النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١ ==
٩٨- (التَّغْلِيظُ فِي الدَّيْن) - حديث رقم ٤٦٨٧
مِنْهُمْ مَاتَ - مَأْسُورٌ بِدَيْنِهِ)).
رجال هذا الإسناد : سبعة:
١- (محمود بن غيلان) ابو أحمد المروزي، نزيل بغداد، ثقة [١٠] ٣٧/٣٣ .
٢- (عبد الرزاق) بن همام المذكور قبل باب.
٣- (الثوري) سفيان بن سعيد المذكور في الباب الماضي.
٤ - (أبوه) سعيد بن مسروق بن حبيب الثوري الكوفيّ، ثقة [٦] ١١٢١/١٥٣ .
٥- (الشعبيّ) عامر بن شَرَاحيل الهمدني، أبو عمرو الكوفي، ثقة ثبت فقيه [٣] ٦٦/
٨٢ .
٦- (سمعان) بن مُشَنَّج -بمعجمة، ونون ثقيلة، ثم جيم - وقيل: مُشَمْرَج،
الْعَمْريّ، ويقال: العبديّ الكوفيّ، صدُوقٌ [٣].
روى عن سمرة بن جندب، وعنه الشعبيّ. قال البخاريّ: لا نعرف لسَمْعان سماعًا
من سمُرة، ولا للشعبيّ سماعًا منه. وقال العجليّ: كوفيّ تابعيّ ثقة. وذكره ابن حبّان
في ((الثقات)) وقال ابن ماكولا: ثقة، ليس له غير حديث واحد، رواه له أبو داود،
والنسائيّ، وهو أن الميت مأسور بدينه. وقال الخطيب في ((رافع الارتياب)): وهم فيه
الجَرّاح، أو وكيعٌ، فقال: المشنج بن سمعان. انتهى. تفرد به المصنّف، وأبو داود بهذا
الحديث فقط .
٧- (سمرة) بن جندب بن هلال الفزاري، حليف الأنصار الصحابي المشهور، مات
بالبصرة سنة (٥٨) وتقدمت ترجمته في ٣٩٣/٢٥ . والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ سَمُرَةَ) بن جندب ◌َّهِ، أنه (قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ وََّ فِي جِنَازَةٍ) أي في
الصلاة عليها، أو تشييعها، أو في حال دفنها (فَقَالَ بَّ (أَهَهُنَا مِنْ بَنِي فُلَانٍ أَحَدٌ؟)
وعند أبي بكر بن أبي شيبة، من رواية عفّان، عن أبي عوانة، عن فراس، عن
الشعبيّ، عن سمرة رَمّ: ((هل ههنا أحدٌ من بني النجار)) (ثَلَاثًا) أي قالها ثلاث
مرّات، وفي رواية أبي داود من طريق أبي الأحوص، عن سعيد بن مسروق:
((خطبنا رسول اللَّه ◌َ له، فقال: ((ههنا أحد من بني فلان؟))، فلم يجبه أحدٌ، ثم قال:
(«ههنا من بني فلان أحد؟))، فلم يُجبه أحد، ثم قال: ((ههنا أحد من بني فلان؟)» (فَقَامَ
رَجُلٌ) زاد في رواية أبي داود المذكورة: ((فقال: أنا يا رسول اللَّه)) (فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ
بَّهَ: (مَا مَنَعَكَ فِي الْمَرَّتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ، أَنْ لَا تَكُونَ أَجَبْتَنِي؟، أَمَا) بفتح الهمزة،

٢٨٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
وتخفيف الميم: أداة استفتاح، مثل ((ألا)) (إِنِّي لَمْ أَنَوَّهُ بِكَ) و((أُنوّه)) بضم أوله،
وتشديد ثالثه، مضارع نوّه تنويهًا، قال في ((القاموس)): نَوْهَهُ، وبه: دعاه، ورفعه.
انتهى. فالمعنى هنا: لم أدعك، ولم أرفع بذكرك (إِلَّا بِخَيْرِ) إلا بسبب أمر خير،
وهو التنبيه على تخليص هذا الميت المأسور بالدين من أسره، بأداء دينه، وفي رواية
أبي داود: ((أما إني لم أنوه بكم إلا خيرًا)) (إِنَّ فُلَانَا، لِرَجُلٍ مِنْهُمْ مَاتَ) اللام في
(لرجل)) للبيان، و(مات)) صفة لرجل، وهو معترض بين اسم ((إن)) وخبرها، وهو
قوله (مَأْسُورٌ بِدَيْنِهِ) بالرفع، كما في النسخة ((الهنديّة))، ووقع في النسخ المطبوعة،
و((الكبرى)): ((مأسورًا)) بالنصب، وله وجه، وهو أن يُجعل مفعولًا لفعل مقدّر،
والجملة خبر ((إنّ)): أي رأيته مأسورًا. و((الأسر)): في اللغة: الشَّدّ: أي إنه مشدود،
ومحبوس بسبب دينه عن دخول الجنّة، أو الاستراحة بها، وأراد ◌َّر بذلك الحثّ
على الاستعجال بأداء دينه، وقد حصل ذلك، فقد زاد في رواية أبي داود المذكورة:
ما نصّه: ((فقد رأيته أدى عنه حتى ما بقي أحدٌ يطلبه بشيء)). وهذا من مقول سمرة
رَضي، يقول: فلقد رأيت ذلك الرجل الذي خاطبه النبيّ وَّل بشأن ذلك الميت، من
أسره بدينه، أدّى عنه جميع ديونه التي بسببها حُبس في قبره.
[تنبيه]: زاد في ((الكبرى)) ٥٨/٤: ما نصّه: وقد رواه غير واحد عن الشعبيّ، عن
سمرة. وقد رُوي عن الشعبيّ، عن النبيّ وَّر مرسلًا. ولا نعلم أحدًا قال في هذا
الحديث عن ((سمعان)) غير سعيد بن مسروق. انتهى.
وزاد في ((تحفة الأشراف)) ٧٨/٤-٧٩ - بعد هذا: ما نصّه: رواه وكيعٌ، عن سفيان،
ولم يذكر فيه ((سمعان)). وقال فراس: عن الشعبيّ، عن سمرة: هل ههنا أحد من بني
النجّار؟. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان،
وعليه التكلان .
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث سمرة وظّه هذا صحيح، إن ثبت سماع سمعان من سمرة رَّه .
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤٦٨٧/٩٨ وفي ((الكبرى)) ٦٢٨٢/١٠٠. (د) في ((البيوع)) ٣٣٤١.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه اللّه تعالى، وهو بيان التغليظ في شأن الدين.

