النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ = ٢٣ - (القَوَدُ مِنَ اللَّطْمَةِ) - حديث رقم ٤٧٧٧ سبحانه وتعالى (اسْتَغْفِرْ لَنَا) اطلب لنا من اللَّه سبحانه وتعالى أن يكفّر عنّا ما أخطأنا في حقّ العبّاس رَّه، حيث طلبنا القصاص منه لصاحبنا؛ جهلاً منّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته : حديث ابن عبّاس رضي اللَّه تعالى عنهما هذا ضعيف؛ لضعف عبد الأعلى الثعلبيّ. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٢٢/ ٤٧٧٧ - وفي ((الكبرى)) ٦٩٧٧/٢١. وأخرجه (ت) في ((المناقب)) ٣٧٦٨ مختصرًا، وقال: حديث حسن صحيح غريب، وفيه نظرٌ؛ لما عرفته آنفًا (أحمد) في ((مسند بني هاشم)) ٢٧٢٩ . (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان مشروعيّة القصاص من اللطمة، وقد عرفت أن الحديث ضعيف، لكن تقدّم أن الصحيح ثبوت القصاص بها؛ للأدلّة الكثيرة الصحيحة، فارجع إلى ما كتبته في المسألة الرابعة من حديث الباب الماضي. (ومنها): أن فيه فضل العبّاس ◌َّيه، ومكانته عند رسول اللّه وَله. (ومنها): مشروعيّة الشفاعة للإمام إلى من له القصاص، أن يتنازل عن حقّه، ويعفو عن الجاني. (ومنها): احترام أهل الفضل والشرف، وعدم مؤاخذتهم فيما يصدر عنهم، من السيئات ما لم تبلغ الحدود، فقد أخرج أحمد، والبخاريّ في ((الأدب المفرد»، وأبو داود في ((سننه)) من حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها، مرفوعًا: ((أقيلوا ذوي الهيئات عثَرَاتهم، إلا الحدود))، وهو حديث صحيح. (ومنها): ما كان عليه الصحابة من تأذّبهم، واستجابتهم لرسول اللّه وَّر، حيث زال غضبهم بعد أن لبسوا السلاح، حين سمعوا قوله وَله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)) . ١٠٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ ٢٤- (الْقَوَدُ مِنَ الْجَبْذَةِ) قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((الْجَبْذَةُ)): بفتح الجيم، وسكون الباء الموحّدة، بعدها ذالٌ معجمة -: المرّة من الجبذ، وهو لغة في الجذب، يقال: جبذه جَيْذًا، من باب ضرب، مثل جذبه جَذْبًا، قيل: مقلوب منه، لغةٌ تميميّةٌ، وأنكره ابن السّرّاج، وقال: ليس أحدهما مأخوذًا من الآخر؛ لأن كلّ واحد متصرّف في نفسه. قاله الفيّوميّ. ٤٧٧٨- (أَخْبَرَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٌّ بْنِ مَيْمُونٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْقَعْنَبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ ابْنُ هِلَالٍ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كُنَّا نَقْعُدُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَ لَهُ فِي الْمَسْجِدِ، فَإِذَا قَامَ قُمْنَا، فَقَامَ يَوْمًا، وَقُمْنَا مَعَهُ، حَتَّى لَمَّا بَلَغَ وَسَطَ الْمَسْجِدِ، أَدْرَكَهُ رَجُلٌ، فَجَبَذَ بِرِدَائِهِ مِنْ وَرَائِهِ، وَكَانَ رِدَاؤُهُ خَشِنَا، فَحَمَّرَ رَقَبَتَهُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ احمِلْ لِي عَلَى بَعِيرَيَّ هَذَيْنٍ، فَإِنَّكَ لَا تَحَمِلُ مِنْ مَالِكَ، وَلَا مِنْ مَالٍ أَبِيكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَه : ((لَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، لَا أَحْمِلُ لَكَ حَتَّى تُقِيدَنِي مِمَّا جَبَذْتَ بِرَقَّبَتِي))، فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: لَا وَاللَّهِ لَا أُقِيدُكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ، ذَلِكَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ: لَا وَاللَّهِ لَا أُقِيدُكَ، فَلَمَّا سَمِعْنَا قَوْلَ الْأَعْرَابِيّ، أَقْبَلْنَا إِلَيْهِ سِرَاعًا، فَالْتَفَتَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ وَهِ، فَقَالَ: ((عَزَمْتُ عَلَى مَنْ سَمِعَ كَلَامِ، أَنْ لَا يَبْرَحَ مَقَامَهُ حَتَّى آذَنَ لَهُ))، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ، لِرَجُلِ مِنَ الْقَوْمِ: (يَا فُلَانُ احمِلْ لَهُ عَلَى بَعِيرِ شَعِيرًا، وَعَلَى بَعِيرِ تَمْرًا»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: «انْصَّرِفُوا)). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (محمد بن عليّ بن ميمون) الرقّيّ، أبو العبّاس العطّار، ثقة [١١] ٤١٨/١٤ من أفراد المصنف . ٢- (القَعْنبيّ) عبد الله بن مسلمة بن قعنب الحارثيّ، أبو عبد الرحمن البصريّ، أصله من المدينة، وسكنها مدّةً، ثقة عابد، كان ابن معين، وابن المدينيّ لا يقدّمان عليه في ((الموطا)) أحدًا، من صغار [٩] ٧٨/ ٢٥٧٧. ٣- (محمد بن هلال) بن أبي هلال المدنيّ، مولى بني كعب، صدوقٌ [٦]. قال أبو طالب: سألت أحمد عن محمد بن هلال المدنيّ؟ فقال: ثقة. وقال عبد الله ابن أحمد، عن أبيه: ليس به بأس. وكذا قال النسائيّ. وقال أبو حاتم: صالح، وأبوه ليس بمشهور. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). مات سنة (١٦٢) ذكره ابن مردويه في ((كتاب أولاد المحدّثين)). وغفل ابن حزم، فقال: مجهول. روى له البخاريّ في ١٠٣ = ٢٤ - (القَوَدُ مِنَ الجبذة) - حديث رقم ٤٧٧٨ (الأدب المفرد))، وأبو داود، والمصنّف، وابن ماجه، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط . ٤- (أبوه) هلال بن أبي هلال، المدنيّ، مولى بني كعب، ويقال: بني مَذْحِج، مقبول [٤] . روى عن أبيه، وأبي هريرة، وميمونة بنت سعد، خادمة النبيّ وَّله، وروى عنه ابنه محمد، ذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وقد ذكر الخطيب في ((المتّفق)) أنه روى عنه أيضًا خالد بن سعيد بن أبي مريم، وساق من طريقه حديثًا عنه، وقال في وصفه: مولى بني كعب المذحجيّ. وقال الذهبيّ: لا يُعرف. روى له البخاريّ في ((الأدب المفرد))، وأبو داود، والمصنّف، وابن ماجه، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط. ٥- (أبو هريرة) رضي اللّه تعالى عنه١/١ . والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َّهِ أنه (قَالَ: كُنَّا نَقْعُدُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وََّ فِي الْمَسْجِدِ) وفي رواية أبي داود: ((كان رسول اللّه ◌َلّ يجلس معنا في المسجد، يحدّثنا، فإذا قام قمنا قيامًا حتى نراه قد دخل بعض بيوت أزواجه، فحدّثنا يومًا، فقمنا حين قام ... )) الحديث. قال في ((العون)): ولعهم كانوا ينتظرون رجاء أن يظهر له حاجةٌ إلى أحد معهم، أو يَعرِضَ له رجوع إلى الجلوس معهم، فإذا أيسوا تفرّقوا، ولم يقعُدوا؛ لعدم حلاوة الجلوس بعده وَلا. انتهى. (فَإِذَا قَامَ قُمْنَا) قال في ((عون المعبود)) ١٣٢/١٣ -: أي لانفضاض المجلس، لا للتعظيم؛ لأنهم ما كانوا يقومون له مُقبلًا، فكيف يقومون له مدبرًا. