النص المفهرس
صفحات 301-320
١٠٢- (الكَفَلَةُ بالدَّيْن) - حديث رقم ٤٦٩٤ ٣٠١ = شريح، والشعبي، والنخعي: متى أفلس، أو مات رجع على صاحبه. وقال أبو حنيفة: يرجع عليه في حالين: إذا مات المحال عليه مفلسا، وإذا جحده، وحلف عليه عند الحاكم. وقال أبو يوسف ومحمد: يرجع عليه في هاتين الحالتين، وإذا حُجر عليه لفلس؛ لأنه رُوي عن عثمان أنه سئل عن رجل أحيل، فمات المحال عليه مفلسا يرجع بحقه، لا توى على مال امرىء مسلم، ولأنه عقد معاوضة، لم يسلم العوض فيه لأحد المتعاوضين، فكان له الفسخ، كما لو اعتاض بثوب فلم يسلم إليه . قال: ولنا إن حَزْنًا جد سعيد بن المسيب، كان له على علي رضي الله عنه دین، فأحاله به، فمات المحال عليه، فأخبره، فقال: اخترت علينا أبعدك اللّه، فأبعده بمجرد احتياله، ولم يخبره أن له الرجوع، ولأنها براءة من دين، ليس فيها قبض ممن عليه، ولا ممن يدفع عنه، فلم يكن فيها رجوع، كما لو برأه من الدين، وحديث عثمان لم يصح، يرويه خالد بن جعفر، عن معاوية بن قرة، عن عثمان، ولم يصح سماعه منه، وقد روي أنه قال في حوالة، أو كفالة، وهذا يوجب التوقف، ولا يصح، ولو صح كان قول علي مخالفا له. وقولهم: إنه معاوضة، لا يصح؛ لأنه يفضي إلى بيع الدين بالدين، وهو منهي عنه، ويفارق المعاوضة بالثوب؛ لأَنَّ في ذلك قبضا يقف استقرار العقد عليه، وههنا الحوالة بمنزلة القبض، وإلا كان بيع دين بدين. انتهى ((المغني)) ٦٠/٧ / ٦١. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه عامّة الفقهاء، وهو أن المحيل يبرأ بالحوالة، إذا وُجدت الشروط المذكورة سابقًا هو الأرجح؛ لظهور أدلّته، كما سبق. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب)). ١٠٢- (الْكَفَالَةُ بِالدَّيْنِ) قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((الكفالة)) بالفتح: اسم من كَفَلتُ بالمال والنفس كَفْلًا، من باب قتل، وكُفُولًا أيضًا. وحكى أبو زيد سماعًا من العرب من بابي تَعِبَ، وقَرُبَ. وحكى ابن القطّاع: كفلته، وكفلت به، وعنه: إذا تحمّلت به، ويتعدّ إلى مفعول ثان بالتضعيف، والهمزة، فتَحذِف الحرف فيهما، وقد ثبت مع المثقّل، قال ابن الأنباريّ: تكفّلتُ بالمال: التزمت به، وألزمته نفسي، وقال أبو زيد: تحملت به. ٣٠٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوعِ وقال في ((المجمع)): كفَلت به كفالةً، وكفلت عنه بالمال لغريمه، ففرَق بينهما، وكفلت الرجل، والصغير، من باب قتل كفالةً أيضًا: عُلْتُهُ، وقمتُ به، ويتعدّى بالتضعيف إلى مفعول ثانٍ، فيقال: كفلتُ زيدًا الصغيرَ، والفاعل من كفالة المال كفيلٌ به للرجل والمرأة، وقال ابن الأعرابيّ: وكافل أيضًا، مثلُ ضَمِين، وضامنٍ. وفَرَفَ الليث بينهما، فقال: الكفيلُ: الضامن، والكافل: هو الذي يَعُول إنسانًا، ويُنفَق عليه. انتهى. ((المصباح المنير)) ٥٣٦/٢ . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الكَفِيل، والضَمِين، والقَبِيل، والحَمِيل، والزَعِیم، والصَبِير، كلها بمعنى واحد. قال في ((المغني)): الضمان: ضم ذمة الضامن إلى ذمة المضمون عنه، في التزام الحق، فيثبت في ذمتهما جميعا، ولصاحب الحق مطالبة من شاء منهما، واشتقاقه من الضم، وقال القاضي: هو مشتق من الضمين؛ لأن ذمة الضامن تتضمن الحق. والأصل في جوازه الكتاب، والسنة، والإجماع: أما الكتاب، فقول اللَّه تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَآءَ بِهِ، حِمِلُ بَعِيرٍ وَأَنَأْ بِهِ، زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢]، وقال ابن عباس: الزعيم الكفيل، وأما السنة فما رُوي عن النبي وَلِّ، أنه قال: ((الزعيم غارم))، رواه أبو داود، والترمذي، وقال حديث حسن، وروى البخاري من حديث سلمة بن الأكوع، رضي الله تعالى عنه، قال: كنا جلوسا عند النبي وَّر، إذا أتي بجنازة، فقالوا: صَلِّ عليها، فقال: ((هل عليه دين؟))، قالوا: لا، قال: ((فهل ترك شيئا؟))، قالوا: لا، فصلى عليه، ثم أتي بجنازة أخرى، فقالوا: يا رسول الله، صل عليها، قال: ((هل عليه دين؟)) قيل: نعم، قال: ((فهل ترك شيئا؟)) قالوا: ثلاثة دنانير، فصلى عليها، ثم أتي بالثالثة، فقالوا: صل عليها، قال: ((هل ترك شيئا؟)) قالوا: لا، قال: ((فهل عليه دين؟)) قالوا: ثلاثة دنانير، قال: ((صلوا على صاحبكم))، قال أبو قتادة: صل عليه، يا رسول الله، وعليّ دينه، فصلى عليه)). وفي رواية ابن ماجه: ((فقال أبو قتادة: وأنا أتكفّل به)). وأجمع المسلمون على جواز الضمان في الجملة، وإنما اختلفوا في فروع، نذكر أهمّها، إن شاء الله تعالى. قال الموفّق رحمه الله تعالى: ولا بد في الضمان من ضامن، ومضمون عنه، ومضمون له، ولا بد من رضى الضامن، فإن أكره على الضمان لم يصح، ولا يعتبر رضى المضمون عنه، لا نعلم فيه خلافا؛ لأنه لو قضى الدين عنه بغير إذنه ورضاه صح، فكذلك إذا ضمن عنه، ولا يعتبر رضى المضمون له. وقال أبو حنيفة ومحمد: يعتبر؛ لأنه إثبات مال لآدمي، فلم يثبت إلا برضاه، أو رضى من ينوب عنه، كالبيع ١٠٢- (الْكَفَلَةُ بِالدَّين) - حديث رقم ٤٦٩٤ ٣٠٣ والشراء، وعن أصحاب الشافعي كالمذهبين. قال: ولنا أَنَّ أبا قتادة ضمن، من غير رضى المضمون عنه، فأجازه النبي وَّل، وكذلك رُوي عن علي رضي الله عنه، ولأنها وثيقة، لا يعتبر فيها قبض، فأشبهت الشهادة، ولأنه ضمان دين، فأشبه ضمان بعض الورثة دين الميت للغائب، وقد سلموه. انتهى ((المغني)) ٧٢/٧١/٧. وهو بحث نفيس جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب . ٤٦٩٤- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدْ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ، أُتِيَ بِهِ النَّبِيُّ ◌َّهِ، لِيُصَلَّيَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: ((إِنَّ عَلَى صَاحِبِكُمْ دَيْنَا))، فَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ: أَنَا أَتَكَفَّلُ بِهِ، قَالَ: ((بِالْوَفَاءِ؟)) قَالَ: بِالْوَفَاءِ). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا. و((محمد بن عبد الأعلى)): هو الصنعانيّ البصريّ. و((خالد)): هو ابن الحارث الْهُجَيميّ البصريّ. و((عثمان بن عبد الله بن موهَب)): هو المدنيّ الأعرج، ثقة [٤] ٥٪ ٤٦٨ . [تنبيه]: وقع في نسخ ((المجتبى)) في هذا السند: ((حدثنا سعيد)) بل شعبة، وهو غلطٌ، والصواب: ((حدّثنا شعبة))، كما في (تحفة الأشراف)) ٢٥٠/٩- وهو الذي في ((جامع الترمذيّ)) رقم ١٠٦٩ - و((سنن ابن ماجه)) رقم ٢٤٠٧ - وقد تقدّم للمصنّف في (الجنائز)) ٦٧ / ١٩٦٠ - على الصواب، فتنبه. [تنبيه آخر]: من الغريب أنه سقط من ((الكبرى)) أصلًا، فليس فيها لا ((سعيد))، ولا ((شعبة))، بل فيه: ((حدّثنا خالد، عن عثمان بن عبد الله بن موهَب))، وألحق محققها من ((المجتبى)): بين قوسين [حدثنا سعيد] وهو غلط كما عرفت. فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقوله: ((بالوفاء)): أي أتتكفّل بوفاء دينه لصاحبه؟. والحديث صحيحٌ، وقد تقدّم في ((الجنائز)) شرحه، وبيان مسائله، ولنتكلّم هنا على ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو البحث عن الكفالة، ففيه مسائل: (المسألة الأولى): في اختلاف أهل العلم في الكفالة بالمجهول: قد تقدّم أَنَّهُ أجمع المسلمون على جواز الكفالة في الجملة، وإنما اختلفوا في فروع، فمنها: صحة الكفالة بالمجهول، كأن يقول: أنا ضامن لك ما لك على فلان، أو ما يُقضَى به عليه، أو ما تقوم به البينة، أو يقر به لك، فقال أبو حنيفة، ومالك، وأحمد: صحت الكفالة، وقال الثوري: والليث، وابن أبي ليلى، والشافعي، وابن المنذر: لا = ٣٠٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع تصح؛ لأنه التزام مال، فلم يصح مجهولا، كالثمن في المبيع. واحتجّ الأولون بقول الله تعالى: ﴿وَلِمَن جَاءَ بِهِ، حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢]، وحمل البعير غير معلوم؛ لأن حمل البعير يختلف باختلافه، وبعموم قوله وَسِير: ((الزعيم غارم))، وهو حديث صحيح، ولأنه التزام حق في الذمة، من غير معاوضة، فصح في المجهول كالنذر، والإقرار، ولأنه يصح تعليقه بضرر وخطر، وهو ضمان العهدة. أفاده في ((المغني)) ٧/ ٧٢ - ٧٣. قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ما ذهب إليه الأولون، من جواز الكفالة بالمجهول هو الأرجح عندي؛ لوضوح أدلّته، كما سبق. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية): في اختلاف أهل العلم في جواز الكفالة عن الميت: ذهب الجمهور إلى أنه يصحّ الضمان عن كل من وجب عليه حق، حيّا كان أو ميتا، مليئا أو مفلسا؛ لعموم النصّ، وقال أبو حنيفة: لا يصح ضمان دين الميت، إلا أن يَخلُف وفاء، فإن خلف بعض الوفاء صح ضمانه بقدر ما خلف؛ لأنه دين ساقط، فلم يصح ضمانه، كما لو سقط بالإبراء، ولأن ذمته قد خرجت خرابا، لا تُعمّر بعده، فلم يبق فيها دين، والضمان ضم ذمة إلى ذمة في التزامه . واحتجّ الأولون بحديث أبي قتادة ◌َّه ، المذكور في الباب، فإنه نصّ في المسألة، فإنه رَّه إنما ضمن دين ميت لم يخلف وفاء، والنبي ◌َّر حضهم على ضمانه، فضمن أبو قتادة رَّه . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ما ذهب إليه الجمهور من صحّة الكفالة عن الميت هو الحقّ؛ لوضوح دليله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم فيمن يصح ضمانه ومن لا يصح: قال في ((المغني)): يصحّ ضمان كل جائز التصرف في ماله، سواء كان رجلا أو امرأة؛ لأنه عقد يُقصد به المال، فصح من المرأة كالمبيع، ولا يصح من المجنون، ولا من صبي غير مميز، بغير خلاف؛ لأنه إيجاب مال بعقد، فلم يصح منهم، كالنذر، ولا يصح في السفيه المحجور عليه، ذكره أبو الخطاب، وهو قول الشافعي، وقال القاضي: يصح، ويتبع بعد فك الحجر عنه؛ لأن من أصلنا إن إقراره صحيح، يُتَبع به من بعد فك الحجر عنه، فكذلك ضمانه، والأول أولى؛ لأنه إيجاب مال بعقد، فلم يصح منه، كالبيع والشراء، ولا يشبه الإقرار، لأنه إخبار بحق سابق. وأما الصبي المميز فلا يصح ضمانه في الصحيح من الوجهين، وهو قول الشافعي، وخرجه أصحابنا على ٣٠٥ = ١٠٢- (الكَفَلةُ بِالدَّيْن) - حديث رقم ٤٦٩٤ الروايتين في صحة إقراره وتصرفاته، بإذن وليه، ولا يصح هذا الجمع؛ لأن هذا التزام مال، لا فائدة له فيه، فلم يصح منه كالتبرع، والنذر، بخلاف البيع. قال: ولا يصح ضمان العبد بغير إذن سيده، سواء كان مأذونا له في التجارة، أو غير مأذون له، وبهذا قال ابن أبي ليلى، والثوري، وأبو حنيفة، ويحتمل أن يصح، ويتبع به بعد العتق، وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي؛ لأنه من أهل التصرف فصح تصرفه بما لا ضرر على السيد فيه كالإقرار بالإتلاف، ووجه الأول أنه عقد تضمن إيجاب مال، فلم يصح بغير إذن، كالنكاح وقال أبو ثور: إن كان من جهة التجارة جاز، وإن كان من غير ذلك لم يجز، فإن ضمن بإذن سيده صح؛ لأن سيده لوأذن له في التصرف صح. انتهى ((المغني)) باختصار ٧٩/٧-٨٠. وهو بحث نفيس جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم هل يبرأ المكفول عنه بنفس الكفالة أم لا؟ : ذهب الثوريّ، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد، وأصحاب الرأي إلى أن المكفول عنه لا يبرأ بنفس الضمان، كما يبرأ المحيل بنفس الحوالة قبل القبض، بل يثبت الحق في ذمة الضامن، مع بقائه في ذمة المضمون عنه، فلصاحب الحق مطالبة من شاء منهما في الحياة، وبعد الموت. وذهب أبو ثور إلى أن الكفالة، والحوالة سواء، وكلاهما ينقل الحق عن ذمة المضمون عنه والمحيل، وحكي ذلك عن ابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وداود، واحتجوا بما رَوَى أبو سعيد الخدري رَّه قال: كنا مع النبي ◌َّر في جنازة، فلما وُضعت، قال: ((هل على صاحبكم من دين؟)) قالوا: نعم درهمان، فقال: ((صلوا على صاحبكم))، فقال علي ◌َّ: هما علي يا رسول الله، وأنا لهما ضامن، فقام رسول اللَّه ◌َله، فصلى عليه، ثم أقبل على علي، فقال: ((جزاك الله خيرا عن الإسلام، وفَكَّ رهانك، كما فككت رهان أخيك))، فقيل: يا رسول اللّه هذا لعلي خاصة، أم للناس عامة؟ فقال: ((للناس عامة))(١)، رواه الدارقطني في ((سننه)) ٤٧/٣. فدلّ على أن المضمون عنه برىء بالضمان، ورَوَى الإمام أحمد في ((المسند)) عن جابر ◌َّه قال: توفي صاحب لنا، فأتينا النبي بَّر، ليصلي عليه، فخطا خطوة، ثم قال: ((أعليه دين؟)) قلنا: ديناران، فانصرف، فتحملهما أبو قتادة، فقال: الديناران (١) رواه الداقطنيّ في ((سننه)) ٤٧/٣، وفي إسناده عطاء بن عجلان البصريّ، متروك، والراوي عنه إسماعيل بن عيّاش، وهو إذا روى عن غير أهل بلده ضعيف الحديث، وهذا منه، فتنبه. ٣٠٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع علي، فقال رسول اللَّه ◌َّيقول: ((وجب حق الغريم، وبرىء الميت منهما؟)) قال: نعم، فصلى عليه، ثم قال بعد ذلك: ((ما فعل الديناران؟، قال: إنما مات أمس، قال: فعاد إليه من الغد، فقال: قد قضيتهما، فقال رسول اللّه وَ الر: ((الآن بردت جلدته))(١)، وهذا صريح في براءة المضمون عنه؛ لقوله: ((وبرىء الميت منهما))، ولأنه دين واحد، فإذا صار في ذمة ثانية برئت الأولى منه، كالمحال به، وذلك لأن الدين الواحد لا يحل في محلین . ولنا قول النبي ◌ُّر: ((نفس المؤمن معلقة بدينه، حتى يُقضَى عنه))، وقوله في خبر أبي قتادة: ((الآن بَرَّدتَّ جلدته))، حين أخبره أنه قضى دينه، ولأنهما وثيقة فلا تنقل الحق كالشهادة، وأما صلاة النبي ◌َّ على المضمون عنه، فلأنه بالضمان صار له وفاء، وإنما كان النبي وَلّ، يمتنع من الصلاة على مدين، لم يَخلُف وفاء، وأما قوله لعلي رَمّه: ((فَك الله رهانك، کما فککت رهان أخیك))، فإنه كان بحال لا يصلي عليه النبي ◌ّ، فلما ضمنه فكه من ذلك، أو مما في معناه، وقوله: ((برىء الميت منهما)) صرت أنت المطالب بهما، وهذا على سبيل التأكيد؛ لثبوت الحق في ذمته، ووجوب الأداء عليه، بدليل قوله في سياق الحديث حين أخبره بالقضاء: ((الآن بردت عليه جلدته))، ويفارق الضمان الحوالة، فإن الضمان مشتق من الضم، فيقضي الضم بين الذمتين، في تعلق الحق بهما، وثبوته فيهما، والحوالة من التحول، فتقتضي تحول الحق من محله إلى ذمة المحال عليه، وقولهم: إن الدين الواحد لا يَحُل في محلين، قلنا: يجوز تعلقه بمحلين على سبيل الاستيثاق، كتعلق دين الرهن به، وبذمة الراهن. انتهى ((المغني)) ٧/ ٨٤-٨٦ . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه الأولون من أن المكفول عنه لا يبرأ بالكفالة، وأن لصحاب الحق مطالبة أيهما شاء هو الصواب؛ لما ذُكر من الأدلّة، وأما ما استدلّ به الآخرون من الحديثين فلا حجة فيه؛ لأنهما ضعيفان، فإن الأول في إسناده عطاء بن عجلان البصريّ، وهو متروك، والراوي عنه إسماعيل بن عيّاش، وهو إذا روى عن غير أهل بلده ضعيف الحديث، وهذا منه. والثاني في سنده عبد الله بن محمد بن عقيل مختلف فيه، وفي ((التقريب)): صدوق، في حديثه لين، ويقال: تغيّر بآخره. انتهى . والحاصل أن المذهب الأول هو الحقّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) رواه أحمد في ((مسنده) ٣٣٠/٣ وفي سنده عبد الله بن محمد بن عقيل مختلف فيه، وفي ((التقريب)): صدوق، في حديثه لين، ويقال: تغيّر بآخره. انتهى. ٣٠٧ = ١٠٢- (الكَفَلةُ بالدَّيْن) - حديث رقم ٤٦٩٤ (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم الكفالة بالنفس : ذهب أكثر أهل العلم إلى أن الكفالة بالنفس صحيحة، وهو مذهب شريح، ومالك، والثوري، والليث، وأبي حنيفة. وقال الشافعي في بعض أقواله: الكفالة بالبدن ضعيفة، واختلف أصحابه، فمنهم: من قال: هي صحيحة قولا واحدا، وإنما أراد أنها ضعيفة في القياس، وإن كانت ثابتة بالإجماع والأثر، ومنهم: من قال: فيها قولان: أحدهما: أنها غير صحيحة؛ لأنها كفالة بعين، فلم تصح، كالكفالة بالوجه، وبدن الشاهدین . واحتجّ الأولون بقول الله تعالى: ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَمُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْنِقًا مِّنَ اللَّهِ لَأْنُنَِّى بِهِ، إِلَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ﴾ الآية [يوسف: ٦٦]، ولأن ما وجب تسليمه بعقد، وجب تسليمه بعقد الكفالة كالمال. إذا ثبت هذا، فإنه متى تعذر على الكفيل إحضار المكفول به مع حياته، وامتنع من إحضاره لزمه ما عليه، وقال أكثرهم: لا يغرم، والصحيح الأول؛ لعموم قوله وَالآتى : ((الزعيم غارم))، وهو حديث صحيح، كما تقدّم؛ ولأنها أحد نوعي الكفالة، فوجب بها الغرم، كالكفالة بالمال(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: اختلفوا في الكفالة ببدن من عليه حدٍّ، سواء كان حقا للَّه تعالى، كحد الزنا، والسرقة، أو الآدمي، كحد القذف والقصاص، فذهب أحمد، إلى عدم صحته، قال الموفّق: وهو قول أكثر أهل العلم، منهم: شريح، والحسن، وبه قال إسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، وبه قال الشافعي في حدود الله تعالى، واخْتَلَف قوله في حدود الآدمي، فقال في موضع: لا كفالة في حدود الآدمي، ولا لعان، وقال في موضع: تجوز الكفالة بمن عليه حق، أو حدّ؛ لأنه حق لآدمي، فصحت الكفالة به كسائر حقوق الآدميين. واحتجّ الأولون بما أخرجه البيهقيّ في ((السنن الكبرى)) عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ◌َّر، أنه قال: ((لا كفالة في حد))، ولأنه حد فلم تصح الكفالة فيه، كحدود الله تعالى؛ ولأن الكفالة استيثاق، والحدود مبناها على الإسقاط والدرء بالشبهات، فلا يدخل فيها الاستيثاق، ولأنه حق لا يجوز استيفاؤه من الكفيل، إذا تعذر عليه إحضار المكفول به، فلم تصح الكفالة بمن هو عليه كحد الزنا. قاله في ((المغني)) ٩٨/٧-٩٩ . (١) راجع ((المغني)) ٧ / ٩٦ - ٩٧ . ٣٠٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: حديث: ((لا كفالة في حدّ)) ضعيف؛ لأن في سنده بقيّة بن الوليد، وشيخه عمر بن أبي عمر الكلاعيّ من مشايخ بقية المجهولين، وقال ابن عديّ: منكر الحديث(١) . لكن الذي يظهر لي عدم صحة الكفالة في الحدود؛ لما ذكره ابن قدامة من أن مبنى الحدود على الإسقاط، والدرء بالشبهات، فالظاهر أنه لا يشرع فيها الاسيثاق بالكفالة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)) . ١٠٣- (التَّرْغِيبُ فِي حُسْنِ الْقَضَاءِ) ٤٦٩٥- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ وَكِيعِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ صَالِحِ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللّهِ نَّ، قَالَ: ((خِيَارُكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءٌ))). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا. و((عليّ بن صالح)): هو ابن صالح بن حيّ الهمدانيّ، أبو محمد الكوفيّ، أخو حسن، ثقة عابدٌ [٧] ١٩٢/ ٣٠٧. و((أبو سلمة)): هو ابن عبد الرحمن بن عوف المدنيّ الفقيه . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في ٦٤ / ٤٦٢٠ باب (استسلاف الحيوان، واستقراضه))، ودلالته على ما ترجم له المصنّف واضحة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنیب)). (١) راجع ((إرواء الغليل)) ٢٤٧٢٤٨/٥. ٣٠٩ = ١٠٤- (حُسْنُ الْمُعَامَلَةِ، وَالرَّفِقِ فِي الْمُطَالَبَةِ) - حديث ٤٦٩٦ ١٠٤ - (حُسْنُ الْمُعَامَلَةِ، وَالرِّفِقِ فِي الْمُطَالَبَةِ) ٤٦٩٦- (أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللّهِ يَِّ، قَالَ: ((إِنَّ رَجُلًا لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ، وَكَانَ يُدَايِنُ النَّاسَ، فَيَقُولُ لِرَسُولِهِ: خُذْ مَا تَيَسَّرَ، وَاتْرُكْ مَا عَسُرَ، وَتَجَاوَزْ، لَعَلَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنَّ، فَلَمَّ هَلَكَ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ: هَلْ عَمِلْتَ خَيْرًا قَطُّ، قَالَ: لَا، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ لِي غُلَامٌ، وَكُنْتُ أُدَايِنُ النَّاسَ، فَإِذَا بَعَثْتُهُ لِيَتَقَاضَى، قُلْتُ لَهُ: خُذْ مَا تَسَّرَ، وَاتْرُكْ مَا عَسُرَ، وَتَجَاوَزْ، لَعَلَّ اللَّهَ يَتَجَاوَزُ عَنَّا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَدْ تَجَاوَزْتُ عَنْكَ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (عيسى بن حمّاد) بن مسلم التجيبي، أبو موسى المصريّ الملقّب بزُغْبة، ثقة [١٠] ٢١١/١٣٥ . ٢- (الليث) بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي، أبو الحارث المصري، ثقة ثبت فقيه إمام مشهور [٧] ٣٥/٣١ . ٣- (ابن عجلان) هو محمد المدنيّ، صدوق، اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة [٥] ٣٦/ ٤ . ٤- (زيد بن أسلم) العدوي مولاهم المدنيّ، ثبت يرسل [٣] ٨٠/٦٤ . ٥- (أبو صالح) ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، ثقة ثبت [٣] ٤٠/٣٦. ٦- (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه١/١ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، وشيخ شيخه، فمصريّان. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين، يروي بعضهم عن بعض: ابن عجلان، عن زيد، عن أبي صالح. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَّهِ (عَنْ رَسُولِ اللّهِ وََّ) أنه (قَالَ: ((إِنَّ رَجُلًا لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطْ) أي فيما مضى من عمره (وَكَانَ يُدَايِنُ النَّاسَ) أي يتعامل معهم بالدين بأن يبيع لهم إلى أجل ٣١٠ === شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع (فَيَقُولُ لِرَسُولِهِ) الذي يرسله ليستوفي له الديون من الناس (خُذْ مَا تَيَسَّرَ) أي للمديون أدؤه (وَاتْرُكْ مَا عَسُرَ) بضم السين المهملة، وكسرها: أي ما صعُب عليه، يقال: عَسُر الأمر عُسْرًا، مثل قَرُب قُرْبًا، وعَسَارَةً بالفتح، فهو عسير: أي صَعْبٌ شديدٌ، ومنه قيل للفقر: عُسْرٌ، وعَسِرَ الأمر عَسَرًا، فهو عَسِرٌ، من باب تَعِبَ، وتعسّر، واستعسر كذلك. قاله في ((المصباح)) (وَتَجَاوَزْ) أي لا تتعرّض له بمطالبة ما يشقّ عليه (لَعَلَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنَّا) قال السنديّ: ((أن)) زائدة دخلت في خبر ((لعلّ)) تشبيها لها بـ((عسى)) (فَلَمَّا هَلَكَ) أي مات ذلك الرجل المذكور (قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ: هَلْ عَمِلْتَ خَيْرًا قَطَّ؟) وفي حديث أبي مسعود رَّه عند مسلم رفعه: (( حوسب رجل ممن كان قبلكم، فلم يوجد له من الخير شيءن إلا أنه كان يخالط، وكان موسرًا ... )) الحديث. وفي رواية عند مسلم أيضًا: (أُتي الله بعبد من عباده آتاه الله مالًا، فقال له: ما عملت في الدنيا؟- قال: ﴿ولا يكتمون الله حديثًا﴾- قال: يا رب آتيتني مالك، فكنت أبايع الناس، وكان خلقي الجواز ... )) الحديث، وفي رواية: ((فيقول: يا رب ما عملت لك شيئًا أرجو به كثيرًا، إلا أنك كنت أعطيتني فضلا من مال ... )) الحديث (قَالَ) الرجل (لَا) أي لم أعمل خيرًا قط. قال أبو العباس القرطبيّ رحمه الله تعالى: هذا العموم مخصّصٌ قطعًا بأنه كان مؤمنًا، ولولا ذلك لما تجاوز عنه، ف: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وهل كان قائما بفرائض دينه من الصلاة، والزكاة، وما أشبههما؟ هذا هو الأليق بحاله، فإن هذا الحديث يشهد بأنه كان ممن وُقي شُحّ نفسه، وعلى هذا فيكون معنى هذا العموم أنه لم يوجد له شيء من النوافل إلا هذا. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قوله: ((هذا هو الأليق بحاله)) فيه نظر؛ لأنه ينافيه قوله: ((لم يعمل خيرًا قط))، فالظاهر أن النفي على عمومه عدا الإيمان، فيكون المعنى أنه لم يعمل خيرًا زائدا على الإيمان. والله تعالى أعلم. قال: ويحتمل أن يكون له نوافل أُخّر، غير أن هذا كان الأغلب عليه، فنودي به، وجُوزي عليه، ولم یذکر غيره اكتفاء بهذا. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الاحتمال أبعد من الذي قبله، فتأمّل. والله تعالى أعلم. قال: ويحتمل أن يكون المراد بالخير: المال، فيكون معناه أنه لم يوجد له فعل برّ في المال إلا ما ذُكر من إنظار المعسر. انتهى كلام القرطبيّ(١). (١) ((المفهم)) ٤/ ٤٣٧. ٣١١ = ١٠٤ - (حُسْنُ الْمُعَامَلَةِ، وَالرَّفِقِ فِي الْمُطَالَبَةِ) - حديث ٤٦٩٦ قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الاحتمال أيضًا مثل سابقه؛ لأنه لا دليل على هذا التخصيص، فتأمل. والحاصل أن الأظهر إجراؤه على عمومه. والله تعالى أعلم. (إِلَّا أَنَّهُ كَانَ لِي غُلَامٌ) أي خادم (وَكُنْتُ أُدَايِنُ النَّاسَ، فَإِذَا بَعَثْتُهُ) أي الغلام (لِيَتَفَاضَى) أي ليقبض الدين (قُلْتُ لَهُ: خُذْ مَا تَيَسَّرَ) ولفظ ((الكبرى)): ((ما يَسُرَ)): أي ما قلّ، أو سَهُل، يقال: يسُر الشيءُ مثلُ قرُب: قَلَّ، فهو يسيرٌ، ويَسِرَ الأمرُ يَيْسَرُ يَسَرًا، من باب تَعِبَ، ويِسُرَ يُسْرًا، من باب قرب، فهو يسيرٌ: أي سَهْلٌ، ويسّره الله، فتيسّر، واستتير بمعنى. قاله الفيّوميّ(١). (وَاتْرُكْ مَا عَسُرَ) وفي نسخة: ((ما تعسّر)) (وَتَجَاوَزْ) قال في ((الفتح)): ويدخل في لفظ التجاوز الإنظار، والوضيعة، وحسن التقاضي. انتهى (٢) (لَعَلَّ اللَّهَ يَتَجَاوَزُ عَنَّا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَدْ تَجَاوَزْتُ عَنْكَ) أي عفوت عن ذنوبك، وغفرتها لك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة ◌َّه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ٤٦٩٦/١٠٤ و٤٦٩٧ - وفي (الكبرى)) ٦٢٩٣/١٠٦ و٦٢٩٤ . وأخرجه (خ) في (البيوع)) ٢٠٧٨ و((أحاديث الأنبياء)) ٣٤٨٠ (م) في ((البيوع)) ١٥٦٢ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ٧٥٢٥. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حسن المعاملة، والرفق في المطالبة. (ومنها): بيان أن شريعة من قبلنا شريعة لنا، إذا لم يرد في شرعنا ما يردّه، وهذا هو الصحيح من قولي العلماء في المسألة، وهو مذهب المصنف، والبخاري، ومسلم، وغيرهما، حيث أوردوا هذا الحديث مستدلين به على ما ترجموا له. (ومنها): فضل إنظار المعسر، والوضع عنه إما كل الدين، وإما بعضه. (ومنها): فضل المسامحة في الاقتضاء، والاستيفاء، سواء كان من معسر أو موسر. (ومنها): فضل الوضع من (١) ((المصباح المنير)) ٢ /٦٨٠. (٢) ((الفتح)) ٣١/٥. = ٣١٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع الدين، وأنه لا يُحتقر شيء من أفعال الخير، فلعله سبب سعادة العبد، وسبب رحمة الله تعالى له. (ومنها): أن اليسير من الحسنات إذا كان خالصًا لله، كفّر كثيرًا من السيّئات. (ومنها): جواز توكيل العبيد، والإذن لهم في التصرّف. (ومنها): أن الأجر يحصل لمن يأمر به، وإن لم يتولّ ذلك بنفسه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٦٩٧- (أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْتِى، قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّبَيْدِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: إِنَّ النَّبِيِّ نَِّ قَالَ: ((كَانَ رَجُلٌ يُدَايِنُ النَّاسَ، وَكَانَ إِذَا رَأَى إِغْسَارَ الْمُعْسِرٍ، قَالَ لِفَتَاهُ: تَجَاوَزْ عَنْهُ، لَعَلَّ اللَّهَ تَعَالَى يَتَجَاوَزُ عَنَّا، فَلَقِيَ اللَّهَ، فَتَجَاوَزَ عَنْهُ))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا غير مرّة. و((هشام بن عمار)): هو الدمشقيّ الخطيب المقرىء، كبر، فصار يتقن، فحديثه القديم أصحّ، من كبار [١٠] ٢٠٢/١٣٤. و(يحيى)): هو ابن حمزة بن واقد أبو عبد الرحمن الدمشقي القاضي، ثقة رُمي بالقدر [٨] ١٧٦٨/٦٠. و((الزبيدي)): هو محمد ابن الوليد، أبو الهذيل الحمصي الثقة الثبت [٧]. و((عبيد الله بن عبد اللَّه)): هو ابن عتبة بن مسعود المدني الثقة الفقيه [٣] . وقوله: ((لفتاه)): أي لخادمه. وقوله: ((تجاوز عنه)): التجاوز والتجوّز معناهما: المسامحة في الاقتضاء، والاستيفاء، وقبول ما فيه نقص يسير. والحديث متّفق عليه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٦٩٨ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّةَ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ فَرُوخَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفََّنَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ: ((أَدْخَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ رَجُلًا كَانَ سَهْلًا مُشْتَرِيًا، وَبَائِعًا، وَقَاضِيًّا، وَمُقْتَضِيَا الْجَنَّةَ))). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ) الجزريّ، أبو عبد الرحمن الأَذْرَميّ - بفتح الهمزة، وسكون المعجمة، وفتح الراء- الموصليّ، ثقة [١٠] ٥٠٣/٦. من أفراد المصنف وأبي داود. ٢- (إسماعيل ابن عُليّة) هو ابن إبراهيم البصريّ، ثقة ثبت [٨] ١٩/١٨. ٣- (يونس) بن عبيد بن دينار العبديّ، أبو عبيد البصريّ، ثقة ثبت فاضل ورعٌ [٥] ٣١٣ ١٠٤ - (حُسْنُ الْمُعَامَلَةِ، وَالرَّفِقِ فِي الْمُطَالبَةِ) - حديث ٤٦٩٨ ١٠٩/٨٨. ٤- (عطاء بن فزّوخ) -بفتح الفاء، وتشديد الراء المضمومة، وآخره معجمة- المدنيّ، نزيل البصرة، مقبول [٣] . روى عن عثمان بن عفان، وابن عمر، وابن عمرو. وعنه يونس بن عبيد، وعليّ بن زيد بن جُدعان. ذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: عداده في أهل المدينة، كان انتقل إلى البصرة. وذكر ابن المدينيّ في ((العلل)) أنه لم يلق عثمان رَمّه. تفرد به المصنف، وابن ماجه، وله عندهما هذا الحديث فقط . ٥- (عثمان بن عفّان) الخليفة الراشد رضي الله تعالى عنه ٨٤/٦٨. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّنَ) رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّهِ: ((أَدْخَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ رَجُلًا كَانَ سَهْلًا مُشْتَرِيّا) منصوب على الحال من اسم ((كان))، وكذا ما بعده. يعني أنه كان ليّنًا في حال شرائه، بأن لا يشدّد في طلب الحط عن ثمنه، وأن لا يماطل في دفعه (وَبَائِعًا) أي وسهلًا لينا في حال بيعه بأن لا يبالغ في مدح السلعة حتى يغرّ المشتري، وأن لا يُخفي ما فيها من العيوب، وإن كان يسيرًا (وَقَاضِيًا) أي سهلًا ليّنًا في حال قضائه الدين، بأن لا يماطل، ولا ينتقص من عددها، أو صفتها (وَمُقْتَضِيًا) أي سهلًا لينا في حال استيفائه حقّه من غرمائه، بأن لا يغلظ لهم القول، ويشدّد في مطالبتهم. وقوله (الْجَنَّةَ) بالنصب مفعول ثان لأدخل. [فائدة]: قد اختلف النحاة في المنصوب في نحو قولك: دخلت المسجد، وسكنت البيت، وذهبت الشام، فقيل: منصوب على التوسع بإسقاط الخافض، فهو من قبيل المفعول به على الاتساع بإسقاط ((في))، والأصل دخلت في المسجد، وسكنت في البيت، وهو مذهب الفارسيّ، وطائفة، واختاره ابن مالك. وقيل: إنه منصوب على الظرفية تشبيها له بالمبهم، وهو مذهب الشلوبين، واختاره ابن الحاجب. وقيل: إنه مفعول به، وعليه الأخفش، وجماعة (١). وقال ابن منظور: ما حاصله: الصحيح فيه أن أصله دخلت إلى البيت، فحذف حرف الجرّ، وانتصب انتصاب المفعول به؛ وذلك لأن الأمكنة على ضربين: مبهم، ومحدود، فالمبهم نحو الجهات الستّ، خلف، وقُدّام، ويمين، وشمال، وفوق، (١) انطر ((الكوكب الدرّيّة شرح المتمّمة الأجرومية)) ٢٠/٢-٢١. ٣١٤ == شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوعِ وتحت، وما جرى مجرى ذلك من أسماء الجهات، كأمام، ووراء، وأعلى وأسفل، ونحوها، فهذا وما أشبهه من الأمكنة يكون ظرفًا؛ لأنه غير محدود، ألا ترى أن خلفك قد يكون قدّاما لغيرك. وأما المحدود الذي له أقطار تحويه، نحو الجبل، والوادي، والسوق، والمسجد، والدار، فلا يكون ظرفًا؛ لأنك لا تقول: قعدت الدار، ولا صلّيت المسجد، ولا نِمتُ الجبل، ولا قمت الوادي، وما جاء من ذلك، فإنما هو بحذف حرف الجرّ، نحو دخلت البيت، وصعدت الجبل، ونزلت الوادي. انتهى خلاصةُ ما قاله ابن منظور باختصار في مادة ((دخل)»(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته : حديث عثمان بن عفّان رضي اللَّه تعالى عنه هذا حسنٌ. [فإن قلت]: كيف يكون حسنًا، وفيه عطاء بن فرّوخ، وقال عنه في ((التقريب)): مقبول، فيحتاج إلى متابع، وأيضًا تقدم عن ابن المديني ما يدلّ على أنه منقطع؟. [قلت]: إنما كان حسنًا؛ لشواهده، فقد أخرج البخاريّ في ((صحيحه)) من حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنهما، أن رسول اللَّه وَّر قال: ((رحم الله رجلا سمحا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى)). وأخرج الترمذي، والحاكم من حديث أبي هريرة رَطّه، مرفوعًا: ((إن الله يحبّ سمح البيع، سمح الشراء، سمح القضاء،)). والحاصل أن حديث عثمان رَّ هذا حسن؛ لما ذكر. والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-١٠٤ / ٤٦٩٨ - وفي ((الكبرى)) ٦٢٩٥/١٠٦. وأخرجه (ق) في (الأحكام)) ٢٢٠٢ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان حسن العاملة، والرفق في المطالبة. (ومنها): الحضّ على استعمال معالي الأخلاق، وترك المشاحّة. (ومنها): الحضّ على ترك التضييق على الناس في المطالبة، وأخذ العفو عنهم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) انظر ((لسان العرب)) ٢٣٩/١١ -٢٤٠. ٣١٥ ١٠٥ - (الشَّرِكَةُ بِغَيْرِ مَالٍ) - حديث رقم ٤٦٩٩ ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)) . ١٠٥ - (الشَّرِكَةُ بِغَيْرِ مَالٍ) قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((الشركة)) بفتح الشين المعجمة، وكسر الراء، وبكسر أوله، وسكون الراء، وقد تُحذف الهاء، وقد يُفتح أوّله مع ذلك، فتلك أربع لغات، وهي شرعًا: ما يَحدُث بالاختيار بين اثنين، فصاعدًا من الاختلاط لتحصيل الربح، وقد تحصل بغير قصد، كالإرث. قاله في ((الفتح)) ٤٢٥/٥ . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى - أعني الشركة بغير مال- يسمّى عند الفقهاء شركة الأبدان، وهو- كما قال في ((المغني)) -: أن يشترك اثنان، أو أكثر فيما يكتسبونه بأيديهم، كالصُّنَّع، يشتركون على أن يعملوا في صناعاتهم، فما رزق اللَّه تعالى فهو بينهم. وقد اختلف أهل العلم في جواز شركة الأبدان، فجوّزها أحمد، ومالك، في المباح، والصنائع، وجوّزها أبو حنيفة في الصنائع فقط، وأبطلها الشافعيّ مطلقًا، قال في ((المغني)): فإن اشتركوا فيما يكتسبون من المباح، كالحطب، والحشيش، والثمار المأخوذة من الجبال، والمعادن، والتلصص على دار الحرب، فهذا جائز، نص عليه أحمد في رواية أبي طالب، فقال: لا بأس أن يشترك القوم بأبدانهم، وليس لهم مال، مثل الصيادين، والنقالين، والحمالين، قد أشرك النبي وَّر، بين عمار، وسعد، وابن مسعود » ، فجاء سعد بأسيرين، ولم يجيئا بشيء. وفسر أحمد صفة الشركة في الغنيمة، فقال: يشتركان فيما يصيبان، من سَلَب المقتول؛ لأن القاتل يختص به، من دون الغانمين، وبهذا قال مالك. وقال أبو حنيفة: يصح في الصناعة، ولا يصح في اكتساب المباح، كالاحتشاش، والاغتنام؛ لأن الشركة مقتضاها الوكالة، ولا تصح الوكالة في هذه الأشياء؛ لأن من أخذها ملكها. وقال الشافعي: شركة الأبدان كلها فاسدة؛ لأنها شركة على غير مال، فلم تصح، كما لو اختلفت الصناعات . واحتجّ الأولون بحيث ابن مسعود رَاتُّه المذكور في الباب، قالوا: ومثل هذا لا يخفى على رسول اللّه وَير، وقد أقرهم عليه، وقال أحمد: أشرك بينهم النبي وَّ. ٣١٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لكن الحديث فيه انقطاع، إلا أن بعض أهل العلم كالترمذيّ، يصحّح، أو يُحسّن رواية أبي عبيدة، عن أبيه، والظاهر لكون الواسطة بينه وبين أبيه ثقات، كالأسود، وعلقمة، وعَبيدة السلمانيّ، ونحوهم، قال الحافظ ابن رجب تَخّْلهُ في ((شرح علل الترمذي)): قال ابن المديني في حديث يرويه أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه: هو منقطع، وهو حديث ثبت. وقال يعقوب بن شيبة: إنما استجاز أصحابنا أن يدخلوا حديث أبي عبيدة عن أبيه في المسند - يعني في الحديث المتصل - لمعرفة أبي عبيدة بحديث أبيه وصحتها، وأنه لم يأت فيها بحديث منكر. انتهى(١). والظاهر أن الإمام أحمد رحمه الله ممن يرى صحة هذا السند؛ ولذا احتجّ بهذا الحديث على صحّة شركة الأبدان، والله تعالى أعلم. [فإن قيل]: فالمغانم مشتركة بين الغانمين، بحكم اللَّه تعالى، فكيف يصح اختصاص هؤلاء بالشركة فيها؟