٩٩- (التَّسْهِيلُ فِيهِ) - حديث رقم ٤٦٨٨
=
٢٨٣
(ومنها): ما كان عليه النبيّ وَلّر من شدّة الاهتمام بشأن أمته. (ومنها): أن فيه علمًا من
أعلام النبوّة، حيث إنه وَّر يُخبر بما وقع لأصحاب القبور، من العقاب، وغيره.
(ومنها): استحباب تذكير الإمام لأهل الميت بأن يهتمّوا بدينه أكثر من غيره؛ لأن في
أداء دينه راحته، وفكّ أسره، فينبغي لهم أن يسارعوا إلى ذلك، وما أشدّ غفلة أكثر
الناس عن هذا، فإن جلّ اهتمامهم إذا مات لهم ميّت غير هذا، بل لا تسمع أحدًا منهم
إلا من شاء اللّه يهتمّ بهذا الأمر الخطير، بل يتحدّثون عن كيفيّة قسمة تركته، وعن
التصدّق عنه، إن هذا لهو العجب العُجاب، فإنا للَّه، وإنا إليه راجعون. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه
أنیب)) .
٩٩- (التَّسْهِيلُ فِيهِ)
٤٦٨٨- (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ زِيَادِ بْنِ
عَمْرِو ابْنِ هِنْدٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُذَيْفَةَ، قَالَ: كَانَتْ مَيْمُونَةُ تَذَّانُ، وَتُكْثِرُ، فَقَالَ لَهَا أَهْلُهَا
فِي ذَلِكَ، وَلَامُوهَا، وَوَجَدُوَا عَلَيْهَا، فَقَالَتْ: لَا أَتْرُكُ الدَّيْنَ، وَقَدْ سَمِعْتُ خَلِيلِي،
وَصَفِيِّي، وََّ، يَقُولُ: ((مَا مِنْ أَحَدٍ يَدَّانُ دَيْنَا، فَعَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ يُرِيدُ قَضَاءَهُ، إِلَّا أَدَّاهُ اللَّهُ عَنْهُ
فِي الدُّنْيَا))).
رجال هذا الإسناد: ستة :
١- (محمد بن قُدامة) بن أعين الهاشمي مولاهم المِصْيصيّ، ثقة [١٠] ١٣٧/
٢١٤ .
٢- (جرير) بن عبد الحميد بن قرط الضبّيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقة [٨] ٢/٢.
٣- (منصور) بن المعتمر، أبو عتاب الكوفي، ثقة ثبت [٦] ٢/٢.
٤- (زياد بن عمرو بن هِند) الْجَمَليّ، مقبول [٤].
روى عن عمران بن حُذيفة. وعنه منصور بن المعتمر، ذكره ابن حبّان في ((الثقات)».
تفرّد به المصنّف، وابن ماجه بحديث الباب فقط.
٥- (عمران بن حُذيفة)، مقبول [٣].

٢٨٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوعِ
روى عن ميمونة، وعنه زياد بن عمرو الجمَليّ. ذكره مسلم في الطبقة الثانية من أهل
الكوفة، وذكره ابن حبّان في ثقات التابعين، وأخرج حديثه في ((صحيحه))، وكذا
الحاكم. وقال الذهبي: لا يعرف. وقال في ((تهذيب التهذيب)): عمران بن حذيفة أحد
المجاهيل. انتهى. تفرّد به المصنّف، وابن ماجه بحديث الباب فقط.
٦- (مَيْمُونَةُ) بنت الحارث الهلاليّة، أم المؤمنين رضي اللَّه تعالى عنها، تزوّجها
النبيّ وَّه بسَرِف سنة سبع، وماتت بها، ودفنت هناك سنة (٥١) على الصحيح. والله
تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُذَيْفَةَ) أنه (قَالَ: كَانَتْ مَيْمُونَةُ) بنت الحارث، أم المؤمنين رضي
اللَّه تعالى عنها (تَدَّانُ) بتشديد الدال، افتعال، من الدين، يقال: ادّان فلانٌ: إذا
استقرض (وَتُكْثِرُ) بضمّ أوله، من الإكثار، أي كانت مكثرةً من الاستدانة، وذلك لتصل
به رحمها، وتنفقه على المساكين، كما وصفتها بذلك عائشة رضي الله تعالى عنهما،
فقد أخرج ابن سعد بسند صحيح، عن يزيد بن الأصمّ -وهو ابن أختها- قال تلقّيت
عائشة من مكة أنا، وابن لطلحة من أختها، وقد كنّا وقفنا على حائط من حيطان
المدينة، فأصبنا منه، فبلغها ذلك، فأقبلت على ابن أختها تلومه، ثم أقبلت عليّ،
فوعظتني موعظةً بليغةً، ثم قالت: أما علمتَ أن اللَّه ساقك، حيث جعلك من بيوت نبيّه
وَالخير، ذهبت والله ميمونة، ورمي بحبلك على غاربك، أما إنها كانت من أتقانا لله،
وأوصلنا للرحم. ذكره في الإصابة)) ١٣/ ١٤٠.
(فَقَالَ لَهَا أَهْلُهَا فِي ذَلِكَ) أي كلّموها في أن لا تُكثر من الدين (وَلَامُوهَا) أي
عابوها (وَوَجَدُوا عَلَيْهَا) أي غضبوا عليها من أجل إكثارها الاستدانة، وفي الرواية
التالية: ((فقيل لها: يا أمّ المؤمنين، تستدينين، وليس عندك وفاء؟)) (فَقَالَتْ: لَا أَتْرُكُ
الدَّينَ) أي الاستدانة، فالدين هنا على معناه المصدريّ (وَقَدْ سَمِعْتُ خَلِيلِي،
وَصَفِيِّي، وَّهَ، يَقُولُ: ((مَا مِنْ أَحَدٍ يَدَّانُ دَيْنَا) أي يستقرض، يقال: ادّان، واستدان،
وأدان: إذا استقرض، وأخذ بدين، فاذان: افتعل، ومنه قول عمر ◌َّه: ((فادّان
مُعرِضًا)): أي استدان، وهو الذي يَعترض الناس، ويستدين ممن أمكنه. ومنه قوله
الآخر عن أُسيفع جُهينة، كما تقدّم: ((فادان مُعرِضًا)): أي استدان معرضًا عن الوفاء.
قاله في ((اللسان)) (فَعَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ يُرِيدُ قَضَاءَهُ) أي قضاء ذلك الدين (إِلَّا أَدَّاهُ اللَّهُ عَنْهُ فِي
الدُّنْيَا) يعني أنه سبحانه وتعالى يسهّل له، ويُيسّر عليه أسباب قضائه، فيتخلّص من
المؤاخذة به .

٢٨٥
٩٩- (التّسھیلُ فِیهِ) - حديث رقم ٤٦٨٨
وقال الإمام البخاريّ رحمه اللّه تعالى في ((صحيحه)): ((باب من أخذ أموال الناس
يُريد أداءها، أو إتلافها)).
ثم أخرج حديث أبي هريرة تَظّه، عن النبيّ بََّ، قال: ((من أخذ أموال الناس يُريد
أداءها، أدّى اللَّه عنه، ومن أخذ يريد إتلافها أتلفه اللَّه)).
فقال في ((الفتح)) ٣٣٢/٥-٣٣٣: قوله: ((باب من أخذ أموال الناس، يريد أداءها،
أو إتلافها)): حذف الجواب؛ اغتناءً بما وقع في الحديث، قال ابن المنير: هذه الترجمة
تشعر، بأن التي قبلها مُقَيِّدةٌ بالعلم بالقدرة على الوفاء، قال: لأنه إذا عَلِمَ من نفسه
العجز، فقد أخذ لا يريد الوفاء، إلا بطريق التمني، والتمني خلاف الإرادة.
قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأنه إذا نَوَى الوفاء، مما سيفتحه الله عليه، فقد نطق
الحديث بأن اللَّه يؤدي عنه، إما بأن يفتح عليه في الدنيا، وإما بأن يتكفل عنه في
الآخرة، فلم يتعين التقييد بالقدرة في الحديث، ولو سُلُّم ما قال، فهناك مرتبة ثالثة،
وهو أن لا يعلم، هل يقدر، أو يعجز. انتهى.
وقال عند شرح قوله: ((أدّى اللَّه عنه)): وظاهره يحل المسألة المشهورة، فيمن مات
قبل الوفاء، بغير تقصير منه، كأن يعسر مثلا، أو يفجأه الموت، وله مال مخبوء،
وكانت نيته وفاء دينه، ولم يوف عنه في الدنيا، ويمكن حمل الحديث على الغالب،
والظاهر أنه لا تبعة عليه، والحالة هذه في الآخرة، بحيث يؤخذ من حسناته لصاحب
الدين، بل يتكفل اللَّه عنه لصاحب الدين، كما دل عليه حديث الباب، وإن خالف في
ذلك ابن عبد السلام.
وقوله: ((أتلفه اللَّه)): ظاهره أن الإتلاف يقع له في الدنيا، وذلك في معاشه، أو في
نفسه، وهو علم من أعلام النبوة؛ لما نراه بالمشاهدة، ممن يتعاطى شيئا من الأمرين.
وقيل: المراد بالإتلاف عذاب الآخرة. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ميمونة رضي اللّه تعالى عنها هذا صحيح.
[فإن قلت]: كيف يصحّ، وفيه زياد بن عمرو، وعمران بن حذيفة، وهما
مجهولان؟ .
[قلت]: إنما صحّ لأن له طرقًا، فقد رواه عبيد الله بن عبد الله بن عتبة في السند
التالي، قال الشيخ الألبانيّ رحمه الله تعالى في ((الصحيحة)) ٢٦/٣ رقم ١٠٢٩ بعد أن