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ظاهر سياق الحديث يدلّ على خلاف ما قاله في (العون))، لكن الحديث ضعيف، فليُنبّه. والله تعالى أعلم. (فَقَامَ يَوْمًا، وَقُمْنَا مَعَهُ، حَتَّى لَمَّا بَلَغَ وَسَطَ الْمَسْجِدِ) بفتح السين المهملة، ويجوز تسكينها، قال المجد في ((قاموسه)): وسَطُ الشيءٍ، محرّكةً: ما بين طرفيه، كأوسطه، فإذا سُكّنت كانت ظرفًا، أو هما فيما هو مُضْمَتْ، كالْحَلْقَة، فإذا كانت أجزؤه متباينةً، فبالإسكان فقط، أو كلُّ موضع صَلَح فيه ((بَيْنَ)) فهو بالتسكين، وإلا فبالتحريك. انتهى (أَذْرَكَهُ رَجُلٌ) وفي رواية أبي داود: ((فنظرنا إلى أعرابيّ، قد أدركه)) (فَجَبَذَ) أي مدّه (بِدَائِهِ) أي بردا النبيّ وَّر (مِنْ وَرَائِهِ) أي من خلفه (وَكَانَ رِدَاؤُهُ خَشِنًا) بفتح، فكسر: صفة مشبهة من خَشُن الشيء بالضمّ، ككرُم خُشْنَةً، وخُشُونةً: خلافُ نَعُم. قاله في (المصباح)) (فَحَمَّرَ رَقَبَتَهُ) بتشديد الميم، من التحمير: أي جعلها حمراء من تأثير الرداء ١٠٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ (فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ احْمِلْ لِي عَلَى بَعِيرَيَّ) بتشديد الياء، على صيغة التثنية (هَذَيْنِ، فَإِنَّكَ لَا تَحْمِلُ مِنْ مَالِكَ، وَلَا مِنْ مَالٍ أَبِيكَ) هذه من عادة جُفاة الأعراب، وخشونتهم، وعدم تهذيبهم أخلاقهم، كما وصفهم الله سبحانه وتعالى بقوله: ﴿آلْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ الآية [التوبة: ٧٩]. وقيل: لعله كان من المؤلّفة، ولهذا قال ما قال. (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَّ: ((لَا) أي لا أحمل لك من مالي، ولا من مال أبي (وَأَسْتَغْفِرُ الله) أي إن كان الأمر على خلاف ذلك. قال السيوطيّ رحمه الله تعالى في ((مرقاة الصعود»: وهذا من حسن العبارة؛ لأن حذف الواو يوهم نفي الاستغفار. وقال الفخر الرازيّ: روي عن أبي بكر الصدّيق ◌َظّه أنه دخل السوق، فقال لبيّاع: أتبيع هذا الثوب؟، فقال: لا، عافاك الله، قال له أبو بكر: لو علمتم، قل: لا، وعافاك الله. وهذا من لطائف النحو؛ لأنه عند حذفها يوهم كونه دعاء عليه، وعند ذكر الواو لا يبقى ذلك الاحتمال. انتهى. نقله في ((عون المعبود)) ١٣٢/١٣-١٣٤. (لَا أَحْمِلُ لَكَ حَتَّى تُقِيدَنِي) بضمّ أوله، من الإقادة ؛ أي حتّی تمكّنني من نفسك حتى أقتصّ (مِمَّا جَبَذْتَ بِرَقَبَتِي) ((ما)) مصدريّة: أي من جذبك رقبتي. ولعلّ المراد - كما قال السنديّ - الإخبار أنه لا يستحقّ أن يُحمل له بلا أخذ القود منه، وإلا فقد حمل له بلا قود، وفيه دلالة على شرع القود من الجبذة، وهو محلّ استدلال المصنف رحمه الله تعالى على الترجمة، وقد تقدّم قبل باب أن هذا هو القول الراجح في المسألة، فلا تغفل . (فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: لَا وَاللَّهِ لَا أَقِيدُكَ) أي لا أمكّنك من القود، وهذا دليل جفوته الأعرابيّة، ويحتمل أنه أراد لكمال كرمه وَّر أنه يعفو عنه البتّة، والأول أظهر (فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ وََّ، ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ: لَا وَاللَّهِ لَا أَقِيدُكَ، فَلَمَّا سَمِعْنَا قَوْلَ الْأَعْرَابِيّ، أَقْبَلْنَا إِلَيْهِ سِرَاعًا) أي مسرعين، وإنما قاموا سراعًا؛ غضبًا لرسول اللَّهِ وَهِ، حيث اعتدى عليه ذلك الأعرابيّ، فأرادوا تأديبه (فَالْتَفَتَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ، فَقَالَ: ((عَزَمْتُ عَلَى مَنْ سَمِعَ كَلَامِي) أي أقمستِ عليه، يقال: عزم على الرجل، من باب ضرب: أقسم عليه، أفاده في ((القاموس)) (أَنْ لَا يَبْرَحَ) بفتح الراء، من باب تَعِبَ: أي لا يَزَالَ (مَقَامَهُ) بفتح الميم، أي مكانه، ويجوز ضمّها، من الإقامة (حَتَّى آذَنَ لَهُ) بالمدّ، من الإذن: يعني أنه لا يترك أحد مكانه إلا بإذني، يثبت فيه، كأنه ◌ّ أراد بذلك إظهار ما أعطاه الله تعالى من كمال شرح الصدر، وسعة الخلُق؛ ليقتدوا به في ذلك بقدر وُسعهم، وطاقتهم. والله تعالى أعلم (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ شَهِ، لِرَجُلٍ مِنَ الْقَوْمِ: ((يَا فُلَانُ احمِلْ لَهُ عَلَى بَعِيرِ شَعِيرًا، وَعَلَى بَعِيرٍ تَمْرًا))، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِّ وَّهِ: ((انْصَرِفُوا) أي ١٠٥ == ٢٤ - (الْقَوَدُ مِنَ الْجَبْدَةِ) - حديث رقم ٤٧٧٨ ارجعوا إلى جهة حوائجكم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة ◌َّه هذا ضعيف، لجهالة هلال بن أبي هلال، كما تقدم، قال المنذري رحمه الله تعالى في ((مختصر السنن)) ١٦٢/٧ -: قال الدار قطنيّ: تفرّد به محمد بن هلال، عن أبيه، عن أبي هريرة تَّه، وسئل الإمام أحمد عن محمد بن هلال الذي روى عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبيّ وَّرَ؟ فقال: ثقة، وقال مرّةً: ليس به بأس، قيل: أبوه؟ قال: لا أعرفه. وسئل أبو حاتم الرازيّ، عن محمد بن هلال؟ قال: صالحٌ، وأبوه ليس بمشهور. انتهى. والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٤٧٧٩/٢٣- وفي ((الكبرى)) ٦٩٧٨/٢٢. وأخرجه (د) في ((الأدب)) ٤٧٧٥ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه اللّه تعالى، وهو بيان ثبوت القصاص في الجبذة، إلا أن الحديث ضعيف، كما سبق آنفًا، لكن تقدّم قبل باب أن الحقّ ثبوته، للأدلّة الكثيرة، فلا تنس. (ومنها): ما كان عليه النبيّ وَّر من كريم الأخلاق، ومحاسن الشيم، فكان كما وصفه الله سبحانه وتعالى بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]. (ومنها): أنه كان لا ينتقم لنفسه، بل يعفو، ويصفح، كما أمره الله عز وجل بقوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضِ عَنِ الْجَهِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]. (ومنها): أن ما جاء في هذه الأحاديث، وأمثالها دليلٌ على أنه وَ لّ لو لم تكن له معجزات إلا هذه الأخلاق الكريمة لكفى ذلك شاهدًا على نبوّته، بأبي هو وأمّي صلّى اللَّه تعالى عليه، وعلى آله، وصحبه أجمعين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّهو عليه توكلت، وإليه أنیب)) . ١٠٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ ٢٤ - (الْقِصَاصُ مِنَ السَّلَاطِينِ) ٤٧٧٩- (أَخْبَرَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مَسْعُودٍ، سَعِيدُ بْنُ إِيَاسِ الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي فِرَاسٍ: أَنَّ عُمَرَ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ لَّه يُقِصُّ مِنْ نَفْسِهِ). رجال هذا الإسناد : ستة: ١- (مؤمّل بن هشام) اليشكريّ، أبو هشام البصريّ، ثقة [١٠] ٢٦/٢٤. ٢- (إسماعيل بن إبراهيم) بن مقسم ابن عُليّة، أبو بشر البصريّ، ثقة ثبت [٨] ١٨/ ١٩ . ٣- (أبو مَسْعُودٍ، سَعِيدُ بْنُ إِيَاسِ الْجُرَيْرِيُّ) البصريّ، ثقة اختلط قبل موته بثلاث سنين [٥] ٣٢/ ٦٧٢ . ٤- (أبو نضرة) المنذر بن مالك بن قُطَعَة- بضم القاف، وفتح الطاء المهملة- العبديّ الْعَوَقَيّ، ثقة [٣] ٥٣٨/٢١. ٥- (أبو فراس) النَّهْديّ، قيل: اسمه الربيع بن زياد، مقبول [٢]. وفي (تهذيب التهذيب)) ٥٧٢/٤: أبو فراس النهدي، عن عمر: ((رأيت النبي ◌َّه أَقَصَّ من نفسه))، وفيه قصة، وعنه أبو نضرة العبدي، قال البخاري: نسبه هشيم- يعني نهديا- وقال أبو زرعة: لا أعرفه. وقال إسحاق بن راهويه، عن أبي سلمة المخزومي، عن وهب بن جرير، عن أبي نضرة، عن أبي فراس، واسمه الربيع بن زياد الحارثي، وقال الحاكم أبو أحمد: لا أُبعِد أن يكون إسحاق سماه من ذات نفسه، فاشتبه عليه، فإني لا أعرف أن أبا نضرة، روى عن الربيع بن زياد الحارثي شيئا، وإنما روى عن الربيع أبو مِجْلَز، وقتادة، والشعبي، وأبو فراس الذي روى عنه أبو نضرة، هو النهدي آخر، على ما ذكره البخاري، أما الحارثي فكناه خليفة أبا عبد الرحمن. قال الحافظ: ما المانع أن يكون اسم أبي فراس النهدي أيضا الربيع بن زياد، وقول إسحاق فيه: الحارثي وَهَمٌ، وإنما هو النهدي، فالله تعالى أعلم. انتهى. تفرّد به أبو داود، والمصنّف، بهذا الحديث فقط . ٦- (عمر) بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه ٦٠/ ٧٥. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي فِرَاسٍ) النهديّ (أَنَّ عُمَرَ) بن الخطّابِ رَِّ (قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ، ١٠٧ = ٢٤- (القِصَاصُ مِنَ السَّلَاطِين) - حديث رقم ٤٧٧٩ يُقِصُّ مِنْ نَفْسِهِ) بضمّ حرف المضارعة، من الإقصاص، يقال: أقصّ السلطان فلانًا إقصاصًا: قتله قَوَدًا، وأقصّه من فلان: جرحه مثل جرحه، واستقصّه: سأله أن يُقصّه. قاله الفيّوميّ . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رواية المصنّف هذه مختصرة من حديث طويل، ساقه بطوله الإمام أحمد في ((مسنده)) : ٢٨٨ - حدثنا إسماعيل، أنبأنا الجريري، سعيد عن أبي نضرة، عن أبي فراس، قال: خطب عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال: يا أيها الناس، ألا إنا إنما كنا نعرفكم، إذ بين ظهرينا النبي ◌ّ، وإذ ينزل الوحي، وإذ ينبئنا اللَّه من أخباركم، ألا وإن النبي ◌َّ، قد انطلق، وقد انقطع الوحي، وإنما نعرفكم بما نقول لكم: مَنْ أظهر منكم خيرا، ظننا به خيرا، وأحببناه عليه، ومن أظهر منكم لنا شرا، ظننا به شرا، وأبغضناه عليه، سرائركم بينكم وبين ربكم، ألا إنه قد أَتَى عليّ حينٌ، وأنا أحسب أن من قرأ القرآن يريد اللَّه، وما عنده، فقد خُيّل إليَّ بآخرة، ألا إن رجالا قد قرءوه، يريدون به ما عند الناس، فأَرِيدوا اللَّه بقراءتكم، وأَرِيدوه بأعمالكم، ألا إني والله ما أرسل عمالي إليكم؛ ليضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا أموالكم، ولكن أرسلهم إليكم؛ ليُعَلِّموكم دينكم، وسنتكم، فمن فُعِل به شيء سوى ذلك، فليرفعه إليّ، فوالذي نفسي بيده إذن لأُقِصَّنَّه منه، فوََبَ عمرو بن العاص، فقال: يا أمير المؤمنين، أَوَرَأَيتَ إن كان رجل من المسلمين على رعيّةٍ، فَأَذَّب بعض رعيته أنك لمقتصه منه؟ قال: إي والذي نفس عمر بيده، إذن لأقصنه منه، وقد رأيت رسول اللّه وَّر يُقِصّ من نفسه، ألا لا تضربوا المسلمين، فتُذلّوهم، ولا تُجُمِّرُوهم، فتفتنوهم(١)، ولا تمنعوهم حقوقهم، فتكفروهم، ولا تنزلوهم الغياض، فتضيعوهم. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته : حديث عمر رَّ هذا ضعيفٌ؛ لجهالة أبي فِراس، كما سبق آنفًا . (١) قال ابن الأثير رحمه الله تعالى: وفي حديث عمر رضي الله تعالى عنه: ((لا تجمِّرُوا الجيش، فتفتنوهم)) : تجمير الجيش: جمعُهُم في الثغور، وحبسهم عن العود إلى أهلهم. انتهى ((النهاية)) ٢٩٢/١ . ١٠٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٤٧٧٩/٢٤- وفي ((الكبرى)) ٦٩٧٩/٢٣. وأخرجه (د) في ((الديات)) ٤٥٣٧ (أحمد) في ((مسند العشرة)) ٢٨٨. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنیب)). ٢٥- (السُّلْطَانُ يُصَابُ عَلَى يَدِهِ) قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: المراد أَن] يُصَابَ أحدٌ من الناس بأذّى من السُّلطان، فـ(يصاب)) بالبناء للمفعول، ونائب فاعله الجارّ والمجرور، يعني أنه إذا أَصاب السلطان أحدًا من الناس بما يقتضي القصاص، فهل يقتصّ منه، أم لا؟