النص المفهرس

صفحات 1-20

شرح
سُبْ النَّائِيّ
المُسَمَّى
ذَخِيْرَةَ الْعُقْبَى فِيْ شَرَّح المُجْتَّبَى
لجامِعِه الفَقِيُّ إلى مَوْلَهِ الفَنِىّ القَدِيْ
مَ ابَالشّيخ العَّ مَ يَ بْ آَمْ بُوَ الْأَيُنِي الَِّيّ
المُرّسُ بَدَارُ الحَديثُ الخيريَّة بمَلّة المكرّمة
عَفَا اللّه عَنْه وَعَنْ وَالَّيِّهِ آَمِينٌ
الجزء السّادس وَالثلاثون
مَكتب تنسيق ويُمْرَجُ ويَحقيق
رَجْمُنْ عُلاو قم: ٢٥٢٤٠
دَارَآل بروم للنشرو

-م
جَيْعِ لْلحِقُوقِ محِفُوظُنَّة
الطّبَعَّة الأولى
١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣م
وَازَال بُرُويم للنشروالتوزيع
المملكة العَربيّة السّعوديّة - مكّة المكرّمة - المكتب الرئيسيّ التشغيُ
صَبْ: ٤١٤٥ - (تلفاكس ٥٢١١٥٧٦ - حوال ٠٥٥٥٤١٠٢٦)

شرح
سُبْ النَّائي

بسم الله الرحمن الرحيم

٧- (تَأْوِيلُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ ... - حديث رقم ٤٧٣٤
٧- (تَأْوِيلُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ
مَكَمْتَ فَأَحْكُمْ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ﴾
[المائدة : ٤٢ ]
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى في ((تفسيره)) ٢/
٦٢ -: ما حاصله: قال الله عز وجل لنبيه وَ له: ﴿فَإِن جَاءُوَكَ﴾: أي يتحاكمون إليك
﴿فَأَحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمّ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُوَكَ شَيْئًا﴾: أي فلا عليك أن لا
تحكم بينهم؛ لأنهم لا يقصدون بتحاكمهم إليك اتباع الحق، بل ما يوافق أهواءهم، قال
ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والحسن، وقتادة، والسدي، وزيد بن أسلم، وعطاء
الخرساني، والحسن، وغير واحد: هي منسوخة بقوله: ﴿وَأَنِ أَحْكُمْ بَيْنَهُم بِمَآ أَنَزَلَ اَللَّهُ﴾ ،
﴿وَ إِنْ حَكَمْتَ فَأَحْكُمْ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ﴾: أي بالحق والعدل، وإن كانوا ظَلَمَةً خارجين
عن طريق العدل ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢]، ثم قال تعالى، منكرا عليهم
آرائهم الفاسدة، ومَقاصدهم الزائغة، في تركهم ما يعتقدون صحته من الكتاب الذي
بأيديهم، الذي يزعمون أنهم مأمورن بالتمسك به أبدا، ثم خرجوا عن حكمه، وعدلوا
إلى غيره، مما يعتقدون في نفس الأمر بطلانه، وعدم لزومه لهم، فقال: ﴿وَكَيْفَ
يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُ الثَّوْرَنَةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَآ أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾
[المائدة: ٤٣]، ثم مدح التوراة التي أنزلها على عبده ورسوله موسى ابن عمرانّ السَّلامُ،
فقال: ﴿إِنَّآ أَنْزَلْنَا التَّوْرَنَ فِيَهَا هُدَى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ﴾ :
أي لا يخرجون عن حكمها، ولا يبدلونها، ولا يحرفونها ﴿وَالرََِّّيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾: أي
وكذلك الربانيون، وهم العلماء العباد، والأحبار وهم العلماء ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِنْ كِنَبٍ
اللَّهِ﴾: أي بما استودعوا من كتاب الله، الذي أُمروا أن يُظهروه، ويعملوا به ﴿وَكَانُواْ
عَلَيْهِ شُهَدَآءَ فَلَا تَخْشَواْ﴾: أي لا تخافوا منهم، وخافوا مني ﴿وَلَا تَشْتَّرُواْ بِئَايَتِى ثَمَنَا
قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]. انتهى ((تفسير
ابن كثير ٢ / ٦٢ .
(ذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى عِكْرِمَةَ فِي ذَلِكَ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وجه الاختلاف المذكور أن سماك بن حرب روى
قصّة قريظة والنضير أنه إذا قَتَل قُرَظيّ نضريّا يُقتصّ منه، وإذا قتل نضيريّ قُرظيّا دفع

٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ
لأوليائه مائة وسق، وخالفه داود بن الحصين فروى القصّة في الدية أنها تكون كاملة
للنضير، ونصفًا لقريظة، ولكن الظاهر أنه لا اختلاف بين الروايتين، وإنما روى كلّ
منهما بعض القصّة، وسكت عن بعضها، فلا تعارض، وحاصله أن النضير كانوا
يفضّلون على قريظة، في كلّ من القصاص، والدية، فأمر الله عز وجل نبيّه وَلِّ إذا
تحاكموا إليه أن يحكم بينهم بالتسوية، فقال: تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَأَحْكُمْ بَيْنَهُم
بِالْقِسْطِ﴾ الآية، وأنزل اللَّه سبحانه وتعالى إنكارًا عليهم، وتوبيخًا، وتقريعًا لهم:
﴿أفحكم الجاهليّة يبغون﴾ الآية [المائدة: ٥٠]. والله تعالى أعلم.
٤٧٣٤ - (أَخْبَرَنَا الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيًّا بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، قَالَ:
أَنْبَأَنَا عَلِيٍّ، وَهُوَ ابْنُ صَالِحِ، عَنْ سِمَاكِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ قُرَيْظَةُ
وَالنَّضِيرُ، وَكَانَ النَّضِيرُ أَشْرَفَ مِنْ قُرَيِظَةَ، وَكَانَ إِذَا قَتَلَ رَجُلٍ مِنْ قُرَيْظَةَ، رَجُلًا مِنَ
التَّضِيرِ، قُتِلَ بِهِ، وَإِذَا قَتَلَ رَجُلٌ مِنَ النَّضِيرِ، رَجُلًا مِنْ قُرَيْظَةَ، أَدَّى مِائَةً وَسْقٍ مِنْ تَمْرِ،
فَلَمَّا بُعِثَ النَّبِيُّ وََّ، قَتَلَ رَجُلٌ مِنَ النَّضِيرِ، رَجُلًا مِنْ قُرَيْظَةَ، فَقَالُوا: ادْفَعُوهُ إِلَيْنَا نَقْتُلُهُ،
فَقَالُوا بَيْنَنَا وَبَيْتَكُمُ النَِّيُّ ◌َةِ، فَأَتَوْهُ، فَنَزَلَّتْ: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَأَحْكُمْ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ﴾،
وَالْقِسْطُ النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، ثُمَّ نَزَلَتْ: ﴿أَفَحُكْمَ الْجِهَِّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (القاسم بن زكريّا بن دينار) أبو محمد الكوفيّ الطخان، وربّما نُسب لجده، ثقة
[١١] ٨ /٤١٠ .
٢- (عبيد الله بن موسى) بن أبي المختار باذام العبسيّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقة،
كان يتشيّع [٩] ١٣٢٦/٧٢.
٣- (عليّ بن صالح) بن صالح بن حيّ الهمدانيّ، أبو محمد الكوفيّ، أخو حسن،
ثقة عابد [٧] ٣٠٧/١٩٢ .
٤ - (سماك) بن حرب بن أوس بن خالد الذهليّ البكري، أبو المغيرة الكوفيّ، صدوق،
وروايته عن عكرمة خاصّة مضطربة، وقد تغيّر بآخره، فكان ربما يُلقّن [٤] ٣٢٥/٢.
٥- (عكرمة) مولى ابن عبّاس، أبو عبد الله الْبَربريّ، ثقة ثبت، عالم بالتفسير [٣]
٣٢٥/٢ .
٦- (ابن عباس) عبد الله رضي الله تعالى عنهما٣١/٢٧ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين إلى سماك، والباقيان مدنيان.

