ثبوت صحبته تَّه ،
فإذا ثبتت صحبته، فالأفاعيل التي ألزقتها به كتب التواريخ، منها ما لا يصح؛ لأن هذه
الكتب مشحونة بما لا يثبت أصلًا، وما ثبت منها، فيُحمل على الاجتهاد الذي نحمل
عليه ما جرى بين الصحابة في وقعتي الجمل، وصفيّن؛ حيث سُفكت فيها الدماء،
فنقول: إن أحد الفريقين صاحب حقّ، والآخر مجتهد، والمجتهد يصيب، ويخطىء،
فيكون ما فعله هذا الصحابيّ من هذا القبيل، وأما ما قاله الشوكانيّ فأراه مما لا ينبغي أن
يصدر عن مثله فيمن ثبتت صحبته، مع إمكان حمله على المحامل الحسنة، فيا ليته لم
يقل مثل هذا في جانب من ثبتت صحبته. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: