النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
٢٠- (بَابُ الرَّجُلِ يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ) - حديث رقم ٤٧٦٥
الْحَكَم، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ يَعْلَى ابْنِ مُنْيَةَ، أَنَّهُ قَاتَلَ رَجُلًا، فَعَضَّ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَانْتَزَعَ
يَدَهُ مِنْ فِيهِ، فَقَلَعَ ثَنِيَتَهُ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى النَِّيِّ وَّةِ، فَقَالَ: ((يَعَضُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، كَمَّا
يَعَضُ الْبَكْرُ فَأَبْطَلَّهَا))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه
مالك بن الخليل الأزديّ، أبي غسّان البصريّ، فإنه من أفراده، وهو صدوقٌ، من كبار
[١١] ٢٢٦/ ٣٠٧١ . و((ابنُ أبي عديّ)): هو محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، نُسب
لجدّه، وقيل: هو إبراهيم، أبو عمرو البصريّ الثقة الحافظ [٩] ١٢٢ /١٧٥ .
و((الحكم)): هو ابن عُتيبة، أبو محمد الكنديّ الكوفيّ، ثقة ثبتٌ فقيه، ربما دلّس [٥]
١٠٤/٨٦ . و((مجاهد)): هو ابن جبر، أبو الحجاج المخزوميّ مولاهم المكيّ الإمام
الحجة الثبت [٣] ٣١/٢٧. و((يعلى ابن مُنية))- بضمّ الميم، وسكون النون، بعدها
تحتانيّة مفتوحةٌ- بنت جابر، وهي أمه، وقيل: جدته، والأول المعتمد، وهي عمة عتبة
ابن غزوان، وقيل: أخته.
وأبو يعلى: أُميّة بن أبي عبيدة بن همام بن الحارث التميمي الحنظلي، أسلم يوم
الفتح، وشَهِد مع النبي وَّر ما بعدها، كحنين، والطائف، وتبوك.
[تنبيه]: ذكر القاضي عياض رحمه الله تعالى أن بعض رواة مسلم صَحّف ((منية))
هذه، فقال: ((مُنَبّه))- بفتح النون، وتشديد الموحدة، وهو تصحيف، وأغرب ابن
وَضّاح، فقال: مُنَية- بسكون النون -: أمه، وبفتحها، ثم موحدة أبوه، ولم يوافقه أحد
على ذلك. قاله في ((الفتح)) ١٤/ ٢١٠ .
وقوله: ((كما يعضّ البكر))- بفتح الباء الموحّدة، وسكون الكاف، آخره راء -: هو
الْفَتِيُّ من الإبل، بمنزلة الغلام من الإنسان. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث يعلى بن منية رَّه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ٤٧٦٥/١٩ و٤٧٦٦ و٢٠ / ٤٧٦٧ و ٤٧٦٨ و٤٧٦٩ و٤٧٧١
و ٤٧٧٠ و٤٧٧١ و٤٧٧٢ و٤٧٧٣ و٤٧٧٤- وفي ((الكبرى)) ٦٩٦٥/١٨ و٦٩٦٦
و ١٩ / ٦٩٦٧ و ٦٩٦٨ و٦٩٦٩ و٦٩٧٠ و٦٩٧١ و٦٩٧٢ و٦٩٧٣ و٦٩٧٤. وأخرجه
(خ) في ((الإجارة)) ٢٢٦٦ و((الجهاد)) ٢٩٧٣ و((المغازي)) ٤٤١٧ و((الديات)) ٦٨٩٣ (م)

٨٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ
في ((القسامة)) ٤٣٤٣ و٤٣٤٥ و٤٣٤٧ و٤٣٤٨ (د) في ((الديات)) ٤٥٨٤ (ق) في
((الديات)) ٢٦٥٦ (أحمد) في ((مسند الشاميين)) ١٧٤٨٩ و١٧٥٠٥. وفوائد الحديث،
وبقيّة مسائله تقدّمت في الباب الماضي. والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: كتب الشيخ الألباني رحمه اللّه تعالى في ((صحيح النسائي)) على هذا
الحديث: ما نصّه: صحيح الإسناد. انتهى. وهذا مما لا ينبغي، فإن الحديث متّفق
عليه كما علمت آنفًا، فتنبّه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٧٦٦- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عَقِيلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَدِي، قَالَ:
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنَ يَعْلَى ابْنٍ مُنْيَةً،َ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي تَمِيم، قَاتَلَ
رَجُلًا، فَعَضَّ يَدَّهُ، فَانْتَزَّعَهَا، فَأَلْقَى ثَنِيَتَهُ، فَاخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ بِهِ، فَقَالَ:" ((يَعَضُ
أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، كَمَا يَعَضُ الْبَكْرُ))، فَأَطَلَّهَا: أَيْ أَبْطَلَهَا).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((محمد بن عبد الله بن عُبيد بن عَقِيل- بفتح العين
المهملة- بن صَبيح الهلاليّ، أبو مسعود البصريّ، صدوق [١١].
قال النسائيّ: لا بأس به. وقال مسلمة: ثقة. روى عنه المصنّف، وأبو داود، وابن
ماجه، له عند المصنّف ثلاثة أحاديث: هذا، وفي ((كتاب قطع السارق)) ٤٩٨٠/١٥
حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما: ((جيء بسارق إلى رسول اللّه وَليل ...
الحديث، وفي ((كتاب الزينة)) ٥٣٣٤/١٠٤ حديث ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما،
مرفوعًا: ((إن الله عز وجل لا ينظر إلى مسبل الإزار)).
و((جدّه)): هو عُبيد بن عَقيل بن صَبِيح الهلاليّ، أبو عمرو البصريّ الضرير المعلّم،
صدوقٌ، من صغار [٩] .
قال أبو حاتم: صدوقٌ. وقال الآجريّ، عن أبي داود: هو في الحديث لا بأس به،
وذُكر بشيء من أمر العينة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات))، وقال: مات في شعبان سنة
(٢٠٧) وكذا قال ابن قانع. روى له المصنّف، وأبو داود، وله عند المصنّف ثلاثة
أحاديث، وهي التي مرّت في ترجمة حفيده المذكور قبله.
وقوله: ((أن رجلاً من بني تميم)): هو يعلى نفسه، فإنه من بني تميم، كما تقدّم
توضيح ذلك.
وقوله: ((فأطلّها)): بتشديد اللام: أي أبطلها، كما فُسر في الحديث، يقال: طَلّ
السلطان الدمَ طلّاءً من باب قتل: أهدره، وقال الكسائيّ، وأبو عُبيد: ويُستعمل لازمًا
أيضًا، فيقال: طَلَّ الدمُ، من باب قتل، ومن باب تَعِب لغةٌ، وأنكره أبو زيد، وقال: لا
يُستعمل إلا متعدّيًا، فيقال: طلّه السلطانُ: إذا أبطله، وأطلّه بالألف أيضًا، فَطُلَّ هو،

٢١- (ذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى عَطَاءِ.
- حديث رقم ٤٧٦٧
٨٣
وأُطِلَّ مبنيين للمفعول. قاله الفيّوميّ. والتفسير المذكور من أحد الرواة. والله أعلم.
والحديث متفق عليه، كما سبق بيانه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
٢١- (ذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى عَطَاءِ فِي
هَذَا الْحَدِيثِ)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: وجه الاختلاف المذكور أن محمد بن إسحاق رواه
عن عطاء، عن صفوان بن عبد الله، عن عميه سلمة، ويعلى ابني أمية، ورواه ابن
عيينة، عن عمرو بن دينار، وابن جريج كلاهما عن عطاء، عن صفوان بن يعلى، عن
أبيه، ورواه ابن عيينة أيضًا عن عمرو، وابنٍ جريج كلاهما عن عطاء، عن صفوان، عن
يعلى، وتابعه ابن علية، عن ابن جريج، لكنه رواه بلفظ: ((فعضّ أحدهما إصبع صاحبه
الخ))، وقد تقدّم أن المحفوظ بلفظ اليد، لا بلفظ الإصبع، ورواه شعبة عن قتادة، عن
عطاء، عن ابن يعلى، عن أبيه، وخالف هشام الدستوائيّ، فرواه عن قتادة، عن بُدَيل
بن ميسرة، عن عطاء، عن صفوان بن يعلى ابن مُنية، أن أجيرًا ليعلى ابن مُنْية عضّ آخرُ
ذراعَهُ، فانتزعها من فيه الخ.
فخالف شعبة في شيئين:
[أحدهما]: أنه أدخل بين عطاء، وصفوان بُديلَ بن ميسرة.
[والثاني]: أنه جعله مرسلًا؛ لأن صفوان حكى قصّة لم يحضرها، ومن حكى قصّة
لم يحضرها كانت حكايته منقطعة، والأرجح في هذا رواية شعبة؛ لأمرين:
[أحدهما]: أنه مقدّم على هشام في قتيبة وغيره؛ إذ أحفظ منه، فقد قال أبو بكر
البرديجيّ رحمه الله تعالى: أصحّ الناس روايةً عن قتادة شعبةُ، كان يوقّف قتادة على
الحديث(١)، وقال أيضًا: إذا خالف هشام شعبة فالقول قول شعبة، ذكره الحافظ ابن
رجب رحمه اللّه تعالى في ((شرح علل الترمذيّ)) (٢).
(١) أي يسأله عن كون الحديث متّصلا، فكان لا يكتب عنه إلا ما صرّح فيه بسماعه من شيخه.
(٢) انظر ((شرح علل الترمذيّ)) ص ٢٨٣ بتحقيق صبحي السامرائي.