٧
٧- (تَأْوِيلُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ ... - حديث رقم ٤٧٣٤
(ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أحد
العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ) رضي اللَّه تعالى عنهما، أنه (قَالَ: كَانَ قُرَيْظَةُ) بصيغة التصغير
(وَالَّضِيرُ) بفتح النون، بوزن أمير. وخبر ((كان)) محذوف: أي في المدينة، أو بينهما
فرقٌ في الشرف، ونحو ذلك. قاله السنديّ.
وقال ابن منظور: بنو قريظة: حيّ من يهود خيبر، وهم والنضير قبيلتان من يهود
خيبر، وقد دخلوا في العرب على نَسَبهم إلى هارون أخي موسىٍ، عليهما السلام، منهم
محمد بن كعب الْقُرَظيّ، قال: فأما بنوِ قُريظة، فإنهم أَبيروا؛ لنقضهم العهد،
ومُظاهرتهم المشركين على رسول اللّه وَليل، أمر بقتل مقاتلهم، وسَبْي ذراريتهم، واستفاءة
أموالهم. وأما بنو النضير، فإنهم أَجْلُوا إلى الشام، وفيهم نزلت ((سورة الحشر)). انتهى
(وَكَانَ النَّضِيرُ أَشْرَفَ مِنْ قُرَنِظَةَ، وَكَانَ) اسمها ضمير الشأن، وهو ما تفسّره الجملة التي
بعده، وهي قوله: (إِذَا قَتَلَ) بالبناء للفاعل (رَجُلٌ مِنْ قُرَيْظَةَ رَجُلًا مِنَ النَّضِيرِ، قُتِلَ بِهِ)
بالبناء للمفعول (وَإِذَا قَتَلَ رَجُلٌ مِنَ النَّضِيرِ، رَجُلًا مِنْ قُرَيْظَةَ، أَدَّى) بفتح الهمزة، مبنيًّا
للفاعل: أي دفع لأولياء المقتول (مِائَّةً وَسْقٍ مِنْ تَمْرٍ) بفتح الواو، وسكون السين
المهملة، وكسر الواو لغةٌ: وهو ستّون صاعًا (فَلَمَّا بُعِثَ) بالبناء للمفعول (النَّبِيُّ ◌ََّ،
قَتَلَ رَجُلٌ مِنَ النَّضِيرِ، رَجُلًا مِنْ قُرَيْظَةَ، فَقَالُوا) أي قالت قريظة (ادْفَعُوهُ إِلَيْنَا) أي القاتل
(نَقْتُلْهُ) بالجزم على أنه جواب الأمر، ويجوز رفعه على الاستئناف (فَقَالُوا بَيْتَنَا وَبَيْنَكُمُ
النَّبِيُّ نَّهُ) أي قالت بنو قريظة لَمّا أبى النضير دفع القاتل إليهم، جريًا على العادة السالفة
(فَأَتَوْهُ) أي أتوا النبيّ وَّ؛ ليحكم بينهم في هذه القضيّة الجائرة (فَزَلَتْ: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ
فَأَحْكُمْ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: ٤٢]) بكسر، فسكون: أي العدل، والمراد به هنا، ما
بيّه بقوله (وَالْقِسْطُ النَّفْسُ بِالنَّفْسِ) أي قتل النفس بسبب قتلها النفس (ثُمَّ نَزَلَتْ:
﴿أَفَحُكْمَ الْجَهِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]) أي الحكم الذي سبق بيانه آنفًا، من كون النضير
يقتصّون من قريظة، ولا تقتصّ قريظة منهم، بل يدفعون لها وسق تمر. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عبّاس رضي اللَّه تعالى عنهما هذا صحيح.

٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ
[فإن قلت]: كيف يصحّ، وفي إسناده سماك بن حرب، وهو مضطرب في حديث
عكرمة؟ .
[قلت]: إنما صحّ بالحديث الذي بعده.
[فإن قلت]: فيه أيضًا داود بن حُصين، وقد تكلّموا في حديثه عن عكرمة أيضًا.
[قلت]: الإسنادان يشدّ أحدهما الآخر، فيصحّان. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٧/ ٤٧٣٤ و ٤٧٣٥ - وفي ((الكبرى)) ٧/ ٦٩٣٤ و٦٩٣٥. وأخرجه (د)
في ((الديات)) ٤٤٩٤. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان تأويل الآية، وهو واضحٌ.
(ومنها): بيان ما كان عليه اليهود من الظلم العريق حتى بين أبناء جنسهم، فقد بيّن الله
سبحانه وتعالى في كتابه العزيز، كيف كان يظلم كبيرهم صغيرهم، ويبخسونهم حقهم،
وقد حرّم الله سبحانه وتعالى ذلك عليهم فيما أنزله من التواراة، ولكنهم قوم مجرمون،
فما يقع منهم من ظلم المسلمين في كلّ عصر ومصر غير مستنكر؛ لأنه ديدنهم على مدى
العصور، والتواريخ القدیمة، اللهم اكف المسلمین شرّهم، وردّ کیدهم علی نحورهم،
فلا حول ولا قوّة إلا بك، إنك على كلّ شيء قدير. (ومنها): أن اللَّه تعالى خيّر نبيّه وَل
بين أن يحكم بينهم، أو يُعرض عنهم، وقد اختلف العلماء في ذلك، وسنبيّنه، في
المسألة التالية إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في قوله عز وجل: ﴿فَإِن جَاءُوَكَ فَأَحْكُمْ
بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنَّهُمّ﴾ :
قال أبو عبد الله القرطبيّ رحمه الله تعالى في ((تفسيره)) ٦/ ١٨٤: قوله تعالى: ﴿فَإِن
جَمُوَكَ فَأَحَكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾: هذا تخيير من اللَّه تعالى، ذكره القشيري، وتقدم
معناه أنهم كانوا أهل موادعة، لا أهل ذمة، فإن النبي وَّ لَمّا قدم المدينة وادع اليهود،
ولا يجب علينا الحكم بين الكفار، إذا لم يكونوا أهل ذمة، بل يجوز الحكم إن أردنا،
فأما أهل الذمة، فهل يجب علينا الحكم بينهم، إذا ترافعوا إلينا، قولان للشافعي، وإن
ارتبطت الخصومة بمسلم يجب الحكم، قال المهدوي: أجمع العلماء على أن على
الحاكم أن يحكم بين المسلم والذمي، واختلفوا في الذميين، فذهب بعضهم إلى أن
الآية محكمة، وأن الحاكم مخير، رُوي ذلك عن النخعي، والشعبي، وغيرهما، وهو
مذهب مالك، والشافعي، وغيرهما، سوى ما رُوي عن مالك في ترك إقامة الحد على

٧- (تَأْوِيلُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ ... - حديث رقم ٤٧٣٤
٩
أهل الكتاب في الزنى، فإنه إن زنى المسلم بالكتابية حُدَّ، ولا حَدَّ عليها، فإن كان
الزانيان ذميين، فلا حد عليهما، وهو مذهب أبي حنيفة، ومحمد بن الحسن،
وغيرهما. وقد رُوي عن أبي حنيفة أيضا أنه قال: يجلدان، ولا يرجمان. وقال الشافعي،
وأبو يوسف، وأبو ثور، وغيرهم: عليهما الحد، إن أتيا راضيين بحكمنا، قال ابن
خُويز منداد: ولا يرسل الإمام إليهم، إذا استَعْدَى بعضهم على بعض، ولا يُحضر
الخصم مجلسه، إلا أن يكون فيما يتعلق بالمظالم التي ينتشر منها الفساد، كالقتل،
ونهب المنازل، وأشباه ذلك، فأما الديون، والطلاق، وسائر المعاملات فلا يحكم
بينهم، إلا بعد التراضي، والاختيارُ له ألا يحكم، ويَرُدَّهم إلى حكامهم، فإن حكم
بينهم حكم بحكم الإسلام، وأما إجبارهم على حكم المسلمين، فيما ينتشر منه الفساد،
فليس على الفساد عاهدناهم، وواجب قطع الفساد عنهم منهم، ومن غيرهم؛ لأن في
ذلك حفظ أموالهم ودمائهم، ولعل في دينهم استباحة ذلك، فينتشر منه الفساد بيننا،
ولذلك منعناهم أن يبيعوا الخمر جهارًا، وأن يظهروا الزنى، وغير ذلك من القاذورات؛
لئلا يَفسُد بهم سفهاء المسلمين.
وأما الحكم فيما يختص به دينهم، من الطلاق، والزنى، وغيره، فليس يلزمهم أن
يتدينوا بديننا، وفي الحكم بينهم بذلك إضرار بحكامهم، وتغيير ملتهم، وليس كذلك
الديون، والمعاملات؛ لأن فيها وجها من المظالم، وقطع الفساد. والله أعلم.
وفي الآية قول ثان: وهو ما رُوي عن عمر بن عبدالعزيز، والنخعي أيضا: أن التخيير
المذكور في الآية منسوخ، بقوله تعالى: ﴿وَأَنِ أَعْكُمْ بَيْنَهُم بِمَآ أَنَزَلَ اَللَّهُ﴾، وأن على
الحاكم أن يحكم بينهم، وهو مذهب عطاء الخراساني، وأبي حنيفة، وأصحابه،
وغيرهم. وروي عن عكرمة أنه قال: ﴿فَإِن جَآَمُوَكَ فَاعْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ نسختها
آية أخرى، ﴿ وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُم بِمَا أَنَزَلَ اللَّهُ﴾. وقال مجاهد: لم يُنسخ من المائدة إلا آيتان:
قوله: ﴿فَعْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمَّ﴾، نسختها: ﴿ وَأَنِ اعْكُمْ بَيْنَهُم بِمَآ أَنْزَلَ اَللَّهُ﴾، وقوله:
﴿لَا تُحِلُواْ شَعََيِرَ الَّهِ﴾ نسختها: ﴿فَقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾. وقال
الزهري: مضت السنة أن يُرَدّ أهل الكتاب في حقوقهم ومواريثهم، إلى أهل دينهم، إلا
أن يأتوا راغبين في حكم الله، فيحكم بينهم بكتاب الله، قال السمر قندي: وهذا القول
يوافق قول أبي حنيفة: إنه لا يحكم بينهم ما لم يتراضوا بحكمنا. وقال النحاس في
(الناسخ والمنسوخ)) له: قوله تعالى: ﴿فَإِن جَاءُوَكَ فَأَحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْضّ عَنْهُمّ﴾
منسوخ؛ لأنه إنما نزل أول ما قَدِمَ النبي وَلّ المدينة، واليهود فيها يومئذ كثير، وكان
الأدعى لهم، والأصلح أن يُرَدُّوا إلى أحكامهم، فلما قَوِي الإسلام، أنزل اللَّه عز

١٠
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ
وجل: ﴿وَأَنِ أَعْكُمْ بَيْنَهُم بِمَآ أَنَزَلَ اللَّهُ﴾، وقاله ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة،
والزهري، وعمر بن عبد العزيز، والسُّدِّيّ، وهو الصحيح من قول الشافعي، قال في
(كتاب الجزية)): ولا خيار له إذا تحاكموا إليه؛ لقوله عز وجل: ﴿حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن
يَدٍ وَهُمْ صَغِرُونَ﴾، قال النحاس: وهذا من أصح الاحتجاجات؛ لأنه إذا كان معنى
قوله: ﴿وَهُمْ صَغِرُونَ﴾ أن تجرى عليهم أحكام المسلمين، وجب ألا يُرَدُّوا إلى
أحكامهم، فإذا وجب هذا، فالآية منسوخة، وهو أيضا قول الكوفيين: أبي حنيفة،
وزفر، وأبي يوسف، ومحمد، لا اختلاف بينهم إذا تحاكم أهل الكتاب إلى الإمام، أنه
ليس له أن يُعرِض عنهم، غير أن أبا حنيفة قال: إذا جاءت المرأة والزوج، فعليه أن
يحكم بينهما بالعدل، وإذا جاءت المرأة وحدها، ولم يرض الزوج لم يحكم. وقال
الباقون: يحكم، فثبت أن قول أكثر العلماء، أن الآية منسوخة، مع ما ثبت فيها من
توقيف ابن عباس، ولو لم يأت الحديث عن ابن عباس، لكان النظر يوجب أنها
منسوخة؛ لأنهم قد أجمعوا، أن أهل الكتاب إذا تحاكموا إلى الإمام، فله أن ينظر بينهم،
وأنه إذا نظر بينهم مصيب عند الجماعة، وألا يعرض عنهم، فيكون عند بعض العلماء
تاركا فرضا، فاعلا ما لا يحل له، ولا يسعه. قال النحاس: ولمن قال بأنها منسوخة من
الكوفيين، قول آخر: منهم من يقول: على الإمام إذا علم من أهل الكتاب حَدّا من
حدود الله عز وجل، أن يقيمه، وإن لم يتحاكموا إليه، ويحتج بأن قول الله عز وجل:
﴿وَأَنِ أَعْكُمْ بَيْنَهُمْ﴾ يحتمل أمرين: [أحدهما]: وأن احكم بينهم إذا تحاكموا إليك،
والآخر وأن احكم بينهم، وإن لم يتحاكموا إليك، إذا علمت ذلك منهم، قالوا: فوجدنا
في كتاب الله تعالى، وسنة رسوله وَلهو ما يوجب إقامة الحق عليهم، وإن لم يتحاكموا
إلينا، فأما ما في كتاب اللَّه، فقوله تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَمِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَ
لِلَّهِ﴾ الآية [النساء: ١٣٥]، وأما ما في السنة، فحديث البراء بن عازب رضي اللّه تعالى
عنهما، قال: مُرَّ على رسول اللّه وَلّهِ بيهودي، قد جُلِد، وحُمِّمَ، فقال: ((أهكذا حد
الزاني عندكم؟))، فقالوا: نعم، فدعا رجلا من علمائهم، فقال: ((سألتك بالله، أهكذا
حد الزاني فيكم؟))، فقال: لا، الحديث.
قال النحاس: فاحتجوا بأن النبي ◌ُّ حكم بينهم، ولم يتحاكموا إليه في هذا
الحدیث .
[فإن قال قائل]: ففي حديث مالك، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن
اليهود أتوا النبي وَيّر. [قيل لهم]: ليس في حديث مالك أيضا، أن الذين زنيا رضيا
بالحكم، وقد رجمهما النبي ◌َله .

