النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ = ٣٠- (عَقْوُ النِّسَاءِ عَنِ الدَّم) - حديث رقم ٤٧٩٠ فيه قصاص، إلا أمر فيه بالعفو))، رواه أبو داود، والنسائيّ، وقد تقدم قبل باب أنه حديث صحيح. وفي حديثه في قصة الرُّبَيِّع بنت النضر، حين كسرت سن جارية، فأمر النبي ◌َّ بالقصاص، فعفا القوم. إذا ثبت هذا فالقصاص حق لجميع الورثة، من ذوي الأنساب والأسباب، والرجال والنساء، والصغار والكبار، فمن عفا منهم صح عفوه، وسقط القصاص، ولم يبق لأحد إليه سبيل . وهذا قول أكثر أهل العلم، منهم: عطاء، والنخعي، والحَكَم، وحماد، والثوري، وأبو حنيفة، والشافعي، ورُوي معنى ذلك عن عمر، وطاوس، والشعبي. وقال الحسن، وقتادة، والزهري، وابن شُبْرمة، والليث، والأوزاعي: ليس للنساء عفو، والمشهور عن مالك: أنه موروث للعصبات خاصة، وهو وجه لأصحاب الشافعي؛ لأنه ثبت لدفع العار، فاختص به العصبات، كولاية النكاح، ولهم وجه ثالث، أنه لذوي الأنساب، دون الزوجين؛ لقول النبي وَلّ: ((من قُتِل له قتيل، فأهله بين خِيرَتين بين أن يقتلوا، أو يأخذوا العقل))، وأهله ذوو رحمه. وذهب بعض أهل المدينة إلى أن القصاص، لا يسقط بعفو بعض الشركاء، وقيل: هو رواية عن مالك؛ لأن حق غير العافي لا يرضى بإسقاطه، وقد تؤخذ النفس ببعض النفس، بدليل قتل الجماعة بالواحد. واحتجّ الأولون بعموم قوله ◌َلّ: ((فأهله بين خيرتين))، وهذا عامّ في جميع أهله، والمرأة من أهله، بدليل قول النبي وَجّ: ((من يَعذُرُني من رجل يبلغني أذاه في أهلي، وما علمت على أهلي إلا خيرا، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي))، يريد عائشة رضي الله تعالى عنها، وقال له أسامة: يا رسول اللَّه أهلك، ولا نعلم إلا خيرا، متفقٌ عليه. وروى زيد بن وهب أن عمر رَّ أُتي برجل قتل قتيلا، فجاء ورثة المقتول ليقتلوه، فقالت امرأة المقتول، وهي أخت القاتل: قد عفوت عن حقي، فقال عمر: الله أكبر عَتَقَ القتيلُ، رواه أبو داود(١). وفي رواية عن زيد، قال: ((دخل رجل على امرأته، فوجد عندها رجلا، فقتلها، (١) هو حديث صحيح، وأما عزوه إلى أبي داود، فمحلّ نظر، وقد قال الحافظ في ((التلخيص)) ٤٪ ٢٠ رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن الأعمش، عن زيد بن وهب به، ورواه البيهقيّ من حديث زيد بن وهب، وزاد: ((فأمر عمر لسائرهم بالدية)). انظر ((إرواء الغليل)) ٢٧٩/٧ -٢٨٠. ١٤٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ فاستعدى إخوتها عمر رَظّه، فقال بعض إخوتها: قد تصدقت، فقضى لسائرهم بالدية))(١) . ورَوَى قتادة: ((أن عمر رَّهِ رُفع إليه رجل قتل رجلا، فجاء أولاد المقتول، وقد عفا بعضهم، فقال عمر لابن مسعود: ما تقول؟ قال: إنه قد أَخْرِزَ من القتل، فضَرَب على كتفه، وقال كُنَيْفٌ(٢) ملىء علما(٣))). انتهى ((المغني)) ٥٨٠/١١-٥٨٢. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الأرجح ما ذهب إليه الجمهور، من أن العفو عن القصاص يصحّ، من النساء، كما يصحّ من الرجال؛ لوضوح أدلّته، كما سبق توضيحه آنفًا، فإذا حصل العفو من بعض الورثة ولو كانت امرأة فقد سقط القصاص، وثبتت الدية. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنیب)). ٣١- (بَابُ مَنْ قُتِلَ بِحَجَرٍ، أَوْ سَوْطٍ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: (قُتِلَ)) بالبناء للمفعول: أي باب ذكر الحديث الدّالّ على حكم المقتول بحجر، أو سوط. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٧٩١ - (أَخْبَرَنَا هِلَالُ بْنُ الْعَلَاءِ بْنِ هِلَالٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ طَاؤُسِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ نََّ: ((مَنْ قُتِلَ فِي عِمِّيًّا، أَوْ رِمِّيًّا، تَكُونُ بَيْتَهُمَّ بِحَجَرَ، أَوْ سَوْطٍ، أَوْ بِعَصًا، فَعَقْلُهُ عَقْلُ خَطٍَ، وَمَنْ قَتَلَ عَمْدًا فَقَوَدُ يَدِهِ، فَمَنْ حَالٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ، وَالْمَلَائِكَةِ، وَالنَّاسِ أَجَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ، وَلَا عَذْلٌ))). (١) وهو صحيح أيضًا، أخرجه البيهقيّ ٥٩/٨ انظر ((الإرواء)) ٢٨١/٧. (٢) تصغير كِنْف بكسر، فسكون: وعاء أداة الراعي، أو وعاء أسْقَاط التاجر. أفاده في ((القاموس)). (٣) أخرجه الطبرانيّ في ((المعجم الكبير)) ٤/٤٥/٣ وهو ضعيف؛ لانقطاعه، فإن قتادة لم يدرك عمر، ولا ابن مسعود رضي اللَّه تعالى عنهما. ١٤٣ ٣١- (بابُ مَنْ قَتَلَ بِحَجَرِ، أَوْ سَوْطٍ) - حديث رقم ٤٧٩١ رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (هلال بن العلاء بن هلال) بن عمرو، أبو عمرو الباهليّ مولاهم الرَّفّيّ، وهو صدوق [١١] ١١٩٩/١٠، من أفراد المصنف. ٢- (سعيد بن سُليمان) الضبّيّ، أبو عثمان الواسطيّ، نزيل بغداد البزّار، لقبه سعدويه، ثقة حافظ، من كبار [١٠] ١٨٥٤/١٥. ٣- (سليمان بن كثير) العبديّ البصريّ، أبو داود، أو أبو محمد، لا بأس به في غير الزهريّ [٧] ٣٥٥٣/٥٨. ٤- (عمرو بن دينار) الجمحي مولاهم المكي، ثقة ثبت [٤] ١١٢/ ١٥٤ . ٥- (طاوس) بن كيسان اليماني، ثقة ثبت فاضل [٣] ٣١/٢٧. ٦- (ابن عباس) عبد الله رضي الله تعالى عنهما ٣١/٢٧. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه كما سبق آنفًا. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما حبر الأمة، وبحرها، أحد العبادلة، وأحد المكثرين السبعة، كما تقدّم غير مرّة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي اللَّه تعالى عنهما، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((مَنْ قُتِلَ) بالبناء للمفعول (فِي عِمِيًّا) -بكسر العين المهملة، وتشديد الميم، والتحتانيّة، والقصر - : فِعِيلَى، من العَمَى، كالرِّمِّيّا، من الرمي، والْخِصِّيصَى، من التخصيص، وهي مصادرُ، والمعنى: أن يوجد بينهم قَتيل يَعْمَى أمره، ولا يتبيّن قاتله. أفاده ابن الأثير في ((النهاية))-٣٠٥/٣. وقال السنديّ: قوله: ((في عِمّيّا)) بكسر عين، فتشديد ميم، مقصور، ومثله ((رِمّا)) وزنًا: أي في حالةٍ غير مبيّنة، لا يُدرى فيه القاتل، ولا حال قتله، أو في ترام جرى بينهم، فوجد بينهم قتيل. انتهى. (أَوْ رِمِّيًّا) تقدم ضبطه آنفًا: أي في ترام (تَكُونُ بَيْتَهُمْ) أي بين القوم (بِحَجَرِ، أَوْ سَوْطٍ، أَوْ بِعَصًا، فَعَقْلُهُ) أي ديته، يقال: عقلت القتيلَ عَقْلًا، من باب ضرب: إذا أدّيت ديته. قال الأصمعيّ: سُمّيت الدية عَقْلًا؛ تسميةً بالمصدر؛ لأن الإبل كانت تُعقل بفِناء وليّ القتيل، ثم كثُر الاستعمال حتى أُطلق العَقْلُ على الدية، إبلّا كانت، أو نَقْدًا. قاله الفيّوميّ (عَقْلُ خَطٍَ) أي يكون حكم ديته حكم دية المقتول خطأ. وفي رواية أبي داود: ١٤٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ ((فهو خطأ)): أي فحمه حكم قتل الخطإ، فتجب الدية، دون القصاص (وَمَنْ قَتَلَ) بالبناء للفاعل (عَمْدًا فَقَوَدُ يَدِهِ) أَيْ فعليه قودُ نفسه، أو فحكمُ قتله قودُ نفسه، وعبّر باليد عن النفس مجازًا، أو المعنى: فعليه قود عمل يده الذي هو القتل، فأضيف القود إلى اليد مجازًا (فَمَنْ حَالَ بَيْنَهُ) أي بين القاتل (وَبَيْنَهُ) أي بين القود بمنع أولياء المقتول عن قتله، بعد طلبهم ذلك، وليس المراد به طلب العفو عن القصاص، فإنه جائز، فقد تقدّم قبل بابين حديث أنس تنمّ: ((ما أَتي النبيّ وَّر في شيء فيه قصاص، إلا أمر فيه بالعفو)) (فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ) أي طرده من رحمته (وَالْمَلَائِكَةِ) أي دعاؤهم عليه بأن يطرده اللَّه تعالى عن رحمته (وَالنَّاسِ) أي دعاؤهم عليه أيضًا بالطرد. والمعنى أنه يستحقّ ذلك، إن لم يعفو الله تعالى عنه. وقوله (أَجَمَعِينَ) تأكيد للملائكة، والناس. (لَا يُقْبَلُ) بالبناء للمفعول (مِنْهُ صَرْفٌ) قيل: معناه: توبة؛ لما فيها من صرف الإنسان نفسه من حال المعصية إلى حال الطاعة (وَلَا عَذْلٌ) أي فداء، مأخوذ من التعادل، وهو التساوي؛ لأن فداء الأسير يساويه، والمراد التغليظ، والتشديد فيمن حال بين الحدود، وأمثالها. قاله السنديّ. وقال الخطّابيّ: فسّروا العدل بالفريضة، والصرف بالتطوّع. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عبّاس رضي اللَّه تعالى عنهما هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٤٧٩١/٣١ و٤٧٩٢- وفي ((الكبرى)) ٦٩٩٢/٣٠ و٦٩٩٣. وأخرجه (د) في ((الديات)) ٤٥٣٩ (ق) في ((الديات)) ٢٦٣٥ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم المقتول بحجر، أو سوط، أو نحو ذلك، في حال الترامي بالحجارة، ولم يعرف القاتل، وهو كونه في حكم الخطإ، فتجب الدية، دون القصاص. (ومنها): بيان حكم من قَتَلَ عمدًا، وهو وجوب الدية عليه. (ومنها): تحريم الحيلولة بين أولياء القتيل، والقاتل لئلا يقتصّوا منه. (ومنها): أن من فعل ذلك يستحقّ لعنة اللّه تعالى، والملائكة، والناس أجمعين، وأن الله تعالى منه لا يقبل عمله؛ لقبح صنيعه هذا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ١٤٥ = ٣١- (بَبُ مَنْ قَتَلَ بِحَجَرٍ، أَوْ سَوْطٍ) - حديث رقم ٤٧٩٢ (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم فيما إذا اقتتل فئتان فتفرقوا عن قتيل من إحداهما : قال الإمام الخطّابيّ رحمه الله تعالى: اختلفوا فيمن تلزمه دية هذا القاتل، فقال مالك ابن أنس: ديته على الذين نازعوهم. وقال أحمد بن حنبل: ديته على عواقل الآخرين، إلا أن يدّعوا على رجل بعينه، فيكون قسامة، وكذلك قال إسحاق. وقال ابن أبي ليلى، وأبو يوسف: ديته على عاقلة الفريقين الذين اقتتلوا معًا. وقال الأوزاعيّ: عقله على الفريقين جميعًا، إلا أن تقوم بيّنة من غير الفريقين أن فلانًا قتله، فعليه القصاص. وقال الشافعيّ: هو قسامة، إن ادّعوه على رجل بعينه، أو طائفة بعينها، وإلا فلا عقل، ولا قود. وقال أبو حنيفة: هو على عاقلة القبيلة التي وُجد فيهم، إن لم يدّع أولياء القتيل على غيرهم. انتهى ((معالم السنن)) ٣٤٥/٦. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أن ما قاله أحمد، وإسحاق أقرب؛ لأن الظاهر أن الآخرين هم الذين قتلوه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل . ٤٧٩٢- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ ابْنُ كَثِيرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، يَرْفُعُهُ، قَالَ: مَنْ قُتِلَ فِي عِمْيَّةِ، أَوْ رِمِئَةٍ بِحَجَرٍ، أَوْ سَوْطٍ ، أَوْ عَصًا، فَعَقْلُهُ عَقَلُ الْخَطَإِ، وَمَنْ قُتِلَ عَمْدًا فَهُوَ قَوَدٌ، وَمَنْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ، وَالْمَلَائِكَةِ، وَالنَّاسِ أَجَمِعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَذْلًا))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و((محمد بن معمر)): هو القيسيّ البحرانيّ البصريّ، صدوق، من كبار [١١] ١٨٢٩/٥ من مشايخ الأئمة الستة، دون واسطة. و((محمد بن كثير)) العبديّ أبو عبد الله البصريّ، ثقة، لم يصب من ضعّفه، من كبار [١٠] وفي ((تهذيب التهذيب)) ٦٨٣/٣: رَوَى عن أخيه سليمان، وكان أكبر منه بخمسين سنة، وعن الثوري، وشعبة، وإبراهيم بن نافع المكي، وهمام، وإسرائيل، وجعفر بن سليمان الضبعي، وغيرهم. ورَوَى عنه البخاري، وأبو داود، وروى له الباقون بواسطة الدارمي، وعبد بن حُميد، والذُّهلي، والحسين بن محمد البلخي، ومحمد بن معمر الْبَخْراني، وأحمد بن محمد بن المعلى الآدمي، وأبو حاتم، وأبو زرعة، وعلي بن المديني، ويعقوب بن شيبة، وأبو مسلم الكجي، ومعاذ بن المثنى، ويوسف بن يعقوب ١٤٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ القاضي، وغيرهم. قال ابن معين: لم يكن ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق. وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: حدثنا عنه الفضل بن الحباب، مات سنة ثلاث وعشرين ومائتين، وكان له يوم مات تسعون سنة، وكان تقيا فاضلا، وكذا أرخه البخاري، وأبو داود، وابن أبي عاصم، وابن قانع، وزاد في جمادى الأولى، وقال: إنه ضعيف. وقال أحمد بن حنبل: ثقة لقد مات على سُنّة، وقال مسلمة بن قاسم: لا بأس به. وقال ابن الجنيد، عن ابن معين: كان في حديثه ألفاظ، كأنه ضعفه، ثم سألت عنه؟ فقال: لم يكن لسائل أن يكتب عنه. وفي ((الزهرة)): روى عنه البخاريّ ثلاثة وستين حديثا. روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. وقوله: ((يرفعه)): أي يرفع ابن عبّاس رضي اللَّه تعالى عنهما الحديث إلى النبيّ وَّر، وهذه الصيغة من صيغ الرفع حكمًا، قال في ((ألفية الأثر)) في تعداد صيغ الرفع حكمًا: وَهَكْذَا (يَرْفَعُهُ ((يَثْمِيهِ)) ((رِوَايَةً)) ((يَبْلُغْ بِهِ)) ((يَزْوِيهِ)) وقوله: ((في عِمَيّة)) بكسر العين المهملة، وتشديد الميم، بعدها ياء مشدّدة: أي في حالة غير متّضحة، حيث لا يُدرى القاتل، ولا حالة القتل. وقوله: ((أو رِمّيّة)) هي في الوزن كعمّيّة، ومعناها: الترامي بالحجارة، ونحوها. والحديث صحيح، وقد سبق بيانه في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب)). ٣٢- (كَمْ دِيَةُ شِبْهِ الْعَمْدِ، وذِكْرِ الاخْتِلَافِ عَلَى أَیُوبَ فِي حَدِيثٍ الْقَاسِمِ بْنِ رَبِيعَةً فِيهِ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وجه الاختلاف المذكور: أن شعبة رواه عن أيوب، عن القاسم، عن عبد الله بن عمرو، عن النبيّ وَّر، متّصلًا، وخالفه حماد بن سلمة، فرواه عن أيوب، عن القاسم، أن رسول اللَّه وَله، خطب يوم الفتح، فأرسله، ثم هذا الاختلاف لا يضرّ بصحّة الحديث، فإن الحكم في مثله لمن وصل، فشعبة إمام حافظ ٣٢- (كَمْ دِيَُّ شِيهِ الْعَمْدِ، وذِكْرِ ... - حديث رقم ٤٧٩٣ ١٤٧ = ثبت، لا يضرّه مخالفة غيره له، ولا سيّما مثل حماد بن سلمة، فالحديث متّصل صحيح. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٧٩٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَيُوبَ السَّخْتِيَانِيّ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍوٍ، عَنِ النَِّّ ◌ِِّ، قَالَ: قَتِيلُ الْخَطَإِ، شِبْهِ الْعَمْدِ بِالسَّوْطِ، أَوِ الْعَصَا، مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ، أَرْبَعُونَ مِنْهَا فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا))). رجال هذا الإسناد: ستة : ١- (محمد بن بشار) بندار، أبو بكر البصري، ثقة حافظ [١٠] ٢٧/٢٤ . ٢- (عبد الرحمن) بن مهديّ المذکور قبل بابین. ٣- (شعبة) بن الحجاج الإمام المشهور تقدم قريبًا . ٤ - (أيوب السختياني) ابن أبي تميمة كيسان البصريّ، ثقة ثبت فقيه [٥] ٤٨/٤٢. ٥- (القاسم بن ربيعة) بن جَوْشَن- بجيم، فواو ساكنة، فمعجمة مفتوحة، وزان جعفر - الْغَطَّفانيّ- بفتح الغين المعجمة، والطاء المهملة، بعدها فاء- الجوشني البصريّ، ثقة، عارف بالنسب [٣]. وقال في ((تهذيب التهذيب)) ٤٠٩/٣ -: رَوَى عن عمر، وعبد الرحمن بن عوف، وأبي بكرة، وابن عمر، وابن عمرو، وعقبة بن أوس، ويقال: يعقوب بن أوس. ورَوَى عنه ابن عمه عيينة بن عبد الرحمن بن جوشن، وقتادة، وأيوب، وخالد الحذاء، وحميد الطويل، وعلي بن زيد بن جُذعان. روى البخاري: أن الحسن كان إذا سئل عن شيء من النسب، قال: سلوا القاسم بن ربيعة. وقال علي بن المديني، وأبو داود: ثقة. وقال خليفة، عن أبي اليقظان: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطاة اجمع مَنْ قِبَلَك، فشاورهم في إياس بن معاوية، والقاسم بن ربيعة، واستقض أحدهما، قال: فحلف له القاسم أن إياسا أعلم منه وأصلح، فولاه. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). روى له أبو داود، والمصنّف، وابن ماجه، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، كرره عشر مرّات. ٦- (عبد الله بن عمرو بن العاص) رضي الله تعالى عنهما ١١١/٨٩. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم ١٤٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ رجال الصحيح، غير القاسم كما سبق آنفًا. (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين. (ومنها): أن شيخه أحد مشايخ الأئمة الستّة دون واسطة، كما سبق غير مرّة (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه القاسم بن ربيعة هذا أول محلّ ذكره. والله تعالى أعلم . شرح الحديث (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) بن العاص رضي اللَّه تعالى عنهما (عَنِ النَّبِيِّ نََّ، قَالَ: قَتِيلُ الْخَطَإِ) مبتدأ، أي دية قتل الخطإ، فهو على حذف مضاف (شِبْهِ الْعَمْدِ) بالجرّ صفة ((الخطإِ))، و((الشبه))، كـ(المثل)) بكسر، فسكون، أو بفتحتين (بِالسَّوْطِ) متعلّقٌ بـ((قتيل)) (أَوِ الْعَصَا)، وقوله (مِائَةٌ مِنَ الإِبِلِ) خبر المبتدإِ (أَرْبَعُونَ مِنْهَا) أي من الإبل المائة (فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا) يعني أنها حوامل. وفي رواية: ((أربعون منها خَلِفَة)): والخلفة الحامل، وقَلَّما تحمل إلا ثنية، وهي التي لها خمس سنين، ودخلت في السادسة، وأيُّ ناقة حملت فهي خلفة، تجزىء في الدية. وقد قيل: لا تجزىء إلا ثنية؛ لأن في بعض ألفاظ الحديث: ((أربعون خَلِفَة، ما بين ثنية عامها إلى بازل))، ولأن سائر أنواع الإبل مقدرة السن، فكذلك الخلفة، قيل: الأول هو الأولى؛ لأن النبي وَلّ أطلق الخلفة، والخلفة هي الحامل، فيقتضي أن تجزىء كل حامل . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: بل الثاني هو الأولى، فلا تجزىء إلا ثنيّة حامل؛ لتصريح النصّ بذلك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد الله بن عمرو رضي اللَّه تعالى عنهما هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ٣٢/ ٤٧٩٣ و ٤٧٩٤ و ٣٣/ ٤٧٩٥ و ٤٧٩٦ و ٤٧٩٧ و ٤٧٩٨ و٤٧٩٩ و٤٨٠٠ و٤٨٠٢- وفي ((الكبرى)) ٣١/ ٦٩٩٤ و٦٩٩٥ و ٣٢/ ٦٩٩٦ و٦٩٩٧ و٦٩٩٨ و٦٩٩٩ و٧٠٠٠ و٧٠٠١ و٧٠٠٣. وأخرجه (د) في ((الديات)) ٤٥٤٧ (ق) في ((الديات)) ٢٦٢٧ (أحمد) في ((مسند المكثرين)) ٧٠٢٨ (الدارمي) في ((الديات)) ٢٢٧٧. (المسألة الثالثة): في فوائده: = ٣٢- (كَمْ دِيَُّ شِيهِ الْعَمْدِ، وذِكْرِ ... - حديث رقم ٤٧٩٣ ١٤٩ (منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان مقدار دية شبه العمد، وهو مائة من الإبل، منها أربعون حوامل. (ومنها): أن فيه إثبات قتل شبه العمد، قال الخطّبيّ: وقد زعم بعض أهل العلم أن ليس القتل إلا العمد المحض، أو الخطأ المحض. انتهى، وسيأتي