٨٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ
[الثاني]: موافقة روايته لرواية الجماعة الذي ذكرناهم قبلُ، فإنهم رووه عن قتادة،
عن عطاء، عن صفوان بن يعلى، عن أبيه، فلم يدخلوا بينهما بديلًا، وجعلوه متّصلًا
بذكر يعلى. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٧٦٧ - (أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ بَكَّارٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ،
عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحِ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَمَّيْهِ: سَلَمَةَ، وَيَعْلَى: ابْنَيْ أُمَيَّةَ،
قَالَا: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ بِهِ، فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَمَعَنَا صَاحِبٌ لَنَا، فَقَاتَلَ رَجُلًا مِنَ
الْمُسْلِمِينَ، فَعَضَّ الرَّجُلُ ذِرَاعَهُ، فَجَذَبَهَا مِنْ فِيهِ، فَطَرَحَ ثَنِيَتَهُ، فَأَتَى الرَّجُلُ النَّبِيَّ نَّل،
يَلْتَمِسُ الْعَقْلَ، فَقَالَ: ((يَنْطَلِقُ أَحَدُكُمْ إِلَى أَخِيهِ، فَيَعَضُهُ كَعَضِيضِ الْفَحْلِ، ثُمَّ يَأْتِي
يَطْلُبُ الْعَقْلَ؟ لَا عَقْلَ لَهَا))، فَأَبْطَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ وَلَِّ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((عمران بن بكّار)): هو الكلابيّ البرّاد الحمصيّ
المؤذّن، ثقة [١١] ١٥٤١/١٧ من أفراد المصنّف. و((أحمد بن خالد)): هو الْوَهْبِيّ
الكنديّ، أبو سعيد، صدوقٌ [٩] ٢٣٠٠/٥٦. و((محمد)): هو ابن إسحاق بن يسار
المطلبيّ، إمام المغازي المشهور. و((صفوان بن عبد اللّه)): هو ابن صفوان بن أميّة
القرشيّ، ثقة [٣] ٢٢٥٥/٤٦. و((سلمة بن أميّة)) التميميّ الكوفيّ، أخو يعلى،
صحابيّ، روى عن النبيّ ◌َّر، وعنه ابن أخيه صفوان بن عبد اللَّه.
قال ابن عبد البرّ: لا يوجد له سوى حديث واحد، عند ابن إسحاق- يعني هذا
الحديث- وذكره البخاريّ، وقال: يُخالف فيه- يعني ابن إسحاق. تفرّد به المصنّف،
وابن ماجه بهذا الحديث فقط.
وقوله: ((في غزوة تبوك)): وفي رواية ابن علية الآتية في ٤٧٧١ -: ((غزوت مع
رسول اللَّه وَ ل جيش العسرة))، قال الحافظ: وبه جزم غير واحد من الشراح، وتعقبه
بعض من لقيناه، بأن في ((باب من أحرم جاهلا، وعليه قميص))، من ((كتاب الحج)) في
البخاري، من حديث يعلى: ((كنت مع النبي ◌َّر، فأتاه رجل عليه جبة بها أثر صفرة
... )) فذكر الحديث، وفيه: ((فقال اصنع في عمرتك ما تصنع في حجتك، وعَضَّ
رجل يد رجل، فانتزع ثنيته، فأبطله النبي نَّر))، فهذا يقتضي أن يكون ذلك في سفر،
كان فيه الإحرام بالعمرة. قال الحافظ: وليس ذلك صريحا في هذا الحديث، بل هو
محمول على أن الراوي سمع الحديثين، فأوردهما معًا، عاطفا لأحدهما على الآخر،
بالواو التي لا تقتضي الترتيب، وعجيب ممن يتكلم عن الحديث، فَيَرُدُّ ما فيه صريحًا،
بالأمر المحتمل، وما سبب ذلك، إلا إيثار الراحة، بترك تتبع طرق الحديث، فإنها
طريق توصل إلى الوقوف على المراد غالبا. انتهى (فتح)) ٢١٠/١٤-٢١١.

٨٥
- حديث رقم ٤٧٦٨
٢١- (ذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى عَطَاءِ
[تنبيه]: ((غزوة تبوك)): هي الغزوة التي غزاها رسول اللّه وَل في شهر رجب، سنة
تسع من الهجرة، فصالح أهلها على الجزية، من غير قتال، و((تبوك)): موضع من بادية
الشام، قريبٌ من مدين الذين بعث اللَّه تعالى إليهم شُعيبًافَالَلُ، وأصل تبوك مضارع
باكت الناقة تبوك بَوْكًا: إذا سَمِنت، فهي بائك بغير هاء، قيل: سمّيت الغزوة بذلك؛
لخلوها عن البؤس، فأشبهت الناقة التي ليس بها هُزال، ثم سُمّيت البقعة بذلك. أفاده
الفيّوميّ .
وقوله: ((ومعنا صاحبٌ لنا)): هو أجير يعلى، كما سبق.
وقوله: ((فعضّ الرجل ذراعه)): الرجل هو يعلى نفسه، كما سبق.
وقوله: ((يلتمس العقل)): أي دية ثنيته. وقوله: ((عَضِيض الفحل)): بفتح العين
المهملة، وكسر الضاد المعجمة: بمعن العَضّ، يقال: عَضِضْتُهُ، وعَضِضْتُ عليه،
كسَمِعَ، عَضًا، وعَضيضًا: إذا أمسكتُه بأسناني، أو بلساني، وعضضتُ بصاحبي
عَضِيضًا: لزمته. أفاده في ((القاموس)).
والحديث، وإن كان فيه ابن إسحاق، وهو مدلّسٌ، وقد عنعنه، لكنه صحيح
بمابعده، أخرجه المصنّف هنا-٢/ ٤٧٦٧ - وفي ((الكبرى)) ١٩ / ٦٩٦٧. وأخرجه (ق)
في ((الديات)) ٢٦٥٦ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٧٦٨- (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ
عَطَاءٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَجُلًا عَضَّ يَدَ رَجُلٍ، فَانْتُزِعَتْ ثَنِيَتُهُ، فَأَتَّى
النَّبِيَّ ◌َ، فَأَهْدَرَهَا).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا.
و((عبد الجبّار بن العلاء بن عبد الجبّار)): هو العطّار، أبو بكر البصريّ، نزيل مكة،
لا بأس به، من صغار [١٠] ١٩٩/١٣٢. و((سفيان)): هو ابن عيينة. و((عمرو)): هو
ابن دينار. و((عطاء)): هو ابن أبي رباح. و((صفوان بن يعلى)): هو ابن أميّة التميميّ
المكىّ، ثقة [٣] ٧/ ٤٠٧.
وقوله: ((عن عطاء)): هو ابن أبي رباح، عن صفوان بن يعلى، وفي رواية ابن علية
الآتية ٤٧٧١ -: ((أخبرني عطاء))، وفي رواية للبخاريّ، من طريق محمد بن أبي بكر،
في ((المغازي)): ((سمعت عطاء، أخبرني صفوان بن يعلى بن أمية))، وكذا لمسلم من
طريق أبي أسامة عن ابن جريج.
وقوله: ((عن أبيه))، وفي رواية ابن علية: ((عن يعلى بن أمية))، وفي رواية حجاج بن

شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ
محمد، عند أبي نعيم في ((المستخرج)): ((أخبرني صفوان بن يعلى بن أمية، أنه سمع
يعلى، وسيأتي- ٤٧٧٢- من طريق شعبة، عن قتادة، عن عطاء، عن ابن يعلى، عن
أبيه، و-٤٧٧٣- من طريق هشام الدستوائي، عن قتادة، وفيها مخالفة لرواية شعبة من
وجهين: [أحدهما]: أنه أدخل بين قتادة وعطاء بُدَيلَ بنَ ميسرة. [والآخر]: أنه أرسله،
ولفظه: ((عن صفوان بن يعلى، أن أجيرا ليعلى بن منية، عض آخرُ ذراعَهُ:
وقد اعترض الدار قطني على مسلم، في تخريجه هذه الطريق، وتخريجه طريق محمد
ابن سرين، المتقدّمة قبل باب ١٨/ ٤٧٦٠- عن عمران، وهو لم يسمع منه.
وأجاب النووي بما حاصله إن المتابعات يُغتفر فيها ما لا يُغتفر في الأصول، قال
الحافظ: وهو كما قال. قاله في ((الفتح)) ٢١٠/١٤.
وقوله: ((أن رجلًا)): هو يعلى نفسه. وقوله: ((فانتُزعت)) بالبناء للمفعول. وقوله:
((فأهدرها)): أي أبطلها، يقال: هَدَر الدم هَذْرًا، من باب ضرب، وقَتَل: بطَلَ، وأهدر
بالألف لغةٌ، وهدرته، من باب قتل، وأهدرته: أبطلته، يُستعملان متعدّيين أيضًا،
والهَدَرُ بفتحتين اسم منه، وذهب دمه هَذْرًا بالسكون، والتحريك: أي باطلًا، لا قَوَدَ
فيه. قاله الفيوميّ.
والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٧٦٩- (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ مَرَّةً أُخْرَى، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَمْرِو، عَنْ عَطَاءِ، عَنْ
صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى، عَنْ يَعْلَى، وَابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ صَفْوَانَ بَنِ يَعْلَى، عَنْ يَعْلَى،
أَنَّهُ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا، فَقَاتَلَ رَجُلًا، فَعَضََّ يَدَهُ، فَانْتُزِعَتْ ثَنِيَتُهُ، فَخَاصَمَهُ إِلَى النَّبِيِّ وََّ،
فَقَالَ: ((أَيَدَعُهَا يَقْضَمُهَا، كَقَضْم الْفَحْلِ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: ((مرّة أُخرى)): أي حدثنا أوّلًا عن سفيان بن عيينة،
عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن أبي رباح، عن صفوان بن يعلى، عن يعلى بن أميّة رَّهِ،
ثم حدّثنا بالحديث مرةً ثانيةً عن سفيان، عن عمرو، عن عطاء، عن صفوان، وعن ابن
جريج، عن عطاء، عن صفوان، فزاد الطريق الثانية، فقوله: ((وابن جريج)) بالجرّ عطفًا على
عمرو، فسفيان يروي عن كلّ من عمرو، وابن جريج. والله تعالى أعلم.
والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٧٧٠ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ،
عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى، عَنْ أَبِهِ، قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ بِّهِ، فِيَّ غَزْوَةٍ تَبُوكَ، !

=
٨٧
٢١- (ذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى عَطَاءٍ ... - حديث رقم ٤٧٧١
فَاسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا، فَقَاتَلَ أَجِيرِي رَجُلًا، فَعَضَّ الْآخَرُ، فَسَقَطَتْ ثَنِيَّتُهُ، فَأَتَى النَّبِيِّ
فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَأَهْدَرَهُ النَِّيُّ ◌َّ).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((إسحاق بن إبراهيم)): هو ابن راهويه. و((سفيان)):
هو ابن عُيينة .
وقوله: ((غزوت مع رسول اللَّه ◌َليل في غزوة تبوك)): هكذا الرواية عند المصنّف هنا
((في غزوة تبوك)) بزيادة ((في))، والظاهر أنه ضمّن ((غزوت)) معنى ((خرجت))، كما في
الرواية الأخرى. والله تعالى أعلم.
والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٧٧١ - (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ جُرَيْج،
قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَغْلَى، عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُوْلِ
اللّهِ وََّ جَيْشَ الْعُسْرَةِ، وَكَانَ أَوْثَقَ عَمَلٍ لِي، فِي نَفْسِي، وَكَانَ لِي أَجِيرٌ، فَقَاتَلَ إِنْسَانًا،
فَعَضَّ أَحَدُهُمَا إِصْبَعَ صَاحِبِهِ، فَانْتَزَعَ إِصْبَعَهُ، فَأَنْدَرَ ثَنِيَتَهُ، فَسَقَطَتْ، فَانْطَلَقَ إِلَى النَّبِيِّ
مَِّ، فَأَهْدَرَ ثَنِيَتَهُ، وَقَالَ: ((أَفَيَدَعُ يَدَهُ فِي فِيكَ تَقْضَمُهَا))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((يعقوب بن إبراهيم)): هو الدورقيّ.
وقوله: ((جيش العسرة)): هو جيش غزوة تبوك المذكورة في الرواية الماضية، وسمي
بذلك؛ لأنه وَلّ ندب الناس إلى الغزو في شدّة القيظ- أي الحرّ-وكان وَقْت إيناع
الثمرة، وطيب الظلال، فعَسُرَ ذلك عليهم، وشقّ، والعسرُ: ضدّ اليُسر، وهو الضيق،
والشّدّة، والصعوبة. قاله في ((النهاية)) ٢٣٥/٣.
وقوله: ((وكان أوثق عَمَلٍ لي)) يعني أن خروجه في غزوة تبوك من أفضل أعماله التي
عملها في الإسلام، وذلك لما في الجهاد في سبيل اللَّه من الفضل عمومًا، ولما في هذه
الغزوة خصوصًا، حيث أثني اللّه تعالى في كتابه العزيز على أهلها، فقال: ﴿لَّقَد تَّابَ
اللَّهُ عَلَى النَّبِّ وَالْمُهَجِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ أَتَّبَعُوهُ فِ سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ الآية [التوبة: ١١٧].
وقوله: ((إصبع صاحبه)) بكسر الهمزة، وفتح الباء الموحّدة، أفصح لغاتها، إذ فيها
عشر لغات، وهي تثليث الهمزة، مع تثليث الموحّدة، والعاشرة أَضْبُوع، كعُصْفُورٍ،
وأشهرها ما ذكرته أوّلًا، وهي التي ارتضاها الفصحاء. وهي مؤنّئة، وكذلك سائر
أسمائها، مثل الخِنْصِر، والْبِنْصِرٍ، وفي كلام ابن فارس ما يدلّ على تذكير الإصبع، فإنه
قال: الأجود في إصبع الإنسان التأنيث. وقال الصغانيّ أيضًا: يُذَكَّر، ويؤنّثُ، والغالب
التأنيث. أفاده الفيوميّ .