، وقال بعض الشافعية: غنائم بدر كانت لرسول الله وَّر، وكان له أن يدفعها إلى من شاء، فَيَحتَمِل أن يكون فعل ذلك لهذا؟. [قلنا]: أما الأول، فالجواب عنه أن غنائم بدر، كانت لمن أخذها من قبل أن يُشرّك الله تعالى بينهم، ولهذا نقل أن النبي وَ لّ قال: ((من أخذ شيئا فهو له))(٢)، فكان ذلك من قبيل المباحات، من سبق إلى أخذ شيء فهو له، ويجوز أن يكون شرك بينهم فيما يصيبونه من الأَسلاب والنَّفَل، إلا أن الأول أصح؛ لقوله: جاء سعد بأسيرين، ولم أجىء أنا، وعمار بشيء. وأما الثاني: فإن اللّه تعالى إنما جعل الغنيمة لنبيه عليه السلام، بعد أن غنموا، واختلفوا في الغنائم، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية [الأنفال: ١]، والشركة كانت قبل ذلك، ويدل على صحة هذا، أنها لو كانت لرسول الله وَيّ، لم يخل إما أن يكون قد أباح لهم أخذها، فصارت كالمباحات، أو لم يبحها لهم، فكيف يشتركون في شيء لغيرهم؟، وفي هذا الخبر حجة على أبي حنيفة أيضًا، لأنهم اشتركوا في مباح، وفيما ليس بصناعة، وهو يمنع ذلك، ولأن العمل أحد جهتي المضاربة، فصحت الشركة عليه كالمال، وعلى أبي حنيفة (٣) أنهما اشتركا في مكسب مباح فصح، كما لو اشتركا في الخياطة، والقصارة، ولا نسلم أن الوكالة لا تصح في المباحات، فإنه يصح أن يستنيب في تحصيلها بأجرة، فكذلك يصح بغير عوض، إذا تبرع أحدهما بذلك، كالتوكيل في بيع ماله. انتهى ((المغني)) ١١١/٧-١١٢. والله تعالى أعلم بالصواب. (١) ((شرح علل الترمذي)) ص ١٨٢ تحقيق صبحي السامرائي. (٢) انظر ((السيرة النبويّة لابن هشام ٦٤١/١-٦٤٢، ويحتاج إلى البحث عن إسناده، فليُحرّر. (٣) هكذا نسخة ((المغني))، وفيها ركاكة، فليحرّر. ١٠٦ - (الشَّرَكَةُ فِي الرَّقيقِ) - حديث رقم ٤٧٠١ ٣١٧ ٤٦٩٩ - (أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْتِى، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: اشْتَرَكْتُ أَنَا وَعَمَّارٌ، وَسَعْدٌ، يَوْمَ بَدْرٍ، فَجَاءَ سَعْدٌ بِأَسِيرَيْنٍ، وَلَمْ أَجِئْ أَنَا وَعَمَّارٌ بِشَيْءٍ). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث فيه انقطاع، بين أبي عبيدة، وعبد الله مسعود ◌َّه، وقد تقدم في الحديث الماضي أنّ بعض أهل العلم يصححه، وقد تقدّم في ((كتاب المزارعة)) ٣٩٦٥- و((يحيى)): هو القطّان. و((سفيان)): هو الثوريّ. و((أبو عبيدة)): هو ابن عبد اللَّه مسعود ◌َظّه والمشهور أن اسمه كنيته، وقيل: عامر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٧٠٠ - (أَخْبَرَنَا نُوحُ بْنُ حَبِيبٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ، قَالَ: (مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ، أَتِمَّ مَا بَقِيَ فِي مَالِهِ، إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، يَبْلُغُ ثَمَّنَ الْعَبْدِ))). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: كان الأولى للمصنف رحمه الله أن يذكر هذا الحديث في الباب التالي؛ لأنه لا يناسب هذا الباب، وقد مضى له مثل هذا العمل غير مرّة، ونبهت عليه كثيرًا، والله تعالى أعلم. ورجال إسناده كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرد به هو، وأبو داود، وهو قُومَسيِّ ثقة سُنّيّ [١٠] ٧٩ /١٠١٠. وقوله : : من أعتق)): أي ممن يلزم عتقه، فخرج الصبيّ، والمجنون. وقوله: ((شركا له)) بكسر الشين، وفتحها، مع كسر الراء، وسكونها: أي نصيبًا، وقوله: ((أُتمّ)) بالبناء للمفعول: يعني أن ذلك العبد يكون حرّا، وعلى المعتق أن يدفع مما له ما بقي من قيمته لشريكه. والله تعالى أعلم. والحديث متفق عليه بنحوه، وسيأتي تمام شرحه، وبيان مسائله في الباب التالي، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب)). ١٠٦- (الشَّرِكَةُ فِي الرَّقِيقِ) قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الرقيق: المملوك، واحد وجمعٌ، فَعيلٌ بمعنى مفعول، وقد يُطلق على الجماعة، تقول منه: رَقّ العبدَ، وأرقّه، واسترقّه. قال: وقال ٣١٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع أبو العبّاس: سمّي العبيدُ رقيقًا؛ لأنهم يخضعون لمالكهم، ويَذِلُّون، ويَخْضَعُون. قاله في ((اللسان)). وقال الفيّوميّ رحمه الله تعالى: الرِّقّ بالكسر: العُبُوديّة، وهو مصدر رَقَّ الشخصُ يَرِقْ، من باب ضرب، فهو رَقِيقٌ، ويتعدَّى بالحركة، وبالهمزة، فيقالُ: رَققتُه أرُقّه، من باب قتل، وأرققته، فهو مرقوقٌ، ومُرَقٌّ، وأمةٌ مرقوقةٌ. قاله ابن السّكّيت. ويُطلق الرقيق على الذكر والأنثى، وجمعه أَرِقَاء، مثلُ شَحِيح وأَشِخاء، وقد يُطلق على الجمع أيضًا، فيقال: عَبِيدٌ رقِيقٌ، و((ليس في الرقيق صدقَةٌ)): أي في عبيد الخدمة. انتهى (المصباح المنير)) ٢٣٥/١. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٧٠١- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ- وَهُوَ ابْنُ زُرَيْع - قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ بَّهِ: ((مَنْ أَعْتَّقَ شِرْكًا لَهُ فِي مَمْلُوكٍ، وَكَانَ لَّهُ مِنَ الْمَالِ، مَا يَبْلُغُ ثَمَنَهُ، بِقِيمَةِ الْعَبْدِ، فَهُوَ عَتِيقٌ مِنْ مَالِهِ)). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (عمرو بن عليّ) الْفَلّاس الصيرفيّ البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٤/٤. ٢- (يزيد بن زريع) أبو معاوية البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٥/٥. ٣- (أيوب) بن أبي تميمة كيسان السختيانيّ البصريّ، ثقة ثبت فقيه [٥] ٤٨/٤٢. ٤- (نافع) مولى ابن عمر المدني، ثقة ثبت فقيه [٣] ١٢/١٢. ٥- (ابن عمر) عبد اللَّه رضي اللَّه تعالى عنهما ١٢/ ١٢. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين إلى أيوب، والباقيان مدنيّان. (ومنها): أن شيخه هو أحد مشايخ الأئمة الستة بلا واسطة، كما سبق غير مرّة. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه ابن عمر أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي اللَّه تعالى عنهما، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((مَنْ أَعْتَقَ) قال في ((الفتح)): ظاهره العموم، لكنه مخصوص بالاتفاق، فلا يصح من المجنون، ولا من المحجور عليه؛ لسفه، وفي المحجور عليه بفَلَس، والعبد، والمريض مَرَضَ الموت، والكافر، تفاصيل للعلماء بحسب ما يظهر عندهم، من أدلة التخصيص، ولا ١٠٦ - (الشَّرِكَةُ فِي الرَّقيقِ) - حديث رقم ٤٧٠١ ٣١٩ === يقوم في مرض الموت عند الشافعية، إلا إذا وَسِعَه الثلث، وقال أحمد: لا يُقَوَّم في المرض مطلقا. وخرج بقوله: ((أعتق)) ما إذا عتق عليه، بأن وَرِث بعض من يَعتِق عليه بقرابة، فلا سراية عند الجمهور، وعن أحمد روايةٌ، وكذلك لو عجز المكاتب، بعد أن اشترى شقصا، يعتق على سيده، فإن الملك والعتق يحصلان بغير فعل السيد، فهو كالإرث، ويدخل في الاختيار، ما إذا أُكره بحقّ، ولو أوصى بعتق نصيبه من المشترك، أو بعتق جزء ممن له كله، لم يَسْرِ عند الجمهور أيضا؛ لأن المال ينتقل للوارث، ويصير الميت معسرا، وعن المالكية رواية، وحجة الجمهور مع مفهوم الخبر، أن السراية على خلاف القياس، فيختص بِمَوْرِدِ النص، ولان التقويم سبيله سبيل غرامة المتلفات، فيقتضي التخصيصَ بصدور أمر يجعله إتلافا . ثم ظاهر قوله: ((من أعتق)) وقوع العتق مُنَجَّزًا، وأجرى الجمهور المعلق بصفة، إذا وجدت مجرى المنجز. انتهى ((فتح)) ٤٥٤/٥. (شِرْكًا لَهُ)- بكسر الشين المعجمة، وسكون الراء- وفي رواية المصنّف في ((الكبرى)) في ((كتاب العتق)): ((شِقْصًا)- بمعجمة، وقاف، ومهملة، وزن الأول- وفي رواية: ((نصيبا)): والكل بمعنى واحد، إلا أن ابن دُرَيدٍ قال: هو القليل والكثير، وقال القزاز: لا يكون الشّقص إلا كذلك، والشّركِ في الأصل مصدرٌ، أُطلق على مُتَعَلَّقِهِ، وهو العبد المشترك، ولا بد في السياق من إضمار جزء، أو ما أشبه؛ لأن المشترك هو الجملة، أو الجزء المعين منها. وظاهره العموم في كل رقيق، لكن يُستثنى الجاني، والمرهون، ففيه خلافٌ، والأصح في الرهن والجناية منع السراية؛ لأن فيها إبطال حق المرتهن، والمجنيّ عليه، فلو أَعتق مشتركا بعد أن كاتباه، فإن كان لفظ العبد يتناول المكاتب، وقعت السراية، وإلا فلا، ولا يكفي ثبوت أحكام الرق عليه، فقد تثبت، ولا يستلزم استعمال لفظ العبد عليه، ومثله ما لو دبراه، لكن تناول لفظ العبد للمدبر، أقوى من المكاتب، فَيَسْرِي هنا على الأصح، فلو أعتق من أمة، ثبت كونها أم ولد لشريكه، فلا سراية؛ لأنها تستلزم النقل من مالك إلى مالك، وأم الولد لا تقبل ذلك، عند من لا يرى بيعها، وهو أصح قولي العلماء. قاله في ((الفتح)) ٤٥٤/٥ . (فِي مَمْلُوكِ) متعلّق بـ((شركًا)) ورواية المصنّف ظاهرة في كون الحكم يعم العبد والأمة، ففيه ردّ على إسحاق بن راهويه في تخصيصه بالذكور، وقد ترجم الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في ((صحيحه)) بقوله: ((باب إذا أعتق عبدًا بين اثنين، أو أمة، بين الشركاء))، فقال ٣٢٠ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع ابن التين رحمه الله تعالى: أراد أن العبد كالامة، لاشتراكهما في الرق، قال: وقد بُيِّن في حديث ابن عمر في آخر الباب، أنه كان يفتي فيهما بذلك انتهى. قال الحافظ رحمه الله تعالى: وكأنه أشار إلى رد قول إسحاق بن راهويه: إن هذا الحكم مختص بالذكور، وهو خطأ. وادَّعَى ابن حزم أن لفظ العبد في اللغة يتناول الأمة، وفيه نظر، ولعله أراد المملوك. وقال القرطبي: العبد اسم للمملوك الذكر، بأصل وضعه، والأمة اسم لمؤنثه بغير لفظه، ومن ثم قال إسحاق: إن هذا الحكم لا يتناول الأنثى، وخالفه الجمهور، فلم يفرقوا في الحكم بين الذكر والأنثى، إما لأن لفظ العبد يراد به الجنس، كقوله تعالى: ﴿إِلََّ ءَِى الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ الآية [مريم: ٩٣]، فإنه يتناول الذكر والأنثى قطعا، وإما على طريق الإلحاق؛ لعدم الفارق، قال: وحديث ابن عمر من طريق موسى بن عقبة، عن نافع، عنه: أنه كان يفتي في العبد والأمة، يكون بين الشركاء الحديث، وقد قال في آخره: يخبر ذلك عن النبي وَّ، فظاهره أن الجميع مرفوع. وقد رواه الدارقطني من طريق الزهري، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول اللّه وَ له: ((من كان له شرك في عبد، أو أمة)) الحديث، قال الحافظ: وهذا أصرح ما وجدته في ذلك، ومثله ما أخرجه الطحاوي، من طريق ابن إسحاق، عن نافع مثله، وقال فيه: ((حُمِل عليه ما بقي في ماله، حتى يَعتَق كلُّه)). وقد قال إمام الحرمين: إدراك كون الأمة في هذا الحكم كالعبد، حاصل للسامع قبل التفطن، لوجه الجمع والفرق، والله أعلم. قال الحافظ: وقد فرق بينهما عثمان البَتَّيُّ بمأخذ آخر، فقال: ينفذ عتق الشريك في جميعه، ولا شيء عليه لشريكه، إلا أن تكون الأمة جميلة، تراد للوطء، فيضمن ما أدخل على شريكه فيها من الضرر. قال النووي: قول إسحاق شاذ، وقول عثمان فاسد. انتهى. وإنما قيد البخاريّ العبد باثنين، والأمة بالشركاء، اتّباعا للفظ الحديث الوارد فيهما، وإلا فالحكم في الجميع سواء. انتهى ((فتح)) ٤٥٣/٥ . (وَكَانَ لَهُ مِنَ الْمَالِ، مَا يَبْلُغُ) وقال في ((الفتح)): والتقييد ب(يبلغ) يُخرج ما إذا كان له مال، لكنه لا يبلغ قيمة النصيب، وظاهره أنه في هذه الصورة لا يُقَوَّم عليه مطلقا، لكن الأصح عند الشافعية، وهو مذهب مالك: أنه يَسرِي إلى القدر الذي هو موسر به، تنفيذا للعتق بحسب الإمكان. انتهى. وفي رواية البخاريّ من طريق سالم، عن أبيه: ((فإن كان موسرًا قُوّم عليه)): قال في