بيان اختلاف العلماء في ذلك المسألة التالية، إن شاء الله تعالى. (ومنها): أن دية شبه العمد مغلّظة على العاقلة. (ومنها): ما قاله الخطّابيّ رحمه اللَّه تعالى: أنه قد يُستدلّ به على جواز السلم في الحيوان إلى مدّة معلومة، وذلك لأن الإبل على العاقلة، مضمونة في ثلاث سنين. انتهى. (ومنها): أن فيه دلالةٌ على أن الحمل في الحيوان صفة تُضبط، وتُحُصر. قاله الخطابيّ أيضًا. (ومنها): أنه أخذ بظاهر هذا الحديث عطاء، والشافعي، وإليه ذهب محمد بن الحسن، فقالوا: دية شبه العمد أثلاثٌ. وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف، وأحمد، وإسحاق: هي أرباع. وقال أبو ثور: دية شبه العمد أخماس. (ومنها): أن فيه الردّ على مالك بن أنس، حيث يقول: ليس في كتاب اللَّه عز وجل، إلا الخطأ والعمد، وأما شبه العمد فلا نعرفه، فقد أثبته النبيّ ◌َّر في هذا الحديث الصحيح، فلا كلام بعد ثبوته. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في ثبوت قتل شبه العمد: ذهب أكثر أهل العلم إلى أن القتل ينقسم إلى ثلاثة أقسام: عمدٌ، وشبه عمد، وخطأ، رُوي ذلك عن عمر، وعلي، وبه قال الشعبي، والنخعي، وقتادة، وحماد، وأهل العراق، والثوري، والشافعي، وأحمد، وأصحاب الرأي. وأنكر مالك شبه العمد، وقال: ليس في كتاب اللَّه إلا العمد والخطأ، فأما شبه العمد فلا يعمل به عندنا، وجعله من قسم العمد، وحكي عنه مثل قول الجماعة، وهو الصواب؛ لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي اللَّه تعالى عنهما المذكور في الباب، فإنه نصّ يقدم على ما ذكره. وزاد بعضهم قسما رابعا، وهو ما أجري مُجرى الخطإ، نحو أن ينقلب نائم على شخص، فيقتله، أو يقع عليه من علو، وكالقتل بالسبب، كحفر البئر، ونصب السكين، وقتل غير المكلف، لكن هذه الصُّوَر كلها عند الأكثرين من قسم الخطإ، فإن صاحبها لم يتعمد الفعل، أو تعمده ولكنه ليس هو من أهل القصد الصحيح، لكونه غير مكلّف، فسموه خطأ، فأعطوه حكمه. أفاده في ((المغني)) ٤٤٤/١١-٤٤٥. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذكر أن الأصح هو ما ذهب إليه الجمهور من إثبات شبه العمد؛ لصحّة دليله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ١٥٠ = = شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ (المسألة الخامسة): في تفسير العمد، وحكمه: القتل العمد هو أن يضربه بمحدد، كالسيف، ونحوه، مما يقطع، ويدخل في البدن، فهذا لا خلاف بين العلماء في كونه عمدًا، أو يضربه بغير محدد، لكنه مما يغلب على الظنّ قتله به، فهذا عمد أيضًا عند الأكثرين. وحكمه: أنه يجب به القود، بلا خلاف بين أهل العلم في ذلك إذا اجتمع عليه الأولياء، وكان المقتول حرّا، مسلما، قال ابن قدامة رحمه اللَّه تعالى: أجمع العلماء على أن القود لا يجب إلا بالعمد، ولا نعلم بينهم في وجوبه بالقتل العمد، إذا اجتمعت شروطه خلافا، وقد دلت عليه الآيات، والأخبار بعمومها، فقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ قُئِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ، سُلْطَانًا فَلَ يُسْرِفِ فِ الْقَتْلِّ﴾ [الإسراء: ٣٣]، وقال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِ الْقَبْلِ﴾ [البقرة: ١٧٨]، وقال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِى الْقِصَاصِ حَيَوَةٌ ﴾ [البقرة: ١٧٩]: يريد- والله أعلم- أن وجوب القصاص يمنع من يريد القتل منه، شفقةً على نفسه من القتل، فتبقى الحياة فيمن أريد قتله، وقيل: إن القاتل تنعقد العداوة بينه وبين قبيلة المقتول، فيريد قتلهم خوفا منهم، ويريدون قتله، وقتل قبيلته، استيفاءً، ففي الاقتصاص منه بحكم الشرع قطع لسبب الهلاك بين القبيلتين. وقال الله تعالى: ﴿وَكَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]، وقال النبي وَّر: ((من قُتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يُقتَل، وإما أن يُفدَى))، متفق عليه، وروى أبو شُريح الخزاعي رَّه، قال: قال رسول اللَّه ◌َ له: ((من أصيب بدم، أو خَبْل، فهو بالخيار بين إحدى ثلاث: فإن أراد الرابعة فخذوا على يديه، أن يَقتُل، أو يعفو، أو يأخذ الدية))، رواه أبو داود(١)، وفي لفظ: ((فمن قُتل له بعد مقالتي قتيل، فأهله بين خيرتين: أن يأخذوا الدية، أو يقتلوا))، وقال ◌َّ: ((العمد قود، إلا أن يعفو ولي المقتول))، وفي لفظ: ((من قتل عامدا فهو قود))، رواه أبو داود، وفي لفظ رواه ابن ماجه: ((من قتل عامدا فهو قود، ومن حال بينه وبينه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل)). راجع ((المغني)) ٤٤٥/١١-٤٥٩. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن أهل العلم مُجمعون على وجوب القصاص في القتل العمد، إذا اجتمعت شروطه، وهو أنه إذا كان للمقتول أولياء يستحقّون القصاص أن يجتمعوا على طلبه، فإن عفا بعضهم سقط كله، وصار ديةً، وأن يكون القتيل حرّا مسلمًا؛ لهذه النصوص الصحيحة الصريحة فيه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) تقدم أنه حديث ضعيف فلا تغفل. ٣٢- (كَمْ دِيَُّ شِبْهِ الْعَمْدِ، وذِكْرِ ... - حديث رقم ٤٧٩٣ ١٥١ = (المسألة السادسة): في تفسير شبه العمد، وحكمه : شبه العمد: هو أن يقصد ضربه بما لا يقتل غالبا، إما لقصد العدوان عليه، أو لقصد التأديب له، فيسرف فيه، كالضرب بالسوط، والعصا، والحجر الصغير، والوكز باليد، وسائر ما لا يقتل غالبا، إذا قَتَل فهو شبه عمد؛ لأنه قصد الضرب دون القتل، ويسمى عمد الخطأ، وخطإ العمد؛ لاجتماع العمد والخطإ فيه، فإنه عَمَدَ الفعلَ، وأخطأ في القتل . وحكمه: أنه لا قود فيه، والدية على العاقلة، في قول أكثر أهل العلم، وجعله مالك عمدا، موجبا للقصاص، ولأنه ليس في كتاب اللَّه إلا العمد والخطأ، فمن زاد قسما ثالثا زاد على النص، ولأنه قتله بفعل عَمَدَهُ فكان عمدا، كما لو غرزه بإبرة فقتله، وقال بعض الحنابلة: تجب الدية في مال القاتل، وهو قول ابن شبرمة؛ لأنه مُوجَبُ فِعلٍ عمدٍ، فكان في مال القاتل كسائر الجنايات. وحجة الجمهور ما أخرجه الشيخان، والمصنّف، وغيرهم، من حديث أبي هريرة رَ ◌ّه، قال: اقتتلت امرأتان من هُذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها، وما في بطنها، فقضى النبي ◌َّ ر أن دية جنينها عبد، أو وليدة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها)). فقد أوجب ديتها على العاقلة، والعاقلة لا تحمل عمدا، وأيضا قول النبي وَالر: ((ألا إن في قتيل خطإ العمد، قتيل السوط، والعصا، والحجر مائة من الإبل))، وفي لفظ: أن النبي ◌ُّر، قال: ((عقل شبه العمد مغلظ، مثل عقل العمد، ولا يُقتل صاحبه))، رواه أبو داود، وهذا نصّ في المسألة. وأما قوله هذا قسم ثالث، فجوابه: نعم هو كذلك ثبت بالسنة، والقسمان الأولان ثبتا بالكتاب، ولأنه قتل لا يوجب القَوَدَ، فكانت ديته على العاقلة، كقتل الخطأ. أفاده في ((المغني)) ١١ / ٤٦٢- ٤٦٣. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الحقّ ما ذهب إليه الجمهور من إثبات شبه العمد، وهو أن يقصد ضربه بما لا يقتل غالبًا، كالسوط، والعصا، والحجر الصغير، وأنه لا قود فيه، وأن الدية واجبة على العاقلة؛ لما ذُكر من الأدلّة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب . (المسألة السابعة): في تفسير الخطإ، وحكمه: الخطأ على ضربين: [أحدهما]: أن يفعل فعلا، لا يريد به إصابة المقتول، فيصيبه ويقتله، مثل أن يرمي صيدا، أو هدفا، فيصيب إنسانا فيقتله، قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: أجمع كل من نَحفَظ عنه من أهل العلم، أن القتل الخطأ: أن يرمي الرامي شيئا، ١٥٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ فيصيب غيره، لا أعلمهم يختلفون فيه، هذا قول عمر بن عبد العزيز، وقتادة، والنخعي، والزهري، وابن شبرمة، والثوري، ومالك، والشافعي، وأحمد، وأصحاب الرأي . فحكم هذا الضرب من الخطإ أنه تجب به الدية على العاقلة، والكفارة في مال القاتل، بغير خلاف نعلمه. والأصل في وجوب الدية والكفارة، قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ قَثَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيُرُ رَقَّبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةُ إِلَى أَهْلِهِ: إِلَّ أَنْ يَضَذَّفُوا﴾ الآية [النساء: ٩٢]، وسواء كان المقتول مسلما، أو كافرا له عهد؛ لقول الله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ مِن قَوْمِ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَقُ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةُ إِلَى أَهْلِهِ، وَتَّحْرِثُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٌٍ﴾ الآية [النساء: ٩٢]، ولا قصاص في شيء من هذا؛ لأن اللّه تعالى أوجب به الدية، ولم يذكر قصاصا، وقال النبي بَّر: (رُفع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه))(١)، ولأنه لم يوجب القصاص في عمد الخطأ، ففي الخطأ أولى. [الضرب الثاني من الخطأ]: هو أن يقتل في أرض الحرب من يظنه كافرا، ويكون مسلما، ولا خلاف في أن هذا خطأ، لا يوجب قصاصا؛ لأنه لم يقصد قتل مسلم، فأشبه ما لو ظنه صيدا، فبان آدميا، إلا أن هذا لا تجب به دية أيضا، ولا يجب إلا الكفارة، ورُوي هذا عن ابن عباس، وبه قال عطاء، ومجاهد، وعكرمة، وقتادة، والأوزاعي، والثوري، وأبو ثور، وأبو حنيفة، وأحمد. وقال مالك، والشافعي، : تجب به الدية والكفارة، وهو رواية عن أحمد؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ قَثَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيُرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةُ إِلَى أَهْلِهِ﴾﴾، وقال وَ له: ((ألا إن في قتيل خطأ العمد، قتيل السوط والعصا، مائة من الإبل))، ولأنه قتل مسلما خطأ، فوجبت ديته، كما لو كان في دار الإسلام. واحتجّ الأولون بقول الله تعالى: ﴿فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِرٌ فَتَحْرِيُ رَقَّبَةٍ مُؤْمِنَةٌ﴾ الآية، ولم يذكر دية، وتركه ذكرها في هذا القسم، مع ذكرها في الذي قبله وبعده، ظاهر في أنها غير واجبة، وذكره لهذا قسما مفردًا، يدل على أنه لم يدخل في عموم الآية التي احتجوا بها، ويخص بها عموم الخبر الذي رووه. أفاده في ((المغني)) ١١/ ٤٦٤-٤٦٥. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الذي يترجّح عنده هو ما قاله الأولون من وجوب (١) حديث صحيح بلفظ: ((وُضع عن أمتي الخ))، أخرجه الطبرانيّ من حديث ثوبان تَّه. ١٥٣= ٣٢- (كَمْ دِيَةُ شِبْهِ الْعَمْدِ، وذِكْرٍ ... - حديث رقم ٤٧٩٣ الكفّارة، دون الدية؛ للآية المذكورة؛ والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب . (المسألة الثامنة): في اختلاف أهل العلم في مقدار دية القتل العمد: قال في ((المغني)): ما ملخّصه: أجمع أهل العلم على أن دية العمد تجب في مال القاتل، لا تحملها العاقلة، وهي تجب حالة، وبهذا قال مالك، والشافعي، وأحمد. وقال أبو حنيفة: تجب في ثلاثة سنين؛ لأنها دية آدمي فكانت مؤجلة، كدية شبه العمد. وحجة الأولين أن ما وجب بالعمد المحض كان حالا ، كالقصاص، وأرش أطرف العبد، ولا يشبه شبه العمد؛ لأن القاتل معذور؛ لكونه لم يقصد القتل، وإنما أفضى إليه من غير اختيار منه، فأشبه الخطإ، ولهذا تحمله العاقلة، ولأن القصد التخفيف على العاقلة الذين لم تصدر منهم جناية، وحُمِّلوا أداء مال مواساة، فالأرفق بحالهم التخفيف عنهم، وهذا موجود في الخطأ، وشبه العمد على السواء، وأما العمد فإنما يحمله الجاني في غير حال العذر، فوجب أن يكون ملحقا ببدل سائر المتلفات. واختلفوا في مقدارها، فقيل: إنها أرباعٌ، وبه قال الزهري، وربيعة، ومالك، وسليمان بن يسار، وأبو حنيفة، وأحمد، ورُوي ذلك عن ابن مسعود رضي الله عنه. وقيل: إنها ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة في بطونها أولادها، وبهذا قال عطاء، ومحمد بن الحسن، والشافعي، وروي ذلك عن عمر، وزيد، وأبي موسى، والمغيرة؛ لما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رسول اللَّه وَلته، قال: ((من قتل متعمدا دُفع إلى أولياء المقتول، فإن شاؤوا قتلوه، وإن شاؤوا أخذوا الدية، وهي ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة، وما صولحوا عليه فهو لهم، وذلك