٨٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ
وقوله: ((فأندر ثنيته)): أي نزعها من موضعها، فسقطت إلى الأرض.
والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٧٧٢- (أَخْبَرَنَا سُوَيِّدُ بْنُ نَصْرٍ، فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ
قَتَادَةَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنٍ يَعْلَى، عَنْ أَبِيهِ، بِمِثْلِ الَّذِي عَضَّ، فَتَدَرَتْ ثَنِيَتُهُ، أَنَّ النَّبِيَّ
وَِّ، قَالَ: ((لَا دِيَّةَ لَكَ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تقدّم هذا الحديث سندًا، ومتنًا، في الباب الماضي،
إلا أنه كان هناك من مسند عمران بن حُصين رضي اللّه تعالى عنهما، وشيخ قتادة هو
زرارة بن أوفی.
وقوله: «في حديث عبد الله بن المبارك)): أي حدّثنا هذا الحديث مع جملة الأحاديث
التي حدّثناها عن عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى.
وقوله: ((بمثل الذي عَضَّ)) يعني بمثل الحديث الماضي في الباب السابق، ولفظه:
((أن يعلى قال في الذي عضّ، فندرت ثنيته أن النبيّ وَّ قال: ((لا دية لك)).
والحديث متّفقٌ عليه، كما مرّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو حسبنا، ونعم الوكيل .
٤٧٧٣ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ
قَتَادَةَ، عَنْ بُدَيْلِ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى ابْنِ مُّنْيَةَ، أَنَّ أَجِيرًا لِيَعْلَى ابْنِ
مُنْيَةَ، عَضَّ آخَرُ ذِرَاعَهُ، فَانْتَزَعَهَا مِنْ فِيهِ، فَرَفَعَ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ بَّهِ، وَقَدْ سَقَطَتْ ثَنِيَتُهُ،
فَأَبْطَلَهَا رَسُولُ اللّهِ وَِّ، وَقَالَ: ((أَيَدَعُهَا فِي فِيكَ تَقْضَمُهَا، كَقَضْم الْفَخْلِ))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((إسحاق)): هو ابن راهويه. ((وأبو معاذ)): هو هشام
الدستوائيّ. و((بُديل - بضم أوله، مصغّرًا (١) - ابن ميسرة)): هو الْعُقيليّ البصريّ، ثقة
[٥] ٨٥٩/٥٥ .
وقوله: ((ابن منية)): هي أم يعلى، كما سبق، كان تارة يُنسب إلى أبيه أُميّة، وتارة إلى
أمه مُنية، وإذا نُسب إليها تكتب همزة الوصل في كلمة ((ابن))؛ لأن القاعدة أن لفظة
(ابن)) إذا وقعت بين علمين، وكان الثاني غير أبيه، كأمه كتبت الهمزة، وثبت التنوين في
الاسم الأول، كمحمدٍ ابن الحنفيّة، فتنبّه.
وقوله: ((فرفع ذلك إلى النبيّ وَّر يحتمل بناء ((رفع)) للفاعل، أو للمفعول.
والحديث مرسلٌ؛ لأن صفوان لم يحضر القصّة، فإنه تابعيّ، وإذا حكى القصة من
(١) وقع في النسخة المطبوعة بفتح الموحّدة، وكسر الدال المهملة، مكبّرًا، وهو تصحيف فاحش،
فتنبه .

٨٩
٢١ - (ذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى عَطَاءِ ... - حديث رقم ٤٧٧٤
لم يحضرها كان منقطعًا، كما قال في ((ألفيّة الأثر)):
وَكُلُّ مَنْ أَدْرَكَ مَا لَهُ رَوَى مُتَّصِلٌ وَغَيْرُهُ قَطْعًا حَوَى
وقد تقدّم أن الدارقطنيّ رحمه الله تعالى انتقد على مسلم إخراجه لهذه الطريق،
ولكن أجيب عنه بأنه أوردها متابعةً، واستشهادًا، فلا يضرّ. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٧٧٤- (أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْجَوَّابِ، قَالَ، حَدَّثَنَا عَمَّارٌ،
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ الْحَكَم، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ صَفْوَانَ
بْنِ يَعْلَى، أَنَّ أَبَاهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللّهِ بِ ◌ّهِ، فِي غَزْوَةٍ تَبُوكَ، فَاسْتَأْجَرَ أَجِيرًا، فَقَاتَلَ رَجُلًا،
فَعَّضَّ الرَّجُلُ ذِرَاعَهُ، فَلَمَّا أَوْجَعَهُ نَتَرَهَا، فَأَنْدَرَ ثَنِيَتَهُ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَّهه
فَقَالَ: ((يَعْمِدُ أَحَدُكُمْ، فَيَعَضُ أَخَاهُ، كَمَا يَعَضُ الْفَحْلُ))، فَأَبْطَلَ ثَنِيَتَهُ) .
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((أبو بكر بن إسحاق)): هو محمد بن إسحاق
الصاغاني، نزيل بغداد، ثقة ثبتٌ [١١] ٣٤٧/١٣. و((أبو الْجَوَّاب))- بفتح الجيم،
وتشديد الواو -: الأحوص بن الْجَوّاب الضّبّيّ الكوفيّ، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٩] ١٠٢/
١٣٥ . و((عَمَار)): هو ابن رُزَيق الضبيّ، أو التميميّ، أبو الأحوص الكوفيّ، لا بأس به
[٨] ١٣٥/١٠٢. و((محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى)): هو الأنصاريّ الكوفيّ
القاضي، أبو عبد الرحمن، صدوقٌ، سيّء الحفظ جدًا [٧] ٢١٤٩/١٩. و(الحكم)):
هو ابن عُتيبة. و((محمد بن مسلم)): هو ابن شهاب الزهريّ الإمام الحجة المشهور.
وقوله: ((نترها))- بفتح النون، والتاء المثناة الفوقية، بعدها راء -: أي جذبها بقوّة،
يقال: نترته نَتْرًا، من باب قتل: جذبته في شِدّة. قاله في ((المصباح)). وقوله: ((فأندر
ثنيته)): أي أسقطها. وقوله: ((فرفع ذلك الخ)) يحتمل أن يكون مبنيًّا للفاعل،
وللمفعول.
وقوله: ((يَعْمِد أحدكم الخ)) : -بفتح أوله، وكسر الميم -: أي يقصد، يقال: عمَدتُ
للشيء، عَمْدًا، وعمَدت إليه، من باب ضرب: قصدته، وتعمّدته: قصدته أيضًا. قاله
الفيّوميّ .
والحديث أيضًا مرسلٌ، وفيه ابن أبي ليلى متكلّم فيه، لكنه صحيحٌ بما سبق. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه
أنیب)).

٩٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ
٢٢- (الْقَوَدُ فِي الطَّعْنَةِ)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((الطَّعْنَةُ)) بفتح الطاء، وسكون العين المهملتين -:
المرّة من الطعن، يقال: طعنه بالرمح طَعْنًا، كمنعه، ونصره: ضربه، ووخَزَه، فهو
مطعونٌ، وطَعِينٌ. قاله في ((القاموس)). والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٧٧٥- (أَخْبَرَنَا وَهْبُ بْنُ بَيَانٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهُبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ
الْحَارِثِ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبِيدَةَ بْنِ مُسَافِعٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُذْرِيِّ، قَالَ:
بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ بِ لّهِ، يَقْسِمُ شَيْئًا، أَقْبَلَ رَجُلٌ، فَأَكَبَّ عَلَيْهِ، فَطَعَنَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ،
بِعُرْجُونٍ كَانَ مَعَهُ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((تَعَالَ، فَاسْتَقِدْ))، قَالَ: بَلْ قَدْ
عَفَوْتُ، يَا رَسُولَ اللَّهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (هب بن بيان) أبو عبد اللَّه الواسطيّ، نزيل مصر، ثقة عابدٌ [١٠] ١٣٩٩/٢٠.
٢- (ابن وهب) عبد اللَّه المصريّ ثقة ثبت عابد [٩] ٩/٩.
٣- (عمرو بن الحارث) أبو أيوب المصريّ ثقة ثبت [٧] ٦٣ /٧٩.
٤- (بُكير بن عبدالله) بن الأشجّ المدنيّ، نزيل مصر ثقة [٥] ٢١١/١٣٥.
٥- (عَبِيدة- بفتح العين المهملة، وكسر الباء الموحّدة - ابن مسافع)- بضم الميم،
بعدها مهملة، ثم فاء- الديليّ المدنيّ، مقبول [٤] .
روى عن أبي سعيد الخدريّ حديث الباب، وعنه ابنه مالك، وبُكير بن عبد الله بن
الأشجّ. قال ابن المدينيّ: مجهولٌ، ولا أدري سمع من أبي سعيد، أم لا؟. وذكره ابن
حبّان في ((الثقات)). تفرّد به المصنّف، وأبو داود بهذا الحديث فقط.
٦- (أبو سعيد الخدريّ) سعد بن مالك رضي اللّه تعالى عنهما ١٦٩/ ٢٦٢. والله
تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ) سعد بن مالك رضي اللَّه تعالى عنهما، أنه (قَالَ: بَيْنَا) هي
(بين)) الظرفيّة، أَشبعت فتحتها، فتولّدت منها الألف، ومثلها ((بينما))، ويدخلان على
الجملة، وجوّز الأصمعيّ إضافة ((بينا)) إلى مفرد، إذا صلح في موضعها ((بين))، كقول
الشاعر :