٢٨٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
ذكره برواية المصنف الآتية: ما حاصله: وأخرجه أبو نعيم في ((أخبار أصبهان)) ٢٣٨/٢
من طريق عبد اللَّه أبي بكر الْعَتَليّ، ثنا جرير بن حازم به، وهو إسناد صحيح على شرط
الشيخين، إذا كان عبيد الله بن عبد اللَّه سمعه من ميمونة، فإن المعروف أنه يروي عنها
بواسطة عبد الله بن عبّاس. وله طريق آخر في ((المسند)) ٣٣٢/٦ ورجاله ثقات، إلا أن
فيه انقطاعًا بين سالم بن أبي الجعد، وميمونة، وبالجملة فالحديث صحيح بمجموع
طرقه. انتهى .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وأيضًا يشهد له حديث أبي هريرة رَّه المذكور آنفًا
عن ((صحيح البخاري)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٩٩/ ٤٦٨٨ و٤٦٨٩- وفي ((الكبرى)) ٦٢٨٥/١٠١ و٦٢٨٦. وأخرجه
(ق) في ((الأحكام)) ٢٤٠٨.
(المسألة الثالثة): في فوائده، وفوائد حديث أبي هريرة رَظنّه أيضًا؛ لأنه بمعناه:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان التسهيل في الاستدانة لمن
كانت نيّته صالحة، وذلك أن يريد عند أخذه الدين أنه يردّه إلى صاحبه إذا طلبه منه،
دون مماطلة، ولا مغاضبة. (ومنها): ما قاله ابن بطال رحمه الله تعال: فيه الحض على
ترك استئكال أموال الناس، والترغيب في حسن التأدية إليهم عند المداينة، وأن الجزاء
قد يكون من جنس العمل. (ومنها): ما قاله الداودي رحمه الله تعالى: فيه أن من عليه
دين لا يُعتِقِ، ولا يتصدق، وإن فعل رُدّ انتهى. وتعقّبه الحافظ: فقال: في أخذ هذا من
هذا بُعد كثير. (ومنها): أن فيه الترغيب في تحسين النية، والترهيب من ضد ذلك، وأن
مدار الأعمال عليها. (ومنها): أن فيه الترغيب في الدين لمن ينوي الوفاء، وقد أخذ
بذلك عبد الله بن جعفر، فيما رواه ابن ماجه والحاكم، من رواية محمد بن علي عنه:
أنه كان يَستدين، فسئل؟ فقال: سمعت رسول اللَّه وَّل، يقول: ((إن الله مع الدائن حتى
يقضي دينه))، قال الحافظ: إسناده حسن، لكن اختلف فيه على محمد بن علي، فرواه
الحاكم أيضا من طريق القاسم بن الفضل عنه، عن عائشة، بلفظ: ((ما من عبد كانت له
نية، في وفاء دينه، إلا كان له من اللَّه عون))، قالت: فأنا ألتمس ذلك العون، وساق له
شاهدا من وجه آخر، عن القاسم عن عائشة. (ومنها): أن من اشترى شيئا بدين،
وتصرف فيه، وأظهر أنه قادر على الوفاء، ثم تبين الأمر بخلافه، أن البيع لا يُرَدّ، بل
يُنتظر به حلول الأجل؛ لاقتصاره وَّر على الدعاء عليه، ولم يُلزِمه برد البيع. قاله ابن
المنير. ذكره في ((الفتح)) ٣٣٣/٥.

١٠٠ - (مَطْلُ الْغَنِيِّ) - حديث رقم ٤٦٩٠
٢٨٧ =
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: وفي استنباط ابن المنيّر المذكور بُعدٌ لا يخفى. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٦٨٩- (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي،
عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عُيَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْبَةَ، أَنَّ
مَيْمُونَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ وَّهِ اسْتَدَانَتْ، فَقِيلَ لَهَا: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، تَسْتَدِينِينَ، وَلَيْسَ عِنْدَكِ
وَفَاءٌ؟، قَالَتْ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ بِّهِ، يَقُولُ: ((مَنْ أَخَذَ دَيْنَا، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يُؤَدِيَهُ،
أَعَانَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلّ))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم
تقدّموا غير مرّة.
و((والد وهب)): هو جرير بن حازم. والسند مسلسل بالبصريين إلى جرير،
والأعمش، وحصين كوفيّان، والباقيان مدنيّان، وفيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم
عن بعض: الأعمش، عن حُصين، عن عبيد الله .
والحديث صحيح، وقد سبق شرحه، وبيان مسائله في الذي قبله. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه
أنیب)) .
١٠٠ - (مَطْلُ الْغَنِيِّ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((الْمَطْلُ)) بفتح الميم، وسكون الطاء المهملة: أي
تسويفه بوعد الوفاء، يقال: مَطَلَّهُ بدينه مَطْلًا، من باب نصر: إذا سوّفه بوعد الوفاء مرّةً
بعد أخرى، وماطله مِطالًا، من باب قاتل، والفاعل من الثلاثيّ ماطلٌ، ومَطُولٌ مبالغة،
كمطّال، ومن الرباعيّ مماطلٌ. وأصل ((المطل)): المدّ، يقال: مَطَلْت الحديدَ مَطْلًا:
مددتها، وطوّلتها، وكلّ ممدود ممطول. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٦٩٠- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزَّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَج،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَِّّ ◌َِّ، قَالَ: ((إِذَا أَتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ، وَاَلَظُلْمُ مَطَّلُ
الْغَنِيِّ»).

٢٨٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (قتيبة بن سعيد) المذكور قريبًا .
٢- (سفيان) بن عيينة الإمام الحجة الثبت [٨] ١/١.
٣- (عبد الله بن ذكوان) أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقة فقيه [٥] ٧/ ٧.
٤- (الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز، أبو داود المدنيّ، ثقة ثبت [٣] ٧/ ٧ .
٥- (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه١/١ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبغلانيّ، وسفيان،
فمكيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة وظاقيه من المكثرين
السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َّه، قال في ((الفتح)): قد رواه همام، عن أبي
هريرة، ورواه ابن عمر، وجابر، مع أبي هريرةٍ *** (عَنِ النَّبِيِّ وََّ) أنه (قَالَ: ((إِذَا
أُتْبِعَ) بضم، فسكون، فكسر مخففًا: أي أَحيل (أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ) بالهمز، ككريم، أو
هو كغنيّ لفظًا ومعنّى، والأول هو الأصل، لكن قد اشتهر الثاني على الألسنة (فَلْيَتْبَغْ)
بإسكان الفوقيّة على المشهور، من تَبعَ: أي فليقبل الحوالة. وقيل: بتشديدها. قاله
السنديّ .
وقال في ((الفتح)) ٢٣٠/٥ -: المشهور في الرواية واللغة، كما قال النووي، إسكان
المثناة في ((أَتْبَعَ))، وفي ((فَلْيَتْبَعْ))، وهو على البناء للمجهول، مثل إذا أُعلِم فليَعْلَم،
تقول: تَبِعت الرجل بحقي أتبعه تِبَاعًا، بالفتح: إذا طلبته .
وقال القرطبي: أما ((أَتْبع)): فبضم الهمزة، وسكون التاء، مبنيا لما لم يُسَمَّ فاعله،
عند الجميع، وأما ((فليتبع)): فالأكثر على التخفيف، وقيده بعضهم بالتشديد، والأول
أجود. انتهى.
قال الحافظ: وما ادعاه من الاتفاق على ((أَتْبعَ)) يرده قول الخطابي: إن أكثر
المحدثين يقولونه بتشديد التاء، والصواب التخفيف.
ومعنى قوله: أتبع، فليتبع: أي أُحيل فَلْيَحتَل، وقد رواه بهذا اللفظ أحمد، عن
وكيع، عن سفيان الثوري، عن أبي الزناد، وأخرج البيهقي مثله، من طريق يعلى بن