١١
٧- (تَأْوِيلُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ ... - حديث رقم ٤٧٣٥
قال أبو عمر بن عبدالبر: لو تدبر من احتج بحديث البراء، لم يحتج؛ لأن في دَرْج
الحديث تفسير قوله عز وجل: ﴿إِنْ أُوتِتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوَّهُ فَاحْذَرُواْ﴾، يقول:
إن أفتاكم بالجلد والتحميم فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا، دليل على أنهم
حَكَّمُوه، وذلك بَيْنٌ في حديث ابن عمر وغيره.
[فإن قال قائل]: ليس في حديث ابن عمر، أن الزانيين حَكَّما رسول اللّه وَله، ولا
رضیا بحکمه .
[قيل له]: حَدُّ الزاني حَقٌ من حقوق اللَّه تعالى، على الحاكم إقامته، ومعلوم أن
اليهود كان لهم حاكم يحكم بينهم، ويقيم حدودهم عليهم، وهو الذي حَكّم رسول الله
وَّر، والله أعلم. انتهى ((الجامع لأحكام القرآن)) ١٨٤/٦-١٨٧.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أن القول بوجوب الحكم بينهم إذا
جاءوا هو الأرجح؛ لأنه ◌ٍَّ كان إذا جاءوا إليه يحكم، ولم يثبت أنه ألزمهم بالترافع إليه
دائمًا، بل كانوا يتحاكمون فيما بينهم، والنبيّ نَّه بين أظهرهم، ولم يأمره اللَّه تعالى
بنقض ذلك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم
الوكيل .
٤٧٣٥- (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمِّي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ
إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنِي دَاوُدُ بْنُ الْحُصَيْنِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ الْآيَاتِ الَّتِي فِي
الْمَائِدَةِ، الَّتِي قَالَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَأَحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوَ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ إِلَى ﴿اَلْمُفْسِطِينَ﴾
[المائدة: ٤٢] إِنَّمَا نَزَلَتْ فِي الدِّيَةِ بَيْنَ النَّضِيرِ وَبَيْنَ قُرَيْظَةَ، وَذَلِكَ أَنَّ قَتْلَى النَّضِيرِ، كَانَ
لَهُمْ شَرَفٌ، يُودَوْنَ الدِّيَّةَ كَامِلَةَ، وَأَنَّ بَنِي قُرَيْظَةَ كَانُوا يُودَوْنَ نِصْفَ الدِّيَّةِ، فَتَحَاكَمُوا فِي
ذَلِكَ، إِلَى رَسُولِ اللّهِ بِّهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ذَلِكَ فِيهِمْ، فَحَمَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ وَّ عَلَى
الْحَقُّ فِي ذَلِكَ، فَجَعَلَ الدِّيَةَ سَوَاءٌ).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا.
و((عبيد الله بن سعد)): هو الزهريّ، أبو الفضل البغداديّ، قاضي أصبهان، ثقة
[١١] ١٧/ ٤٨٠. و((عمه)): هو يعقوب بن إبراهيم الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل
بغداد، ثقة فاضل، من صغار [٩] ١٩٦/ ٣١٤. و((أبوه)): هو إبراهيم بن سعد بن
إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة حجة
[٨]٣١٤/١٩٦. و((ابن إسحاق)): هو محمد أبو بكر المطّلبي إمام المغازي، المدنيّ،
نزيل العراق، صدوقٌ، يدلّس، ورُمي بالتشيّع والقدر، من صغار [٥] ٤٨٠/٥.
و((داود بن الحصين)): هو الأمويّ مولاهم، أبو سليمان المدنيّ، ثقة، إلا في عكرمة،

=
١٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ
ورُمي برأي الخوارج [٦] ٢٦/٢٠
وقوله: ((يُودّون)) بضم أوله، وفتح ثالثه، مبنيّا للمفعول، من الدية: أي يُعطّون كامل
الدية. وقوله: ((فحملهم الخ)): أي ألزمهم العمل بالحقّ في هذا الأمر. وقوله: ((فجعل
الدية سواءً)): بيان لمعنى حمله وَ له.
والحديث صحيحٌ، وقد سبق تمام البحث فيه في الذي قبله. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه
أنیب)).
٧- (بَابُ الْقَوَدِ بَيْنَ الأَخْرَارِ،
وَالْمَمَالِيكِ فِي النَّفْسِ)
٤٧٣٦- (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْتِى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا
سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ، قَالَ: انْطَلَقْتُ أَنَا وَالْأَشْتَرُ إِلَى عَلِيٍّ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقُلْنَا: هَلْ عَهِدَ إِلَيْكَ نَبِيُّ اللَّهِ تَِّ شَيْئًا، لَمْ يَعْهَدْهُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً؟،
قَالَ: لَا، إِلَّا مَا كَانَ فِي كِتَابِي هَذَا، فَأَخْرَجَ كِتَابًا مِنْ قِرَابٍ سَيْفِهِ، فَإِذَا فِيهِ: ((الْمُؤْمِنُونَ
تَكَافَؤُ دِمَاؤُهُمْ، وَهُمْ يَدْ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، أَلَا لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ
بِكَافِرٍ، وَلَا ذُو عَهْدٍ بِعَهْدِهِ، مَنْ أَحْدَثَ حَدَثَا فَعَلَى نَفْسِهِ، أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ،
وَالْمَلَّائِكَةِ، وَالنَّاسِ أَجَمَعِينَ))).
رجال هذا الإسناد : سبعة :
١- (محمد بن المثنى) بن عبيد، أبو موسى الْعَنَّزيّ البصريّ المعروف بالزمِن، ثقة
ثبت [١٠] ٦٤ /٨٠ .
٢- (يحيى بن سعيد) القطّان البصري الإمام الحجة الثبت [٩] ٤/٤.
٣- (سعيد) بن أبي عروبة مِهْران، أبو النضر البصريّ، ثقة حافظ، كثير التدليس،
واختلط، وكان من أثبت الناس في قتادة [٦] ٣٨/٣٤.
٤- (قتادة) بن دعامة السدوسيّ البصري، ثقة ثبت يدلس [٤] ٣٤/٣٠.
٥- (الحسن) بن أبي الحسن يسار البصريّ الإمام الحجة الثبت الفقيه، لكنه یدلس