، وقد ترجم الإمام أبو داود رحمه اللّه تعالى في ((سننه)) بقوله: ((باب العامل يُصاب على يديه خطأ)، والمراد عامل الصدقة، ووجه مطابقة ترجمة المصنف للحديث أنه لَمّا ثبت القصاص من عامل السلطان، يُستدلّ به على ثبوتها على السلطان. قال الخطّابيّ رحمه الله تعالى في ((المعالم)) ٦/ ٣٣٣: في هذا الحديث من الفقه وجوب الإقادة من الوالي، والعامل، إذا تناول دمًا بغير حقّه، كوجوبها على من ليس بوالٍ. انتهى. والله تعالى أعلم. ٤٧٨٠- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُزْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيِّ ◌َِّ، بَعَثَ أَبَا جَهْمِ بْنَ حُذَيْفَةً مُصَدِّقًا، فَلَاجَّهُ رَجُلٌ فِي صَدَقَتِهِ، فَضَرَبَهُ أَبُو جَهْم، فَأَتَوُا النَّبِيِّ ◌َِّ، فَقَالَ: الْقَوَدُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: ((لَكُمْ كَذَّا وَكَذَا))، فَلَمْ يَرْضَوْا بِهِ، فَقَالَ: ((لَكُمْ كَذَا وَكَذَا))، فَرَضُوا بِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ: ((إِنِّي خَاطِبٌ عَلَى النَّاسِ، وَمُخْبِرُهُمْ بِرِضَّاكُمْ))، قَالُوا: نَعَمْ، فَخَطَبَ النَِّيِّ وَِّ، فَقَالَ: ((إِنَّ هَؤُلَاءِ أَتَوْنِ يُرِيدُونَ الْقَوَدَ، فَعَرَضْتُ عَلَيْهِمْ كَذَا وَكَذَا فَرَضُوا))، قَالُوا: لَا، فَهَمَّ الْمُهَاجِرُونَ بِهِمَ، فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ أَنْ يَكْفُوا، فَكَفُّوا، ثُمَّ دَعَاهُمْ، قَالَ: ((أَرَضِيتُمْ؟))، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: ((فَإِنِّي خَاطِبٌ عَلَى النَّاسِ، وَمُخْبِرُهُمْ بِرِضَاكُمْ))، قَالُوا: نَعَمْ، فَخَطَبَ النَّاسَ، ثُمَّ قَالَ: ((أَرَضِيتُمْ؟))، قَالُوا: نَعَمْ). ١٠٩ ٢٥ - (السُّلْطَانُ يُصَابُ عَلَى يَدِهِ) - حديث رقم ٤٧٨٠ رجال هذا الإسناد : ستة : ١- (محمد بن رافع) القشيريّ، أبو عبد الله النيسابوري، ثقة عابد [١١] ٩٢/ ١١٤ ٠ ٢- (عبد الرزاق) بن همام بن نافع الحميريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقة حافظ شهير، عمي في آخر عمره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] ٦١/ ٧٧. ٣- (معمر) بن راشد الأزدي مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن ثقة ثبت فاضل، من كبار [٧] ١٠/١٠ . ٤- (الزهري) محمد بن مسلم الإمام الحجة المشهور المدنيّ [٤] ١/١. ٥- (عروة) بن الزبير بن العوّام المدنيّ الفقيه ثقة ثبت [٣] ٤٠ /٤٤. ٦- (عائشة) أم المؤمنين رضي اللَّه تعالى عنها٥/٥ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من الزهري، وشيخه نيسابوريّ، وعبد الرزاق صنعاني، ومعمر بصري، ثم يمنيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، ورواية الراوي عن خالته. (ومنها): أن فيه أحد الفقهاء السبعة، عروة، وفيه عائشة رضي الله تعالى عنها، من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين رضي اللَّه تعالى عنها (أَنَّ النَِّيَّ ◌َّهِ بَعَثَ أَبَا جَهْمِ بْنَ حُذَيْفَةَ) بن غانم بن عامر بن عبد الله بن عبيد بن عويج بن عدي بن كعب القرشي العدوي، قال البخاري، وجماعة: اسمه عامر، وقيل: اسمه عُبيد- بالضم- قاله الزبير ابن بكار، وابن سعد، وقالا: إنه من مسلمة الفتح، وقال البغوي، عن مصعب: كان من مُعَمَّرِي قريش، ومن مَشْيَخَتهم. وحكى ابن منده أن أبا عاصم، فرق بين أبي جهم ابن حذيفة، وعُبيد بن حذيفة، قال الزبير: كان من مشيخة قريش، وهو أحد الأربعة الذين كانت قريش تأخذ عنهم النسب، قال: وقال عمي: كان من المعمرين، حضر بناء الكعبة مرتين، حين بنتها قريش، وحين بناها ابن الزبير، وهو أحد الأربعة الذين تَوَلَّوا دفن عثمان رَّه . وأخرج البغوي من طريق حفص بن غياث، عن هشام بن عروة، عن ١١٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ أبيه، قال: لَمّا أُصيب عثمان أرادوا الصلاة عليه، فمُنِعوا، فقال أبو الجهم: دعوه، فقد صلى الله عليه ورسوله. وأخرج ابن أبي عاصم في ((كتاب الحكماء)) من طريق عبد الله ابن الوليد، عن أبي بكر بن عبيد الله بن أبي الجهم، قال: سمعت أبا الجهم يقول: لقد تركتُ الخمر في الجاهلية، وما تركتها إلا خشية على عقلي، وما فيها من الفساد. وثبت ذكره في ((الصحيحين)) من طريق عروة، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: صلى النبي وَ الر في خميصة لها أعلام، فقال: ((اذهبوا بخميصتي هذه، إلى أبي جهم، وائتوني بأنبجانية أبي جهم، فإنها ألهتني آنفا عن صلاتي)). وذكر الزبير من وجه آخر مرسلا: ((أن النبي بَّرله أتى بخميصتين سوداوين، فلبس إحداهما، وبعث الأخرى إلى أبي جهم، ثم إنه أرسل إلى أبي جهم في تلك الخميصة، وبعث إليه التي لبسها هو، ولبس هو التي كانت عند أبي جهم، بعد أن لبسها أبو جهم لبسات)). وثبت ذكره في حديث فاطمة بنت قيس، لَمّا قالت: إن معاوية وأبا جهم خطباني: ((أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه))، وقالوا: إنه كان ضرابًا للنساء. وقال ابن سعد: كان شديد العارضة، وكان عمر يمنعه حتى كَفّ من لسانه. وأخرج ابن المبارك في ((الزهد)) من طريق عمر بن سعيد بن أبي حسين، حدثني ابن سابط وغيره: أن أبا جهم بن حذيفة، قال: انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عمي، ومعي شَنَّة من ماء ... فذكر القصة. قال ابن سعد: مات في آخر خلافة معاوية. قال الحافظ: وما تقدم عن الزبير، أنه حضر بناء الكعبة، إن ثبت يدل على أنه تأخر إلى أول خلافة ابن الزبير، ويؤيده ما رواه ابن أخي الأصمعي في ((النوادر)) عن عمه، عن عيسى بن عمر، قال: وفد أبو جهم على معاوية، ثم على يزيد، ثم ذكر قصة له مع ابن الزبير. انتهى من ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ٦٦/١١ -٦٧ . (مُصَدِّقًا)- بتخفيف الصاد، وتشديد الدال المهملتين -: اسم فاعل من ((صَدَّق)): إذا أخذ الصدقة، وأما الْمُصَّدِّق- بتشديد الصاد، والدال -: فهو معطي الصدقة، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُضَِّّقَتِ﴾ الآية، وأصله متصدِّقُ، فأدغمت التاء في الصاد. والمعنى هنا: أنه رَس* أرسل أبا جهم آخذًا من الناس صدقاتهم (فَلَاحاهُ رَجُلٌ) بالحاء المهملة، معتلّ الأخير، من الملاحاة، وهو المخاصمة، والمنازعة. قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: وهذا الذي ذكرته من ضبط ((فلاحاه)) هو الذي في النسخة ((الهندية))، وكذا في نسخة ((مختصر المنذريّ)) لأبي داود٦ / ٣٣٣ - و((معالم السنن)) للخطّابيّ ٣٣٤/٦، وقال: معناه: نازعه، وخاصمه، انتهى. ١١١ ==== ٢۵- (السُلطانُ يُصَابُ علی یدِهِ) - حديث رقم ٤٧٨٠ وقال ابن منظور في مادّة (لَحَا)): ما نصّه: ولاحَى الرجلَ مُلاحاةً، ولِحاءً: شاتمه، وفي المثل: من لاحاك فقد عاداك، قال الشاعر [من الوافر]: وَلَوْلَا أَنْ يَنَالَ أَبَا طَرِيفٍ إِسَارٌ مِنْ مَلِيكٍ أَوْ لِحَاءُ وتلاحى الرجلان: تشاتما، ولاحى فلانٌ فلانًا مُلاحاةً، ولِحاءً: إذا استقصى عليه. ويُحكى عن الأصمعيّ أنه قال: الْمُلاحاةُ: الْمُلاومة، والْمُبَاغضة، ثم كثُر ذلك حتى جُعلت كلُّ ممانعة، ومُدافعة مُلاحاةً، وأنشد: وَلَاحَتِ الرَّاعِيَ مِنْ دُرُورِهَا مَخَاضَهَا إِلَّا صَفَايَا خُورِهَا انتهى («لسان العرب)) ٢٤٢/١٥. ووقع في بعض النسخ: ((فلاجّه))- بتشديد الجيم- من الملاجّة، وهي المخاصمة، والمنازعة: أي نازعه، وخاصمه، قال في ((اللسان)): لَجَّ في الأمر: تمادى عليه، وأبى أن ينصرف عنه، قال: والْمُلاجّة: التمادي في الخصومة. انتهى. وأما ما وقع في بعض نسخ المجتبى))، و(الكبرى)) بلفظ: ((فلاحّه))، وضبطه السنديّ بتشديد الحاء المهملة- وقال: قريبٌ منه، أي من معنى الأول، فالظاهر أنه مصحّفٌ، من ((فلاجّه)) بالجيم، أو من ((فلاحاه))، وليس معنى الإلحاح هنا مناسبًا. والحاصل أن الصواب: ((فلاحاه))- بتخفيف الحاء، معتلّ الأخير، من الملاحاة، أو ((فلاجّه)) بالجيم، ومعناهما: المنازعة، والمخاصمة، كما سبق، فتأمّل. والله تعالى أعلم . (فِي صَدَقَتِهِ، فَضَرَبَهُ أَبُو جَهْم، فَأَتَوُا النَِّيَّ نَِّ، فَقَالَ: الْقَوَدُ يَا رَسُولَ اللَّهِ) يحتمل أن يكون بنصب ((القود»، مفعولًا لَفعل مقدّر: أي نطلب القودَ، ويحتمل أن يكون برفعه، خبرًا لمحذوف: أي مطلوبنا القودُ (فَقَالَ: (لَكُمْ كَذَا وَكَذَا) أي من المال، والمعنى: اتركوا القصاص، واعفوا عنه، فأنا أُعطيكم في مقابلة ترككم مبلغًا من المال (فَلَمْ يَرْضَوْا بِهِ) أي استقلالًا له (فَقَالَ) ◌ِ ◌ِِّ (لَكُمْ كَذَا وَكَذَا) أي أكثر من المبلغ الأول (فَرَضُوا بِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ: ((إِنِّي خَاطِبٌ عَلَى النَّاسِ) من الخُطْبة بالضمّ، يقال: خطب القوم، وعليهم، من باب قتل خُطبةً: إذا وعظهم، وذكّرهم. وفي رواية أبي داود: ((إني خاطب العشيّةَ على الناس)) (وَمُخْبِرُهُمْ بِرِضَاكُمْ))، قَالُوا: نَعَمْ، فَخَطَبَ النَِّيُّ ◌ََّه فَقَالَ: ((إِنَّ هَؤُلَاءِ) مشيرًا إلى خصماء أبي جهم (أَتَوْنِي يُرِيدُونَ الْقَوَدَ) أي استيفاء القصاص من أبي جهم (فَعَرَضْتُ عَلَيْهِمْ كَذَا وَكَذَا فَرَضُوا))، قَالُوا: لَا) أي تراجعوا عن رضاهم، وأنكروا موافقتهم على المبلغ الثاني الذي عرضه النبيّ وَّر عليهم، وهذا منهم ١١٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ على عادة الأعراب، وجفائهم من الحياء، واحترام جانب الرسول بَّر، كما تقدّم قبل باب (فَهَمَّ الْمُهَاجِرُونَ بِهِمْ) أي قصدوا زجرهم، وإيقاع التأديب عليهم (فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ وَ أَنْ يَكُفُّوا، فَكَفُّوا) أي أمرهم ◌َّ بأن يتركوا ما قصدوه، فتركوه (ثُمَّ دَعَاهُمْ) أي دعا القوم (قَالَ: ((أَرَضِيتُمْ) أي بعد أن زادهم من المال، وفي رواية أبي داود: ((ثم دعاهم، فزادهم، فقال: أرضيتم)) (قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ) بَّهِ (فَإِنِّي خَاطِبٌ عَلَى النَّاسِ، وَمُخْبِرُهُمْ بِرِضَاكُمْ))، قَالُوا: نَعَمْ، فَخَطَبَ النَّاسَ، ثُمَّ قَالَ: ((أَرَضِيتُمْ؟))، قَالُوا: نَعَمْ) أي رضينا بالزيادة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عائشة رضي اللَّه تعالى عنها هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٢٥/ ٤٧٨٠- وفي (الكبرى)) ٦٩٨٠/٢٤. وأخرجه (د) في ((الديات)) ٤٥٣٤ (ق) في (الديات)) ٢٦٣٨. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان ثبوت القصاص من السلطان إذا حصل منه ما يوجبه، ووجه الاستدلال بحديث الباب، أنه وَلَّ لَمّا جاؤوه طالبين القود ما أنكر ذلك عليهم، وإنما طلب منهم أخذ العوض شفاعةً، فدلّ ذلك على أنه يُقتصّ من السلطان. (ومنها): جواز إرضاء المشجوج بأكثر من دية الشّجّة إذا طلب المشجوج القصاص. قاله الخطّابيّ. (ومنها): أن القول في الصدقة قول ربّ المال، وأنه ليس للساعي ضربه، وإكراهه على ما لم يُظهر له من ماله. قاله الخطّابيّ أيضًا. (ومنها): ما كان عليه النبيّ وَلّر من الصبر على جفاء الأعراب، وسوء أدبهم. (ومنها): ما كان عليه الأعراب من الجفاء، والغلظة، والجهل بحقوق النبيّ بَ ير، حيث أنكروا ما كانوا وعدوه من موافقتهم على الرضى بما طلب منهم من أخذ العوض على القود. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنیب». ٢٦- (القَوَدُ بِغَيْرِ حَدِيدَةٍ) - حديث رقم ٤٧٨١ ١١٣ = ٢٦- (الْقَوَدُ بِغَيْرِ حَدِيدَةٍ) ٤٧٨١- (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدْثَنَا خَالِدٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ هِشَام بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ، أَنَّ يُودِيًّا رَأَى عَلَى جَارِيَةٍ أَوْضَاحًا، فَقَتَلَهَا بِحَجَرٍ، فَأَتِيَ بِهَا النَِّيُّ ◌ِلَّهِ، وَبَهَا رَمَقْ، فَقَالَ: ((أَقَتَلَكِ فُلَانٌ؟))، فَأَشَارَ شُغْبَةُ بِرَأْسِهِ يَحْكِيهَا،َ أَنْ لَا، فَقَالَ «أَقَتَلَكِ فُلَانٌ؟))، فَأَشَارَ شُعْبَةُ بِرَأْسِهِ يَحْكِيهَا أَنْ لَا، قَالَ: ((أَقْتَلَكِ فُلَانٌ؟)) فَأَشَارَ شُعْبَةُ بِرَأْسِهِ يَحْكِيهَا، أَنْ نَعَمْ، فَدَعَا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ، فَقَتَلَهُ بَيْنَ حَجَرَيْنٍ). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، وهو ثقة. و((خالد)): هو ابن الحارث الْهُجيميّ. و((هشام بن زيد)) بن أنس: هو حفيد أنس بن مالك رَثُ ، والسند مسلسلٌ بثقات البصريين. وقوله: ((أوضاحًا)): بالفتح جمع وَضَحِ بفتحتين: نوع من الْحُليّ، يُعمل من الفضّة، سمي به لبیاضه. وقوله: ((فأُتي بها النبيِّنَّ)) بالبناء للمفعول. وقوله: ((رَمَقٌ))- بفتحتين -: أي بقيّة رُوح. وقوله: (())أن لا)): أي لم يقتلني فلان. وقوله: ((أن نعم)) أن)) هنا تفسيريّة بمعنى ((أني)). وقوله: ((فقتله بين حجرين)): أي وضع رأسه على حجر، وضربه بآخر. والحديث متفقٌ عليه، وتقدّم في ((كتاب تحریم الدم)) ٩/ ٤٠٤٥ وتقدم شرحه، وبيان مسائله هناك، وبقي الكلام فيما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو جواز القصاص بغير سيف، فنقول: [مسألة]: في اختلاف أهل العلم في صفة القصاص: قال العلّامة محمد بن رُشد رحمه الله تعالى في كتابه ((بداية المجتهد»: اختلفوا في صفة القصاص في النفس، فمنهم من قال: يُقتصّ من القاتل على الصفة التي قَتَل، فمن قتل تغريقًا قُتل تغريقًا، ومن قتل بضرب بحجر قُتل بمثل ذلك، وبه قال مالكٌ، والشافعيّ، قالوا: إلا أن يطول تعذيبه بذلك، فيكون السيف له أروح. واختلف أصحاب مالك فيمن حرّق آخر، هل يُحرّق؟ مع موافقتهم لمالك في احتذائه صورة القتل، وكذلك فيمن قتل بالسهم. وقال أبو حنيفة، وأصحابه: بأيّ وجه قتله لم يُقتل إلا بالسيف، وعمدتهم ما رَوى الحسن عن النبيّ وَ لقر أنه قال: ((لا قود إلا بحديدة)). وعمدة الفريق الأول حديث أنس تنظيم أن يهوديًا رضخ رأس امرأة بحجر، فرضخ ١١٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ النبيّ وَلّ رأسه بحجر))، أو قال: ((بين حجرين))، وقوله عز وجل: ﴿كُنِبَ عَلَيْكُمُ اَلْقِصَاصُ فِ اٌلْقَبْلِ﴾ الآية [البقرة: ١٧٨]، والقصاص يقتضي المماثلة. انتهى ((بداية المجتهد، ونهاية المقتصد)) ٢ / ٤٠٤ . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الأرجح ما قاله الأولون، وهو الذي مال إليه المصنّف، حيث قال: ((القود بغير حديدة))، إشارة إلى ضعف حديث: ((لا قود إلا بالسيف)). والحاصل أن الحقّ كون القصاص بمثل ما قتل به القاتل، إذا أمكن؛ لحديث الباب المتّفق عليه، ولظاهر الآية الكريمة: ﴿كُلِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ الآية، وأما الحديث الذي استدل به الفريق الثاني، فإنه من مرسل الحسن البصريّ، وقد روي متصلًا من طرق لا تثبت، والصحيح أنه من مرسله، وهو ضعيف، وقد أجاد الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في تخريجه في كتابه ((إرواء الغليل)) ٢٨٥/٧-٢٨٩ رقم الحديث ٢٢٢٨، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل . ٤٧٨٢- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِهِ، بَعَثَ سَرِيَّةً إِلَى قَوْم مِنْ خَثْعَمَ، فَاسْتَعْصَمُوا بِالسُّجُودِ، فَقُتِلُوا، فَقَضِّى رَسُولُ اللّهِ وَ لَهُ بِنِصْفِ الْعَقْلِ، وَقَالَ: ((إِنِّي بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مَعَ مُشْرِكٍ))، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهُ: ((أَلَا لَا تَرَاءَى نَارَاهُمَا))). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: إيراد المصنّف لهذا الحديث في هذا الباب محلّ نظر؛ إذ لا مطابقة بينهما، فالله تعالى أعلم. ورجال هذا الإسناد: أربعة: ١- (محمد بن العلاء) الهمدنيّ، أبو كريب الكوفيّ، ثقة ثبت [١٠] ١١٧/٩٥ . ٢- (أبو خالد) هو سليمان بن حيّان الأزديّ الأحمر الكوفيّ، صدوقٌ يخطىء [٨] ٩٢١/٣٠ . ٣- (إسماعيل) بن أبي خالد البجلي الأحمسي مولاهم، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقة [٤] ١٣/ ٤٧١ . ٤- (قيس) بن أبي حازم البجلي، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقة مخضرم [٢] ٤٦/ ٩٥٤. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من رباعيات المصنف رحمه الله تعالى، إلا أنه مرسل. (ومنها): أن : ١١٥ ٢٦- (القَوَدُ بِغَيْرِ حَدِيدَةٍ) - حديث رقم ٤٧٨٢ رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن قيسًا هو الذي يقال: إنه اجتمع له أن يروي عن العشرة المبشرين بالجنة كلهم على خلاف في عبد الرحمن بن عوف، والصحيح أنه روى عنه، ولا يوجد هذا لتابعي سواه. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ قَيْس) بن أبي حازم رحمه اللَّه تعالى (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ، بَعَثَ سَرِيَّةً) بفتح السين المهملة، وتشديد الياء التحتانيّة: هي القطعة من الجيش، فَعِيلٌ بمعنى فاعلة، سُمّيت بذلك؛ لأنها تَسرِي في خُفية، والجمع سَرَايا، وسَرِيّات، مثلُ عطيّة، وعطايا، وعطيّات (إِلَى قَوْم مِنْ خَثْعَمَ) بفتح الخاء المعجمة، وسكون المثلّثة، وفتح المهملة، آخره ميم: هو خثعم بن أنمار، أبو قبيلة من مَعَدّ. قاله في ((القاموس)) (فَاسْتَعْصَمُوا بِالسُّجُودِ) بالبناء للفاعل: أي طلبوا لأنفسهم العصمة بإظهار السجود (فَقُتِلُوا) بالبناء للمفعول: أي قتلهم المسلمون خطأ؛ لظنّهم أنهم مشركون. وفي رواية أبي داود: ((فاعتصم ناس منهم بالسجود، فأسرع فيهم القتل، قال: فبلغ ذلك النبيّ وَّ، فأمر لهم بنصف العقل)) (فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ وَ ﴿) بعد علمه بإسلاهم، وأنهم قُتلوا خطأ (بِنِصْفِ الْعَقْلِ) أي نصف الدية، وإنما قضى لهم بنصف العقل، ولم يكمل لهم الدية، بعد علمه بإسلامهم؛ لأنهم قد أعانوا على أنفسهم بمُقامهم بين ظهراني الكفّار، فكانوا كمن هلك بجناية نفسه، وجناية غيره، فسقط حصّة جنايته من الدية . وأما اعتصامهم بالسجود، فإنه لا يُمخّص الدلالة على قبول الدِّين؛ لأن ذلك قد يكون منهم في تعظيم السادة، والرؤساء، فعُذروا؛ لوجود الشبة. قاله الخطّابيّ رحمه اللَّه تعالى في ((معالم السنن)» ٤٣٦/٣. وقال ابن القيّم رحمه اللّه تعالى: قال بعض أهل العلم: إنما أمر لهم بنصف العقل، ثم ذكر ما تقدّم في كلام الخطّابيّ إلى قوله: فكانوا كمن هلك بجناية نفسه، وجناية غيره. ثم قال: وهذا حسنٌ جدًا. انتهى ((تهذيب السنن)) ٤٣٦/٣ . (وَقَالَ: (إِنِّي بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مَعَ مُشْرِكٍ) أي يعيش معهم، ولا يفارقهم، ولفظ أبي داود: ((أنا بريء من كلّ مسلم يقيم بين أظهر المشركين، قالوا: يا رسول اللَّه لم؟