١٠٠ - (مَطْلُ الْغَنِيّ) - حديث رقم ٤٦٩٠
٢٨٩ =
منصور، عن ابن أبي الزناد، عن أبيه، وأشار إلى تفرد يعلى بذلك، ولم يتفرد به كما
تراه. ورواه ابن ماجه، من حديث ابن عمر، بلفظ: ((فإذا أحلت على مليء فاتبعه))،
وهذا بتشديد التاء، بلا خلاف.
والمليء بالهمز: مأخوذ من الْمَلاء، يقال: مَلُؤ الرجل، بضم اللام: أي صار مَلِيا،
وقال الكرماني: الْمَليّ، كالغنيّ لفظا ومعنى، فاقتضى أنه بغير همز، وليس كذلك، فقد
قال الخطابي: إنه في الأصل بالهمز، ومن رواه بتركها، فقد سهله.
وقال في ((المغني))- ٦٢/٧-٦٣: ما حاصله: المليء هو القادر على الوفاء، غير
الجاحد، ولا المماطل، جاء في الحديث عن النبي ◌َّ، أنه قال: ((إن الله تعالى يقول،
من يُقرض المليء، غير الْمُعْدِم))، رواه مسلمٍ (١)، وقال الشاعر [من الطويل]:
تُطِيلِينَ لَيَانِي وَأَنْتِ مَلِيئَةٌ وَأُحْسِنُ يَا ذَاتَ الْوِشَاحِ التَّقَاضِيَا
يعني قادرة على وفائي. وقال أحمد في تفسير المليء: كأن المليء عنده أن يكون
مليا بماله، وقوله، وبدنه، ونحو هذا. انتهى.
(وَالظُّلْمُ مَطْلُ الْغَنِيّ) جملة من مبتد! وخبره: أي إن مطل الغنيّ من الظلم، وأطلق
ذلك للمبالغة في التنفير عن المطل. والمشهور في الرواية: ((مطلُ الغنيّ ظلم))، وقد
رواه الجوزقي من طريق همام، عن أبي هريرة، بلفظ: ((إن من الظلم مَطْلَ الغني))، وهو
يفسر رواية المصنّف.
وأصل المطل: المدّ، قال ابن فارس: مَطَلتُ الحديدةَ أَمطلُها مَطْلًا: إذا مددتها؛
لتطول، وقال الأزهري: المطل: المدافعة.
والمراد بالمطل هنا: تأخير ما استُحِق أداؤه بغير عذر، والغنيُّ مختلف في تفسيره،
ولكن المراد به هنا مَن قَدَر على الأداء، فأخّره، ولو كان فقيرا، كما سيأتي البحث فيه،
وهل يَتَّصِف بالمطل، من ليس القدر الذي استُحق عليه حاضرا عنده، لكنه قادر على
تحصيله بالتكسب مثلا؟ أطلق أكثر الشافعية عدم الوجوب، وصرح بعضهم بالوجوب
مطلقا، وفَصَّل آخرون بين أن يكون أصل الدين، وجب بسبب يعصي به، فيجب، وإلا
فلا .
وقوله: ((مطلُ الغني)): هو من إضافة المصدر للفاعل عند الجمهور، والمعنى أنه
يحرم على الغني القادر أن يمطل بالدين، بعد استحقاقه، بخلاف العاجز. وقيل: هو
من إضافة المصدر للمفعول، والمعنى: أنه يجب وفاء الدين، ولو كان مستحقه غنيا،
(١) لفظ مسلم: ((من يقرض غير عدوم، ولا ظلوم))، وفي لفظ: ((من يقرض غير ظلوم، ولا عدوم)).

٢٩٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوعِ
ولا يكون غناه سببا لتأخير حقه عنه، وإذا كان كذلك في حق الغني، فهو في حق الفقير
أولي، قال الحافظ: ولا يخفى بعد هذا التأويل.
[تنبيه]: رواية المصنّف هنا هكذا بلفظ: ((إذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع، والظلم
مطل الغنيّ))، بتقديم جملة الاتباع، وفي الرواية الآتية في الباب التالي، من طريق مالك،
عن أبي الزناد، بلفظ: ((مطلُ الغنيّ ظلم، وإذا أَتبع أحدكم على مليء فليتبع)) بتقديم
جملة المطل، وعطف الجملة الثانية بالواو، وهكذا هو عند البخاري، إلا أن العطف
عنده بالفاء.
قال الحافظ: ادّعى الرافعي أن الأشهر في الروايات: ((وإذا أتبع)) -يعني بالواو-
وأنهما جملتان، لا تعلق لإحداهما بالأخرى، وزعم بعض المتأخرين أنه لم يرد إلا
بالواو، وغفل عما في ((صحيح البخاري))، فإنه بالفاء في جميع الروايات، وهو
كالتوطئة، والعلة لقبول الحوالة: أي إذا كان المطل ظلما، فليقبل من يُحتال بدَينه عليه،
فإن المؤمن من شأنه أن يحترز عن الظلم، فلا يمطل، نعم رواه مسلم بالواو، وكذا
البخاري في الباب الذي بعده، لكن قال: ((ومن أتبع)). ومناسبة الجملة للتي قبلها، أنه
لما دَلّ على أن مطل الغني ظلم، عَقَّبَه بأنه ينبغي قبول الحوالة على المليء؛ لما في
قبولها من دفع الظلم الحاصل بالمطل، فإنه قد تكون مطالبة المحال عليه سهلة على
المحتال، دون المحيل، ففي قبول الحوالة إعانة على كفّه عن الظلم. انتهى. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة رَّه هذا متفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ١٠٠/ ٤٦٩٠ ٤٦٩٣/١٠١- وفي «الكبرى)) ٦٢٨٧/١٠٢ و١٠٣/
٦٢٩٠. وأخرجه (خ) في ((الحوالة)) ٢٢٨٧ و٢٢٨٨ و((الاستقراض)) ٢٤٠٠ (م) في
(البيوع)) ١٥٦٤ (د) في ((البيوع)) ٣٣٤٥ (ت) في ((البيوع)) ١٣٠٨ (ق) في ((الأحكام))
٢٤٠٣ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ٧٢٩١ و٢٧٧٧٨ و٧٤٨٨ و٢٧٣٩٢
(الموطأ) في ((البيوع)) ١٣٧٩ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه اللَّه تعالى، وهو بيان حكم مَطْلِ الغنيّ، وهو
التحريم .