١٣
٧- (بَأَبُ الْقَوَدِ بَيْنَ الأَحْرَارِ، وَالْمَمَالِيكِ ... - حديث رقم ٤٧٣٦
ويرسل [٣] ٣٦/٣٢.
٦- (قيس بن عُباد)- بضمّ العين المهملة، وتخفيف الموحدة الضُّبَعيّ، أبو عبد الله
البصريّ، ثقة مخضرم [٢] ٨٠٨/٢٣.
٧- (علي) بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه ٧٤/ ٩١ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين البصريين
يروي بعضهم عن بعض: قتادة، عن الحسن، عن قيس. (ومنها): أن صحابيه أحد
الخلفاء الأربعة، والعشرة المبشرين بالجنة، وزوج فاطمة الكبرى رضي اللَّه تعالى
عنهما. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ) الضُّبَعي البصريّ المتوفَّى بعد الثمانين، ووهم من عدّه في
الصحابة، أنه (قَالَ: انْطَلَقْتُ أَنَا وَالْأَشْتَرُ)- بالمعجمة الساكنة، والمثنّة المفتوحة، اسمه
مالك بن الحارث بن عبد يغوث بن مسلمة بن ربيعة بن الحارث بن جُذيمة بن سعد بن
مالك بن النّخَع النخعيّ المخضرم، نزل الكوفة، بعد أن شَهِد اليرموك وغيرها، وولّاه
عليّ رَّه مصر، فمات قبل أن يدخلها، سنة (٨٧هـ).
وفي (تهذيب التهذيب)) ٩/٤-١٠: أدرك الجاهلية، وروى عن عمر، وعلي، وخالد
ابن الوليد، وأبي ذر، وأم ذر. وعنه ابنه إبراهيم، وأبو حسان الأعرج، وكنانة مولى
صفية، وعبد الرحمن بن يزيد، وعلقمة بن قيس، ومخرمة بن ربيعة النخعيون، وعمرو
بن غالب الهمداني. وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل الكوفة، قال:
وكان من أصحاب علي رَّيه ، وشهد معه الْجَمَل، وصِفْين، ومشاهده كلها، قال:
وولاه على مصر، فلما كان بالْقُلْزُم شرب شربة عسل فمات. وقال العجلي: كوفي
تابعي ثقة. وذكره ابن حبان في ((الثقات))، قال: شَهِدَ اليرموك، فذهبت عينه يومئذ،
وكان رئيس قومه، وكان ممن يسعى في الفتنة، وألبّ على عثمان، وشهد حصره. قال
ابن يونس: ولاه علي مصر، بعد قيس بن سعد بن عبادة، فسار حتى بلغ القلزم فمات
بها، يقال: مسموما في شهر رجب، سنة سبع وثلاثين، ورُوي أن عليا نعاه إلى قومه،
وأثنى عليه ثناءً حسنا. وقال مُهَنا: سألت أحمد عن الأشتر يُروَى عنه الحديث؟ قال:
لا. انتهى. قال الحافظ: ولم يرد أحمد بذاك تضعيفه، وإنما نفى أن تكون له رواية،

١٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ
وقد وقع له ذكر في ضمن أثر علقه البخاري في ((صلاة الخوف))، قال: قال الوليد:
ذكرت للأوزاعي صلاة شُرَحبيل بن السِّمْط، وأصحابه على ظهر الدابة، فقال كذلك
الأمر عندنا، إذا تخوف الفوت. انتهى. وهنا الأثر رواه عمرو بن أبي سلمة، عن
الأوزاعي، قال: قال شرحبيل بن السمط لأصحابه: لا تصلوا صلاة الصبح إلا على
ظهر، فنزل الأشتر فصلى على الأرض، فأنكر عليه شرحبيل، وكان الأوزاعي يأخذ بهذا
في طلب العدو. انتهى. تفرّد المصنّف(١) بذكره في هذا الموضع فقط.
(إِلَى عَلِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقُلْنَا: هَلْ عَهِدَ) بكسر الهاء، يقال: عَهِد إليه يَعْهَد، من باب
تعِب: إذا أوصاه: أي هل أوصى (إِلَيْكَ نَبِيُّ اللّهِ وَ لِ شَيْئًا، لَمْ يَعْهَدْهُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً؟) وقد
سأله هذه المسألة أبو جحيفة ظله فقد أخرج المصنّف، كما سيأتي بعد ثلاثة أبواب بسنده
عن الشعبيّ، قال: سمعت أبا جحيفة رَّه يقول: سألنا عليّا رَّه، فقلنا: هل عندكم من
رسول اللّه ◌َّ شيء سوى القرآن، فقال: لا، والذي فلق الحبّة، وبرأ النسمة، إلا أن يُعطي
اللَّه عزّ وجلّ عبدًا فهما في كتابه، أو ما في هذه الصحيفة .... )) الحديث.
قال الحافظ رحمه الله تعالى: الخطاب لعليّ ◌َنَّه، والجمع إما لإرادته مع بقيّة
أهل البيت، أو للتعظيم.
وإنما سأله أبو جحيفة ◌َّ عن ذلك؛ لأن جماعة من الشيعة، كانوا يزعمون أن
لأهل البيت لا سيما علي تَظّيه أشياء، خصّهم النبيّ وَلّ بها، لم يُطلع غيرهم عليها.
وقال الشوكانيّ: والظاهر أن المسؤول عنه هنا، ما يتعلق بالأحكام الشرعية، من
الوحي الشامل للكتاب والسنة، فإن اللَّه سبحانه سماها وحيا، إذا فُسْر قوله تعالى: ﴿وَمَا
يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَ﴾ [النجم: ٣] بما هو أعم من القرآن، ويدل على ذلك قوله: ((وما في هذه
الصحيفة))، فإن المذكور فيها ليس من القرآن، بل من أحكام السنة.
قال: فلا يلزم منه نفي ما ينسب إلى علي رَبّه ، من علم الجفر ونحوه، أو يقال:
هو مندرج تحت قوله: ((إلا فهما يعطيه الله تعالى رجلا في القرآن))، فإنه ينسب إلى كثير
ممن فتح الله عليه بأنواع العلوم، أنه يستنبط ذلك من القرآن.
ومما يدل على اختصاص علي بشيء من الأسرار، دون غيره: حديث الْمُخْدَج
المقتول من الخوارج يوم النَّهْرَوان، كما في ((صحيح مسلم))، و((سنن أبي داود))، فإنه
قال يومئذ: ((التمسوا فيهم المخدج))، يعني في القتلى، فلم يجدوه، فقام الإمام علي
بنفسه حتى أتى أناسا، قد قُتل بعضهم على بعض، فقال: ((أخرجوهم، فوجدوه مما
يلي الأرض، فكبر، وقال: صدق اللَّه، وبلغ رسوله وَّ، فقام إليه عَبِيدة السلماني،
(١) وكذا ذكره البخاري في ((صلاة الخوف)) كما مر آنفًا.