، قال: لا تراءى ناراهما)) (ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّ: ((أَلَا) أداة استفتاح وتنبيه (لَا تَرَاءَى نَارَاهُمَا) أصله لا تتراءى، حُذفت منه إحدى التاءين، وهو من الترائي، وهو تفاعلٌ، من الرؤية، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَّهَا الْجَمْعَانِ﴾ الآية [الشعراء: ٦١]: أي لا ينبغي للمسلم أن ينزل بقرب الكافر، بحيث يقابل نار كلّ منهما نار صاحبه، حتى كأنّ نار كلّ = ١١٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ منهما ترى نار صاحبه. وقال العلامة ابن الأثير رحمه الله تعالى في ((النهاية)) ١٧٧/٢ -: أي يلزم المسلم، ويجب عليه أن يباعد منزله عن منزل المشرك، ولا ينزل بالموضع الذي إذا أوقدت فيه ناره تلوح، وتظهر لنار المشرك، إذا أوقدها في منزله، ولكنه ينزل مع المسلمين في دارهم. وإنما كره مُجاورة المشركين؛ لأنهم لا عهد لهم، ولا أمان، وحثّ المسلمين على الهجرة. والترائي تفاعلٌ من الرؤية، يقال: تراءى القوم: إذا رأى بعضهم بعضًا، وتراءى لي الشيء: أي ظهر حتى رأيته، وإسناد الترائي إلى النارين مجازٌ، من قولهم: داري تنظر إلى دار فلان: أي تقابلها، يقول: ناراهما مختلفتان، هذه تدعو إلى الله، وهذه تدعوا إلى الشيطان، فكيف يتفقان. والأصل في تراءى تتراءى، فحُذفت إحدى التاءين؛ تخفيفًا. انتهى كلام ابن الأثير. وقال الإمام الخطّابيّ رحمه الله تعالى في ((معالم السنن)) ٤٣٦/٣-٤٣٨ -: وقوله: ((لا تتراءى ناراهما)» فيه وجوه: [أحدها]: معناه: لا يستوي حكماهما، قاله بعض أهل العلم. وقال بعضهم: معناه: أن الله تعالى قد فرق بين دار الإسلام والكفر، فلا يجوز لمسلم أن يُساكن الكفّار في بلادهم، حتى إذا أوقدوا نارًا كان منهم بحيث يراها. [وفيه وجه ثالث]: ذكره بعض أهل اللغة، قال: معناه: لا يتّسم بسِمَة المشرك، ولا يتشبّه به في هديه، وشكله، والعرب تقول: ((ما نار بعيرك؟)): أي ما سيمته، ومن هذا قولهم: ((نارها نجاها)): يريدون: أن مِيسَمَها يدلّ على كومها، وعُتُقها، ومنه قول الشاعر : حَتَّى سَقَوْا آبَالَهُمْ بِالنَّارِ وَالنَّارُ قَدْ تَشْفَى مِنَ الأُوَارِ يريدون أنهم يعرفون الكرام منها بسماتها، فيُقدّمونها في السقي على اللئام. انتهى كلام الخطابيّ . وقال العلامة ابن القيّم رحمه الله تعالى في (تهذيب السنن)) ٤٣٦/٣-٤٣٧: والذي يظهر لي من معنى الحديث: أن النار هي شعار القوم عند النزول، وعلامتهم، وهي تدعوا إليهم، والطارق يأنس بها، فإذا ألمّ بها، جاور أهلها، وسالمهم، فنار المشركين تدعوا إلى الشيطان، وإلى نار الآخرة، فإنها إنما توقد في معصية الله، ونار المؤمنين تدعوا إلى الله، وإلى طاعته، وإعزاز دينه، فكيف تتفق الناران، وهذا شأنهما؟. وهذا من أفصح الكلام، وأجزله، المشتمل على المعنى الكثير الجليل بأوجز عبارة. وقد روى النسائيّ ٧٣/ ٢٥٦٨ بإسناد صحيح، من حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن ١١٧= ٢٦- (القَوَدُ بغَيْرِ حَدِيدَةٍ) - حديث رقم ٤٧٨٢ جده، قال: قلت: يا نبي الله ما أتيتك، حتى حلفت أكثر من عددهن لأصابع يديه، ألا آتيك، ولا آتي دينك، وإني كنت امرأ، لا أعقل شيئا، إلا ما علمني الله ورسوله وَّل، وإني أسألك بوجه الله عز وجل، بما بعثك ربك إلينا؟ قال: ((بالإسلام))، قال: قلت: وما آيات الإسلام؟ قال: ((أن تقول: أسلمت وجهي إلى الله عز وجل، وتخليت، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، كل مسلم على مسلم محرم، أخوان نصيران، لا يقبل اللَّه عز وجل من مشرك، بعدما أسلم عملا، أو يفارق المشركين إلى المسلمين)). وقد ذكر أبو داود من حديث سمرة تَّه ، عن النبيّ وَّ: ((من جامع المشرك، وسكن معه، فإنه مثله))، وسنده ضعيف. وفي ((المراسيل)) لأبي داود، عن مكحول، عن النبيّ ◌َّ: ((لا تتركوا الذّرّيّة إزاء العدو)). انتهى كلام ابن القيّم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث قيس بن أبي حازم رحمه اللَّه تعالى هذا صحيح. [فإن قلت]: كيف يصحّ، وهو مرسلٌ؛ لأن قيسًا تابعيّ؟. [قلت]: الحديث روي متّصلًا، ومرسلًا، فقد أخرجه أبو داود، والترمذيّ، وغيرهما من طريق أبي معاوية، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله البجليّ تَظّيه ، لكن خالف أبا معاوية هشيمٌ، وخالداً الواسطيّ، وجماعةٌ فلم يذكروا جريرًا، لذا رجّح كثير من الحفّاظ إرسالهم على وصله. لكن حصل له شواهد، فيصحّ بها، فقد أخرج المصنّف في ((كتاب البيعة)) ١٧ / ٤١٧٧ بسند صحيح، عن أبي نُخَيلة البجلي، قال: قال جرير ◌َّه: أتيت النبي ◌َّه وهو يبايع، فقلت: يا رسول اللَّه ابسط يدك، حتى أبايعك، واشترط عليّ، فأنت أعلم، قال: ((أبايعك على أن تعبد الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتناصح المسلمين، وتفارق المشركين)). وأبو نُخيلة بالخاء المعجمة، مصغّرًا، وقيل: بالمهملة، جزم غير واحد بصحبته، كما بينه الحافظ في ((الإصابة)) وله أيضًا شاهد آخر عند المصنّف ٢٥٦٨/٧٣ بإسناد صحيح، من حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جدّه مطوّلًا، وفيه: ((لا يقبل اللَّه عز وجل من مشرك، بعدما أسلم عملًا، أو يفارق المشركين إلى المسلمين))، وقد تقدّم قريبًا بطوله. ١١٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ وله شاهد آخر عن أعرابيّ معه كتاب كتبه له رسول اللَّه وَّر، فيه: ((إنكم إن شهدتم أن لا إله إلا الله، وأقمتم الصلاة، وآتيتم الزكاة، وفارقتم المشركين، وأعطيتم من الغنائم الخمس، وسهم النبيّ ◌َّ، والصفيّ))، وربما قال: ((وصفيّه، فأنتم آمنون بأمان الله، وأمان رسوله)). أخرجه البيهقيّ ٣٠٣/٦ و١٣/٩ وأحمد ٧٨/٥ بسند صحيح عنه، وجهالة الصحابيّ لا تضرّ. والحاصل أن الحديث صحيح؛ لهذه الشواهد. وقد أجاد الشيخ الألباني رحمه اللّه تعالى البحث فيه في كتابه (إرواء الغليل)) ٢٩/٥- ٣٣-فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ٤٧٨٢/٢٦- وفي ((الكبرى)) ٦٩٨٢/٢٥. وأخرجه (د) في ((الجهاد)) ٢٦٤٥ (ت) في ((السير)) ١٦٠٤ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): تحريم قتل من أظهر الإسلام، وإن كان بين الكفّار. (ومنها): أن من مات بفعل نفسه، وفعل غيره يعطى نصف الدية؛ لموته بجناية نفسه، وغيره. (ومنها): تحريم الإقامة في دار الحرب؛ إلا للضرورة. (ومنها): ما قاله الخطّابيّ رحمه الله تعالى: فيه دليلٌ على أنه إذا كان أسيرًا في أيدي الكفّار، فأمكنه الخلاص، والانفلات منهم لم يحلّ له الْمُقام معهم، وإن حلّفوه، فحلف لهم أن لا يخرُج، كان الواجب أن يخرج، إلا أنه إن كان مُكرها على اليمين لم تلزمه الكفّارة، وإن كان غير مكره، كانت عليه الكفّارة عن يمينه، وعلى الوجهين جميعًا، فعليه الاحتيال للخلاص، وقد قال رسول اللّه مَله: ((من حلف على يمين، فرأى غيرها خيرًا منها، فليأت الذي هو خيرٌ، وليُكفّر عن يمينه)). انتهى ((معالم السنن)) ٤٣٦/٣. (ومنها): ما قاله بعضهم: فيه دلالة على كراهة دخول المسلم دار الحرب للتجارة، والمقام فيها أكثر من مدّة أربعة أيام. ذكره في ((المعالم)) ٤٣٧/٣. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: والظاهر أخذ التقدير بأربعة أيام من حديث السائب بن يزيد، عن العلاء بن الحضرمي ◌َّه، قال: قال رسول اللَّه ◌َلّى: ((يقيم المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثا)) متفقٌ عليه، واللفظ لمسلم، ولفظ البخاريّ: ((ثلاث للمهاجر بعد الصدر))، وتقدّم للمصنّف في ((الصلاة)) ٤/ ١٤٥٥. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ١١٩ ===== ٢٧ - (تَأْوِيلُ قَوْلِهِ عز وجل: ﴿فَمَنْ عُفِى ... - حديث رقم ٤٧٨٣ ((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنیب)). ٢٧- (تَأْوِيلُ قَوْلِهِ عز وجل: ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ فَانْبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءُ إِلَيْهِ بِإِحْسَنٍّ﴾ [البقرة: ١٧٨] ٤٧٨٣ - (قَالَ الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَمْرِو، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ الْقِصَاصُ، وَلَمْ تَكُنْ فِيَهِمُ الدِّيَّةُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿كُلِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِىِ الْقَبْلِّ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَى بِالْأُنثَىّ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ فَتْبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءُ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾، فَالْعَفْوُ أَنْ يَقْبَلَ الدِّيَّةَ فِي الْعَمْدِ، ﴿فَانِبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾: يَقُولُ: يَتَبعُ هَذَا بِالْمَعْرُوفِ، ﴿ وَدَاءُ إِلَّهِ بِإِحْسَنَّ﴾: وَيُؤَدِّي هَذَا بِإِحْسَانٍ، ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾، مِمَّا كُتِبَ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، إِنَّمَا هُوَ الْقِصَاصُ، لَيْسَ الدِّيَّةَ). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (الحارث بن مسكين) بن محمد الأموي مولاهم، أبو عمرو المصري القاضي، ثقة فقيه [١٠] ٩/٩ . ٢- (سفيان) بن عيينة الإمام الحجة الثبت [٨] ١/١. ٣- (عمرو) بن دينار الجمحي مولاهم المكي، ثقة ثبت [٤] ١٥٤/١١٢. ٤- (مجاهد) بن جبر المخزومي مولاهم، أبو الحجاج المكي، ثقة فقيه إمام [٣] ٣١/٢٧ . ٥- (ابن عباس) عبد الله رضي اللّه تعالى عنهما٢٧/ ٣١. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرد به هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات المكيين، سوى شيخه، فإنه مصريّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما حبر الأمة، وبحرها، وترجمان القرآن، وأحد ١٢٠ : = شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) من الأحاديث. والله تعالى أعلم . شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي اللّه تعالى عنهما، وفي رواية البخاريّ في ((التفسير)) التصريح بالسماع، ولفظه: ((حدّثنا الحميديّ، حدثنا سفيان، حدثنا عمرو، قال: سمعت مجاهدًا، قال: سمعت ابن عبّاس رضي الله عنهما، يقول كان في بني إسرائيل ... الحديث. قال الحافظ: هكذا وصله ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، وهو من أثبت الناس في عمرو، ورواه ورقاء بن عمر، عن عمرو، فلم يذكر فيه ابن عبّاس، أخرجه النسائي. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رواية ورقاء بن عمر هي التالية لهذه الرواية (قَالَ: كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ الْقِصَاصُ، وَلَمْ تَكُنْ فِيهِمُ الدِّيَةُ) أي لم يكن لهم الخيار بين القصاص، وأخذ الدية بدله، وإنما الواجب لهم القصاص فقط (فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ) أي رحمة لهذه الأمة المرحومة، وفي رواية البخاريّ: ((فقال لهذه الأمة)) (﴿كُلِبَ عَلَيْكُمْ اَلْقِصَاصُ﴾﴾ [البقرة: ١٧٨] أي فُرِض، وأُثبت، ومنه قول عمر بن أبي ربيعة [من الخفيف]: كُتِبَ الْقَتْلُ وَالْقِتَالُ عَلَيْنَا وَعَلَى الْغَانِيَاتِ جَرُّ الذُّيُولِ وقد قيل: إن كُتِب هنا إخبار عما كُتب في اللوح المحفوظ، وسبق به القضاء. والقصاصُ: مأخوذ من قَصَّ الأثرَ، وهو اتّباعه، ومنه القاصّ؛ لأنه يتبع الآثار، والأخبار، وقَصُّ الشعر: اتّباع أثره، فكأن القاتل سلك طريقا من القتل، فقُصَّ أثرُه فيها، ومشى على سبيله في ذلك، ومنه: ﴿فَأَرْتَدًا عَلَى ءَاثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤]، وقيل: القَصُّ: القطع، يقال: قصصت ما بينهما، ومنه أخذ القصاص؛ لأنه يجرحه مثل جرحه، أو يقتله به، يقال أقص الحاكم فلانا من فلان، وأباءه به، فَأَمْثَلَهُ، فامتثل منه : أي اقتصّ منه . (فِي الْقَتْلَى) أي فُرض عليكم اعتبار المماثلة بين القتلى. والقتلى جمع قتيل، لفظ مؤنث، تأنيث الجماعة، وهو مما يَدخُل على الناس كرها، فلذلك جاء على هذا البناء، كجَرحى، وزَمنى، وحَمقَى، وصَرعى، وغَرقى، وشبههن. قاله القرطبيّ. (الْحُرُّ بِالْحُرِّ) مبتدأ وخبرٌ: أي الحرّ مأخوذ، أو مقتول بالحرّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ، وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى قال القرطبيّ: اختلف في تأويلها، فقالت طائفة: جاءت الآية، مبينة لحكم النوع، إذا قتل نوعه، فبينت حكم الحر، إذا قتل حرا، والعبد إذا قتل عبدا، والأنثى إذا