٢٩١
١٠٠ - (مَطْلُ الْغَنِيّ) - حديث رقم ٤٦٩٠
(ومنها): أن فيه الزجرَ عن المطل، واختُلِف هل يُعَدُّ فعله عمدا كبيرة، أم لا؟،
فالجمهور على أن فاعله يَفسُقُ، لكن هل يثبت فسقه بمطلة مرة واحدة، أم لا؟ قال
النووي: مقتضى مذهبنا اشتراط التكرار، ورده السبكي في ((شرح المنهاج)) بأن مقتضى
مذهبنا عدمه. واستَدلَّ بأن منع الحق بعد طلبه، وابتغاء العذر عن أدائه، كالغصب،
والغصب كبيرة، وتسميته ظلما يُشعر بكونه كبيرة، والكبيرة لا يشترط فيها التكرر، نعم
لا يحكم عليه بذلك، إلا بعد أن يظهر عدم عذره. انتھی.
واختلفوا هل يفسق بالتأخير، مع القدرة قبل الطلب، أم لا؟، فالذي يُشعر به حديث
الباب التوقف على الطلب؛ لأن المطل يُشعر به، ويدخل في المطل كُلُّ من لزمه حقّ،
كالزوج لزوجته، والسيد لعبده، والحاكم لرعيته، وبالعكس.
(ومنها): أنه استُدِلّ به على أن العاجز عن الأداء، لا يدخل في الظلم، وهو بطريق
المفهوم؛ لأن تعليق الحكم بصفة من صفات الذات، يدل على نفى الحكم عن الذات،
عند انتفاء تلك الصفة، ومن لم يقل بالمفهوم، أجاب بأن العاجز لا يسمى ماطلا .
(ومنها): أن الغني الذي ماله غائب عنه، لا يدخل في الظلم، وهل هو مخصوص من
عموم الغني، أو ليس هو في الحكم بغنيّ؟ الأظهر الثاني؛ لأنه في تلك الحالة يجوز
إعطاؤه من سهم الفقراء، من الزكاة، فلو كان في الحكم غنيا، لم يجز ذلك.
(ومنها): أنه استنبط منه أن المعسر لا يحبس، ولا يطالب حتى يوسر، قال
الشافعي: لو جازت مؤاخذته، لكان ظالما، والفرض أنه ليس بظالم؛ لعجزه، وقال
بعض العلماء: له أن يحبسه، وقال آخرون: له أن يلازمه.
(ومنها): أنه استُدلّ به على أن الحوالة إذا صحت، ثم تعذر القبض بحدوث حادث،
كموت، أو فَلَس، لم يكن للمحتال الرجوع على المحيل؛ لأنه لو كان له الرجوع، لم
يكن لاشتراط الغنى فائدة، فلما شُرطت عُلم أنه انتقل انتقالا، لا رجوع له، كما لو
عَوّضه عن دينه بعوض، ثم تلف العوض في يد صاحب الدين، فليس له رجوع. وقال
الحنفية: يرجع عند التعذر، وشبهوه بالضمان.
(ومنها): أنه استُدلَ به على ملازمة المماطل، وإلزامه بدفع الدين، والتوصل إليه
بكل طريق، وأخذه منه قهرا. (ومنها): أنه استدل به على اعتبار رضى المحيل
والمحتال دون المحال عليه؛ لكونه لم يُذكر في الحديث، وبه قال الجمهور، وعن
الحنفية: يشترط أيضا، وبه قال الإصطخري من الشافعية. (ومنها): أن فيه الإرشادَ إلى
ترك الأسباب القاطعة لاجتماع القلوب؛ لأنه زَجَرَ عن المماطلة، وهي تؤدى إلى ذلك.
ذكره في ((الفتح)) ٢٣٠/٥-٢٣١ .

٢٩٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوعِ
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: سيأتي تمام البحث في مسألة الحوالة في الباب
التالي، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٦٩١- (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ وَبْرِ بِنِ أَبِي دُلَيْلَةَ،
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ، عَنْ أَبِهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((لَيُّ
الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ، وَعُقُوبَتَهُ))).
رجال هذا الإسناد: ستة :
١- (محمد بن آدم) الْجُهنيّ المصْيصيّ، صدوقٌ [١٠] ١١٥/٩٣.
٢- (ابن المبارك) عبد اللّه الإمام الحجة الثبت المشهور [٨] ٣٦/٣٢ .
٣- (وَبْرُ بن أبي دُليلة) - ((وَبْرَة))- بفتح أوله، وسكون الموحّدة، بعدها راء- وابن
أبي دُليلَة- بالتصغير، واسمه مسلم الطائفيّ، ثقة [٧] .
روى عن محمد بن عبد الله بن ميمون بن مُسيكة، وعليّ بن عبد اللَّه البارقيّ،
وسُلَيم أبي عبيد اللَّه المكيّ، مولى أم عليّ. وعنه الثوريّ، وابن المبارك، ووكيع،
وسعد بن الصلت، وأبو مالك النخعيّ، وأبو عاصم. قال إسحاق بن منصور، عن ابن
معين: ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وذكر الطبرانيّ أن النعمان بن عبد السلام
روى حديثه عن الثوريّ بفتح دال دليلة، والصواب ضمّها. روى له أبو داود،
والمصنّف، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وأعاده بعده.
٤- (محمد بن ميمون) محمد بن عبد الله بن ميمون بن مُسيكة - بمهملة، مصغّرًا-
الطائفيّ، نُسب لجدّه، مقبول [٦] .
روى عن عمرو بن الشَّرِيد، ويعقوب بن عاصم الثقفيين، وعنه وَبْرُ بن أبي دُليلة
الطائفيّ، وأثنى عليه خيرًا، كما يأتي للمصنّف في السند التالي. وقال أبو حاتم:
روى عنه الطائفيّون. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وقال ابن المدينيّ: مجهول، لم
يرو عنه غير وَبْر. وقال الذهبيّ: ما روى عنه غير وَبْر. روى له المصنّف، وأبو
داود، وابن ماجه هذا الحديث فقط. ووقع ذكره في سند حديث علّقه البخاريّ في
(كتاب القرض)).
٥- (عَمْرُو بْنُ الشَّرِيدِ) -بفتح الشين المعجمة - الثقفيّ، أبو الوليد الطائفيّ، ثقة [٣]
تقدم في ١٩ / ٤١٨٤ .
٦ - (أبوه) الشريد- بوزن الطّويل - ابن سُويد، مصغّرًا- الثقفيّ الصحابيّ رَاليه،

٢٩٣
١٠٠ - (مَطْلُ الْغَنِيِّ) - حديث رقم ٤٦٩١
شهد بيعة الرضوان، قيل: كان اسمه مالكًا، تقدّم في ٨/ ٣٦٨٠. والله تعالى
أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
ثقات. (ومنها): أنه مسلسل بالطائفيين، غير شيخه، فمصّيصيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ) بفتح الشين المعجمة - الثقفيّ (عَنْ أَبِيهِ) الشريد رضي اللَّه
تعالى عنه، أَنْه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِّهِ: ((لَيُّ الْوَاجِدِ) بفتح اللام، وتشديد الياء: أي
مطله، يقال: لواه بدينه يَلْويه لَيّا، من باب رمَى، ولَيّانًا: إذا مَطَلَه. وأصل لَيٍّ، ولَيّانٍ:
لَيٍّ، ولَوْيَانٌ، فأدغمت الواو في الياء، كما قال في ((الخلاصة)):
إِنْ يَسْكُنِ السَّابِقُ مِنْ وَاوٍ وَيَا وَاتَّصَلَا وَمِنْ عُرُوضِ عَرِيَا
فَيَاءَ الْوَاوَ اقْلِيَنَّ مُذْغِمَا وَشَذَّ مُعْطَى غَيْرَ مَا قَدْ رُسِمَا
و((الواجد)) : - بالجيم -: الموسر (يُحِلُّ) بضم أوله، من الإحلال: أي يُبيح للدائن
(عِرْضَهُ، وَعُقُوبَتَهُ))) بالنصب فيهما على المفعوليّة، و((العِرْض)) : - بكسر، فسكون -:
هو جانب الرجل الذي يصونه من نفسه، وحَسَبه أن يُنْتَقَصَ، ويُثْلَبَ، أو سَوَاءٌ كان في
نفسه، أو سَلَفه، أو من يلزمه أمره، أو موضع المدح والذّمّ منه، أو ما يَفْتخِر به من
حسَب وشَرَف، وقد يُراد به الآباء، والأجداد. قاله المجد في ((القاموس)).
والمعنى: أنه إذا مطل الغني عن قضاء دينه يحلّ للدائن أن يُغلّظ القول عليه، ويُشدّد
في هتك عرضه، وحرمته، وكذا للقاضي أن يغلّظ عليه، ويحبسه تأديبًا له؛ لأنه ظالم،
والظلم حرام، وإن قلّ. أفاده في ((عون المعبود)) ١٠/ ٥٦.
وقال أبو داود: قال ابن المبارك: ((يُحلّ عِرضه)) يُغَلَّظ له، و(عقوبته)) يُحبس له.
انتهى. وقال النوويّ: قال العلماء: يحلّ عرضه بأن يقول: ظلمني، مطلني، و((عُقُوبته))
الحبس، والتعزير. انتهى. وقال ابن منظور: أي لصاحب الدين أن يذُمّ عرضه، ويَصِفه
بسوء القضاء؛ لأنه ظالم له بعد ما كان محرّمًا منه، لا يحلّ له اقتراضه، والطعن عليه.
وقيل: عِرضه أن يُغْلِظَ له، وعُقُوبته: الحبس. وقيل: معناه: أنه يحلّ له شكايته منه.
وقيل: معناه أن يقول: يا ظالم أنصِفني؛ لأنه إذا مَطَله، وهو غنيّ، فقد ظلمه. انتهى
((لسان العرب)) ١٧١/٧. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.