=
٩١
٢٢- (القَوَدُ فِي الطَّعْنَةِ) - حديث رقم ٤٧٧٥
بَيْنَا تَعَنُّفِهِ الْكُمَاةَ وَرَوْغِهِ يَوْمًا أُتِيحَ لَهُ جَرِيءٌ سَلْفَعُ(١)
أفاده المجد في ((القاموس)) (رَسُولُ اللَّهِ وَ ◌َّ، يَقْسِمُ) بفتح أوله من القَسْم ثلاثيًا
(شَيْئًا، أَقْبَلَ رَجُلٌ، فَأَكَبَّ عَلَيْهِ) أي سقط عليه؛ لينال شيئًا بالاستعجال، ولم يَصبِر
(فَطَعَنَهُ) أي ضربه، ووخَزَه تأديبًا له (رَسُولُ اللَّهِ وَ ◌ّهِ بِعُرْجُونٍ) بضم العين المهملة،
وسكون الراء، وضم الجيم: عودٌ أصفر فيه شَماريخ الْعِذْق، سمّي بذلك؛
لانعراجه، وانعطافه، ونونه زائدة، يقال: انعرج الشيء: إذا انعطف، ومُنعرج
الوادي: اسم فاعل، حيث يميل يمنةً ويسرة. أفاده في ((المصباح)) (كَانَ مَعَهُ، فَخَرَجَ
الرَّجُلُ) هكذا في رواية المصنّف، أي خرج من موضع القسم؛ خجلاً وحياء من
رسول اللَّه وَ له، أو لتألّمه من الطعنة، ويؤيّده ما في الرواية التالية، بلفظ: ((فصاح
الرجل))، وفي رواية أبي داود: ((فجُرح بوجهه)) (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: (تَعَالَ) بفتح
اللام، أمر من تعالى يتعالى، من العلوّ، وهو الارتفاع، وأصله أن الرجل العالي كان
ينادي السافل، فيقول: تعالَ، ثم كثُر في كلامهم حتى استُعمل بمعنى ((هَلُمَّ)) مطلقًا،
سواء كان موضع المدعوّ أعلى، أو أسفل، أو مساويًا، فهو في الأصل لمعنّی
خاصّ، ثم استُعمل في معنّى عامّ، وتتصل به الضمائر باقيًا على فتحه، فيقال:
تعالَوا، تعاليا، تعالَينَ، وربّما ضُمّت اللام مع جمع المذكر السالم، وكُسرت مع
المؤنّث، وبه قرأ الحسن البصريّ في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَكَأَهْلَ اُلْكِنَبِ تَعَالَوْاْ﴾ الآية
[آل عمران: ٦٤]؛ لمجانسة الواو. قاله الفيّوميّ (فَاسْتَقِدْ))) وفي نسخة: ((فاستقده)» :
أي خذ القصاص منّي (قَالَ) الرجل (بَلْ قَدْ عَفَوْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ) أي تركت
القصاص، يقال: عفوتُ عن الحقّ: إذا أسقطته، كأنك محوته عن الذي هو عليه،
وعافاه اللَّه: محا عنه الأسقام. أفاده الفيّوميّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي سعيد الخدريّ رَّه هذا ضعيفٌ لجهالة عبيدة بن مسافع، كما سبق عن
ابن المدينيّ رحمه الله تعالى.
(١) ((السلفع)): كجعفر: الجريء الشجاع الواسع الصدر. اهـ ((قاموس)).

=
٩٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤٧٧٣/٢١- وفي ((الكبرى)) ٦٩٧٥/٢٠. وأخرجه (د) في ((الديات))
٤٥٣٦ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان ثبوت القصاص في
الطعنة، وقد عرفت أن الحديث ضعيف، لكن الأصحّ ثبوت القصاص؛ لما سيأتي في
المسألة التالية، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ وَّر من التواضع،
وحسن العشرة مع الناس، حيث طلب من الذي طعنه تأديبًا، أن يقتصّ منه وَله .
(ومنها): تواضعه وَ ﴿ أيضًا حيث كان يتولّى القسمة بين الناس بنفسه، مع كون الصحابة
مستعدّين لتنفيذ ما يأمرهم به، على الوجه المطلوب، إلا أنه آثر نفسه بذلك تحقيقًا
لمعنى قوله وَله: ((إنما أنا قاسم، والله يعطي))، متّفق عليه. (ومنها): مشروعية من أساء
الأدب، لكن بغير الضرب، كالتعنيف، ونحوه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في القصاص من الطعنة، ونحوها:
وقد حقّق هذه المسألة الإمام ابن قيّم الجوزيّة رحمه الله تعالى في (تهذيب السنن))،
بما لا تجده عند غيره من المحقّقين، أحببت إيراده بطوله؛ تتميمًا للفائدة، وتكميلًا
للعائدة، قال رحمه الله تعالى:
قد اختلف الناس في هذه المسألة، وهي القصاص في اللطمة، والضربة،
ونحوهما، مما لا يمكن المقتصّ أن يفعل بخصمه مثل ما فعله به من كلّ وجه، هل
يسوغ القصاص في ذلك، أو يُعدل إلى عقوبته بجنس آخر، وهو التعزير؟ على قولين:
[أصحّهما]: أنه شُرع فيه القصاص، وهو مذهب الخلفاء الراشدين، ثبت ذلك
عنهم، حكاه عنهم أحمد، وأبو إسحاق الْجُوزجانيّ في ((المترجم))، ونصّ عليه الإمام
أحمد في رواية الشالنجيّ، وغيره، قال شيخنا- يعني ابن تيميّة -: وهو قول جمهور
السلف .
[القول الثاني]: أنه لا يُشرع فيه القصاص، وهو المنقول الشافعيّ، ومالك، وأبي
حنيفة، وقول المتأخّرين من أصحاب أحمد، حتى حكى بعضهم الإجماع على أنه لا
قصاص فيه، وليس كما زَعَم، بل حكاية إجماع الصحابة على القصاص أقرب من حكاية
الإجماع على منعه، فإنه ثبت عن الخلفاء الراشدين، ولا يُعلم لهم مخالف فيه .

=
٩٣
٢٢- (الْقَوَدُ فِي الطَّعْنَةِ) - حديث رقم ٤٧٧٥
ومأخذ القولين أن اللّه تعالى أمر بالعدل في ذلك، فبقي النظر في أيُّ الأمرين أقرب
إلى العدل؟ .
فقال المانعون: المماثلة لا تمكن هنا، فكان العدل يقتضي العدول إلى جنس
آخر، وهو التعزير، فإن القصاص لا يكون إلا مع المماثلة، ولهذا لا يجب في
الجرح حتى ينتهي إلى حدّ، ولا في القطع إلا من منفصل؛ لتمكن الماثلة، فإذا
تعذّرت في القطع، والجرح صرنا إلى الدية، فكذا في اللطمة، ونحوها لَمّا تعذّرت
صرنا إلى التعزير.
قال المجوّزون: القصاص في ذلك أقرب إلى الكتاب، والسنّة، والقياس، والعدل
من التعزير.
وأما الكتاب: فإن اللَّه سبحانه وتعالى قال: ﴿وَجَزَّوْاْ سَيْئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَاَ﴾ الآية
[الشورى: ٤٠]، وقال: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾
الآية [البقرة: ١٧٨]، ومعلوم أن المماثلة مطلوبةٌ بحسب الإمكان، واللطمة أشدّ مماثلة
للّطمة، والضربة للضربة من التعزير لها، فإنه ضرب في غير الموضع، غير مماثل، لا
في الصورة، ولا في المحلّ، ولا في القدر، فأنتم فررتم من تفاوت لا يمكن الاحتراز
منه بين اللطمتين، فصرتم إلى أعظم تفاوتًا منه، بلا نصّ، ولا قياس.
قالوا: وأما السنّة، فما ذُكِر من الأحاديث في هذا الباب، ولو لم يكن في الباب إلا
سنّة الخلفاء الراشدين، لكفى بها دليلًا، وحجةً. قالوا: فالتعزير لا يُعتبر فيه جنس
الجناية، ولا قدرها، بل قد يُعزّر بالسوط والعصا، ويكون إنما ضربه بيده، أو رجله،
فكانت العقوبة بحسب الإمكان في ذلك أقرب إلى العدل الذي أنزل اللَّه به كُتُبه،
وأرسل به رُسُله. قالوا: وقد دلّ الكتاب والسنّة في أكثر من مائة موضع على أن الجزاء
من جنس العمل في الخير والشرّ، كما قال تعالى: ﴿جَزَّآءُ وِفَاءًا﴾: أي وفق أعمالهم،
وهذا ثابتٌ شرعًا، وقدرًا، أما الشرع، فلقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيَهَا أَنَّ النَّفْسَ
بِالنَّفْسِِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِاَلْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِلْأُذُنِ وَالسِّنَ بِأَلْسِنِ وَالْجُرُوحَ
قِصَاصُ﴾ الآية [المائدة: ٤٥]، فأخبر سبحانه وتعالى أن الجروح قصاص، مع أن
الجارح قد يشتدّ عذابه إذا فُعل به كما فَعَل، حتى يُستوفَى منه. وقد ثبت عن النبيّ ◌َّ:
((أنه رضخ رأس اليهوديّ))، كما رضخ رأس الجارية، وهذا القتل قصاص؛ لأنه لو كان
لنقض العهد، أو للحرابة لكان بالسيف، ولا يُرضخ الرأس. ولهذا كان أصحّ الأقوال
أنه يُفعل بالجاني مثلُ ما فعل بالمجنيّ عليه، ما لم يكن محرّمًا لحقّ اللَّه، كالقتل
باللواطة، وتجريع الخمر، ونحوه، فيُحَرَّق كما حرّق، ويُلقى من شاهق كما فَعَل،
,٠