١٥
٧- (بَأَبُ الْقَوَدِ بَيْنَ الأَحْرَارِ، وَالْمَمَالِيكِ ... - حديث رقم ٤٧٣٦
فقال: يا أمير المؤمنين، والله الذي لا إله إلا هو، لقد سمعت هذا من رسول الله صلى
اللّه عليه وآله وسلم؟، قال: إي والله الذي لا إله إلا هو، حتى استحلفه ثلاثا، وهو
يحلف .
والمخدج المذكور: هو ذو الثُّدَيّة، وكان في يده مثل ثدي المرأة، على رأسه حلمة،
مثل حلمة الثدي، عليه شعرات، مثل سبالة السِّنَّور. انتهى كلام الشوكانيّ.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: دعوى علم الجفر لعليّ رَّه ، كما هو ظاهر سياق
الشوكانيّ، فيه نظر لا يخفى، فإنه مما لا دليل عليه، وكذا قوله: ومما يدلّ على
اختصاص عليّ رَّه الخ فيه نظر، فإن هذا قد وُجد لغيره أيضًا، فقد خصّ رسول اللَّه
وَالر حُذيفة بكثير من الأسرار، كالعلم بأسماء المنافقين، وغيره، فقد كان رَظّ أعلم
بهذا من عليّ رَّ، ومن غيره، من الصحابة، كما لا يخفى ذلك على من يطالع كتب
السنّة المطهّرة. والله تعالى أعلم.
(قَالَ) عليّ رَّه (لَا) أي لم يعهد إليّ رسول اللَّه وَلَرَ شيئًا لم يعهده إلى عامّة
الناس. وفي حديث أبي جُحيفة المذكور: ((لا والذي فَلَقَ الحبّة، وبرَأَ النسَمَة)) (إِلَّا مَا
كَانَ فِي كِتَابِي هَذَا) قال السنديّ رحمه اللّه تعالى: لا يخفى أن ما في كتابه ما كان من
الأمور المخصوصة به، فالاستثناء إما بملاحظة الكتاب، فكأنه وه لر خصّ عليّا بأن أمره
أن يكتُب دون غيره، أو لبيان نفي الاختصاص بأبلغ وجه: أي لو كان شيء خصّنا به
لكان ما في كتابي، لكن الذي في كتابي ليس مما خصّنا به، فما خصّنا بشيء، والله
تعالى أعلم. انتهى ((شرح السنديّ)) ١٩/٧.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الاحتمال الثاني هو الأظهر، فمراد عليّ رَّه بهذا
الكلام نفي كونه ربَّر خصّه، وأهل بيته بشيء من الأسرار، كما تزعمه الشيعة، فأتى
لإفادة نفي هذا الزعم الباطل بهذه العبارة على وجه المبالغة. والله تعالى أعلم.
وفي حديث أبي جحيفة رَّه عند البخاريّ: ((إلا كتاب الله، أو فهمْ أُعطيه رجلٌ
مسلم، أو ما في هذه الصحيفة)) .
قال في ((الفتح)) ٢٧٦/١٤: قوله: ((إلا كتاب اللَّه)) بالرفع، وقال ابن المنير: فيه دليلٌ
على أنه كان عنده أشياء مكتوبة من الفقه المستنبط من كتاب اللَّه، وهي المرادة بقوله:
((أو فهم أُعطيه رجلٌ))؛ لأنه ذكر بالرفع، فلو كان الاستثناء من غير الجنس لكان
منصوبًا. قال الحافظ: كذا قال، والظاهر أن الاستثناء فيه منقطع، والمراد بذكر الفهم
إثبات إمكان الزيادة على ما في الكتاب. وقد رواه البخاريّ في ((الديات)) بلفظ: ((ما
عندنا إلا في القرآن، إلا فهمّا يُعطى رجلٌ من الكتاب))، فالاستثناء الأول مفرّغٌ، والثاني

١٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ
منقطعٌ، معناه لكن إن أَعطى اللَّه رجلًا فهمًا في كتابه، فهو يقدر على الاستنباط،
فتحصل عنده الزيادة بذلك الاعتبار. وقد روى أحمد بإسناد حسن، من طريق طارق بن
شهاب، قال: شهِدتُ عليّا على المنبر، وهو يقول: ((والله ما عندنا كتاب نقرأه عليكم
إلا كتاب الله، وهذه الصحيفة))، وهو يؤيّد ما قلناه: إنه لم يُرد بالفهم شيئًا مكتوبًا.
انتهى كلام الحافظ .
وسيأتي للمصنّف بعد ثلاثة أبواب عن أبي حسّان الأعرج، عن الأشتر، أنه قال لعليّ
رَظفيه: إن الناس قد تفشّغ(١) بهم ما يسمعون، فإن كان رسول اللّه وَسليل عهد إليك
عهدًا، فحدّثنا به، قال: ما عهد إليّ رسول اللّه وَل عهدًا، لم يعهده إلى الناس ..
الحدیث .
(فَأَخْرَجَ كِتَابًا مِنْ قِرَابٍ سَيْفِهِ) بكسر القاف، وتخفيف الراء: هو وعاء يكون فيه
السيف بغِمْده، وحمائله (فَإِذَا) هي ((إذا)) الفُجائيّة (فِيهِ: ((الْمُؤْمِنُونَ تَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ) أي
تتساوى دماؤهم في القصاص، والديات، والكفء: النظير، والمساوي، ومنه الكفاءة
في النكاح، والمراد أنه لا فرق بين الشريف والوضيع في الدم، بخلاف ما كان عليه
الجاهليّة، من المفاضلة، وعدم المساواة. قاله في ((النيل)) ٧/ ١٤.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا محلّ الترجمة، فقد أخذ منه المصنّف رحمه الله
تعالى أن الحرّ يُقتل بالعبد؛ لمساواة الدماء، وفيه خلاف بين العلماء، سيأتي تحقيقه
قريبًا، إن شاء الله تعالى.
(وَهُمْ يَدٌ) أي قوّة (عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ) أي هم مجتمعون على أعدائهم، لا يسعهم
التخاذل، بل يُعاون بعضهم بعضًا على جميع الأديان والملل، كأنه جعل أيديهم يدًا
واحدةً، وفعلَهم فعلًا واحدًا. قاله في ((النهاية)) ٢٩٣/٥.
وقال السنديّ رحمه الله تعالى: ((وهم يد)): أي اللائق بحالهم أن يكونوا كيد واحدة في
التعاون، والتعاضد على الأعداء، فكما أن اليد الواحدة لا يمكن أن يميل بعضها إلى
جانب، وبعضها إلى آخر، فكذلك اللائق بشأن المؤمنين. انتهى ((شرح السنديّ)) ٧/ ٢٠ .
(وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ) قال في ((النهاية)) ١٦٨/٢ -: الذمّة، والذّمام: بمعنى:
العهد، والأمان، والضمان، والحرمة، والحقّ: أي إذا أعطى أحدٌ لجيش العدوّ أمانًا
جاز ذلك على جميع المسلمين، وليس لهم أن يُخْفِرُوه، ولا أن ينقضوا عليه عهده.
انتھی .
(١) أي فشا، وانتشر فيهم.