٢٩٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوعِ
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حدیث الشرید بن سُوید تڅّ هذا حسنٌ من أجل محمد بن میمون، فإنه لم يرو عنه غیر
وَبْرٍ ، وقد أثني عليه خيرًا، ووثقه ابن حبّان، فهو حسن الحديث. والله تعالى أعلم بالصواب.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٠٠/ ٤٦٩١ و٤٦٩٢- وفي ((الكبرى)) ٦٢٨٨/١٠٢ و٦٢٨٩ .
وأخرجه (ت) في ((الأقضية)) ٣٦٢٨ (ق) في ((الأحكام)) ٢٤٢٧ (أحمد) في ((مسند
الكوفيين)) ١٨٩٦٢ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم مطل الموسر في أداء
دينه، وهو التحريم. (ومنها): أن الظلم يُحلّ هتك عرض الظالم، الذي كان محرّما
بنصّ الحديث المتفق عليه في قوله بَالر: ((فإن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم، عليكم
حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا)) الحديث. (ومنها): ما
قاله الخطّابي: فيه دليلٌ على أن المعسر لا حبس عليه؛ لأنه أباح له حبسه إذا كان
واجدًا، والْمُعْدِم غير واجد، فلا حبس عليه، وقد اختلف الناس في هذا، فكان شُريخ
يرى حبس المليء والْمُعدِم، وإلى هذا ذهب أصحاب الرأي. وقال مالك: لا حبس
على معسر، إنما حظّه الإنظار. ومذهب الشافعيّ أن من كان ظاهر حاله الإعسار، فلا
يُحبس، ومن كان ظاهره اليسار حُبس، إذا امتنع من أداء الحقّ. انتهى ((معالم السنن))
٢٣٦/٥-٢٣٧ .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: سيأتي تحقيق هذا الخلاف في المسألة التالية، إن شاء
الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم، في حبس المعسر بدينه:
قال الموفّق رحمه الله تعالى: من وجب عليه دين حالٌ، فطولب به، ولم يؤده، نظر
الحاكم، فإن كان في يده مال ظاهر، أمره بالقضاء، فإن ذكر أنه لغيره، فسيأتي حكمه
في المسألة التالية، وإن لم يجد له مالا ظاهرا، فادعى الإعسار فصدقه غريمه، لم
يحبس، ووجب إنظاره، ولم تجز ملازمته؛ لقول الله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ
فَنَظِرَةُ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، ولقول النبي ◌َّ لغرماء الذي كثر دينه: ((خذوا ما
وجدتم، وليس لكم إلا ذلك))، أخرجه مسلم، ولأن الحبس: إما أن يكون لإثبات
عسرته، أو لقضاء دينه، وعسرته ثابتة، والقضاء متعذر، فلا فائدة في الحبس، وإن

٢٩٥
١٠٠ - (مَطْلُ الْغَنِيِّ) - حديث رقم ٤٦٩١
كَذَّبه غريمه فلا يخلو: إما أن يكون عُرف له مال، أو لم يُعرف، فإن عرف له مال،
لكون الدين ثبت عن معاوضة، كالقرض، والبيع، أو عُرف له أصل مال سوى هذا،
فالقول قول غريمه مع يمينه، فإذا حلف أنه ذو مال حبس، حتى تشهد البينة بإعساره.
قال ابن المنذر: أكثر من نحفظ عنه من علماء الأمصار، وقضاتهم، يرون الحبس في
الدين، منهم: مالك، والشافعي، وأبو عبيد، والنعمان، وسَوّار، وعبيد الله بن
الحسن، وروي عن شريح، والشعبي، وكان عمر بن عبد العزيز، يقول: يُقسَم ماله بين
الغرماء، ولا يحبس، وبه قال عبد الله بن جعفر، والليث بن سعد.
وحجة الأولين: أن الظاهر قول الغريم، فكان القول قولَهُ كسائر الدعاوى. انتهى
((المغني)) ٦/ ٥٨٥-٥٨٦ .
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه الأولون هو الأرجح؛ لوضوح
أدلّته، كما مرّ بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في ملازمة الدائن لمدينه المعسر:
قال الموفّق رحمه الله تعالى: متى ثبت إعساره عند الحاكم، لم يكن لأحد مطالبته،
وملازمته، وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: لغرمائه ملازمته، من غير أن يمنعوه من
الكسب، فإذا رجع إلى بيته، فأذن لهم في الدخول دخلوا معه، وإلا منعوه من
الدخول؛ لقول النبي ◌َّير: (لصاحب الحق اليد واللسان))(١).
قال: ولنا إن من ليس لصاحب الحق مطالبته، لم يكن له ملازمته، كما لو كان دينه
مؤجلًا، وقول الله تعالى: ﴿فَنَظِرَةُ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٠]، ومن وجب
إنظاره حرمت ملازمته، كمن دينه مؤجل، والحديث فيه مقال، قاله ابن المنذر.
ثم على تقدير صحته نحمله على الموسر، بدليل ما ذكرنا، فقد ثبت أن النبي وَّ،
قال لغرماء الذي أصيب في ثمار ابتاعها، فكثر دينه: ((خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا
ذلك))، رواه مسلم، وغيره.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول الأول هو الأرجح عندي؛ لقوله وَّر في
الحديث المذكور: ((وليس لكم إلا ذلك)). والله تعالى أعلم.
قال: وإن فُكّ الحجر عنه لم يكن لأحد مطالبته، ولا ملازمته حتى يملك مالا، فإن
جاء الغرماء عَقِبَ فك الحجر عنه، فادعوا أن له مالا، لم يُلتفت إلى قولهم حتى يُثبتوا
سببه، فإن جاؤوا بعد مدة، فادعوا أن في يده مالًا، أو ادعوا ذلك عَقِبَ فك الحجر،
(١) أخرجه الدار قطنيّ في ((سننه)) ٤/ ٢٣٢.