٩٤
===
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ
ويُخنق كما خَنَق؛ لأن هذا أقرب إلى العدل، وحصولٍ مُسمّى القصاص، وإدراك الثأر،
والزجر المطلوب من القصاص، وهذا مذهب مالك، والشافعيّ، وإحدى الروايتين عن
أحمد .
قالوا: وأما كون القصاص لا يجب في الجرح حتى ينتهي إلى حدّ، ولا في الطرّف
حتى ينتهي إلى مَفصل؛ لتحقّق المماثلة، فهذا إنما اشتُرط؛ لئلا يزيد المقتصّ على
مقدار الجناية، فيصير المجنيّ عليه مظلومًا بذهاب ذلك الجزء، فتعذّرت المماثلة،
فصرنا إلى الدية، وهذا بخلاف اللطمة، والضربة، فإنه لو قدّر تعدّي المقتصّ فيها لم
يكن ذلك بذهاب جزء، بل بزيادة ألم، وهذا لا يمكن الاحتراز منه، ولهذا توجبون
التعزير، مع أن ألمه يكون أضعاف ألم اللطمة، والبرد من سنّ الجاني مقدار ما كسر من
سنّ المجنيّ عليه، مع شدّة الألم، وكذلك قلع سنّه، وعينه، أو نحو ذلك، لا بدّ فيه
من زيادة ألم ليصل المجنيّ عليه إلى استيفاء حقّه، فهلّا اعتبرتم هذا الألم المقدّرة زيادته
في اللطمة، والضربة، كما اعتبرتموه فيما ذكرنا من الصور، وغيرها؟.
قال المانعون: كما عدلنا في الإتلاف الماليّ إلى القيمة، عند تعذّر المماثلة، فكذلك
ههنا، بل أولى لحرمة البشرة، وتأكّدها على حرمة المال.
قال المجوّزون: هذا قياس فاسدٌ من وجهين: [أحدهما]: أنكم لا تقولون بالمماثلة
في إتلاف المال، فإنه إذا أتلف عليه ثوبًا لم تجوّزوا أن يُتلف عليه مثله من كلّ وجه، ولو
قطع يده، وقتله لقطعت يده، وقُتل به، فعلم الفرق بين الأموال والأبشار، ودلّ على
أن الجناية على النفوس والأطراف يُطلب فيها الْمُقاصّة بما لا يُطلب في الأموال.
[والثاني]: من هو الذي سلّم لكم أن غير المكيل والموزون يُضمن بالقيمة، لا
بالنظير، ولا إجماع في المسألة، ولا نصّ؟، بل الصحيح أنه يجب المثل في الحيوان
وغيره بحسب الإمكان، كما ثبت عن الصحابة **** في جزاء الصيد أنهم قضوا فيه
بمثله من النعم، بحسب الإمكان، فقضوا في النعامة ببدنة، وفي بقرة الوحش ببقرة،
وفي الظبي بشاة، إلى غير ذلك.
قال المانعون: هذا على خلاف القياس، فيصار إليه؛ اتّباعًا للصحابة، ولهذا منعه أبو
حنيفة، وقدّم القياس عليه، وأوجب القيمة.
قال المجوّزون: قولكم: إن هذا على خلاف القياس، فرع على صحّة الدليل الدّالّ
على أن المعتبر في ذلك هو القيمة، دون النظير، وأنتم لم تذكروا على ذلك دليلاً، من
كتاب، ولا سنّة، ولا إجماع، حتّى يكون قضاء الصحابة بخلافه، على خلاف القياس،
فأين الدليل؟ .

٩٥
٢٢- (القَوَدُ فِي الطَّعْنَةِ) - حديث رقم ٤٧٧٥
قال المانعون: الدليل على اعتبار القيمة في إتلاف الحيوان، دون المثل، أن النبيّ
وَّر ضمّن معتق الشِّقص إذا كان موسرًا بقيمته، ولم يضمّنه نصيب الشريك بمثله، فدلّ
على أن الأصل هو القيمة في غير المكيل والموزون.
قال المجوّزون: هذا أصل ما بنيتم عليه اعتبار القيمة في هذه المسائل وغيرها،
ولكنه بناء على غير أساس، فإن هذا ليس مما نحن فيه في شيء، فإن هذا ليس من باب
ضمان المتلفات بالقيمة، بل هو من باب تملّك مال الغير بالقيمة، كتملّك الشقص
المشفوع بثمنه، فإن نصيب الشريك يقدّر دخوله في ملك المعتِقِ، ثم يَعتِق عليه بعد
ذلك، والقائلون بالسراية متفقون على أنه يَعتِق كله على ملك المعتِقِ، والولاء له، دون
الشريك. واختلفوا، هل يسري العتق عقب إعتاقه، أو لا يَعتق حتى يؤدّي الثمن؟ على
قولين للشافعيّ، وهما في مذهب أحمد، قال شيخنا- يعني ابن تيميّة -: والصحيح أنه
لا يَعتق إلا بالأداء.
وعلى هذا ينبني ما إذا أعتق الشريك نصيبه بعد عتق الأول، وقبل وزن القيمة، فعلى
الأول لا يعتق عليه، وعلى الثاني يعتق عليه، ويكون الولاء بينهما.
وعلى هذا أيضًا ينبني ما إذا قال أحدهما: إذا أعتقت نصيبك، فنصيبي حرّ، فعلى
القول الأول لا يصحّ هذا التعليق، ويَعتق كله في مال المعتِقِ، وعلى القول الثاني يصحّ
التعليق، ويَعتق نصيب الشريك من ماله.
فظهر بهذا أن استدلالكم بالعتق استدلالٌ باطلٌ، بل إنما يكون إتلافًا إذا قتله، فلو
ثبت لكم بالنصّ أنه ضمن قاتل العبد بالقيمة دون المثل، كان حجةً، وأنَّى لكم بذلك؟.
قالوا: وأيضًا فالفرق واضحٌ بين أن يكون الْمُتْلَفُ عينًا كاملةً، أو بعضَ عين، فلو
سلّمنا أن التضمين كان تضمين إتلافٍ لم يجب مثله في العين الكاملة، والفرق بينهما أن
حقّ الشريك في العين التي لا يمكن قسمتها في نصف القيمة مثلًا، أو ثلثها، فالواجب
له من القيمة بنسبة ملكه، ولهذا يُجبر شريكه على البيع إذا طلبه ليتوصّل إلى حقّه من
القيمة، والنبيّ وَّ راعى ذلك، وقوّم عليه العبد قيمةً كاملةً، ثم أعطاه حقّه من القيمة،
ولم يقوّم عليه الشقص وحده، فيعطيه قيمته، فدلّ على أن حقّ الشريك في نصف
قيمته، فإذا كان كذلك، فلو ضمّنًا المعتق نصيب الشريك بمثله من عبد آخر لم نُجبره
على البيع إذا طلبه شريكه؛ لأنه إذا لم يكن له حقّ في القيمة، بل حقّه في نفس العين،
فحقّه باقٍ منها.
قالوا: فظهر أنه ليس معكم أصلٌ تقيسون عليه، لا من كتاب، ولا سنّة، ولا إجماع.
وقد ثبت في ((الصحيح)): أن النبيّ ◌َّ اقترض بَكْرًا، وقضى خيرًا منه، واحتجّ به من