١٧
=
٧- (بَأَبُ الْقَوَدِ بَيْنَ الأَحْرَّارِ، وَالمَمَالِیكِ ... - حدیث رقم ٤٧٣٦
وقال السنديّ: أي ذمّتهم في يد أقلّهم عددًا، وهو الواحد، أو أسفلهم رُتبةً،
وهو العبد، يمشي به، يَعقده لمن يرى من الكفرة، فإذا عقد حصل له الذمّة من الكلّ
انتھی .
ودخل في قوله: ((أدناهم)): كلّ وضيع بالنصّ، وكلّ شريف بالفحوى، فدخل في
أدناهم المرأة، والعبد، والصبيّ، والمجنون. قاله في ((الفتح)) ٦/ ٤١٠.
وقال الشوكانيّ: يعني أنه إذا أمن المسلم حربيّا، كان أمانه أمانًا من جميع المسلمين،
ولو كان ذلك المسلم امرأةً، بشرط أن يكون مكلّفًا، فيحرم النكث من أحدهم بعد
أمانه. ((نيل الأوطار)) ٧/ ١٤. وسيأتي بيان اختلاف العلماء في أمان المرأة، والعبد،
ونحوهما قريبًا، إن شاء الله تعالى.
(أَلَا) أداة استفتاح، وتنبيه (لَا يُقْتَلُ) بالبناء للمفعول (مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ) أي إذا قتل مؤمن
كافرًا فلا قصاص عليه. قال السنديّ رحمه الله تعالى: ظاهره العموم، ومن لا يقول به
يخصّه بغير الذمّيّ؛ جمعًا بينه وبين ما ثبت من أن لهم ما لنا، وعليهم ما علينا. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بالعموم هو الحقّ، وسيأتي تحقيق الخلاف بين
العلماء فيه قريبًا، إن شاء الله تعالى.
(وَلَا ذُو عَهْدٍ بِعَهْدِهِ) الباء بمعنى ((في))، كما بُيّن في الرواية التالية، أي لا يُقتل
صاحب العهد من الكفرة، كالذميّ، والمستأمن في وقت عهده بسبب قتله الكافر
الحربيّ.
(مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا)- بفتحتين -: قال ابن الأثير: الحدث: الأمر الحادث المنكر،
الذي ليس بمعتاد، ولا معروف في السنّة. انتهى. والمعنى هنا: أنّ من فعل فعلًا
يوجب عقوبة (فَعَلَى نَفْسِهِ) أي عقوبة ذنبه على نفسه فقط، لا يتعدّاه إلى غيره من
أقاربه، وأرحامه (أَوْ آوَى مُخْدِثًا) قال ابن الأثير: يروى بكسر الدال، وفتحها، على
الفاعل، والمفعول، فمعنى الكسر: من نصر جانيًا، أو آواه، وأجاره من خصمه،
وحال بينه وبين أن يقتصّ منه. والفتح: هو الأمر المبتَدَع نفسه، ويكون معنى الإيواء فيه
الرضا به، والصبر عليه، فإنه إذا رضي بالبدعة، وأقرّ فاعلها، ولم يُنكر عليه، فقد آواه.
انتهى ((النهاية)) ٣٥١/١.
(فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ) أي طرده من رحمته، يقال: لعنه لَعْنًا، من باب نفع: طرده،
وأبعده، أو سبّه، فهو لعينٌ، وملعون. قاله الفيّوميّ (وَالْمَلَائِكَةِ، وَالنَّاسِ أَجَمَعِينَ) أي
عليه دعاؤهم بلعنته، أي إنهم يدعون عليه أن يطرده اللَّه تعالى عن رحمته.
[تنبيه]: أخرج البخاريّ رحمه الله تعالى في ((صحيحه)) ٦/ ٢٤٨٢ حديث عليّ

= ١٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ
وظائفقيه هذا من طريق إبراهيم التيمي، عن أبيه، قال: قال علي رضي الله عنه: ما عندنا
كتاب نقرؤه، إلا كتاب الله، غير هذه الصحيفة، قال: فأخرجها، فإذا فيها أشياء من
الجراحات، وأسنان الإبل، قال: وفيها: ((المدينةُ حرم ما بين عَيْرِ إلى ثور، فمن أحدث
فيها حدثا، أو آوى محدثا، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه يوم
القيامة صرف، ولا عدل، ومن والى قوما بغير إذن مواليه، فعليه لعنة اللَّه، والملائكة
والناس أجمعين، لا يقبل منه يوم القيامة صرف ولا عدل، وذمة المسلمين واحدة،
يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلما، فعليه لعنة اللَّه، والملائكة والناس أجمعين، لا
يقبل منه يوم القيامة صرف ولا عدل)). انتهى.
قال في ((الفتح)) ٥٣٢/١٣: الذي تضمّنه هذا الحديث مما في الصحيفة المذكورة
أربعة أشياء: [أحدها]: الجراحات، وأسنان الإبل. [ثانيها]: ((المدينة حرم)). [ثالثها]:
ومن والى قومًا بغير إذن مواليهم)). [رابعها]: وذمّة المسلمين واحدة، يسعى بها
أدناهم)). انتهى مختصرًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث :
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عليّ ◌َّه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٩/ ٤٧٣٦ و٤٧٣٧ و٤٧٤٦/١٣ و٤٧٤٧ و ٤٧٤٨- وفي ((الكبرى)) ٨/
٦٩٣٦ و٦٩٤٦/٦٩٣٧١٢ و٦٩٤٧ و٦٩٤٨ . وأخرجه (خ) في ((العلم)) ١١١
و((الحج)) ١٨٧٠ و((الجهاد)) ٣٠٤٧ و((الجزية)) ٣١٨٠ و((الفرائض)) ٦٧٥٥ و((الديات))
٦٩٠٣ و٦٩١٥ و((الاعتصام بالكتاب والسنة)) ٧٣٠٠ (م) في ((الحج)) ١٣٧٠ (د) في
((المناسك)) ٢٠٣٤ و((الديات)) ٤٥٣٠ (ت) في الديات)) ١٤١٢ و((الولاء)) ٢١٢٧ (ق)
في ((الديات)) ٢٦٥٨ و(أحمد) في ((مسند العشرة)) ٦٠٠ و٦١٦ و٧٨٤ و٩٦٢ و١٠٤٠
(الدارمي) في ((الديات)) ٢٢٥٠. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه اللّه تعالى، وهو بيان ثبوت القصاص بين
الأحرار والعبيد في النفس، وهو الصحيح؛ لقوله بي ير: ((المؤمنون تتكافؤ دماؤهم))،
وسيأتي بيان الخلاف في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى. (ومنها): تفنيد عليّ ◌َّه
مزاعم أهل الضلال الذين يقولون على رسول اللَّه وَ لَه زورًا، وبهتانًا أنه خصّ عليّا رَّه