٢٩٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
وبينوا سببه أحضره الحاكم وسأله، فإن أنكر فالقول قوله مع يمينه؛ لأنه ما فك الحجر
عنه حتى لم يبق له شيء، وإن أقر، وقال هو لفلان، وأنا وكيله، أو مضار به، وكان
الْمُقَرُّ له حاضرا، سأله الحاكم، فإن صَدَّقه فهو له، ويستحلفه الحاكم؛ لجواز أن يكونا
تواطآ على ذلك؛ ليدفع المطالبة عن المفلس، وإن قال: ما هو لي، عرفنا كذب
المفلس، فيصير كأنه قال: المال لي، فيعاد الحجر عليه، إن طلب الغرماء ذلك، وإن
أقر لغائب، أُقِرَّ في يديه، حتى يحضر الغائب، ثم يسأل كما حكمنا في الحاضر، ومتى
أعيد الحجر عليه لديون، تجددت عليه شارك غرماء الحجر الأول، غرماء الحجر
الثاني، إلا أن الأولين يضربون ببقية ديونهم، والآخرون يضربون بجميعها، وبهذا قال
الشافعي، وقال مالك: لا يدخل غرماء الحجر الأول، على هؤلاء الذين تجددت
حقوقهم، حتى يستوفوا، إلا أن تكون له فائدة من ميراث، أو نُجُنَى عليه جنايةٌ،
فيتحاص الغرماء فيه .
قال: ولنا أنهم تساووا في ثبوت حقوقهم في ذمته، فتساووا في الاستحقاق، كالذين
تثبت حقوقهم في حجر واحد، وكتساويهم في الميراث، وأرش الجناية، ولأن مكسبه
مال له، فتساووا فيه كالميراث. انتهى ((المغني)) ٦/ ٥٨٤-٥٨٥.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: القول بتساوي الجميع في الاستحقاق كما ذهب إليه
الشافعي، وأحمد رحمهما الله تعالى هو الأشبه؛ لتساويهم في ثبوت الدين. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٦٩٢- (أَخَبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعُ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَبْرُ بْنُ أَبِي
دُلَيْلَةَ الطَّائِفِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَيْمُونِ بْنٍ مُسَيْكَةَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ خَيْرًا، عَنْ عَمْرِو بْنِ
الشَّرِيدِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَسُولِ اللّهِ بِّ، قَالَ: (لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ، وَعُقُوبَتَهُ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((إسحاق بن إبراهيم)): هو ابن راهويه. و((وكيع)):
هو ابن الجرّاح. و((محمد بن ميمون)): هو محمد بن عبد الله بن ميمون المذكور في
السند الماضي.
وقوله: ((وأثني عليه خيرًا»: أي أثنى وَبْرُ بن أبي دُليلة على محمد بن ميمون شيخه،
ومدحه بخير .
والحديث حسنٌ، وقد سبق شرحه، وبيان مسائله في الذي قبله. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب».

٢٩٧
١٠١- (الْحَوَالة) - حديث رقم ٤٦٩٣
١٠١ - (الْحَوَالَةُ)
٤٦٩٣- (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةٌ عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ،
وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي اَلَزِّنَادٍ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وََّ، قَالَ: «مَطْلُ الْغَنِيّ ظُلْمٌ، وَإِذَا أَتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ
فَلْيَتْبَعْ))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، سوى
شيخه الحارث، فقد تفرد به هو وابو داود، وهو مصريّ ثقة حافظ. و((ابن القاسم)): هو
عبد الرحمن الْعُتقيّ الفقيه. والسند نصفه الأول مصريّون، ونصفه الثاني مدنيّون.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم شرحه، وتخريجه في الباب الماضي ، وبقي الكلام
على ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو البحث عن الحوالة، وفيه مسائل:
(المسألة الأولى): في معنى الحوالة، واشتقاقها:
قال في ((الفتح)): ((الْحَوالة)) - بفتح الحاء، وقد تُكسر -: مشتقة من التحويل، أو من
الْحُثُول: تقول حال عن العهد: إذا انتقل عنه حُثُولا، وهي عند الفقهاء نقل دين من ذمة
إلى ذمة. واختلفوا هل هي بيع دين بدين، رُخْص فيه، فاستُثني من النهي عن بيع الدين
بالدين، أو هي استيفاء. وقيل: هي عقد إرفاق مستقل، ويشترط في صحتها رضا
المحيل، بلا خلاف، والمحتال عند الأكثر، والمحال عليه، عند بعض من شذّ،
ويشترط أيضا تماثل الحقين في الصفات، وأن يكون في شيء معلوم، ومنهم من خصها
بالنقدين، ومنعها في الطعام؛ لأنه بيع طعام قبل أن يُسْتَوفَى. انتهى)) فتح)) ٢٢٨/٥.
وقال في ((المغني)): الحوالة ثابتة بالسنة والإجماع، أما السنة، فما رَوَى أبو هريرة
رَّهُ أن النبي ◌َّه قال: ((مطلُ الغنى ظلم، وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع)) متفق
عليه، وفي لفظ: ((من أحيل بحقه على مليء، فليحتل))، وأجمع أهل العلم على جواز
الحوالة في الجملة. واشتقاقها من تحويل الحق من ذمة إلى ذمة، وقد قيل: إنها بيع،
فإن المحيل يشتري ما في ذمته بما له في ذمة المحال عليه، وجاز تأخير القبض رخصةً؛
لأنه موضوع على الرفق، فيدخلها خيار المجلس لذلك، والصحيح أنها عَقْدُ إرفاق،
منفرد بنفسه، ليس بمحمول على غيره؛ لأنها لو كانت بيعا، لما جازت؛ لكونها بيع دين
بدين، ولما جاز التفرق قبل القبض؛ لأنه بيع مال الربا بجنسه، ولجازت بلفظ البيع،
ولجازت بين جنسين، كالبيع كله، ولأن لفظها يشعر بالتحول، لا بالبيع، فعلى هذا لا

٢٩٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
يدخلها خيار، وتلزم بمجرد العقد، وهذا أشبه بكلام أحمد وأصوله.
ولا بد فيها من محيل، ومحتال عليه، ويشترط في صحتها رضى المحيل بلا خوف،
فإن الحق عليه، ولا يتعين عليه جهة قضائه، وأما المحتال، والمحال عليه، فلا يعتبر
رضاهما على ما سنذكره إن شاء الله تعالى. انتهى ((المغني)) ٥٦/٧. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): في شروط الحوالة:
(اعلم): أنهم ذكروا لصحة الحوالة شروطًا أربعة، قد ذكرها الموفّق رحمه الله
تعالى، وفصّلها تفصيلا حسنًا في كتابه الممتع ((المغني))، أحببت تلخيصه فيما يلي:
(أحدها): تماثل الحقين؛ لأنها تحويل للحق، ونقل له، فينقل على صفته، ويعتبر
تماثلهما في أمور ثلاثة: [أحدها]: الجنس، فيحيل من عليه ذهبٌ بذهب، ومن عليه
فضة بفضة، ولو أحال من عليه ذهب بفضة، أو من عليه فضة بذهب لم يصح.
[الثاني]: الصفة، فلو أحال من عليه صحاح بمكسرة، أو من عليه مصرية بأميرية لم
يصح. [الثالث]: الحلول والتأجيل، ويعتبر اتفاق أجل المؤجلين، فإن كان أحدهما
حالًا، والآخر مؤجلا، أو أجل أحدهما إلى شهر، والآخر إلى شهرين لم تصح
الحوالة.
(الشرط الثاني): أن تكون على دين مستقر، ولا يعتبر أن يحيل بدين غير مستقر، إلا
أن السلم لا تصح الحوالة به، ولا عليه؛ لأن دين السلم ليس بمستقر؛ لكونه بِعَرْض
الفسخ لانقطاع المسلم فيه، ولا تصح الحوالة به؛ لأنها لم تصح إلا فيما يجوز أخذ
العوض عنه، والسلم لا يجوز أخذ العوض عنه؛ لقول النبي ◌َّ: ((من أسلم في شيء،
فلا يصرفه إلى غيره))، رواه أبو داود، ولا تصح الحوالة على المكاتب بمال الكتابة؛
لأنه غير مستقر، فإن له أن يمتنع من أدائه، ويسقط بعجزه، وتصح الحوالة علیه بدین،
غير دين الكتابة؛ لأن حكمه حكم الأحرار في المداينات، وإن أحال المكاتب سيده
بنجم قد حل عليه صح، وبرئت ذمة المكاتب بالحوالة، ويكون ذلك بمنزلة القبض.
(الشرط الثالث): أن تكون بمال معلوم؛ لأنها إن كانت بيعًا، فلا تصحّ في مجهول،
وإن كانت تَحَوَّلَ الحق، فيعتبر فيها التسليم، والجهالة تمنع منه، فتصح بكل ما يثبت
مثله في الذمة بالإتلاف، من الأثمان، والحبوب، والأدهان، ولا تصح فيما لا يصح
السلم فيه؛ لأنه لا يثبت في الذمة.
(الشرط الرابع): أن يحيل برضائه؛ لأن الحق عليه، فلا يلزمه أداؤه من جهة الدين
الذي على المحال عليه، ولا خلاف في هذا، فإذا اجتمعت شروط الحوالة، وصحت