لتشديد القتل))، رواه الترمذي، وقال: هو حديث حسن غريب، وعن عبد الله ابن عمرو: أن رسول اللّه ◌َ ل إل قال: ((ألا إن في قتيل عمد الخطإ، قتيلِ السوط والعصا، مائة من الإبل، منها أربعون خلفة، في بطونها أولادها))، رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائيّ، وغيرهم، وعن عمرو بن شعيب: ((أن رجلا يقال له: قتادة حَذَف ابنه بالسيف فقتله، فأخذ عمر منه الدية ثلاثين حقة، وثلاثين جذعة، وأربعين خلفة)) رواه مالك في «موطئه)). وحجة الأولين ما روى الزهري، عن السائب بن يزيد، قال: كانت الدية على عهد رسول اللَّه وَل أرباعا: خمسا وعشرين جذعة، وخمسا وعشرين حقة، وخمسا وعشرين بنت لبون، وخمسا وعشرين بنت مخاض))، ولأنه قول ابن مسعود رَطّه ، ولأنه حق يتعلق بجنس الحيوان، فلا يعتبر فيه الحمل، كالزكاة، والأضحية. أفاده في ١٥٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ ((المغني)) ١٥/١٢/١٢. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي الأرجح ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني؛ لصحة الأحاديث به، فإن حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جدّه الأول حسنٌ، كما قال الترمذيّ، والثاني صحيح، كما سبق في تخريج حديث الباب، وكذلك أثر عمر رَمَّيه صحيح، وأما حديث الزهريّ عن السائب بن يزيد، فضعيفٌ، لا يعارض الأحاديث الصحيحة، فتبصّر، ولا تتحيّر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب . (المسألة التاسعة): في اختلاف أهل العلم في دية شبه العمد: (اعلم): أن الخلاف في أسنان دية شبه العمد، كالخلاف في دية العمد، وقد سبق الكلام في ذلك في المسألة الماضية، واخلفوا هنا في أمرين: [أحدهما]: أنه ذهب طائفة إلى أنها على العاقلة، وبه قال الشعبي، والنخعي، والحكم، والشافعي، والثوري، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي، وابن المنذر. وذهبت طائفة إلى أنها على القاتل في ماله، وبه قال ابن سيرين، والزهري، والحارث العكلي، وابن شُبْرُمة، وقتادة، وأبو ثور؛ لأنها مُوجَبُ فعلٍ قَصَدَه، فلم تحمله العاقلة، كالعمد المحض، ولأنها دية مغلظة، فأشبهت دية العمد، وهكذا يجب أن يكون مذهب مالك؛ لأن شبه العمد عنده من باب العمد. واحتجّ الأولون بحديث أبي هريرة رَيه المتّفق عليه، قال: ((اقتتلت امرأتان من هذيل، فَرَمت إحداهما الأخرى بحجر، فقتلتها وما في بطنها، فقضى رسول اللَّه وَل بدية المرأة على عاقلتها)). ولأنه نوع قتل لا يوجب قصاصا فوجبت ديته على العاقلة كالخطإ، ويخالف العمد المحض؛ لأنه يُغَلَّظ من كل وجه؛ لقصده الفعل، وإرادته القتل، وعمدُ الخطإ يغلظ من وجه، وهو قصده الفعل، ويُخَفّف من وجه، وهو كونه لم يُرد القتل، فاقتضى تغليظها من وجه، وهو الأسنان، وتخفيفها من وجه، وهو حمل العاقلة لها، وتأجيلها، قال ابن قُدامة: ولا أعلم في أنها تجب مؤجلة خلافا بين أهل العلم، ورُوي ذلك عن عمر، وعلي، وابن عباس رضي الله عنهم، وبه قال الشعبي، والنخعي، وقتادة، وأبو هاشم، وعُبيد اللَّه بن عمر، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر، وقد حُكي عن قوم من الخوارج، أنهم قالوا: الدية حالّة؛ لأنها بدل متلف، ولم ينقل إلينا ذلك عمن يُعَدُّ خلافه خلافا. أفاده في ((المغني)) ١٥/١٢-١٦. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد اتّضح بما ذُكر أن الحقّ وجوب الدية على ٣٢- (كَمْ دِيَُّ شِيهِ الْعَمْدِ، وذِكْرِ ... - حديث رقم ٤٧٩٣ ١٥٥ == العاقلة؛ لحديث أبي هريرة رَّ المتفق عليه، وقول المخالف: إنها موجب فعل قصده الخ قياس في مقابلة النصّ، فيكون باطلًا، كما سبق تحقيقه غير مرّة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة العاشرة): في اختلاف أهل العلم في دية الخطا: ذهبت طائفة إلى أن القتل إذا كان خطأ، كان على العاقلة، مائة من الإبل، تؤخذ في ثلاث سنين أخماسا: عشرون بنات مخاض، وعشرون بنو مخاض، وعشرون بنات لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة، وبهذا قال ابن مسعود، والنخعي، وأحمد، وأصحاب الرأي، وابن المنذر. وقال عمر بن عبد العزيز، وسليمان بن يسار، والزهري، والليث، وربيعة، ومالك، والشافعي: هي أخماس، إلا أنهم جعلوا مكان بني مخاض بني لبون، وهكذا رواه سعيد بن منصور في ((سننه)) عن النخعي، عن ابن مسعود رَطّه. وقال الخطابي: رُوي أن النبي ◌ََّ، وَدَى الذي قُتل بخيبر بمائة من إبل الصدقة(١)، وليس في أسنان الصدقة ابن مخاض. ورُوِي عن علي، والحسن، والشعبي، والحارث العكلي، وإسحاق: أنها أرباع، كدية العمد سواء. وعن زيد: أنها ثلاثون حقة، وثلاثون بنت لبون، وعشرون ابن لبون، وعشرون بنت مخاض. وقال طاوس: ثلاثون حقة، وثلاثون بنت لبون، وثلاثون بنت مخاض، وعشرون بني لبون ذكور؛ لما رَوَى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: ((أن رسول اللّهِ وََّ، قضى أن من قُتِل خطأ، فديته من الإبل ثلاثون بنت مخاض، وثلاثون بنت لبون، وثلاثون حقة، وعشر بني لبون ذكور))، رواه أبو داود، وابن ماجه. وقال أبو ثور: الديات كلها أخماس، كدية الخطإ؛ لأنها بدل متلف، فلا تختلف بالعمد والخطإ، كسائر المتلفات، وحُكي عنه أن دية العمد مغلظة، ودية شبه العمد والخطإ أخماس؛ لأن شبه العمد تحمله العاقلة، فكان أخماسا كدية الخطإ. وقال ابن قدامة: ولنا- يعني أصحاب القول الأول- ما روى عبد الله بن مسعود رَ له قال: قال رسول اللَّه ◌َالشهر: ((في دية الخطإ عشرون حقة، وعشرون جذعة، وعشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون بني مخاض))، رواه أبو داود، (١) متفقٌ عليه، وتقدّم للمصنّف ٤٧١٢/٣ . ١٥٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ والنسائي، وابن ماجه، ولأن ابن لبون يجب على طريق البدل، عن ابنة مخاض، في الزكاة، إذا لم يجدها، فلا يُجمع البدل والمبدل في واجب، ولأن موجبهما واحد، فيصير كأنه أوجب أربعين ابنة مخاض، ولأن ما قال به الأولون هو الأقل، فالزيادة عليه لا تثبت إلا بتوقيف، يجب على من ادعاه الدليل، فأما دية قتيل خيبر فلا حجة لهم فيه؛ لأنهم لم يَدَّعُوا على أهل خيبر قتله إلا عمدا، فتكون ديته دية العمد، وهي من أسنان الصدقة، والخلاف في دية الخطإ، وقول أبي ثور يخالف الآثار المروية التي ذكرناها، فلا يعول عليه. قاله في ((المغني)) ١٩/١٢-٢١. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحقّ هو ما ذهب إليه طاوسٌ من أنها أرباع: ثلاثون حقّة، وثلاثون بنت لبون، وثلاثون بنت مخاض، وعشر بني لبون؛ لصحّة حديث عمرو شعيب، عن أبيه، عن جدّه، ((أن رسول اللَّه وَّل قضى أن من قُتل خطأ، فديته من الإبل ثلاثون بنت مخاض ... )) الحديث. وأما ما احتجّ به ابن قدامة للحنابلة، ومن قال بقولهم: إنها أخماسٌ، من حديث ابن مسعود رَّه ، فإنه ضعيف؛ لأن في سنده حجاج بن أرطاة، وهو ضعيف، كما سيأتي بيانه في الباب الثالث، فتبصّر، ولا تتحيّر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: لا خلاف بين أهل العلم في أن دية الخطإ على العاقلة، قال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من نَحفَظ عنه من أهل العلم، وقد ثبت الأخبار عن رسول اللَّه وَالت: أنه قضى بدية الخطإ على العاقلة، وأجمع أهل العلم على القول به، وقد جعل النبي وَل دية عمد الخطإ على العاقلة، بما قد رويناه من الأحاديث، وفيه تنبيه على أن العاقلة تحمل دية الخطأ. والحكمة في ذلك أن جنايات الخطإ تكثر، ودية الآدمي كثيرة، فإيجابها على الجاني في ماله يُجحف به، فاقتضت الحكمة إيجابها على العاقلة، على سبيل المواساة للقاتل، والإعانة له تخفيفا عنه، إذ كان معذورا في فعله، وينفرد هو بالكفارة. أفاده في ((المغني)) ٢١/١٢. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه آخر]: لا خلاف بينهم في أنها مؤجلة في ثلاث سنين، فإن عمر، وعليا رَضِيّهنا، جعلا دية الخطإ على العاقلة في ثلاث سنين، ولا يُعرف لهما في الصحابة مخالفٌ، فاتّبعهم على ذلك أهل العلم، ولأنه مال يجب على سبيل المواساة، فلم يجب حالا كالزكاة، وكل دية تحملها العاقلة تجب مؤجلة؛ لما ذكرنا، وما لا تحمله العاقلة يجب حالا؛ لأنه بدل مُتلَف، فلزم المتلف حالا كقيم المتلفات، وفارق الذي تحمله العاقلة فإنه يجب مواساة، فألزم التأجيل تخفيفا على متحمله، وعُدل به عن الأصل في التأجيل، في ١٥٧ ٣٢- (كَمْ دِيُّ شِبْهِ الْعَمْدِ، وذِكْرِ ... - حديث رقم ٤٧٩٣ كما عدل به عن الأصل في إلزامه غير الجاني. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الحادية عشرة): في اختلاف أهل العلم في وجوب دية الخطإ على القاتل: ذهب مالك، والشافعي، وأحمد إلى أنه لا يلزم القاتل شيء من الدية. وقال أبو حنيفة: هو كواحد من العاقلة؛ لأنها وجبت عليهم إعانة له، فلا يزيدون عليه فيها . واحتجّ الأولون بالحديث المتفق عليه من حديث أبي هريرة ◌َظنّه: ((أن النبي ◌َّ قضى بدية المرأة على عاقلتها))، وهذا يقتضي أنه قضى بجميعها عليهم، ولأنه قاتل لم تلزمه الدية، فلم يلزمه بعضها، كما لو أمره الإمام بقتل رجل، فقتله يعتقد أنه بحق، فبان مظلوما، ولأن الكفارة تلزم القاتل في ماله، وذلك يعدل قسطه من الدية، وأكثر منه، فلا حاجة إلى إيجاب شيء من الدية عليه. قاله في ((المغني)) ٢٢/١٢. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ما ذهب إليه الأولون هو الأرجح؛ لظاهر الحديث المذكور. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية عشرة): في اختلاف أهل العلم في تغليظ الدية: قال الموفّق رحمه الله تعالى: ذكر أصحابنا أن الدية تغلظ بثلاثة أشياء، إذا قتل في الحرم، والشهور الحرم، وإذا قتل مُخرِما، وقد نص أحمد رحمه الله على التغليظ على من قَتل محرما في الحرم، وفي الشهر الحرام، فأما إن قتل ذا رحم محرم، فقال أبو بكر تغلظ ديته، وقال القاضي: ظاهر كلام أحمد أنها لا تغلظ، وقال أصحاب الشافعي: تغلظ بالحرم، والأشهر الحرم، وذي الرحم المحرم، وفي التغليظ بالإحرام وجهان، وممن رُوي عنه التغليظ: عثمان، وابن عباس، والسعيدان، وعطاء، وطاوس، والشعبي، ومجاهد، وسليمان بن يسار، وجابر بن زيد، وقتادة، والأوزاعي، ومالك، والشافعي، وإسحاق. واختلف القائلون بالتغليظ في صفته، فقال أصحابنا: تغلظ لكل واحد من الحرمات ثلث الدية، فإذا اجتمعت الحرمات الثلاث وجبت ديتان، قال أحمد، في رواية ابن منصور، فيمن قتل مُحرما في الحرم، وفي الشهر الحرام: فعليه أربعة وعشرون ألفا، وهذا قول التابعين القائلين بالتغليظ. وقال أصحاب الشافعي: صفة التغليظ إيجاب دية العمد في الخطإ، لا غير، ولا يتصور التغليظ في غير الخطإ، ولا يجمع بين تغليظين، وهذا قول مالك، إلا أنه يُغَلْظ في العمد، فإذا قتل ذا رحم محرم عمدا، فعليه ثلاثون جذعة، وأربعون خلفة، وتغليظها في الذهب والورق، أن ينظر قيمة أسنان الإبل، غير مغلظة، وقيمتها مغلظة، ثم يحكم بزيادة ما بينهما، كأن قيمتها مخففة ستمائة، وفي ١٥٨ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ العمد ثمانمائة، وذلك ثلث الدية المخففة. وعند مالك تُغَلَّظ على الأب، والأم، والجد دون غيرهم، واحتجا على صفة التغليظ، بما رُوي عن عمر رضي الله عنه، أنه أخذ من قتادة المدلجي دية ابنه حين حذفه بالسيف، ثلاثين حقة، وثلاثين جذعة، وأربعين خلفة، ولم يزد عليه في العدد شيئا، وهذه قصة اشتهرت، فلم تُنكَر، فكانت إجماعا، ولأن ما أوجب التغليظ أوجبه في الأسنان، دون القدر، كالضمان، ولا يجمع بين تغليظين؛ لأن ما أوجب التغليظ بالضمان إذا اجتمع سببان تداخلا، كالحرم والإحرام في قتل الصيد، وعلى أنه لا يغلظ بالإحرام، أن الشرع لم يرد بتغليظه. واحتج أصحابنا بما رَوَى ابن أبي نجيح، أن امرأة وُطِئت في الطواف، فقضى عثمان رضي الله عنه فيها بستة آلاف، وألفين تغليظا للحرم، وعن ابن عمر أنه قال: من قَتَل في الحرم، أو ذا رحم، أو في الشهر الحرام، فعليه دية وثلث، وعن ابن عباس: أن رجلا قتل رجلا في الشهر الحرام، وفي البلد الحرام، فقال: ديته اثنا عشر ألفا، وللشهر الحرام أربعة آلاف، وللبلد الحرام أربعة آلاف، وهذا مما يظهر، وينتشر ولم يُنكر، فيثبت إجماعا، وهذا فيه الجمع بين تغليظات ثلاث، ولأنه قول التابعين القائلين بالتغليظ، واحتجوا على التغليظ في العمد، أنه إذا غُلِّظ الخطأ مع العذر فيه، ففي