٩٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ
يُجوّز قرض الحيوان، مع أن الواجب في القرض ردّ المثل، وهذا يدلّ على أن الحيون
مثليّ .
ومن العجب أن يقال: إذا اقترض حيوانًا رد قيمته، ويقال: ذلك على الإتلاف،
والغصب،، فيُترك موجَب النصّ الصحيح؛ لقياس لم يثبت أصله بنصّ، ولا إجماع،
ونصوص أحمد: أن الحيون في القرض يُضمن بمثله. وقال بعض أصحابه: بل
بالقيمة؛ طردًا للقياس على الغصب. واختلف أصحابه في موجَب الضمان في الغصب،
والإتلاف على ثلاثة أوجه :.
[أحدها]: أن الواجب القيمة في غير المكيل والموزون. [والثاني]: الواجب المثل
في الجميع. [والثالث]: الواجب المثل في غير الحيوان، ونصّ عليه أحمد في الثوب،
والقصعة، ونحوهما، ونصّ عليه الشافعيّ في الجدار المهدوم ظلمًا يُعاد مثله، وأقول
الناس بالقيمة أبو حنيفة، ومع هذا فعنده إذا أتلف ثوبًا ثبت في ذمّته مثله، لا قيمته،
ولهذا يجوز الصلح عنه بأكثر من قيمته، ولو كان الثابت في الذّمّة القيمة لما جاز الصلح
عنها بأكثر منها .
فظهر أن من لم يعتبر المثل، فلا بدّ من تناقضه، أو مناقضته للنّصّ الصريح، وهذا ما
لا مخلص منه .
وأصل هذا كلّه هو الحكومة التي حكم فيها داود وسليمان عليهما السلام، وقصّها
الله تعالى علينا في كتابه، وكانت في الحرث، وهو البستان، وقيل: إنها كانت أشجار
عنب، فنفشت فيها الغنم - والنفش إنما يكون ليلًا - فقضى داودّالَّلهُ لأصحاب
البستان بالغنم؛ لأنه اعتبر قيمة ما أفسدته، فوجده يساوي الغنم، فأعطاهم إياها، وأما
سليمانَّ الَّله فقضى على أصحاب الغنم بالمثل، وهو أن يعمّروا البستان كما كان، ثم
رأى أن مغله إلى حين عوده يفوت عليهم، ورأى أن مغل الغنم يساويه، فأعطاهم الغنم
يستغلّونها حتى يعود بستانهم كما كان، فإذا عاد ردّوا إليهم غنمهم.
فاختلف العلماء في مثل هذه القضيّة على أربعة أقوال:
[أحدها]: القول بالحكم السليمانيّ في أصل الضمان، وكيفيّته، وهو أصحّ الأقوال،
وأشدّها مطابقة لأصول الشرع، والقياس، كما قد بيّا ذلك في كتاب مفرد في الاجتهاد،
وهذا أحد القولين في مذهب أحمد، نصّ عليه في غير موضع، ويُذكر وجهًا في مذهب
مالك، والشافعيّ.
[والثاني]: موافقته في النفش، دون المثل، وهذا هو المشهور من مذهب الشافعيّ،
ومالك، وأحمد.

=
٩٧
٢٢- (القَوَدُ فِی الطَّعْنة) - حدیث رقم ٤٧٧٥
[والثالث]: عكسه، وهو موافقته في المثل، دون النفش، وهو قول داود، وغيره،
فإنهم يقولون: إذا أتلف البستان بتفريطه ضمنه بمثله، وأما إذا انفلتت الغنم ليلاً لم
يضمن صاحبها ما أتلفته.
[والرابع]: أن النفش لا يوجب الضمان، ولو أوجبه لم يكن بالمثل، بل بالقيمة،
فلم يوافقه لا في النفش، ولا في المثل، وهو مذهب أبي حنيفة، وهذا من اجتهادهم
في القياس، والعدل هو الذي أوجبه الله.
فكلّ طائفة رأت العدل هو قولَها، وإن كانت النصوص، والقياس، وأصول الشرع
تشهد بحكم سليمانَّ الَّله، كما أن اللَّه سبحانه وتعالى أثنى عليه به، وأخبر أنه فهمه
إياه .
وذِكرُ مأخذ هذه الأقوال، وأدلّتها، وترجيح الراجح منها، له موضعٌ غير هذا، أليق
به من هذا.
والمقصود أن القياس، والنصّ يدلّان على أنه يُفْعَل به كما فَعَل، وقد تقدّم أن النبيّ
وَيُّ: رضّ رأس اليهوديّ، كما رضّ رأس الجارية، وأن ذلك لم يكن لنقض العهد،
ولا للحرابة؛ لأن الواجب في ذلك القتلُ بالسيف، وعن أحمد في ذلك أربع روايات :
[إحداهنّ]: أنه لا يُستوفى القود إلا بالسيف في العنق، وهذا مذهب أبي حنيفة.
[والثانية]: أنه يُفعَلُ به كما فَعَلَ، إذا لم يكن محرّمًا لحقّ اللَّه تعالى، وهذا مذهب
مالك، والشافعيّ.
[والثالثة]: إن كان الفعلُ، أو الجرح مُرهقًا فُعِل به نظيرُهُ، وإلا فلا.
[والرابعة]: إن كان الجرح، أو القطع موجبًا للقود لو انفرد فُعِل به نظيره، وإلا فلا.
وعلى الأقوال كلّها إن لم يمت بذلك قُتل. وقد أباح اللَّه تعالى للمسلمين أن يَمثُلُوا
بالكفّار إذا مَثَلُوا بهم، وإن كانت المُثلة منهيًا عنها، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ
بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهٌِ﴾ الآية [النحل: ١٢٦]، وهذا دليلٌ على أن العقوبة بجدع الأنف،
وقطع الأذن، وبَقْرِ البطن، ونحو ذلك هي عقوبةٌ بالمثل، ليست بعُدوان، والمثلُ هو
العدل .
وأما كون المثلة منهيّا عنها؛ فلِمَّا روى أحمد في ((مسنده)) من حديث سمرة بن
جندب، وعمران بن حصين ، قالا: ((ما خطبنا رسول اللَّه وَّله خطبةً، إلا أمرنا
بالصدقة، ونهانا عن المثلة)).
[فإن قيل]: فو لم يمت إذا فُعل به نظير ما فعل، فأنتم تقتلونه، وذلك زيادة على ما
فعل، فأين المماثلة؟.