٢٩٩
١٠١ - (الْحَوَالة) - حديث رقم ٤٦٩٣
برئت ذمة المحيل في قول عامة الفقهاء، وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة
التالية، إن شاء اللَّه تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في الأمر في قوله بَّرَ: ((فليتبع))، هل هو
للوجوب، أم للاستحباب؟:
قال في ((الفتح)) ٢٣٠/٥ -: ما حاصله: ذهب الجمهور إلى أنه للاستحاب، وَوَهِمَ
من نقل فيه الإجماع. وقيل: هو أمر إباحة وإرشاد، وهو شاذٌ، وحمله أكثر الحنابلة،
وأبو ثور، وابن جرير، وأهل الظاهر على ظاهره، وعبارة الخرقي: ومن أُحيل بحقه
على مليء، فواجب عليه أن يحتال. انتهى.
وقال الموفّق رحمه الله تعالى عند شرح قول الخرقيّ المذكور: ما حاصله: والظاهر
أن الخرقيّ أراد بالمليء ههنا القادر على الوفاء، غير الجاحد، ولا المماطل، قال: فإذا
أحيل على من هذه صفته، لزم المحتال، والمحال عليه القبول، ولم يعتبر رضاهما.
وقال أبو حنيفة: يعتبر رضاهما؛ لأنها معاوضة، فيعتبر الرضا من المتعاقدين. وقال
مالك، والشافعي: يعتبر رضى المحتال؛ لأن حقه في ذمة المحيل، فلا يجوز نقله إلى
غيرها بغير رضاه، كما لا يجوز أن يجبره على أن يأخذ بالدين عرضا، فأما المحال
عليه، فقال مالك: لا يعتبر رضاه، إلا أن يكون المحتال عدوه. وللشافعي في اعتبار
رضائه قولان: أحدهما: يعتبر، وهو يحكى عن الزهري؛ لأنه أحد من تتم به الحوالة،
فأشبه المحيل. والثاني: لا يعتبر؛ لأنه أقامه في القبض مقام نفسه، فلم يفتقر إلى رضى
من عليه الحق، كالتوكيل.
قال: ولنا قول النبي وَّر: (إذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع))، ولأن للمحيل أن يوفي
الحق الذي عليه بنفسه، وبوكيله، وقد أقام المحال عليه مقام نفسه في التقبيض، فلزم
المحال القبول، كما لو وكل رجلا في إيفائه، وفارق ما إذا أراد أن يعطيه عما في ذمته
عرضا؛ لأنه يعطيه غير ما وجب له، فلم يلزمه قبوله. انتهى ((المغني)) ٧/ ٦٢ / ٦٣ .
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: عندي أن ما قاله الحنابلة، وأبو ثور، وابن جرير،
وأهل الظاهر من كون الأمر للوجوب، وأنه يجب على المحال قبول، إذا توفّرت
الشروط هو الأرجح؛ لأمره وَّر بذلك، والأصل في الأمر الوجوب، إلا لصارف، ولا
يوجد هنا صارف، من نصّ، ولا إجماع، فتبصّر بالإنصاف، ولا تتحيّر بالاعتساف.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم، هل يرجع المحتال على المحيل بعد
الحوالة، أم لا؟ :

= ٣٠٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
قال في ((الفتح)): ما حاصله: سئل قتادة، والحسن، عن رجل احتال على رجل،
فأفلس؟ قالا: إن كان مليا يوم احتال عليه، فليس له أن يرجع، وقيده أحمد بما إذا لم
يعلم المحتال بإفلاس المحال عليه، وعن الحكم لا يرجع، إلا إذا مات المحال عليه،
وعن الثوري يرجع بالموت، وأما بالفَلَس، فلا يرجع إلا بمحضر المحيل والمحال
عليه. وقال أبو حنيفة: يرجع بالفلس مطلقا، سواء عاش، أو مات، ولا يرجع بغير
الفلس. وقال مالك: لا يرجع إلا إن غره، كأن علم فَلَس المحال عليه، ولم يُعلمه
بذلك. وقال الحسن، وشريح، وزفر: الحوالة كالكفالة، فيرجع على أيهما شاء، وبه
يشعر إدخال البخاري أبواب الكفالة، في كتاب الحوالة.
وذهب الجمهور إلى عدم الرجوع مطلقا، واحتج الشافعي بأن معنى قول الرجل
أحلته، وأبرأني، حَوَّلت حقه عني، وأثبته على غيري، وذَكَر أن محمد بن الحسن احتج
لقوله، بحديث عثمان: أنه قال في الحوالة، أو الكفالة: يرجع صاحبها، لا توى: أي
لا هلاك على مسلم، قال فسألته عن إسناده، فذكره عن رجل مجهول، عن آخر
معروف، لكنه منقطع بينه وبين عثمان، فبطل الاحتجاج به من أوجه، قال البيهقيّ :
أشار الشافعي بذلك، إلى ما رواه شعبة، عن خُليد بن جعفر، عن معاوية بن قرة، عن
عثمان، فالمجهول خليد، والانقطاع بين معاوية بن قرة وعثمان، وليس الحديث مع
ذلك مرفوعا، وقد شك راويه، هل هو في الحوالة، أو الكفالة. انتهى ((الفتح)) ٥٪
٢٢٨-٢٢٩ .
وقال الموفّق رحمه الله تعالى- بعد أن ذكر الشروط الماضية -: فإذا اجتمعت شروط
الحوالة، برِئت ذمّة المحيل في قول عامّة الفقهاء، إلا ما يروى عن الحسن، أنه كان لا
يرى الحوالة براءة، إلا أن يبرئه، وعن زفر أنه قال: لا تَنْقُلُ الحقَّ، وأجراها مجرى
الضمان، وليس بصحيح؛ لأن الحوالة مشتقة من تحويل الحق، بخلاف الضمان، فإنه
مشتق من ضم ذمة إلى ذمة، فعُلِّقَ على كل واحد مقتضاه، وما دل عليه لفظه.
إذا ثبت أن الحق انتقل، فمتى رضي بها المحتال، ولم يشترط اليسار، لم يعد الحق
إلى المحيل أبدا، سواء أمكن استيفاء الحق، أو تعذر لمطل، أو فلس، أو موت، أو
غير ذلك، هذا ظاهر كلام الخرقي، وبه قال الليث، والشافعي، وأبو عبيد، وابن
المنذر، وعن أحمد ما يدل على أنه إذا كان المحال عليه مفلسا، ولم يعلم المحتال
بذلك فله الرجوع، إلا أن يرضى بعد العلم، وبه قال جماعة من أصحابنا، ونحوه قول
مالك؛ لأن الفلس عيب في المحال عليه، فكان له الرجوع، كما لو اشترى سلعة
فوجدها معيبة، ولأن المحيل غره، فكان له الرجوع، كما لو دلس المبيع، وقال