العمد مع عدم العذر أولى، وكل من غَلَّظ الدية أوجب التغليظ في بدل الطرف، بهذه الأسباب؛ لأن ما أوجب تغليظ دية النفس، أوجب تغليظ دية الطرف، كالعمد. وظاهر كلام الخرقي أن الدية لا تغلظ بشيء من ذلك، وهو قول الحسن، والشعبي، والنخعي، وأبي حنيفة، والجوزجاني، وابن المنذر، وروي ذلك عن الفقهاء السبعة، وعمر بن عبد العزيز؛ لأن النبي ◌َّ قال: ((في النفس المؤمنة مائة من الإبل))، لم يزد على ذلك، ((وعلى أهل الذهب ألف مثقال))، وفي حديث أبي شريح ◌َمّه: أن النبي وَ الر قال: ((وأنتم يا خزاعة قد قتلتم هذا القتيل من هذيل، وأنا واللّه عاقله، من قتل له قتيل بعد ذلك، فأهله بين خِيرتين: إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا الدية))، وهذا القتل كان بمكة، في حرم الله تعالى، فلم يزد النبي وَّر على الدية، ولم يفرق بين الحرم وغيره، وقولُ اللَّه عز وجل: ﴿وَمَنْ قَثَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيُ رَقَّبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ ◌ُسَلَّمَةُ إِلَى أَهْلِ﴾ [النساء: ٩٢]، يقتضي أن الدية واحدة، في كل مكان، وفي كل حال، ولأن عمر رضي الله عنه، أخذ من قتادة المدلجي دية ابنه، ولم يزد على مائة، ورَوَى الجوزجاني بإسناده، عن أبي الزناد، أن عمر بن عبد العزيز، كان يجمع الفقهاء، فكان مما أحيى من تلك السنن بقول فقهاء المدينة السبعة، ونظرائهم أن ناسا كانوا يقولون: إن الدية تغلظ في الشهر الحرام أربعة آلاف، فتكون ستة عشر ألف درهم، ٣٣- (ذِكْرُ الاخْتِلَفِ عَلَى خَالِدِ الْحَذَاْءِ) - حديث رقم ٤٧٩٥ ١٥٩ == فألغى عمر رحمه اللّه ذلك بقول الفقهاء، وأثبتها اثني عشر ألف درهم، في الشهر الحرام، والبلد الحرام، وغيرهما، قال ابن المنذر: وليس بثابت ما رُوي عن الصحابة في هذا، ولو صح فقول عمر يخالفه، وقوله أولى من قول من خالفه، وهو أصح في الرواية، مع موافقته الكتاب والسنة والقياس. انتهى («المغني)) ٢٣/١٢-٢٦. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أن الحقّ هو ما ذهب إليه القائلون بعدم مشروعيّة التغليظ، لا في المكان، ولا في الزمان، وفي الأشخاص؛ لعدم ثبوت ذلك بالأدلة الصحيحة، فليس في الكتاب، ولا في الأحاديث الصحاح ما يؤيّد ذلك، ولا يوجد هناك إجماعٌ حتى يُتَمَسَّكَ به، فالحقّ عدم التغليظ، فتبصّر بالإنصاف، ولا تَتَهَوَّر بالتقليد والاعتساف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل . ٤٧٩٤- (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، قَالَ: حَدَّثْنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ رَبِيعَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ، خَطَبَ يَوْمَ الْفَتْح ... مُرْسَلٌ). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((محمد بن إسماعيل)): هو المعروف أبوه بابن عليّة، ثقة حافظ، من أفراد المصنّف. و((يونس)): هو ابن محمد بن مسلم البغداديّ، أبو محمد المؤدّب، ثقة ثبتٌ، من صغار [٩] ١٦٣٢/١٥. و((حماد)): هو ابن سلمة. وقوله: ((مرسلٌ)): خبر لمحذوف: أي هذا الحديث من هذا الطريق مرسلٌ، وقد تقدّم أن وصله هو المحفوظ؛ لأنه من رواية شعبة، فالحديث صحيحٌ، فتنبّه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)) . ٣٣- (ذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى خَالِدٍ الْحَذَّاءِ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وجه الاختلاف علی خالد أن حماد بن زيد رواه عنه، عن القاسم بن ربيعة، عن عقبة بن أوس، عن عبد الله رضي الله عنه، ولم ينسبه إلى ١٦٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ أبيه، وخالفه هشيم، فرواه عنه، عن القاسم، عن عقبة، عن رجل من أصحاب النبيّ وَله، فأبهمه، وخالفهما ابن أبي عديّ، فرواه عنه، عن القاسم، عن عقبة، أن رسول اللّهِ وََّ، فأرسله، وخالفهم بشر بن المفضّل، ويزيد بن زيع، فروياه عنه، عن القاسم، عن يعقوب بن أوس، عن رجل من أصحاب النبيّ وَّر، فسميا شيخ القاسم يعقوب، وأبهما الصحابيّ أيضًا، ولكن يعقوب هذا هو عقبة بن أوس، فيكون الاختلاف في الاسم. هذا وقد وقع فيه خلاف آخر على القاسم، فرواه عليّ بن زيد بن جُدعان، عنه، عن ابن عمر بن الخطّاب رضي اللّه تعالى عنهما، ورواه حميد، عن القاسم، أن رسول الله وَ لّر، فأرسله. والحقّ أن هذا الاختلاف، لا يضرّ بصحّة الحديث؛ لإمكان الجمع: فأما رواية خالد الحذّاء، فيحتمل أن يكون القاسم بن ربيعة سمعه من عبد الله بن عمرو، رضي اللَّه تعالى عنهما، ومن عقبة بن أوس، وهو يعقوب بن أوس، عن عبد اللَّهِ رَّه، فكان يحدّث به تارةً عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما وتارة عن عقبة، عن عبدالله بن عمرو. وأما اختلاف الصحابيّ، فلا يضرّ أيضًا، إذ يحتمل أن يكون القاسم بن ربيعة سمعه من كلّ من: عبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عمر ، فرواه عن هذا مرّة، وعن هذا مرّة. أفاده الحافظ المنذريّ رحمه الله تعالى في ((مختصر السنن)) ٣٥٥/٦-٣٥٦. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا على تقدير صحة الرواية عن ابن عمر، فإن الراوي هو عليّ بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف، فتكون روايته منكرة، فلا حاجة إلى الجمع، فتنبّه. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٧٩٥- (أَخْبَرَنِي يَخْتَى بْنُ حَبِيبٍ بْنِ عَرَبِيٍّ، قَالَ: أَنْبَنَا حَمَّدٌ، عَنْ خَالِدٍ -يَغْنِي الْحَذَّاءَ - عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ أَوْسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ، قَالَ: ((أَلَا وَإِنَّ قَتِيلَّ الْخَطٍَّ، شِبْهِ الْعَمْدِ، مَا كَانَ بِالسَّوْطِ، وَالْعَصَا، مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ، أَرْبَعُونَ فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و((حمّاد)): هو ابن زيد. و(عقبة بن أوس)) السَّدُوسيّ البصريّ، ويقال فيه: يعقوب، وقيل: هما أخوان، صدوقٌ [٤] . وقال في ((تهذيب التهذيب)) ١٢١/٣: رَوَى عن ابن عمرو بن العاص، في خطبة يوم