٩٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ
[قيل]: هذا يُنتقض بالقتل بالسيف، فإنه لو ضربه في العنق، ولم يوجبه، كان لنا أن
نضربه ثانيةً، وثالثةً، حتى يوجبه اتفاقًا، وإن كان الأول إنما ضربه ضربة واحدة،
واعتبار المماثلة له طريقان :
[إحداهما]: اعتبار الشيء بنظيره ومثله، وهو قياس العلّة الذي يُلحق فيه الشيء
بنظيره .
[والثاني]: قياس الدلالة الذي يكون الجمع فيه بين الأصل والفرع بدليل العلّة،
ولازمها، فإن انضاف إلى واحد من هذين عموم لفظيّ كان من أقوى الأدلّة؛ لاجتماع
العمومين: اللفظيّ، والمعنويّ، وتضافر الدليلين: السمعيّ، والاعتباريّ.
فيكون موجَبُ الكتاب، والميزان، والقصاص في مسألتنا هو من هذا الباب، كما
تقدّم تقريره، وهذا واضحٌ، لا خفاء به، ولله الحمد، والمنّة. انتهى كلام الإمام ابن
القيّم رحمه اللَّه تعالى ((تهذيب السنن)) ١٧٥/١٢-١٨٠. من هامش ((عون المعبود)».
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لقد أعطى الإمام ابن القيم رحمه اللّه تعالى هذه
المسألة حقّها من التحقيق، والاستقصاء في الاستدلال، فأجاد، وأفاد، وأسهب،
وأعاد، فجزاه الله تعالى خيرًا.
وخلاصة البحث أن الصواب وجوب القصاص في الطعنة، واللطمة، والجبذة،
ونحوها؛ لعموم الأدلّة، والأحاديث التي أوردها المصنّف رحمه الله تعالى في هذه
الأبواب الثلاثة، مستدلا بها على ما ترجم له فيها، وإن كان فيها مقالٌ، إلا أن عموم
الأدلّة يشهد لها، فيصحّ الاستدلال بها، فتبصر لذلك. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٧٧٦- (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ الرِّبَاطِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، أَنْبَنَا أَبِي،
قَالَ: سَمِعْتُ يَخْتَى، يُحَدِّثُ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبِيدَةَ بْنِ مُسَافِعٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ
الْخُذْرِيِّ، قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ وَرَ، يَقْسِمُ شَيْئًا، إِذْ أَكَبَّ عَلَيْهِ رَجُلٌ، فَطَعَنَهُ رَسُولُ اللَّهِ
وَ، بِعُرْجُونٍ كَانَ مَعَهُ، فَصَاحَ الرَّجُلُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ: (تَعَالَ فَاسْتَقِّدْ))، قَالَ:
بَلْ عَفَوْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((أحمد بن سعيد الرباطيّ)): هو الأشقر، أبو عبد الله
المروزيّ، ثقة حافظ [١١] ١٠٣٠/٩٠. و((وهب بن جرير)): هو الأزديّ، أبو عبد الله
البصريّ، ثقة [٩] ١١٧٨/١٩٦. و((أبوه)): هو جرير بن حازم بن زيد الأزديّ، أبو النضر
البصريّ، ثقة، إلا في قتادة، وله أو هامٌ إذا حدّث من حفظه [٦]١١٤١/١٧٢. و(يحيى)):
هو ابن أيوب الغافقيّ، أبو العبّاس المصريّ، صدوقٌ ربّما أخطأ [٧] ٦٠ / ١٧٧١.

٩٩
٢٣ - (القَوَدُ مِنَ اللَّطْمَةِ) - حديث رقم ٤٧٧٧
والحديث ضعيف، كما سبق بيانه في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه
أنیب)).
٢٣ - (الْقَوَدُ مِنَ اللَّطْمَةِ)
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((الَّلَطْمَةُ)) بفتح اللام، وسكون الطاء المهملة: المرة
من اللطم، وهو مصدر لطم، يقال: لطمَت المرأة وجهها لَظْمًا، من باب ضرب:
ضربته بياطن كفّها. قاله الفيّوميّ. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٧٧٧ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ عَبْدِ
الْأَعْلَى، أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، يَقُولُ: أَخْبَرَنِ ابْنُ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَجُلًا وَقَعَ فِي أَبِ،
كَانَ لَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَطَمَهُ الْعَبَّاسُ، فَجَاءَ قَوْمُهُ، فَقَالُوا: لَيَلْطِمَنَّهُ كَمَا لَطَمَهُ، فَلَبِشِّوا
السِّلَاحَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ نَّهِ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَقَالَ: ((أَّهَا النَّاسُ أَيُّ أَهْلِ الْأَرَضِ
تَعْلَمُونَ، أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؟))، فَقَالُوا: أَنْتَ، فَقَالَ: ((إِنَّ الْعَبَّاسَ مِنِّي، وَأَنَا مِنْهُ،
لَا تَسُبُّوا مَوْتَانَا، فَتُؤْذُوا أَحْيَاءَنَ))، فَجَاءَ الْقَوْمُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ
غَضَبِكَ، اسْتَغْفِرْ لَنَا).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (أحمد بن سليمان) الرُّهاويّ ثقة حافظ [١١] من أفراد المصنّف.
٢- (عُبيد الله) بن موسى بن أبي المختار باذام العبسيّ الكوفيّ ثقة، كان يتشيّع، قال
أبو حاتم: كان أثبت الناس في إسرائيل من أبي نعيم، واستصغر في الثوريّ [٩] ٧٢٪
١٣٢٦ .
٣- (إسرائيل) بن يونس بن أبي إسحاق السبيعيّ الكوفيّ ثقة حجة [٧] ٥٠٩/٧٥ .
٤- (عبد الأعلى) بن عامر الثعلبيّ الكوفيّ، ضعيف(١) [٦] ٢٠٠٩/٨٥.
٥- (سعيد بن جبير) الأسدي مولاهم الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٤٣٦/٢٨.
(١) في ((التقريب)): صدوقٌ يهم اهـ. والصواب أنه ضعيف، راجع ترجمته في ((تهذيب التهذيب)) ٢/
٤٦٤-٤٦٥ .

= ١٠٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ
٦- (ابن عباس) عبد اللَّه رضي الله تعالى عنهما٣١/٢٧. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى) بن عامر الثعلبيّ (أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، يَقُولُ: أَخْبَرَنِي ابْنُ
عَبَّاسٍ) رضي اللَّه تعالى عنهما (أَنَّ رَجُلًا وَقَعَ فِي أَبِ كَانَ لَهُ) أي لابن عبّاس (فِي
الْجَاهِلِيَّةِ) أي من مشركي الجاهليّة (فَلَطَمَهُ الْعَبَّاسُ) أي ضربه بباطن كفّه (فَجَاءَ قَوْمُهُ)
أي قوم ذلك الملطوم (فَقَالُوا: لَيَلْطِمَنَّهُ كَمَا لَطَمَهُ) أي قصاصًا للطمه (فَلَبِسُوا
السّلَاحَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ وَّهِ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ) بكسر العين المهملة، من باب تعب:
أي رقيه؛ ليكلّم القوم في شأن العبّاس تَنّه ، وفيه أن الإمام يطلب العفو في القود،
إذا رأى فيه مصلحةً (فَقَالَ: ((أَّهَا النَّاسُ أَيُّ أَهْلِ الْأَرْضِ تَعْلَمُونَ، أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ عَزَّ
وَجَلَّ؟))) ((أيُّ أهل الأرض)): اسم استفهام، مبتدأ، خبره ((أكرم على الله عز وجل))،
و(تعلمون)) ملغاة؛ لتوسّطها، ويجوز إعمالها، فيكون ((أيّ أهل الأرض)) بالنصب
مفعولها الأول، و(( أكرم)) بالنصب مفعولها الثاني، كما قال ابن مالك في
(الخلاصة)) :
وَجَوْزِ الإِلْغَاءَ لَا فِي الابْتِدَا
(فَقَالُوا: أَنْتَ) أي أنت أكرم أهل الأرض كلّهم على اللَّه عز وجل (فَقَالَ: ((إِنَّ
الْعَبَّاسَ مِنِّي، وَأَنَا مِنْهُ) أي فلا ينبغي لكم أن تؤذوه؛ أي لأنه يكون إيذاءً له وَِّ،
ومن آذاه، فقد آذى اللَّه، ومن آذى اللَّه يوشك أن يأخذه))(١) (لَا تَسُبُّوا مَوْتَانًا) أي لا
تعيّرهم، ولا تجهروا بلعنهم عند أقاربهم المسلمين (فَتُؤْذُوا أَحْيَاءَنَا) بسبب ما فيهم من
الحنان والشفقة النسبيّة، قال السنديّ رحمه اللّه تعالى: فيه أن السباب مؤذٍ، فإذا بدأ
بالسبّ، وعاد إليه شيء من الأذى بسببه، فلا ينبغي له أن يطلب فيه القود؛ لأنه جاءه
كالجزاء لعمله. انتهى (فَجَاءَ الْقَوْمُ) أي قوم الرجل الذي لطمه العبّاس، وطلبوا منه
القصاص له (فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ غَضَبِكَ) أي لأنه سبب لغضب الله
(١) أخرج أحمد في ((مسنده))، والترمذيّ في ((جامعه)) بسند فيه مجهولٌ، من حديث عبد الله بن مغفل
رَّ ثه، قال: قال رسول اللَّه وَله: «اللَّهَ اللَّهَ في أصحابي، الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم
غَرَضًا بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فيبغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد
آذاني، ومن آذاني فقد آذى اللَّه، ومن آذى اللّه يوشك أن يأخذه)»، قال أبو عيسى: هذا حديث
حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه. لكن قد عرفت أن في سنده مجهولًا، وهو عبد
الرحمن بن زياد، فتحسينه مما لا يستحسن. والله تعالى أعلم.