١٩
٧- (بَأَبُ الْقَوَدِ بَيْنَ الأَحْرَارِ، وَالْمَمَالِيكِ ... - حديث رقم ٤٧٣٦
بأسرار، لم يُطلعها غيره، وغير أهل بيته، فلا أقوى لدحض آرائهم الباطلة، وضلالاتهم
الكاسدة من إبطاله هو، ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلََّّ الصَّلَالُ﴾ [يونس: ٣٢]. (ومنها): أن من
واجب المسلمين التعاون، والتعاضد، وكونهم يدًا واحدةً على أعدائهم. (ومنها): أن
ذمّة المسلمين واحدة، يستحقّها الأدنى، كما يستحقّها الأعلى، فأي مسلم سعى في
أمان كافر نفذ أمانه، وحرم نقضه، وسيأتي تفاصيل أقوال العلماء في ذلك قريبًا، إن شاء
اللَّه تعالى. (ومنها): عدم ثبوت القصاص بين المسلم والكافر، ولا بين المعاهد
والحربيّ، وفيه خلاف بين العلماء، سيأتي تحقيقه قريبًا أيضًا، إن شاء اللَّه تعالى.
(ومنها): أن من أجرم، فجرمه على نفسه، ولا يتعداه، ﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَكْ﴾
[فاطر: ١٨]. (ومنها): تحريم إيواء المجرم، وأن من آواه، فعليه لعنة اللَّه تعالى،
والملائكة، والناس أجمعين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في ثبوت القصاص بين الحرّ والعبد:
ذهبت طائفة إلى أن الحر يُقتل بالعبد، رُوي ذلك عن سعيد بن المسيّب، والنخعيّ،
وقتادة، والثوريّ، أصحاب الرأي، وهو مذهب المصنّف رحمه الله تعالى، كما هو
ظاهر ترجمته؛ لعموم الآيات، والأخبار، ولقوله وج لرفي حديث الباب: ((والمؤمنون
تتكافؤ دماؤهم))، ولأنه آدميّ معصوم، فأشبه الحرّ.
وذهبت طائفة إلى أنه لا يقتل حرّ بعبد، وروي ذلك عن أبي بكر، وعمر، وعليّ،
وزيد، وابن الزبير *** ، وبه قال الحسن، وعطاء، وعمر بن بن عبد العزيز،
وعكرمة، وعمرو بن دينار، ومالكٌ، والشافعيّ، وإسحاق، وأحمد، وأبو ثور، وروي
عن الشعبيّ؛ لما رواه أحمد في ((مسنده)) عن عليّ رَوّه أنه قال: ((من السنّة أن لا يُقتل
حرّ بعبد)). وعن ابن عبّاس ◌َّ أن النبيّ وَّل قال: ((لايقتل حرّ بعبد)). رواه
الدار قطنيّ. ولأنه لا يُقطع طرَفه بطرَفه مع التساوي في السلامة، فلا يُقتل به، كالأب
مع ابنه، ولأن العبد منقوص بالرقّ، فلم يُقتل به الحرّ، كالمكاتب إذا ملك ما يؤدّي،
والعمومات مخصوصات بهذا، فنقيس عليه. أفاده في ((المغني)) ١١/ ٤٧٣.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ما ذهب إليه الأولون من ثبوت القصاص بين الحز
والعبد هو الأرجح عندي؛ لقوة دليله، وأما ما احتجّ به هؤلاء، فلا يصلح للاحتجاج
به؛ لضعفه، فإن حديث ابن عبّاس رَبِيّا في إسناده جويبر بن سعيد أحد المتروكين،
والراوي عنه عثمان البرّيّ ضعيف معتزليّ، أحاديثه مناكير، وحديث عليّ ◌َزليه في
إسناده جابر الجعفيّ ضعيف جدًا. فثبت بهذا أن حججهم غير مقبولة. فتبصّر. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

= ٢٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في أمان العبد، والمرأة، والصبيّ،
والمجنون :
ذهب أكثر أهل العلم إلى أنه إذا أعطى أحد من المسلمين الأمان لأهل الحرب صحّ،
فلا يجوز التعرّض لأنفسهم، وأموالهم، وأن ذلك يصح من كل مسلم، بالغ، عاقل،
مختار، ذكرا كان أو أنثى، حرا كان أو عبدا، وبهذا قال الثوري، والأوزاعي،
والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وابن القاسم، ورُوي ذلك عن عمر بن الخطاب، رضي
الله عنه.
وذهب أبو حنيفة، وأبو يوسف، إلى أنه لا يصح أمان العبد، إلا أن يكون مأذونا له
في القتال؛ لأنه لا يجب عليه الجهاد، فلا يصح أمانه كالصبي، ولأنه مجلوب من دار
الكفر، فلا يؤمن أن ينظر لهم تقديم مصلحتهم.
واحتجّ الأولون بحديث الباب، فإنه وَّلإر قال: ((ذمة المسلمين واحدة، يسعى بها
أدناهم، فمن أخفر مسلما، فعليه لعنة الله، والملائكة، والناس أجمعين، لا يقبل منه
صرف، ولا عدل))، رواه البخاري، ورَوَى فضيل بن يزيد الرقاشي، قال: جَهَّز عمر بن
الخطاب جيشا، فكنت فيه، فحضرنا موضعا، فرأينا أنا سنفتحها اليوم، وجعلنا نقبل،
ونروح، فبقي عبد منا، فراطنهم وراطنوه، فكتب لهم الأمان في صحيفة، وشّدَّها على
سهم، ورمى بها إليهم، فأخذوها، وخرجوا، فكتب بذلك إلى عمر بن الخطاب،
فقال: العبد المسلم رجل من المسلمين، ذمته ذمتهم، رواه سعيد بن منصور، في
(سننه)، وعبد الرزّاق في ((مصنّفه))، وابن أبي شيبة في ((مصنّفه)).
ولأنه مسلم مكلف، فصح أمانه، كالحر، وما ذكروه من التهمة يبطل بما إذا أُذن له
في القتال، فإنه يصح أمانه، وبالمرأة فإنها أمانها يصح في قولهم جميعا، قالت عائشة: إن
كانت المرأة لتجير على المسلمين، فيجوز. وعن أم هانىء، أنها قالت: يا رسول الله،
إني أجرت أحمائي، وأغلقت عليهم، وإن ابن أمي أراد قتلهم، فقال لها رسول اللّه
وَ لثر: ((قد أجرنا من أجرت يا أم هانىء، إنما يجير على المسلمين أدناهم))، رواهما
سعيد، وأجارت زينب بنت رسول اللّه وَ لّر، أبا العاص بن الربيع، فأمضاه رسول الله
وأما الصبي المميز، فقال الموفّق في مذهب أحمد فيه روايتان:
[إحداهما]: لا يصح أمانه، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي؛ لأنه غير مكلف، ولا
يلزمه بقوله حكم، فلا يلزم غيره، كالمجنون.
[والثانية]: يصح أمانه، وهو قول مالك، وقيل: يصح أمانه رواية واحدة، وحُمِل